← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فهذه الآية: تشمل ما ذكر، وتشمل نقل عضو من عين ونحوها، حتى ولو كان لا يضر المنقول منه مطلقاً مثل نقل شعر من آدمي لوصله في رأس آخر. وقد كان نزول هذه الآية في " فقء عين الأنعام، وشق آذانها" والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ويشهد لهذا العموم، حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى)) مالي لا ألعن ما لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله تعالى". وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنة عروساً أصابتها حصبة، فتمزق شعرها أفأصله؟ فقال ((لعن الله الواصلة، والمستوصلة)) فهذا دل على أمرين: ١- أن العلاج بنقل عضو لا يجوز للوعيد المذكور، فهو مثلة. ٢- أن من أصيب بداء من ذلك لا يجوز التعالج بتعويضه من بدن إنسان آخر. وهذا تغيير لخلق الله. ولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في وجه الدلالة من هذه الأحاديث (١) : " إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المحرم والزوج، وغيرهما بلا خلاف، لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه، لكرامته، بل يدفن (٢) شعره، وظفره، وسائر أجزائه". اهـ. وفي تفسير هذه الآية تكلم القرطبي على حرمة خصاء الآدمي ونقل عن ابن عبد البر قوله: " لا يختلف فقهاء الحجازيين، وفقهاء الكوفة، أن خصاء بني آدم لا يحل، ولا يجوز لأنه مثلة، وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود". اهـ.

стр. 2837

وقال النووي رحمه الله تعالى أيضا: " ولا يجوز أن يقطع ـ أي الآدمي ـ لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف ". اهـ. لكن هذا الوجه من الاستدلال في حرمة التمثيل على حرمة النقل والتعويض والتشريح فيه نظر لما يلي: وهو أن الأمور بمقاصدها، فالتمثيل المحرم هو المبني على التشفي والحقد والانتقام والإيذاء، لهذا جاز القصاص في النفس وما دونها " العين بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم " ولم يعد مثلة محرمة فتلحق بالتمثيل المحرم، بل هذا عين العدل، لأنه مبني على العقوبة بالمثل. وهكذا يمكن أن يقال في التشريح لجثة الميت لكشف الجريمة مثلاً لمصلحته، ومصلحة وارثه، ومصلحة أمن الجماعة. وهكذا في النقل والتعويض الإنساني، فهذا والله أعلم يعد من باب الإحسان والإيثار. فالصورة في قلع العين كما ترى واحدة، والنتيجة الحكمية مختلفة، فقلع العين كفصل القرنيتين مثلة محرمة وقلع القرنية من العين لمصلحة حي لا يحتسب مثلة بل يحتسب إحساناً، وقلع العين قصاصاً يعتبر عدلاً، والله أعلم. ي- رعاية حرمة المسلم ميتاً كرعاية حرمته حياً. وقد جاءت النصوص بتحريم كسر عظم الميت والنهي عن إيذائه، والنهي عن وطء قبره.. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) رواه أبو داود وابن ماجة، والدارقطني ولفظه: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم)) . ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: ((أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته)) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)) . رواه مسلم والأربعة.

стр. 2838

وجه الاستدلال: إذا كانت حرمة المسلم ميتاً مساوية لحرمته حياً، فكيف تكون الجرأة بهتك حرمته، من تمزيق بدنه بتشريحه، وانتزاع عضو بل أعضاء منه. قال الحافظ ابن حجر: (ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد الموت باقية كما كانت في حياته) . اهـ. ك- الحجر والمنع لمتطبب الجاهل رعاية للنوع البشري من العبث وتضمينه (١) ، ((من للمتطيب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم. ٤- الموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار: ثم هذه القاعدة العظيمة التي تعني الحفظ العام والرعاية الشاملة لهذه المقاصد الخمسة بجزئياتها، تدور مفرادتها في قاعدة الشريعة الأخرى وهي: " الموازنة ... إلخ. فإن تغالبتا فالحكم للغالبة منهما، وإن تساوتا قدم الحظر درءا للمفسدة. ٥- اعتبار المصالح: ثم إن " المصلحة في الشرع " وهي مفسرة بما يعني: جلب المنفعة، ورفع المضرة تحقيقاً لأي من المقاصد الخمسة المذكورة ـ هي بالاعتبار لا تخلو من واحدة من ثلاث: ١- مصلحة شهد الشرع باعتبارها كالحدود. ٢- مصلحة لم يشهد الشرع لها بالاعتبار، بل هي منحطة عن مصالحه المعتبرة، وهي ما شهد النص بإلغائها، كقول من قال من العلماء: يوجب كفارة الصيام دون الإعتاق على من جامع من الملوك في نهار رمضان، وهو صائم. ٣- وثالثة لم يشهد لها الشرع نصاً بأي من هذين الاعتبارين، وهذه تسمى " المصلحة المرسلة " وسميت مرسلة لعدم النص وروداً بها.

стр. 2839

٦- مراتب المصالح: ثم هذه المصالح المرسلة تدور بين رتب ثلاث: ١- مرتبة الضرورة. ٢- مرتبة الحاجة. ٣- مرتبة التحسين. فما يتطلبه بدن الآدمي الحي من بدن إنسان لا يخلو أن يكون أمراً تحسينياً تجميلياً فهل تنتهك حرمة بدن الميت مثلاً لغرض تحسيني؟. ومثله في غير الآدمي: يسير الذهب في الإناء كالضبة. وإما أن يكون حاجياًَ بمعنى أن يكون مكملاً لعمل كفائي في بدن الإنسان، دون منزلة الضرورة، فهل تنتهك حرمة محرمة الانتهاك لغرض حاجي؟ ومثل الحاجة في غير الآدمي: يسير الفضة التابع كما في حديث أنس ﵁: " إن قدح رسول الله ﷺ لما انكسر شعب بالفضة " وإما أن يكون ضرورياً بمعنى توقف حياته عليه. فهذا انتهاك حرمة بدن ميت بجانب العمل على حياة لآدمي معصوم فما الحكم؟

стр. 2840

٧- قواعد دفع الضرر ورفع المشقة: ١) الضرر يزال ٢) والضرورات تبيح المحظورات. ٣) ويرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما. ٤) ويتحمل الضرر الخاص لدفع العام. ٥) والضرورة تقدر بقدرها، ٦) والمشقة تجلب التيسير. ٧) والأمر إذا ضاق اتسع. ثم الضرورات إذا حصلت، فإن الضرر يزال، والضرورة تبيح المحظور، والمشقة تجلب التيسير. وتأسيساً على هذه القواعد المترابطة الآخذ بعضها بحجز بعض، جالت أنظار العلماء المتقدمين في عدد من الفروع الفقهية في غذاء الآدمي عند الاضطرار أو دوائه وأشياء أخرى كلها واردة على مقصد الشرع في ضرورة " حفظ النفس " بين الجواز والمنع، والقبول والكراهة، أسوق رؤوساً لمسائل فيها دون التعرض لذكر الخلاف فضلاً عن تحرير، لأن هذا مما يطول، ولا يعنينا هنا تحرير الحكم البات في كل مسألة بعينها، أكثر مما يعنينا ذكرها وإن أنظار العلماء جالت فيها، وإن كان الأكثر على جواز أكثرها وكل كتاب من كتب المذاهب المعتبرة إلا ويذكرها أو بعضها لعموم البلوى، وقد ذكر أكثرها: العز بن عبد السلام في " قواعد الأحكام ١/٨٦ ـ ٩٨" في مبحث: " ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه".

стр. 2841

وابن قدامة في " المغني ٩/ ٤١٧ ـ ٤١٩، ١١/ ٧٨ ـ ٨٠" وأتى على عامة النقول من المذاهب الأربعة: اليعقوبي في" شفاء التباريح والأدواء ص/٤٥ ـ ٧٤" والى رؤوس المسائل فيها: ١- شق بطن المرأة الميتة التي في بطنها حمل متحرك يضطرب. وفي هذا إنقاذ لحياة معصوم، وهي مصلحة أعظم من مفسدة انتهاك حرمة الميت (١) . لكن هذا الشق يطابق وظيفة الأم الطبيعية، وقد توصل الطب الحديث إلى عمله في المرأة الحية، إذا تعسرت ولادتها، فهو عملية مجردة في محل واحد، هو: " الميت متصل به حي أو حي متصل به ميت أو حي، ولا سبيل إلى الإنقاذ للحي إلا بهتك حرمة وعائه " الحي المتلبس به " بخلاف المفارق كأخذ عضو من ميت إلى حي آخر فلا مماسة، فافترقا فبطل إذا: التنظير والقياس للاستدلال بها في النقل من ميت إلى حي. والله أعلم. ٢- رمي من تترس به الكفار من أسارى المسلمين في الحرب (٢) . ٣- رمي الكفار بالمنجنيق إذا تترسوا بالحصون، وإن كان فيهم النساء والأطفال (٣) . ٤- أكل المضطر لحم آدمي إذا لم يجد غيره مما يؤكل لسد رمقه (٤) . قال الحنابلة: لا يجوز، وقال الشافعية والحنفية: يجوز، لأن حركة الحي أعظم. ٥- بقر بطن الميت إذا ابتلع دنانير للغير (٥) . لكن هذا جاز شق بطنه لأنه هتك حرمة نفسه بتعديه على مال الغير كالسارق إذا سرق قطعت يده. والله أعلم. ٦- استهام ركاب السفينة لإلقاء بعضهم في حال مشاهدة العطب تلافياً للغرق (٦) . ٧- وصل عظم الرجل بعظم أنثى وعكسه. قال عبد الحميد الشرواني في حاشيته على: تحفة المحتاج شرح المنهاج (٧) : " يجوز للذكر الوصل بعظم الأنثى وعكسه، ثم قال: وينبغي أن لا ينقض وضوءه، ووضوء غيره به، وإن كان طاهراً، ولم تحله الحياة لأن العضو المبان لا ينقض الوضوء بمسه إلا إذا كان من الفرج وأطلق عليه اسمه " اهـ.

стр. 2842

٨- قال بعض أصحاب الشافعي: للمضطر إذا لم يجد شيئاً أن يأكل بعض أعضائه؛ لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الآكلة (١) . ٩- إذا لم يجد المضطر إلا آدمياً، فإن كان معصوماً محقوق الدم فليس له قتله ليسد منه رمقه إجماعاً ولا إتلاف عضو منه مسلماً كان أو كافراً. وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له ذلك، وبه قال أصحاب الشافعي (٢) . ١٠- نبش القبر لمصلحة، وله وقائع متعددة (٣) . ١١- قطع اليد المتآكلة حتى لا تسري إلى البدن (٤) . ١٢- شرب لبن الميتة للمضطر، وانتشار المحرمية به (٥) .١٣- إجراء العمليات الجراحية إن غلب على الظن نجاحها (٦) . مثل بسط القرحة بالكي، وقطع الإصبع الزائدة، وشق المثانة إذا كانت فيها حصاة. ١٤- تنبيه: في المغني وغيره ما نصه (٧) : " قال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء.." اهـ. وقال الباجوري (٨) " وللمضطر أكل ميتة الآدمي إذا لم يجد ميتة غيره لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، إلا إن كان الميت نبياً فلا يجوز الأكل منه جزماً لشرفه على غيره بالنبوة " اهـ. وقال التاج بن السبكي في ترجمة المزني (٩) : بعد جزمه بأن الصحيح في المذهب أن المضطر يأكل لحم الآدمي الميت قال التاج: " قال إبراهيم المروروذي: إلا أن يكون الميت نبياً " اهـ.

стр. 2843

وقال النووي (١) : " قال الشيخ إبراهيم المروروذي: إلا إذا كان الميت نبياً فلا يجوز الأكل منه بلا خلاف؛ لكمال حرمته، ومزيته على غير الأنبياء " اهـ. وقال القرطبي (٢) : ولا يأكل ـ أي المضطر ـ ابن آدم ولو مات قاله علماؤنا، وبه قال أحمد وداود، احتج أحمد بقوله ﵇: ((كسر عظم الميت ككسره حيا)) ، وقال الشافعي: يأكل لحم ابن آدم، ولا يجوز أن يقتل ذمياً لأنه محترم الدم، ولا مسلماً، ولا أسيراً لأنه مال الغير، فإن كان حربياً، أو زانياً محصناً: جاز قتله والأكل منه " اهـ. وهذا كله يدل على أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لم يقل بإباحة أكل لحوم الأنبياء، إضافة إلى أنه لا سند لذلك إليه، وعلى فرض أنه قال ذلك، وحاشاه من أن يقوله يكون ذلك من قبيل ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في ١/٢١٩ الاستقامة عن ابن المبارك أنه قال: " رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته " اهـ. ١٥ - وقد بلغ الحال إلى اتخاذ أعضاء مصطنعة من الذهب والخشب، ونحوهما. وحصل بالتتبع عدد من الواقعات من عصر النبي ﷺ إلى القرن السادس. ومنه اتخاذ: عرفجة ﵁ أنفا من فضة لما أصيبت أنفه يوم كلاب. و ((النبي ﷺ رد عين قتادة بن النعمان لما أصيبت عينه يوم بدر.)) و ((رد ﷺ عين أبي سفيان لما أصيبت يوم حنين.)) وهكذا في وقائع على تعاقب العصور. ومنها: اتخاذ الزمخشري سنة ٥٣٨ هـ رجلا من خشب، والله أعلم.

стр. 2844

المبحث السادس تخريج وتنزيل الممارسات الطبية المعاصرة على المدارك الشرعية وبعد هذا التطواف المبين لمدارك ومآخذ الأحكام التي فيها ممارسات على بدن الإنسان وتنزيل الفروع الفقهية المعاصرة لمتقدمي الفقهاء عليها. وبعد أن أحاط الناظر خبراً بأنواع الممارسات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان في أوعيتها الثلاثة العامة وهي: ١- إجراء العمليات. ٢- التشريح. ٣- النقل والتعويض الإنساني وعلم أقسام كل على سبيل التتبع والاستقراء، مما به يعلم " التصور الطبي للنازلة الطبية " حتى يمكن معرفة تقبل القواعد الشرعية لها جوازاً أو منعاً. بعد هذا كله نأخذ بها واحدة إثر الأخرى في أوعيتها العامة على ما يلي: أولاً إجراء العمليات طرداً لمشروعية التداوي في الشرع، فإن إجراء الممارسة الطبية الفاعلة على بدن الإنسان في عملية شق البطن لرتق فتق، أو قطع زائدة دودية ونحو ذلك، مما فيه دفع مرض، والعادة جارية بنجاحه في عرف الطب الذي يعايشه الإنسان ... فهذا مما لا خلاف في جوازه إلحاقاً له بحكم الأصل. نعم الخلاف في بعض متعلقات العملية من التخدير بالبنج، والمشارطة على البرء.... وهذه ونحوها محررة أحكامها في المدونات الفقهية، والله أعلم.

стр. 2845

ثانياً: التشريح علم التشريح مرتكز أساسي لحذق الطبيب، وطريق اكتسابه إما عملياً أو نظرياً، ولا غنى للطبيب عن ممارسته عملياً. والتشريح أيضاً هو الأساس في تشخيص الأمراض. والتشريح مفيد إلى حد ما في تحديد سبب الوفاة هل هو باعتداء أم بدون اعتداء، وفي كشف الجريمة هل هي بمثقل أو محدد، وهل الوفاة بسبب الجناية أو ليست بسببها، والتشريح أساس للطب في إطار " النقل والتعويض الإنساني ". والتشريح يفيد تأييد الحكم الفقهي في مسائل شرعية يقررها الفقهاء منها: ١- أن بعض أهل العلم قرروا في: عين الأعور الدية كاملة، والعلة أن العين العوراء يرجع نورها للصحيحة. والتشريح يكشف عن تحديد هذا حتى يصحح القول بوجوب الدية كاملة، أو نصف الدية كالشأن فيمن له عينان سليمتان فجني على إحداهما ففيها نصف الدية (١) . ٢- ومنه البحث في طهارة المني ونجاسته (٢) . فقد علل القائلون بنجاسته وهم: المالكية، والحنفية، بأنه من مجرى البول. والشافعية قالوا بأن لكل منهما مجرى فهو طاهر، قال القاضي أبو الطيب: " وقد شق ذكر رجل فوجد كذلك ". فالحكم في قيام هذا التعليل أو إلغائه للتشريح. وبعد: فيرد السؤال المعاصر هل يخرج التشريح في صوره الثلاث أو في إحداها على الجواز أم المنع؟

стр. 2846

فيقال: ١- أما تشريح الميت لكشف الجريمة، فإنه متى استدعى الحال لخفاء في الجريمة، وسبب الوفاة باعتداء، وهل هذه الآلة المعتدى به قاتلة منها، فمات بسببها أو لا؟ فإنه يتخرج القول بالجواز، صيانة للحكم عن الخطأ، وصيانة لحق الميت الآيل إلى وارثه، وصيانة لحق الجماعة من داء الاعتداء والاغتيال، وحقناً لدم المتهم من وجه، فتحقيق هذه المصالح غالبت ما يحيط بالتشريح من هتك لحرمة الميت، وقاعدة الشريعة ارتكاب أخف الضررين، والضرورات تبيح المحظورات، والله أعلم. وهذا الجواز عند من قال به في ضوء الشروط الآتية: ١- أن يكون في الجناية متهم. ٢- أن يكون علم التشريح لكشف الجريمة بلغ إلى درجة تفيد نتيجة الدليل، كالشأن في اكتشاف تزوير التوقيعات والخطوط. ٣- قيام الضرورة للتشريح بأن تكون أدلة الجناية ضعيفة لا تقوى على الحكم بتقدير القاضي. ٤- أن يكون حق الوارث قائماً لم يسقطه. ٥- أن يكون التشريح بواسطة طبيب ماهر. ٦- إذن القاضي الشرعي. ٧- التأكد من موت من يراد تشريحه لكشف الجريمة: الموت المعتبر شرعاً. إما التشريح لكشف المرض. وإما التشريح للتعلم والتعليم. فحيث إن جثث الموتى من الوثنيين وغيرهم من الكفار ميسورة الشراء لهذين الغرضين بأرخص الأسعار، وأموال المسلمين نهاباً يبذل قسط منها في غير مصارفه الشرعية فهي غير منتظمة المصارف على رسم الشرع.

стр. 2847

ثالثاً النقل والتعويض الإنساني في أقسامه الأربعة يقصد بالنقل والتعويض الإنساني: نقل قطعة من جلد إلى مكان آخر من بدنه، أو نقل عضو، أو دم، من بدن إنسان متبرع به غالباً إلى بدن إنسان آخر، ليقوم مقام ما هو تالف فيه أو مقام ما لا يقوم بكفايته، ولا يؤدي وظيفته بكفاءة. وقد اشتهر بلقب: زراعة الأعضاء الإنسانية. غرس الأعضاء. انتفاع الإنسان بأعضاء الإنسان. ترقيع الأعضاء. والدم بخصوصه اشتهر بلقب. " نقل الدم " و " التلقيح بالدم ". لكن هنا من النقولات ما لم يشمله هذان اللقبان وهو: النقل لغير دم أو عضو كنقل قطعة من جلد، إذ لا يطلق عليها " عضو " وأن يكون النقل إليه أو إلى إنسان آخر. ويمكن تقسيمه باعتبارين: أولاً: أقسامه باعتبار المنقول وهي ثلاثة: ١- نقل الدم. ٢- نقل عضو. ٣- نقل ما دون العضو كقطعة جلد، أو بعض شريان.

стр. 2848

ثانياً: أقسامه باعتبار طرفي النقل. ١- النقل الذاتي أي من بدن الإنسان إليه ذاته من مكان إلى آخر مثل ترقيع الشفة بقطعة من الفخذ، وترقيع الجفن بقطعة من الشفة. ٢- النقل من حي إلى حي. ٣- النقل من ميت إلى حي. وللترابط بين هذين التقسيمين بهذين الاعتبارين في ترتيب الحكم، فإنه يمكن لنا حصر النقولات في أقسامها الأربعة الآتية: القسم الأول: نقل الدم من إنسان حي إلى آخر ويقال: التبرع بالدم. وهذا أوسعها انتشاراً. القسم الثاني: النقل الذاتي، من الإنسان إليه ذاته. وهذا يليه في الانتشار، خاصة في عمليات التجميل. القسم الثالث: النقل لعضو ونحوه من حي إلى حي، للعلاج. القسم الرابع: النقل لعضو ونحوه من إنسان ميت إلى حي للعلاج. وقد وصل الطب إلى عدد من مفردات النقل منها: ١- نقل القرنية: وقد أقيم لها مراكز عالمية. والقرنية، الجزء الأمامي من جدار المقلة، وهي قرص صلب شفاف يغطي سواد العين وتمتاز عن معظم أنسجة العين، وأنسجة الجسم كلها بأنها شفافة للضوء. ٢- نقل الكلى وزرعها. وقد أقيم مراكز عالمية لها. ٣- العظام. ٤- نقل شريان من الساق مثلاً للقلب. ٥- توصيل الأمعاء المستأصلة. استئصال الأمعاء وتوصيلها. ٦- المفاصل. ٧- البنكرياس، وخلاياه. ٨- نقل القلب وزرعه. ٩- الكبد. ١٠- الرئتان. ١١- العضو التناسلي، والغدد التناسلية.

стр. 2849

النقل والتعويض بين رتب المصالح الضرورة والحاجة والتحسين يمكن تصنيف دواعي النقل والتعويض إلى ثلاث مراتب: ١- ما يقع في مرتبة الضرورة، والضرورة فيما يتوقف حياة الإنسان عليه. ٢- ما يقع في مرتبة الحاجة، كالقرنية. ٣- ما يقع في مرتبة التحسينات، كسن وتسوية شفة ونحوها. تقسيمها باختلاف الدين والنقل والتعويض ينقسم باعتبار اختلاف الملة إلى قسمين: النقل من مسلم إلى كافر وعكسه، لاسيما إذا كان بين ولد مسلم ووالدته الكتابية. وللأطباء تقسيمات أخر باعتبار (١) : الذاتية: أي كونها من الجسم ذاته وإليه من منطقة إلى أخرى. والتماثل: كالنقل بين التوأمين. والتباين: كالنقل بين آدميين. والدخيلة: كالنقل من حيوان، أو مصنعة إلى آدمي. لكن هذه التقسيمات الطبية لا يترتب عليها اختلاف في الحكم الشرعي، سوى في " الدخيلة " وستعلم ما فيها بعد، إن شاء الله تعالى. وباعتبار عملية التعويض يقسمها الأطباء إلى تقسيم آخر إلى قسمين (٢) : ١- الموضع السوي: بمعنى غرس أو زرع العضو في مكان التالف ذاتاً أو منفعة. وهذا في: القلب والرئتين أو الكبد أو القرنية. ٢- الموضع المختلف: بمعنى زرع العضو في غير محل التالف، مثاله: زرع الكلى في: الحفرة الحرقفية بدلاً من موضعها في الخاصرة.

стр. 2850

النقل من ميت لحي يتصور من حيث الإذن وعدمه إلى الصور الآتية: ١- ميت أذن قبل وفاته. ٢- ميت لم يعقب وارثاً. ٣- ميت عقب وارثاً ولم يأذن الوارث. ٤- ميت عقب ورثة فأذن بعضهم. ٥- ميت عقب ورثة فأذنوا جميعهم. التخريج الشرعي للنقولات أولاً: التخريج للتغذية بالدم في أعقاب الإنجاز الطبي الحديث بنقل الدم من إنسان إلى آخر تعويضاً له عن نقص في مادة أو عن نزيف حصل له كالحال في بعض الحوادث، وحالات الولادة ولقاء إجراء العمليات وهكذا ـ حصل تغليب العلماء لها وتخريجها على ما يمكن تخريجها عليه، والتنظير لها بفروع من بابها، وكيف الاعتذار في نظر المبيح عن حديث النهي عن التداوي بالحرمات، وكتبت في هذا أبحاث، ورسائل، وبعد تطواف كبير استقرت كلمة أهل العلم على الجواز في محيط الشروط والضوابط الآتية وهي: ١- قيام الضرورة وتحققها. ٢- عدم وجود بديل له مباح. ٣- غلبة الظن على نفع التغذية به. ٤- تحقيق عدم الخطر على المأخوذ منه. ٥- توفر رضا المأخوذ منه وطواعيته. ٦- أن يكون النقل والتعويض يجريه طبيب ماهر. ٧- أن تكون التغذية به بقدر ما ينقذه فالضرورة تقدر بقدرها.

стр. 2851

والمدرك الفقهي لهذه المسألة، الذي ينفي الاضطراب ويقطع القيل والقال هو أن نقل الدم من إنسان إلى آخر في إطار الشروط المذكورة ومن أهمها " الاضطراب " هو: " من باب الغذاء لا الدواء " فكمية الدم نقصت مادتها فيحتاج إلى تغذيتها (١) . ولهذا فهو داخل في حكم المنصوص عليه بإباحة تناول المضطر في مخمصة من المحرمات لإنقاذ نفسه من الهلكة، كما في آيات الاضطرار ومنها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ المائدة: ٣ ولو قيل: هو من باب الدواء فيقال (٢) : "إذا اضطررنا إليه فلم يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال فهو لنا حينئذ شفاء ". هذا وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع: أن الدم الآدمي طاهر ما دام في جسده، فإذا ظهر وبرز كان نجساً، ورد على من قال بنجاسته ما دام في جسد الآدمي بوجوه متعددة من أهمها (٣) : عدم الدليل على تنجيسها والأصل الطهارة، وإن خاصية النجس وجوب مجانبته في الصلاة، وهذا مفقود فيها في البدن من الدماء وغيرها ومنها: " إن الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفساً، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعاً نجساً في غاية البعد".

стр. 2852

لكن بقي هنا أبحاث: الأول: أن الأصل هو التبرع به، وبيعه فيه إهدار لكرامة الدم الإنساني وقيمته. وفي هذا بحث سيأتي إن شاء الله تعالى في آخر أبحاث هذه النازلة. الثاني: النقل والتعويض للدم بين مختلفي الديانة كمسلم وكافر، كحال من كانت أمه كتابية ووالده مسلم. الثالث: جمع الدم في " بنوك الدم " تحسباً لوجود المضطر، ومفاجأة أحوال الاضطرار وتكاثرها، تقتضي ذلك. فهو تبرع من مالكه بشرطه من عدم التأثير على صحته ... لمضطر يحتاج إليه. وقد نص بعض أهل العلم على ما هو أقل من هذا في تزود المضطر مما أبيح له أكله ضرورة. قال البهوتي في " كشاف القناع ": " وللمضطر أن يتزود من المحرم إن خاف الحاجة إن لم يتزود " اهـ. ثانياً التخريج الشرعي للنقل الذاتي النقل الذاتي من مكان من بدن الإنسان إلى مكان آخر منه ذاته هو في الحكم كإجراء عملية له كالفتق، والزائدة الدودية، وقطع العضو المتآكل، وهكذا طرداً لقاعدة التداوي: " الجواز " في إطار شروط التداوي العامة. والله أعلم.

стр. 2853

ثالثاً النقل من حي إلى حي النقل من حي إلى حي، لا يخلو من حيث التأثير على حياة المنقول منه وصحته من واحد من الأحوال الآتية: ١- لا تأثير له بأي ضرر مطلقاً كنقل قطعة من جلد ونحوه مما لا تتوقف حياته ولا صحته عليه. وهذا أمر افتراضي ولم نعلم في أبحاث الطب نقلاً من هذا النوع. ٢- نقل يؤدي إلى ضرر جزئي محتمل لا خطر معه على صحته ولا حياته، مثل: نقل سن، أو نقل دم. فهذا افتراض لا نعلمه في أبحاث الطب سوى نقل الدم للتغذية به، وقد تقدم بيانه. ٣- نقل يؤدي إلى ضرر بالغ بتفويت أصل الانتفاع أو جله كقطع كلية، أو يد، أو رجل ... والذي يظهر والله أعلم تحريمه وعدم جوازه، لأنه تهديد لحياة متيقنة بعملية ظنية موهومة من إمداد بمصلحة مفوتة لمثلها، بل أعظم منها. ولأن حق الله تعالى متعلق ببدن الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فمن يفتقد عضواً عاملاً في بدنه يرتفع عنه بمقدار عجزه عدد من تكاليف الشريعة ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . فكيف يفعل الإنسان هذا بنفسه وإرادته ويفوت تكاليف مما خلق ليوفرها لغيره بسبيل مظنون، فالضرر لا يزال بمثله، فهذه المصلحة المظنونة بتفويت المتيقنة مما يشهد الشرع بإلغائها وعدم اعتبارها. ٤- نقل يؤدي إلى: الخطر على الحياة أو الصحة، أو يؤدي إلى الموت، كنزع القلب والرئة ... فهذا قتل للنفس، وانتحار بطيء والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وهو من أشد المحرمات في الشرع والفطرة.

стр. 2854

الرابع: النقل من ميت إلى حي اعلم أن المراد بالميت هنا هو من فارقت روحه بدنه بانقطاعها عن بدنه انقطاعاً تاماً من توقف دقات قلبه المنزلة طبيعياً أو صناعياً واستكمال أماراته، فهذه هي الوفاة التي تترتب عليها أحكام مفارقة الإنسان للدنيا من انقطاع أحكام التكليف، وخروج زوجته من عهدته، وماله لوارثه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه ... أما نصب " موت الدماغ " أو " جذع الدماغ " تحقيقاً لموته مع نبض قلبه ولو آلياً فهذا في الحقيقة ليس موتاً لكنه نذير وسير إلى الموت، فما زال له حكم الأحياء حتى يتم انفصال الروح عن البدن. ولذا: لابد لنا من تصور الأحوال حتى يكون بإذن الله تعالى تنزيل الحقيقة الشرعية على الحقيقة الواقعية الطبيعية لكل مسألة بخصوصها، وهنا طرفان: ميت، وحي. أما الميت المأخوذ منه: فنتصور الحال من حيث الإذن وعدمه إلى ما يلي: ١- ميت أذن قبل وفاته بانتزاع عضو منه لمعين أو غير معين. ٢- ميت لم يعقب وارثاً. ٣- ميت عقب وارثاً ولم يأذن الوارث. ٤- ميت عقب ورثة فأذن البعض. ٥- ميت عقب ورثة فإذن جميعهم. أما الحي فلا تخلو مصلحته من مراتب المصالح الثلاث: ١- إما أن تكون ضرورية تتوقف حياته إلى ذلك العضو. ٢- وإما أن تكون حاجية لا تتوقف حياته عليها كالحاجة إلى قرنية ونحوها. ٣- وإما أن تكون تحسينية كترقيع شفة ونحوها. وعليه: فإذا كانت المصلحة تحسينية فلا ينبغي الخلاف بعدم الجواز، سواء أذن الميت قبل وفاته أو لا؟ لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فلا يجوز انتهاك حرمته المحرمة لتوفير مصلحة تحسينية تجميلية، وفي هذا تعريض لجثة الميت للامتهان، وتسويغ العبث بها. وأما إن كانت مصلحة الحي حاجية، فإن حرمة الميت واجبة كحرمة الحي، وهتكها وقوع في محرم، فلا ينبغي خرق الحرمة والوقوع في الحرام لمصلحة مكملة للانتفاع. وأما إن كانت ضرورية، والضرورية هنا مفسرة بما تتوقف حياته عليه كالقلب والكلى، والرئتين ونحوها من أصول الانتفاع الضرورية.

стр. 2855

فيها يتخرج الجواز عند من قال به، لأمور. ١- بالموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، فإن مصلحة الحي برعاية إنقاذ حياته أعظم من مصلحة الميت بانتهاك حرمة بدنه وقد فارقته الروح، وأذن به، ولهذا نظائر في الفروع المتقدمة عند عدد من أهل العلم من التناول في حال الاضطرار من: لبن المرأة الميتة، ولحم الآدمي، وشق بطن المرأة الميتة الحامل إذا كان حملها يضطرب وقد علمت ما فيه، ونبش القبر لمصلحة حي، وبقر بطن ميت ابتلع مال حي وقد علمت ما فيه أيضاً ... إلخ. إلى آخر ما تقدم من فروع على قواعد الضرر من أنه يزال، وإن الضرورات تبيح المحظورات. والله أعلم. ٢- وشرط إذنه وإذن ورثته، لأن رعاية كرامته حق مقرر له في الشرع فلا ينتهك إلا بإذنه، فهو محق موروث كالحال في المطالبة من الوارث في حد قاذفه ـ ولذا فإن الإذن هو إيثار منه أو من مالكه الوارث ـ لرعاية حرمة الحي على رعاية حرمته بعد موته في حدود ما أذن به. ولذا صح ولزم شرط الإذن منه قبل موته، أو من ورثته جميعهم. أما إن فات هذا الشرط ولم يتحقق بإذنه، أو إذن جميع ورثته بأن أذن بعض دون بعض فلا يجوز انتزاع عضو منه بل المراغمة في هذا: هتك تعسفي للحق وحرمة الرعاية له. أما من لا وارث له إذا مات ببلد إسلام تحت ولاية سلطان مسلم بحكم الشرع ويقيم الحدود وينفذ أحكام الإسلام فالسلطان ولي من لا ولي له فهو يقوم مقام الوارث له.

стр. 2856

المبحث السابع في الشروط العامة اعلم أن من قال بالجواز في أي من مسائل " النقل والتعويض الإنساني " لم يقل بذلك بفتيا مطلقة، بل أحاطها بشروط شرعية يجب توفرها، فمتى فقدت شرطاً فقدت الصفة الشرعية. وهذه الشروط منها شروط عامة لا بد من توافرها على صفة الثبات والدوام في أي مسألة قبل جوازها، وشروط خاصة في بعض منها. وهذه الشروط العامة منها ما يرجع إلى المنقول منه ومنها ما يرجع إلى المنقول إليه، ومنها ما يرجع إلى الواسطة، وهي على ما يلي: الشرط الأول: تحقق قيام الضرورة بطريق اليقين، بأي دلالة يقوم بها اليقين كإخبار طبيب حاذق، ولا يشترط كونه مسلماً، وهو ما ورد من شرط إسلامه عند البعض فهو قيد اتفاقي. الشرط الثاني: تحقق انحصار التداوي به، لعدم وجود بديل له يقوم مقامه، ويؤدي وظيفته بكفاءة. الشرط الثالث: أن تكون العملية بواسطة طبيب ماهر لا متعلم. الشرط الرابع: تحقق أمن الخطر على المنقول منه في حال النقل من حي. الشرط الخامس: غلبة الظن على نجاحها في المنقول إليه. الشرط السادس: عدم تجاوز القدر المضطر إليه. الشرط السابع: تحقق الموازنة بتقدير ظهور مصلحة المضطر المنقول إليه على المفسدة اللاحقة بالمنقول منه. الشرط الثامن: تحقق توفر شرط الرضا والطواعية الأهلية من المنقول منه. الشرط التاسع: توفر الشرط الثامن في المنقول إليه أو إذن وليه إن كان قاصر الأهلية. الشرط العاشر: توفر متطلبات العملية التي بلغها الطب، وإلا كان الطبيب مفرطاً يحمل تفريطه، والله أعلم.

стр. 2857

المبحث الثامن في حكم بيع الآدمي لدم أو عضو منه إذا علمت أن الأصل هو الحظر على الغير استعمال جزء من الإنسان أو دمه، حفظاً للنوع الإنساني، وصيانة لقيمته وكرامته، وسداً للطرق الموصلة إلى إهدارها، وإذا كان انتزاع دم من حي، أو عضو من ميت عند من قال به جائزاً عند الإضرار، والضرورة المقدرة - تخوف هلاك حي أو عضو فيه تتوقف عليه حياته ـ مقدرة بقدرها لا يجوز تجاوزها، وهذا القدر المضطر إليه لا يعد إخلالا بآدمية المنزوع منه، فاعلم أن الأصل لذلك البذل أيضاً يكون بطريق التبرع والهبة لمنفعة حي بسد ضرورته، لوجوب تلاحم النوع الإنساني على جسر من التعاون والإخاء، وشد بعضهم ببعض استيفاء لنوعهم، ورعاية لحرمتهم وحرمة مصالحهم. لكن يبقى هنا تساؤل عن حكم المعارضة المالية عليها، وهل المعارضة تتنافى مع هذا القصد والتأسيس الإنساني، وأن هذا استرقاق جزئي لآدميته في دم أو عضو، وامتهان لحرمته ليعود كالسلعة والبهيمة محلاً للتجارة في دم أو عضو أو تشريح لكامل جسده، ويزاد ـ على الخلاف المتقدم ـ أن الدم نجس، وما قطع من حي فهو كميتته نجس، والنجس لا يجوز بيعه، وأنه وإن جوز الانتفاع به تبرعاً لمضطر فلا يجوز بيعه لقاعدة: إن جواز الانتفاع لا يستلزم جواز البيع، وعليه: فبيعها محرم لا يجوز، لكن إن لم يحصل عليه مضطر لا بثمن فيجوز من باذل لدفع الضرر لا في حق آخذ. هذا ما يمكن أن يقال في وجهة مانع المعاوضة. أم أن المعاوضة تجوز في وجهة المجيز من أن ذلك لا يناقض آدميته، بل يسيران في ركاب واحد فلا ينفض على الآدمي آدميته وكرامته، كالشأن فيمن قتل قتيلاً فإن له سلبه بشرط الشرع، والشأن فيمن حج عن الغير بمال إذا أخذ ليحج، والشأن في الاحتفاظ بحقوق التأليف مع بيعها ونفع المسلمين بها، فهذه الأمور المتزامنة متضامنة غير متضاربة فلا تفسد كرامة قائمة ولا نية صالحة. وهل كما يجوز هذا البيع من الحي لدمه، والميت لعضو منه قبل موته يجوز لوارثه؟ كل هذه أمور وأحوال لا بد من تحرير الحكم فيها للترابط بينها وهي بحاجة إلى نظر من حاز قصب السبق في الفقه والتفقه وجميع ما ذكرته في هذه الرسالة من مواطن الخلاف أسوقه بحثاً ولم أجرؤ على الانفصال عنه برأي. منح الله الجميع الفقه في الدين. وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. د. بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 2858

انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً إعداد فضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أستاذ في قسم الفقه الإسلامي بجامعة دمشق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مخطط البحث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، فإن هذا البحث يسير وفق المخطط التالي: أولاًـ طبيعة البحث الفقهي في هذه المسألة، والمستندات الشرعية في دراستها. ثانياً: جذور هذه المسألة في التراث الفقهي القديم. والتطور الذي انتهى إليه الطب فيها. ثالثاً ـ صورة المسألة اليوم، والتقسيمات المحتملة لها: ١- عندما يكون المستفاد منه حياً، وله حالتان: أ - أن يتعلق بحياته حق للغير كالحد والقصاص. ب - أن لا يتعلق بحياته حق للغير وله هنا حالتان: - إما أن يكون كامل الأهلية مستقلاً بأمر نفسه. - وإما أن يكون ناقص الأهلية غير مستقل بأمر نفسه. ٢- عندما يكون المستفاد منه ميتاً. وتتعلق به النقاط التالية: أ - الموت الذي نعنيه (بيان الفرق بين الموت الشرعي وموت الدماغ) . ب - حكم الاستفادة من أعضاء الميت للحي. ج- حكم تشريح الميت لسبب ما. د- هل يجب الرجوع في ذلك إلى أولياء الميت، والتأصيل الفقهي لذلك.

стр. 2859

مقدمة طبيعة البحث الفقهي في هذه المسألة والمستندات الشرعية لدراستها إن النظر في حكم انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر، حياً أو ميتاً، في الشريعة الإسلامية إنما يدخل في المسائل الاجتهادية الفقهية الحديثة، ولعله من أهمها ومن أحوجها إلى الدراسة الشاملة ابتغاء الوصول إلى حكمها، أو أحكامها، في شرع الله ، بحيث تستند إلى أدلة يقتنع بها أولو الملكة الفقهية السليمة، ويطمئن إليها أولو البصيرة الإسلامية المخلصة. ومما لا ريب فيه أن هذا البحث يتصل اتصالاً مباشراً ووثيقاً بجملة من القواعد الفقهية الكلية من شأنها أن تنير السبيل بوضوح أمام تلمس حكم الشريعة الإسلامية، أو أحكامها، في هذا الموضوع الهام. ولعل من المناسب أن نبدأ فنتعرف على هذه القواعد أولاً، ثم نتخذ منها الدليل الهادي على طريق دراسة هذا البحث الذي سنجد أنه يتصل ببعض المسائل الجزئية مما قد تناوله الفقهاء وفرغوا من دراسته وبيان حكمه، بل أبرمت السنة المطهرة بشأن بعض منها. أوسع هذه القواعد شمولاً، وأرسخها في البنيان الفقهي، قاعدة المقاصد الخمسة والترتيب الذي صنفت ـ من حيث الأهمية ـ على وفقه. وهي كما نعلم: مقاصد الدين فالحياة، فالعقل، فالنسل، فالمال. ومما يجدر بلفت النظر إليه أن كثيراً من العلماء يعبرون بالعرض بدلاً من النسل، وكثير منهم يضيفون إلى هذه المقاصد الخمسة العرض، وذلك لإدخال حق الكرامة، بل القدسية الإنسانية، في مجموعة المقاصد التي تدور عليها أحكام الشريعة الإسلامية (١) . وسواء علينا أن استعملنا عبارة " النسل " أو " العرض " أو استعملناهما معاً، فإن تنويه الإسلام بقدسية الإنسان وكرامته، ورعاية الشريعة الإسلامية لذلك في سائر الأحكام، حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها باحث أو فقيه، ومن ثم فإن رعاية الكرامة الإنسانية داخلة دخولاً أولياً في المقاصد أو المصالح التي هي محور الشرع الإسلامي الحنيف. القاعدة الثانية: انقسام جملة الحقوق الشرعية إلى قسمين: حق لله، وحق للعباد وإنما يجوز التصرف بما هو حق للعباد أو غلب عليه حق العباد. ثم إنه يكون حقاً أصيلاً ومباشراً بالنسبة لمن أعطي هذا الحق أصالة، سواء كان على وجه التمليك أو التمتيع، ويكون حقاً فرعياً ومقيداً بالنسبة للولي أو الوكيل.

стр. 2860

القاعدة الثالثة: تنهض مشروعية الإيثار على سائر الحقوق البدنية والدنيوية الداخلة في حقوق العباد، دون ما سواها من حقوق الله ، ومن الثابت أن المحافظة على أصل الحياة ومقوماتها من حقوق الله . القاعدة الرابعة: الحقوق المعنوية الداخلة في حقوق العباد تورث بالموت كما تورث الحقوق العينية، دون خلاف في ذلك، وإنما ينعكس الخلاف إلى مسائل بعض هذه الحقوق، من الخلاف بين الفقهاء في: هل هي داخلة في حقوق الله، أم في حقوق العباد، كالقذف وحق المعاقبة عليه (١) ؟ فهذه القواعد الأربع، تشكل جسراً ممتداً بين ينبوع الشريعة الإسلامية، إلى هذا العصر والعصور التالية، من شأنه أن يكشف لنا عن موقف الشريعة الإسلامية المطهرة من مسألة زرع الأعضاء الاصطناعية في جسم الإنسان، وهو ما عالجه الفقهاء وأوضحوا حكمه قديماً، ومن مسألة زرع عضو من إنسان في جسم إنسان آخر، وهو ما يمارسه الأطباء، اليوم، وما يطرح نفسه لبيان حكمه الشرعي. وقد أدلى الفقهاء السابقون ـ كما قلنا ـ باجتهاداتهم في أصل هذه المسألة، وهو اتخاذ الإنسان عضواً اصطناعياً مكان العضو الطبيعي الذي افتقده. ومن الجدير أن نستعرضها إجمالاً، نظراً إلى أنها تشكل مستنداً فرعياً، بعد الاستناد إلى تلك القواعد التي ألمحنا إليها، لدراسة تطوراتها الحديثة اليوم، ونظراً إلى أن ذلك يبرز جذور هذه المسألة في تراثنا الفقهي العظيم. جذور هذه المسألة

стр. 2861

في التراث الفقهي القديم والتطور الذي انتهى إليه الطب فيها لجذور هذه المسألة مستند أصيل من السنة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى القواعد الفقهية التي تشكل الأساس الاجتهادي فيها، وهو حديث عرفجة الذي رواه الترمذي وصححه ابن حبان، ((أنه قطعت أنفه فاتخذ أنفاً من فضة، فأنتن عليه، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذه من ذهب.)) فقد قرر الفقهاء بالاتفاق جواز اتخاذ سن أو أنملة أو أنف من ذهب، إن اقتضت الضرورة أن يكون ذهباً، وعلى خلاف فيما بينهم في جواز اتخاذه من الذهب إن قامت الفضة أو نحوها مقامه، فأجاز الشافعية والمالكية الذهب مطلقاً، ومنعه الحنفية عند عدم الضرورة (١) . أما الأطراف، كاليد والرجل، وكالإصبع الكاملة منهما، فقد ذهب الحنفية والشافعية، في المعتمد عندهم، إلى عدم جواز اتخاذها من ذهب أو فضة، نظراً إلى أنها لن تكون أعضاء عاملة، بل لمجرد الزينة فلا ضرورة في تركيبها إذن، أي فلا ضرورة في ارتكاب المحظور (٢) ومعنى ذلك أن اتخاذ طرف اصطناعي من غير الذهب والفضة جائز بالاتفاق. كما اتفقوا على أن وصل الجسد بعظم من حيوان طاهر، للتداوي به، أو للاستعاضة به عن عضو أو عظم فقده صاحبه، جائز، وإن وصل بعظم نجس مع وجود الطاهر، أو بدون ضرورة تدعو إلى ذلك، فهو غير جائز، ويجب نزعه عند الجمهور في هذه الحالة، إلا إن خيف من هلاك أو عطب، أما إن تعين العظم النجس، فلا مانع من الاستفادة منه عند الضرورة (٣) .

стр. 2862

ولكن هل أجاز الفقهاء الاستفادة، في هذه الحال، من عظم إنسان آخر؟ قال في الفتاوى الهندية: لا يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي، قيل: للنجاسة، وقيل: لكرامة الإنسان، وهو الصحيح (١) .وأطلق الشربيني في مغني المحتاج القول بحرمة ذلك فقال:" والآدمي يحرم الانتفاع به وبسائر أجزائه، لكرامته " (٢) . أقول: ينبغي أن يكون هذا الاجتهاد خاصاً بالحالات التي لا يتعين فيها الآدمي دون غيره، أما عندما يتعين الآدمي ولا يقوم مقامه جزء آخر من غيره، وكان في ذلك إنقاذ لحياته أو تمتيع بعضو أصيل في جسمه، فلا نشك في أن ضرورة إنقاذ حياة الإنسان أو إعادتها إلى النهج القديم، أرجح في سلم المصالح المعتبرة من مراعاة كرامة الإنسان بعد موته. هذه خلاصة لما انتهى إليه الفقهاء في هذه المسألة، في العهود الغابرة. ومن الواضح أنها تبرز مدى مسايرة الفقه الإسلامي لحركة الطب وتقدمه آنذاك، ومدى تناسق الفقه معه في السعي إلى خدمة الإنسان وتحقيق مصالحه. غير أن الطب، بلغ اليوم شأواً بعيداً، بالنسبة إلى ما كان عليه بالأمس، فقد تجاوز مرحلة تثبيت أنف أو أنملة أو سن اصطناعي، أو وصل الجسم بعظم إنسان أو حيوان آخر، تجاوزه إلى زرع كلية مكان أخرى، وتركيب قلب مكان قلب آخر، وإلى استبدال عين سليمة بأخرى تالفة. وهو بهذا التقدم الذي بلغه اليوم، إنما يعيد الأمل إلى الإنسان الذي استيأس من حياته، ويضع الإنسان في الوقت ذاته أمام أسمى امتحانات التعاون والإيثار. ثم إن هذا التقدم العلمي في نطاق الطب، يصور لنا بعضاً من الفروق بين عمل الطب في هذا المضمار بالأمس وعمله في اليوم. وأبرز هذه الفروق، أن تلك الإنجازات الطبية القديمة، لم تكن تعدو عملاً تزيينيا أو سداً شكلياً لنقص في البدن، وليس له من فائدة إلا ضمن حدود الشكل والمظهر. فكان أثره المصلحي محصوراً في نطاق مرتبة التحسينات لمصلحة الحياة. أما هذا الذي وصل إليه الطب اليوم، فهو يرقى إلى درجة استعادة مقومات الحياة بعد فقدها أو بعد الإشراف على فقدها، فهو يدخل بذلك في إنجاز أبرز المقومات الضرورية لمصلحة الحياة. ومما لا ريب فيه أن هذا الفرق في مضمار العمل الطبي في هذا المجال، ما بين الأمس واليوم، له تأثيره ودوره الكبير في إبراز كثير من وجوه الاختلاف في الأحكام الفقهية لهذه المسألة ما بين الأمس واليوم، وهذا ما سنشرع في بيانه وتفصيل القول فيه بعون الله وتوفيقه.

стр. 2863

صورة هذه المسألة اليوم والحالات الخاضعة لها تدور وقائع هذه المسألة في عصرنا هذا على ركنين أساسيين: مستفيد، ومستفاد منه. ويتبعه ركن تنفيذي هو العمل الجراحي الذي يقوم به الطبيب. ولا شأن لنا في بحثنا هذا بالمستفيد، ولا بالعمل الجراحي الذي هو أمر فني بحت، وإنما يدور حديثنا كله حول الركن الثاني وهو الشخص المستفاد منه. وهذا الشخص إما أن يكون حياً أو ميتاً. وفي الحالة الأولى إما أن يتعلق بحياته حق للغير، سواء كان حقاً للمجتمع، وهو الذي يسمى في المصطلح الفقهي حق الله ، أو حقاً للفرد، وإما أن لا يتعلق بحياته حق لأحد. وهو في هذه الحالة إما أن يكون كامل الأهلية مستقلاً بأمر نفسه ورعاية شأنه، وإما أن يكون ناقص الأهلية غير مستقل برعاية نفسه. وفي الحالة الثانية: أي عندما يكون ميتاً، إما أن يكون موته موتاً دماغياً، وهو الموت الذي اصطلح عليه الأطباء أو موتاً قلبياً تاماً، وهو الذي تعتمد عليه أحكام الشريعة الإسلامية. وعلى كلا الاحتمالين، فإما أن يكون له ورثة من أقاربه وذوي رحمه، أو لا يكون له من قريب أو ذي رحم، وإنما يتولى أمره ولي المسلمين. فهذه هي صورة المسألة بمختلف الاحتمالات التي يمكن أن تدور عليها. وسنعالج بيان حكم، بل أحكام هذه المسألة، من خلال النظر في كل من هذه الاحتمالات على حدة.

стр. 2864

أولاً عندما يكون المستفاد منه حياً وقد قلنا إن هذه الحالة يتفرع عنها احتمالان اثنان: الاحتمال الأول أن يتعلق بحياته حق للغير، والاحتمال الثاني أن لا يتعلق بحياته حق لأحد، ولنبدأ بدراسة الاحتمال الأول منهما. عندما يتعلق بحياة المستفاد منه حق للغير: ونعني بذلك أن يرتكب الإنسان جرماً، قد أدين به طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وترتبت عليه بسببه عقوبة الإعدام، كزنا المحصن، وقتل النفس عمداً بغير حق، والارتداد عن الإسلام مع الإصرار عليه. ومن المتفق عليه أن هذا الإنسان يصبح مهدر الدم بعد إدانته أمام القضاء، بمثل هذا الجرم، فهل يجوز أخذ شيء من أعضائه ليزرع في جسم إنسان محترم محصن الدم، قد أشرف على الهلاك، وتعين لإنقاذ حياته زرع عضو من غيره في جسده، ككلية وقلب وعين أو نحو ذلك، بقطع النظر عما قد يستلزمه استلاب ذلك العضو من صاحبه، من موت أو تشويه؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال، يستحسن أن نمهد له ببيان رأي الفقهاء في حكم أكل المضطر من جسم إنسان مهدر الدم قد وجب قتله بحكم القضاء الإسلامي. أما الشافعية، فقد ذهبوا إلى جواز ذلك، نظراً إلى أن مهدر الدم لا حرمة له، ولا قيمة لحياته فهو في حكم الميت، قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: (لو وجد المضطر من يحل قتله، كالحربي والزاني المحصن وقاطع الطريق الذي تحتم قتله، واللائط والمصر على ترك الصلاة، جاز له ذبحهم وأكلهم، إذ لا حرمة لحياتهم، لأنها مستحقة الإزالة فكانت المفسدة في زوالها أقل من المفسدة في فوات حياة المعصوم) (١) . وأما الحنابلة، فقد اختلف الرأي في ذلك عندهم، غير أن ما ذكره ابن قدامة في المغني يتضمن ترجيح القول بجواز ذلك، موافقة لما ذهب إليه الشافعي وأصحابه (٢) . وأما المالكية، فالمذهب عندهم منع ذلك مطلقاً، قال الدردير في الشرح الصغير: (إلا الآدمي فلا يجوز أكله للضرورة، لأن ميتته سم، فلا تزيل الضرورة) (٣) . وقال الصاوي تعليقا: (أي فلا يجوز تناوله سواء كان حياً أو ميتاً، ولو مات المضطر، وهذا هو المنصوص لأهل المذهب) . وهذا الذي ذهب إليه المالكية هو الراجح عند الحنفية، على ما ذكره ابن عابدين في حاشيته) (٤) . ويتحصل من هذا أن الشافعية والحنابلة وبعضاً من الحنفية، يجيزون أكل لحم المهدر دمه عند الضرورة. أما المالكية والراجح عند الحنفية ـ فيما يراه ابن عابدين ـ فعلى حرمة ذلك.

стр. 2865

ولعل المذهب الأول هو المتفق مع القواعد الفقهية المتعلقة بهذه المسألة، كقولهم: يتحمل الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد، وكقولهم: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً، بارتكاب أخفهما. وهما من القواعد المتفق عليها لدى المذاهب الفقهية. وهما متفرعتان عن قاعدة (الضرر يزال) (١) . أما الاستدلال بالكرامة الإنسانية، فمن المعلوم أن هذه الكرامة تصبح مهدرة بتحقق موجب القتل. وإلا لما أوجبت الشريعة الإسلامية قتله، وقد تبين من صريح قول الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٤، ٥، ٦] أن الكرامة التي ميز الله الإنسان بها، ليست نابعة من جوهر بشريته، حتى تكون ملازمة له في كل الحالات: وإنما هي وصف يلازمه ما كان متجاوباً مع فطرة عبوديته لله ، مستقيماً على الانصياع لأمره وسلطانه، ولو في الجملة. إذا علمنا هذا، فلنعد إلى أصل المسألة التي طرحنا السؤال عن حكمها، وهو: استفادة الحي المشرف على الهلاك من عضو إنسان تعلق بحياته حق للغير واستوجب القتل. فنقول: لا بد من تخريج هذه المسألة على تلك التي نقلنا أقوال الفقهاء فيها. فإن رجحنا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية، من جواز الإقدام على أكل من قد استوجب القتل شرعاً، عند الضرورة، فلأن يجوز هنا اقتطاع عضو منه ليزرع في جسم إنسان معصوم الدم مشرف على الهلاك، من باب أولى، ولا فرق في هذه الحال بين أن يسري اقتطاع هذا العضو من المستفاد منه إلى الموت أو لا. إذ إن مناط القول بصحة ذلك إنما هو زوال حرمة حياته واستحقاقه للقتل، والحالتان عندئذ سواء. نعم، ينبغي اشتراط الضرورة بالنسبة لحال المستفيد. بحيث يقرر الطبيب العادل المختص أن لا بد لاستنقاذ حياته من زرع هذا العضو في جسده، ولا يقوم مقامه عضو اصطناعي أو عضو من حيوان غير نجس. وسبب اشتراط الضرورة بهذا الشكل، يعود إلى ما هو مقرر من حرمة التمثيل في القتل عند إقامة حد أو استيفاء قصاص (٢) . ولا ريب أن اقتصاص جزء من الحي يدخل في معنى المثلة وحكمها. فينبغي أن يتوقف جواز ذلك على الاضطرار، كما ينبغي أن يكون التنفيذ محدداً بقدر الضرورة ذاتها، وأن نتخذ الوسائل الحديثة الممكنة التي تبعد العملية عن معنى المثلة وعن السبب الذي حرم من أجله، وهو التعذيب. ولكن ينبغي ـ حسب القواعد التي اعتمدنا عليها في ترجيح هذا الرأي ـ أن لا يكون ثمة فرق في هذا الحكم بين أن تكون ضرورة المستفيد في نطاق استنقاذ الحياة، أو في نطاق الاستفادة من عضو أو طرف هام بعد تلفه أو إشرافه على ذلك، كالاستفادة من عين سليمة بدل عينه التالفة، إذ مهما كان قدر الفائدة العائدة إلى المستفيد المعصوم دمه، فإن رعايتها أرجح في ميزان المصالح الشرعية، من رعاية إنسان في حياته أو شيء من أعضائه أهدر دمه بحكم قضائي شرعي صحيح.

стр. 2866

عندما لا يتعلق بحياة المستفاد منه حق للغير: وهو الذي يسمى في الاصطلاح الفقهي: الإنسان المحترم أو المعصوم دمه. هذا الإنسان إما أن يكون كامل الأهلية رشيداً مستقلاً بأمر نفسه، أو لا. فهما إذن صنفان من الناس. ونبدأ بالحديث عن الصنف الأول منهما، فنقول: هل لهذا الإنسان أن يتنازل عن عضو أو جزء من جسمه ليستفيد منه إنسان آخر، توقفت استمرارية حياته على ذلك؟ والجواب أن اقتطاع هذا العضو منه إن غلب على الظن تسببه للموت ـ أو بتعبير أصح: إن لم تتحقق الطمأنينة التامة بأن ذلك لن يؤثر على استقرار حياته وسلامتها ـ لم يجز منه الإقدام على ذلك، كما لا يجوز لأحد أن يكرهه على هذا التنازل، ولا يجوز للطبيب الجراحي أن يقبل على تنفيذه. وعلة الحرمة واضحة، وهي أن الإنسان لا يملك الإيثار في نطاق حقوق الله ، وأصل الحياة حق الله ، فليس للإنسان الذي يتمتع بها أن يهبها أو يؤثر بها أحداً غيره، وهذا هو الأساس في تحريم الانتحار. ونظراً إلى أن الأمر هنا متعلق بجوهر الحياة، وجوهر الحياة بين المستفيد والمستفاد منه، في هذه الصورة، واحدة دون أي تفاوت أو اختلاف، فليس ثمة من مصلحة تترجح بها حياة الأول على الثاني أو العكس. فالسبيل إذن أن يترك الأمر بعد جهد الطبابة والعلاج لقضاء الله . وهذا الحكم يوازنه في الطرف الآخر نقيضه الذي يذكره علماء الأصول في باب الإكراه. وهو حرمة إقدام (المكره) على قتل شخص ما لا يتعلق حق ما بحياته، وإن أيقن (المكره) أنه سيقتل إن لم ينفذ ذلك. فالعلة نفسها ترد هنا. وهي أن جوهر الحياة التي هي حق الله واحد في شخص كل منهما، فلا تمتاز بأي مرجح إذ تكون في جسم أحدهما دون الآخر، ما دام كل منهما معصوم الدم. أما مظاهر التفاوت العارضة بين الناس في خدمة المجتمع أو السبق في الصلاح والتقوى، فلا دخل لشيء منها في تصنيف درجات أصل الحياة، وإن كان لهذا التفاوت أثره الذي لا ينكر في تفاوت الاهتمام والإكرام والتوقير في نطاق التعامل ضمن دائرة جنس الحياة الواحدة.

стр. 2867

أما إن جزم طبيبان عادلان مختصان (١) بأن حياة المستفاد منه من دون ذلك العضو ستظل مستمرة ومستقرة على نهج سوي، وذلك اعتماداً على قواعد الطب وتجاربه، كإمكان استمرار حياة الإنسان بكلية واحدة، دون وجود ما يتهددها ـ فإن استظهار حكم ذلك منوط بالرجوع إلى قاعدتين من القواعد التي ذكرناها في مقدمة هذا البحث، وقلنا: إن مداره عليها. وهاتان القاعدتان هما: ١- كل ما كان من حق الإنسان أو تغلب حق الإنسان فيه على حق الله ، جاز التصرف به، سواء كان مصدراً ثبوت هذا الحق تمليكاً أو تمتيعاً. ٢- كل ما ثبت للإنسان حق التصرف فيه، كان له حق الإيثار به. ولنقف عند كل من هاتين القاعدتين بشيء من البيان والضبط، كي لا يقع في تطبيقهما أي خطأ أو لبس فنقول في بيان القاعدة الأولى: من الثابت أن الإنسان بكل ما له من حقوق ملك لله ، فمآل الحقوق كلها إذن، على تنوعها واختلافها أن تكون لله وحده. وهذا معنى كلام الشاطبي: (إن كل حكم شرعي ليس بخال عن حق الله تعالى) وقوله: (كل ما ثبت فيه اعتبار التعبد فلا تفريع فيه، وكل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبد، فلا بد فيه من اعتبار التعبد) (٢) . ولكن الله مكن عباده من التصرف بطائفة من هذه الحقوق، فسميت من هذا الجانب حق العباد. ولم يمكنهم من التصرف بطائفة أخرى منها، فبقيت على أساسها الأصلي: حقوق الله.

стр. 2868

ولقد علمنا فيما سبق أن الله لم يأذن لأحد من عباده بالتصرف في أصل الحياة، بأن يتسبب في إنهائها عندما يشاء، وإنما أمره وعزم عليه أن يرعاها في كيانه ويحافظ عليها ضد كل ما يتهددها من الأخطار k ولذا فهي من أبرز حقوق الله . أما أعضاؤه ودمه وعظامه وجلده، وسائر أجزاء جسده، فإن التصرف فيها من شأنه أن يؤول إلى أحد قسمين: القسم الأول: تصرف يسري بصاحبه إلى الموت يقيناً أو ظناً ولو ظنا غير راجح، فهذا القسم من التصرفات متعلق بحقوق الله بالتبعية واللزوم. ومن ثم فلا يجوز للإنسان أن يقدم على هذا النوع من التصرف بأعضائه مهما كانت الأسباب (١) . القسم الثاني: تصرف ليس من شأنه أن يسري بصاحبه إلى الموت، لا يقيناً ولا ظناً، بل الشأن فيه أن لا يعقب أي ضرر بأصل الحياة، بل تبقى سالمة مستقرة، فهذا التصرف، ضمن هذا القيد، من حق العبد، أو بتعبير أدق حق العبد متغلب فيه على حق الله. وبمقتضى هذا الحق، يسوغ للإنسان أن يذهب في استخدام عينيه لقراءة، أو يديه في صناعة أو قدميه في قطع مفاوز، مذهباً قد يلحق به عطباً كلياً أو جزئياً بهذه الأعضاء أو بعض منها، دون أن يكون ذلك منه عدواناً على حق الله أو تجاوزاً لحدود الشرع، ما دام أنه كان يتوخى في استخدامه لتلك الأطراف مصلحة مشروعة، ولم يكن يهدف إلى مجرد الإضرار بنفسه.

стр. 2869

وقد يقول أحدنا: ولكن ما لا ريب فيه أن الإنسان لا يملك أن يتلف شيئاً من أطرافه أو أن يعطب شيئاً من جسمه، قل العطب أو كثر، أفليس ذلك دليلاً على أن لا حق للإنسان في شيء من أطرافه وأعضائه، وأنه ـ كحق الحياة ـ عائد إلى الله ؟ والجواب أن سائر حقوق العباد مقيدة بنظام الشرع، نظراً إلى أن جذور هذه الحقوق كلها، إنما هي ملك لله وحده. فالمالك هو الله، والعبد مخول بالتصرف في كل ما جعله الله حقاً له، لا بشكل كيفي، وعلى النحو الذي يشاء، بل طبق النظم والضوابط التي شرعها الله له ... وهذه الضوابط والنظم لا تعدو في جملتها أن تكون توجيهاً للعبد إلى الطريق الأمثل لرعاية المصالح الإنسانية، المتمثلة في المقاصد الكلية التي سبق بيانها، وتحذيراً من الانزلاق في مهاوي الضرر والفساد بين العباد (١) . ومن هنا، حرم الله تبذير الأموال وإتلافها وإن صدر ذلك من مالكها الذي هو صاحب الحق في التصرف بها. وبهذا المعنى ذاته يحرم على الإنسان أن يعرض شيئاً من جسده للضرر والفساد، رغبة في الضرر ذاته، أي دون أن يحمله على اقتحام ذلك تحقيق مصلحة مشروعة ضمن سلم الأولويات المقررة. فإذا تبين لنا معنى هذه القاعدة، وظهر لنا انطباقها على علاقة الإنسان بأطرافه ودمه وأجزاء جسده، لا من حيث المحافظة بها على حياته، بل من حيث تصرفه بها ضمن حدود الوقاية التامة لها ـ فإن القاعدة الثانية تترتب عليها لزوماً. وهي: (كل ما ثبت للإنسان حق التصرف فيه، كان له حق الإيثار به) . ومن مقتضى ذلك أن يملك الإنسان إيثار غيره بشيء من دمه أو بأي من أجزاء جسده، ما لم يستلزم ذلك ـ ولو على وجه الاحتمال البعيد ـ هلاكه. وواضح أن معنى الإيثار قائم على إسقاط المؤثر حظ نفسه، وتقبل المضرة اللاحقة به، رعاية لمصلحة أخيه. فهو وإن كان في الظاهر سعياً إلى مفسدة ليس من شأن الشريعة الإسلامية أن تأذن بالاتجاه إليها، إلا أنها أساس وسبب لمصلحة ضرورة تتحقق للغير، بالإضافة إلى ما يتوج هذا العمل به، من الخلق النبيل المتمثل في ترك المؤثر حظ نفسه رعاية لحظ غيره، اعتماداً على يقينه بالله وأملا في مرضاته والعوض الذي سيكرمه الله به. فهو، وإن كان في الظاهر مضرة وفساداً، إلا أنه منطو على مصلحة هامة في طريق بناء الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، ولا ريب أنها أجل بكثير من حجم المفسدة التي قد تنجم عنه.

стр. 2870

يقول الإمام الشاطبي، بعد أن أصل قاعدة الإيثار هذه في الفقه الإسلامي، موضحاً المصلحة التي تترجح على مفسدة إسقاط المؤثر حظ نفسه: (والإيثار على النفس: وهو أعرق في إسقاط الحظوظ. وذلك أن يترك حظه لحظ غيره اعتماداً على صحة اليقين، وإصابة لعين التوكل، وتحملاً للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله. وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال. وهو ثابت من فعل رسول الله وعمله المرضي) وبعد أن استشهد بطائفة من الأحاديث الواردة في الإيثار والمبينة لحدوده قال: (وتحصل أن الإيثار هنا مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة. فتحمل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي. فإن أخل بمقصد شرعي فلا يعد ذلك إسقاطاً للحظ ولا هو محمود شرعاً) (١) . وقد ذكر السيوطي في الأشباه والنظائر قاعدة الإيثار هذه، مفرقاً بين حقوق الله وحقوق العباد ثم قال: (ولو أراد المضطر إيثار غيره بالطعام لاستبقاء مهجته، كان له ذلك وإن خاف فوات مهجته) (٢) . وذكر ابن نجيم نحو ذلك أيضاً (٣) . يترتب على هذا الذي أوضحناه، أن للإنسان أن يتنازل عن أي من أجزاء جسده أو دمه لإنسان آخر ذي حياة محترمة مشرف على الهلاك، قرر طبيبان عدلان أن زرع ذلك العضو أو الجزء في جسده ينقذه من الهلاك ويمتعه بحياة سليمة، وأن اقتطاعه من جسم الأول لا يسبب هلالكه، بل يظل متمتعاً بحياة مستقرة سليمة.

стр. 2871

ولكن ما الحكم إن كانت الضرورة ليست إنقاذاًَ لحياة المستفيد، وإنما هي استبدال طرف أو عضو سليم عامل، بعضو تالف من جسده؟ وذلك كأن يؤثر الرجل صاحبه بعينه، فتؤخذ منه وتزرع في مكان العين التالفة من وجه صاحبه؟ مقتضى القواعد والأدلة التي اعتمدنا عليها في الحكم بجواز الحالة الأولى، أن تجوز هذه الحالة الثانية أيضاً، ولقد أمعنت النظر والتفكير، فلم أجد في هذه الحالة الثانية أي فارق عن الأولى يستدعي الحكم بالحظر. والله أعلم. ومها يكن، فإن جواز الإقدام على هذا الأمر منوط بالضرورة، سواء كانت ضرورة إنقاذ حياة، أو ضرورة إحياء عضو تالف. ولكي نزيد بيان هذه الضرورة ضبطاً، نذكر بالمحترزات التالية: أ - لا يجوز التنازل، إن ثبت أن عضواً اصطناعياً يمكن أن يقوم مقام العضو الطبيعي في إنقاذ حياة المريض، أو كان احتياجه إلى ذلك العضو غير ضروري، أو كانت استفادته منه شكلية. ب - لا يجوز التنازل، إن كان على وجه الإهدار والإتلاف، كأن يمكن غيره من إتلاف أحد من أعضائه أو من إلحاق أي ضرر بجسمه، دون أي ضرورة تستلزم ذلك. ج- لا يجوز التنازل، إن كان لمصلحة ذي حياة غير محترمة، كمرتد أصر على الردة واستوجب القتل، أو زان محصن قضى القاضي في حقه بالرجم. وسبب حرمة الإيثار في هذه الحالات الثلاث أن تحمل المؤثر للمضرة مخل في كل منها بالمقصود الشرعي. فلا يعد التنازل فيها إسقاطاً للحظ الشخصي في سبيل الغير، على نحو ما تم تأصيله للمعنى الفقهي في الإيثار. وبملاحظة هذه المحترزات يزول وهم التناقض الذي قد يتصوره القارئ لكلام الشاطبي، إذ عاد بعد أن أصل قاعدة الإيثار وأيدها بالأدلة المختلفة، فأوضح أن حق العبد وإن كان ثابتاً له في حياته وكمال جسمه وبقاء ماله في يده، فإنه لا يجوز له أن يسلط يد الغير عليه بالإتلاف أو الإضرار (١) . ذلك لأن عدم جواز التسليط هنا، إنما هو بسبب افتقاره إلى الشروط التي لا بد من توافرها لتحقق معنى الإيثار، فكلامه في المرة الأولى والثانية منسجم مترابط. ويلاحظ أن الشاطبي هنا ساوى في الحرمة بين تسليط الرجل يد الغير على جسمه وعلى ماله، ليعلم أن شروط الإيثار إن لم تتوافر، فالتسليط عندئذ يصبح محرماً لا على الجسم فقط، بل على المال أيضاً، وليعلم أن شروطه إن تمت كان تمكين الغير إيثاراً مبرراً مثاباً عليه بالنسبة لكل من الجسم والمال معاً.

стр. 2872

الصنف الثاني: وهو الإنسان الذي لا يتمتع بأهلية كاملة يستقل بها بإرادة شؤون نفسه، كالطفل وكالمجنون. فمن الثابت أن هذا الصنف من الناس لا يملك أن يستقل بالتصرف في هذا الأمر، الذي هو من أخطر شؤونه الشخصية، ومن ثم فإن القيام بالإيثار الشرعي لا يتأتى منه. ولكن هل يملك أن يقوم عنه بهذا الأمر وليه كأبيه وعمه مثلا؟ والجواب أن وليه أيا كان ـ سواء كان يتمتع بالولاية الخاصة أو العامة ـ لا يملك مثل هذا التصرف بشيء من أجزاء جسد موليه، ولا حتى بماله أو أي من حقوقه الأخرى. أي أن الإيثار لا يتأتى إلا من الأصيل صاحب الحق ذاته. وبيان ذلك أن تصرف الولي إنما هو بمقتضى حكم الولاية. لا بمقتضى عقد الوكالة. إذ لا تتأتى الوكالة هنا، ذلك لأن من شروط صحة عقد الوكالة، أن يملك الأصيل التصرف الذي يطالب به الوكيل. ومن المعلوم أن الأصيل لا يملك مثل هذا التصرف بنفسه، فأحرى أن لا يملك تنفيذه بواسطة غيره. فإذا ثبت أن تسلط الأب أو من يقوم مقامه على حقوق الطفل ونحوه، إنما هو بحكم الولاية عليه لا النيابة عنه، فإن من القواعد الثابتة التي لا نعرف فيها خلافاً أن تصرف الولي منوط بما هو الخير والمصلحة لموليه. ومن ثم فلا ينفذ من تصرفاته بحقوقه، إلا ما كان على وجه الغبطة والمصلحة له. وعلى هذا، فليس لولي الطفل أو المجنون، سواء كان ذا ولاية خاصة أو عامة، أن يتبرع عنه بكلية أو أي من أجزاء جسده، لمضطر من الناس، أيا كان شأنه ومهما بلغت ضرورته. لما في ذلك من إلحاق الضرر البين بموليه، نعم إن ثبت بشهادة طبيبين عدلين أن أخذ شيء من دمه لمريض محتاج إلى الدم، ينشطه ويحقق له فائدة صحية، كأن يكون دمه أكثر من القدر الذي ينبغي، فالمسألة تختلف عندئذ، إذ تصبح خاضعة حينئذ لقاعدة: تصرف الولي منوط بالمصلحة للمولي. أما في سائر الصور الأخرى للمسألة، فلا يجوز مثل هذا التصرف قط.

стр. 2873

ثانياً : عندما يكون المستفاد منه ميتاً ما هو الموت؟ الموت الذي نتحدث عنه في هذا الصدد، هو الموت ذاته الذي تترتب عليه جملة الأحكام الشرعية من ميراث وانفصام لعرى الزوجية وعدة وفاة وانقطاع عهد التكليف، ووجوب التجهيز والدفن، وغير ذلك. إذ ليس لدينا في الاصطلاح الشرعي أو اللغوي أو الطبي أكثر من حقيقة واحدة للموت. فما هو الموت الذي تعارف الناس جميعاً على معناه، والذي هو مناط لأحكام شرعية كثيرة؟ هو: مفارقة الروح للبدن مفارقة تامة. وإن شئت فقل: رعاية لمن لا يفهمون الروح ولا يتعاملون مع هذه الكلمة. هو انقطاع الحياة عن البدن انقطاعاً تاماً. ولا نحسب أن ثمة أي خلاف بين فئات الناس في أن هذا هو معنى الموت. غير أن خلافاً قد يقع اليوم في الدليل الذي يمكن أن يعتمد على تحققه ووقوعه. فالدليل المعتمد لذلك شرعاً هو سكون النبض ووقوف حركة القلب وقوفاً تاماً. إلا أنه يجب الاحتياط والتحري بتلمس أدلة أخرى، كلما حامت الشبه وظهرت موجبات الشك والريبة، لاسيما من جراء الأسباب التي أدت إلى الموت. قال النووي نقلاً عن الشافعي في الأم: ( ... فإن مات فجأة، لم يبادر بتجهيزه، لئلا تكون به سكتة، ولم يمت. بل يترك حتى يتحقق موته) . ثم قال: (وذكر الشافعي والأصحاب للموت علامات، وهي أن تسترخي قدماه وينفصل زنداه ويميل أنفه وتمتد جلدة وجهه) . زاد الأصحاب: (وأن ينخسف صدغاه) (١) . أقول: ولعل من الضروري في كل الأحوال الاستعانة بالطبيب للوصول إلى اليقين، لاسيما في حالات خاصة كالموت صعقاً أو غرقاً أو احتراقاً أو تردياً في جبل، أو على أثر عملية انتحار كتناول أقراص مميتة بنوعها أو كميتها.

стр. 2874

أما الأطباء، فهم يعتمدون اليوم، بالإضافة إلى الأدلة الشرعية التي هي محل اتفاق، على ما يسمونه بموت الدماغ! ... وهي حالة دماغية تبعث على اليقين عند الأطباء بانحدار حالة المريض إلى الموت. بمعنى انقطاع أمل الحياة عنه انقطاعاً تاماً في يقينهم العلمي، مع احتمال استمرار لدقات القلب وحرارة أو حركة في النبض. بيد أن موت الدماغ هذا، لا يعد، وحده، في ميزان الشريعة الإسلامية، دليلاً قاطعاً على حلول الموت فعلاً، بل هو في أكثر الأحيان نذير موت محقق حسب المقاييس الطبية المجمع عليها. إلا أنه ليس نذيراً قطعياً بالموت في حكم الشريعة، بل العقيدة الإسلامية، ذلك لأن هذه الحالة، وإن كان من شأنها أن تورث الطبيب يقيناً تاماً بأنها حالة موت، وبأن المسألة عندئذ لا تعدو أن تكون مسألة وقت يتمثل في بضع دقائق ويسكن القلب بعدها بيقين ـ إلا أن هذا اليقين بحد ذاته ليس يقيناً علمياً لدى التأمل والتحقيق، وإنما هو طمأنينة نفسية منبعثة من كثرة التجارب المتكررة التي لا لم تشذ، وهي التي يسميها كثير من العلماء، ومنهم الغزالي (اليقين التدريبي) (١) . وسبب عدم الاعتبار بهذا الدليل الطبي، من قبل الشريعة الإسلامية سببان اثنان: أولهما: أن أحكام الموت، أيا كانت، إنما تترتب على وقوعه الفعلي التام، لا على توقعاته مهما كانت يقينية جازمة. ثانيهما: أن هذه الدلالات أو التوقعات، مهما استندت إلى اليقين العلمي، فإن انتعاش المريض وتوجهه مرة أخرى إلى الحياة ليس مستحيلاً عقلياً، ومن ثم فليس مستحيلاَ شرعياً ... ذلك لأن الموت الحقيقي التام لم ينزل به بعد، ومقدمات الموت وأسبابه التي لم تشذ قط، ليست أسباباً موجبة بطبعها، وإنما بجعل الله إياها علامات على قربه. ولله أن يبطل دلالتها ويلغي سببيتها للموت عندما يشاء. ومن ثم فإن قرار الموت بناء على مجرد هذا الذي يسمونه الموت الدماغي لا يرقى إلى يقين علمي جازم بأن الروح قد فارقت أو ستفارق البدن، كما هو الشأن في الموت الحقيقي التام المصطلح عليه لغة وشرعاً، هذا بالإضافة إلى أنه مستند قاعدة (استصحاب الأصل) في الحكم باستمرار الحياة، أقوى من مستند الدلالة الطبية على الموت أو قرب حلوله، في الحكم بطروء الموت.

стр. 2875

ويتساءل كثير من الأطباء، عن قيمة دقات القلب أو قيمة الأنفاس الصاعدة، في ميزان الشريعة الإسلامية: عندما تكون هذه الأنفاس أو الدقات، منبعثة بفعل أجهزة متصلة بالمريض، بحيث لو فصلت عنه لتوقف القلب للتو، ولهمد كل شيء، وحل الموت الذي لا ريب فيه؟ وإلى متى يجب أن تكون هذه الأجهزة موصولة به تصطنع له صورة الحياة وتمتعه بكثير من دلائلها؟ والجواب: أن حركة القلب ما دامت مستمرة، فقرار الموت غيب لا يجوز الحكم به، سواء كانت هذه الحركة طبيعية أم اصطناعية، بواسطة بعض الأجهزة، وهذه الأجهزة فيما تقدمه من معونة، ليست أكثر في هذه الحال من غطاء مسدل على المريض يمنع من معرفة واقع حاله أميت هو أم حي. ومن ثم فإن فصل هذه الأجهزة عنه لا يعد قتلاً له ولا تسبباً بموته، مهما ظهر أن هذا الفصل قد ينهي حركة القلب ويعجل بالموت، ذلك لأن الحياة الحقيقة ليست تلك التي تنبعث من أجهزة، فتمد القلب بالوجيب وتجعل صاحبه وكأنه يمارس الشهيق والزفير. وإنما الحياة ذلك السر المنبعث من داخل الكيان، بل من كل أجزاء الجسد، ومن ثم فإن للطبيب أو لذوي المريض فصل هذه الأجهزة وإنهاء عملها في الوقت الذي يشاؤون. لذا، فإن السبيل الوحيد لمعرفة حال المريض وما آل إليه أمره، عندما يكون محجوباً بفعل هذه الأجهزة، أن تفصل عنه، ثم ينظر في أمره آنذاك، فإن تحققت الدلائل الشرعية للموت، حكم بموته وترتبت عليه أحكامه. وإلا فإنه لا يزال في الأحياء، وتظل أحكام الحياة هي السارية في حقه.
следующие страницы →