← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وجاء في ابن عابدين: (مطلب الآدمي مكرم شرعاً ولو كافراً. ويبطل بيع شعر الإنسان لكرامة الآدمي، ولو كافراً، ذكره المصنف وغيره) حيث قال: والآدمي مكرم شرعا، وإن كان كافرا، فإيراد العقد عليه، وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له. اهـ. أي وهو غير جائز وبعضه (أي بعض الإنسان) في حكمه، وصرح في فتح القدير ببطلانه ط. قلت: وعليه أنه يجوز استرقاق الحربي وبيعه وشراؤه وإن أسلم بعد الاسترقاق؟ إلا أنه يجاب بأن المراد تكريم صورته وخلقته، ولذا لم يجز كسر عظام ميت كافر، وليس ذلك محل الاسترقاق، والبيع والشراء، بل محله النفس الحيوانية، فلذا لا يملك بيع لبن أمته في ظاهر الرواية كما سيأتي) (١) . الظاهرية: لقد أوردنا آنفاً قول الظاهرية: (وكل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه ومنسوب إليه - وبالله تعالى التوفيق - إلا ألبان النساء فهي حلال كما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق) . وهو دل دلالة واضحة على أن بيع شعر الإنسان، أو أي عضو منه حرام إلا ألبان النساء عندهم فقط. الزيدية: وما نقلناه عن الزيدية فيما سبق يدل على تحريم بيع شعور الآدميين حيث قالوا: (لا يجوز مطلقاً بيع الحر ولو شعراً بعد انفصاله، باع نفسه أو باعه غيره ... ) . ومن هذه النصوص يتضح لنا عدم جواز بيع شعر الآدمي؛ لأنه بعض الإنسان، وبعضه منسوب إليه، وقد كرم الله الإنسان وحرم بيعه، فيكون بيع شعره حراماً كحرمته هو.

стр. 2942

المبحث التاسع حكم بيع جزء من أجزاء الآدمي غير المتجددة حكم بيع جزء من أجزاء الآدمي غير المتجددة لقد خلق الله الإنسان فأبدع خلقه، وسواه فأحسن تسويته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) . وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣) فالإنسان هو أمارة القدرة الإلهية، ودليل الإبداع الإلهي، فكل ما فيه خلق لحكمة، وكل ما فيه خلق لغاية، ولم يوجد شيء فيه خلق عبثاً، أو دون حكمة أو هدف؛ إذ كل ما يصدر عنه جل شأنه كمال، وكل ما يخلقه هو قمة الإبداع. ومن ثم كانت أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة هي مكوناته، وهي حقيقته، وهي المؤلفة لوحدة هذا الجسم وتناسقه وحمايته على المدى القريب والبعيد، وهي المؤدية لغاياته، والمناط بها استمرار حياته إلى نهاية الأجل الذي كتبه الله جل شأنه له ... هذه حقيقة أولى. أما الحقيقة الثانية فهي أن كل جزء من أجزاء الإنسان خلق ليؤدي وظيفة معينة في الجسم الآدمي، ويقوم بمهام محددة ضمن الإطار العام ... ولم يخلق أي جزء فيه عبثاً، أو دون هدف، أو زائداً عن الحاجة. وأما الحقيقة الثالثة فهي أن الشريعة الإسلامية حرمت بيع الإنسان أو التصرف فيه، كما سبق أن أوضحناه. ومن ثم انبثق عن هذه الحقيقة حرمة بيع أي جزء من أجزائه غير المتجددة ظاهراً كان العضو أو باطناً، كان مكرراً كالكلى أو الخصية أو الرئة، أو غير مكرر، كالقلب أو الطحال أو الكبد.

стр. 2943

إذ هذه الأجزاء جميعها هي مكونات الآدمي من لحم وعظم، وإن أخذ كل عضو من أعضائه اسماً معيناً إلا أنها أجزاء الحقيقة، فما تأخذه الحقيقة الكلية من حكم يأخذه كل جزء من أجزائها؛ لأنها نفس واحدة، وروح واحدة، فإذا حرم التصرف في الآدمي حرم التصرف في كل جزء من أجزائه. (ومن ثم رأينا الحنفية لا يجوزون بيع شعر الإنسان ولا الانتفاع به ... ، ولا بيع لبن امرأة إذا حلب ... كما سبق أن ذكرنا ـ وعللوا ذلك بأن الآدمي مكرم شرعاً وإن كان كافراً، فإيراد العقد عليه، وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له، وإذلاله غير جائز، وبعض الإنسان في حكمه، وصرح في فتح القدير ببطلان بيعه. فسائر أجزاء الآدمي لا يجوز بيعها سواء كانت متجددة أو غير متجددة عندهم. المالكية: ولقد بين القرافي في النص المنقول آنفاً أن الأصل حرمة أجزاء الآدمي، وأن إباحة اللبن هو أنه استثنى منه الرضاع للضرورة، وقيس ما عداه على الأصل، بخلاف الأنعام بدليل تحريم لحمه تشريفاً له ... الشافعية: وقد نطق فقه الشافعية بذلك أيضاً. فقد نص الشافعية على قاعدة عامة في التصرف في الحر وهي: (الحر لا يدخل تحت اليد والاستيلاء) (١) . ومؤاده أنه لا يملك، وإذا كان الحر لا يملك، فإنه لا يجري عليه بيع ولا هبة ولا أي تصرف من التصرفات التي تجري على الشيء المملوك. كما ينصون على أنه: (يحرم جزماً على شخص قطعه (أي بعض نفسه) لغيره من المضطرين، لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستيفاء الكل ... ) وقد سبق النص. ثم ينصون على قاعدة شرعية تمنع التصرف فيما لا يحل للإنسان، ولا يدخل في ملكه وهي: (من لا يملك التصرف لا يملك الإذن فيه) (٢) .

стр. 2944

وفي قاعدة أخرى: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) (١) . ومن ثم كان محرماً على أي شخص أن يقلع جزءاً من نفسه لغيره، وإذا كان ذلك حراماً فلا يصح حينئذ أخذ عوض عنه، أو التبرع به، لأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز هبته، وما جاز بيعه جاز هبته كما هي القاعدة الشرعية أيضاً التي نصوا عليها. وإذا كان هناك رأي للشافعية في صحة بيع لبن الآدمي إذا حلب، فإنه خاص بهذا فقط، دون غيره من أجزاء الإنسان؛ إذ يحرم عندهم التصرف فيها كلا أو بعضا. والحنابلة: يرون حرمة بيع أجزاء الإنسان، ولقد وضحوا رأيهم هذا صراحة عند عرضهم اختلاف الفقهاء في حرمة بيع لبن الآدمي إذا حلب، فالإمام أحمد روي عنه كراهته وجماعة من الحنابلة يحرمون بيعه، كالحنفية والمالكية ويعللون ذلك (بأنه جزء من آدمي فلم يجز بيعه ... ) أشبه سائر أجزائه. وأما الرأي المخالف لذلك من بينهم والذين رأوا تصحيحه وهو جواز بيع لبن الآدمي لأنه طاهر منتفع به ... قالوا: (وإنما حرم بيع الحر، لأنه غير مملوك، وحرم بيع العضو المقطوع منه، لأنه لا نفع فيه) . والظاهرية: يرون ـ كما سبق أن نقلناـ: (أن كل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه ومنسوب إليه - وبالله تعالى التوفيق - إلا ألبان النساء فهي حلال ... ) . ومنه يتبين حرمة بيع أجزاء الآدمي غير اللبن عندهم. والزيدية: يقولون بأبلغ تعبير: (لا يجوز مطلقاً بيع الحر ولو شعراً بعد انفصاله، باع نفسه أو باعه غيره (٢) .ثم أوجبوا تأديب من يفعل ذلك أو تعزيزه بما يراه الحاكم. والإمامية: أيضاً لا يجوزون بيع ما لا يملك كالإنسان الحر، ومقتضاه أنهم لا يجوزون بيعه كلا أو بعضاً؛ لأن ما لا يدخل تحت ملك الإنسان لا يجوز له التصرف فيه.

стр. 2945

والإنسان وأجزاؤه لا يدخل تحت ملك الإنسان فلا يملك نفسه، ولا يملكه غيره، وقد فهم بعض الباحثين من قول صاحب المغني: (وحرم بيع العضو المقطوع منه لأنه لا نفع فيه) تقدم النص آنفاً: أنه يريد مطلق النفع، وقال: إن الفقهاء لو رأوا نفع نقل الأعضاء كما في العصر الحديث لوافقوا على بيعها، وجعل ذلك أساساً لقوله بجواز بيع الأعضاء الآدمية. وهذا الفهم مجاف للصواب؛ لأن المحرم مهدر النفع شرعاً، ولا يعتمد بنفعه، وإلا فكل ما في الكون من المحرمات فيها نفع، وفيها ضرر، ولكن الشرع أهدر ما فيها من نفع ولم يعتد به رغم وجوده عقلاً وحسا. انظر إلى الخمر والميسر، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) ومع ذلك حرم الشرع شرب الخمر وبيعها والانتفاع بها، (وحرم الميسر ما قد يكون فيه من منافع) ويقول الشاطبي في موافقاته: جـ٣ ص ١٢٠. (ومن الفوائد في ذلك أن كل ما لا منفعة فيه من المعقود عليه في المعاوضات لا يصح العقد عليه، وما فيه منفعة أو منافع لا تخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون جميعها حراماً أن ينتفع بها، فلا إشكال في أنه جار مجرى ما لا منفعة فيه البتة) . والثاني: أن يكون جميعها حلالا، فلا إشكال في صحة العقد به وعليه ... والثالث: أن يكون بعض المنافع حلالا، وبعضها حراماً، فههنا معظم نظر المسألة، ثم يقول ص ١٢٢: (وما سوى ذلك مما يقصد بالبيع ولا يقصد في نفسه عادة إلا بالتبعية لا حكم له (وقد ورد تحريم الميتة وأخواتها، وقيل للنبي ﷺ في شحم الميتة: إنه تطلى به السفن ويستصبح به الناس، فأورد ما دل على منع البيع، ولم يعذرهم بحاجتهم إليه في بعض الأوقات؛ لأن المقصود وهو الأكل محرم، وقال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها)) وقال في الخمر: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها، وإن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) . (ولا شك أن الإنسان حرام دمه، بنصوص شرعية، وحرام بيعه بنصوص شرعية أيضاً، كما سبق أن ذكرنا ـ فلا عبرة بما في جميع أعضائه من نفع إطلاقاً؛ لأن ما حرم كله حرم بعضه؛ إذ لا عبرة بأي نفع قد أهدره الشرع؛ لأن الله تعالى وضع لنا من الضوابط لما يحل ويحرم ما يحقق مصالح الناس في عاجلهم وآجلهم، ومنافعهم الحقيقة لا منافعهم الوهمية أو الظنية. فمنافع الإنسان منها ما أجاز الشرع الحكيم وورد العقد عليه، كعقد اجارة الأشخاص، وحينئذ وضع الضوابط اللازمة لصحة هذا العقد. ومنها ما لم يجز الشرع وورد العقد عليه، ولا التصرف فيه، كبيع الآدمي الحر، أو بيع جزء منه ... ، وحينئذ يكون العقد عليه باطلاً، لا ينتج آثاراً، فضلاً عن الإثم الواقع على من يتصرف فيما لم يبح الشرع التصرف فيه.

стр. 2946

المبحث العاشر حكم تبرع الإنسان بجزء من أجزائه لمنفعة شخص آخر حكم تبرع الإنسان بجزء من أجزائه لمنفعة شخص آخر بينا آنفاً حرمة بيع إنسان لعضو من أعضائه لينتفع به شخص آخر، ونوضح هنا رأي الفقه الإسلامي في حكم التبرع بأي عضو من أعضائه، على النحو التالي: بينا فيما سبق أن قواعد الفقه الإسلامي تقرر ما يلي: القاعدة الأولى: (ما جاز بيعه جازت هبته، وما لا فلا) (١) . وأصل هذه القاعدة واضح أن البيع هو مبادلة مال بمال، وأن الذي يجوز بيعه هو ما يدخل تحت ملك الإنسان، أي ما يكون مملوكاً له، وما يكون مالا، أي ما يدخل تحت سلطته. والإنسان ليس مالاً وليس مملوكاً للإنسان، بل لله تعالى، فليس لأحد سواه حق التصرف فيه ببيع أو غيره. والهبة: تمليك مال بلا عوض، فمحل الهبة هو المال، ومالك هذا المال كما يملك بيعه، يملك هبته. فإذا لم يكن الشيء مالاً فلا يجري عليه بيع ولا هبة ولا غيرهما من التصرفات الناقلة للملكية.. القاعدة الثانية: (من لا يملك التصرف لا يملك الإذن فيه) (٢) . وهذا واضح لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ليست له ولاية على الشيء لا يملك التصرف فيه، وإذا لم يملك التصرف فيه فكذلك لا يملك الإذن لغيره في التصرف فيه، فالعدم لا ينتج إلا العدم، وانعدام الأصل يترتب عليه انعدام فروعه ومنتجاته وما يترتب عليه ... فالإنسان لا يملك التصرف في الإنسان ـ لا نفسه، ولا غيره ـ وإذا لم يملك ذلك لا يملك أن يأذن لغيره في اقتطاع جزء منه لا على سبيل الهبة، ولا على سبيل البيع.

стр. 2947

الحياة حق لله تعالى وليس للإنسان خيار في هذا الحق - الحق هو كل ما استحقه الإنسان شرعاً طبقاً لما قررته الشريعة وما أرسته من أحكام وما جاءت به من نظام، فالحق مصدره الشرع، وموضوعه ومحله هو ما قرره الله للإنسان وما أثبته له، في صورة فردية أو في صورة جماعية. إذ الحقوق منها ما يتعلق به النفع العام للناس جميعها، وتسمى (حقوق الله تعالى) وقد سميت بذلك تشريفاً لها وتعظيماً حتى لا يجرؤ على انتهاكها أو المساس بها، وتدور هذه الحقوق حول العبادات بأنواعها، وموارد الدولة المالية والعقوبات؛ حفظاً للدين والنفس والعرض والمال والعقل. ومنها ما يتعلق به مصلحة خاصة بالعبد، فالأصل في هذا النوع من الحق أن منفعته الغالبة تعود إلى الشخص فقط، كما فيما ملكه من أموال ـ عيناً أو منفعة ـ ويسمى هذا النوع من الحق (حق العبد) . ولكل حق من هذين الحقين آثاره وخصائصه المستقاة من نصوص الشريعة (من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومنها: (أن حق الله تعالى لا يجري فيه عفو ولا صلح ولا إبراء، ولا يورث ويستوفيه الإمام، وأن حق العبد يجري فيه العفو والصلح والإبراء، ويورث ويستوفيه صاحبه ... ) .

стр. 2948

إذا عرفنا الفرق بين هذين الحقين فإننا نتساءل: هل جسم الإنسان وحياته هي حق من حقوق الله تعالى؟ أو هي حق من حقوق العبد؟ فإذا حددنا من أي نوع هي، ثبت لنا خصائص هذا الحق وما تميز به عن غيره. للإجابة على ذلك نقول: إن حياة الإنسان وجسمه، وكافة ما يتصل بهذا الجهاز الآدمي هي حق من حقوق الله تعالى، وليست حقاً من حقوق العبد، فليس للإنسان أن يتنازل عن حياته، أو عن جزء من أجزائه، وليس له أن يتصرف فيه بأي تصرف ناقل للملكية، ومعاوضة أو تبرعاً ... والدليل على ذلك ما يأتي: أولاً: سبق أن بينا أن المالك لكل ما في الكون ـ ومنه الإنسان ـ هو الله تعالى، فليس للإنسان ولاية على هذا الجسم إلا في حدود ما رسمه الشرع وما أباحه وأجازه له، أو عليه ... ثانياً: أن هذا الإنسان قد أوجب الله تعالى حفظ حياته، وحفظ كل جزء من أجزائه، وقرر عقوبة رادعة لكل من اعتدى على هذا الجسم كلا أو بعضاً، كما سبق بيانه. ثالثاً: أن الشرع الحكيم قد أوجب عقوبة رادعة لكل من يعتدي على نفسه ـ كلا أو بعضاً ـ كما سبق بيانه. رابعاً: أن الشرع الحكيم قد أوجب على كل من عطل جزءاً من جسمه عن العمل ولو في وقت محدود ـ وهو العقل ـ عقوبة، فشارب الخمر معاقب بعقوبة (حد شارب الخمر) . خامساً: أن إرادة الإنسان ليس لها عمل في إضاعة الحياة أو تعطيل جزء من أجزاء النفس البشرية، أياً كان هذا الجزء.

стр. 2949

يقول القرافي: وكذلك تحريمه تعالى المسكرات صوناً لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صوناً لماله، والزنا صوناً لنسبه، والقذف صوناً لعرضه، والجرح صوناً لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضا، ولم ينفذ إسقاطه، فهذه كلها وما يلحق بها من نظائرها، مما هو مشتمل على مصالح العباد حق الله تعالى؛ لأنها لا تسقط بالإسقاط، وهي مشتملة على حقوق العباد، لما فيها مصالحهم، ودرء مفاسدهم،.. (١) ولقد قرر الشاطبي في موافقاته (٢) هذا المعنى بصورة باتة فقال: (كل ما كان من حقوق الله فلا خيرة فيه للمكلف على حال، وأما ما كان من حق العبد في نفسه فله فيه الخيرة. أما حقوق الله تعالى فالدلائل على أنها ساقطة ولا ترجع لاختيار المكلف كثيرة، وأعلاها الاستقراء التام في موارد الشريعة ومصادرها، كالطهارة على أنواعها والصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أعلاه الجهاد، وما يتعلق بذلك من الكفارات والمعاملات والأكل والشرب واللباس، وغير ذلك من العبادات والعادات التي ثبت فيها حق الله تعالى أو حق الغير من العباد، وكذلك الجنايات كلها على هذا الوزن جميعاً لا يصح إسقاط حق الله فيها البتة، فلو طمع أحد في أن يسقط طهارة للصلاة أي طهارة كانت، أو صلاة من الصلوات المفروضات، أو زكاة أو صوماً أو حجا، أو غير ذلك، لم يكن له ذلك، وبقي مطلوباً بها أبداً حتى يتفصَّى عنه عهدتها، وكذلك لو حاول استحلال مأكول حي مثلاً من غير ذكاة، أو إباحة ما حرم الشارع من ذلك، أو استحلال نكاح بغير ولي أو صداق أو الربا أو سائر البيوع الفاسدة، أو إسقاط حد الزنا أو الخمر أو الحرابة أو الأخذ بالغرم والاعتداء على الغير بمجرد الدعوى عليه وأشباه ذلك، لم يصح شيء منه، وهو ظاهر جداً في مجموع الشريعة. حتى إذا كان الحكم دائراً بين حق الله وحق العبد لم يصح للعبد إسقاط حقه إذا أدى إلى إسقاط حق الله، فلأجل ذلك لا يعترض هذا بأن يقال مثلاً: إن حق العبد ثابت له في حياته وكمال جسمه وعقله وبقاء ماله في يده، فإذا أسقط ذلك بأن سلط يد الغير عليه، فإما أن يقال بجواز ذلك له أو لا، فإن قلت: لا، وهو الفقه، كان نقضاً لما أصلت؛ لأنه حقه، فإذا أسقطه اقتضى ما تقدم أنه مخير في إسقاطه، والفقه يقتضي أن ليس له ذلك، وإن قلت: نعم خالفت الشرع؛ إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه ولا أن يفوت عضواً من أعضائه ولا مالا من ماله، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) ثم توعد عليه وقال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤)

стр. 2950

وقد جاء الوعيد الشديد فيمن قتل نفسه، وحرم شرب الخمر لما فيه تفويت مصلحة العقل برهة، فما ظنك بتفويته جملة، وحجر على مبذر المال، ونهى ﵊ عن إضاعة المال، فهذا كله دليل على أن ما هو حق للعبد لا يلزم أن تكون له فيه الخيرة. لأنا نجيب بأن إحياء النفوس وكمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد، لا من حقوق العباد، وكون ذلك لم يجعل إلى اختيارهم هو الدليل على ذلك، فإذا أكمل الله تعالى على عبد حياته وجسمه وعقله الذي به يحصل له ما طلب به من القيام بما كلف به فلا يصح للعبد إسقاطه، اللهم إلا أن يبتلى المكلف بشيء من ذلك من غير كسبه ولا تسببه، وفات بسبب ذلك نفسه أو عقله أو عضو من أعضائه، فهنالك يتمحض حق العبد، إذ ما وقع مما لا يمكن رفعه، فله الخيرة فيمن تعدى عليه؛ لأنه قد صار حقاً مستوفى في الغير كدين من الديون، فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه، وتركه هو الأولى إبقاء على الكلي، قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وذلك أن القصاص والدية إنما هي جبر لما فات المجني عليه من مصالح نفسه أو جسده، فإن حق الله قد فات ولا جبر له، وكذلك ما وقع مما يمكن رفعه كالأمراض إذا كان التطبب غير واجب ودفع الظالم عنك غير واجب على تفصيل في ذلك مذكور في الفقهيات، وأما المال فجار على ذلك الأسلوب، فإنه إذا تعين الحق للعبد فله إسقاطه، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بخلاف ما إذا كان في يده فأراد التصرف فيه وإتلافه في غير مقصد شرعي يبيحه الشارع فلا، وكذلك سائر ما كان من هذا الباب. وأما تحريم الحلال وتحليل الحرام وما أشبهه فمن حق الله تعالى؛ لأنه تشريع مبتدأ وإنشاء كلية شرعية ألزمها العباد، فليس لهم فيها تحكم؛ إذ ليس للعقول تحسين ولا تقبيح، تحلل به أو تحرم، فهو مجرد تعد فيما ليس لغير الله فيه نصيب، فلذلك لم يكن لأحد فيه خيرة.

стр. 2951

فإن قيل: فقد تقدم أيضاً أن كل حق للعبد لا بد فيه من تعلق حق الله به، فلا شيء من حقوق العباد إلا وفيه لله حق، فيقتضي أن ليس للعبد إسقاطه، فلا يبقى بعد هذا التقرير حق واحد يكون العبد فيه مخيراً، فقسم العبد إذا ذاهب، ولم يبق إلا قسم واحد. فالجواب: أن هذا القسم الواحد هو المنقسم؛ لأن ما هو حق للعبد إما يثبت كونه حقاً له بإثبات الشرع ذلك له، لا بكونه مستحقاً لذلك بحكم الأصل، وقد تقدم هذا المعنى مبسوطاً في هذا الكتاب، وإذا كان كذلك فمن هنا ثبت للعبد حق ولله حق، فأما ما هو لله صرفاً فلا مقال فيه للعبد، وأما ما هو للعبد فللعبد فيه الاختيار من حيث جعل الله له ذلك، لا من جهة أنه مستقل بالاختيار. وقد ظهر بما تقدم آنفاً تخيير العبد فيما هو حقه على الجملة، ويكفيك من ذلك اختياره في أنواع المتناولات من المأكولات والمشروبات والملبوسات وغيرها مما هو حلال له، وفي أنواع البيوع والمعاملات والمطالبات بالحقوق، فله إسقاطها، وله الاعتياض منها، والتصرف فيما بيده من غير حجر عليه إذا كان تصرفه على ما ألف من محاسن العادات، وإنما الشأن كله في فهم الفرق بين ما هو حق الله وما هو حق للعباد، وقد تقدمت الإشارة إليه في آخر النوع الثالث من هذا الكتاب، والحمد لله) . ومن هنا يتبين لنا أن حياة الإنسان، وأن أجزاء النفس الآدمية هي جميعها من حقوق الله تعالى، وأن ما كان حقاً لله تعالى فلا يملك فيه الإنسان تصرفاً، بيعاً أو شراء أو تبرعاً، أو بعبارة أخرى لا يجري فيه عفو ولا صلح ولا إبراء ولا بيع ولا شراء ولا تبرع..) .

стр. 2952

المبحث الحادي عشر حكم أخذ الطبيب أجرة على قطع عضو صحيح من أعضاء الإنسان لا تدعو الحاجة إلى قطعه حكم أخذ الطبيب أجرة على قطع عضو صحيح من أعضاء الإنسان لا تدعو الحاجة إلى قطعه لقد تناول الفقه الإسلامي بدقة بيان الحكم إذا استؤجر الطبيب على قطع عضو صحيح من أعضاء الإنسان دون حاجة إلى قطعه، أو دون ضرر من بقائه على صاحبه، ونعرض فيما يلي آراء الفقهاء في هذا الموطن ثم نتبعها بالمقارنة والترجيح: أولاً: النصوص الفقهية: (١) الحنفية: جاء في رد المحتار جـ٥ ص ٧٦: (تفسخ الإجارة بعقد لزوم ضرر لم يستحق بالعقد، إن بقي العقد، كما في سكون ضرس استؤجر لقلعه ... ) ثم علق ابن عابدين على: (بعذر) بقوله: (فلا تفسخ الإجارة بدون العذر) وعلى قوله: (كما في سكون ضرس..) التقييد بسكون الضرس ... يفهم منه أنه بدونه لا يكون له الفسخ، قال الحموي: وفي المبسوط إذا استأجره ليقطع يده للأكلة ... ثم بدا له في ذلك كان عذراً؛ إذ في إبقاء العقد إتلاف شيء من بدنه أو ماله، وهذا صريح في أنه لو لم يسكن الوجع يكون له الفسخ اهـ. أقول: وفي جامع الفصولين: كل فعل هو سبب نقص المال أو تلفه فهو عذر لفسخه، كما لو استأجره ليخيط له ثوبه، أو ليقصر، أو ليقطع، أو يبني بناء، ثم ندم، له فسخه اهـ. (زاد في غاية البيان عن الكرخي: أو ليفصد، أو ليحجم، أو يقلع ضرساً له، ثم يبدو ألا يفعل فله في ذلك كله الفسخ؛ لأن فيه استهلاك مال، أو غرماً، أو ضرراً اهـ.) . ويتضح من هذا أن الإجارة تفسخ إذا سكن ألم الضرس، لزوال سبب قلعه، فإذا لم يكن هناك ألم إطلاقاً فلا يصح قلعه، بل إن المؤجر له أن يفسخ عقد الإجارة ولو لم يسكن الألم؛ لأن في بقاء العقد إتلاف شيء من بدنه أو ماله، وإتلاف شيء من بدنه أو ماله لا يجوز) . (ب) المالكية: جاء في حاشية الدسوقي جـ٥ ص ٣٠: (وفسخت الإجارة على سن لقلع فسكنت، أي فسكن ألمها قبل القلع، ووافقه الآخر على ذلك، وإلا لم يصدق إلا لقرينة، وفائدة عدم التصديق لزوم الأجرة، لا أنه يجبر على القلع، وما ذكرناه من عدم تصديق ربها إذا نازعه الحجام، وقال له: إنه سكن ألمها، هو قول ابن عرفة، واستظهر بعض المشايخ عج خلاف ما قاله ابن عرفة فقال: إنه يصدق في سكون الألم إلا لقرينة تدل على كذبه، لأنه أمر لا يعرف إلا منه..) . ويتضح من كلام المالكية أن الإجارة تفسخ إذا سكن الألم الذي من أجله اتفق مع الطبيب على قطع العضو موضع الألم، فإذا لم يكن هناك ألم أو مرض يوجب قطعه فلا تصح الإجارة، وهذا ما صرح به الشافعية فيما يلي:

стр. 2953

(ج) نص الشافعية: (الرملي جـ٥ ص ٢٧٠، وقليوبي جـ٣ ص ٧٠، ٧٨) على ذلك فقالوا: (لا يجوز الاستئجار على خلع سن صحيحة، بخلاف الوجيعة التي يقرر أهل الخبرة زوال ألمها بالقطع. وشرط الطبيب عند الشافعية أن يكون ماهراً، بمعنى أن يكون خطوه نادراً، وإن لم يكن ماهراً في العلم فيما يظهر، فإن لم يكن كذلك لم يصح العقد، ورجع عليه بما أخذه من أجرة أو غيرها..) . (د) كما نص الحنابلة: على ذلك، فقد جاء في كشف القناع: جـ٣ ص ٥٦٥: (ولا تصح إجارة لقلع سن سليمة، أو قطع يد سليمة، وكذا سائر الأعضاء) . كما جاء أيضاً في نفس المرجع في مبحث الإجارة جـ٤ ص ٣٠٠ ـ ٣٠٢: (وتصح الإجارة على قطع شيء من الجسد للحاجة للقطع؛ لأن ذلك منفعة مباحة، ولا يكره أكل أجرته. (ويحرم قلع شيء من الجسد عند عدم الحاجة للقطع، ولا يصح الاستئجار له) . وجاء في المغني مع الشرح الكبير جـ٦ ص ١٢٦: (ويجوز أن يستأجر من يقلع ضرسه؛ لأنها منفعة مباحة مقصورة، فجاز الاستئجار على فعلها كالختان، فإن أخطأ فقلع غير ما أمر بقلعه ضمنه؛ لأنه من جنايته، وإن برأ الضرس قبل قلعه انفسخت الإجارة؛ لأن قلعه لا يجوز، وإن لم يبرأ، لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر عليه؛ لأن إتلاف جزء من الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضرراً، وذلك مفوض إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلاً لذلك، وصاحب الضرس أعلم بمضرته ومنفعته وقدر المدة) .

стр. 2954

(هـ) الزيدية: وأيد هذا الزيدية: جاء في التاج المذهب جـ٣ ص ١١٨: أن الإجارة الصحيحة يثبت فيها الفسخ بـ (العذر الزائل معه الغرض بعقدها من المستأجر، أو العين المستأجرة، نحو أن يستأجر من يقلع له سناً، أو يقطع عضواً حصلت به علة، ثم شفي، فإنها تبطل الإجارة) . وجاء في شرح الأزهار: جـ٣ من ٢٥٠ عند بيان شروط المنفعة التي يصح عقد الإجارة عليها (أن يكون في منفعة مقدورة للأجير ... ، وإلا لم يصح، كالطير في الهواء والحوت في البحر، ومنه ما يتعذر لمانع شرعي كالحائض لكنس المسجد، أو لقلع السن الصحيح ... ) . (ومن هذا يتبين أن العضو لا يصح إجراء عقد على قطعه؛ إذ يوجد مانع شرعي يمنع من صحة هذا العقد؛ لأن الشرع صان الأجزاء الصحيحة من الإنسان، كما صان الإنسان كله. (و) الإمامية: جاء في المختصر النافع ص ١٧٦: أن من شروط صحتها: (أن تكون المنفعة مباحة) . (ولا شك أن قطع عضو صحيح من الإنسان لا يكون مباحاً إلا إذا وجد دليل شرعي من قرآن وسنة يوجب قطعه، كما في القصاص فيما دون النفس، أو في حد السرقة أو الحرابة، فإذا لم يوجد دليل يوجب ذلك فحرمة النفس قائمة وأجزاؤها مصونة، ولا تنال إلا بحق. الترجيح: يتضح لنا مما تقدم اتفاق الفقهاء على بطلان عقد الإجارة إذا كان محل هذا العقد قطع عضو صحيح من الإنسان، دون علة أو مرض؛ صيانة لنفس الإنسان وحفاظاً عليه، ومنعاً للأيدي أن تمتد إليه، بل أوجب المشرع الحكيم عقوبة لمن ينال من هذه النفس كلاً أو بعضاً كما سيأتي بيانه..

стр. 2955

المبحث الثاني عشر أثر رضا المقطوع عضوه على درء العقوبة عن القاطع أثر رضا المقطوع عضوه على درء العقوبة عن القاطع - إذا رضي الشخص بأن يقطع منه عضو من أعضائه، أو تزهق روحه، فهل هذا الرضا يؤثر في درء عقوبة القصاص على من باشر قطع هذا العضو أو أزهق هذه الروح؟ لقد اختلف الفقهاء في موجب هذا العمل إلى رأيين: الرأي الأول: يرى الحنفية (غير الإمام زفر) والشافعية أنه لا قصاص على الجاني في هذه الحالة؛ لأنه لما أذن له في قتله أو قطع عضو من أعضائه فقد تمكنت في عصمة دمه شبهة الإباحة، والشبهة في باب القصاص لها حكم الحقيقة. وإذا قيل بسقوط القصاص فالأظهر عند الشافعية أنه لا تجب الدية، وهو رواية عن أبي حنيفة وقول لأبي يوسف ومحمد لوجود الإذن بقتله، (أو قطعه) ويرى أبو حنيفة في رواية صححها عند فقهاء المذهب أنه تجب الدية في القتل، ولا تجب في القطع، وفي رواية عند الشافعية: تجب الدية في القتل والقطع؛ وذلك لأن القصاص قد سقط لوجود الشبهة، والشبهة تمنعه، ولكنها لا تمنع وجوب المال، فتجب الدية عمن باشر القتل أو القطع. الرأي الثاني: يرى المالكية، والإمام زفر من الحنفية، والزيدية والظاهرية وجوب القصاص على الجاني ولا عبرة برضا المجني عليه؛ لأن الحق بعد الموت انتقل إلى ورثة المجني عليه ... ولأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ((على المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)) وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما الطاعة في المعروف)) فإذا أمره بقتله أو قطع عضو من أعضائه لا يحل له أن يفعل، وإن فعل اقتص منه في النفس عندهم جميعاً، وإن كانت الجناية على ما دون النفس، أي: على عضو من أعضائه، اقتص منه عند الزيدية والظاهرية.

стр. 2956

وإيجاب القصاص في الجميع هو الذي نراه راجحاً شرعاً؛ لأن أمره لا يحل ما حرم الله تعالى للحديث: ((المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) وإذا كان الله تعالى قد شدد عقوبة قاتل نفسه، وهو حين يقتل إنما يقتل نفسه، فكيف نعتد بأمره للغير بالنيل من نفسه أو عضو من أعضائه، وهو لا يملك من نفسه شيئاً، ولذلك عوقب بجنايته. جاء في المحلى لابن حزم: فيمن أمر آخر بقطع يده أو يقتل ولده أو عبده أو بقتله نفسه: حدثنا عبد الله بن ربيع، نا عبد الله بن محمد بن عثمان، نا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار قال: (إن رجلاً قال لعبده: اقطع أذني وأنت شريكي في الدية. ففعل، فاختصموا إلى ابن الزبير، فقامت البينة على قوله، فأبطل ديته. قال علي: قد أوجب الله تعالى في النفس الدية إن أرادها ولي المقتول على لسان نبيه ﷺ ، وأوجب الله تعالى أيضاً كذلك دية الأصابع على ما ذكرنا قبل، وحرم الله طاعة أحد من الناس في معصية الله تعالى. وقد ذكرنا كل ذلك بإسناده فيما سلف من ديواننا: حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا قتيبة، نا ليث - هو ابن سعد - عن عبد الله - هو ابن عمر - عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) وبه إلى مسلم: نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر غندر، نا شعبة، عن زبيد، عن سعيد بن عبيد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما الطاعة في المعروف)) . قال أبو محمد: فحرام على كل من أُمر بمعصية أن يأتمر لها، فإن فعل فهو فاسق عاص لله تعالى، وليس له بذلك عذر، وكذلك الآمر في نفسه بما لم يبح الله تعالى له فهو عاص لله تعالى فاسق، ولا عذر للمأمور في طاعته، بل الأمر والذي يؤمر سواء في ذلك، فالواجب أن يجب للآمر إنساناً بقطع يد الآمر نفسه بغير حق، أو بقتل عبده أو بقتل ابنه، ما يجب له لو لم يأمر بذلك من القود أو الدية؛ لأن وجود أمره بذلك باطل لا حكم له في الإباحة أصلاً، وكذلك من أباح لآخر أن يقتله ففعل، فلأولياء المقتول القود أو الدية، وقد قال مالك: من أمر آخر بقتل عبده فقتله فلا شيء على المأمور. وقال الشافعي: من أمر آخر بقطع يد الآمر فلا شيء على القاطع. قال علي: وهذان القولان في غاية الفساد لما ذكرناه، والعجب أنهم أصحاب قياس بزعمهم، وهم لا يختلفون فيمن أمر إنساناً بأن يزني بأمته نفسه ففعل، أن الحد عليه، فإن قالوا: إن له بعد قطع يده وقتل أبيه، أن يعفو وليس له بعد الزنا بأمته، قبل وقت العفو لم يأت بعد، فليس له أن يعفو، وهم لا يختلفون فيمن قال: من قتل ابن عمي فلان بن فلان فقد عفوت عنه فقتله قاتل، فإن له القود، فبطل نظيرهم. وبالله تعالى التوفيق) .

стр. 2957

المبحث الثالث عشر الإيثار - تفسير الآية التي ورد فيها الإيثار. - حقيقة الإيثار. - المفسرون ومعنى الآية. - الإيثار بالقرب. - الإيثار بالمال. - الإيثار بالنفس. الإيثار قد يحتج بعض الناس عند الاستدلال لقولهم بجواز نقل عضو من إنسان حي إلى آخر إنقاذاً لحياته بأنه من باب (الإيثار) ، والإيثار خلق محمود وصفة مشروعة مدح الله تعالى بها صحابة رسول الله ﷺ في قوله تعالى بشأن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) . فهذه الآية تحدثت عن الأنصار ووصفتهم بأربع صفات: ١- أنهم الذين اعتقدوا الإيمان وأخلصوه من قبل كثير من المهاجرين. ٢- وأن الأنصار من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. ٣- وأن الأنصار لا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة، وما خصوا به من أموالهم الفيء وغيرها. قال الحسن البصري: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يعني الحسد ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قال قتادة: فيما أعطي إخوانهم من المهاجرين مما أفاء الله عليهم وقسمه الرسول ﷺ من أموال بني النضير. ٤- وأنهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي يؤثرون على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى، بل مع احتياجهم إليها.

стр. 2958

ونورد فيما يلي بعضاً من الأحاديث الواردة في سبب النزول: في الترمذي عن أبي هريرة: أن رجلاً بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ قال: هذا حديث حسن صحيح. خرجه مسلم أيضاً. وخرج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: ((من يضيف هذا الليلة ﵀؟)) فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم (١) بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: ((قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)) (٢) وفي رواية عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه. فقال: ((ألا رجل يضيف هذا ﵀) ؟ فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة. فانطلق به إلى رحله ... وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه نزول الآية (٣) . وذكر المهدوي عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار، نزل به ثابت، يقال له: أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية. وقدم ما كان عنده إلى ضيفه.. ذكر النحاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار، يقال له: أبو المتوكل، ثابت بن قيس ضيفاً، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية. فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقيل: (إن فاعل ذلك أبو طلحة. وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم: وقال ابن عمر أهدى لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا. فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ذكره الثعلبي عن أنس قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهوداً، فوجه به إلى جار له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ للأنصار يوم بني النضير: ((إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا)) . فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة. فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ . الآية. والأول أصح. وإذا عرفنا سبب النزول فإنه يلزمنا الآن أن نبين حقيقة الإيثار ومتى يكون أو بأي شيء يكون؟ ثم حكمه ...

стр. 2959

حقيقة الإيثار لغة واصطلاحاً: الإيثار لغة: مأخوذ من آثر، يقال: آثرته به، أي: خصصته به وفضلته (١) . الإيثار اصطلاحاً: عرف بتعريفات منها: (أ) هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية؛ رغبة في الحظوظ الدينية ... (٢) (ب) الإيثار: هو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه (٣) . والإيثار أرفع درجة في السخا؛، إذ السخاء هو بذل ما يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج، والبذل مع الحاجة أشد، وليس بعد الإيثار درجة في السخاء، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة ﵃ فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . منشأ الإيثار: ينشأ الإيثار عن (قوة اليقين بالله، وغاية المودة، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة) ، وذلك يختلف باختلاف أحوال المؤثرين، كما روي في الآثار أن النبي ﷺ قبل من أبي بكر ماله، ومن عمر نصف ماله، ورد أبا لبابة وكعب بن مالك إلى الثلث، لقصورهما عن درجتي أبي بكر وعمر؛ إذ لا خير له في أن يتصدق ثم يندم فيُحْبِط أجرَه ندمُه. - هذا هو المنشأ الحقيقي للإيثار في نظر الإسلام. أما الإيثار من أجل الحصول على المال، أو الجاه، أو الذكر الحسن وما إلى ذلك من أسباب النفع الدنيوي، فإنه لا يكون إيثاراً، ولكنه يكون بيعاً وتجارة، وهو بيع وتجارة فيما حرم الله بيعه أو التجارة فيه، فيكون حراماً.

стр. 2960

رأي المفسرين في معنى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . ١- القرطبي: (أي يؤثرون على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى، بل مع احتياجهم إليها) (١) . ٢- ابن كثير: (أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك) وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((أفضل الصدقة جهد المقل)) . وهذا المقام أعلى من حال من وصف الله تعالى بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٣) فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه، ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم إلى ما أنفقوه) (٤) . ٣- الطبري: (يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم) ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يقول: (ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم) ٤- الألوسي: ( ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ . (أي يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من الطيبات، حتى إن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحداً منهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي حاجة) (٥) . ٥- الخطيب الشربيني: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (فيبذلون لغيرهم كائناً من كان ما في أيديهم، فإن الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة والصبر على المشقة، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة عن الرذائل؛ فإن النفس إذا طهرت كان القلب أطهر ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي فقر وحاجة إلى ما يؤثرون به) .

стр. 2961

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . القرطبي: (الشح والبخل سواء، وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل، وفي الصحاح: الشح البخل مع حرص. ثم ساق تفسير بعض الصحابة وبعض التابعين لمعنى الشح، بعد أن ذكر أن من يؤثر على نفسه مع حاجته فقد وقي شح نفسه وأفلح فلاحاً لا خسارة بعده ... والمراد بالآية: الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة، وما شاكل ذلك، فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه. ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه، وروى الأسود عن ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت؟ قال: وما ذاك؟ قال سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئاً. فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل. ففرق ﵁ بين الشح والبخل، وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام، لا يقنع. ابن جبير: الشح منع الزكاة وادخار الحرام. ابن عيينة: الشح الظلم. الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان فذلك الشحيح. ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً (لشيء) نهاه الله عنه ولم يدعه الشح (على أن يمنع شيئاً من شيء) أمره الله به، فقد وقاه الله شح نفسه. وقال أنس: قال النبي ﷺ : ((برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة)) . وعنه أن النبي ﷺ كان يدعو: ((اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووساوسها)) . وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلاً في الطواف يدعو: اللهم قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك شيئاً، فقلت له فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. قلت: يدل على هذا قوله ﷺ : ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) . وقد بيناه في آخر (آل عمران) (١) . وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبداً.

стр. 2962

ما يكون فيه الإيثار على ضوء ما أورده العلماء فيما يؤثر الإنسان به غيره، نجدنا في حاجة إلى أن نقسم هذا البحث إلى ثلاث فترات: الأولى حكم الإيثار بالقرب أي ما يتقرب به إلى الله. الثانية الإيثار بالمال، والثالثة الإيثار بالنفس. الإيثار بالقرب: تناول هذه الموضوعات الإمام السيوطي فقال: (الإيثار في القرب مكروه، وفي غيرها محبوب، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . قال الشيخ عز الدين: لا إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة، ولا بستر العورة ولا بالصف الأول؛ لأن الغرض بالعبادات التعظيم والإجلال، فمن آثر به فقد ترك إجلال الله وتعظيمه. وقال الإمام: لو دخل الوقت، ومعه ماء يتوضأ به، فوهبه لغيره ليتوضأ به، لم يجز. لا أعرف فيه خلافاً؛ لأن الإيثار إنما يكون فيما يتعلق بالنفوس، لا فيما يتعلق بالقرب والعبادات. وبعد أنقل آراء فقهاء الشافعية في الإيثار بالقرب هل هو مكروه، أو خلاف الأولى، أو حرام، قال: (قلت: ليس كذلك، بل الإيثار إن أدى إلى ترك واجب فهو حرام، كالماء، وستر العورة ... وأشباه ذلك، وإن أدى إلى ترك سنة، أو ارتكاب مكروه فمكروه، أو لارتكاب خلاف الأولى ما ليس فيه نهي مخصوص فخلاف الأولى، وبهذا يرتفع الخلاف. الإيثار بالمال: اتفق العلماء على أن الإيثار بالمال فضيلة من الفضائل، وكمال مروءة، وقوة في الإيمان والاعتقاد، واحتراز عن حظ النفس ولذائذها وهو منق لها، ورافع درجاتها إلى أعلى درجات السخاء. ولقد رأينا فيما مضى من البحث في تفسير الآية الكريمة: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ أن المفسرين جعلوا هذا الإيثار في حظ الدنيا، من مأكل أو ما شابهه، وآية ذلك سبب نزول الآية؛ فإن سبب نزولها وإن تعددت الروايات بشأنه إلا أنها جميعها تدور حول الإيثار بالمال مع الحاجة إليه. كما رأينا أن العلماء حينما عرفوا الإيثار جعلوه (تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا أو الجود بالمال مع الحاجة إليه) ، وبذلك اعتبروه أعلى درجات السخاء والجود؛ إذ السخاء هو بذل مال إلى إنسان آخر، محتاج أو غير محتاج، لكن الإيثار هو بذل ما يحتاج إليه لمحتاج آخر.

стр. 2963

حكم الإيثار بالمال: - الإيثار بالمال تارة يكون مستحباً، وتارة يكون مكروهاً ... يفصل ذلك ويقرر الأحوال التي يكون فيها الإيثار مرغوبا، والأحوال التي يكون فيها مكروهاً. الجصاص يقول: قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الخصاصة: الحاجة، فأثنى الله على الأنصار بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم فيما ينفقونه عليهم، وإن كانوا هم محتاجين إليه. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أن رجلاً قال له: معي دينار. فقال: ((أنفقه على نفسك)) فقال: معي دينار آخر. فقال: ((أنفقه على عيالك)) فقال: معي دينار آخر. قال: ((تصدق به)) . (وروي أن رجلاً جاء ببيضة من ذهب فقال: يا رسول الله، أتصدق بهذه، فإني ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، فجاءه من الشق الآخر، فأعرض عنه، إلى أن أعاد القول، فأخذها رسول الله ﷺ ورماه بها، فلو أصابته لعقرته، ثم قال: ((يأتيني أحدكم بجميع ما يملك، فيتصدق به، ثم يقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى)) . (وروي أن رجلا دخل المسجد، والنبي ﷺ يخطب، والرجل بحال بذاذة، فحث النبي ﷺ على الصدقة، فطرح قوم ثياباً ودراهم، فأعطاه ثوبين ثم حثهم على الصدقة، فطرح الرجل أحد ثوبيه، فأنكره النبي ﷺ . ففي هذه الأخبار كراهة الإيثار على النفس والأمر بالإنفاق على النفس، ثم الصدقة بالفضل. قيل له: إنما كره النبي ﷺ ذلك؛ لأنه لم يثق منه بالصبر على الفقر، وخشي أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، ألا ترى أنه قال: يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به، ثم يقعد يتكفف الناس، فإنما كره الإيثار لمن كانت هذه حاله، فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على النفس فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ فكان الإيثار منهم أفضل من الإمساك. والإمساك ممن لا يصبر، ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار.

стр. 2964

ويقول السيوطي: الإيثار في القرب مكروه، وفي غيرها محبوب، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ومعنى هذا أن الإيثار بالمال محبوب، ومرغوب فيه، أي (مستحب) . ويقول الشيخ أبو محمد في الفروق: من دخل عليه وقت الصلاة، ومعه ما يكفيه لطهارته، وهناك من يحتاجه للطهارة لم يجز له الإيثار، ولو أراد المضطر إيثار غيره بالطعام لاستبقاء مهجته، كان له ذلك، وإن خاف فوات مهجته. والفرق أن الحق في الطهارة لله، فلا يسوغ فيه الإيثار، والحق في حال المخمصة لنفسه. وقد علم أن المهجتين على شرف التلف، إلا واحدة تستدرك بذلك الطعام فحسن إيثار غيره على نفسه. ويقوي هذا الفرق مسألة المدافعة، وهي أن الرجل إذا قصد قتله ظلماً وهو قادر على الدفع، غير أنه يعلم أن الدفع ربما يقتل القاصد فله الاستسلام (١) . وهذا رأي الشافعية في مسألة المدافعة خالفهم فيه جمهور الفقهاء الذين يرون أن الدفاع عن النفس واجب، وليس جائزاً وحينئذ ما رأى السيوطي أنه يقوي قول الشافعية في جواز أن يقدم الإنسان الطعام الذي ينقذ حياته لغيره إنقاذاً لحياة ذلك الغير، ليس على إطلاقه، بل هناك رأي في المذهب في مسألة المدافعة يتفق مع جمهور الفقهاء في ضرورة أن يحافظ الإنسان على حياته، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ وقال ﷺ : ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)) .. رواه مسلم

стр. 2965

وقد أورد ابن نجيم الحنفي، ما يشهد لهذا الرأي الراجح، ويؤيد ما قيده الجصاص فيقول: (رأيت في الهبة من منية المفتي: فقير محتاج معه دراهم، فأراد أن يؤثر على نفسه، إن علم أنه يصبر على الشدة فالإيثار أفضل وإلا فالإنفاق على نفسه أفضل، انتهى) (١) . الترجيح: من كل هذا يتبين لنا ما يأتي: أن الإيثار بالمال، والمال الأصل فيه البذل والعطاء، والتسامح والتساهل، قال ﷺ : ((رحم الله رجلاً سهلاً إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى)) وإذا كان الأصل في المال هو هذا، فإن الإيثار بالمال يكون مرغوباً فيه ومحبوباً، إذا كان الإنسان يستطيع الصبر على الفقر ويأمن ألا يسأل الناس أعطوه أو منعوه، بأن كان له من أسباب الكسب ما يجعله مطمئناً إلى غده. أما إذا كان لا يستطيع الصبر على الفقر، ويخشى أن يتعرض للمسألة وأن يتكفف الناس فيكره له أن يتصدق. وقد رأينا في الأحاديث المتقدمة كيف أن النبي ﷺ رد صدقة من تصدق بجميع ماله، ثم قال: ((يأتيني أحدهم بجميع ما يملك، فيتصدق به، ثم يقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى)) ، وأنكر ﷺ صدقة من تصدق بأحد ثوبين، ففي هذه الأخبار كراهة الإيثار على النفس، والأمر بالإنفاق على النفس، ثم الصدقة بالفضل. فإمساك المال ممن لا يصبر على الفقر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار، ويمكن أن نقول في هذه الحالة: إنه مكروه، والكراهة نوع من الحرمة، وما ذلك إلا لأنه عرض نفسه لما يذلها ويحوجها، وهي النفس التي كرمها الله تعالى، وأوجب تكريمها حية أو ميتة. كما يتبين لنا أن هذا الحكم، وهو كون الإيثار تارة يكون مرغوباً وتارة يكون مكروهاً محوره المال، وحظوظ النفس الدنيوية بالجود ببعض أو كل ما يملك الإنسان من متاع الدنيا وزينتها، وليس المال إلا مطية للإنسان، وأمراً عارضاً يغدو ويروح، يكثر ويقل، والإنسان نفسه باق ما شاء الله له البقاء يحصل من المال ما وفقه الله إلى تحصيله وجمعه، وكان الإنفاق والتصدق والعطاء منه وبه أمراً مطلوباً شرعاً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ فالأصل في المال البذل والعطاء كما سبق أن ذكرنا، وذلك بخلاف النفس؛ إذ الأصل فيها الحرمة، لا تنال كلا أو بعضاً إلا بحق، قال تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ومن هنا يفترقان.

стр. 2966

الإيثار بالنفس: تعرض بعض العلماء للإيثار بالنفس، ونورد فيما يلي بعضاً من ذلك ثم نورد تحليلاً لما ورد بشأنه: يقول ابن العربي ومثله القرطبي (١) : (الإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس، ومن الأمثال السائرة: والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٢) ومن عبارات الصوفية في حد المحبة: أنها الإيثار، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف ﵇ آثرته على نفسها بالتبرئة، فقالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ثم قال: وأفضل الجود بالنفس الجود على حماية الرسول ﷺ ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ يوم أحد، ((وكان النبي ﷺ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله، لا يصيبونك، نحري دون نحرك. ووقى بيده رسول الله ﷺ فَشَلَّتْ)) . وكلام هذين العالمين الجليلين في هذا المقام هل يعني أن الإنسان يحل له أن يؤثر غيره على نفسه بحياته، أو بعضو من أعضائه؟؟ وأقول للإجابة على ذلك: أولاً: إن الآية الكريمة كانت في الإيثار بالمال، أي: بحظوظ الدنيا ولذائذها ـ كما قال المفسرون، وكما عرفوا به الإيثار ـ طلباً ورغبة في النعيم الأخروي، ولم تكن في تقديم عضو من أعضاء الإنسان لغيره.

стр. 2967

ثانياً: إن ما ورد في الحديث الشريف من أن أبا طلحة ترس للنبي ﷺ يوم أحد، هذا موضوع آخر، فالجهاد في سبيل الله يكون بالمال، ويكون بالنفس، وكونه بالنفس معناه تقديمها حماية لحرمات الإسلام والذود عنه، ورد الأعداء مهزومين، ويكون ذلك بأمور، منها الهجوم على الأعداء، ومنها حماية القادة والوقوف سدا منيعاً أمام النيل منهم، وإبعاداً للأعداء عنهم، حتى يتم التخطيط السليم للمعركة وإدارتها الإدارة المحكمة. وقد كان ما فعله أبو طلحة من هذا النوع ﵁. ثالثاً: أن حفظ الحياة هدف عظيم، ومصلحة من المصالح الضرورية، كما سبق أن ذكرنا، فالحياة لا يعرضها الإنسان للتهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . وأما في أثناء الجهاد، فيجب أن يتقدم الإنسان نحو الأعداء، ويقتحم جمعهم اقتحاماً لا يعرف التردد، ويقدم روحه فداء لدينه ووطنه، فإن لم يفعل كان من العصاة الآثمين المرتكبين لكبيرة من الكبائر، وهي: " التولي يوم الزحف "، فإذا تراجع إلى الخلف، لغير خدعة أو مكيدة حل قتله؛ لأنه آثر حياته على حياة دينه ووطنه، وفي ذلك شر عظيم، فالأرواح في الجهاد مبذولة، وفي السلم والأمن مصانة، وشتان بين الحالتين. ولذلك أرى أن دائرة الإيثار ليست مطلقة في كل شيء، فهي في الحظوظ الدنيوية. ولذلك وجدنا الإمام السيوطي يقول في الإيثار في القرب وفي العبادات: (بل الإيثار إن أدى إلى ترك واجب فهو حرام، كالماء وساتر العورة والمكان في جماعة لا يمكن أن يصلي فيه أكثر من واحد، ولا تنتهي النوبة لآخرهم إلا بعد الوقت وأشباه ذلك. وإن أدى إلى ترك سنة أو ارتكاب مكروه فمكروه، أو لارتكاب خلاف الأولى، مما ليس فيه نهي مخصوص فخلاف الأولى. إذن لا بد من البحث في حكم الشيء المأثور به الغير، هل يؤدي الإيثار به إلى ترك واجب، فإن أدى إلى ذلك كان حراماً. ونعلم جميعاً أن حفظ النفس أمر واجب، وإبعاد الضرر عنها أمر واجب، وهذا بالإجماع، وتعريضها للخطر أو للتهلكة أمر منهي عنه، فهو حرام. ومن ثم يكون الإيثار بالنفس ذاتها وبجسم الإنسان أو أعضائه حراماً ولا يجوز الإقدام عليه ما عدا ما ذكرناه في أمر الجهاد في سبيل الله تعالى.

стр. 2968

أقسام الضرر يقول العز بن عبد السلام ج٢ ص ٨٥: (وأسباب الضرر أقسام: أحدها: ما لا يتخلف سببه عنه ـ إلا أن يقع معجزة لنبي أو كرامة لولي ـ كالإلقاء في النار وشرب السموم المذففة، والأسباب الموجبة، فهذا ما لا يجوز الإقدام عليه في حال اختيار ولا في حال إكراه؛ إذ لا يجوز للإنسان قتل نفسه بالإكراه، ولو أصابه مرض لا يطيقه لفرط ألمه لم يجز قتل نفسه.... والقسم الثاني: ما يغلب ترتب مسببه عليه، وقد ينفك عنه نادراً فهذا أيضاً لا يجوز أيضاً الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال. القسم الثالث: ما لا يترتب مسببه إلا نادراً، فهذا لا يحرم الإقدام عليه لغلبة السلامة من أذيته، كالماء المشمس في الأواني المعدنية في البلاد الحارة، فإنه يكره استعماله مع وجدان غيره خوفاً من وقوع نادر ضرره، فإن لم يجد غيره تعين استعماله لغلبة السلامة من شره؛ إذ لا يجوز تعطيل المصالح الغالبة بوقوع المفاسد النادرة. كذلك فإن بقاء الحياة مع الإيثار أمر لا بد من أن يكون مراعى، فإذا أقدم إنسان في مخمصة على إعطاء ما ينقذ حياته إلى غيره، لينقذه من مخمصة كان آثماً؛ لأنه ألقى نفسه في التهكلة، وذلك منهي عنه بنص الآية الكريمة. فالإيثار يكون فيما يمكن للإنسان الصبر عليه مع بقاء حياته، لا بما ينقذ حياته. والأحاديث الشريفة السابقة تدل على ذلك، وهو بصيغة الأمر: (ابدأ بنفسك) .

стр. 2969

ويؤيد هذا ويدعمه ما ورد في تفسيره الآيتين التاليتين: الآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الآية. النساء: ٢٩. يقول القرطبي: (أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضاً، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الضرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: ولا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي، وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل خوفاً على نفسه منه، فقرر النبي ﷺ احتجاجه، وضحك عنده ولم يقل شيئاً. أخرجه أبو داود وغيره (١) .

стр. 2970

وأورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) . وفي الصحيحين: ((من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)) . وفي الصحيحين أيضاً عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : ((كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح فأخذ سكيناً فجر بها بيده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله :عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة)) (١) . ومن هذه التفاسير للآية الكريمة نأخذ ما يلي: أولاً: أن الإنسان يجب عليه أن يحافظ على حياته، ويجب عليه ألا يقدم نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال. (فإذا قصد ذلك كان فعله حراماً، وكان آثما وكان قاتلاً لنفسه، وإننا نرى الآن أن تقديم الأعضاء للآخرين احتوى غالباً على نظر دنيوي عماده ما يقدمه الآخذ للمعطي من مال أو ما يحرزه من وراء ذلك من كسب. ثانياً: أن حمل النفس على الغرر المؤدي إلى الهلاك ممنوع شرعاً أخذاً من هذه الآية الكريمة. والغرر في اصطلاح العلماء، هو ما تردد بين السلامة والعطب) (٢) . وهل استئصال عضو من إنسان لينتفع به شخص لا يجعل المتبرع في مرحلة التردد بين السلامة والعطب؟ نعم المتبرع، مهما تقدم الطب، هو في أثناء استئصال عضوه، هو في مرحلة الغرر المؤدي للهلاك، أي مرحلة التردد بين السلامة والعطب، فيكون هذا العمل ممنوعاً أيضاً ومحرماً، وفاعله يكون آثماً، وإنه إن مات بسبب ذلك في الحال أو في المآل كان قاتلاً لنفسه، أو ملقياً لنفسه في التهلكة، وبعد استئصاله أيضاً يكون معرضاً لفشل العضو الباقي.

стр. 2971

ثالثاً: إن قتل الإنسان نفسه محرم بنص الآية، سواء كان الإنسان في حال ضجر أو غضب، كما ذكر آنفاً، وكذلك يقاس عليه إذا كان في حال حب أو مودة بالغة، فإن كل ما يعتور النفس من عواطف وما يصاحبها من انفعالات كل هذا لا يؤثر في حرمة نيل الإنسان من نفسه أو الإضرار بها؛ لأنها ملك لخالقها، وليس لك عليها إلا حق الانتفاع بها فقط، طبقاً لما حدده الشرع لك، وما أباحه لك عليها، فهي نفسك، ولكنها غيرك، نفسك تنتفع بها حسب شرع الله تعالى، وغيرك، حين تضر بها أو تنتفع بها في غير ما شرع الله تعالى، فتكون عقوبتك حينئذ أشد من عقوبة المعتدي على غيره. رابعاً: إن تعريض النفس للهلاك محرم شرعاً، وذلك أخذاً من هذه الآية، فقد رأينا عمرو بن العاص ﵁ يمتنع عن الاغتسال بالماء البارد، حين أصبح جنباً؛ خوفاً على نفسه من برودة الماء، مستدلاً بهذه الآية، وقد أقره النبي ﷺ على هذا التفسير، بل وسره ﷺ ذلك، ولم يقل له شيئاًَ. فهذا يدل على أن هذه الآية يدخل في مدلولها والمراد بها عدم تعريض النفس للهلاك، ولو كان ذلك من أثر استعمال الماء البارد، الذي يخشى الإنسان من أنه لو استعمله لأدى إلى هلاكه، فيكون ذلك ممنوعاً ومحرماً أيضاً. خامساً: إن هذه الآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ جاء بعدها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الآية ٣٠ من سورة النساء.

стр. 2972

يقول القرطبي أيضاً: (ذلك) إشارة إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور، قاله عطاء، وأضيف إلى ذلك أن كل ما أخذناه من الآية من معان، وما أفادته من أحكام، كل من يفعله عدواناً وظلماً أي قصداً وعمداً، لا سهواً وخطأ يحق عليه أن يصلى النار. يقول ابن كثير: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أي ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتدياً فيه، ظالماً في تعاطيه، أي عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكه فسوف نصليه ناراً، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد) . الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) . قال البخاري: حدثنا إسحاق أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان سمعت أبا وائل عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة ... وروي عن ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحبباً فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ، ونصره، حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد) (٢) . إلا أنه من المعلوم أن سبب النزول لا يخصص عموم النص، وإنما النص يشمل سبب النزول، كما يشمل غيره.. ومن هنا وجدنا عدة تفسيرات لهذه الآية. ونبرزها فيما يلي:

стр. 2973

ثانياً: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . (أ) يقول الماوردي: (في الباء قولان: أحدهما أنها زائدة وتقديره: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (١) . وقال المبرد: ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي: بأنفسكم، فعبر بالبعض عن الكل، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . وقيل: هذا ضرب مثل، تقول: فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم؛ لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: (والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز) . والقول الثاني: إن الباء غير زائدة، أي: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، كما تقول: لا تفسد حالك برأيك. (ب) والتهلكة (بضم اللام) مصدر من هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة، أي: لا تأخذوا فيها يهلككم، قاله الزجاج وغيره. (جـ) ما ورد من تفسير للآية: الآية فيها ستة تأويلات: أحدها: إن لم تنفقوا في سبيل الله تعالى عصيتم الله تعالى فهلكتم بالإثم، أي: لا تتركوا النفقة في سبيل الله؛ فإن الله يعوضكم منها أجرا ويرزقكم عاجلاً، وهذا قول ابن عباس وحذيفة، وسبيل الله طريقه الذي أمر أن يسلك فيه إلى عدوه من المشركين بجهادهم وحربهم، فقد روي عن ابن عباس قال في هذه الآية: قال ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة، أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة. وقال الضحاك بن أبي جبير: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله فنزلت: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) . وعن ابن عباس فإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص أنفقه. التأويل الثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد فتهلكوا بالضعف، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ . وهو قول زيد بن أسلم، قال: (لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس) .

стр. 2974

التأويل الثالث: أي لا تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي، فلا تتوبوا، وهذا قول البراء بن عازب، وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى. قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت، ليس لي توبة. فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي فنهاهم الله تعالى عن ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) . التأويل الرابع: أي لا تتركوا الجهاد في سبيل الله فتهلكوا، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري، وقد تقدم ما روي بشأنه. التأويل الخامس: إنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو، وهو الذي تأوله القوم الذين أنكر عليهم (٢) . أبو أيوب الأنصاري، وأخبر فيه بالسبب، وهذا قول أبي القاسم البلخي (٣) . وبين ابن العربي أن معنى الآية على هذا الرأي: (لا تدخلوا على العساكر التي لا طاقة لكم بها) . وقد اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده إلى آراء: الأول: وهو رأي القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن محمد وعبد الملك من علماء المالكية، قالوا: لا بأس بأن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم يكن فيه قوة فذلك من التهلكة. الرأي الثاني: قيل إنه طلب الشهادة وخلصت نيته فليحمل على العدو؛ لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ . الرأي الثالث: يقول ابن خويز منداد: فإما أن يحمل الرجل على مائة، أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: الأولى: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل، ولكن سينكي نكاية أو سيبلي، أو يؤثر أثراً ينتفع به المسلمون فجائز أيضاً (٤) .

стр. 2975

وقد علق القرطبي على هذا الرأي بقوله: (قلت: ومن هذا ما روي أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً؟ قال: ((فلك الجنة)) . فانغمس في العدو حتى قتل. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: ((من يردهم عنا وله الجنة؟)) أو ((هو رفيقي في الجنة؟)) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي ﷺ : ((ما أنصفنا أصحابنا)) هكذا الرواية ((أنصفنا)) بسكون الفاء ((أصحابنا)) بفتح الباء، أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا) ، وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه والله أعلم) . الرأي الرابع: قال محمد بن الحسن في السير الكبير: إن رجلاً لو حمل على ألف رجل وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية فإني أكره له ذلك؛ لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل ذلك إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون وينكون في العدوِّ فلا بأس بذلك إن شاء الله؛ لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو، ولا يطمع في النجاة، لم أرَ بأساً أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجوراً. وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك؛ لأن هذا أفضل النكاية، وفيه منفعة للمسلمين) . وقد علق الجصاص على قول محمد بن الحسن هذا قائلاً: (والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره، وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من تأول في حديث أبي أيوب أنه ألقى بيده إلى التهلكة بحمله على العدو، إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة عائدة على الدين، ولا على المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (١) . وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢) . وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ (٣) في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بَذَلَ نفسه لله.

стр. 2976

خلاصة هذه الدراسة: هذه الآراء جميعها تدور حول محور واحد، وهو أنه إذا كان اقتحام الواحد في الجيش العظيم يحقق مصلحة للدين ومنفعة للمسلمين فإنه يجوز، وإلا فلا يجوز. (أ) وإذا تتبعنا حالات جواز أن يلقي الواحد بنفسه في التهلكة كانت على حسب الآراء هي: (١) إذا كان في المقتحم قوة، وكان لله بنية خالصة. (٢) إذا طلب الشهادة، وكان لله بنية خالصة وحكي بقيل. (٣) إذا علم أو غلب على ظنه نجاته، وأنه سيقتل من حمل عليه. (٤) إذا علم أو غلب على ظنه نجاته، وأنه سينكي العدو، ويؤثر تأثيراً ينتفع به المسلمون. (٥) إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية في العدو، أو يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل. (ب) وإذا تتبعنا الحالات التي لا يجوز فيها إلقاء النفس في التهلكة كانت على حسب الآراء السابقة هي: (١) إذا لم يكن في المقتحم قوة، ولم يكن لله بنية خالصة. (٢) إذا لم يطلب الشهادة، ولم يكن لله بنية خالصة. (٣) إذا علم أو غلب على ظنه أنه لن ينجو، وأنه لن يقتل من حمل عليه. (٤) إذا علم أو غلب على ظنه أنه لن ينجو، وأنه لن ينكي العدو، ولن يؤثر تأثيراً ينتفع به المسلمون. (٥) إذا كان لا يطمع في نجاة، ولا نكاية في العدو، ولا يجرئ المسلمين بذلك. وكل حالات عدم الجواز يجمعها ضابط واحد كما قال الجصاص: (إنه لا ينبغي أن يتلف الإنسان نفسه من غير منفعة عائدة على الدين، ولا على المسلمين، فإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر، فهذا المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ . الآيةَ. أما في غير هذا فيكون إلقاء للنفس في التهلكة، وهو منهي عنه بنص الآية الكريمة.

стр. 2977

التأويل السادس: وهو سادس التأويلات في الآية الكريمة، وآخرها، وهو رأي ابن جرير الطبري، حيث يقول بعد أن ذكر الآراء جميعها ممَّا يراه صواباً. (والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وسبيله طريقه الذي شرعه للعباد وأوضحه لهم، ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعته لكم بجهاد عدوكم الناصبين لكم الحرب على الكفر، ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وذلك مثل، والعرب تقول للمستسلم للأمر: أعطي فلان بيديه، وكذلك يقال للممكن من نفسه مما أريد به: أعطي بيديه، فمعنى قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ : ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمته فتهلكوا. والتارك النفقة في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة بتركه أداة فرض الله عليه في ماله، وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه كان للهلكة مستسلماً، وبيديه للهلكة ملقياً، وكذلك الآيس من رحمة الله لذنب سلف ملق بيديه إلى التهلكة؛ لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وكذلك التارك غزو المشركين وجهادَهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه مضيع فرضاً ملق بيديه إلى التهلكة، فإذا كانت هذه المعاني كلها محتملها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولم يكن الله خص منها شيئاً دون شيء فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه غير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا، مما يستوجب بدخلونا فيه عذابه، غير أن الأمر وإن كان كذلك فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي، كما حدثني المثنى قال حدثنا أبو صالح قال لنا معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: التهلكة عذاب الله، قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاماً منه لهم بعد أمره إياهم بالنفقة ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله من العقوبة في المعاد، قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وقد علمنا أن المعروف من كلام العرب: ألقيت إلى فلان درهماً دون ألقيت إلى فلان بدرهم؟ قيل: قد قيل: إنها زيدت نحو زيادة القائل الباء في قوله: جذبت بالثوب وجذبت الثوب، وتعلقت به وتعلقته، وتنبت بالدهن وإنما هو تنبت الدهن. وقال آخرون: الباء في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ أصل للكلمة؛ لأن كل فعل واقع كني عنه فهو مضطر إليها؛ كنحو قولك في رجل: كلمته، فأردت الكناية عن فعله فإذا أردت ذلك قلت: فعلت به، قالوا: فلما كان الباء هي الأصل جاز إدخال الباء وإخراجها في كل فعل سبيله سبيل كلمته، وأما التهلكة فإنها التفعلة من الهلاك.

стр. 2978

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي وتجنبوا ما أمرتكم بتجنبه من معاص، ومن الإنفاق في سبيلي، وعود القوي منكم على الضعيف في الخلة؛ فإني أحب المحسنين في ذلك، كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زيد بن الحباب قال: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أداء الفرائض. وقال بعضهم: معناه أحسنوا الظن بالله. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أحسنوا الظن بالله ببركم، وقال آخرون: أحسنوا بالعود على المحتاج. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (عودوا على من ليس في يده شيء) . النتيجة العامَّة لهذا البحث: (كل هذا يدلنا على أنه تفسير الآيتين الكريمتين يَمْنَعُ أن يقتل الإنسان نفسه، ويمنع أن يُعَرِّض الإنسان نفسه للهلاك في كل الأحوال، وفي جميع الحالات سوى في حالة واحدة، بضوابط محددة، وهي حالة اقتحام الواحد على الجيش العظيم، عالِماً أن اقتحامه يُحقق مصلحة الدين ومنفعة جميع المسلمين، وفي غير ذلك يكون ممنوعاً إلقاء النفس في التهلكة، حتى ولو كان إيثاراً؛ لأن الإيثار إنما يكون بالمباحات، ولا يكون بالمحرمات، والله أعلم.

стр. 2979

المبحث الرابع عشر سد الذرائع سد الذرائع إن القول بجواز نقل الأعضاء بين إنسان حي إلى إنسان آخر يؤدي إلى فتح باب شر عظيم، حيث يفتح باب التجارة في الأعضاء الآدمية، فمَن لديه المقدرة المادية اشترى ممن ليس لديهم هذه المقدرة، ويصبح الآدميُّ كُلًّا أو بعضاً سلعة من السلع تباع وتُشترى، تغلو وترخص في ميدان العرض والطلب، ويصبح للغني ما يريد، وللفقير الهلاك والضياع، وتتحول هذه المعاني التي ينثرونها وروداً في ميدان نقل الأعضاء مضار جسيمة الآدمية جمعاء، ويتحول سوقها إلى سوق خزي وعار للإنسانية ... إن تدفق الشر من فتح هذا الباب يجعلنا نقول: إنه ممنوع شرعاً سدا للذرائع. وهو دليل آخر يضاف إلى الأدلة التي أفضنا في بيانها. ولنتتبع معاً ما طفا وظهر من الأخبار العالمية حول التجارة في الإنسان، والتجارة في أعضائِه، وما خفِي كان أعظم، فإن العلم بها يعطينا فكرة واضحة حول ما يجري داخل أسواق بيع الكُلى في العالم أجمع. جاء في الأهرام بتاريخ ٤/١١/ ١٩٨٧ م تحت باب أخبار قصيرة ما يلي: أ - الأطفال ... قطع غيار: تيجو سيجاليا ـ كشف مسؤول بارز في هندوراس أن بعض الأجانب يشترون أطفالا من هندوراس للحصول على أعضاء حيوية من أجسامهم لاستخدامها في عمليات زراعة الأعضاء، وقال المسؤول في حديث صحفي: إن معظم الأطفال الذين يتم شراؤهم من المعوقين جسدياً.

стр. 2980

ب - كما جاء في الأخبار بتاريخ ٢٠/ ١١/ ١٩٨٧ م تحت باب حكايات عربية بقلم وجيه أبو ذكري ما يلي: الخطر القادم بدأ في الخرطوم: شاهد مسؤول في مطار الخرطوم سيدة شقراء جميلة ومعها طفل أسمر في الرابعة من عمره، ولما سألها عنه أخرجت له جواز سفرها، وقالت: إنه ابنها، واسمه مُدَوَّن على جواز السفر، ولكن مسؤول المطار شك في الأمر، إذ كيف الطفل الأسود ابن السيدة الشقراء. فحاولت أن تقضي على الشك فأخبرته بأنها جاءت به سِفاحاً من أب سوداني. وعندما لم يقتنع بذلك حاولت أن تقدم له رشوة نظير أن يتركها تأخذ ابنها وتصعد إلى الطائرة المتجهة إلى أثينا.، ورفض الرشوة وقادها إلى الشرطة. وفي شرطة مطار الخرطوم ضاق الخناق عليها، وبعد ساعات من الأسئلة المتواصلة اعترفت السيدة اليونانية بأبشع قصة إنسانية. فالسيدة عضو في عصابة دولية، لها مراكز في الكثير من دول العالم (المتقدم) ، ومهمة هذه العصابة سرقة أطفال الدول (المتخلفة) من آسيا وأفريقيا وكانت مهمتها سرقة أطفال سوادنيين وخاصة من الجنوب ... ويعيش الأطفال بعد ذلك في مراكز معدة لذلك، وتحت رعاية طبيبة جيدة.. ورعاية غذائية جيدة. والعصابة على اتصال مستمر بكافة المستشفيات الكبرى في كل عواصم العالم (المتحضر) ، وهذه المستشفيات تحتاج إلى أعضاء بديلة للمرضى الأثرياء، وعندما يطلب من العصابة عضو بشري بديل، يأتون بطفل من ذلك المركز السري، ويتم خنقه بغاز ثاني أكسيد الكربون ثم يتم تشريحه، وتباع بعض أجزائه لتلك المستشفيات بمبالغ طائلة. وقالت الشقراء اليونانية لشرطة مطار الخرطوم: لقد بدأت هذه العصابة عملها ذلك مند عام ١٩٧٩، وهي تفكر في شراء طائرات خاصة بها، وربما تصبح هذه العصابات أخطر وأهم من عصابات بيع السلاح والاتجار في المخدرات. كدت لا أصدق ما أسمع، لولا أن محدثي هو الشاعر السوداني الكبير مصطفى سند. وسألته: هل نشرت الصحف هذا النبأ الخطير؟ وقال: لقد نشرتْه عن استيحاء. لماذا؟ لقد حدث ذلك أيام الحكم الشمولي، وكانت الرقابة على الصحف السودانية صارمة أيام حكم (نميري) إلا أن الخرطوم كلها كانت تتحدث عن هذه الحادثة البشعة.
следующие страницы →