← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

خلاصة هذه الدراسة: هذه الآراء جميعها تدور حول محور واحد، وهو أنه إذا كان اقتحام الواحد في الجيش العظيم يحقق مصلحة للدين ومنفعة للمسلمين فإنه يجوز، وإلا فلا يجوز. (أ) وإذا تتبعنا حالات جواز أن يلقي الواحد بنفسه في التهلكة كانت على حسب الآراء هي: (١) إذا كان في المقتحم قوة، وكان لله بنية خالصة. (٢) إذا طلب الشهادة، وكان لله بنية خالصة وحكي بقيل. (٣) إذا علم أو غلب على ظنه نجاته، وأنه سيقتل من حمل عليه. (٤) إذا علم أو غلب على ظنه نجاته، وأنه سينكي العدو، ويؤثر تأثيراً ينتفع به المسلمون. (٥) إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية في العدو، أو يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل. (ب) وإذا تتبعنا الحالات التي لا يجوز فيها إلقاء النفس في التهلكة كانت على حسب الآراء السابقة هي: (١) إذا لم يكن في المقتحم قوة، ولم يكن لله بنية خالصة. (٢) إذا لم يطلب الشهادة، ولم يكن لله بنية خالصة. (٣) إذا علم أو غلب على ظنه أنه لن ينجو، وأنه لن يقتل من حمل عليه. (٤) إذا علم أو غلب على ظنه أنه لن ينجو، وأنه لن ينكي العدو، ولن يؤثر تأثيراً ينتفع به المسلمون. (٥) إذا كان لا يطمع في نجاة، ولا نكاية في العدو، ولا يجرئ المسلمين بذلك. وكل حالات عدم الجواز يجمعها ضابط واحد كما قال الجصاص: (إنه لا ينبغي أن يتلف الإنسان نفسه من غير منفعة عائدة على الدين، ولا على المسلمين، فإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر، فهذا المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ . الآيةَ. أما في غير هذا فيكون إلقاء للنفس في التهلكة، وهو منهي عنه بنص الآية الكريمة.

стр. 2977

التأويل السادس: وهو سادس التأويلات في الآية الكريمة، وآخرها، وهو رأي ابن جرير الطبري، حيث يقول بعد أن ذكر الآراء جميعها ممَّا يراه صواباً. (والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وسبيله طريقه الذي شرعه للعباد وأوضحه لهم، ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعته لكم بجهاد عدوكم الناصبين لكم الحرب على الكفر، ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وذلك مثل، والعرب تقول للمستسلم للأمر: أعطي فلان بيديه، وكذلك يقال للممكن من نفسه مما أريد به: أعطي بيديه، فمعنى قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ : ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمته فتهلكوا. والتارك النفقة في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة بتركه أداة فرض الله عليه في ماله، وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه كان للهلكة مستسلماً، وبيديه للهلكة ملقياً، وكذلك الآيس من رحمة الله لذنب سلف ملق بيديه إلى التهلكة؛ لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وكذلك التارك غزو المشركين وجهادَهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه مضيع فرضاً ملق بيديه إلى التهلكة، فإذا كانت هذه المعاني كلها محتملها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولم يكن الله خص منها شيئاً دون شيء فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه غير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا، مما يستوجب بدخلونا فيه عذابه، غير أن الأمر وإن كان كذلك فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي، كما حدثني المثنى قال حدثنا أبو صالح قال لنا معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: التهلكة عذاب الله، قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاماً منه لهم بعد أمره إياهم بالنفقة ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله من العقوبة في المعاد، قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وقد علمنا أن المعروف من كلام العرب: ألقيت إلى فلان درهماً دون ألقيت إلى فلان بدرهم؟ قيل: قد قيل: إنها زيدت نحو زيادة القائل الباء في قوله: جذبت بالثوب وجذبت الثوب، وتعلقت به وتعلقته، وتنبت بالدهن وإنما هو تنبت الدهن. وقال آخرون: الباء في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ أصل للكلمة؛ لأن كل فعل واقع كني عنه فهو مضطر إليها؛ كنحو قولك في رجل: كلمته، فأردت الكناية عن فعله فإذا أردت ذلك قلت: فعلت به، قالوا: فلما كان الباء هي الأصل جاز إدخال الباء وإخراجها في كل فعل سبيله سبيل كلمته، وأما التهلكة فإنها التفعلة من الهلاك.

стр. 2978

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي وتجنبوا ما أمرتكم بتجنبه من معاص، ومن الإنفاق في سبيلي، وعود القوي منكم على الضعيف في الخلة؛ فإني أحب المحسنين في ذلك، كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زيد بن الحباب قال: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أداء الفرائض. وقال بعضهم: معناه أحسنوا الظن بالله. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أحسنوا الظن بالله ببركم، وقال آخرون: أحسنوا بالعود على المحتاج. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (عودوا على من ليس في يده شيء) . النتيجة العامَّة لهذا البحث: (كل هذا يدلنا على أنه تفسير الآيتين الكريمتين يَمْنَعُ أن يقتل الإنسان نفسه، ويمنع أن يُعَرِّض الإنسان نفسه للهلاك في كل الأحوال، وفي جميع الحالات سوى في حالة واحدة، بضوابط محددة، وهي حالة اقتحام الواحد على الجيش العظيم، عالِماً أن اقتحامه يُحقق مصلحة الدين ومنفعة جميع المسلمين، وفي غير ذلك يكون ممنوعاً إلقاء النفس في التهلكة، حتى ولو كان إيثاراً؛ لأن الإيثار إنما يكون بالمباحات، ولا يكون بالمحرمات، والله أعلم.

стр. 2979

المبحث الرابع عشر سد الذرائع سد الذرائع إن القول بجواز نقل الأعضاء بين إنسان حي إلى إنسان آخر يؤدي إلى فتح باب شر عظيم، حيث يفتح باب التجارة في الأعضاء الآدمية، فمَن لديه المقدرة المادية اشترى ممن ليس لديهم هذه المقدرة، ويصبح الآدميُّ كُلًّا أو بعضاً سلعة من السلع تباع وتُشترى، تغلو وترخص في ميدان العرض والطلب، ويصبح للغني ما يريد، وللفقير الهلاك والضياع، وتتحول هذه المعاني التي ينثرونها وروداً في ميدان نقل الأعضاء مضار جسيمة الآدمية جمعاء، ويتحول سوقها إلى سوق خزي وعار للإنسانية ... إن تدفق الشر من فتح هذا الباب يجعلنا نقول: إنه ممنوع شرعاً سدا للذرائع. وهو دليل آخر يضاف إلى الأدلة التي أفضنا في بيانها. ولنتتبع معاً ما طفا وظهر من الأخبار العالمية حول التجارة في الإنسان، والتجارة في أعضائِه، وما خفِي كان أعظم، فإن العلم بها يعطينا فكرة واضحة حول ما يجري داخل أسواق بيع الكُلى في العالم أجمع. جاء في الأهرام بتاريخ ٤/١١/ ١٩٨٧ م تحت باب أخبار قصيرة ما يلي: أ - الأطفال ... قطع غيار: تيجو سيجاليا ـ كشف مسؤول بارز في هندوراس أن بعض الأجانب يشترون أطفالا من هندوراس للحصول على أعضاء حيوية من أجسامهم لاستخدامها في عمليات زراعة الأعضاء، وقال المسؤول في حديث صحفي: إن معظم الأطفال الذين يتم شراؤهم من المعوقين جسدياً.

стр. 2980

ب - كما جاء في الأخبار بتاريخ ٢٠/ ١١/ ١٩٨٧ م تحت باب حكايات عربية بقلم وجيه أبو ذكري ما يلي: الخطر القادم بدأ في الخرطوم: شاهد مسؤول في مطار الخرطوم سيدة شقراء جميلة ومعها طفل أسمر في الرابعة من عمره، ولما سألها عنه أخرجت له جواز سفرها، وقالت: إنه ابنها، واسمه مُدَوَّن على جواز السفر، ولكن مسؤول المطار شك في الأمر، إذ كيف الطفل الأسود ابن السيدة الشقراء. فحاولت أن تقضي على الشك فأخبرته بأنها جاءت به سِفاحاً من أب سوداني. وعندما لم يقتنع بذلك حاولت أن تقدم له رشوة نظير أن يتركها تأخذ ابنها وتصعد إلى الطائرة المتجهة إلى أثينا.، ورفض الرشوة وقادها إلى الشرطة. وفي شرطة مطار الخرطوم ضاق الخناق عليها، وبعد ساعات من الأسئلة المتواصلة اعترفت السيدة اليونانية بأبشع قصة إنسانية. فالسيدة عضو في عصابة دولية، لها مراكز في الكثير من دول العالم (المتقدم) ، ومهمة هذه العصابة سرقة أطفال الدول (المتخلفة) من آسيا وأفريقيا وكانت مهمتها سرقة أطفال سوادنيين وخاصة من الجنوب ... ويعيش الأطفال بعد ذلك في مراكز معدة لذلك، وتحت رعاية طبيبة جيدة.. ورعاية غذائية جيدة. والعصابة على اتصال مستمر بكافة المستشفيات الكبرى في كل عواصم العالم (المتحضر) ، وهذه المستشفيات تحتاج إلى أعضاء بديلة للمرضى الأثرياء، وعندما يطلب من العصابة عضو بشري بديل، يأتون بطفل من ذلك المركز السري، ويتم خنقه بغاز ثاني أكسيد الكربون ثم يتم تشريحه، وتباع بعض أجزائه لتلك المستشفيات بمبالغ طائلة. وقالت الشقراء اليونانية لشرطة مطار الخرطوم: لقد بدأت هذه العصابة عملها ذلك مند عام ١٩٧٩، وهي تفكر في شراء طائرات خاصة بها، وربما تصبح هذه العصابات أخطر وأهم من عصابات بيع السلاح والاتجار في المخدرات. كدت لا أصدق ما أسمع، لولا أن محدثي هو الشاعر السوداني الكبير مصطفى سند. وسألته: هل نشرت الصحف هذا النبأ الخطير؟ وقال: لقد نشرتْه عن استيحاء. لماذا؟ لقد حدث ذلك أيام الحكم الشمولي، وكانت الرقابة على الصحف السودانية صارمة أيام حكم (نميري) إلا أن الخرطوم كلها كانت تتحدث عن هذه الحادثة البشعة.

стр. 2981

وماذا تم في الطفل والشقراء؟ الطفل أعادوه إلى أسرته، والشقراء رحلت دون محاكمة. هذه الحادثة، وأعتقد أنها صحيحة، بل وأجزم أن الخطر القادم على البشرية قبل المخدرات والإيدز والسلاح هو التجارة في أعضاء جسد الإنسان الحي، وهي تجارة أقسى من تجارة الرقيق الأبيض، وهو يؤكد أننا نعيش في زمن ردئ اغتيل فيه الضمير الإنساني. ولقد جرت في القاهرة شائعة ـ لا أساس لها من الصحة ـ قريبة من هذه الواقعة. ومعنى ذلك أن هناك خطراً قادم وأن خير وسيلة للعلاج من أي خطر هي الوقاية منه، ولكي ندفع عن مجتمعاتنا هذا الخطر القادم لا محالة، فأتصور أن تَصدر تشريعات تجرم هذا. بل وتنظم نقل الأعضاء من الإنسان لآخر، فحتى في مصر ظهرت إعلانات خلال السنوات الماضية عن طلب شراء كُلى مع الاستعداد لدفع الثمن وبالآلاف. بل وليس سراً أن هناك مستشفيات في مصر يرقد فيها أثرياء المرضى انتظاراً لشراء كلى. فأنقذوا مصر من خطر قادم. نعم فالخطر قادم لا محالة. وظهرت جرائمه في دولة عربية شقيقة هي السودان. عقدت كلية الطب بجامعة عين شمس بالقاهرة ندوة حول رأي الدين في التبرع بالأعضاء، وأرى أن أنقل ما نشرته الأهرام عن وقائع هذه الندوة وما صرح به الأطباء مما رأوه من مآس حتى نتيقن أن خطراً جسيماً يطل برأسه على الإنسانية جمعاء. نشر في الأهرام بتاريخ ٢٦/٨/ ١٩٨٧م ... تحقيق تحت عنوان (سوق الكلى في مصر ... من يبيع.. ومن يشتري؟) . ما الذي يجري الآن داخل سوق الكلى في مصر؟ فقد تحولت بالفعل إلى تجارة ووساطات وربح وسمسرة، بل إنها وصلت إلى حد الاختطاف وإجراء عملية نزع كلية في الظلام لتركيبها لإنسان مريض، طال انتظاره لها؟ لسنا على أي حال نتهم أحداً.. ولا نوجه اللوم لمجرد اللوم إلى أحد ... ولكن وقد فاض الكيل بنا قبل من يريد الكلية ولا يجد بائعاً لها إلا بشق الأنفس.. لا بد لنا من مواجهة هذه الظاهرة الجديدة، والتي أطلق عليها الأطباء والمرضى (سوق الكلى في مصر) . من يشتري ومن يبيع؟

стр. 2982

إن تحقيقات الأهرام، وهي تفتح ملف مرضى الكلى في مصر يهمها في المقام الأول أن نعثر على حل حاسم للقضية.. وأن يساعدنا الأطباء ورجال الدين في حلها، خصوصاً مشكلة أحلال أم حرام التبرع بكلية إلى إنسان آخر؟ المنصة تزدحم بباقة من أطباء مصر طرحوا مشكلة على جانب كبير من الأهمية، هي (رأي الدين في التبرع بالأعضاء) ، ضمت المنصة عميد طب عين شمس د. علي عبد الفتاح، ومفتي الجمهورية د. سيد طنطاوي، والأساتذة الدكاترة عبد المنعم حسب الله، ووحيد السعيد، إبراهيم راجي، وسالم نجم، حلمي مراد، نعمت نور الدين. في البداية عرض الأطباء.. صور تكريم الإنسان في القرآن الكريم ... وقد جاء ذكر آدم وبني آدم في القرآن الكريم في خمس وعشرين آية كريمة ... كما جاء تكريم الإنسان في الكتب السماوية بأجمعها ... وكانت هذه المقدمة من د. علي عبد الفتاح، الذي دعا لعقد ندوة، مريحة للنفس البشرية، ومطمئنة.

стр. 2983

أتبرع ... بكلية زوجتي! وقد سبق هذا العرض.. حوادث مؤلمة عن (سوق بيع الكلى البشرية) ، وقد عكست (السوق) مظاهر غير إنسانية وقواعد لا آدمية ... وظهر فوق السطح (معاملات) غريبة، ومساومات أغرب تشير إلى أن سوق بيع الأعضاء البشرية سوف تتعرض بالضرورة إلى دروب اللاأخلاقيات، وكان لا بد من وقفة أسرعت إليها كلية الطب. تحكي د. نعمت نور الدين واقعة عاشتها بحكم عضويتها لجمعية أصدقاء المرضى بالفشل الكلوي في مستشفى كوبري القبة، وهي أستاذة بكلية الزراعة.. وهي تعيش المشكلة بكل وجدانها ... وتقول: عشت تجربة تجارية.. جرت فيها مساومات لا إنسانية في سوق بيع قطع الغيار البشرية وعرضت المشكلة أمام كل الحاضرين، في أسلوب درامي حزين مؤسف.. وقالت: عندما طلبت شراء كلية لمريض أصيب بفشل في الكليتين جاءتني أعداد كبيرة من المتطوعين. جاءوا وكلهم رغبة في التبرع بإحدى الكليتين، وقد حمل كل متطوع شروطه ومبرراته. قالت: جاءني أحد المتطوعين.. وقال: إن الكلية جاهزة.. وهو يود أن ندفع له مبلغ ٣٠ ألف جنيه عداً ونقداً، ولا ينقص هذا المبلغ مليماً واحداً، وهو جاهز ومستعد للبدء في إجراءات الاختبارات الخاصة بالدم والأنسجة، وعندما يتأكد تطابق أنسجته مع أنسجة المريض سوف أكون جاهزاً لدخول حجرة العمليات لنزع كليتي وزرعها في كلية مريضكم.

стр. 2984

وتستمر د. نعمت في روايتها وتقول: فرحنا بهذا العرض، وحاولنا أن نخفض هذا المبلغ لأنه ضخم، وقد لا يكون متوفراً، كما أنه مبالغ فيه ولا سيما وإن هناك عروضاً أقل من هذا الرقم لمتبرعين بكليتهم. ولكن المتبرع أجاب: إن هذا المبلغ لم يضعه اعتباطاً ولكنه موضوع تحت شروط، أن هذا المبلغ لن يضعه في جيبه.. إن هذا المبلغ مطلوب ... وإلا دخل السجن؟ وقال: إنني أعمل سائقاً لسيارة أجرة أرتزق منها، وأكسب منها قوتي وقوت أولادي وزوجتي، وبينما كنت أقود سيارتي الأجرة فوجئت أمامي بأحد المارة يعبر الطريق. صدمته بسيارتي صدمة قوية.. وتم نقله إلى المستشفى وهناك لفظ أنفاسه ... ودخلت السجن. ورفعت ضدي قضية، وكسب أهل المتوفى القضية التي حكمت بدفع تعويض قدره ٣٠ ألف جنيه، وكان أمامي حلان لا ثالث لهما. إما أن أدفع التعويض أو السجن ... وأنا عائل أسرتي الوحيد، وقد قفز أمامي الحل ... بأن أبيع الكلية لأي مريض مقابل هذا المبلغ.. وإلى هنا. وقد تركت القصة أثراً مؤلماً وكان المبرر واضحاً. ورضخت الأسرة للثمن من منطق واحد، وهو أن هذا مبلغ يحل مشكلتين ويضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، إننا بهذا المبلغ ننقذ أسرة من التشرد. وننقذ إنساناً من السجن، وننقذ مريضاً من حالة الموت. وتم الاتفاق هكذا وقبل أن نبدأ أول خطوة لتناسق الأنسجة والاختبارات بين المريض وواهب الكلية، فوجئت بالسائق وقد جاءني في الموعد المحدد، وقد جر خلفه زوجته وقال: نسيت أقول لكم: إن الذي سوف يتبرع بالكلية هو زوجتي وليس أنا ... لأني ضعيف. وتعلو المفاجأة وجوه الحاضرين ... وتستمر الدكتورة نعمت قائلة: وللأسف فإن زوجته كانت نحيلة الجسم ضعيفة البنيان، وكان هو مكتمل الصحة والعافية ذا بنيان ضخم لا يتجاوز الـ ٢٨ ربيعاً ... ورفضنا طبعاً لأن كل العناصر الإنسانية هنا فقدت قيمتها، وعادت د. نعمت إلى دراستها مرة أخرى.. في البحث عن متطوع في (سوق بيع الأعضاء البشرية) .

стр. 2985

وجاءنا عرض آخر من متطوع آخر، قال: إنه مستعد للتبرع بكليته. وكان شاباً في عز شبابه، وبدأنا الحوار الحزين والمبادلة.. والمساومة.. قلنا له: وكم تساوي؟ ويدور الفصال، ولكن هذا الشاب كان مجاملاً ... لطيفاً، أبدى استعداداً طيباً للتبرع ولم يفاصل في ثمن بيع كليته.. وقد عطفنا عليه جدا.. وكانت له مطالب تبدو ساذجة جداً، أنه يود أن يأكل جيداً؛ لأن صحته معتلة وضعيفة، وأنه في حاجة إلى أكل جيد وأنه يشتهي أطباق الكباب والكفتة، وفعلاً تعاطفنا حول طلبه وقدمنا له كل مطالبه، وقام مع الأيام باستنزافنا وطلب منا نقوداً للسفر إلى أهله، بطول مصر وعرضها لتوديع أهله.. وتبين لنا أنه ينتمي إلى أسرة عريضة النسب، وبلغ الأمر أنه طلب تليفزيوناً ملوناً لأسرته لأنها محرومة من التليفزيون. وجاء وقت الجد ... وطلبناه لبدء التحاليل، وتحليل الأنسجة، ومهمة المعامل، وعند الانتهاء من كل هذا.. فوجئنا بأن كل التحاليل سليمة والأنسجة مطابقة والحمد لله. وعندما بدأنا إجراء الأشعة.. فوجئنا بأن إحدى كليتيه في حالة ضمور ... والكلية الأخرى سليمة ... وإنسانياً..فإنه لا ينبغي أن يتبرع هذا المريض بكليته لأنه فعلاً يعيش على كلية واحدة. واعتذرنا له.. ونحن آسفون بعد رحلة طويلة من التحاليل المكلفة.. وعطفنا عليه؛ لأنه فوجئ بمشكلته المرضية هذه، وطلبنا من الطبيب عدم إخباره بهذه المأساة التي ظهرت في حياته، وتبين لنا في النهاية أن هذا الإنسان يعلم بكل شيء وأنه نصاب وأنه يتخذها تجارة له في ابتزاز الناس المحتاجين إلى من يتبرع بكليته ... ولكنه يظل يبتز الناس لمدة ٦ شهور كاملة ... إلى أن يجيء موعد إجراء الأشعة باعتباره آخر إجراء يتم قبل الجراحة، وهنا يكون قد حصل على ما يريده من أموال وهدايا ثم يدعي أنه جاهز لولا مشكلته ... وأصبح هذا الشاب من أشهر النصابين في (سوق بيع قطع الإنسان البشرية) ... في أحد مستشفيات مصر الجديدة.. والحكاية لا تنتهي.

стр. 2986

لقد جاءني أحد الأطباء - هكذا يقول د. رشاد برسوم - وكان مصاباً بفشل كلوي، وقد سحب خلفه أحد المتطوعين المزمع بيع كليته، وقال لي: إن هذا المتبرع سوف يحصل على نصيبه وأرجو أن تسرع بالموافقة، ولكني رفضت (الكلام ما زال للدكتور رشاد) وقلت له: إنني أرفض إجراء جراحة تتم على أساس بيع الكلية، هل لك أشقاء؟ ... أجاب: نعم. قلت: إن المفروض أن الأشقاء يتبرعون بكلاويهم لأشقائهم بدون مقابل. (إننا نعيش في مستنقع ... ساعدونا للخروج منه) .. دوت هذه الجملة في قاعة المؤتمرات الكبرى، في مستشفى جامعة عين شمس التخصصي، وسط جمع من الأطباء، يمثلون الصفوة في تخصصات أمراض الكلى، وجراحات الكلى وزراعة الأعضاء، والمعامل، وتحليل الأنسجة من أساتذة الجامعات. شدت هذه الجملة، التي بدأ بها د. عبد المنعم حسب الله أستاذ الأمراض الباطنية والكلى بطب القاهرة حديثه في جمع الأطباء، واستمر في كلمته يقول: إننا أيها السادة أمام مشكلة إنسانية اجتماعية معقدة جوانبها الإنسانية دامية، إننا نعيش كل يوم دراما عنيفة.. وحواراً لم يسمعه بشر، ما بين مريض فقد كليتيه، وفشلتا في أداء مهمتيهما ومعرض للموت، وبين إنسان يملك كليتين سليمتين وفي كامل صحته ومستعد لبيع واحدة منهما، إن الحوار غريب ومؤلم وحزين، إن المريض يقول: إنه لا يملك سوى ٢٠ ألف جنيه سوف يقدمها هبة، وصاحب الكلية السليمة يقول للمريض: إن هذا المبلغ لا يكفي، ويتطور الحوار حتى يصل إلى.. وهنا انفجر الطبيب صائحاً هائجاً تأثراً ... لماذا تحكم علي بالإعدام ببطء؟ لماذا تجعلني أندم عمري كله، وأعيش مذلولاً لشقيقي ولزوجته وأولاده؟

стр. 2987

إن الحواديت لا تنتهي.. وكم من متبرعين ابتزوا المرضى، وعندما يحين موعد إجراء الجراحة يذهبون إلى العنوان فلا يجدون أي أثر لأي اسم في هذا العنوان! والمآسي كثيرة ... وبعد أن يكون المريض وأهله قد تكرموا وأكرموا وبالغوا في الكرم، والعطف على التبرع الذي رحمهم كلهم من هذه المشكلة ... وبعد ذلك يختفي المتبرع! وواحدة من هذه المآسي عندما أصيب أخ بفشل كلوي، وكان له أربعة أشقاء وشقيقة واحدة، وتطوع كل الأشقاء بأن يهبوه كلياتهم، وكانوا كلهم صالحين ولكن الطبيب الجراح اختار الشقيقة الوحيدة لعدة اعتبارات، وجاءت الشقيقة الوحيدة للتبرع بكليتها لشقيقها، وفجأة وجدت نفسها على سرير المرضى ويتم تجهيزها لجراحة الغد ... وتأملت هذه الفتاة حياتها عندما تشرع في الزواج ... وعندما تجد ابنها في حاجة إلى كلية وهي لا تملك أن تعطيه شيئاً لأنها تبرعت لشقيقها ... وظلت تفكر ... وهداها تفكيرها إلى حل، لقد طلبت من الأشقاء قبل منتصف ليلة إجراء الجراحة.. بأن يتبرعوا لها بنصف ما تملكه الأسرة ... وهو عبارة عن منزل يضم عشر شقق.. واحتارت الأسرة في هذا القرار. وأصرت الفتاة على قرارها وإلا الرفض؛ لأنها شعرت في لحظة أنها افتدت كل الأشقاء بتضحيتها، فلا أقل أن يفدي الأشقاء ويضحوا، ولم تجد الأسرة أي قرار سوى أنهم ذهبوا وحملوا والدهم الكهل إلى المستشفى ليوقع على ملكية الشقيقة لنصف المنزل وحدها!.

стр. 2988

ماذا قال (مؤتمر التطور الإسلامي) وقضية نقل وزراعة الأعضاء البشرية، الذي تنظمه كلية طب عين شمس؟ وقال د. علي عبد الفتاح عميد الكلية ... إن الجراح قد يضطر إلى استئصال عضو مريض من جسم الإنسان.. ولكن هل يسمح له باستئصال عضو سليم تحقيقاً لمصلحة علاجية لإنسان مريض؟ إذا كان هذا يترتب عليه إنقاذ مريض من الموت ... فإنه في تقديري يعتبر عملاً مميزاً للتضامن الإنساني.. إلا إذا استهدف غاية مادية!! د. عبد المنعم حسب الله: لا يمكن الخروج من هذا المستنقع إلا إذا كان هناك بديل واضح ... وهو أن تكون الكلية مجاناً. إذا وفرناها لن يجد أحد فرصة للاتجار بها. وتوفيرها يكون من الموتى حديثاً والمصابين في الحوادث والتبرع بعد الوفاة. د. رشاد برسوم: إن بيع الكلية أصبح أسهل طريق للحصول على عدة آلاف من الجنيهات بدون عرق، إن ٩٠ % من زراعة الكلى في العالم من متوفين حديثاً أو من حوادث الطرق!. د. وحيد السعيد: إن تجارة الأعضاء البشرية عمل لا أخلاقي.. واستنزاف مادي، إنها سوق للابتزاز والنصب والاتجار غير المشروع. د. إبراهيم راجي: نجد صعوبة جمة عندما يحين موعد إجراء الجراحة وننتظر طويلاً إلى أن نجد متبرعاً، وأي وسيط في هذه المشكلة يصيبه التلوث؛ لأن الماديات تلعب دوراً علنياً أو من تحت لتحت. د. حلمي مراد: هي مشكلة اجتماعية بالدرجة الأولى ... والتشريع لا يسمح بنزع عضو من جسم المتوفى. د. سالم نجم: إن التوافق مطلوب بين العلم والإسلام.

стр. 2989

ومآس أخرى كثيرة ... ! قصص إنسانية طلعت علينا من مشكلة (سوق بيع قطع غيار البشرية) مريض وافق على استضافة المتبرع في حجرته الوحيدة مع أسرته يأكل ويشرب ويتنزه على حساب المريض ويشاركه النوم في الحجرة، وعندما يحين موعد الجراحة يهرب. وهذه الإقامة قد تطول لعدة شهور ... وهي إقامة باهظة، ولكنها تجارة النصب! بينما قصص أخرى تقول: إن رجلاً تبرع ببيع الكلية لأن والدته مريضة ويود علاجها، ومصاريف العلاج باهظة. وشاب باع كليته لأنه يود أن يتزوج. وقد طالت فترة الخطوبة، وحصل على ٢٠ ألف جنية وتزوج. وزوجة فقدت عائلها وليس لها أي مورد، وأمامها أطفالها جياع، فباعت كليتها واشترت بها قطعة أرض ترتزق منها.. ومريض تطوع لبيع شقة بالمجان لأحد المتطوعين في المنزل الذي يمتلكه ... وصاحب مصنع مريض قبل أن يدخل المتطوع بالكلية شريكاً له في المصنع. وقصة أخرى لإنسان محتاج جداً وفقير جداً، رفض بتاتاًَ التكلم في موضوع ثمن الكلية وقال: لن أقدم يدي لاستلام النقود إلا بعد أن أطمئن على سلامة المريض. هذا بعض ما تناقلته أجهزة الإعلام، وما ردده الأطباء والعلماء وهو أمر خطير، وينذر البشرية بشر مستطير، يكون حصاده نفوساً بريئة، وقواده ورواده ذئاب من البشر تتاجر تحت ستار الرحمة بالإنسان وبأجزائه، وتتصيد تحت ظلال كثيفة، وظلام دامس، ما تستطيع اصطياده من البلاد الفقيرة من أنفس، إما شراء وإما خطفاً وقرصنة، وإما تدليساً، بأن توهم الضحية برحلة هانئة، وبصحة وارفة، وفي موطن ووكر المؤامرة تسرق بعض أعضائه، وتعطي لمن يدفع أكثر، وهو لا يدري حين يفيق ما حدث له، وما سلب منه، وإن درى ماذا يفيد، وماذا يجدي؟! إنني أرى حرمة نقل أي عضو من أعضاء إنسان حي معصوم الدم إلى إنسان آخر يحتاج إلى هذا العضو. للأدلة التي بسطتها فيما تقدم، وأيضاً لأن الضرر لا يزال بالضرر كما قضت بذلك القاعدة الشرعية، وإليك نبذة موجزة عنها.

стр. 2990

(الضرر لا يزال بالضرر) إن القاعدة الشرعية (الضرر يزال) المأخوذة من قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) لا ضرر أي لا ضرر ابتداء، فلا يحل أن يبدأ الإنسان غيره بإيقاع ضرر عليه، (ولا ضرار) أي لا يحل لإنسان أن يرد الضرر بضرر مثله، أي لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء. وهذه القاعدة (الضرر يزال) يتعلق بها قواعد منها (الضرر لا يزال بالضرر) قال ابن السبكي في معناها: وهو كعائد يعود على قولهم: (الضرر يزال ولكن لا بضرر) فشأنهما - أي شأن القاعدتين - شأن الأخص، وهو هذه القاعدة، مع الأعم. ولكن السيوطي وابن نجيم ذكرا أن هاتين القاعدتين سواء، وليس بينهما عموم وخصوص؛ لأنه لو أزيل الضرر بالضرر لما صدق (الضرر يزال) . وقد ذكروا لهذه القاعدة فروعاً نورد منها قولهم: (ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر، إلا أن يكون نبيا؛ فإنه يجوز له أخذه ويجب على من معه بذله. ولا يجوز له قطع فلذة من فخذه، ولا قتل ولده، أو عبده، ولا قطع فلذة من نفسه إن كان الخوف من القطع، كالخوف من ترك الأكل أو أكثر، وكذا قطع السلعة المخوفة) نص عليه السيوطي وقال ابن نجيم: من فروعها (أنه لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر ولا شيئاً من بدنه) .

стр. 2991

المبحث الخامس عشر عقوبة من يعتدي على نفسه عقوبة الجناية على النفس أو على ما دونها إذا جنى الإنسان على نفسه جناية أدت إلى إزهاق روحه، أو إلى بتر جزء من جسده فإن الفقه الإسلامي يبين لنا عقوبة هذه الجناية في كلتا الحالتين، أن العقوبة في شريعة الله تعالى نوعان: عقوبة أخروية، وعقوبة دنيوية، ونوضح فيما يلي هاتين العقوبتين بإيجاز: العقوبة الأخروية في الجناية على النفس أو ما دونها: العقوبة دائماً تكون حيث تكون الجناية عمداً، فإن وقعت الجناية خطأ، فالخطأ مرفوع إثمه، وآية ذلك حديث رسول الله ﷺ : ((عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) . أما إن كانت جناية الإنسان على نفسه عمداً، فإن أدت إلى زهوق روحه ـ حالاً أو مالاً ـ كانت عقوبتها: الخلود في النار أبداً، وآية ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً أبداً)) (١) وقيد التأبيد هذا لم يرد في العقوبة الأخروية لقاتل غيره التي نص عليها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢) وأما إن كانت الجناية على جزء من نفسه عمداً، فإنه يكون آثماً معذباً في الآخرة، ولكن مدة عذابه فيها وكيفيته موكولة إلى ربه جل شأنه. أما أنه آثم، فلأنه فعل أمراً نهاه المشرع الحكيم عن فعله فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وأما أنه معذب في الآخرة، فلأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ . يقول ابن كثير: (ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتدياً فيه ظالماً في تعاطيه، أي عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكه، فسوف نصليه ناراً.

стр. 2992

العقوبة الدنيوية في الجرائم على النفس أو ما دونها: تختلف العقوبة الدنيوية في هذا النوع من الجرائم باختلاف نوع الجريمة إذ هي إما جريمة عمدية أو جريمة شبه عمدية. أو جريمة خطأ، فإذا قصد الفعل والنتيجة كانت عمداً، وإذا لم يقصدهما كانت خطأ، وإذا قصد الفعل ولم يقصد النتيجة كانت شبه عمد. ونوضح فيما يلي بإيجاز بالغ حكم كل نوع فيها إذا وقعت الجناية من الإنسان على نفسه. عقوبة الجناية عمداً على النفس أو على ما دونها. العقوبة في هذا النوع من الجناية تدور بين القصاص أو الدية والكفارة، والحرمان من الميراث، والتعزير في بعض الحالات، فأما القصاص: فإنه لا يتأتى توقيعه على قاتل نفسه؛ لأن محل القصاص قد فات بموته، وكذلك في جنايته على جزء نفسه، مثل قطع كليته أو غيرها؛ لأن محل الاستيفاء قد فات أيضاً، لأن الذي يجب فيه القصاص هو العضو المماثل للعضو المقطوع، فاليد اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، وكذا العين، وأيضاً فإن الجرائم التي تقع على أجزاء الإنسان الداخلية ليس فيها القصاص (١) ؛ لأن الجائفة ليس فيها القصاص، كما نعلم، لكن عقوبة التعزيز هنا تظهر، وهي عقوبة، وكل تقديرها للإمام أو من ينوب عنه من القضاة، فحيث ينتفي القصاص يمكن أن نوجب عقوبة تعزيرية منعاً من إضرار الإنسان بنفسه من الميراث، وهذا واضح، وكذلك لا تتأتى عقوبة حرمان القاتل. وأما الدية: وهي اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الآدمي، أو على جزء منه. فإن الفقهاء قد اختلفوا في إيجابها في جناية الإنسان على نفسه عمداً، وبخاصة أنه لا يمكن أن تطبق عقوبة القصاص هنا، وإذا قلنا بوجوبها فهل تجب على الجاني وعلى العاقلة؟

стр. 2993

أما إيجابها على الجاني، فيقرر الفقهاء أنها لا تجب على الجاني، وإذا أردنا أن نعلل لهذا الرأي أمكننا أن نقول: إن إيجابها عليه بعد موته يستدعي بقاء ذمته لتتعلق بها الدية، وقد فاتت هذه الذمة، وفواتها يفوت ما يتعلق بها وهو الدية. وإذا قلنا: إن ذمته لا تنعدم بموته بل تضعف، ويقوبها ما يتركه من مال.. (١) . فيمكن إيجابها في ماله، فإن الرد على ذلك ميسور، وهو أن الإنسان لا يستحق لنفسه حقاً على نفسه، وأيضاً فإن الوارث للدية هم ورثة المال، فلا فائدة عملية في إيجابها في ماله أولاً، ثم ردها إلى ورثته المستحقين لأمواله بعد ذلك، ويضاف إلى ذلك أن معنى الردع والزجر ـ وهو المقصود من العقوبة ـ لا يتحقق هنا، وإذا فات المعنى الذي شرعت من أجله العقوبة لم تجب هذه العقوبة (٢) .

стр. 2994

- وأما إيجابها على العاقلة ففيه رأيان: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء أنها لا تجب على العاقلة أيضاً، وذلك لما روي عن عمر أنه قال: (العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة) رواه الدارقطني، وحكى أحمد عن ابن عباس مثله. وقال الزهري: (مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئاً من دية العمد أن يشاؤوا) رواه عنه مالك في الموطأ. وهذه الآثار تدل بعمومها على أن العاقلة لا تحمل شيئاً من دية الجناية عمداً، فيندرج تحت مدلولها جناية الإنسان على نفسه عمداً، أو على غيره ... ولأنه لا عذر للقاتل في القتل العمد، وإذا لم يكن له عذر فإنه لا يستحق التخفيف، والعاقلة إنما تحمل عن الجانبي ما يستدعي التخفيف عنه؛ لأنها تتحمل عنه مواساة ومعاونة وتآزراً معه فيما وقع منه خطأ ودون قصد، أما ما كان عمداً فإنه لا يتلاءم مع المعنى الذي يهدف إليه المشرع من وراء معنى العاقلة وما تتحمله. الرأي الثاني: يرى الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق (كما نقله الشوكاني) (١) أن جناية العمد على نفس الجاني مضمونه على عاقلته. وهذا الرأي لا يوافق الآثار المروية آنفاً، كما لا يساير أيضاً الحكمة التي شرع من أجلها إيجاب الدية على العاقلة، وهي أنها لمساعدة الإنسان الذي ارتكب جناية خطأ في حق العباد، إذ إيجاب كل الدية عليه فيه عدم اعتداد بعذره، وقد قال رسول الله ﷺ : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) كما يعارض الأصل القاضي بألا يتحمل الإنسان جرم غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) . وقال جل شأنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣) . هذا هو الأصل، والاستثناء من هذا الأصل لا يكون إلا بدليل، والدليل وجد بشأن القتل الخطأ دون العمد. وهذا يرجح عدم إيجاب هذا النوع من الدية على العاقلة. كما لا يجب على الجاني، أي في ماله، كما ذكرنا آنفاً. وأما الكفارة (٤) فقد اختلف الفقهاء في إيجابها على من قتل نفسه عمداً، فيرى جمهور الفقهاء أنها لا تجب، وبخاصة من يرون عدم إيجاب الكفارة في قتل الغير عمداً، وهم (الحنفية والحنابلة والزيدية، والثوري، وأبو ثور) للأدلة التي سبق النص عليها، ويرى الشافعية إيجاب الكفارة في القتل العمد أو شبهه أو الخطأ، سواء قتل نفسه أو غيره، فقد جاء في مغني المحتاج: (وتجب الكفارة بقتل المسلم ولو بدار الحرب، وذمي وجنين، وعبد نفسه، وبقتل نفسه؛ لأنه قتل نفساً معصومة، فتجب فيه كفارة لحق الله تعالى، فتخرج من تركته، أما إذا لم تكن نفسه معصومة بأن كانت مهدرة، فينبغي كما قال الزركشي، ألا تجب، وفي قتل نفسه وجه: أنه لا يجب لها الكفارة كما لا يجب ضمانها بالمال) .

стр. 2995

عقوبة الجناية شبه العمد على النفس أو ما دونها: إذا جنى الإنسان على نفسه جناية شبه عمد، فإنه يلزمنا أن نذكر بعض الأمثلة التي أوردها الفقهاء لمثل هذا القتل، ثم نتبعها ببيان ما يجب فيه من دية أو كفارة، أما الأولى فمن صوره: (إمساك الحية مع الظن أنها لا تقتل، أو أن يأكل كثيراً حتى يبشم، أو المشي على الحبال في الهواء، والجري في المواضع البعيدة كما يفعله أرباب البطالة والشطارة (كل ذلك يعتبر قتلاً شبه عمد إذا لم يقصد بشيء من ذلك قتل نفسه) ؛ لأن هذه الأفعال تقتل غالباً، ويمكن أن يقاس على ذلك كل ما يغلب على الظن الهلاك منه. وأما ما يجب في هذه الجناية من عقوبة، فإنها تدور بين الدية والكفارة، فأما الدية، فقد اختلف الفقهاء في إيجابها. فيرى البعض إيجابها على العاقلة (في أي الشافعية (غير المشهور) ورأي للحنابلة) معتبرين أن هذه الجناية تساوي جناية الإنسان على غيره خطأ أو شبه عمد، فكما وجبت على العاقلة دية قاتل غيره خطأ أو شبه عمد فكذلك تجب هنا في الحالتين. ويرى جمهور الفقهاء أنه لا تجب الدية في هذه الجناية؛ لأن لا عذر له في اقترافه الفعل الموجب لها، وإذا لم يكن معذوراً، فإنه يشبه العمد المحض، والعمد المحض لا تجب فيه الدية فكذلك هنا. وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية (المشهور) والحنابلة. والناظر إلى هذين الرأيين على ضوء التطور الصناعي في هذا العصر يجد أن كثيراً من الناس يباشرون بعض الأعمال التي تكتنفها بعض المخاطر: كعمال المناجم، ومصانع الحديد والصلب، وما شاكل ذلك من الصناعات والأعمال، طلباً لرزقهم وسداً لحاجتهم، وتنمية لاقتصاد دولتهم. وقد يترتب على مباشرتهم لهذه الأعمال ذهاب أرواحهم أو أعضائهم أو حدوث أضرار جسمانية فما الموقف من هؤلاء في ظل الفقه الإسلامي؟ إنني أرى أن هذا العمل الذي يقوم به العامل والذي يحتاج إليه الفرد والدولة لا بد من أن يكون محاطاً ببعض الضمانات الكفيلة بسد الثغرات التي تنتج عن استمرار العمل والإنتاج، وهذه الضمانات هي إيجاب الدية لمن قتل منهم أثناء تأديته عمله، وتكون هذه الدية على العاقلة؛ لأن قتل شبه عمد، إذ العمل قد يؤدي إلى القتل، والقتل غير مقصود، وفي شبه العمد الدية على العاقلة فكذلك هنا. فإن لم تكن له عاقلة كانت ديته من بيت المال، ولا يمكن قياس هذا القتل على القتل العمد، حتى لا تجب الدية على العاقلة؛ لأن العمد أن يقصد الفعل ... ويقصد به القتل، ويمكن التوسع في مدلول العاقلة في الفقه الإسلامي، من العصبة إلى المحلة، إلى اعتبار كل العاملين في مصنع من المصانع عاقلة، كل منهم يعقل عن الآخر إذا ما توافرت شروط العاقلة فيهم وفي كل فرد منهم. وأما إيجاب الكفارة فيرى بعض الفقهاء (الحنابلة) إيجابها في ماله. وقد يستدل لهذا الرأي بأن القتل هنا قد وقع خطأ؛ لأنه لم يرد قتل نفسه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهو قد وقع قتله لنفسه خطأ، بينما يرى جمهور الفقهاء عدم إيجابها عليه؛ وذلك لانعدام خطابه بها بسبب موته، وإذا انعدم خطاب الشرع له بها، بسبب الموت، لم تجب عليه كسائر الأحكام.

стр. 2996

عقوبة الجناية خطأ على النفس وما دونها: وأما إن قتل إنسان نفسه خطأ أو قطع عضواً من أعضائه، فقد اختلف في إيجاب الدية والكفارة أيضاً: فأما إيجاب الدية على العاقلة، كما هو الشأن في الجناية خطأ على الغير، فيرى بعض الحنابلة (القاضي) أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه إذا كان أكثر من الثلث، وهو قول الأوزاعي وإسحاق، وذلك لما روي أن رجلاً ساق حماراً فضربه بعصى كانت معه، فطارت شظية ففقأت عينه، فجعل عمر ديته على عاقلته وقال: (هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد) ولم نعرف لعمر مخالفاً في عصره، ولأنها جناية خطأ، فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره، فعلى هذا الرأي إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء؛ لأنه لا يجب للإنسان شيء على نفسه، وإن كان بعضهم وارثاً سقط عنه ما يقابل نصيبه، وعليه ما زاد على نصيبه، وله ما بقي إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه. ويرى أكثر أهل العلم (الحنفية والمالكية والشافعية وقول للحنابلة، وربيعة والثوري) أن جنايته هدر؛ وذلك لأن عامر بن الأكوع بارز مرحباً يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يبلغنا أن النبي ﷺ قضى فيه بدية، ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي ﷺ ، ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد، ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفاً عنه، وليس على الجاني ههنا شيء يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه، ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره؛ فإنه لو لم تحمل العاقلة موجب الجنابة خطأ على الغير لأجحف به وجوب الدية لكثرتها. وهذا الرأي هو الذي أرى رجحانه لرجحان أدلته.

стр. 2997

وأما الكفارة فيرى الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية: أنه لا يجب هنا في النفس كفارة، كما لا يجب ضمانها بالمال (الدية) . ويرى الشافعية والحنابلة: أن من قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ الآية، ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ، فوجبت الكفارة على قاتله، كما لو قتله غيره. الترجيح: رجح ابن قدامة المقدسي (الحنبلي) الرأي الأول قائلاً: (إنه الأقرب إلى الصواب إن شاء الله؛ فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ) ولم يأمر النبي ﷺ فيه بكفارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إنما أريد بها إذا قتل غيره بدليل قوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية بدليل قتل عامر بن الأكوع. ولكن ما ذكره من الأثر يمكن الرد عليه، بأن الرسول ﷺ قضى في الجنين بغرة، ولم يقض بالكفارة، وقد قال الفقهاء: إن الغرة ثابتة بالحديث، والكفارة ثابتة بالقرآن، وأحاديث الرسول ﷺ التي وضحت الديات لم تذكر الكفارة اعتماداً على هذا، ومن هنا يمكن أن نقول: إنه قتل إنسان نفسه تجب في ماله الكفارة. إلا أن المعاني التي شرعت من أجلها الكفارة، إن كانت عبادة وتقرباً، فلا بد من وجود الشخص؛ لأنه لا عبادة بدون النية، وإن كانت زجراً وتنبيهاً إلى التحرز عن الوقوع في الخطأ، فإن كان هذا بالنسبة للشخص نفسه، فقد فات المحل الذي يمكن أن يستجيب لذلك، وإن كان هذا بالنسبة للغير، فإن المحل موجود، ويمكن أن يتحقق بالنسبة له هذا الغرض، فيعلم الإنسان القاتل لنفسه أن عليه حين يرتكب هذه الجناية خطأ كفارة تؤخذ من ماله كما تؤخذ بقية الحقوق. ولعل النظر إلى قوله ﷺ : ((الأدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنياته)) يجعلنا ننظر إلى نفس الإنسان المعتدى عليه، على أنه غير، سواء كان المعتدى عليه هو نفس هذا الإنسان المعتدي أم غير نفسه، ويؤيد هذا أنه معاقب على اقتراف هذا الجرم في الآخرة على كلا الحالين، بل بعقوبة أشد في الحالة الأولى كما سبق أن أوضحنا. ومن هنا نرى ترجيح الرأي الثاني، خاصة وأن حق الأرقاء في الحرية حتى يتشوف الشرع إلى تحقيقه، وهو حق للغير، يلزم الوفاء به كسائر الحقوق، وكذلك حق المحتاجين في الإطعام إن لم يجد رقبة يعتقها، كما هو الحال الآن بعد أن اتفق العالم على منع الرق، وهو ما يهدف إليه المشرع الحكيم. ومن هذا العرض الموجز لنظرة الفقه الإسلامي لجناية الإنسان على نفسه عمداً أو شبه عمد أو خطأ، نخرج بنتيجة هامة، وهي أن من يعتدي على نفسه - كُلًّا أو بعضاً - تناولته العقوبات المقررة في الفقه الإسلامي لمن يعتدي على غيره على الوجه الذي يتلاءم مع توقيع هذه العقوبات على هؤلاء الجناة، سواء في الآخرة أو في الدنيا. والله أعلم.

стр. 2998

الخاتمة: نتائج هذه الدراسة: - يمكننا على ضوء هذه الدراسة أن نستخلص القواعد التالية: من البحث الأول: تأخذ القواعد التالية: ١- أن الإنسان، روحاً وجسماً، كلا أو بعضاً، مملوك لله تعالى، وحده دون سواه، وليس للإنسان من نفسه إلا ما أجازه الشرع له من حق انتفاع يحصله ويستوفيه على المنهج والأسلوب الذي ارتضاه له خالقه. ٢- أن دم الإنسان معصوم بحكم إنسانيته، ولا يحل دمه ولا يحل شيء منه إلا بحق، وقد حددت الشريعة ذلك تحديداً قاطعاً. ٣- يحرم على الإنسان الاعتداء على نفسه أو الإضرار بها، أو تعريضها للهلاك. ومن المبحث الثاني: نأخذ القواعد التالية: ١- التداوي من الأمراض أمر مطلوب شرعاً، ويجب على الإنسان أن يتخذ الأسباب المشروعة التي قد توصله إلى حال القوة والصحة. ٢- يجوز تداوي النفس البشرية بما أحل الله تناوله والتداوي به، وكذا يجوز تداويها بالمحرم إذا تعين المحرم علاجاً لها دون غيره من المباحات على يد طبيب مسلم حاذق. ٣- يجوز أن يكون التداوي والعلاج عن طريق الجراحة، أو الكي إذا دعت الضرورة أو الحاجة إلى ذلك، وهو آخر أنواع العلاج. ومن المبحث الثالث: نأخذ القواعد التالية: ١- الضرورات تبيح المحظورات. ٢- يباح للمضطر تناول مال الغير بغير إذنه، ولو باستعمال القوة دون سلاح، إذا كان هذا المال زائداً عن حاجته. ٣- يباح للمضطر تناول الميتة والانتفاع بها، بمقدار ما يسد رمقه؛ إذ الضرورة تقدر بقدرها. ٤- يجوز للمضطر التداوي بالميتة، سواء كانت قائمة العين لم تمسها يد التغيير والتبديل، أو غير قائمة العين بأن مستها يد التغيير والتبديل فحولتها من حالة إلى حالة أخرى. ٥- يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت، سواء كان معصوماً أو غير معصوم، إحياء للنفس الآدمية ومدا لأسباب البقاء لها ـ إذا توافرت الشروط التالية: أ - ألا توجد ميتة أخرى غير ميتة الآدمي، فإذا وجدت لا يحل الانتفاع بميتة الآدمي. ب - أن يكون المضطر معصوم الدم. جـ- أن يكون الانتفاع بها حالة الاضطرار، أما في حالة الحاجة، أو التتمة فلا يجوز. د- أن يكون هناك إذن بالانتفاع به من الميت قبل موته، أو من ورثته بعد موته، فإذا اختلف الإذنان: أحدهما أجاز والآخر منع، يؤخذ برأي المجيز؛ إنقاذاً للنفس البشرية من الهلاك.

стр. 2999

المبحث الخامس: يؤخذ منه القواعد التالية: يجوز للإنسان أن ينتفع ببعض أجزاء نفسه في حالة الضرورة، أو في حالة تصحيح أو تعويض ما نقص أو تشوه من أعضائه؛ رجوعاً به إلى حالته المعتادة، وذلك بشرط ألا يكون خطر القطع أعلى من خطر البقاء على ما هو عليه (أو مساوياً) منعاً من تعريض النفس للتهلكة. المبحث السادس: تؤخذ منه القاعدتان التاليتان: ١- يحرم قطع جزء من جسم إنسان حي معصوم الدم لينتفع به إنسان آخر مضطر إلى هذا الجزء، وذلك باتفاق الفقهاء. ٢- يجوز للمضطر المعصوم الانتفاع بجزء من إنسان غير معصوم الدم استحق القتل بسبب جرم ارتكبه عقب تنفيذ حكم القتل عليه مباشرة؛ وذلك لإنقاذ هذه النفس البشرية من الهلاك، تحت رقابة السلطة التنفيذية، وتحت رعاية نخبة من الأطباء المسلمين الحاذقين، وبناء على قانون ينظم ذلك الانتفاع من جميع جوانبه. المبحث السابع: تؤخذ منه القاعدة التالية: يحرم بيع الآدمي الحر مطلقاً، وقد أجمع الفقهاء على ذلك. المبحث الثامن: تؤخذ منه القاعدة التالية: يحرم بيع جزء من أجزاء الآدمي المتجددة. المبحث التاسع: تؤخذ منه القاعدة التالية: يحرم بيع جزء من أجزاء الآدمي غير المتجدد. المبحث العاشر: تؤخذ منه القاعدة التالية: لا يصح أن يتبرع الإنسان بجزء من أجزائه لغيره. المبحث الحادي عشر: يؤخذ منه القاعدة التالية: يبطل عقد الإجارة إذا كان محله قطع عضو صحيح من جسم الإنسان، لا تدعو صحة الإنسان إلى قطعه، وكل أجر يأخذه الطبيب إزاء ذلك يكون باطلاً. المبحث الثاني عشر: تؤخذ منه القاعدة التالية: لا أثر لرضا المقطوع عضوه الصحيح في درء العقوبة المستحقة على من تولى قطعه. المبحث الثالث عشر: تؤخذ منه القاعدة التالية: الإيثار إنما يكون في المال، أما الإيثار بالقربات، أو بالأنفس أو الأعراض فممنوع شرعاً. المبحث الرابع عشر: يؤخذ منه ما يأتي: أن ما يترتب على القول بجواز نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر يؤدي إلى مخاطر كثيرة، فيحرم سدا للذرائع. المبحث الخامس عشر: يؤخذ منه ما يأتي: ١- جناية الإنسان على نفسه، عمدا كان أو شبه عمد، أو خطأ، معاقب عليها شرعاً في الدنيا وفي الآخرة. هذا ما أردت إبرازه في هذا الموضوع الشائك الدقيق، وأرجو الله تعالى أن يلهمنا الصواب ويجنبنا الخطأ. ﴿ ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ .﴾ تحريرا في: ٢٥ من ربيع الثاني ١٤٠٨ هـ. ١٧ من ديسمبر ١٩٨٧ م. الأستاذ الدكتور حسن علي الشاذلي

стр. 3000

انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً إعداد الشيخ خليل محيي الدين الميس مدير أزهر لبنان ومفتي زحلة والبقاع الغربي وعضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حكم العلاج بزراعة الأعضاء: العلاج بزراعة الأعضاء والأنسجة الحية أو المعادن في جسم الإنسان من المسائل المستجدة في الحقل الطبي، كما يصف الاصطلاح الفقهي (النوازل) بالمسائل المستجدة بعد استقرار المذاهب الإسلامية حيث لا نص فيها من كتاب أو سنة أو قول أحد الأئمة المجتهدين. ولما كان الطب ميدان التجرِبة، ولذلك كان من منجزات الطب الحديث ما أحرز من تقدم ملحوظ في هذا المجال، سواء في زرع القلب أو القرنية أو الكلية أو استئصال الأمعاء المصابة واستبدالها بأخرى سليمة ... وكل ذلك إنما يتم باستخدام عضو منتزع من إنسان أو حيوان ... وبالتالي فالسؤال مطروح وبإلحاح: ما هو الحكم الشرعي في كل ما جرى أو يجري ... ومن المعلوم أن عملية الزرع تمر في مرحلتين: الأولى: من إنسان أو حيوان. الثانية: زراعة العضو المفصول في جسم إنسان آخر يفتقر إليه.. والحاجة هذه يمكن تصنيفها إلى فئتين: ١) توقف حياة إنسان مريض أو مهدد بالموت على زرع ذلك العضو في جسده كالقلب.. والكلية. ٢) توقف عمل العضو المصاب فقط مع بقاء الحياة على زرع ذلك العضو كالقرنية في العين مثلاً. هذا وفصل العضو المطلوب ومن ثم زرعه في جسم المريض إما أن يتم بناء على تبرع إنسان كامل الأهلية، ويفصل منه ذلك العضو حال الحياة (كالكُلية) ، أو بناء على وصية بأن ينتزع من جسده بعيد وفاته، كما يحصل بالنسبة إلى العيون مثلاً ...

стр. 3001

وللإجابة على هذه التساؤلات المطروحة وأضرابها لا بد من مقدمة تمهيدية نعرض من خلالها للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تشكل إطاراً للبحث باعتبارها ترسم المرتكزات الفقهية علاجاً وانتزاعاً في الزراعة، وما يستتبع هذه الصور العلاجية. أما قضية العلاج من حيث المبدأ فقد صرحت الأحاديث الشريفة بمشروعيتها، من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال ﵊: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) . وما رواه أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام)) . وفي الصحيحين عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء)) . وجاء في مسند الإمام أحمد ﵁ من حديث زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال: ((كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: نعم، عباد الله، تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا ووضع له شفاء، غير داء واحد. فقالوا: ما هو؟ قال: الهرم)) وفي لفظ: ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه، وجهله من جهله)) . وهكذا فإن هذه الأحاديث الشريفة صرحت بحقائق منها: أولاً: الأمر بالتداوي، وأدنى موجب الأمر هو الإباحة

стр. 3002

ثانياً: إن إقراره ﵊ بأن لكل داء دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، يفتح باب العلاج على مصراعيه، ويمهد السبيل أمام الباحثين لاستكشاف الأدواء، وما لم يعلم بالأمس ربما يعلم اليوم أو غداً، هذا ومع أن الإسلام جاء لعلاج الأرواح والنفوس من مرض الكفر والفسق والفجور وغيرها، وإنقاذ العباد من شرور الوثنية والإلحاد، وهي أمراض عقدية أخطر من أمراض الأجساد، لا شك أنها تفضي إلى مهالك في الآجل والعاجل، فإنه أيضاً لم يهمل علاج أمراض الأجساد. ونحيل طالب المزيد من المعلومات في هذا الباب إلى كتاب (الطب النبوي) لابن قيم الجوزية، والآثار الواردة في كتب الحديث الشريف في أبواب الطب. ومع أن الأحاديث الشريفة صرحت بمشروعية العلاج لكنها نهت عن التداوي بالحرام؛ حيث ورد النهي بقوله ﵊: ((ولا تداووا بحرام)) وهذا ما يصلنا إلى الاستدلال بعمومات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبعد ذلك القواعد الفقهية والمبادئ العامة التي استنبطها الفقهاء المسلمون من تلك العمومات والإطلاقات لنفرع عليها من الأحكام ما يتصل بموضوعنا: قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] والعموم الوارد في الآيتين وإن كان متوجهاً إلى بيان الأحكام الشرعية التكليفية أولاً، لكنها لا تتقاصر دون موضوعنا هذا؛ لأنه يدخل ضمن إطار تلك الأحكام من الإباحة والتحريم باعتبار أن هذا العلاج على هذا الوجه هل هو حلال فيتابع أو حرام فيجتنب. ويأتي قوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال تعالى إثر بيان مشروعية الوضوء والغسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] . وهكذا نجد توجه الشريعة الإسلامية نحو التيسير على العباد وتحقيق مصالحهم الدينية والدنيوية في ذلك يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .

стр. 3003

وتأتي الأحاديث النبوية على هذا النسق أيضاً لتؤكد المعنى الوارد في الآيات القرآنية، فيقول ﷺ : ((بعثت بالحنيفية السمحة)) وقال ﵊: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) . ومن مجمل هذه الآيات والأحاديث استنبط الفقهاء قواعد فقهية وضوابط أصولية تعتبر بمثابة الأصول لمسائل تفرعت عليها الأحكام، ومن ذلك قولهم: المشقة تجلب التيسير، وهي القاعدة الرابعة من قواعد الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، وقال: وفي الحديث: ((أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله. ومن حديث أبي أمامة، ويخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته، وعد منها المرض ثم قال.... الثاني المرض ورخصه كثيرة، ومنها التداوي بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين، وتخرج على هذه القاعدة قولهم: الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق. هذا وإن إحياء النفوس مطلب شرعي صرحت به الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] . ولا بد من مقدمة أصولية تمهد لهذا الموضوع وهي ما تعرف بتقسيم الحقوق، جاء في كتب الأصول ما نصه: الحقوق أربعة: ١) حقوق الله تعالى خالصة كالعبادات والحدود والكفارات. ٢) حقوق العباد خالصة، وهي أكثر من أن تحصى، نحو ضمان الدين وبدل المتلفات والمغصوب وملك المبيع. ٣) ما اجتمع فيه الحقان وحق الله أغلب. وهو حد القذف. ٤) ما اجتمع فيه الحقان وحق العبد غالب وهو القصاص، (كشف الأسرار جـ٢/ ١٦٢) ، وما نحن بصدده يندرج تحت القسم الرابع؛ لأن بدن الإنسان فيه حق الله من حيث التخلق، وفيه حق العبد من حيث الانتفاع.

стр. 3004

وحق الله ما يتعلق به النفع العام، فلا يختص به واحد وإنما ينسب إلى الله تعالى؛ تعظيماً، وهو سبحانه تعالى عن أن ينتفع بشيء، أو لئلا يختص به أحد الجبابرة. ملكية الإنسان لجسمه وأعضائه ومدى حرية التصرف فيها: من خصائص الملكية التامة حرية الاستعمال والاستغلال والتصرف على ما هو معروف فقها وقانوناً، والحرية هذه إنما يمارسها الإنسان على المنقولات والعقارات، وهو ما يعرف بأموال التجارة، فللمالك مطلق الحق في بيعها ورهنها وهبتها واستغلالها والإيصاء بها وإتلافها، كما أنها تورث عنه وتضمن بالاعتداء عليها، وهذه الأعيان معصومة في ذاتها ومملوكة له. فهل جسم الإنسان من هذا القبيل أم لا بد من التمييز بين الملك والعصمة؟ فالعصمة تقوم بالمملوك، والملك يقوم بالإنسان، والعصمة تكون للدم كما تكون للمال، وبذلك ورد الحديث الشريف ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)) البخاري: باب الإيمان ١٧٩. وبدن الإنسان مملوك له على وجه الانتفاع، وهو ما عبر عنه الفقهاء بقولهم: إن الله تعالى ملك الإنسان منفعة أعضائه، فالعين للإبصار، والرئة للتنفس، واليد للعمل وتناول الطعام، والرجل للسعي، وما إلى ذلك من وظائف الأعضاء. ويبقى السؤال مطروحاً: هل ملكية الإنسان لأعضائه من صنو ملكيته للأشياء، فيكون له حق التصرف فيها كالأشياء المملوكة؟

стр. 3005

تناول الفقهاء المجتهدون موضوع النفس والأطراف والتعويض عنها حال الاعتداء عليها، ونصت الآيات والأحاديث على مشروعية الدية والقصاص وإرش الجراحات حال العدوان. ومما قاله الفقهاء في هذا المجال: ضمان النفس والأطراف بالمال في حالة الخطأ فإنه ثبت بالنص من غير أن يعقل فيه المعنى؛ لأن الآدمي مالك مبتذل لما سواه، والمال مملوك مبتذل فلا يتماثلان. وإن ضمان النفس والأطراف بالمال غير مدرك بالعقل؛ إذ لا مماثلة بين الآدمي المالك المبتذل وبين المال والمملوك المبتذل، وإنما شرع الله تعالى الدية لئلا تهدر النفس المحترمة مجاناً (النسفي/ كشف الأسرار: جـ ١ / ٨٤) وكان موجب الجناية عمداً على النفس والأطراف هو القصاص. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، ويمكن العفو عن ذلك كله ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، وأما جناية الخطأ فموجبها الدية وهي تعويض مالي لتفويت منفعة الجسم أو العضو، وهو محض حق الإنسان ولذلك تدخل تحت الولاية عفوا وإسقاطاً. هذا بخلاف جريمة الزنا فإن العقوبة عليها محض حق الله تعالى ... لذلك لا تقبل بعد ثبوتها الإسقاط ولا العفو ولا الصلح على مال، وكذلك الشأن في السرقة وسائر الحدود. ولما كان التعويض المالي عن القتل الخطأ يقرر ابتداء ... وفي القتل العمد مقرر صلحاً قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] . وقال ﵊: ((في النفس مائة من الإبل)) وروي أنه ﵊ ((قضى في قتيل بعشرة آلاف درهم)) الاختيار: ج٤/ ٤٥.

стр. 3006

هذا ودية النفس أو العضو ليست ثمناً بحال من الأحوال؛ لأنها إنما شرعت للنفس عن الهدر، لا ثمناً لها ولذلك قدرها الشرع ولم يترك تقديرها ابتداء للعباد، ومجمل القول: إن لله تعالى في النفس حق الاستعباد، كما أن للعبد حق الاستمتاع، وحق العبد غالب، لذلك يجري فيه الإرث، ويصح الاعتياض عنه بالمال بطريق الصلح. (كشف الاسرار: ج٢/ ١٦١) وقال السرخسي في المبسوط: لما أوجب الله تعالى حق العبد في النفس والأطراف، لذلك عمل فيه إسقاطه، ويورث عنه ويسقط بإذنه (جـ٢٦/ ٦١) . وقال السمرقندي في التحفة: لو عفا المجروح عن الجراحة ثما مات منه صح عفوه استحساناً (هـ جـ٢/ ١٢٨) ، وهذه أمارة أن التعويض المقدر هو حق العبد، فكان له ولاية المطالبة كما كان له ولاية الإسقاط والصلح. وبسط الكاساني القول في المسألة وزادها إيضاحاً، بل وكاد يلامس القضية بالذات من خلال تعريفه الأحكام في عبارته التي جاء فيها: ولو قال: اقطع يدي فقطع لا شيء عليه بالإجماع، ووجه هذا الحكم بقوله: لأن الأطراف يسلك فيها مسلك الأموال!! وعصمة الأموال تثبت حقاً له (للإنسان) . فكانت محتملة للسقوط بالإباحة والإذن كما لو قال له: أتلف مالي، فأتلفه. قلت: ولا يخلو فعلهما حال القطع من الإثم لكل من الآمر والقاطع؛ لأنهما اشتركا في تنفيذ فعل محظور شرعا (البدائع: ج٧/ ٢٣٦) ، وجاء في مشروعية القصاص ما نصه: هذه العقوبة جزاء الفعل في الأصل، وأجزية الأفعال تجب في حق الله تعالى، ولكن لما كان وجوبها بطريقة المماثلة عرفنا أن معنى الحق راجح فيها، وأن وجوبها للجبران بحسب الإمكان، كما وقعت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] . ولهذا جرى فيه الإرث، وصح العفو، والاعتياض بطريقة الصلح بالمال، كما في حقوق العباد المحضة كبدل المتلفات (أصول السرخسي جـ٢/ ٢٩٧) .

стр. 3007

وهكذا تبين أن للإنسان ولاية إسقاط العقوبة عن الجاني حال الاعتداء على عضو من أعضائه، حتى على حياته بالكلية، كمن جرح إنساناً فعفا المجروح عن الجاني، وكذلك شأن الورثة لهم حق العفو عن القاتل كما أسلفنا ... ولكن هل الإنسان حق التبرع بعضو من أعضائه أو الإيصاء بها، فتنزع منه بعد وفاته..؟ ولنعد بالمسألة إلى أصول لها ثابتة ومسائل تقربنا من تقرير الحكم المناسب للمسألة. أولاً: الرضاع، معلوم أن اللبن هو جزء الأم ترضعه أولادها وغيرهم، وذلك مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، والمسألة واضحة ... ولكن الفقهاء ذكروا أنه لا يجوز بيع لبن المرأة تكريماً لبني آدم.. وعليه الإجماع، قال ابن حزم: (ولا يصح بيع شيء أخذ من حي كلبن المرأة وشعور بني آدم) : اهـ. مراتب الإجماع ١/٨٤. مسألة أخرى: وهي التبرع بالدم، ولم ينقل خلاف بين العلماء على جوازه، ولئن كان اللبن تفرزه غدة معينة في الجسم وانفصاله لا يؤثر في البدن ... لكن الدم بخلافه؛ حيث إن فقده بالكلية يفضي إلى الهلاك ... ومع ذلك فلم يقل أحد من العلماء بتحريم التبرع بالدم بحال من الأحوال، وتعويضه في الجسم يستوجب بعض الوقت. وهكذا يصل بنا الحديث إلى معالجة هذا الموضوع على ضوء القواعد الفقهية كما ذكرنا في مطلع البحث. وهذه القاعدة تعرف (بجلب المصالح ودرء المفاسد) . ولا يخلو أي تصرف يقوم به الإنسان لتحقيق مصلحة ما إلا بمفسدة.. وذلك أن شرب الماء مصلحة لحياة البدن، وفي ذلك استهلاك للماء ... وكذلك الشأن في الطعام واللباس وذبح الحيوان ... بل ومشروعية الجهاد في سبيل الله ... وكذلك مشروعية القصاص، والذي من شأنه قتل الجاني أو بتر عضو من أعضائه؛ كقطع يد أو رجل، وعلى الرغم من ذلك وصف تعالى هذا التصرف بالحياة. قال تعالى سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] وفقهاء المسلمين قالوا في هذا المجال: (جلب المصالح مقدم على درء المفاسد) .

стр. 3008

قال الشاطبي: لما كانت المصالح الدنيوية لا يتخلص كونها مصالح محضة، وإنما تنمو على مقتضى ما غلب، فإن كانت المصلحة هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتبار فهي مقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. (اهـ الموافقات: ١/ ٢٧) وقريب من ذلك ما ذكره العز بن عبد السلام في قواعده؛ حيث قال: وما يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها (قواعد الأحكام: جـ١/ ٩٢) وهكذا كان الحكم صراحة في جواز قطع عضو إنسان لضمان استمرار سلامة سائر البدن، ونظيره شق جوف المرأة عن الجنين المرجو حياته؛ لأن حفظ حياة الجنين أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمه. (القواعد: ١/١٠٢) . فالمصلحة ما دامت هي المقصودة من التصرف لا تمنع بمجرد وقوع المفسدة ما دام أن المصلحة هي الراجحة، وهذا ما لا يخفى على عاقل. ويقول العز بن عبد السلام: (وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها ... لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح الحقيقة) (القواعد ج١/١٤) . والشريعة الإسلامية إنما تهدف بالجملة إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وحيثما تكون المصلحة راجحة فثمة شرع الله، هذا والنفس البشرية معصومة ومحترمة، لذلك تعلق بها حق الله تعالى حتى لا يبلغ بها أصحابها في وقت من الأوقات أو في بلد من البلدان إلى مرتبة السلعة تباع وتشترى ولا يخفى ما في ذلك من إهدار لآدمية الإنسان وهدم لبنيان الرب كما جاء في الأثر: (الجسم بنيان الرب ملعون من هدمه) أي: ظلماً وعدواناً من غير وجه حق ... ومما تقدم نخلص إلى القول بأن الإيصاء بعضو من الأعضاء في حال الحياة على أن يفصل من الموصي بعد الوفاة لينتفع به آخر تتوقف حياته على ... أو يحول دون فقدان حاسة من حواسه كالعين أو سواها لا نرى أن قواعد الشريعة تحول دون مشروعيته والله أعلم. على أن يكون المتبرع كامل الأهلية، وإن كان في هذا التصرف انتهاك لحرمة الجسم بعد الموت، ولا يخفى ما في ذلك من مفسدة ظاهرة، لكن المصلحة المترتبة عليه من زرع ذلك العضو في جسم إنسان آخر واستمرار أدائه وظيفته التي خلق من أجلها مصلحة راجحة.

стр. 3009

وإن مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة أصدر قراره بهذا الشأن في جلسته المنعقدة بتاريخ ٧ جمادى الأولى سنة ١٤٠٥ هـ٢٨ كانون الثاني ١٩٨٥ ونصه ما يلي أولاً: إن أخذ عضو من جسم إنسان حي، وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية بالنسبة للمأخوذ منه، كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه، وهو عمل مشروع وحميد إذا توافرت فيه الشرائط التالية: ١) أن لا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضرراً يخل بحياته العادية؛ لأن القاعدة الشرعية أن الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأشد منه ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وهو أمر غير جائز شرعاً. ٢) أن يكون إعطاء العضو طوعاً من المتبرع دون إكراه. ٣) أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر. ٤) أن يكون نجاح كل من عمليتي النزع والزرع محققاً في العادة غالباً. ثانياً: تعتبر جائزة شرعاً بطريق الأولوية الحالات التالية: ١) أخذ العضو من إنسان ميت لإنقاذ إنسان آخر مضطر إليه. بشرط أن يكون المأخوذ منه مكلفاً وقد أذن بذلك حالة حياته. ٢) أن يؤخذ العضو من حيوان مأكول ومذكى مطلقاً، أو غيره عند الضرورة لزرعه في إنسان مضطر إليه. ٣) أخذ جزء من جسم الإنسان لزرعه أو الترقيع به في جسمه نفسه، كآخذ قطعة من جلده أو عظمه لترقيع ناحية أخرى من جسمه بها عند الحاجة إلى ذلك. ٤) وضع قطعة صناعية من معادن أو مواد أخرى في جسم الإنسان لعلاج حالة مرضية فيه؛ كالمفاصل وصمام القلب وغيرهما، فكل هذه الحالات الأربع يرى المجلس جوازها شرعاً بالشروط السابقة. بيروت في ٢٩ رجب ١٤٠٧ الموافق ١٩ آذار ١٩٨٧ الشيخ خليل محيي الدين الميس

стр. 3010

انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً إعداد الدكتور عبد السلام داود العبّادي ممثل المملكة الأردنية الهاشمية في المجْمَع، ونائب رئيس المجْمَع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك ربي وأصلي وأسلم على رسولك الكريم، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه والتزم بشرعه إلى يوم الدين ـ وبعد: فإن قضية انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً من القضايا المستحدثة بصفة عامة، وإن كان لها بعض النظائر الفقهية السابقة. وقد اهتم ببيان حكم الشريعة الإسلامية فيها عدد من الفقهاء المحدثين، وقد أصدرت عدد من اللجان والمجالس وجهات الإفتاء في العالم الإسلامي فتاوى فيها.. والواقع أن هذه القضية من الأهمية بمكان بعد أن أبرز التقدم الطبي الحاجة الماسة إليها، وضرورة بلورة النظر الفقهي فيها، بل متابعة ما يستجد فيها من صور جزئية وملابسات وتفصيلات دقيقة.. فقد كان الأمر في إطار محدود يتعلق بالاستفادة من بعض الأعضاء وبعد وفاة الإنسان العادية، مثل الاستفادة من قرنيات العيون أو الاستفادة من بعض الأعضاء في الإنسان الحي له نفسه أو لغيره؛ كالاستفادة من الدم والجلد، ثم تتابع االتقدم الطبي يثير قضايا الاستفادة من أعضاء أساسية كثيرة في الإنسان كالقلب والكلى ويثير قضايا موت الدماغ والتفريق بينه وبين الموت العادي، بل دخلت على هذا الموضوع اعتبارات جديدة غير ذلك تتعلق بنقل الخصية والمبيض وما يترتب عليه من اختلاط في الأنساب وتداخل في النسل. كل ذلك دفع العلماء لاستمرار النظر في هذا الموضوع ومتابعته بالبحث والدراسة. وإن في تصدي مجمع الفقه الإسلامي لدراسة هذا الموضوع وبيان حكم الشريعة الإسلامية فيه محاولة جادة في هذا المجال لها وزنها العلمي؛ نظراً لما يتمتع به المجمع من مكانة وصفات على مستوى العالم الإسلامي تجعله يقدم صورة من أفضل صور الاجتهاد الجماعي المعاصر أمام القضايا الحادثة.. نسأل الله له العون والتوفيق. وقد كان قرار المجمع في دورته الثالثة في عمان بخصوص موت الدماغ مما يكمل االبحث في هذا الموضوع ويرتبط به ارتباطاً وثيقاً.

стр. 3011

١- والواقع أن معالجة هذه القضية تحتاج إلى نظر فقهي يقوم على ملاحظة جملة من المبادئ والقواعد والأصول الشرعية التي يمكن إيجازها فيما يلي: أ - كرامة الإنسان واحترام شخصه وعدم جواز انتهاك حرمته حياً أو ميتاً في الشريعة الإسلامية.. قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم ... ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (٢) . وقال ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) (٣) وقال ﷺ : ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) (٤) ونهى ﷺ عن المثلة.. ومما يرتبط بهذا المبدأ عدم جواز المتاجرة بأعضاء الإنسان، والبعد به عن كل ما يؤدي إلى التشويه والمثلة. ب - المحافظة على حياة الإنسان والتنديد بكل ما يضره ويؤذيه، وترتيب الأجزية الرادعة على كل عدوان عليه بقتله أو إتلاف عضو من أعضائه مما هو معروف في أحكام القصاص والديات. وإن مما ينسجم مع هذا المبدأ جواز الانتفاع بعضو الإنسان الآخر إذا كان ذلك يحفظ حياة المنتفع دون أن يضر بالمنتفع منه، وإن ذلك لا يجوز في حالة الإضرار بالمنتفع منه أو تسبيب هلاكه.. لأن حق الحياة في الناس في نظر الشريعة واحد، والضرر لا يزال بمثله، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ج- حث الشريعة الإسلامية على التداوي ودعوتها إليه، وبيانها أن الكل داء دواء، وما على الإنسان إلا أن يبحث وينقب ليكتشف المرض والعلاج. والأحاديث النبوية في ذلك معروفة.

стр. 3012

د- أن من أهداف الشريعة ومقاصدها الأساسية في المجتمع الإنساني رعاية المصالح وتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وإن هذه الرعاية للمصالح تقوم على نظر متكامل يقدم الضروريات على الحاجيات على التحسينيات، بل إنه في إطار الضروريات يقيم نسقاً دقيقاً للمفاضلة بين المصالح عندما تتعارض.. فالضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة إلى غير ذلك مما يعرف بالرجوع إلى مظانه. هـ - احترام إرادة الإنسان في نفسه وذاته وفي إطار أسرته وأقربائه.. فلابد من موافقة الإنسان أو أولياء أمره على التبرع بعضو من أعضائه، إن كان في حياته أو بعد مماته.. ومما يرتبط بهذا تحديد من هم الأقرباء الذين لهم الموافقة، وما الحكم في حالة مجهولي الهوية والذين لا أهل لهم.. وقد ذهب بعض العلماء أن الإذن معتبر في حالة الحي دون الميت، من منطلق أن مصلحة الأحياء مقدمة على المحافظة على جثث الموتى، وهو نظر يعارض ويناقش من أكثر من زاوية، ومما يرتبط بهذا أيضاً موضوع حكم الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام؛ فقد نص بعض العلماء على جواز الانتفاع بأعضائهم، ولو بدون موافقتهم، ويتعلق بذلك حكم تبرع الولي بأعضاء من هو تحت ولايته، فهو لا يجوز لأن هذا الإذن لم يلاق محله ولم يتوافر فيه شرطه، فتصرف الولي على من تحت ولايته في الأمور النافعة أو الدائرة بين النفع والضرر، أما ما هو ضار به فلا يجوز، وعلى هذا يجوز التبرع بالدم إذا ثبت أنه لا يضره، أما التبرع بإحدى كليتي ابنه فلا يجوز.

стр. 3013

٣- ومن المسائل التي بحثها الفقهاء السابقون في هذا المجال مما يتعلق بهذه القضية: أ - حكم التناول من جثة الآدمي إذا لم يجد المضطر غيرها، فقد ذهب العديد من العلماء إلى جواز ذلك لسد الرمق وعللوه بأن حرمة االحي أعظم من حرمة الميت. ب - ونص بعض فقهاء الشافعية وغيرهم على جواز جبر العظم المنكسر بعظم الآدمي إذا لم يجد ما يصلح لذلك ولو كان من حيوان نجس نجاسة مغلظة. ج- ومما يذكره بعض الباحثين في هذا المجال ما نقلته كتب السيرة من ((أن قتادة بن النعمان ﵁ أصيبت عينه يوم بدر، وفي رواية يوم أحد فندرت حدقته، فأخذها في راحته إلى النبي ﷺ ، فأخذها النبي ﷺ ، وأعادها إلى موضعها فكانت أحسن عينيه وأحدّها بصراً.)) فهم يذكرون أن هذا وإن كان من معجزاته ﵇ إلا أن فيه زرعاً للعين أو إعادة زرع لها. وواضح أن هذا ليس مما نحن فيه من حيث بيان الحكم الشرعي للانتفاع بأعضاء جسم الإنسان. وقد كانت لجنة الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية قد عالجت موضوع انتفاع إنسان بأعضاء إنسان آخر حياً أو ميتاً في فتوى أقرتها بتاريخ ٢٠ جمادى الأولى سنة ١٣٩٧ هـ الموافق ١٨/٥/١٩٧٧م.. وقد كانت اللجنة تتكون في تلك الفترة من كل من الشيخ محمد عبده هاشم، والشيخ محمد أبو سردانه، والدكتور عبد السلام العبادي، والدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، والدكتور ياسين درادكة، والشيخ عز الدين الخطيب، والشيخ أسعد بيوض التميمي.

стр. 3014

وفيما يلي نص الفتوى: السؤال / ما رأي الدين في تشريح الميت، وفي نقل عضو من أعضاء حي أو ميت، إلى إنسان حي، لحفظ حياته أو سلامة أعضائه، ونقل الدم من إنسان حي إلى آخر. الجواب / هذه المسائل من الحوادث المستجدة التي لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ، ومن بعده من سلفنا الصالح، ولذا لم ينقل عنهم لها ولا لأمثالها حكم خاص بها، فليس هناك نص خاص من كتاب أو سنة يجيز نقل أعضاء الميت إلى شخص آخر حي لينتفع بذلك أو يمنع منه، وإنما يؤخذ حكمها من عموميات القواعد والأدلة الشرعية. والذي تراه لجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية، أن التشريح ونقل الأعضاء ونقل الدم بالشكل الوارد في السؤال من الأمور الجائزة شرعاً، ويستدل على هذا: أولا: إن حفظ الكليات الخمس واجب شرعاً عند العلماء، ومن ذلك حفظ النفس بإنقاذ حياة مسلم أو سلامة عضو من أعضائه بنقله من حي أو ميت. ثانيا: ويستدل بروح الشريعة وقواعدها العامة التي تقول: (الضرورات تبيح المحظورات) (والضرورة تقدر بقدرها) ، (وللضرورة أحكام) ، (وإذا ضاق الأمر اتسع) ، (والمشقة توجب التيسير) ، (ولا ينكر ارتكاب أخف الضررين) . ثالثاً: ويستدل كذلك بما كتبه الفقهاء المتقدمون والمتأخرون في إجازتهم تشريح الميت للكشف عن جريمة قتل أو لمعرفة أسباب مرض ما؛ ليتمكن الأطباء من معالجة ذلك المرض في الأحياء أو ما إلى ذلك من الصور والأمثلة التي يتحقق فيها الصالح العام أو الخاص للمسلمين، فقد أفتى فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة بإجازة تشريح امرأة ميتة لإخراج مولودها الحي من بطنها أو لإخراج مال ابتلعه الميت ... إلى غير ذلك من المسائل التي ذكروها في كتبهم المعتمدة، فإذا أجاز العلماء التشريح لإخراج مال ابتلعه الميت، وقدر هذا المال بمقدار نصاب قطع يد السارق، وهو ربع دينار أي ثلاثة دراهم، فمن باب أولى أن يجاز التشريح هنا لصيانة نفس أو لإنقاذ حياة أو لسلامة عضو أو كشف لجريمة.

стр. 3015

وفيما يلي نصوص الفقهاء في ذلك: أ- جاء في كتاب رد المحتار على الدر المختار، وهو من كتب الحنفية المعتمدة: (حامل ماتت وولدها حي يضارب- أي في بطنها- يشق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها. ولو بالعكس، وخيف على الأم (أي من الهلاك) قطع- أي الجنين ـوأخرج لو ميتاً. ولو بلغ مال غيره ومات هل يشق أم لا؟ قولان: الأول: نعم ـ رد المحتار على الدر المختار: جـ (١) ص (٦٠٢) . ب- وجاء في متن خليل من كتب المالكية في كتاب الجنائز قوله: (وبقر عن مال كثر، ولو ثبت بالبينة أو بشاهد ويمين) وقال الخرشي في شرحه والحطاب: جـ٢ آخر كتاب الجنائز (البقر عبارة عن شق جوف الميت) يعني أن من ابتلع مالا له أو لغيره ثم مات، فإنه يشق جوفه فيخرج منه إن كان له قدر وبال بأن يكون نصاباً، أي كنصاب الزكاة، وقيل: كنصاب السرقة أي ربع دينار، وهو ما يساوي ثلاثة دراهم. ثم أورد مسألة شق بطن الحامل في هذه الحال وبقية أئمة المالكية قد أجازوا ذلك. جـ- وجاء في المهذب في كتاب الجنائز: جـ١ ص ١٣٨ وهو من كتب الشافعية المعتمدة قوله: (وان ابتلع الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة) . وقوله: وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها؛ لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر لأكل جزء من الميت) . د- وقال صاحب المغني موفق الدين بن قدامة الحنبلي: (وإن بلع الميت مالا فإن كان يسيراً ترك، وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج؛ لأن فيه حفظ المال من الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه) أي بمرض موته ـ انتهى المغني: جـ٢ صفحة ٤٥٩.
следующие страницы →