وأما الثاني: وهو المال الذي يجب في أخذه عقوبة القطع فقد نقل القرطبي عن أبي عمر بأنه يجب أن يرد رمقه، وتنقذ حياته (أي المضطر) فقال: قال أبو عمر: (وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك، بأن لا يكون هناك غيره قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية، وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وإن أتى ذلك على نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير، فحينئذ يتعين عليه الفرض.
فإن كانوا كثيراً أو جماعة وعدداً كان ذلك عليهم فرضاً على الكفاية، والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء إلا أنهم اختلفوا في وجوب رد قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته، ورمق به نفسه، فأوجبها موجبون، وأباها آخرون، وفي مذهبنا (المالكية) القولان جميعاً.
(ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه، وفي البلغة) (١) .
ومن هذا النص يتبين لنا أن المضطر إلى الأكل من مال الغير عليه أن يرد رمقه، وينفذ نفسه بالأكل من مال الغير، وعلى الغير أن يقدم ذلك له. وأن المضطر يجوز له أن يقاتل من لديه مال زائد عن حاجته يمتنع عن تقديمه له حتى ينقذ نفسه، إلا أنه لا يقاتله بسلاح لمكان حق الملكية الثابتة له على ماله.
- كما يقول الحنفية ... وإن حق صاحب المال ينتقل بعد ذلك إلى قيمة ما أكله المضطر من ماله فيلزمه فيمته عند جمهور الفقهاء احتراماً لحق الملكية ...
стр. 2907
وجاء في رد المحتار ج٥ ص ٣٣١ (الأكل) للغذاء، والشرب للعطش ولو من حرام أو ميتة أو مال غيره، وإن ضمنه (فرض) يثاب عليه بحكم الحديث (قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها العبد إلى فيه)) ولكن مقدار ما يدفع الإنسان الهلاك عن نفسه، فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى، لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة وأنه منهي عنه في محكم التنزيل بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات إذ لا يتيقن بأنه يشفيه كما في الملتقى وشرحه) وجاء في الاختيار ج٣ ص ١٢٩:
(ومن اشتد جوعه حتى عجز عن طلب القوت ففرض على كل من علم به أن يطعمه أو يدل عليه من يطعمه؛ صوناً له عن الهلاك، فإن امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا في الإثم، قال ﵊: (ما آمن بالله من بات شبعان، وجاره إلى جنبه طاو) . وقال ﵊: ((أيما رجل مات ضياعاً بين أقوام أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله، وذمة رسوله)) . وإن أطعمه واحد سقط عن الباقين.
وكذا إذا رأى لقيطاً أشرف على الهلاك، أو أعمى كاد أن يتردى في البئر، وصار هذا كإنجاء الغريق) .
النوع الثاني: تناول الميتة والانتفاع بها:
لقد نص القرآن الكريم على إباحة تناول الميتة وغيرها من المحرمات عند الضرورة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . [الآية ٣ من سورة المائدة] (١) .
стр. 2908
حكم أكلة الميتة للمضطر
- وقد اتفق الفقهاء على أن المضطر إلى أكل الميتة يحل له الأكل منها، ولكن لا يأكل منها إلا مقدار ما يسد الرمق (١) ـ كما هو رأي الحنفية ورواية عن مالك، والشافعية، والهادوية ـ أو يتناول منها إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت ـ وهو رواية عن مالك، وقول للشافعي ثان (٢) .
- وقيل: يجوز أكل المعتاد للمضطر في أيام عدم الاضطرار ـ قال الحافظ: وهو الراجح عندي (٣) .وقد نقل ابن رشد عن مالك أنه قال: (حد ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها) (٤) .
- وفي ترجيح الرأي الأول يقول الشوكاني: (والآية الكريمة قد دلت على تحريم الميتة، واستثني ما وقع الاضطرار إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحالة الابتداء، ولا شك أن سد الرمق يدفع الضرورة)
ومن ثم أخذت القاعدة الشرعية (الضرورة تقدر بقدرها) .
وإذا كان هذا هو حكم الأكل من الميتة في حالة الاضطرار، فإننا نتساءل عن حكم التداوي بالميتة، ومن المعلوم أن التداوي لإزالة علة أو مرض أمر مطلوب شرعاً كما سبق أن بيناه، ونوضح حكم التداوي بالميتة في الفقه الإسلامي فيما يلي:
стр. 2909
- المبحث الرابع
- التداوي بالميتة
- حكم التداوي بها قبل تغيرها
- حكم التداوي بها بعد تغيرها
- حكم الانتفاع بميتة الإنسان
حكم التداوي بالميتة
التداوي بالميتة: يحتاج إلى تفصيل:
وذلك أن التداوي بها إما أن يكون باستعمالها قائمة العين لم تمسها يد التغيير والتحويل، أو أن تمسها يد التغيير والتحويل.
فأما الحالة الأولى: وهي ما إذا كانت الميتة قائمة بعينها فقد اختلف في حكمها، فيرى البعض جواز التداوي بها، وقد احتجوا بإباحة النبي ﷺ الحرير لعبد الرحمن بن عوف لمكان حكة به، فقد روي عن أنس أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما، رواه الجماعة (١) . فإذا أبيح لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف من أجل ما ألم به من مرض ـ والحرير حرام على الرجال لبسه ـ فإنه يقاس عليه التداوي بالميتة طلباً للبرء والشفاء مما ألم بالإنسان من أمراض.
- ويرى البعض الآخر منع التداوي بالميتة؛ لقوله ﷺ : ((إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)) والميتة محرمة بكتاب الله تعالى. فلا يجوز التداوي بها.
- الترجيح: قد سبق أن بينا آراء العلماء في حكم التداوي بالمحرمات تفصيلاً ورجحنا رأي الشافعية في أنه يجوز التداوي بها إلا التداوي بالخمر فإنه لا يجوز إلا عند الضرورة.
ومن بين المحرمات (الميتة) ورجحنا رأي الحنفية أنه يجوز التداوي بالمحرم إذا تعين علاجاً لها على يد طبيب مسلم حاذق.
стр. 2910
وأما الحالة الثانية: وهي استعمال الميتة بعد تغييرها وتحويلها إلى مادة أخرى، هذه الحالة قد أشار إليها القرطبي فقال: (فإن تغيرت (الميتة) بالإحراق فقال ابن حبيب يجوز التداوي بها والصلاة، وخففه الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات، وفي العتبية من رواية مالك في المرتك (ضرب من الأدوية) يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله.
الترجيح: والظاهر أن الرأي الأول هو الراجح، لأنها تحولت إلى مواد آخرى، ولم تبق فيها خواصها، بل أصبحت رماداً، أو مواد أخرى لها خواصها، ومن ثم لا يظهر تعلق الحرمة بها، فيجوز التداوي بها.
الخلاصة:
ومن هذا المبحث نأخذ أنه يجوز التداوي بالميتة سواء كانت قائمة العين ولم تمسها يد التغيير والتبديل، أو غير قائمة العين بأن مستها يد التغيير والتبديل فحولتها من حالة إلى حالة أخرى.
стр. 2911
حكم الانتفاع بميتة الإنسان
لما كانت الميتة تارة تكون ميتة حيوان يحل أكله أو لا يحل أكله، وتارة تكون ميتة إنسان، فإنه من المتفق عليه أنه إذا توافرت هذه الأنواع من الميتة جميعها فإنه يبدأ بالانتفاع بميتة الحيوان الذي يحل أكله، ويأتي بعد الحيوان الذي لا يحل أكله وأخيراً ميتة الإنسان.
ونبسط الحديث عن النوع الأخير مبينين آراء الفقهاء في الانتفاع بميتة الإنسان في حالة الاضطرار. ثم نتبع بما نرى ترجيح الأخذ به:
١- آراء الفقهاء في الانتفاع بميتة الإنسان عند الاضطرار.
الحنفية: جاء في الأشباه لابن نجيم ص ٨٧: (ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر ولا شيئاً من بدنه) (وجاء في رد المحتار على الدر المختار ج٥ ص (٣٣١) : (الأكل للغذاء والشرب للعطس ولو من حرام أو ميتة أو مال غيره وإن ضمنه فرض يثاب عليه بحكم الحديث (١) . ولكن مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه، ومأجور عليه، وهو مقدار ما يتمكن به من الصلاة قائماً، ومن صومه....
ثم علق عليه ابن عابدين على قوله: (ولو من حرام) بقوله: (ولو خاف الهلاك عطشاً وعنده خمر له شربه قدر ما يدفع العطش إن علم أنه يدفعه (بزازية) ويقدم الخمر على البول (تاترخانية) ثم علق على قوله: (وإن ضمنه (بقوله: لأن الإباحة للاضطرار لا تنافي الضمان، وفي البزازية خاف الموت جوعاً، ومع رفيقه طعام أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعه، وكذا يأخذ قدر ما يدفع العطش، فإن امتنع قاتله بلا سلاح، فإن خالف الرفيق والموت جوعاً أو عطشاً ترك له البعض، وإن قال له آخر: اقطع يدي وكلها، لا يحل، لأن جسم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته..) .
وجاء في البدائع ج٥ ص ١٣٢: (ولو سقط سنه يكره أن يأخذ سن ميت فيشدها مكان الأولى بالإجماع، وكذا يكره أن يعيد تلك السن الساقطة مكانها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ولكن يأخذ سن شاة ذكية فيشدها مكانها.
وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس بسنه، ويكره سن غيره، قال، ولا يشبه سنه سن ميت. استحسن ذلك، وبينهما عندي فصل، ولكن لم يحضرني (ووجه) الفصل من وجهين أحدهما أن سن نفسه جزء منفصل للحال عنه لكنه يحتمل أن يصير متصلاً في الثاني، بأن يلئتم فليتئم بنفسه فيعود إلى حالته الأولى، وإعادة جزء منفصل إلى مكانه ليلتئم جائز، كما إذا قطع شيء من عضو فأعاده إلى مكانه، فأما نفس غيره فلا يحتمل ذلك.
والثاني أن استعمال جزء منفصل عن غيره من بني آدم إهانة بذلك الغير، والآدمي بجميع أجزائه يكرم ولا إهانة في استعمال جزء نفسه في الإعادة إلى مكانه.
(وجه) قولهما: إن السن من الآدمي جزء منه إذا انفصل استحق الدفن ككله، والإعادة صرف له عن جهة الاستحقاق فلا تجوز وهذا لا يوجب الفصل بين سنه وسن غيره.
стр. 2912
المالكية:
وجاء في الشرح الكبير للدسوقي ج٢ ص ١٠٣: وأما الآدمي فلا يجوز تناوله ... ) .
أي سواء كان حياً أو ميتاً، ولو مات المضطر، هذا هو المنصوص لأهل المذهب، وتقدم آخر الجنائز أن بعضهم صحح أكله للمضطر إذا كان ميتاً، ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر.
وقد بين أن الذي صحح أكله هو ابن عبد السلام فقال (ج١ ص ٣٤٥) : (والنص المعول عليه (عدم جواز أكله) أي أكل الآدمي الميت، ولو كان كافراً (لمضطر) ولو مسلماً لم يجد غيره، إذ لا تنتهك حرمة آدمي لآخر ... (وصحح أكله) أي صحح ابن عبد السلام القول بجواز أكله للمضطر.
وعلق على قوله: (لم يجد غيره) بقوله: هذا محل الخلاف أما لو وجد غيره فلا يجوز أكله قولاً واحداً.
الشافعية: جاء في مغني المحتاج ج٤ ص ٣٠٧: (وله أي للمضطر أكل آدمي ميت) إذا لم يجد ميتة غيره.. لأنه حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيا فإنه لا يجوز الأكل منه جزماً ـ كما قاله إبراهيم المروزي وأقره، وما إذا كان الميت مسلماً والمضطر كافراً، فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام، بل لنا وجه أنه لا يجوز أكل الميت المسلم. ولو كان المضطر مسلماً) .
الحنابلة: جاء في المغني مع الشرح الكبير ج١١ ص ٧٩: (وإن وجده ـ أي مباح الدم كالحربي والمرتد ـ ميتاً أبيح أكله، لأن أكله مباح بعد قتله، فكذلك بعد موته معللاً ذلك بأنه لا حرمة، فهو بمنزلة السباع) .
وإن وجد معصوماً ميتاً لم يبح أكله في قول أصحابنا (أي الحنابلة) .
وقال الشافعي وبعض الحنفية: يباح، وهو أولى، لأن حرمة الحي أعظم، وقال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء.
واحتج أصحابنا بقول النبي ﷺ : ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) .
واختار أبو الخطاب أن له أكله، وقال: لا حجة في الحديث ههنا، لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت) فالراجح في مذهب الحنابلة هو جواز أكل المضطر من لحم الميت المعصوم، ويجوز بالاتفاق الأكل من غير المعصوم عندهم.
стр. 2913
الزيدية: جاء في التاج المذهب ج٣ ص ٤٧٣:
(والمباح من أكل الميتة عند الضرورة لمن خشي التلف حالاً أو مآلا، إنما هو سد الرمق منها ...
ويقدم وجوباً الأخف فالأخف عند الاضطرار، ولا يعدل إلى الأغلظ تحريماً مع وجود الأخف، فمن أبيح له الميتة قدم ميتة المأكول، ثم ميتة غيره، ثم ميتة الكلب، ثم ميتة الخنزير، ثم ميتة الدب، ثم الحربي حياً المكلف الذكر بعد الذبح بضرب العنق الشرعي، أو ميتاً، ثم ميتة الذمي، ثم ميتة المسلم، ثم مال الغير بنية الضمان ثم دابة حية له غير المأكولة بعد ذبحها، ثم دابة لغيره بنية الضمان.
إلى بضعة منه ـ أي من نفسه حيث لا يخاف من قطعها ما يخاف من الجوع) . وجاء في القرطبي ج٢ ص ٢٢٩ عن تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [الآية ١٧٣ من سورة البقرة] ... ثم إذا وجد المضطر ميتة وخنزيراً ولحم ابن آدم أكل الميتة لأنها حلال في حال، والخنزير وابن آدم لا يحل بحال، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل، كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية، وطئ الأجنبية لأنها تحل له بحال، وهذا هو الضابط لهذه الأحكام.
ولا يأكل ابن آدم ولو مات، قاله علماؤنا، وبه قال أحمد وداود.
واحتج أحمد بقوله ﵇: (كسر عظم الميت ككسره حياً) .
وقال الشافعي: (يأكل لحم ابن آدم، ولا يجوز له أن يقتل ذمياً؛ لأنه محترم الدم، ولا مسلماً ولا أسيراً؛ لأنه مال الغير. فإن كان حربياًَ أو زانياً محصناً جاز قتله والأكل منه.
وشنع داود على المزني بأن قال: (قد أبحت أكل لحوم الأنبياء) فغلب عليه ابن شريح بأن قال: (فأنت قد تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر) .
стр. 2914
قال ابن العربي: (الصحيح عندي ألا يأكل الآدمي. إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه، والله أعلم.
المقارنة والترجيح: ومن هذه النصوص الفقهية يتضح لنا ما يأتي:
أولاً: يجب التفرقة بين الانتفاع بأجزاء الآدمي الحي، وأجزاء الآدمي الميت.
ونخص البحث في هذه الفقرة بأجزاء الآدمي الميت.
ثانياً: أن الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت في حالة الاضطرار قد اختلف الفقهاء في إباحته إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية (خلافاً لابن عبد السلام) والظاهرية، عدم جواز الانتفاع بأجزاء الإنسان الميت، منعاً من انتهاك حرمة الآدمي. ولقوله ﵊: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) .
الرأي الثاني: يرى جمهور الفقهاء (بعض الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية والحنابلة والزيدية) جواز الانتفاع بأجزاء ميتة الآدمي، وقد عللوا ذلك بأن حرمة الآدمي الحي أعظم من حرمة الميت.
وقد رد أبو الخطاب من علماء الحنابلة على الحديث المتقدم (كسر عظم الميت ... ) بأن المراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة، لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان، والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت) .
стр. 2915
الترجيح:
والذي أرجحه هو جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت عند الضرورة، سواء كان معصوماً أو غير معصوم، إحياء للنفس الآدمية ومداً لأسباب البقاء لها ... وبخاصة أن النفس الميتة إن لم ينتفع بها تحللت وصارت تراباً ... فإنقاذ نفس حية بشيء من نفس ميتة حفاظ على النفس، وإحياء لها، هو هدف مشروع ومصلحة مقررة شرعاً ومعتد بها فضلاً عن أن رعاية مصلحة الحي في امتداد حياته، أولى من رعاية مصلحة الميت في عدم المساس بجسمه، إذ جسمه إلى تحلل وإلى فناء.
ثالثا: أنه على القول بإباحة الانتفاع بالآدمي الميت عند الاضطرار فإنه قد وضعت شروط هذا الانتفاع وهي:
١- ألا توجد ميتة أخرى غير ميتة الآدمي، فإذا وجدت ميتة أخرى لا يحل الانتفاع بميتة الآدمي.
٢- أن يكون المضطر معصوم الدم، وذلك لأنه لو كان مستحق القتل شرعاً، كان دمه غير معصوم، وحياته إلى زوال بتنفيذ حكم الشرع فيه، ومن ثم فلا يجوز شرعاً العمل على مد أسباب حياته في الوقت الذي فيه يرى الشرع إنهاء حياته حقاً لله تعالى فكان ذلك معارضة للشرع، ومضادة لأحكامه، وهو ما لا يجوز ولا يحل ...
٣- أنه يجب أن يكون المنتفع مضطراً إلى هذا الانتفاع، وقد سبق أن أوضحنا المقصود بالاضطرار وبينا أنه لم يتناول المحرم هلك كله أو بعضه.
ويلزم هنا أن نتعرض لبيان ما إذا كانت الحاجة تبيح للإنسان أن يتناول أو ينتفع بالمحرمات..، قياساً على حالة الضرورة.
стр. 2916
وللإجابة عن ذلك نقول: إن القرآن الكريم قد عبر عن ذلك بأوضح تعبير وبينه أوفى بيان، إذ أنه بعد ذكر المحرمات: قال ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فالمستثنى من الوقوع في المحرم هو من وقع في حالة الاضطرار لا في أي حالة غيرها، حاجية أو تحسينية.
ومن ثم فلا يجوز هذا الانتفاع إلا في حالة الضرورة، وإلا لضاعت الحكمة من تحريم هذه المحرمات باتساع دائرة الإباحة عند الحاجة مما يفقد التحريم حكمته والغاية منه.
٤- كذلك يجب أن يكون هناك إذن بالانتفاع بأجزاء الميت وهذا الإذن، يمكن أن يكون صادراً من الميت قبل موته، باعتبار أن له ولاية على نفسه، ويمكن أن يكون صادراً من ورثته بعد موته، وهم من لهم الحق في ميراث تركته شرعاً، ولهم المطالبة بالقصاص في حالة الجناية عليه عمداً، فإذا اتفقا على التبرع بجزء منه فلا إشكال، وكذا إذا اتفقنا على المنع فلا يؤخذ شيء منه، أما إذا اختلفت وصية الميت عن رأي الورثة، فإن كان الميت قد أوصى بالانتفاع ببعض أجزائه، وهم لم يوافقوا فإنني أرى أن نعتد بوصيته؛ لأن ولايته على نفسه مقدمة على ولايتهم، ولذلك شبيه في الفروع الفقهية، وذلك فيما إذا عفا المجني عليه قبل موته من الجاني، فإن فقهاء الحنفية اعتبروا عفوه وأخذوا به وجعلوه مقدماً على رأي الأولياء فيما إذا طالبوا بالقصاص، وأسقطوا القصاص أخذاً بعفوه ... وأما إذا رفض هو التبرع بأجزاء منه بعد وفاته، ثم وافق الورثة على هذا الانتفاع، فإنني أرى ترجيح جانب الورثة هنا تحقيقاً لمصلحة راجحة، وهي بقاء نفس إنسانية حية، ودرء المفسدة محققة، وهي دفع الهلاك عن هذا الإنسان الذي يراد نقل العضو الميت إليه، وفي الوقت نفسه ليس هناك ضرر على الإطلاق بالنفس المراد أخذ العضو منها لأنها هي وأعضاؤها لا تلبث أن تفنى وتصير تراباً، ولا شك أن الانتفاع بها قبل تحويلها إلى هذا المصير أولى بالاعتداد وأرجح في الاعتبار ومن ثم كان العمل بإرادة الولي هنا أرجح من العمل بإرادته هو، وهذا يتمشى مع رأي الظاهرية الذين يجعلون الرأي للولي أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الإسراء: ٣٣.
стр. 2917
المبحث الخامس
حكم
الانتفاع ببعض أجزاء الإنسان الحي
لمنفعة نفسه في حال الضرورة
حكم الانتفاع ببعض أجزاء الإنسان الحي
لمنفعة نفسه في حال الضرورة
في هذه الفترة من البحث يلزمنا أن نفصل حالات هذا الانتفاع سواء من ناحية الشخص المنتفع، أو من ناحية حال الشخص المنتفع منه، ومن ناحية الجزء المنتفع به وآثاره على الشخص المأخوذ منه، ومن ناحية المنهج والأسلوب الذي يمكن به أخذ هذا العضو، سواء كان من نفسه إلى نفسه أو من نفسه إلى غيره.
المبحث الأول
انتفاع الشخص بجزء من نفسه لنفسه في حالة الضرورة
وهنا يلزمنا أن نوضح أن ما يحتاج الإنسان إليه من أجزاء بدنه تارة يكون للتصحيح والتعويض، وتارة يكون لإنقاذ حياته ونوضح حكم كلا النوعين فيما يلي:
النوع الأول: أن يكون ما يحتاج إليه من نفسه للتصحيح والتعويض كأن يكون به عيب ظاهر فيحتاج إلى إصلاح هذا العيب الظاهر ـ كما يحدث عقب الحروق والحوادث التي قد تبتر عضواً أو تحدث به منظراً غير مألوف ـ كالأذن أو الأنف ـ أو قد يولد الإنسان بهذه الكيفية ويمكن عن طريق الجراحة إصلاح هذا العيب.
فهذا النوع من الجراحات التصحيحية يمكن القول بجوازه قياساً على جواز أخذ شيء من بدنه ليأكله إذا كان مضطراً ـ كما هو رأي الشافعية والزيدية - وسيأتي إيضاحه.
ولا يعتبر ذلك تغييرا للخلقة بل هو إعادة لها إلى حالتها الطبيعية، إعادة لها إلى حالتها المألوفة ونسقها وهيئتها المعتادة، وإبعاد لما قد يصاحب بقاءها من منظر متغير، أو شكل غريب ملفت للنظر وهيئتها المعتادة، وكل ذلك غرض وهدف لا يأباه الشرع الحكيم.
أما الجراحات التجميلية والتي يقصد بها الغلو في مقاييس الجمال، كترقيق الأنف أو تفليج الإنسان أو نحو ذلك فهذا النوع من الجراحات يدخل في دائرة المنهي عنه في الحديث الشريف، وهو ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ في الحديث الشريف، قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)) قال: (فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتلفجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدته؛ قال الله : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ... صحيح مسلم.
النوع الثاني: أن يكون ما يحتاج إليه الإنسان من نفسه تتوقف عليه حياته، وقد صور الفقهاء ذلك في صورة أن يشتد به الجوع ولا يجد ما يأكله، فيلجأ إلى قطع جزء من نفسه ليأكله فتمتد به حياته بعض الوقت إلى أن يجد مخرجاً من حالة الاضطرار أو المخمصة.
стр. 2918
ونعرض فيما يلي بعضاً من النصوص الفقهية:
الحنفية: يرى الحنفية أنه لا يجوز أن يقطع الإنسان جزءاً من بدنه في حالة اضطراره.
جاء في الأشباه لابن نجيم ص ٨٧ عند شرح قاعدة الضرر لا يزال بالضرر (أنه لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر، ولا شيئاً من بدنه) .
فهذا يدل على أن الحنفية لا يجيزون للإنسان في حالة الضرورة أن يتناول شيئاً من بدنه؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
وقال محمد بن الحسن: (ولا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقرة أو بعير أو فرس، أو غيره من الدواب، إلا عظم الخنزير والآدمي، فإنه لا يمكن التداوي بهما، ولا فرق بين أن يكون ذكياً أو ميتاً أو رطباً أو يابساً) (١) .
الشافعية:
أجاز الشافعية انتفاع المضطر بجزء من بدنه ـ على الأصح ـ بشرط عدم وجود غير هذا السبيل، وأن يكون الخوف في قطع هذا الجزء أقل من الخوف في ترك الأكل، فإن كان مثله أو أكثر حَرُمَا جزماً.
جاء في مغنى المحتاج ج٤ ص ٣١٠: (والأصح) حيث لم يجد المضطر شيئاً يأكله (تحريم قطع بعضه) كجزء من فخذه (لأكله) لأنه قد يتولد منه الهلاك.
قلت: أخذاً من الرافعي في الشرح (الأصح جوازه) لأنه إتلاف بعضه لاستبقاء كله، فأشبه قطع اليد بسبب الأكلة.
وشرطه ـ أي الجواز ـ أمران:
أحدهما: فقد الميتة ونحوها مما مر.
والأمر الثاني: أن يكون الخوف في قطعه أقل من الخوف في ترك الأكل، فإن كان مثله أو أكثر حَرُمَ جزماً.
فإن قيل: قد تقدم في قطع السلعة (٢) الجواز عند تساوي الخطرين فلا كان هذا كذلك؟ أجيب بأن السلعة لحم زائد على البدن، وفي قطعها إزالة الشين، وتوقع الشفاء، ودوام البقاء، فهو من باب المداواة، بخلاف هذا، فإن فيه إفساداً وتغييراً لبنيته، وليس من باب المداوة.
ولهذا قيد البلقيني محل القطع هذا بما إذا لم يكن ذلك المقطوع يجوز قطعه في غير الأضرار، فإن كان كالسلعة واليد المتآكلة حيث جاز قطعها، فيجوز ذلك في حال الاضطرار ـ قطعاً.
الحنابلة:
جاء في المغني مع الشرح الكبير ج١١ ص ٧٩:
فإن لم يجد المضطر شيئاً لم يسمح له أكل بعض أعضائه.
وقال بعض أصحاب الشافعي له ذلك، لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو، كما لو وقعت فيه الأكلة.
ولنا (الحنابلة) أن أكله من نفسه ربما قتله، فيكون قاتلا نفسه، ولا يتيقن حصول البقاء بأكله، أما قطع الأكلة فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو، فأبيح له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه، كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يكن له قتله ليأكله.
стр. 2919
الزيدية:
جاء في شرح الأزهار ج٤ ص ٩٧:
ويقدم الأخف فالأخف عند الاضطرار، ولا يعدل إلى الأغلظ تحريماً مع وجود الأخف، فمن أبيح له الميتة، قدم ميتة المأكول، ثم ميتة غيره، ثم ميتة الكلب، ثم ميتة الخنزير، ثم الحربي حيا (١) . أو ميتاً ثم ميتة الذمي، ثم ميتة المسلم، ثم مال الغير، ثم دابة حية له، ثم لغيره بعد ذبحها، إلى بضعة منه أي من نفسه، حيث لا يخاف من قطعها ما يخاف من الجوع؛ كقطع المتآكلة حذراً من السراية) .
المقارنة والترجيح:
يتضح لنا مما تقدم أن الفقهاء قد اختلفوا فيما لو اضطر الإنسان إلى الانتفاع بجزء منه لإنقاذ حياته إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة أنه لا يجوز للإنسان أن يقطع شيئاً من بدنه لينتفع به في إنقاذ حياته، وقد عللوا ذلك بأمرين:
أولاً: أن ما أبين من الحي فهو ميت، وإن الميت يجب مواراته التراب، فالانتفاع به تغيير لما وجب بشأنه، ويستفاد هذا من كلام الحنفية.
ثانياً: أنه قد يتولد الهلاك من قطع جزء من بدنه، والضرر لا يزال بالضرر؛ إذ ربما قطع هذا الجزء أدى إلى قتله فيكون قاتلاً نفسه، وقاتل النفس عمداً خالد مخلد في نار جهنم أبداً.
الرأي الثاني: يرى الشافعية على الأصح والزيدية جواز أن يقطع إنسان شيئاً من بدنه إنقاذاً لحياته، وقد عللوا لهذا الرأي بأمرين:
الأول: أن قطع هذا الجزء لإنقاذ حياة يشبه قطع (السلعة) أو اليد المتآكلة إنقاذاً لنفسه، فكما أنه جاز في الثانية يجوز في الأولى بجامع إنقاذ الحياة في كل.
الثاني: أن جواز ذلك يدخل في باب إتلاف البعض لإنقاذ الكل، أو التضحية بالبعض لإنقاذ الكل، وجواز ذلك مقرر بالإجماع.
والذي أرجحه هو الرأي الثاني؛ وذلك لما أبرزته من أدلة له، ولما يأتي:
أولاً: أن ما قطع منه ليعود إليه يجوز قياساً على من قطع منه عضو ثم أعيد إليه، فإنه في هذه الحالة يجوز؛ لأنه إعادة جزء نفسه إلى نفسه، وهذا إكمال للنفس وإعادة لها إلى حالتها الطبيعية، فما بالك بما نحن فيه حيث يخشى أن تهلك النفس جميعها إذا لم تنقذ بمثل هذا الجزء، كما إذا احتاج مريض القلب إلى نقل بعض الشرايين من مكان آخر من جسمه ترقيعاً لما تلف في القلب.
ثانياً: أنه إذا كان النقل من مكان إلى مكان من باب المداواة، فإن الرسول ﷺ قد أمرنا بالتداوي ـ وقد سبق أن نقلنا النصوص من السنة المطهرة في ذلك
، فحينئذ إذا قرر الطبيب المسلم الحاذق ذلك، جاز أن يؤخذ من الجسم ويرد إليه إنقاذاً لحياته ودفعاً للضرر عنه.
ثالثاً: أنه إذا كان خطر القطع أعلى من خطر البقاء على ما هو عليه، فحينئذ لا تجوز هذه الجراحة؛ لأنها مغامرة وإهلاك للنفس غالباً، وذلك لا يجوز شرعاً، فلا بد من أن تكون نسبة النجاح أعلى، وكفة السلامة أرجح في حال إجراء هذه الجراحة.
أما عند تساوي الأمرين فأرجح ما ذهب إليه الشافعية من أنه يحرم إجراء هذه الجراحة.
стр. 2920
المبحث السادس
حكم انتفاع الإنسان بجزء من إنسان آخر
حي في حال الضرورة
حكم انتفاع الإنسان بجزء من إنسان آخر
بينا آنفاً الضوابط عند انتفاع الإنسان بجزء من ميتة الإنسان، ولكن هذا الضوابط تزداد هنا وتتعقد؛ نظراً لمكانة الروح في جسم الإنسان ولمكانة عصمة دمه، ومنع النيل منه، كلا أو بعضاً، ووضع العقوبات الرادعة لمن يعتدي عليه أو على جزء منه.
وإذا أردنا أن نبرز هذه الضوابط فإننا نذكر في هذا المقام أيضاً أننا نتحدث هنا عن حالة الضرورة فقط ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) فالمضطر فقط هو الذي أبيح له التناول من المحرم؛ دفعاً للهلاك عن نفسه، أما ذو الحاجة، وهو من وقع في جهد ومشقة فقط، كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك، فإنه لا يباح له تناول المحرم أو الانتفاع به؛ سداً لحاجته ودفعاً للمشقة عنه، وإن كان يباح له الفطر في الصوم وفي السفر ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) .
فالضرورة غير الحاجة، والفارق بينهما أنه إن لم يتناول الممنوع هلك كلا أو بعضاً في حالة الضرورة، وأصابه جهد ومشقة في حالة الحاجة، ونظراً لأن المشرع الحكيم يهدف إلى استمرار حياة النفس البشرية وإبعادها عن الهلاك، أباح لها ما يحقق ذلك، ولو أدى هذا إلى تناول ما حرمه عليها في حال الاختيار، فالانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب ـ كما يقول القرافي ـ أما الانتقال من الإباحة إلى الحرمة فيكفي فيها أيسر الأسباب (٣) .
وأعلى الرتب في ترتيب المصالح هي الضرورة، وأدناها التحسين، وأوسطها الحاجة، فالضرورة وحدها هي التي تبيح تناول المحرم حسبما ذكرنا.
стр. 2921
الإنسان الحي المراد الانتفاع بجزء منه في حالة الضرورة.
يفرق الفقه الإسلامي بين الإنسان المعصوم الدم، وهو الذي لا يباح قتله، وبين الإنسان المهدر دمه، أو المباح قتله.
والأسباب المبيحة لقتله كردة وقتل عمد أو زنا إحصان أو حربي.
ونرى أن نعرض آراء الفقهاء في كل منهما، ثم نتبعه بالترجيح في مواطن ـ الاختلاف.
حكم الانتفاع بجزء من إنسان معصوم الدم:
أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز قطع شيء من جسم إنسان حي معصوم الدم لينتفع به إنسان مضطر. وإليك بعض ما نص عليه الفقهاء:
الحنفية: يرون أنه لا يصح انتفاع الإنسان المضطر بجزء من إنسان آخر محقون الدم.
جاء في الأشباه ابن نجيم ص ٨٧ عند شرح قاعدة (الضرر لا يزال بالضرر) أمثلة تطبيقية لها منها قوله:
(ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر، ولا شيئاً من بدنه) .
المالكية:
جاء في الشرح الكبير ج٢ ص ١٠٣: (والمباح ... للضرورة ... غير آدمي وغير خمر من الأشربة.
وأما الآدمي فلا يجوز تناوله، وكذا الخمر إلا لغصة، فيجوز إزالتها به عند عدم ما يسيغها به من غيره) .
ثم يقول تعليقاً على قوله: (وأما الآدمي فلا يجوز تناوله) بقوله: أي سواء كان حياً أو ميتاً، ولو مات المضطر، هذا هو المنصوص في المذهب) . وسبق أن بينا أن ابن عبد السلام صحح القول بجواز أكله للمضطر، إذا كان ميتاً. أما الحي فلا، باتفاق علماء المذهب.
стр. 2922
الشافعية:
جاء في مغني المحتاج ج٤ ص ٣١٠:
(ويجزم) جزماً على شخص (قطعه) أي بعض نفسه (لغيره) من المضطرين، لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل.
تنبيه: هذا إذا لم يكن ذلك الغير نبيا، وإلا لم يحرم بل يجب ... ويحرم على مضطر أيضاً أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم ـ والله أعلم ـ لما مر. وجاء في ج١ ص ١٩١ حين بيان حكم وصل شعر الآدمي بشعر آدمي وأنه حرام للحديث (لعن الله الواصلة والمستوصلة..) لأنه مستعمل لشعر آدمي يحرم الانتفاع به وبسائر أجزائه لكرامته) .
الحنابلة: جاء في المغني مع الشرح الكبير ج١١ ص ٧٩:
(إن لم يجد (المضطر) إلا آدمياً محقون الدم لم يسمح له قتله إجماعاً ولا إتلاف عضو منه؛ مسلماً كان أو كافراً؛ لأنه مثله، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه، وهذا لا خلاف فيه) .
الظاهرية: يرى الظاهرية تحريم لحوم الناس وتحريم الانتفاع بها، جاء في المحلى لابن حزم ج٤ ص ٤٦٨: (ولا يحل أكل العذرة ولا الرضيع، ولا شيء من أبوال الخيول ولا القيء، ولا لحوم الناس ولو ذبحوا، ولا أكل شيء يؤخذ من الإنسان إلا اللبن وحده ... ) .
وبعد أن ذكر وجه التحريم في الأمور الأربعة الأولى بدأ بذكر وجه التحريم في لحوم الناس فقال: (وأما لحوم الناس فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (١) ولأمر رسول الله ﷺ الذي قد ذكرناه في كتاب الجنائز، بأن يوارى كل ميت من مؤمن أو كافر، فمن أكله فلم يواره، ومن لم يواره فقد عصى الله تعالى، ولقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢) فحرم تعالى آكل الميتة وأكل ما لم يذك، والإنسان قسمان: قسم حرام قتله، وقسم مباح قتله، فالحرام قتله إن مات أو قتل فلم يذك فهو حرام، وأما الحلال قتله فلا يحل قتله إلا لأحد ثلاثة أوجه: إما لكفره ما لم يسلم، وإما قوداً، وإما لحد أوجب قتله، وأي هذه الوجوه كان فليس مذكى؛ لأنه لم يحل قتله إلا بوجه مخصوص، فلا يحل قتله بغير ذلك الوجه، والتذكية غير تلك الوجوه بلا شك، فالقصد إليها معصية، والمعصية ليست ذكاة، فهو غير مذكى فحرام أكله بكل وجه، وإذ هو كله حرام، فأكل بعضه حرام؛ لأن بعض الحرام حرام بالضرورة، ويدخل في هذا المخاط والنخاعة والدمع والعرق والمذي والمني والظفر والجلد والشعر والقيح والسن إلا اللبن المباح بالقرآن والسنة والإجماع، وقد أباح ﵇ لسالم ـ وهو رجل ـ الرضاع من لبن سهلة بنت سهيل، والريق لأن رسول الله ﷺ حنك الصبيان بتمر مضغه، فريقه في ذلك الممضوغ، فالريق حلال بالنص فقط، وبالله تعالى التوفيق) .
стр. 2923
الزيدية: جاء في شرح الأزهار ج٤ ص ٤٠٧:
(والإباحة لا تسقط القود (القصاص) عن القاتل، فإذا قال لغيره: اقتلني، واقتل ابني، أو اقطع يدي، ففعل، لزمه القصاص، ولا حكم لهذا الإذن) .
حكم الانتفاع بجزء من إنسان غير معصوم الدم:
بينا آنفاً أن غير معصوم الدم هو من ارتكب جرماً استحق من أجله القتل، من هؤلاء الحربي: وهو من رفع راية الحرب ضد المسلمين.
القاتل للنفس عمداً، ولم يعف عنه ولي الدم.
الزاني المحصن ...
المرتد عن دين الإسلام.
المحارب.
فهؤلاء قد استحقوا القتل بسبب ما ارتكبوا من جرائم، وعقوبة هذه الجريمة هي القتل، فإذا صدر ضد شخص حكم بقتله، إما لكونه حربياً، أو قاتلاً عمداً دون عفو ولي الدم، أو زانياً محصناً، أو مرتداً، أو محارباً ... ومن ثم فإن الفقهاء قد اختلفوا في جواز الانتفاع بشيء من أجسامهم لمصلحة المضطر من الأحياء المعصومين.
فيرى جمهور الفقهاء عدم جواز الانتفاع بشيء من أجسامهم.
وهم فقهاء الحنفية والمالكية والظاهرية.
الحنفية:
وقد نقلنا آنفاً رأي الحنفية في الانتفاع بجزء من الإنسان الميت.
стр. 2924
المالكية:
قال الدسوقي في شرحه: (وأما الآدمي فلا يجوز تناوله؛ أي: سواء كان حياً أو ميتاً، ولو مات المضطر، هذا هو المنصوص لأهل المذهب) .
(والنص المعول عليه عدم جواز أكله ـ أي أكل الآدمي الميت، ولو كافراً، لمضطر ولو مسلماً لم يجد غيره، إذا لا تنتهك حرمة آدمي آخر) .
وقد سبق نقل هذا النص، ومنه يتبين أن المالكية لا يجيزون الانتفاع بأي جزء من أجزاء الإنسان لإنسان آخر مضطر، ولو كان المضطر مسلماً، ولو مات هذا المضطر من عدم الأكل.
الظاهرية:
وقد نقلنا آنفاً ما نص عليه هذا المذهب من حرمة الانتفاع بأي جزء من أجزاء الآدمي مسلماً كان أو كافراً إلا اللبن والريق.
ويرى الشافعية والحنابلة جواز الانتفاع بجزء من نفس الشخص المستحق للقتل. وإليك بعض النصوص الفقهية الدالة على ذلك:
الشافعية: جاء في مغنى المحتاج ج٤ ص ٣٠٧:
(وله قتل مرتد وأكله، وقتل حربي بالغ وأكله؛ لأنهما غير معصومين، وله قتل الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة، ومن عليه قصاص، وإن لم يأذن الإمام في القتل؛ لأن قتلهم مستحق، وإنما اعتبر إذنه في غير حال الضرورة تأدباً معه، وحال الضرورة ليس فيها رعاية أدب، لا قتل ذمي ومستأمن ومعاهد، وصبي حربي وحربية لحرمة قتلهم. قلت: الأصح حل قتل الصبي والمرأة الحربيين للأكل ـ والله أعلم ـ أنهما ليسا معصومين، ومنع قتلهما في غير الضرورة لا لحرمتها بل لحق الغانمين، ولهذا لا يتعلق بقتلها الكفارة.
стр. 2925
(تنبيه: حكم مجانين أهل الحرب وأرقائهم وخناثاهم كصبيانهم، قال البلقيني: ومحل الإباحة إذا لم نستول على الصبي والمرأة ونحوهما، وإلا صاروا أرقاء معصومين لا يجوز قتلهم قطعاً لحق الغانمين) .
والحنابلة: جاء في المغني مع الشرح الكبير ج١١ ص ٧٩:
(وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله؛ لأن قتله مباح، وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، وإن وجده ميتاً أبيح أكله ... ) .
الترجيح:
وأرى ترجيح رأي الشافعية والحنابلة من حيث إنه إذا كان إنسان قد استحق القتل بسبب جرم ارتكبه، وكان هذا الحكم باتا، واجب التنفيذ، ولا طريق إلى إنقاذه من هذه العقوبة، لا بتوبة ولا بغيرها، فإنه يمكن عقب تنفيذ الحكم الانتفاع بأجزاء من هذا الإنسان ونقلها إلى إنسان آخر يوشك على الهلاك ـ كلًّا أو بعضاً ـ بشرط ألا تؤخذ هذه الأجزاء أثناء حياته ـ لأنها مُثلة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن المثلة، وإنما تؤخذ عقب تنفيذ الحكم فيه مباشرة.
ولا مانع من إجراء الفحوص اللازمة قبل تنفيذ الحكم لمعرفة ملاءمة هذا الانتفاع لإنسان ما، أو لغيره، أو عدم ملاءمته.
ويجب أن يكون هذا الأخذ في حال الاضطرار إلى إنقاذ نفس توشك على الهلاك كما سبق القول ـ وليس في حال الاختيار.
ويجب أن يكون كل ذلك تحت رقابة السلطة التنفيذية وتحت رقابة نخبة من الأطباء المسلمين الحاذقين.
وإجازة ذلك في حال الضرورة يحقق هدفاً كبيراً، وهو إحياء نفس توشك على الهلاك ببعض أجزاء نفس هالكة لا محالة.
وأن يوضع لذلك قانون ينظم كل ذلك ويعلن للناس جميعاً.
وقد يكون النص فيه على أن ولي الأمر يعتبر إذنه في أخذ هذا الجزء بمثابة الإذن من ولي الدم أكثر تحقيقاً للهدف حتى لا تضيع فرصة الانتفاع بهذا الجزء، ونظراً لتحلل بعض أجزاء الإنسان عقب موته بسرعة كبيرة.
وفي هذه الحالة إن لم يكن هناك إذن بذلك تضيع فرصة الانتفاع بهذا الجزء، وتضيع فرصة إنقاذ نفس من الهلاك.
وأيضاً فإن القول بجواز ذلك عند الضرورة لا يجعل للإذن دوراً كبيراً من الناحية الفقهية، فالضرورات تبيح المحظورات، ويتغاضى عن الإذن في هذه الحالة ـ كما إذا لم يجد سوى مال غيره لينقذ به حياته، فإن عليه أن يأكل منه أو يشرب ولو دون إذن ثم عليه الضمان على الخلاف في هذا الضمان وقد سبق التعرض لذلك.
وبترجيحنا هذا فإن الاختلاف بين الانتفاع بجزء الميت، وهذا الانتفاع بجزء من المستحق بجزء منه وملاءمته وعدم ملاءمته للحالات الاضطرارية الموجودة، أما في الحالة الأولى فلا يتيسر فيها ذلك؛ إذ قد تحدث فجأة، أو لا يرضى صاحبها بمثل هذه الفحوص، فضلاً عن أنها غير معروفة الأشخاص غالباً، أما الأخيرة فهم معروفون ويمكن تحديد زمن معين لتنفيذ الحكم فيهم بشرط ألا يضاروا من هذا الإرجاء، وألا يتخذوا مخازن للأعضاء الحية يلجؤون إليها متى شاؤوا ... بل هم لهم كل الحق في أن يكون تنفيذ الحكم فيهم في وقت لا يضر بهم.
стр. 2926
المبحث السابع:
حكم بيع الآدمي في الفقه الإسلامي
حكم بيع الآدمي في الفقه الإسلامي
لقد تناول الفقه الإسلامي بيان حكم التصرف في الإنسان، أو التصرف في جزء من أجزائه، سواء أكان الجزء متجدداً، أم غير متجدد.
ونعرض فيما يلي حكم كل حالة من هذه الحالات الثلاث من مباحث متتالية:
الأول: حكم بيع الآدمي.
نعرض فيما يلي جانباً من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، ثم نتبعها بآراء الفقهاء في هذا الحكم.
أولاً: الكتاب الكريم:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١) .
لقد تناول المفسرون تفسير هذا التكريم قائلين: إن الله تعالى قد كرمهم بالنطق والتمييز، وباعتدال القامة وامتدادها، وبحسن الصورة، وبتسليطهم على سائر الخلق وتسخير سائر الخلق لهم، وبالكلام والخط وبالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله ... وبتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئاً أو طعاماً غير مركب.
ثم قال جل شأنه: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ قال المفسرون: فضلناهم على البهائم والدواب، والوحوش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء، والحفظ والتمييز، وإصابة الفراسة.
فالإنسان مكرم لكل ذلك؛ لأنه متحمل الأمانة، وخليفة الله في أرضه، والمطالب بالتعمير والإصلاح، والتطور والتقدم في ظل شرع الله تعالى.
ومن أجل ذلك سخر الله جل شأنه له سائر الخلق في السماء وفي الأرض، وجعله مسلطاً على غيره من المخلوقات، ينتفع بها ويحيا عليها ...
وميزه عنها بأنه جعل له حق تملكها والانتفاع بها، وجعلها موضع ملكه ومنتفعاً بها ... ، والملك قدرة والانتفاع حق، جعلهما في يده فأصبح مالكاً منتفعاً، وأصبح غيره مملوكاً منتفعاً به، ومن هنا لم يخضع الإنسان شرعاً لما يخضع له الحيوان من جواز بيعه والتصرف فيه؛ لأن فعل ذلك في الإنسان إذلال، وقلب للحقيقة الشرعية والحكمة الإلهية التي حبته بكل هذه الصفات.
стр. 2927
ثانياً: السنة النبوية المطهرة:
ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى يخاصم من يخضع الإنسان لما يخضع له الحيوان من بيعه والتصرف فيه.
روى البخاري بإسناده (١) أن النبي ﷺ قال: ((قال الله : ثلاثة أنا خاصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره)) (٢) .
وزاد ابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي في هذا الحديث: ((ومن كنت خصمه فقد خصمته)) قال ابن التين: هو خصم لجميع الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء (الثلاثة) بالتصريح
. وقال العسقلاني في ((باع حراً فأكل ثمنه)) : خص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود، والمراد به كما هو واضح النهي عن إخضاع الإنسان الحر للتصرفات التي تخضع لها سائر الحيوانات والكائنات المسخرة لخدمة الإنسان، والتي أبيح له تملكها والتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات الناقلة للملكية أو للانتفاع. قال ابن الجوزي: الحر عبد الله فمن جنى عليه فخصمه سيده) .
ونقل ابن حجر (الإجماع على منع بيع الحر (٣) كما سنوضح ذلك في الفقرة التالية، وقد وردت أحاديث تبين حرمة دم الإنسان على أخيه.
روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: ((إن دماءكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام)) ... ورواه أحمد.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناًً)) . ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا)) ويشير إلى صدره ثلاث مرات ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) .
стр. 2928
ثالثاً: الفقه الإسلامي:
يحرم بيع الإنسان الحر باتفاق العلماء، وكل عقد يرد عليه يكون باطلاً، ومجري هذا العقد يكون آثماً، وإليك النصوص الفقهية الدالة على ذلك:
(أ) الحنفية ينصون على أن:
(الآدمي مكرم شرعاً، وإن كان كافراً فإيراد العقد عليه، وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له. أي وهو غير جائز ... ) (١) . أي لأن الله تعالى قد كرمه وفضله كما نص عليه في الكتاب، ولابن نجيم في القاعدة السابعة: (إن الحر لا يدخل تحت يد أحد فلا يضمن بالغصب ولا صبياً) ص ١١٩.
(ب) المالكية: يرون أن لحم ابن آدم محرم، والمحرم لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه (٢) .
(ج) : الشافعية: ينصون على أن بيع الحر حرام (٣) . للحديث: ((ثلاثة أنا خصمهم)) وقال النووي: (بيع الحر باطل بالإجماع) .
(د) الحنابلة: ينصون على أنه:
(لا يصح بيع الحر؛ لقوله ﵇: ((ثلاثة أنها خصمهم يوم القيامة)) وذكر منهم ((رجلاً باع حراً وأكل ثمنه)) وقد تقدم نص الحديث (٤) .
والظاهرية: يقررون أن (كل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه..) (٥) .
стр. 2929
والزيدية: ينصون على أنه (لا يجوز مطلقاً بيع الحر (ولو شعراً بعد انفصاله) باع نفسه أو باع غيره، فيؤدب العالم ـ بنظر الحاكم ـ لحريته، من البائع أو المشتري، أو هما جميعاً، إذا علما. والبيع باطل ولو جهلا، والثمن كالغصب لا في جميع وجوهه إلا في أربعة (١) سواء كان المشتري عالماً أو جاهلاً له (قرز) .
ويرد القابض للثمن ما قبضه إلى المشتري إن كان الثمن باقياً بعينه، كبيراً كان القابض أو صغيراً، إلا الصبي إذا باع نفسه، أو باع حراً غيره ثم قبض الثمن وأتلفه فلا يرد ما قد أتلف ... ) (٢) .
والإمامية: ينصون على أنه: (لو باع ما لا يملكه مالك كالحر وفضلات الإنسان ... لم ينعقد) .
ومن هذا تبين لنا أن الفقهاء قد اتفقوا على أن الحر لا يباع ولا يشترى، وإذا لم يصح هذا التصرف فيه مع أنه بمقابل، وهو الثمن، فمن باب أولى لا يصح هبته أو التبرع به؛ لأن الشرع الحكيم أبطل التصرف فيه بمقابل فمن باب أولى يبطله إذا لم يكن هناك مقابل، ولأن المشرع الحكيم لم يجعله ملكاً لأحد سواه، فلا يحق لأي كائن أن يتصرف فيه؛ لأن التصرف ـ معاوضة أو تبرعاً ـ إنما يكون فيما يملكه الإنسان، والإنسان غير مملوك للإنسان وإنما هو مملوك لخالقه وموجده جل شأنه.
ويجب أن ننوه هنا إلى أن (الرقيق) وقد انتهى أمره بعد أن اتفقت الدول والمجتمعات الإنسانية إلى منع الرق بجميع أنواعه، وهو ما يهدف إليه المشرع الحكيم، وما يشير إليه في حكم كتابه وسنة رسوله ﷺ ، أن انتهاء الرق في هذا العصر لا يثير أي تساؤل بشأن الأحكام التي كانت تطبق عليه وقت وجوده.. وحتى في أثناء وجوده لا سلطان لأحد على جسمه وأجزاء جسمه إلا بحق. قال ﷺ : ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه)) رواه أحمد. وفي رواية أبي داود والنسائي بزيادة: ((ومن خصى عبده خصيناه)) .
فأهلية الرقيق موجودة، وعصمة دمه قائمة، وصيانة أعضائه مقررة، وإنما الرق أثر على أهليته للتملك، وعلى جعله سلعة يباع ويشترى ـ كلا أو جزءاً ـ قائماً لا مقطعاً ...
والآن ـ والحمد لله ـ قد تحقق هدف الشرع، وهو منع الرق بكل أنواعه من جميع العالم.. ومن ثم لا يثور أي تساؤل بشأنه في موضعنا هذا، ولا يصح أن يجعل ركيزة لشيء في موضوع بحثنا هذا (٣) .
стр. 2930
المبحث الثامن
حكم بيع جزء من أجزاء الآدمي المتجددة
- حكم بيع لبن الآدمي
- حكم بيع شعر الآدمي
حكم بيع جزء من أجزاء الآدمي
لما كانت أجزاء النفس الإنسانية منها ما يتجدد شياً فشيئاً، أو ينمو إذا أخذ منه شيء ـ كاللبن والشعر والدم.
ومنه ما لا يتجدد إذا أخذ، كاليد والرجل والأذن والأنف، والعين، من الأجزاء الظاهرة، والقلب والرئة، والكلى، والطحال ... من الأجزاء الباطنة.
ونعرض فيما يلي آراء الفقهاء في كلا النوعين:
النوع الأول: حكم بيع الأجزاء المتجددة من الإنسان:
- حكم بيع لبن الآدمي
لقد تعرض الفقهاء لحكم بيع هذه الأجزاء، وكان من أبرز هذه الأشياء المتجددة بيع لبن المرأة الحرة ـ إذا حلب ـ ونعرض فيما يلي بعض النصوص الفقهية ثم نتبعها بالرأي:
الحنفية:
ففي فتح القدير: (ولا يجوز بيع لبن امرأة في قدح) وقال الشافعي ﵀: يجوز بيعه لأنه مشروب طاهر.
ولنا (أي الحنفية) أنه جزء الآدمي، وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع ... وعلق الكمال على ذلك بقوله: إن قوله: (في قدح) هذا القيد لبيان منع بيعه بعد انفصاله عن محله، فإنه لا يكون في قدح إلا بعد انفصاله، أما عين القدحية فليس قيداً، بل سائر الأواني سواء، وإنما هو قيد باعتبار لازمه، وهو انفصاله عن مقره، كي لا يظن أن امتناع بيعه ما دام في الضرع، كغيره، بل على سائر أحواله لا يجوز بيعه ولا يضمن متلفه، وهو مذهب مالك وأحمد.
ثم علق على قول الشافعي: وأنه (مشروب طاهر) فيجوز بيعه بقوله: (ونحن نمنع أنه مشروب مطلقاً، بل للضرورة، حتى إذا استغنى عن الرضاع لا يجوز شربه، والانتفاع به يحرم، حتى منع بعضهم صبه في العين الرمداء، وبعضهم أجازه إذا عرف أنه دواء عند البرء.
ونقول: هو جزء من الآدمي مكرم ومصون عن الابتذال بالبيع ...
ثم يقول: (وجواز البيع يتبع المالية ولا مالية للإنسان إلا ما كان محلاً للرق ...
فإن قيل: أجزاء الآدمي مضمونة فيجب كون اللبن كذلك يضمن بالإتلاف ...
أجيب بمنع ضمان أجزائه مطلقاً. بل المضمون ما انتقص من الأصل ...
стр. 2931
ولابن عابدين أيضاً:
(ولا يجوز بيع لبن امرأة ولو في وعاء، ولو أمة على الأظهر، لأنه جزء آدمي، والرق يختص بالحي، ولا حياة في اللبن فلا يحله الرق.
قوله: (على الأظهر) أي ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف جواز بيع لبن الأمة لجواز إيراد البيع على نفسها، فكذا على جزئها، قلنا: الرق حل نفسها، فأما اللبن فلا رق فيه؛ لأنه يختص بمحل تتحقق فيه القوة التي هي ضده، وهو الحي، ولا حياة في اللبن. فلا يكون محلاً للعتق ولا للرق فكذا البيع، وأشار إلى أنه لا يضمن متلفه لكونه ليس بمال، وإلى أنه لا يحل التداوي في العين الرمداء، وفيه قولان، قيل بالمنع وقيل بالجواز، إذا علم فيه الشفاء ـ كما في الفتح هنا ـ وقال في موضع آخر: إن أهل الطب يثبتون نفعاً للبن البنت للعين، وهي من أفراد مسألة الانتفاع بالمحرم للتداوي كالخمر، واختار في النهاية والخانية الجواز إذا علم فيه الشفاء ولم يجد دواء غيره (بحر) (١) .
المالكية:
جاء في الفروق للقرافي في الفرق الخامس والثمانين والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا يجوز بيعه.
فقاعدة ما يجوز بيعه: ما اجتمع فيه شروط خمسة، وقاعدة ما لا يجوز بيعه: ما فقد منه أحد هذه الشروط الخمسة، فالشروط الخمسة هي الفرق بينهما وهي:
الشرط الأول: بقوله ﵇ في الصحيحين: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل له: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويستصبح بها، فقال: ((لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)) .
الشرط الثاني: أن يكون منتفعاً به ليصح مقابلة الثمن له.
الشرط الثالث: أن يكون مقدوراً على تسليمه حذراً من الطير في الهواء، والسمك في الماء، ونحوهما، لنهيه ﵇ عن بيع الغرر.
الشرط الرابع: أن يكون معلوماً للمتعاقدين، لنهيه ﵇ عن أكل المال بالباطل.
الشرط الخامس: أن يكون الثمن والمبيع مملوكين للعاقد والمعقود له، أو من أقيما مقامه.
فهذه شروط في جواز البيع دون الصحة؛ لأن بيع الفضولي وشراءه محرم.
стр. 2932
وفي الشروط مسألتان:
المسألة الأولى: في الشرط الثاني قال صاحب الجواهر: يكفي أصل المنفعة وإن قَلَّت، وقلت قيمتها، فيصح بيع التراب والماء ولبن الآدميات، وقاله الشافعي وابن حنبل قياساً على لبن الغنم.
وقال أبو حنيفة ﵃ أجمعين: لا يجوز بيعه ولا أكله؛ لأنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته فيحرم أكله فيمتنع بيعه.
وجوابه القياس المتقدم، وفرق هو بشرف الآدمي، وإباحة لبنه هو أنه استثنى منه الرضاع للضرورة، وبقي ما عداه على الأصل بخلاف الأنعام، بدليل تحريم لحمه تشريفاً له.
ويندفع الفرق بما روي عن عائشة ﵂ أنها أرضعت كبيراً فحرم عليها، فلو كان حراماً لما فعلت ذلك. ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعاً على إلغاء هذا الفرق.
وعلق على ذلك صاحب إدرار الشروق بقوله: (قلت ما قاله من أن فرق الحنفية يندفع بما روي عن عائشة ﵂ أنها أرضعت كبيراً فحرم عليها، لقائل أن يقول: لا يندفع بذلك، لجعل رضاع الكبير لقصد ثبوت التحريم، داخلاً فيما استثني للضرورة..) .
الشافعية: جاء في المجموع جـ٩ ص ٢٧٦:
(فرع) بيع لبن الآدميات جائز عندنا لا كراهة فيه، هذا هو المذهب، وقطع به الأصحاب إلا الماوردي والشاشي والروياني، فحكوا وجهاً شاذا عن ابن القاسم الأنماطي من أصحابنا أنه نجس لا يجوز بيعه، وإنما يربى به الصغير للحاجة، وهذا الوجه غلط من قائله، وقد سبق بيانه في باب إزالة النجاسة، فالصواب جواز بيعه، قال الشيخ أبو حامد: هكذا قاله الأصحاب، قال: ولا نص للشافعي في المسألة، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز بيعه. وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
واحتج المانعون بأنه لا يباع في العادة، وبأنه فضلة آدمي فلم يجز بيعه، كالدمع والعرق والمخاط، وبأن ما لا يجوز بيعه متصلاً لا يجوز بيعه منفصلاً، كشعر الآدمي، ولأنه لا يؤكل لحمها فلا يجوز بيع لبنها كالأتان.
واحتج أصحابنا بأنه لبن طاهر منتفع به، فجاز بيعه كلبن الشاة، ولأنه غذاء للآدمي فجاز بيعه كالخبز (فإن قيل) : هذا منتقض بدم الحيض فإنه غذاء للجنين ولا يجوز بيعه.
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: (فالجواب) أن هذا ليس بصحيح ولا يتغذى الجنين بدم الحيض، بل يولد وفمه مسدود لا طريق فيه لجريان الدم، وعلى وجهه المشيمة، ولهذا أجنة البهائم تعيش في البطون ولا حيض لها، ولأنه مائع يحل شربه فجاز بيعه كلبن الشاة. قال الشيخ أبو حامد: (فإن قيل) : ينتقض بالعرق (قلنا) : لا نسلم بل يحل شربه، (وأما) الجواب عن قولهم: لا يباع في العادة، فإنه لا يلزم من عدم بيعه في العادة أن لا يصح بيعه، ولهذا يجوز بيع بيض العصافير، وبيع الطحال، ونحو ذلك مما لا يباع في العادة، والجواب عن القياس على الدمع والعرق والمخاط أنه لا منفعة فيه بخلاف اللبن، وعن البيض بأنه لا يجوز الانتفاع به بخلاف اللبن، وعن لبن الأتان بأنه نجس بخلاف لبن الآدمية، والله تعالى أعلم) .
стр. 2933
الحنابلة:
جاء في كشف القناع ج٢ ص ٨:
(ويصح بيع لبن آدمية ولو كانت حرة، أي: المنفصل منها، لأنه طاهر منتفع به كلبن الشاة، ولأنه لا يجوز أخذ العوض عنه في إجازة الظئر فيضمنه متلفه.
ويكره للمرأة بيع لبنها نص عليه.
ولا يصح بيع لبن رجل، فلا يضمن بإتلاف) .
وجاء في الشرح الكبير ج٤ ص ١٢: (فأما بيع لبن الآدميات فرويت الكراهة فيه عن أحمد، واختلف أصحابنا في جوازه، وهو قول أبي حامد ومذهب الشافعي.
وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ولأنه مائع خارج من آدمية، فلم يجز بيعه كالعرق ولأنه جزء من آدمي فلم يجز بيعه أشبه سائر أجزائه.
ثم تابع ابن قدامة تحليلاً مرجحا بأحد الرأيين فقال:
والأول أصح؛ لأنه ظاهر منتفع به، فجاز بيعه كلبن الشاة، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر، فأشبه المنافع، ويفارق العرق فإنه لا نفع فيه ولذلك لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها، وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها فإنه يجوز بيع العبد والأمة، وإنما حرم بيع الحر لأنه غير مملوك، وحرم بيع العضو المقطوع منه لأنه لا نفع فيه) .
الظاهرية:
جاء في المحلى لابن حزم جـ٤ ص ٤٨١:
(وكل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه ومنسوب إليه وبالله تعالى التوفيق، إلا ألبان النساء فهي حلال كما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق) .
وجاء في بداية المجتهد جـ٢ ص ١٢٧:
(ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدميات إذا حلب؛ فمالك والشافعي يجوزانه، وأبو حنيفة لا يجوزه) .
وعمدة من أجاز بيعه أنه لبن أبيح شربه، فأبيح بيعه قياساً على سائر الأنعام. وأبو حنيفة يرى أن تحليله إنما هو لمكان ضرورة الطفل إليه، وأنه في الأصل محرم، إذ لحم ابن آدم محرم، والأصل عندهم أن الألبان تابعة للحوم، فقالوا في قياسهم: هكذا الإنسان حيوان لا يؤكل لحمه، فلم يجز بيع لبنه، أصله لبن الخنزير والأتان) .
стр. 2934
المقارنة والترجيح:
المقارنة: اختلف الفقهاء في حكم بيع لبن الآدمية الحرة إذا حلب إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية (١) وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، والزيدية أنه لا يجوز بيعه، وقد استندوا في ذلك إلى الأدلة التالية:
١- أن الآدمي مكرم شرعاً (٢) لا مبتذل، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهاناً مبتذلاً ـ وبيعه، أو بيع جزء من أجزائه إهانة وابتذال له ـ وهذا لا يجوز شرعاً ـ أو نقول: هو جزء من الآدمي مكرم مصون عن الابتذال بالبيع.
٢- أن الرسول ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين: ((لعن الواصلة والمستوصلة)) والواصلة هي التي تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة المعمول بإذنها ورضاها.
وهذا اللعن إنما كان بسبب الانتفاع بما لا يحل الانتفاع به شرعاً، ألا ترى أنه رخص في اتخاذ القراميل، وهي ما يتخذ من الوبر ليزيد في قرون النساء للتكثير، فظهر أن اللعن ليس للتكثير مع عدم الكثرة، وإلا لمنع القراميل، ولا شك أن الزينة حلال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢ ـ ولولا لزوم الإهانة بالاستعمال لحل وصلها بشعور النساء أيضاً.
٣- أن جواز البيع يتبع المالية ـ أي أن يكون الشيء مالا ـ ولا مالية للإنسان الحر.
٤- أنه مائع خارج من آدمية، فلم يجز بيعه كالعرق.
٥- أنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته، فيحرم أكله، فيمتنع بيعه.
- وفي هذا الاستدلال إشارة إلى حديث الرسول ﷺ فيما روي عنه قوله: ((ما أبين من الحي فهو ميت)) و ((ما قطع من حي فهو ميتة)) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين، وإذا كان ميتاً فإنه لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به ـ على الوجه والرأي الذي يجري على الميتة.
стр. 2935
الرأي الثاني: يرى مالك (١) والشافعية في رأي آخر وبعض الحنابلة (٢) والظاهرية جواز بيع لبن الآدمية الحرة إذا حلب، وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:
١- أن هذا اللبن هو لبن أبيح شربه، فأبيح بيعه قياساً على لبن سائر الأنعام.
٢- أو هو مشروب طاهر ننتفع به، وما كان كذلك يجوز بيعه قياساً على المشروبات الطاهرة المنتفع بها.
٣- أن في اللبن منفعة، فهو شيء منتفع به، وأنه يكفي في جواز بيع الشيء وجود أصل المنفعة وإن قلَّت وقلَّت قيمتها، فيصح بيع التراب والماء ولبن الآدميات قياسا على لبن الغنم.
الترجيح: والناظر في الأدلة التي استند إليها كل من الرأيين يجد رجحان الرأي الأول الذي يرى عدم جواز بيع لبن الآدمية الحرة وذلك للاعتبارات التالية:
أولاً: لا ينكر أحد من العلماء ـ سواء من منع أو من أجاز ـ أن الآدمي مكرم شرعاً وأنه غير مبتذل، وأن البيع وما شابهه من التصرفات إهانة وابتذال للشيء المبيع وإخضاع له لإرادة بائعه والمتصرف فيه ... ) وأن الإهانة والابتذال للإنسان لا تجوز شرعاً بالاتفاق.
ثانياً: أن الآدمي الحر ليس مالاً يباع ويشترى، ويوهب ويتصدق به. ويؤكل ...
وهذا بالاتفاق أيضاً ـ ومن ثم لا يجري عليه ما يجري على الأموال
، وإذا نظرت في تعريف الفقهاء للمال عرفت حقاً أن الإنسان ليس مالاً عند جميع الفقهاء.
فالمال عرفه بعض الحنفية بأنه (ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره للانتفاع به وقت الحاجة) ، وعرفه بعضهم بأنه: (اسم لغير الآدمي خلق لصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار) وعرفه آخرون بأنه: (ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع، فخرج التراب ونحوه) .
стр. 2936
وعرفه الزركشي (١) الشافعي بتعريف يحصر دائرة المال في:
(المال ما كان منتفعاً به، أي مستعداً لأن ينتفع به، وهو إما أعيان أو منافع) أي منافع الأعيان.
والأعيان قسمان: جماد وحيوان.
فالجماد مال في كل أحواله.
والحيوان ينقسم إلى قسمين: ما ليس له بنية صالحة للانتفاع، فلا يكون مالاً كالذباب والبعوض والخنافس والحشرات.
وإلى ما له بنية صالحة (للانتفاع به) ، وهذا ينقسم إلى ما جبلت طبيعته على الشر والإيذاء كالأسد والذئب، وليست مالا، وإلى ما جبلت طبيعته على الاستسلام والانقياد كالبهائم والمواشي، فهي أموال.
والسر فيه أن استعمال الجمادات ممكن على سبيل القهر، إذ ليس لها قدرة وإرادة يتصور منها الامتناع.
وأما الحيوان فهو مختار في الفعل، فلا يتصور استعمالها إلا بمساعدة منها، فإذا كانت مجبولة على طبيعة الاستسلام أمكن استعمالها واستسخارها في المقاصد، بخلاف ما طبيعته الشر والإيذاء، فإنها تمتنع وتستعصي، وتنتهي إلى ضد غرض المستعمل، ولهذا إذا صالت تلك الحيوانات التحقت بالمؤذيات طبعاً في الإهدار) .
كما بين أيضاً اختلافهم في كون المنفعة مالا، ثم بين أن الشافعية اتفقوا على أن المنافع لا تندرج تحت مطلق اسم المال، لكن قالوا: يطلق عليها أنها مال، أما على طريق الحقيقة فلا يطلق عليها أنها مال.
وعرف الحنابلة المال شرعاً بأنه ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة، أو بأنه ما يباح بيعه مطلقاً ـ أي في كل الأحوال ـ أو يباح اقتناؤه بلا حاجة، فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات ـ وما فيه نفع محرم كخمر، وما لا يباح إلا عند الاضطرار كالميتة، وما لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة كالكلب.
стр. 2937
ومن هذه التعريفات للأموال يتضح لنا أن الإنسان ليس من الأعيان التي يقال عنها: إنها مال، أو أنه يجري عليها الملك، أو أنه يجوز التصرف فيها كما يتصرف في الأموال.
ثالثاً: أن قول المجيزين لبيع لبن الآدمية الحرة: إن اللبن مشروب طاهر منتفع به فيحل بيعه قياساً على حل بيع المشروبات الطاهرة المنتفع بها ... يمكن أن يراد عليهم بما يرد عليهم به الحنفية حيث قالوا:
(نحن نمنع أنه مشروب مطلقاً، بل للضرورة، حتى إذا استغنى الطفل عن الرضاع لا يجوز شربه، والانتفاع به يحرم) .
ثم بين المذهب أن خلافاً جرى في كونه يصح الانتفاع به في التداوي فقالوا: (إن بعض العلماء منع صبه في العين الرمداء، وبعضهم أجازه إذا علم فيه الشفاء، وقد نقل ابن عابدين عن فتح القدير أن أهل الطب يثبتون نفعاً للبن البنت للعين، وهي من أفراد مسألة الانتفاع بالمحرم للتداوي كالخمر، واختار في النهاية والخانية الجواز إذا علم فيه الشفاء، ولم يجد دواء غيره.
فالقول في الاستدلال بأنه مشروب طاهر إلى آخره، منعه بعض الفقهاء ولم يجعلوه مشروباً طاهراً جائزاً بيعه، بل قالوا: إنه ليس مشروباً وإنه أبيح استثناء رضاعه للطفل حفاظاً على حياته ... وفيما عدا ذلك يحرم، فهذا الدليل غير مسلم عند كل الفقهاء فهو استدلال بمختلف فيه، ومثله لا يصلح للاستدلال، وتبقى الأدلة الأخرى سالمة عن المعارضة.
رابعاً: أن القول بأنه منتفع به، وإن ما كان منتفعاً به وإن قلت منفعته يجوز بيعه، غير مسلم على إطلاقه؛ إذ كل المحرمات لا تعدم نوعاً من النفع، وحسبنا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] .
стр. 2938
فالمشرع قد أهدر المنفعة هنا حين حرم تناول الخمر ولعب الميسر ... ، ومثل ذلك يجري في كل المحرمات.
فلا بد لإباحة التصرف في الشيء أن يكون أصل الشيء حلالاً في ذاته، مباحاً في ذاته له، فإذا وجد فيه منفعة وإن قلت أبيح بيعه والتصرف فيه لمن ملكه، فمن ملك شيئاً ولو قل نفعه، أبيح له بيعه أو بيع جزء منه. فهل ملك الإنسان نفسه، أو ملك أحد إنساناً حراً حتى نقول بجواز أن يبيعه أو يبيع جزءاً منه، الإجابة على ذلك: لا؛ لأن الحر غير مملوك، وأنه يحرم المساس به كلا أو بعضاً إلا بحق ... ومن هان يفترقان.
وحسبنا حديث رسول الله ﷺ : ((ثلاثة أنا خصمهم.. منهم رجل باع حراً وأكل ثمنه)) .
خامساً: أن قياس لبن الآدميات في جواز بيعه على لبن الغنم قياس مع الفارق وذلك لما يأتي:
١- أن الإنسان مالك للغنم والغنم مملوكة له، وشتان بين الأمرين.
٢- أن لحم الإنسان محرم، ولحم الغنم حلال.
٣- أن الإنسان مكرم غير مبتذل، والغنم مسخرة للإنسان ومبتذلة له. وشتان بين الأمرين.
٤- أن لبن الآدميين تتعلق به أحكام دقيقة وخطيرة، حيث قال ﵊: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) . ولا تتعلق بلبن الغنم أحكام، ومثل ذلك يجعل القياس مع الفارق ويوجب علينا عدم التوسع في أحكام هذا النوع من اللبن، بحيث يحلب ويباع ويشترى.
سادساً: أن قولهم بأن أجزاء الآدمي مضمونة ـ يعني عند التعدي عليه ـ سواء بالقصاص أو الدية أو حكومة العدل، فيجب أن يكون اللبن مضموناً بالإتلاف.
أجاب عنه الحنفية بمنع ضمان أجزاء الإنسان مطلقاً، بل المضمون ما انتقص من الأصل حتى لو نبتت السن التي قلعت لا ضمان، إلا ما يستوفى بالوطء فإنه مضمون وإن لم ينتقص شيئاً، تغليظاً لأمر البضع، فجعل ما يستوفى بالوطء في حكم النفس، بخلاف من جز صوف شاة، فإنه يضمن وإن نبت غيره، وبإتلاف اللبن لا ينتقص شيء من الأصل، ولأن حرمة المصاهرة تثبت بشربه، ففي إشاعته ببيعه فتح لباب فساد الأنكحة، فإنه لا يقدر على ضبط المشترين والبائعين فيشيع فساد الأنكحة بين المسلمين.
ثم قال الكمال بن الهمام: وإن كان هذا يندفع إذا كانت حرمة شربه شائعة بالدار (دار الإسلام) فيعلم أن شراءه ليس إلا لمنفعة أخرى ـ كشراء الأمة المجوسية بعد اشتهار حرمة وطئها شرعاً، لكنهم يجيزون شربه للكبير.
هذا ولقد روي عن محمد بن الحسن أنه قال: (جواز إجارة الظئر دليل على فساد بيع لبنها؛ لأنه لما جازت الإجارة ثبت أن سبيله سبيل المنافع، وليس سبيله سبيل الأموال؛ لأنه لو كان مالاً لم تجز الإجارة، ألا ترى أن رجلاً لو استأجر بقرة على أن يشرب لبنها لم تجز الإجارة، فلما جاز إجازة الظئر ثبت أن لبنها ليس مالاً.
لكل هذه الاعتبارات أرى عدم جواز بيع لبن الآدمية الحرة ولا الآدمي، كما لا يجوز بيعهما ولا بيع شيء من أجزائهما.
стр. 2939
حكم بيع شعر الآدمي
ولقد أبرز بعض الفقهاء حكم بيع شعر الإنسان، ونصوا عليه مبينين ما استندوا إليه من أدلة، وأغفل ذكره البعض معتمدين على أنه جزء الإنسان فيسري عليه ما يسري، على بقية أجزائه من حرمة بيعها، وكان من أبرز الموضحين لحكمه فقهاء الحنفية، والظاهرية، والزيدية إذ نصوا عليه صراحة:
ونورد فيما يلي بعضاً من النصوص الفقهية في هذا الموضوع.
أولا: الحنفية.
جاء في البداية:
(ولا يجوز بيع شعور الإنسان ولا الانتفاع بها؛ لأن الآدمي مكرم لا مبتذل، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهاناً ومبتذلاً، وقد قال ﵊: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة)) الحديث.
وإنما يرخص فيما يتخذ من الوبر فيزيد في قرون النساء وذوائبهن.
وقال الكمال تعليقاً على ذلك: (لا يجوز بيع شعور الإنسان مع قولنا بطهارته، ولا الانتفاع بها ... وفي بيعه إهانة له، وكذا في امتهانه بالانتفاع، وقد قال ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة)) فالواصلة هي التي تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة المعمول بها بإذنها ورضاها، وهذا اللعن للانتفاع بما لا يحل الانتفاع به، ألا ترى أنه رخص في اتخاذ القراميل، وهي ما يتخذ من الوبر ليزيد في قرون النساء للتكثير، فظهر أن اللعن ليس للتكثير مع عدم الكثرة، وإلا لمنع القراميل، ولا شك أن الزينة حلال قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (١) فلولا لزوم الإهانة بالاستعمال لحل وصلها بشعور النساء أيضاً) .
стр. 2940
وجاء في العناية: (بيع شعور الآدميين والانتفاع بها لا يجوز، وعن محمد أنه يجوز الانتفاع بها، استدلالا بما روي أن النبي ﷺ حين حلق رأسه قسم شعره بين أصحابه، فكانوا يتبركون به، ولو كان نجساً لما فعله، إذ النجس لا يتبرك به.
وجه ظاهر الرواية أن الآدمي مكرم شرعاً غير مبتذل، وما هو كذلك لا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مبتذلاً مهاناً، وفي البيع والانتفاع كذلك، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : ((لعن الله الواصلة والمستوصلة)) والواصلة من تصل الشعر والمستوصلة من يفعل بها ذلك ... ) (١) .
стр. 2941
وجاء في ابن عابدين: (مطلب الآدمي مكرم شرعاً ولو كافراً. ويبطل بيع شعر الإنسان لكرامة الآدمي، ولو كافراً، ذكره المصنف وغيره) حيث قال: والآدمي مكرم شرعا، وإن كان كافرا، فإيراد العقد عليه، وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له. اهـ. أي وهو غير جائز وبعضه (أي بعض الإنسان) في حكمه، وصرح في فتح القدير ببطلانه ط. قلت: وعليه أنه يجوز استرقاق الحربي وبيعه وشراؤه وإن أسلم بعد الاسترقاق؟ إلا أنه يجاب بأن المراد تكريم صورته وخلقته، ولذا لم يجز كسر عظام ميت كافر، وليس ذلك محل الاسترقاق، والبيع والشراء، بل محله النفس الحيوانية، فلذا لا يملك بيع لبن أمته في ظاهر الرواية كما سيأتي) (١) .
الظاهرية:
لقد أوردنا آنفاً قول الظاهرية: (وكل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه ومنسوب إليه - وبالله تعالى التوفيق - إلا ألبان النساء فهي حلال كما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق) .
وهو دل دلالة واضحة على أن بيع شعر الإنسان، أو أي عضو منه حرام إلا ألبان النساء عندهم فقط.
الزيدية:
وما نقلناه عن الزيدية فيما سبق يدل على تحريم بيع شعور الآدميين حيث قالوا: (لا يجوز مطلقاً بيع الحر ولو شعراً بعد انفصاله، باع نفسه أو باعه غيره ... ) .
ومن هذه النصوص يتضح لنا عدم جواز بيع شعر الآدمي؛ لأنه بعض الإنسان، وبعضه منسوب إليه، وقد كرم الله الإنسان وحرم بيعه، فيكون بيع شعره حراماً كحرمته هو.
стр. 2942
المبحث التاسع
حكم بيع جزء من أجزاء الآدمي غير المتجددة
حكم بيع جزء من أجزاء الآدمي
غير المتجددة
لقد خلق الله الإنسان فأبدع خلقه، وسواه فأحسن تسويته،
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) .
وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣)
فالإنسان هو أمارة القدرة الإلهية، ودليل الإبداع الإلهي، فكل ما فيه خلق لحكمة، وكل ما فيه خلق لغاية، ولم يوجد شيء فيه خلق عبثاً، أو دون حكمة أو هدف؛ إذ كل ما يصدر عنه جل شأنه كمال، وكل ما يخلقه هو قمة الإبداع.
ومن ثم كانت أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة هي مكوناته، وهي حقيقته، وهي المؤلفة لوحدة هذا الجسم وتناسقه وحمايته على المدى القريب والبعيد، وهي المؤدية لغاياته، والمناط بها استمرار حياته إلى نهاية الأجل الذي كتبه الله جل شأنه له ...
هذه حقيقة أولى.
أما الحقيقة الثانية فهي أن كل جزء من أجزاء الإنسان خلق ليؤدي وظيفة معينة في الجسم الآدمي، ويقوم بمهام محددة ضمن الإطار العام ... ولم يخلق أي جزء فيه عبثاً، أو دون هدف، أو زائداً عن الحاجة.
وأما الحقيقة الثالثة فهي أن الشريعة الإسلامية حرمت بيع الإنسان أو التصرف فيه، كما سبق أن أوضحناه.
ومن ثم انبثق عن هذه الحقيقة حرمة بيع أي جزء من أجزائه غير المتجددة ظاهراً كان العضو أو باطناً، كان مكرراً كالكلى أو الخصية أو الرئة، أو غير مكرر، كالقلب أو الطحال أو الكبد.
стр. 2943
إذ هذه الأجزاء جميعها هي مكونات الآدمي من لحم وعظم، وإن أخذ كل عضو من أعضائه اسماً معيناً إلا أنها أجزاء الحقيقة، فما تأخذه الحقيقة الكلية من حكم يأخذه كل جزء من أجزائها؛ لأنها نفس واحدة، وروح واحدة، فإذا حرم التصرف في الآدمي حرم التصرف في كل جزء من أجزائه.
(ومن ثم رأينا الحنفية لا يجوزون بيع شعر الإنسان ولا الانتفاع به ... ، ولا بيع لبن امرأة إذا حلب ... كما سبق أن ذكرنا ـ وعللوا ذلك بأن الآدمي مكرم شرعاً وإن كان كافراً، فإيراد العقد عليه، وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له، وإذلاله غير جائز، وبعض الإنسان في حكمه، وصرح في فتح القدير ببطلان بيعه.
فسائر أجزاء الآدمي لا يجوز بيعها سواء كانت متجددة أو غير متجددة عندهم.
المالكية: ولقد بين القرافي في النص المنقول آنفاً أن الأصل حرمة أجزاء الآدمي، وأن إباحة اللبن هو أنه استثنى منه الرضاع للضرورة، وقيس ما عداه على الأصل، بخلاف الأنعام بدليل تحريم لحمه تشريفاً له ...
الشافعية: وقد نطق فقه الشافعية بذلك أيضاً.
فقد نص الشافعية على قاعدة عامة في التصرف في الحر وهي: (الحر لا يدخل تحت اليد والاستيلاء) (١) . ومؤاده أنه لا يملك، وإذا كان الحر لا يملك، فإنه لا يجري عليه بيع ولا هبة ولا أي تصرف من التصرفات التي تجري على الشيء المملوك.
كما ينصون على أنه: (يحرم جزماً على شخص قطعه (أي بعض نفسه) لغيره من المضطرين، لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستيفاء الكل ... ) وقد سبق النص. ثم ينصون على قاعدة شرعية تمنع التصرف فيما لا يحل للإنسان، ولا يدخل في ملكه وهي: (من لا يملك التصرف لا يملك الإذن فيه) (٢) .
стр. 2944
وفي قاعدة أخرى: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) (١) .
ومن ثم كان محرماً على أي شخص أن يقلع جزءاً من نفسه لغيره، وإذا كان ذلك حراماً فلا يصح حينئذ أخذ عوض عنه، أو التبرع به، لأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز هبته، وما جاز بيعه جاز هبته كما هي القاعدة الشرعية أيضاً التي نصوا عليها.
وإذا كان هناك رأي للشافعية في صحة بيع لبن الآدمي إذا حلب، فإنه خاص بهذا فقط، دون غيره من أجزاء الإنسان؛ إذ يحرم عندهم التصرف فيها كلا أو بعضا.
والحنابلة: يرون حرمة بيع أجزاء الإنسان، ولقد وضحوا رأيهم هذا صراحة عند عرضهم اختلاف الفقهاء في حرمة بيع لبن الآدمي إذا حلب، فالإمام أحمد روي عنه كراهته وجماعة من الحنابلة يحرمون بيعه، كالحنفية والمالكية ويعللون ذلك (بأنه جزء من آدمي فلم يجز بيعه ... ) أشبه سائر أجزائه.
وأما الرأي المخالف لذلك من بينهم والذين رأوا تصحيحه وهو جواز بيع لبن الآدمي لأنه طاهر منتفع به ... قالوا: (وإنما حرم بيع الحر، لأنه غير مملوك، وحرم بيع العضو المقطوع منه، لأنه لا نفع فيه) .
والظاهرية: يرون ـ كما سبق أن نقلناـ: (أن كل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه ومنسوب إليه - وبالله تعالى التوفيق - إلا ألبان النساء فهي حلال ... ) . ومنه يتبين حرمة بيع أجزاء الآدمي غير اللبن عندهم.
والزيدية: يقولون بأبلغ تعبير: (لا يجوز مطلقاً بيع الحر ولو شعراً بعد انفصاله، باع نفسه أو باعه غيره (٢) .ثم أوجبوا تأديب من يفعل ذلك أو تعزيزه بما يراه الحاكم.
والإمامية: أيضاً لا يجوزون بيع ما لا يملك كالإنسان الحر، ومقتضاه أنهم لا يجوزون بيعه كلا أو بعضاً؛ لأن ما لا يدخل تحت ملك الإنسان لا يجوز له التصرف فيه.
стр. 2945
والإنسان وأجزاؤه لا يدخل تحت ملك الإنسان فلا يملك نفسه، ولا يملكه غيره، وقد فهم بعض الباحثين من قول صاحب المغني: (وحرم بيع العضو المقطوع منه لأنه لا نفع فيه) تقدم النص آنفاً: أنه يريد مطلق النفع، وقال: إن الفقهاء لو رأوا نفع نقل الأعضاء كما في العصر الحديث لوافقوا على بيعها، وجعل ذلك أساساً لقوله بجواز بيع الأعضاء الآدمية.
وهذا الفهم مجاف للصواب؛ لأن المحرم مهدر النفع شرعاً، ولا يعتمد بنفعه، وإلا فكل ما في الكون من المحرمات فيها نفع، وفيها ضرر، ولكن الشرع أهدر ما فيها من نفع ولم يعتد به رغم وجوده عقلاً وحسا.
انظر إلى الخمر والميسر، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) ومع ذلك حرم الشرع شرب الخمر وبيعها والانتفاع بها، (وحرم الميسر ما قد يكون فيه من منافع) ويقول الشاطبي في موافقاته: جـ٣ ص ١٢٠.
(ومن الفوائد في ذلك أن كل ما لا منفعة فيه من المعقود عليه في المعاوضات لا يصح العقد عليه، وما فيه منفعة أو منافع لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون جميعها حراماً أن ينتفع بها، فلا إشكال في أنه جار مجرى ما لا منفعة فيه البتة) .
والثاني: أن يكون جميعها حلالا، فلا إشكال في صحة العقد به وعليه ...
والثالث: أن يكون بعض المنافع حلالا، وبعضها حراماً، فههنا معظم نظر المسألة، ثم يقول ص ١٢٢: (وما سوى ذلك مما يقصد بالبيع ولا يقصد في نفسه عادة إلا بالتبعية لا حكم له (وقد ورد تحريم الميتة وأخواتها، وقيل للنبي ﷺ في شحم الميتة: إنه تطلى به السفن ويستصبح به الناس، فأورد ما دل على منع البيع، ولم يعذرهم بحاجتهم إليه في بعض الأوقات؛ لأن المقصود وهو الأكل محرم، وقال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها)) وقال في الخمر: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها، وإن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) .
(ولا شك أن الإنسان حرام دمه، بنصوص شرعية، وحرام بيعه بنصوص شرعية أيضاً، كما سبق أن ذكرنا ـ فلا عبرة بما في جميع أعضائه من نفع إطلاقاً؛ لأن ما حرم كله حرم بعضه؛ إذ لا عبرة بأي نفع قد أهدره الشرع؛ لأن الله تعالى وضع لنا من الضوابط لما يحل ويحرم ما يحقق مصالح الناس في عاجلهم وآجلهم، ومنافعهم الحقيقة لا منافعهم الوهمية أو الظنية.
فمنافع الإنسان منها ما أجاز الشرع الحكيم وورد العقد عليه، كعقد اجارة الأشخاص، وحينئذ وضع الضوابط اللازمة لصحة هذا العقد. ومنها ما لم يجز الشرع وورد العقد عليه، ولا التصرف فيه، كبيع الآدمي الحر، أو بيع جزء منه ... ، وحينئذ يكون العقد عليه باطلاً، لا ينتج آثاراً، فضلاً عن الإثم الواقع على من يتصرف فيما لم يبح الشرع التصرف فيه.