← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ولكن ما الحكم إن كانت الضرورة ليست إنقاذاًَ لحياة المستفيد، وإنما هي استبدال طرف أو عضو سليم عامل، بعضو تالف من جسده؟ وذلك كأن يؤثر الرجل صاحبه بعينه، فتؤخذ منه وتزرع في مكان العين التالفة من وجه صاحبه؟ مقتضى القواعد والأدلة التي اعتمدنا عليها في الحكم بجواز الحالة الأولى، أن تجوز هذه الحالة الثانية أيضاً، ولقد أمعنت النظر والتفكير، فلم أجد في هذه الحالة الثانية أي فارق عن الأولى يستدعي الحكم بالحظر. والله أعلم. ومها يكن، فإن جواز الإقدام على هذا الأمر منوط بالضرورة، سواء كانت ضرورة إنقاذ حياة، أو ضرورة إحياء عضو تالف. ولكي نزيد بيان هذه الضرورة ضبطاً، نذكر بالمحترزات التالية: أ - لا يجوز التنازل، إن ثبت أن عضواً اصطناعياً يمكن أن يقوم مقام العضو الطبيعي في إنقاذ حياة المريض، أو كان احتياجه إلى ذلك العضو غير ضروري، أو كانت استفادته منه شكلية. ب - لا يجوز التنازل، إن كان على وجه الإهدار والإتلاف، كأن يمكن غيره من إتلاف أحد من أعضائه أو من إلحاق أي ضرر بجسمه، دون أي ضرورة تستلزم ذلك. ج- لا يجوز التنازل، إن كان لمصلحة ذي حياة غير محترمة، كمرتد أصر على الردة واستوجب القتل، أو زان محصن قضى القاضي في حقه بالرجم. وسبب حرمة الإيثار في هذه الحالات الثلاث أن تحمل المؤثر للمضرة مخل في كل منها بالمقصود الشرعي. فلا يعد التنازل فيها إسقاطاً للحظ الشخصي في سبيل الغير، على نحو ما تم تأصيله للمعنى الفقهي في الإيثار. وبملاحظة هذه المحترزات يزول وهم التناقض الذي قد يتصوره القارئ لكلام الشاطبي، إذ عاد بعد أن أصل قاعدة الإيثار وأيدها بالأدلة المختلفة، فأوضح أن حق العبد وإن كان ثابتاً له في حياته وكمال جسمه وبقاء ماله في يده، فإنه لا يجوز له أن يسلط يد الغير عليه بالإتلاف أو الإضرار (١) . ذلك لأن عدم جواز التسليط هنا، إنما هو بسبب افتقاره إلى الشروط التي لا بد من توافرها لتحقق معنى الإيثار، فكلامه في المرة الأولى والثانية منسجم مترابط. ويلاحظ أن الشاطبي هنا ساوى في الحرمة بين تسليط الرجل يد الغير على جسمه وعلى ماله، ليعلم أن شروط الإيثار إن لم تتوافر، فالتسليط عندئذ يصبح محرماً لا على الجسم فقط، بل على المال أيضاً، وليعلم أن شروطه إن تمت كان تمكين الغير إيثاراً مبرراً مثاباً عليه بالنسبة لكل من الجسم والمال معاً.

стр. 2872

الصنف الثاني: وهو الإنسان الذي لا يتمتع بأهلية كاملة يستقل بها بإرادة شؤون نفسه، كالطفل وكالمجنون. فمن الثابت أن هذا الصنف من الناس لا يملك أن يستقل بالتصرف في هذا الأمر، الذي هو من أخطر شؤونه الشخصية، ومن ثم فإن القيام بالإيثار الشرعي لا يتأتى منه. ولكن هل يملك أن يقوم عنه بهذا الأمر وليه كأبيه وعمه مثلا؟ والجواب أن وليه أيا كان ـ سواء كان يتمتع بالولاية الخاصة أو العامة ـ لا يملك مثل هذا التصرف بشيء من أجزاء جسد موليه، ولا حتى بماله أو أي من حقوقه الأخرى. أي أن الإيثار لا يتأتى إلا من الأصيل صاحب الحق ذاته. وبيان ذلك أن تصرف الولي إنما هو بمقتضى حكم الولاية. لا بمقتضى عقد الوكالة. إذ لا تتأتى الوكالة هنا، ذلك لأن من شروط صحة عقد الوكالة، أن يملك الأصيل التصرف الذي يطالب به الوكيل. ومن المعلوم أن الأصيل لا يملك مثل هذا التصرف بنفسه، فأحرى أن لا يملك تنفيذه بواسطة غيره. فإذا ثبت أن تسلط الأب أو من يقوم مقامه على حقوق الطفل ونحوه، إنما هو بحكم الولاية عليه لا النيابة عنه، فإن من القواعد الثابتة التي لا نعرف فيها خلافاً أن تصرف الولي منوط بما هو الخير والمصلحة لموليه. ومن ثم فلا ينفذ من تصرفاته بحقوقه، إلا ما كان على وجه الغبطة والمصلحة له. وعلى هذا، فليس لولي الطفل أو المجنون، سواء كان ذا ولاية خاصة أو عامة، أن يتبرع عنه بكلية أو أي من أجزاء جسده، لمضطر من الناس، أيا كان شأنه ومهما بلغت ضرورته. لما في ذلك من إلحاق الضرر البين بموليه، نعم إن ثبت بشهادة طبيبين عدلين أن أخذ شيء من دمه لمريض محتاج إلى الدم، ينشطه ويحقق له فائدة صحية، كأن يكون دمه أكثر من القدر الذي ينبغي، فالمسألة تختلف عندئذ، إذ تصبح خاضعة حينئذ لقاعدة: تصرف الولي منوط بالمصلحة للمولي. أما في سائر الصور الأخرى للمسألة، فلا يجوز مثل هذا التصرف قط.

стр. 2873

ثانياً : عندما يكون المستفاد منه ميتاً ما هو الموت؟ الموت الذي نتحدث عنه في هذا الصدد، هو الموت ذاته الذي تترتب عليه جملة الأحكام الشرعية من ميراث وانفصام لعرى الزوجية وعدة وفاة وانقطاع عهد التكليف، ووجوب التجهيز والدفن، وغير ذلك. إذ ليس لدينا في الاصطلاح الشرعي أو اللغوي أو الطبي أكثر من حقيقة واحدة للموت. فما هو الموت الذي تعارف الناس جميعاً على معناه، والذي هو مناط لأحكام شرعية كثيرة؟ هو: مفارقة الروح للبدن مفارقة تامة. وإن شئت فقل: رعاية لمن لا يفهمون الروح ولا يتعاملون مع هذه الكلمة. هو انقطاع الحياة عن البدن انقطاعاً تاماً. ولا نحسب أن ثمة أي خلاف بين فئات الناس في أن هذا هو معنى الموت. غير أن خلافاً قد يقع اليوم في الدليل الذي يمكن أن يعتمد على تحققه ووقوعه. فالدليل المعتمد لذلك شرعاً هو سكون النبض ووقوف حركة القلب وقوفاً تاماً. إلا أنه يجب الاحتياط والتحري بتلمس أدلة أخرى، كلما حامت الشبه وظهرت موجبات الشك والريبة، لاسيما من جراء الأسباب التي أدت إلى الموت. قال النووي نقلاً عن الشافعي في الأم: ( ... فإن مات فجأة، لم يبادر بتجهيزه، لئلا تكون به سكتة، ولم يمت. بل يترك حتى يتحقق موته) . ثم قال: (وذكر الشافعي والأصحاب للموت علامات، وهي أن تسترخي قدماه وينفصل زنداه ويميل أنفه وتمتد جلدة وجهه) . زاد الأصحاب: (وأن ينخسف صدغاه) (١) . أقول: ولعل من الضروري في كل الأحوال الاستعانة بالطبيب للوصول إلى اليقين، لاسيما في حالات خاصة كالموت صعقاً أو غرقاً أو احتراقاً أو تردياً في جبل، أو على أثر عملية انتحار كتناول أقراص مميتة بنوعها أو كميتها.

стр. 2874

أما الأطباء، فهم يعتمدون اليوم، بالإضافة إلى الأدلة الشرعية التي هي محل اتفاق، على ما يسمونه بموت الدماغ! ... وهي حالة دماغية تبعث على اليقين عند الأطباء بانحدار حالة المريض إلى الموت. بمعنى انقطاع أمل الحياة عنه انقطاعاً تاماً في يقينهم العلمي، مع احتمال استمرار لدقات القلب وحرارة أو حركة في النبض. بيد أن موت الدماغ هذا، لا يعد، وحده، في ميزان الشريعة الإسلامية، دليلاً قاطعاً على حلول الموت فعلاً، بل هو في أكثر الأحيان نذير موت محقق حسب المقاييس الطبية المجمع عليها. إلا أنه ليس نذيراً قطعياً بالموت في حكم الشريعة، بل العقيدة الإسلامية، ذلك لأن هذه الحالة، وإن كان من شأنها أن تورث الطبيب يقيناً تاماً بأنها حالة موت، وبأن المسألة عندئذ لا تعدو أن تكون مسألة وقت يتمثل في بضع دقائق ويسكن القلب بعدها بيقين ـ إلا أن هذا اليقين بحد ذاته ليس يقيناً علمياً لدى التأمل والتحقيق، وإنما هو طمأنينة نفسية منبعثة من كثرة التجارب المتكررة التي لا لم تشذ، وهي التي يسميها كثير من العلماء، ومنهم الغزالي (اليقين التدريبي) (١) . وسبب عدم الاعتبار بهذا الدليل الطبي، من قبل الشريعة الإسلامية سببان اثنان: أولهما: أن أحكام الموت، أيا كانت، إنما تترتب على وقوعه الفعلي التام، لا على توقعاته مهما كانت يقينية جازمة. ثانيهما: أن هذه الدلالات أو التوقعات، مهما استندت إلى اليقين العلمي، فإن انتعاش المريض وتوجهه مرة أخرى إلى الحياة ليس مستحيلاً عقلياً، ومن ثم فليس مستحيلاَ شرعياً ... ذلك لأن الموت الحقيقي التام لم ينزل به بعد، ومقدمات الموت وأسبابه التي لم تشذ قط، ليست أسباباً موجبة بطبعها، وإنما بجعل الله إياها علامات على قربه. ولله أن يبطل دلالتها ويلغي سببيتها للموت عندما يشاء. ومن ثم فإن قرار الموت بناء على مجرد هذا الذي يسمونه الموت الدماغي لا يرقى إلى يقين علمي جازم بأن الروح قد فارقت أو ستفارق البدن، كما هو الشأن في الموت الحقيقي التام المصطلح عليه لغة وشرعاً، هذا بالإضافة إلى أنه مستند قاعدة (استصحاب الأصل) في الحكم باستمرار الحياة، أقوى من مستند الدلالة الطبية على الموت أو قرب حلوله، في الحكم بطروء الموت.

стр. 2875

ويتساءل كثير من الأطباء، عن قيمة دقات القلب أو قيمة الأنفاس الصاعدة، في ميزان الشريعة الإسلامية: عندما تكون هذه الأنفاس أو الدقات، منبعثة بفعل أجهزة متصلة بالمريض، بحيث لو فصلت عنه لتوقف القلب للتو، ولهمد كل شيء، وحل الموت الذي لا ريب فيه؟ وإلى متى يجب أن تكون هذه الأجهزة موصولة به تصطنع له صورة الحياة وتمتعه بكثير من دلائلها؟ والجواب: أن حركة القلب ما دامت مستمرة، فقرار الموت غيب لا يجوز الحكم به، سواء كانت هذه الحركة طبيعية أم اصطناعية، بواسطة بعض الأجهزة، وهذه الأجهزة فيما تقدمه من معونة، ليست أكثر في هذه الحال من غطاء مسدل على المريض يمنع من معرفة واقع حاله أميت هو أم حي. ومن ثم فإن فصل هذه الأجهزة عنه لا يعد قتلاً له ولا تسبباً بموته، مهما ظهر أن هذا الفصل قد ينهي حركة القلب ويعجل بالموت، ذلك لأن الحياة الحقيقة ليست تلك التي تنبعث من أجهزة، فتمد القلب بالوجيب وتجعل صاحبه وكأنه يمارس الشهيق والزفير. وإنما الحياة ذلك السر المنبعث من داخل الكيان، بل من كل أجزاء الجسد، ومن ثم فإن للطبيب أو لذوي المريض فصل هذه الأجهزة وإنهاء عملها في الوقت الذي يشاؤون. لذا، فإن السبيل الوحيد لمعرفة حال المريض وما آل إليه أمره، عندما يكون محجوباً بفعل هذه الأجهزة، أن تفصل عنه، ثم ينظر في أمره آنذاك، فإن تحققت الدلائل الشرعية للموت، حكم بموته وترتبت عليه أحكامه. وإلا فإنه لا يزال في الأحياء، وتظل أحكام الحياة هي السارية في حقه.

стр. 2876

حكم الاستفادة من جسد الميت: بعد أن حررنا المعنى المقصود شرعاً بالموت، نعود إلى أصل المسألة، فنتساءل: هل يجوز اقتطاع جزء من الميت ليستفيد منه حي محترم معصوم الدم، في إنقاذ حياته المهددة بالموت، أو في استعاضة عضو سليم بعضو تالف منه؟ نعيد إلى الذاكرة، القاعدة الرابعة من جملة القواعد التي ألمحنا إليها في مقدمة هذا البحث، وهي: كل ما كان حقاً للعبد يورث بالموت عينياً كان أو معنوياً، ولا شك أن الكرامة، بل القداسة التي متع الله بها الإنسان حق من حقوقه، فهو مخول بالدفاع عنها والمخاصمة في سبيلها أو التنازل عنها بالتجاوز والعفو، أي ضمن حدود معنى الإيثار. فإذا مات الإنسان، آل حق كرامته الشخصية هذا إلى ورثته فهم المخولون في رعايتها والمحافظة عليها أو التنازل عنها بالإيثار ضمن حدوده الشرعية التي سبق بيانها. ولعل من أبرز الأمثلة المندرجة في هذا الحق، موت المقذوف قبل مطالبته بحقه في إقامة الحد على القاذف، فإن الحق ينتقل إلى ورثته، فإن شاؤوا أقاموا الدعوى، وطلبوا إقامة الحد على القاذف، وإن شاؤوا عفوا (١) . نعم خالف الحنفية في ذلك، فذهبوا إلى أن حق المقذوف يسقط بموته ولا يورث. غير أن مخالفتهم ليست في العمل بهذه القاعدة والأخذ بها، بل هي محل اتفاق من الجميع. وإنما سبب مخالفة الحنفية هنا للجمهور، ما يرونه من أن إقامة الحد على القاذف حق لله . أو المتغلب فيها هو حق الله . ولذا فهو لا يورث، تطبيقاً منهم للقاعدة ذاتها (٢) . وبناء على هذا، ولما كان اقتطاع جزء من الميت مخلاً بكرامته من حيث هو إنسان مكرم، بحيث لو كان حياً لكان له حق المنع، رعاية لكرامته، وحق الإذن إيثاراً وإسقاطاً لحظه ـ فإن النظر في هذا الحق يؤول، بسبب موته، إلى ورثته، فإن شاؤوا منعوا، ولا سلطان عليهم من أحد، وإن شاؤوا تجاوزوا حقهم وسمحوا باقتطاع عضو أو جزء مورثهم لإسعاف من اقتضت الضرورة إسعافه.

стр. 2877

ولعل انطباق هذه القاعدة على موضوعنا في هذه الحال، يعد دليلاً آخر على ضعف ومرجوحية قول الفقهاء الذين أطلقوا القول بحرمة الاستفادة من جسم الميت، وهم الحنفية والشافعية، مستدلين بالكرامة الإنسانية التي ميز الله بها الإنسان (وقد مرت النصوص التي نقلناها عنهم في ذلك ص: ١٩٢. ذلك لأنه قد ثبت ثبوتاً جلياً بأن رعاية هذه الكرامة حق للإنسان فهو المدافع عنها والمتصرف بها في حياته، ومن ثم فإن له حق الإيثار بها، كما مر بيانه مدعوماً بالأدلة والنقول. وإذا تقرر أنها حق للعبد، فلا مناص من القول بأنها تورث بعد موته، وإن حق التصرف بها يؤول إلى ورثته بحكم أن هذا الحق قد آل إليهم، فلهم عندئذ أن يسمحوا أو أن لا يسمحوا بالاستفادة من جسم ميتهم لإنقاذ الغير. ويبعد أن يكون أولئك الفقهاء غافلين عن هذا المستند الجلي الذي لا نعلم خلافاً فيه، ولذا فالرجح أنهم أرادوا بما أطلقوه من المنع الاستفادة التي لا تلجئ إليها ضرورة، كأن تكون في حدود التجميل الشكلي للمستفيد، ويؤكد هذا أن الطب في عصورهم لم يكن يملك زرع عضو في جسم الإنسان لأكثر من الزينة وإزالة مظهر التشوه فيه. ونعود إلى مسألتنا فنقول: هذا إن لم يتعلق حق عام بجسد الميت خصوصاً، أو على سبيل الفرض الكفائي الشامل له ولغيره عموماً. فإن الأمر في هذه الحالة لا يتوقف على إجازة الولي وموافقته. مثال الحالة الأولى، وهي تعلق حق عام بجسد ميت بخصوصه، أن يموت الشخص في ظروف غامضة أو يرى مقتولاً، وتيقن القاضي أو غلب على ظنه أن تشريح الجثة من قبل الطبيب الشرعي من شأنه أن يكشف عن الجريمة التي ربما تكون هي التي أودت بحياته، ومن ثم فإن ظهور الجريمة سيكون موصلاً إلى معرفة القاتل: فلقد تعلق حق عام ـ هو حق العدالة ـ بجسد هذا الميت بخصوصه، وإنما تأخذ العدالة هنا مجراها وحقها بإخضاع الجثة للتشريح. ومثال الحالة الثانية توقف الدراية الصحيحة بالطب أو الطب الجراحي في البلدة، على تشريح بعض الجثث لإجراء تجارب وتطبيقات عملية عليها، ابتغاء الحصول على الخبرة الكافية التي تخول الأطباء حق إجراء العمليات الجراحية للمرضى مع افتراض أن استخدام أي من الحيوانات غير الإنسان لا يحقق الغاية المطلوبة. فالحق هنا متعلق بالقدر الكافي من الجثث لا على التعيين.

стр. 2878

فلنوضح حكم كل من هاتين الحالتين على حدة: الحالة الأولى: مما لا ريب فيه أن مصلحة الحق العام هي الراجحة، بل لا ريب أن مصلحة رعاية كرامة الميت منطوية في مصلحة الحق العام، بمعنى أن كرامة الميت آيلة إلى التمزق والهدر، إن لم تراع مصلحة الحق العام في حفظ العدالة وتحقيق مقتضياتها. ولهذا الذي نقول مستند قوي في تراثنا الفقهي المتمثل في أحكام أخذ بها الجمهور، تدعم هذا المبدأ الذي نقرره في هذه المسألة، وهو اتفاق جمهور الفقهاء على أن الرجل إن اغتصب جوهرة ثمينة من صاحبها، فابتلعها ثم مات، وغلب على الظن إمكان الحصول عليها بشق بطنه، وجب شق بطنه لاستخراج الجوهرة منه، إن حرص صاحبها على المطالبة بحقه. ومثل ذلك اتفاقهم أيضاً على وجوب شق بطن الحامل، إن ماتت وقرر الأطباء أن جنينها حي، وأن استخراجه من رحمها حياً ممكن يقيناً أو ظناً (١) . ومن المعلوم أن الحق الذي يتعلق بجثة الميت لاستخراج الجنين أو لاستخراج الجوهرة الثمينة، إنما هو حق خاص عائد إلى شخص بعينه. فإذا كانت رعاية الحق الخاص تستدعي ـ فيما أجمع عليه جمهور الفقهاء ـ إخضاع جسم الميت للتبضيع والتمزيق، فلأن تستدعي رعاية الحق العام ذلك، من باب أولى.

стр. 2879

الحالة الثانية: وهي تدخل في جملة الأمثلة الكثيرة للفروض الكفائية، وبيان ذلك أن توفير القدر الضروري من الأطباء في المجتمع الإسلامي فرض على مجموع المسلمين بالاتفاق، بحيث لو أنهم أعرضوا عن النهوض بهذا الواجب أثموا جميعاً. ومن المعلوم أن كل ما يتوقف عليه تحقيق الواجب يندرج معه في حكم الوجوب، فيصبح هو الآخر واجباً، تطبيقاً لقاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وعلى هذان فإن توقف تحصيل القدر الكافي من الخبرة الطبية الواجب تحصيلها على إجراء تجارب عملية على بعض الجثث في نطاق الجراحة الطبية، كان تيسير السبيل إلى ذلك واجباً على مجموع المسلمين، شأنه كشأن سائر الفروض الكفائية المختلفة. ولكن كيف، وعلى أي أساس، يتم اختيار الجثث التي تجرى عليها هذه التجارب العلمية؟ والجواب أنه يجب قبل كل شيء التقييد في السعي إلى تحقيق هذه الاستفادة بأدنى حدود الضرورة، دون أن توسع عن هذا الحد. ذلك لأن الضرورات يجب أن تقدر بقدرها لاسيما في مثل هذه المسألة، ولعل الواقع الذي يجري اليوم في كثير من البلاد العربية لا يخضع من قريب أو بعيد لهذا الضابط. وفي نطاق الالتزام بحدود الضرورة هذه نقول: لا بد أن يتم قبل كل شيء الإعلان عن الحاجة الماسة إلى العدد المطلوب من الجثث لهذا الأمر، فإن تقدم من أولياء الموتى من يكفي لتغطية الحاجة، بالسماح للاستفادة من موتاهم، فذاك وإلا فإن السبيل ينحصر ـ والحالة هذه ـ في إحدى طريقتين: الطريقة الأولى: الاستفادة من جثث أولئك الذين يؤول أمر تجهيزهم ودفنهم إلى الولي العام مما لا يوجد لهم ورثة من الأقارب أو ذوي الأرحام. ذلك لأن حق النظر في هذه الجثث إنما يؤول بالإرث وإلى الولي العام كما قد بيناه من قبل. ومن ثم فهو يملك أن يقرر ما يشاء ضمن حدود المصلحة الضرورية التي لا تتجاوزها، ولا ترد هنا قاعدة: تصرف الولي منوط بالمصلحة لوليه، لأن المسألة هنا ليست ترديداً بين مصلحتين متساويتين للميت وللمجتمع وإنما هي ترديد بين مصلحة تحسينية للميت ومصلحة ضرورية لعموم المجتمع، فالمسألة إذن بمعزل عن هذه القاعدة.

стр. 2880

الطريقة الثانية: ويتم اللجوء إليها عند عدم إمكان اللجوء إلى الطريقة الأولى: الاعتماد على إجراء قرعة تجريها الدولة للوصول إلى تحقيق الواجب الكفائي. وتعتمد في ذلك على السبل الإجرائية التي ترى أنها الأليق والأكثر اتفاقاً مع المصلحة العامة. وثمرة القرعة في هذه الحال، سقوط حق أولياء الميت الذي خرجت عليه القرعة، في النظر في هذا الأمر، وثبوت حق الدولة في تشريح جثته للمصلحة الضرورية العامة، مع وجوب الالتزام الدقيق بما ذكرناه من ضوابط الضرورة القصوى، وعدم تجاوزها بحال من الأحوال. وبعد، فلعلنا استوفينا من خلال هذا الموجز بيان أحكام هذه المسألة بجوانبها وصورها المختلفة، ولقد حرصنا أن يكون معتمدنا أولا: الأصول والقواعد الشرعية التي هي الأساس المتبع للبحث والاجتهاد الفقهي، ثانياً الاعتماد على ما قرره أئمتنا الفقهاء الأعلام في نظائر هذه المسألة أو ما يجري مجراها، ويدخل في مناطاتها، من الأحكام الجزئية المختلفة. فإذا جاء الاجتهاد منضبطاً بهذين الأساسين، فإنا لنرجو ونسأل الله أن يكون مكللاً بالتوفيق وإصابة الحق في علم الله وحكمه. غير أن ثمة أساساً ثالثاً لا بد للاعتماد عليه في طريق الحرص والسعي إلى موافقة اجتهاداتنا حكم الشريعة الإسلامية، إلا أنه ليس من اختصاص الباحث ولا هو في مقدوره. وإنما المعتمد في رعايته هو المجتمع الذي ينهض بدور التنفيذ والتطبيق. هذا الأساس هو مراقبة الله في تنفيذ هذه الأحكام، والحرص على ممارستها وتطبيقها على الوجه الذي يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية والحكمة التي يتوخاها الشارع مما شرع لعباده. فإن لم يتحقق هذا الأساس التنفيذي، فإن جهود الباحثين والمجتهدين تظل على الغالب نظرية، هذا إن لم نقل: إنها قد تصبح مطايا تحت سلطان الكثيرين لتحقيق المآرب الدنيوية والوصول إلى كثير من المبتغيات غير المشروعة. والله المستعان أن يوفقنا، باحثين ومنفذين، لرعاية هذه الأسس الثلاثة على خير وجه، إنه نعم المستعان ونعم النصير. د. محمد سعيد رمضان البوطي

стр. 2881

انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً في الفقه الإسلامي إعداد فضيلة الأستاذ الدكتور حسن علي الشاذلي أستاذ وعميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة تقوم العقيدة الإسلامية على كلمة جامعة هي (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ . أ: تبين الكلمة الأولى منها أن المعبود بحق ـ في عقيدة الإسلام ـ واحد لا يشاركه أحد، فهو واحد في ذاته، وصفاته وأفعاله، لا يماثله أحد، ولا يستحق العبودية أحد سواه، لأنها تضمنت نفياً وإثباتاً، أو قصراً وتخصيصاً، حيث تضمنت نفي الألوهية عن غيره، وتضمنت بالاستثناء بعد النفي إثبات الألوهية له، والألوهية هي استحقاقه العبادة وحده. فعقيدة الإسلام تقوم على توحيد، أي إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتاً وصفات وأفعالاً، فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه من الوجوه، ولا تشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، ولا يدخل أفعاله الاشتراك، أي أن كل ما في الكون كله ـ من إنسان أو حيوان أو طير أو نبات أو جماد أو غيرها ـ من خلق الله جل شأنه، ولا فضل لغيره فيه. ب: والكلمة الثانية (وأشهد أن محمداً رسول الله) هي تعبير عن الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ من الوحي بنوعيه: الوحي المتلو وهو القرآن الكريم، والوحي غير المتلو، وهو السنة النبوية المطهرة وما احتوت عليه من أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته. والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ يؤدي إلى إيجاب العمل بشريعته واتباع هديه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . (٥٩/٤) وقال جل شأنه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٨٠/ ٤) . وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الآية ٢١ الأحزاب] أي قدوة حسنة يتبع فيها.

стр. 2882

وينبثق عن هذه العقيدة قواعد مسلمة، وأسس ثابتة منها على ضوء ما تقرر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . أ - أنه جل شأنه الخالق لكل ما في الكون دون سواه، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الآية ٥٩ من سورة الفرقان ٢٥] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الآية ٦٤ من سورة النمل ٢٧] . ب - وأنه جل شأنه المالك لكل ما في الكون وحده دون سواه، لا شريك له فيه، وهو المتصرف فيه، بكل أنواع التصرف، إيجاداً وإعداماً، إحياء وإماتة، تغيراً وتبديلا، استقراراً وحركة، تحليلاً وتحريماً، منحا ومنعاً، تخسيراً وحجباً ... ت - يقول الله تعالى في أول سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ . [الآية ١، ٢ من سورة الملك] . ويقول جل شأنه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الآية ١١ من سورة الإسراء] . وإذا كانت عقيدة الإسلام تقرر أن المالك لكل ما في الكون كله ـ عاقلة وغير عاقلة، متحركة وثابتة، سائلة وجامدة ـ هو الله جل شأنه، فقد اقتضت حكمته جل شأنه أن يوجد من بين الكائنات خلقاً يميزه عن غيره من كافة الخلق، ويخصه بنعم لا تحصى ويحمله الأمانة، وينيط به تعمير الكون ويجعله خليفة في الأرض ... ألا وهو الإنسان. فقد كرم الله جل شأنه الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الآية ٧٠ من سورة الإسراء] وصانه وحفظ له ـ بما شرعه من أحكام ـ دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله وكل مقومات حياته. وحمله الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الآية ٧٢ من سورة الأحزاب] والأمانة تعم جميع وظائف الدين، وهي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد، يقول ابن عباس ﵁: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال. إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله ألا يقوموا به، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها ...

стр. 2883

وجعل الله الإنسان خليفة في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ . [الآيتان ٣٠/ ٣١ من سورة البقرة] (١) . وأناط الخالق جل شأنه بالإنسان تعمير الأرض: قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ... (الآية ٦١ من سورة هود) (٢) . وسخر الخالق جل شأنه للإنسان ما في الكون ليعترف بفضل الله تعالى: عبادة وينعم به انتاجاً وتعميراً وأمناً وسلاماً في حدود مقننة، وفي إطار مرسوم، مؤدياً فرائض الدين وملتزماً به أمراً ونهياً وسلوكاً وإرشاداً. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ . [الآية ٢٠ من سورة لقمان) (٣) . وقد أفاضت الآيات الكريمة في بيان ما سخره الله للإنسان ومنحه إياه وخصه به ومكنه من الانتفاع به في حدود الشرع، وفي إطاره المحكم.

стр. 2884

وهذا التسخير الذي منحه الخالق جل شأنه للإنسان لكل ما في الأرض وما في السماء هو حق انتفاع أو حق منفعه، وليس حق ملك، حق منحه الخالق جل شأنه للإنسان، لكي يتمكن من تحقيق ما أناطه به من أغراض، وما حمله إياه من أهداف، وحق الانتفاع هذا هو اكتساب للمنافع فقط، وتمكن من استيفائها دون أن يكون للإنسان حقيقة الملك لهذه الأعيان، إذ المالك الحقيقي هو الله جل شأنه، ولا مالك سواه لكل ما في الكون من إنسان أو غيره ـ كما سبق أن وضحنا. وهذا ما نطق به فقهاء المسلمين في كل موضع تحدثوا فيه عن ذلك: يقول ابن عرفة: (الملك الحقيقي إنما هو لمالك الملوك، الخالق للذوات والصفات فلا مالك حقيقة إلا الله تعالى) (١) . هذه الحقيقة انبثقت مما تقرر في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وما نطقت به العقول السليمة التي تجد نفسها وهي في محيط هذا التنظيم الكوني البديع الصنع، المنظم المسيرة الدقيق، مقرة معترفة بأن خالقه ومسيره ومنظمة ومدبر شؤونه واحد، ولا شريك له في كل ذلك، له الملك وهو على كل شيء قدير ـ جل شأنه وتعالى ذكره، فحق الانتفاع يخول للإنسان أن ينال هذا الحق ويباشره ويحصله بنفسه، وليس له أن يملكه لغيره، لا بعوض ولا بغير عوض، فإذا استوفى هذا الحق نعم به، وإن لم يستوفه ضاع عليه.

стр. 2885

وإذا كان للإنسان حق الانتفاع بما منحه الله إياه، فإن هذا الانتفاع الممنوح قد وضع له مانحه (جل شأنه) الإطار الذي يحقق الانتفاع به على الوجه الأكمل، في إطار أمن الجماعة ومصلحة كل فرد من أفرادها. وهذا الإطار حدده وبين معالمه رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، رسولاً بعد رسول إلى أن ختم الله هذه الرسالات برسالة محمد ﷺ الذي جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه، قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الآية ٤٨ من سورة المائدة] وقد جاءت هذه الرسالة كاملة تامة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [الآية ٣ من سورة المائدة) . ففرقت شريعة الإسلامي بين الحق والباطل، وأعطت كل ذي حق حقه، ومن أجل مصالح الناس حرمت أشياء وأباحت أشياء، كما نوعت حق الانتفاع بتنوع الشيء الممنوح والمسخر، فمن المنتفع به ما يكون الانتفاع به باستهلاكه.. ومنه ما يكون باستعماله.. ومنه ... ونظمت الحقوق في كل ذلك في حال الاختيار ... وكذا في حال الضرورة ... في تنسيق تام وتنظيم محكم يحقق الخير للبشرية جمعاء، ويضمن لها السعادة في الدارين. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد وضعت الضوابط لحدود الانتفاع بما خلق الله تعالى ومعرفة ما يحل ويحرم من التصرفات في كل ما منحنا الله جل شأنه إياه، فإن أول الأشياء الممنوحة لنا، والمسخرة لمصلحتنا، هذا الجسم الإنساني الذي يعايشنا ويصاحبنا منذ بدء وجودنا ـ لحظة لحظة ـ حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولقد أحاط المشرع الحكيم هذا الكائن المكرم بكل ما يحفظه من كل سوء، ويدرأ عنه كل الشرور، حتى يحقق الأهداف المنوطة به، ويحقق الحكمة من إيجاده وخلقه. فشرع له ما يحفظ له دينه، ونفسه، وعقله، وعرضه، وماله، أي ما يحفظ عليه كل مقومات الحياة، وكل مقومات العطاء والتقدم، وكل مقومات المسيرة المؤمنة الآمنة المطمئنة حتى يرى نتيجة عمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الآية ٧، ٨ من سورة الزلزلة] . والذي يعنينا إبرازه في هذا المبحث هو أن نذكر بعضاً من الآيات والأحاديث التي تضبط علاقتنا بالجسم الإنساني، سواء أكان جسم الإنسان نفسه، أو جسم غيره، ثم نبين بعد ذلك ما يصلح وما يحرم من الانتفاع به، وبالله التوفيق. أستاذ الدكتور حسن علي الشاذلي

стр. 2886

المبحث الأول حرمة دم الإنسان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قررت الشريعة الإسلامية عصمة دم الإنسان، وحرمته، ومنعت الاعتداء عليه بأي نوع من أنواع الاعتداء سواء كان هذا الإنسان مسلماً أو غير مسلم، كانت نفس الإنسان أو نفس غيره، بذلك نطق الكتاب الكريم والسنة النبوية، وآية ذلك: أولاً ـ في حرمة قتل الغير: من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الآية ٣٢ من سورة الإسراء] . وقال جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [الآية ٩٣ من سورة النساء] وقال جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [الآية ٩٢ من سورة النساء] . وقال علا ذكره: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الآية ٣٢ من سورة المائدة] . من السنة النبوية الشريفة: - عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ كان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل)) . - جزء من حديث طويل ـ في صحيح مسلم ـ في حجة النبي ﷺ . - وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قيل: يا رسول الله، وما هي؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 2887

- وروي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)) رواه البخاري والحاكم. - وروي عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق)) رواه ابن ماجة بإسناد حسن ورواه البيهقي (١) . - كما ورد النهي عن قتل الذميين والمعاهدين: - فبجانب دلالة الآيات القرآنية التي أوردناها آنفاً على قتل النفس، مطلقاً، مؤمنة أو غير مؤمنة، فقد صرحت السنة النبوية بحرمة قتل الذميين والمعاهدين: - فقد روي عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً)) رواه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجة (٢) . - ومن هذا يتبين لنا روعة الشريعة الإسلامية وسمو تعاليمها، ورحابة آفاقها وتقديرها لذات الإنسان الذي نزلت الرسالات لهدايته وإرشاده إلى ما يصلح حاله ويدفع الأذى عنه، وأخذها بيده إلى سفينة النجاة، مع الحفاظ عليه وعدم المساس بدمه أو ماله أو عرضه إلا بالحق، حتى تتفتح براعمه في المجتمع إلى أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ﷺ . - قصر القتل في الحروب على المحاربين ... كما أرست السنة النبوية القواعد التي يجب تطبيقها في الحروب ... سواء من حيث بيان من يجوز قتالهم ومن لا يجوز ... وحدود القتال وضوابطه، وكيفيته، وبدايته ونهايته ... ومن بين ما قررته في هذا السبيل: - النهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ في الحروب: فقد روي عن ابن عمر أنه قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ و ((نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان)) . وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: ((انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ : لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة ... )) رواه أبو داود - النهي عن قتل الأجراء: كما روي عن أنس أن النبي ﷺ قال عندما وجد امرأة مقتولة في غزوة: ((ما كانت هذه لتقاتل)) فقال لأحدهم: ((الحق خالداً فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً)) رواه أحمد وأبو داود (والعسيف هو الأجير) .

стр. 2888

- النهي عن قتل الرهبان: - كما روي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: ((اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)) رواه أحمد.. والنهي عن قتل كل أولئك هو احترام للنفس الإنسانية التي لا تقدم على الإضرار بغيرها أو التي لا يتأتى منها الإضرار، النفس الإنسانية التي تمشت مع الفطرة السليمة والطبيعة المستقيمة فلم تحارب الله ورسوله، ولم تؤازر المحاربين لله ولرسوله واكتفت بمسيرة حياتها في أمن ... وهذا ما ينشده المشرع الكريم ويحرص عليه ويهيئ كل الظروف لإنمائه حتى يحس الناس بالأمن، وتزكو في عقولهم ومداركهم الرغبة في معرفة الحق جل شأنه، فيؤمنون به عن قناعة تامة ورؤية واضحة جلية ... فيعم الخير رحابهم، وتزكو وتتفتح براعمه في كل مكان. ومن الطبيعي، أن يعاقب الخارج على هذه الفطرة، والمقلق للمجتمع والمهدد للأمن والمحارب لله ولرسوله، والمعرض لمسيرة الشريعة التي أنزلها الله تعالى على محمد بن عبد الله ﷺ خاتمة للرسالات السماوية، ومصدقة لما بين يديها من الشرائع السابقة. وعقاب هذا الناد المشارك في الحرب، أو المؤازر، أو المخطط لها هو من جنس ما أقدم عليه، فقد أقدم يبغي قتلاً للمؤمنين وصد الدعوة لله فارتدت نيته إليه، وتحقق قصده في نفسه هو، سواء كان رجلاً أو امرأة أو شيخاً أو أجيراً أو كاهناً ... لأنه بخروجه محارباً أباح دمه وأهدر حرمته. وتظهر عالمية الشريعة الإسلامية، وسماحتها، وسعة أفقها في هذا المجال وفي غيره بصورة واضحة حينما تراجع نصوص ما جاء عن الحضارات الأخرى ـ كاليونانية والرومانية، بل وحتى في كتب بعض الديانات ... التي تجعل دم غير المؤمنين بها في كل الأحوال وفي كل الأزمان (١) هدراً، وتجعل أموالهم مباحة، وتجعل شريعتهم دائماً تؤول إلى ما يحقق له مصلحة ولو على حساب أرواح وأموال غير المنتمين إلى شريعتهم. فالنفس الإنسانية مكرمة، والنفس الإنسانية معصومة، ومحقونة الدم، ولا تنال إلا بحق، والنفس الإنسانية يحرم الاعتداء عليها، أو الإضرار بها، إلا إذا أخلت بما وجب عليها، وخرجت عن إطار الشرع، وعاقت مسيرة الحياة.

стр. 2889

ثانياً: حرمة قتل الإنسان أو الإضرار بها: - جناية الإنسان على نفسه من أدق أنواع الجنايات وأعقدها تركيباً، وأعمقها دوافع، وأكثرها تعبيراً عن الظروف الاجتماعية التي تحيط بالجاني، وتضطره إلى أن يقدم على الجناية على أعز الكائنات عليه وأحب المخلوقات إليه، وأولاها ظفراً بحرصه ورعايته، وامتداداً لآماله ... وقد كانت هذه الجناية وستظل مقياساً لما عليه المجتمع من دأب في رعاية أفراده، وحدب على حل مشكلاتهم، وتفاعل مع تطورات الأزمنة وتعاقب التطورات ... ، وتعبيراً عن الآفاق الصحيحة السليمة التي تظلل الدولة من جميع نواحي اختصاصاتها وأنشطتها، ثقافية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ... إذ سلامة كل ذلك يعمل بدافعية وجدية على سلامة المستوى الفكري للفرد، وإذا سلم هذا المستوى وصح كان الفرد راضياً عن نفسه وعن مجتمعه ... وإذا رضي عن ذلك حرص على البقاء حرصاً لا يعادله حرص، ودأب على حماية نفسه دأباً لا يعادله دأب، وصمد للتيارات صموداً لا يعرف الشك ولا التردد ولا اليأس ... والشريعة الإسلامية جاءت بالقواعد الأساسية، والمبادئ المستقرة الثابتة التي تدعم مسيرة الحياة جميعها، وتوطد أركانها، وترسي بين جوانبها معاني المحبة والعدالة والتسامح والرضا، وتعمل على حماية الإنسان وحماية حقوقه في إطار تكافل اجتماعي سليم، وتكافل اقتصادي هادف وحماية للمقدسات والحقوق ورعاية للمصالح جميعاً، ضرورية كانت أو حاجية أو تحسينية، كانت تخص الفرد أو الأسرة أو الجماعة أو الدولة، كانت تخص العقلاء أو ما خلق الله من أجل العقلاء من كائنات حية، أو جمادات أو نباتات ...

стр. 2890

والمتتبع للنصوص الواردة في الكتاب والسنة يتضح له منها هذه الرعاية، ويتبين له أن صلة الإنسان بجسمه ليست صلة مالك يتصرف في ملكه كيفما يشاء وبما يشاء، ولا تسلط يخضع المسلط عليه لرغباته دون حساب ودون رقيب..، ولكنها صلة كصلة المودع بالوديعة التي وضعت تحت يده، فهو أمين عليها، ومطالب بأن يحوطها بكل مقومات الحفظ والصيانة، وبكل ما يدرأ عنها الأضرار حتى ترد إلى صاحبها، وصلة كصلة المنتفع بما وهب له الانتفاع به، فيجب أن يباشر انتفاعه به على الوجه الذي رسمه له مالكه، وعلى المنهج الذي ارتضاه له، وفي الحدود التي ارتضاها وشرعها، فإذا جاوز الحد حق عليه الجزاء. وقد سبق أن بينا أن المالك لكل ما في الكون من إنسان وغيره هو الله . وعلى ضوء هذا حرم الله تعالى تعريض الإنسان نفسه للهلاك، وعاقب عليه أشد العقاب، وفي تقرير ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) ويقول جل شأنه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . (٢) ويقول الرسول ﷺ : ((إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه)) . ويقول الرسول ﷺ : ((من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلدا فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) رواه البخاري ومسلم. وروي عن جندب البجلي عن النبي ﷺ أنه قال: ((كان ممن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً، فجز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة)) أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 2891

ولم تكتف الشريعة الإسلامية بتقرير هذا المبدأ العام مع وضوحه ودلالته بل زادت ذلك بالنص على منع كل ما يضر الإنسان، ومن ذلك: ١- النهي عن أن يرهق الإنسان نفسه بالأعمال ولو كانت عبادة. وحسبنا في تقرير هذا المبدأ ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: بلغ النبي ﷺ أني أسرد الصوم، وأصلي الليل، فإما أرسل إليَّ، وإما لقيته، فقال: ((ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل؟ فلا تفعل، فإن لعينك حظًّا، ولنفسك حظا ولأهلك حظا، فصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة)) قال: إني أجدني أقوى من ذلك يا نبي الله. فقال: ((فصم صيام داود ﵇) قال: وكيف كان داود يصوم يا نبي الله؟ قال: ((كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى)) قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبي ﷺ : ((لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد)) رواه مسلم (١) . وما روي عن أنس أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج. وقال بعضهم: أصلي ولا أنام. وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) . متفق عليه. ٢- النهي عن التقتير والبخل: وأشد أنواعه أن يقتر الإنسان على نفسه ويبخل عليها بما أنعم الله عليه... ومن يفعل ذلك يستحق أشد العقاب. يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢) ويقول جل شأنه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية (٣)

стр. 2892

وينظم الرسول ﷺ أوجه إنفاق الإنسان من ماله (فيما رواه جابر بن عبد الله) فيقول: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)) . يقول: ((فبين يديك وعن يمينك وعن شمائلك)) . رواه مسلم. ٣- النهي عن أن يحجب الإنسان عقله ويعطل فكره عن العمل بشرب المسكرات، فحرم عليه المسكرات، فقال ﷺ : ((كل مسكر خمر وكل خمر حرام)) . وعاقب من يسكر اعتداء فقال ﵊: ((من شرب الخمر فاجلدوه)) فإذا كان هذا هو موقف الشريعة ممن يعطل جزءاً عن العمل، وهو تعطيل مؤقت فإن موقفها ممن يفعل مثل ذلك، أو أكثر من ذلك، يقاس عليه، في التحريك، وفي العقاب، مع شدة فيه حين يكون الجرم أكبر. (١)

стр. 2893

المبحث الثاني حكم التداوي حكم التداوي بالمحرمات حكم التداوي بالجراحات حكم التداوي في الفقه الإسلامي التداوي من الأمراض أمر مطلوب شرعاً، كما نص عليه المحققون من علماء الشريعة استنباطاً من نصوص الكتاب والسنة، ولما كان التداوي تارة يكون بتناول شيء مباح، وتارة يكون بتناول شيء قد حرم الله تناوله ... وتارة يكون بالجراحة، وتارة يكون بالكي ... فإن الفقهاء قد بينوا حكم الشرع في كل ذلك، ونعرض فيما يلي ما يكشف لنا عن هذا الحكم، متوخين عرض نصوص الكتاب فالسنة، ثم آراء العلماء ثم الترجيع في مواطن الاختلاف. أ: النصوص من الكتاب الكريم: أرست بعض الآيات الكريمة القواعد التي تحفظ على النفس البشرية حياتها، والتي تنهى عن تعريضها لأي هلاك، والتي توجب على الإنسان الأخذ بكل الأسباب التي تحقق للنفس البشرية صحتها. ومن ذلك: قال تعالى في النهي عن قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] وقال تعالى في النهي عن تعريضها للهلاك: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وفي اتخاذ الأسباب للوصول إلى حال القوة والصحة نورد قصتين: ففي قصة أيوب ﵇ لما أصابه السقم وأعياه المرض فنادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فأمره الله تعالى بما كان سبباً في شفائه، وهو القادر على أن يشفيه دون سبب. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ (١) ﴿وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ [الآيتان ٤١، ٤٢ من سورة ص] . فقد أمره جل شأنه بالركض ـ وهو الدفع بالرجل ـ فركض فنبعت عين ماء فاغتسل به، فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه، وعاد أيوب ﵇ سليماً معافى من كل داء.

стр. 2894

ومما ذكر في كتاب الله تعالى نأخذ أن اتخاذ الأسباب للوصول إلى النتائج المرجوة أمر قرره الشرع، ومنهج مشروع ارتضاه لنا الخالق جل شأنه ... فقد تحققت النتيجة المرجوة هنا ـ وهي شفاء أيوب ﵇ إثر أمر الله تعالى له بأن يركض برجله، فما خرج نتيجة الركض من الماء فعليه أن يغتسل منه، وعليه أن يشرب، فكان الشفاء ظاهراً وباطناً إثر ذلك، تلك إشارة كريمة من المشرع الكريم لربط الأسباب بالمسببات، وترتب المسببات على أسبابها بإذنه تعالى، وهو القادر جل شأنه أن يقول: (كن فيكون) دون ركض أو شرب، ولكنها حكمة عالية، وإشارة حكيمة من قادر حكيم لخلقه، كي يبحثوا ويتخذوا من الأسباب ما يوصل إلى النتائج بإذنه تعالى وتوفيقه. وفي قصة يونس ﵇: فقد قال تعالى في شأن يونس ﵇ حينما التقمه الحوت، وهو مليم، ثم نبذه بالعراء وهو سقيم: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الآيتان ١٤٥، ١٤٦ من سورة الصافات] . وورد فيما روي عن ابن مسعود ﵁ (١) قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ قال: كهيئة الفرخ الممعوط ليس عليه ريش، قال: وأنبت عليه شجرة من يقطين، فنبتت، فكان يستظل بها ويصيب منها.... وقد روي عن أبي هريرة أن اليقطينة هي (شجرة الدباء) وقيل: هي (شجرة التين) وقيل: شجرة الموز تغطى بأوراقها، واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها، والأكثر على أنها شجرة اليقطين، واليقطين ما لا ساق له كشجر القرع والبطيخ والحنظل والدباء.... وروي عن النبي ﷺ أنه كان يحب القرع ويقول: ((إنها شجرة أخي يونس)) (٢) .

стр. 2895

ومن هذه أيضاً نأخذ أن الله أراد أن ينقل يونس ﵇ من حالة الضعف إلى حالة القوة بأسباب عقلية طبيعية، ولم يشأ جل شأنه أن يقول له: (كن قوياً فيكون) إشارة لنا وبياناً لما يجب علينا من اتخاذ الأسباب وانتظار النتائج من الخالق جل شأنه. ب: النصوص من السنة النبوية المطهرة: في إباحة التداوي. روي عن أسامة بن شريك أنه قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: ((نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله)) رواه أحمد. وفي لفظ آخر: قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: ((نعم، عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء، إلا داء واحداً)) قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: ((الهرم.)) رواه ابن ماجة وأبو داود والترمذي وصححه ـ وفي لفظ: ((إلا السام وهو الموت)) . وعن جابر أن النبي ﷺ قال: ((لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى)) رواه أحمد ومسلم. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من عمله، وجهله من جهله)) رواه أحمد. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء)) رواه أحمد والبخاري وابن ماجة. وعن أبي خزامة قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: ((هي من قدر الله)) رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث.

стр. 2896

ويعلق الشوكاني في نيل الأوطار على هذه الأحاديث بقوله: (وفي أحاديث الباب كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله، وبتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها، بل بما قدره الله فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة في حديث جابر، حيث قال: ((بإذن الله تعالى)) فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته، والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بالعافية ودفع المضار وغير ذلك. وفي قوله: ((جهله من جهله)) ـ في حديث أسامة المتقدم ـ فيه دليل على أنه لا بأس بالتداوي لمن كان به داء قد اعترف الأطباء بأنه لا دواء له، وأقروا بالعجز عنه (١) . وفي قوله ﷺ : ((هي من قدر الله)) ـ في حديث أبي خزامة المتقدم ـ أي لا مخالفة بينهما، لأن الله هو الذي خلق تلك الأسباب وجعل لها خاصية في الشفاء) . ويقول الشوكاني في الرد على من قال بالتوكل على الله في دفع الداء وعدم التداوي، قال بعد أن أورد آراء العلماء في فهم الحديث الذي روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)) .. قال: (والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعاً لسنته، وسنة رسوله، فقد ظاهر ﷺ بين درعين، وليس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوته، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أيعقل ناقته أو يتوكل: ((اعقلها وتوكل)) . فأشار إلى أن الاحتراز لا يمنع التوكل) .

стр. 2897

حكم التداوي بالمحرمات ولما كانت دماء الناس وأموالهم وأعراضهم حراماً عليهم بنص الحديث الشريف ((:إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)) . وقوله ﷺ : ((المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)) . فإن التداوي بنقل عضو من إنسان حي أو ميت إلى آخر هو تداو بمحرم ... لذلك نورد فيما يلي ما جاء من الأحاديث في حكم التداوي بالمحرمات. فقد روي عن وائل بن حجر الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، قال: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام)) رواه أبو داود (١) . وقال ابن مسعود في المسكر: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيها حرام عليكم) ذكره البخاري. وعن أبي هريرة قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث ـ يعني السم)) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي. وقال الزهري في أبوال الإبل: (قد كان المسلمون يتداوون بها فلا يرون بها بأساً) رواه البخاري.

стр. 2898

ثم أورد الشوكاني آراء العلماء في جواز التداوي بالمحرمات فقال: قوله ﷺ عن الخمر: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء)) فيه التصريح بأن الخمر ليست بدواء، فيحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وكذلك سائر الأمور النجسة أو المحرمة، وإليه ذهب الجمهور (جمهور الفقهاء) . وقوله ﷺ : ((ولا تتداووا بحرام)) أي: لا يجوز التداوي بما حرمه الله من النجاسات وغيرها مما حرمه الله، ولو لم يكن نجساً. قال ابن رسلان في شرح السنن: والصحيح من مذهبنا ـ يعني الشافعية ـ جواز التداوي بجميع النجاسات، سوى المسكر، لحديث العرنيين في الصحيحين، حيث ((أمرهم ﷺ بالشرب من أبوال الإبل للتداوي)) . ثم قال: وحديث الباب محمول على عدم الحاجة بأن يكون هناك دواء غيره يغني عنه، ويقوم مقامه من الطاهرات. قال البيهقي: هذان الحديثان (حديث وائل، وحديث أبي الدرداء) إن صحا محمولان على النهي عن التداوي بالمسكر والتداوي بالحرام من غير ضرورة ليجمع بينهما وبين حديث العرنيين) . انتهى. ثم يقول الشوكاني معلقاً: (ولا يخفى ما في هذا الجمع من التعسف، فإن أبوال الإبل الخصم يمنع اتصافها بكونها حراماً أو نجساً، وعلى فرض التسليم فالواجب الجمع بين العام، وهو تحريم التداوي بالحرام، وبين الخاص، وهو الإذن بالتداوي بأبوال الإبل: بأن يقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا الإبل، هذا هو القانون الأصولي) الترجيح ولكننا يمكن أن نرد على الشوكاني قائلين: إما أن يقاس على الخمر ـ الوارد بشأنها التحريم ـ كل المحرمات والنجاسات فيكون بالتداوي بها حراماً أو أن تخص الخمر بالحرمة ـ لمخاطرها، وأولها الخطر من إدمانها بعكس غيرها من المحرمات ـ ويبقى التداوي بغيرها حلالا. وأيضاً حديث أبوال الإبل: إما أن يقاس على أبوال الإبل كل المحرمات، فيكون التداوي بها حلالا، أو أن تخص أبوال الإبل بهذا الحكم ويبقى التداوي بغيرها حراماً بناء على الحديثين الواردين بشأن الخمر.

стр. 2899

وإزاء ذلك وإعمالاً للأحاديث جميعاً، وعلى ضوء سبر علة التحريم في كل هذه المحرمات، وانطلاقاً من مبدأ انفراد الخمر بخواص تخالف غيرها من المحرمات أرى أن رأي الشافعية هو الرأي الراجح، وهو جواز التداوي بجمع النجاسات ـ سوى المسكر ـ وذلك عند عدم وجود دواء غيره يغني عنه، ويقوم مقامه من الطاهرات، فإذا لم يوجد غير المسكر دواء جاز التداوي به للضرورة، إنقاذاً للنفس البشرية من الهلاك ... (١) ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الآية ١٧٣ من البقرة] . وتطبيقاً لذلك يجوز تداوي النفس البشرية بما أحل الله تناوله والتداوي به، وكما يجوز تداويها بالمحرم إذا تعين علاجاً لها على يد طبيب مسلم حاذق. جاء في العناية للبابرتي هامش تكملة فتح القدير ج٨ ص ١٣٤ قوله: (ولا بأس بالحقنة يريد به التداوي إلا أنه لا ينبغي أن يستعمل المحرم كالخمر ونحوها؛ لأن الاستشفاء بالمحرم حرام، قيل: إذا لم يعلم أن فيه شفاء، فإن علم أن فيه شفاء وليس له دواء آخر غيره يجوز له الاستشفاء به، ومعنى قول ابن مسعود ﵁: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) يحتمل أن عبد الله قال ذلك في داء عرف له دواء غير محرم؛ لأنه يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال) . ومثله في (رد المحتار لابن عابدين ج٤ ص٢٢٤ في مطلب في التداوي بالمحرم فقال: (إن صاحب الخانبة والنهابة اختارا جواز بيع الحيات إن انتفع بها في الأدوية، إن علم أن فيه شفاء ولم يجد دواء غيره. قال في النهاية وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطبيب: يتعجل شفاؤك به فيه وجهان، كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وكذا في الذخيرة، وما قيل: إن الاستشفاء بالحرام حرام غير مجرى على إطلاقه، وأن الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، أما إذا علم وليس له دواء غيره يجوز. ومعنى قول ابن مسعود ﵁: لم يجعل شفاءكم فيما حرام عليكم (يحتمل أن يكون قال ذلك في داء عرف له دواء غير محرم، لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة فلا يكون الشفاء بالحرام وإنما يكون بالحلال) (٢)

стр. 2900

ويؤكد دور الطبيب المسلم في وصف الشيء المحرم دواء ما جاء في رد المحتار جـ ٥ ص ٣٨٣ (وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطبيب: يتعجل شفاؤك به، فيه وجهان، وهل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوي فيه وجهان، كذا ذكره التمرتاشي. قال في الدر المنتقى بعد نقله ما في النهاية (من أنه لا يجوز التداوي إلا بطاهر) وأقره في المنح وغيرها، وقدمنا في الطهارة والرضاع أن المذهب خلافه. أي أنه يجوز للعليل (عند الحنفية) التداوي بالطاهر، وكذا بالنجس إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه كما ذكرنا آنفاً. حكم التداوي بالجرح أو الكي ولما كان نقل الأعضاء يحتاج إلى جراحة فمن المناسب أن نعرض لبيان حكم الشرع فيما كان التداوي فيه بطريق الجراحة. فقد وردت في ذلك عدة أحاديث منها: ما روي عن جابر قال: ((بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بن كعب طبيباً، فقطع منه عرقاً، ثم كواه)) رواه أحمد ومسلم. وعن جابر أيضاً أن النبي ﷺ ((كوى سعد بن معاذ في أكحله (١) مرتين)) رواه ابن ماجه ومسلم بمعناه. وعن أنس أن النبي ﷺ ((كوى سعد بن زرارة من الشوكة)) (٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وروي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي)) رواه أحمد والبخاري وابن ماجه (٣) .

стр. 2901

أما التداوي بالجراحة. فقد أورد الشوكاني آراء العلماء في هذا الموضوع عند شرحه للحديث الأول فقال: (استدل بذلك الحديث) (فقطع منه عرقاً) على أن الطبيب يداوي بما ترجح عنده، قال ابن رسلان: وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالأخف لا ينتقل إلى ما فوقه فمتى أمكن التداوي بالغذاء لا ينتقل إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل إلى المركب، ومتى أمكن بالدواء لا يعدل إلى الحجامة، ومتى أمكن بالحجامة لا يعدل إلى قطع العرق. وقد روى ابن عدي في الكامل من حديث عبد الله بن جواد ((قطع العروق مسقمة)) كما في الترمذي وابن ماجة ((ترك العشاء مهرمة)) . وإنما كواه بعد القطع لينقطع الدم الخارج من العرق المقطوع (١) ومن ذلك يتبين لنا أن العلاج بالجراحة هو آخر أنواع العلاج، وهو جائز شرعاً أخذاً من هذه الأحاديث.

стр. 2902

وأما التداوي بالكي (١) . فقد ((ورد أن الرسول ﷺ كوى سعد بن معاذ)) ، وورد النهي عن الكي ـ كما ورد في الأحاديث المتقدمة، ولذلك قال العلماء: إنه قد جاء النهي عن الكي ـ فحرم الكي ـ وجاء الرخصة فيه بحديث سعد بن معاذ ـ فحرمته عزيمة، وجوازه رخصة، وذلك حيث لا يقدر الإنسان أن يداوي العلة بدواء آخر. يقول الشوكاني: (وقد جاء النهي عن الكي، وجاءت الرخصة فيه، والرخصة لسعد لبيان جوازه حيث لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواء آخر، وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواء آخر، لأن الكي فيه تعذيب بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار، وهو الله تعالى، ولأن الكي يبقى منه أثر فاحش.. (٢) وهذا ما نرجحه. إلا أن هذا النوع من العلاج لا يتصل بموضوعنا، ولذلك نؤثر أن ننتقل إلى ما يتصل بموضوع نقل الأعضاء من إنسان لآخر، بعد أن انتهينا إلى قاعدة شرعية. (وهو جواز التداوي عن طريق الجراحة إذا دعت الضرورة أو الحاجة إلى ذلك) .

стр. 2903

• المبحث الثالث • الضرورات تبيح المحظورات • حقيقة الضرورة وآثارها • أنواع المحرمات • حكم الانتفاع بمال الغير بغير إذنه. • حكم الانتفاع بالميتة. الضرورات تبيح المحظورات هذه قاعدة شرعية أخذت من قوله تعالى عقب ذكر المحرمات في سورة المائدة الآية ٣: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومن قوله تعالى أيضاً من سورة البقرة الآية ١٩٣: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ومن قوله تعالى جل شأنه أيضا في سورة الأنعام الآية ١٤٥: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ومن قوله أيضاً جل شأنه في النحل: ١١٥ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فالمضطر أبيح له في حال الضرورات أن ينال من المحرم بقدر ما يدفع عنه الضرورة غير باغ في أكله (أو استعماله) فوق حاجته، ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها (أو يستعملها) قاله قتادة والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة. وقال السدي: غير باغ في أكلها شهوة وتلذذاً، ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع. (ويرى الجمهور من الفقهاء والعلماء أن معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ هو من صيره الدم والغرث ـ وهو الجوع ـ إلى ذلك (١) أي إلى النيل من هذه المحرمات ... (وقيل: معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات) قال مجاهد: يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى. وعقب القرطبي على هذا الرأي بقوله: (إلا أن الإكراه يبيح ذلك له إلى آخر (حالة) الإكراه. أي أنه يريد أن يقول: إن الاضطرار غير الإكراه، فالإكراه له حكم، والاضطرار له حكم، فلا يفسر أحدهما بالآخر. فالمكره يباح له الأكل من المحرم الذي أكره عليه إلى أن تزول حالة الإكراه، أما المضطر فإنه يجب عليه أن يأكل من هذه المحرمات لدفع الهلاك عن نفسه، ولكن غير باغ ولا عاد، غير متجاوز حد الضرورة.

стр. 2904

تعريف الضرورة: عرف بعض العلماء الضرورة (بأن يبلغ الإنسان حداً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب الهلاك (١)) وعرفها الحنفية بأنها: (خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو بعض الأعضاء بترك الأكل) (٢) . وعرفها المالكية بأنها: (الخوف على النفس من الهلاك علماً أو ظناً) (٣) . وعرفها الحنابلة بأنها (خوف الإنسان التلف إن لم يأكل المحرم غير السم) (٤) . فالضرورة أن يتعرض الإنسان لظروف تصيره إلى حد يعلم ـ أو يظن ـ أو يخاف أنه إن لم يتناول المحرم ـ غير السم ـ هلك، أو قارب الهلاك ـ هلك جميعه، أو هلك بعضه ... أو قارب الهلاك أي منهما. والمعيار في تقدير الوقوع في الضرورة هو معيار شخصي، كما هو واضح من تعبير الفقهاء بـ (العلم) أو (الظن) وكذا تعبيرهم (بالخوف) إذ خوفه على نفسه في هذه الحالة إنما يكون إثر علمه بأنه إن لم يتناول هذا المحرم هلك كلا أو بعضاً أو إثر ظنه هذه النتيجة، بأن كان احتمال الهلاك راجحاً عن احتمال النجاة عنده. فمن بدأ التعريف بالخوف.. بدأه بأثر العلم أو الظن بوقوع الهلاك، والخوف حالة نفسية تعتري الإنسان إثر علمه بذلك فتحدث له آثاراً عضوية من اصفرار وجه وارتعاش أعضاء، وأرق وما إلى ذلك وهي تختلف من شخص إلى شخص طبقاً لما يحيط به من ظروف، وما يدركه من أبعاد للآثار الناجمة عن ابتعاده عن تناول المحرم وما يتميز به من معارف لآثار هذا الابتعاد وهذا الامتناع ... وإذا توافر ذلك للإنسان كان الإنسان في هذه الحالة مضطراً، وآثار وقوعه في هذه الحالة نبينها فيما يلي: أثر الضرورة: لا خلاف بين أهل العلم في أن الضرورة ... تبيح تناول المحرم لأن ذلك ثابت بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الآية ١٧٣ من سورة البقرة وتقدمت] إلا أن المحرمات معدودة ومتنوعة، ومنها ما هو مال، ومنها ما ليس بمال.. ولذلك يحسن أن نبين موقف المضطر من هذه الأنواع.

стр. 2905

أنواع المحرمات: والمحرمات أنواع: النوع الأول: تناول مال الغير دون إذنه، فمال الغير محرم إلا بإذنه. قال ﷺ : ((كل مسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه)) رواه مسلم في صحيحه (١٧٧٦ مختصر) وقد قسم الفقهاء هذا المال إلى نوعين: - (نوع لا يجب في أخذه حد السرقة وهو القطع) . - ونوع يجب فيه. فأما الأول: فكالتمر المعلق على الشجر، وحريسة الجبل (١) (وهي الشاة التي ليست في حرز، وإنما يحرسها الجبل) ونحو ذلك مما لا قطع فيه، فإن المضطر يلزمه أن يتناول من هذه الأموال أولاً إذا وجدت ووجد معها النوع الثاني (وهو ما فيه قطع) وهذا مما لا اختلاف فيه بين العلماء لحديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة (٢) بعضاة الشجر فثبنا إليها، فنادانا رسول الله ﷺ فرجعنا إليه، فقال: ((إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم (٣) بعد الله، أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به، أترون ذلك عدلاً؟)) قالوا: لا، فقال: ((إن هذه كذلك)) قلنا: أفرأيت إن احتجنا إلى الطعام والشراب؟ فقال: ((كل ولا تحمل، واشرب ولا تحمل)) أخرجه ابن ماجة ﵀، وقال: هذا الأصل عندي. وذكره ابن المنذر قال: قلنا: يا رسول الله، ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: ((يأكل ولا يحمل، ويشرب ولا يحمل)) . قال ابن المنذر: وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى تحريم الله الأموال.

стр. 2906

وأما الثاني: وهو المال الذي يجب في أخذه عقوبة القطع فقد نقل القرطبي عن أبي عمر بأنه يجب أن يرد رمقه، وتنقذ حياته (أي المضطر) فقال: قال أبو عمر: (وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك، بأن لا يكون هناك غيره قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية، وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وإن أتى ذلك على نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير، فحينئذ يتعين عليه الفرض. فإن كانوا كثيراً أو جماعة وعدداً كان ذلك عليهم فرضاً على الكفاية، والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء إلا أنهم اختلفوا في وجوب رد قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته، ورمق به نفسه، فأوجبها موجبون، وأباها آخرون، وفي مذهبنا (المالكية) القولان جميعاً. (ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه، وفي البلغة) (١) . ومن هذا النص يتبين لنا أن المضطر إلى الأكل من مال الغير عليه أن يرد رمقه، وينفذ نفسه بالأكل من مال الغير، وعلى الغير أن يقدم ذلك له. وأن المضطر يجوز له أن يقاتل من لديه مال زائد عن حاجته يمتنع عن تقديمه له حتى ينقذ نفسه، إلا أنه لا يقاتله بسلاح لمكان حق الملكية الثابتة له على ماله. - كما يقول الحنفية ... وإن حق صاحب المال ينتقل بعد ذلك إلى قيمة ما أكله المضطر من ماله فيلزمه فيمته عند جمهور الفقهاء احتراماً لحق الملكية ...

стр. 2907

وجاء في رد المحتار ج٥ ص ٣٣١ (الأكل) للغذاء، والشرب للعطش ولو من حرام أو ميتة أو مال غيره، وإن ضمنه (فرض) يثاب عليه بحكم الحديث (قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها العبد إلى فيه)) ولكن مقدار ما يدفع الإنسان الهلاك عن نفسه، فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى، لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة وأنه منهي عنه في محكم التنزيل بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات إذ لا يتيقن بأنه يشفيه كما في الملتقى وشرحه) وجاء في الاختيار ج٣ ص ١٢٩: (ومن اشتد جوعه حتى عجز عن طلب القوت ففرض على كل من علم به أن يطعمه أو يدل عليه من يطعمه؛ صوناً له عن الهلاك، فإن امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا في الإثم، قال ﵊: (ما آمن بالله من بات شبعان، وجاره إلى جنبه طاو) . وقال ﵊: ((أيما رجل مات ضياعاً بين أقوام أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله، وذمة رسوله)) . وإن أطعمه واحد سقط عن الباقين. وكذا إذا رأى لقيطاً أشرف على الهلاك، أو أعمى كاد أن يتردى في البئر، وصار هذا كإنجاء الغريق) . النوع الثاني: تناول الميتة والانتفاع بها: لقد نص القرآن الكريم على إباحة تناول الميتة وغيرها من المحرمات عند الضرورة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . [الآية ٣ من سورة المائدة] (١) .

стр. 2908

حكم أكلة الميتة للمضطر - وقد اتفق الفقهاء على أن المضطر إلى أكل الميتة يحل له الأكل منها، ولكن لا يأكل منها إلا مقدار ما يسد الرمق (١) ـ كما هو رأي الحنفية ورواية عن مالك، والشافعية، والهادوية ـ أو يتناول منها إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت ـ وهو رواية عن مالك، وقول للشافعي ثان (٢) . - وقيل: يجوز أكل المعتاد للمضطر في أيام عدم الاضطرار ـ قال الحافظ: وهو الراجح عندي (٣) .وقد نقل ابن رشد عن مالك أنه قال: (حد ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها) (٤) . - وفي ترجيح الرأي الأول يقول الشوكاني: (والآية الكريمة قد دلت على تحريم الميتة، واستثني ما وقع الاضطرار إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحالة الابتداء، ولا شك أن سد الرمق يدفع الضرورة) ومن ثم أخذت القاعدة الشرعية (الضرورة تقدر بقدرها) . وإذا كان هذا هو حكم الأكل من الميتة في حالة الاضطرار، فإننا نتساءل عن حكم التداوي بالميتة، ومن المعلوم أن التداوي لإزالة علة أو مرض أمر مطلوب شرعاً كما سبق أن بيناه، ونوضح حكم التداوي بالميتة في الفقه الإسلامي فيما يلي:

стр. 2909

- المبحث الرابع - التداوي بالميتة - حكم التداوي بها قبل تغيرها - حكم التداوي بها بعد تغيرها - حكم الانتفاع بميتة الإنسان حكم التداوي بالميتة التداوي بالميتة: يحتاج إلى تفصيل: وذلك أن التداوي بها إما أن يكون باستعمالها قائمة العين لم تمسها يد التغيير والتحويل، أو أن تمسها يد التغيير والتحويل. فأما الحالة الأولى: وهي ما إذا كانت الميتة قائمة بعينها فقد اختلف في حكمها، فيرى البعض جواز التداوي بها، وقد احتجوا بإباحة النبي ﷺ الحرير لعبد الرحمن بن عوف لمكان حكة به، فقد روي عن أنس أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما، رواه الجماعة (١) . فإذا أبيح لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف من أجل ما ألم به من مرض ـ والحرير حرام على الرجال لبسه ـ فإنه يقاس عليه التداوي بالميتة طلباً للبرء والشفاء مما ألم بالإنسان من أمراض. - ويرى البعض الآخر منع التداوي بالميتة؛ لقوله ﷺ : ((إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)) والميتة محرمة بكتاب الله تعالى. فلا يجوز التداوي بها. - الترجيح: قد سبق أن بينا آراء العلماء في حكم التداوي بالمحرمات تفصيلاً ورجحنا رأي الشافعية في أنه يجوز التداوي بها إلا التداوي بالخمر فإنه لا يجوز إلا عند الضرورة. ومن بين المحرمات (الميتة) ورجحنا رأي الحنفية أنه يجوز التداوي بالمحرم إذا تعين علاجاً لها على يد طبيب مسلم حاذق.

стр. 2910

وأما الحالة الثانية: وهي استعمال الميتة بعد تغييرها وتحويلها إلى مادة أخرى، هذه الحالة قد أشار إليها القرطبي فقال: (فإن تغيرت (الميتة) بالإحراق فقال ابن حبيب يجوز التداوي بها والصلاة، وخففه الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات، وفي العتبية من رواية مالك في المرتك (ضرب من الأدوية) يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله. الترجيح: والظاهر أن الرأي الأول هو الراجح، لأنها تحولت إلى مواد آخرى، ولم تبق فيها خواصها، بل أصبحت رماداً، أو مواد أخرى لها خواصها، ومن ثم لا يظهر تعلق الحرمة بها، فيجوز التداوي بها. الخلاصة: ومن هذا المبحث نأخذ أنه يجوز التداوي بالميتة سواء كانت قائمة العين ولم تمسها يد التغيير والتبديل، أو غير قائمة العين بأن مستها يد التغيير والتبديل فحولتها من حالة إلى حالة أخرى.
следующие страницы →