١- والواقع أن معالجة هذه القضية تحتاج إلى نظر فقهي يقوم على ملاحظة جملة من المبادئ والقواعد والأصول الشرعية التي يمكن إيجازها فيما يلي:
أ - كرامة الإنسان واحترام شخصه وعدم جواز انتهاك حرمته حياً أو ميتاً في الشريعة الإسلامية.. قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم ... ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (٢) . وقال ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) (٣) وقال ﷺ : ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) (٤) ونهى ﷺ عن المثلة.. ومما يرتبط بهذا المبدأ عدم جواز المتاجرة بأعضاء الإنسان، والبعد به عن كل ما يؤدي إلى التشويه والمثلة.
ب - المحافظة على حياة الإنسان والتنديد بكل ما يضره ويؤذيه، وترتيب الأجزية الرادعة على كل عدوان عليه بقتله أو إتلاف عضو من أعضائه مما هو معروف في أحكام القصاص والديات.
وإن مما ينسجم مع هذا المبدأ جواز الانتفاع بعضو الإنسان الآخر إذا كان ذلك يحفظ حياة المنتفع دون أن يضر بالمنتفع منه، وإن ذلك لا يجوز في حالة الإضرار بالمنتفع منه أو تسبيب هلاكه.. لأن حق الحياة في الناس في نظر الشريعة واحد، والضرر لا يزال بمثله، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ج- حث الشريعة الإسلامية على التداوي ودعوتها إليه، وبيانها أن الكل داء دواء، وما على الإنسان إلا أن يبحث وينقب ليكتشف المرض والعلاج. والأحاديث النبوية في ذلك معروفة.
стр. 3012
د- أن من أهداف الشريعة ومقاصدها الأساسية في المجتمع الإنساني رعاية المصالح وتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وإن هذه الرعاية للمصالح تقوم على نظر متكامل يقدم الضروريات على الحاجيات على التحسينيات، بل إنه في إطار الضروريات يقيم نسقاً دقيقاً للمفاضلة بين المصالح عندما تتعارض.. فالضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة إلى غير ذلك مما يعرف بالرجوع إلى مظانه.
هـ - احترام إرادة الإنسان في نفسه وذاته وفي إطار أسرته وأقربائه.. فلابد من موافقة الإنسان أو أولياء أمره على التبرع بعضو من أعضائه، إن كان في حياته أو بعد مماته.. ومما يرتبط بهذا تحديد من هم الأقرباء الذين لهم الموافقة، وما الحكم في حالة مجهولي الهوية والذين لا أهل لهم.. وقد ذهب بعض العلماء أن الإذن معتبر في حالة الحي دون الميت، من منطلق أن مصلحة الأحياء مقدمة على المحافظة على جثث الموتى، وهو نظر يعارض ويناقش من أكثر من زاوية، ومما يرتبط بهذا أيضاً موضوع حكم الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام؛ فقد نص بعض العلماء على جواز الانتفاع بأعضائهم، ولو بدون موافقتهم، ويتعلق بذلك حكم تبرع الولي بأعضاء من هو تحت ولايته، فهو لا يجوز لأن هذا الإذن لم يلاق محله ولم يتوافر فيه شرطه، فتصرف الولي على من تحت ولايته في الأمور النافعة أو الدائرة بين النفع والضرر، أما ما هو ضار به فلا يجوز، وعلى هذا يجوز التبرع بالدم إذا ثبت أنه لا يضره، أما التبرع بإحدى كليتي ابنه فلا يجوز.
стр. 3013
٣- ومن المسائل التي بحثها الفقهاء السابقون في هذا المجال مما يتعلق بهذه القضية:
أ - حكم التناول من جثة الآدمي إذا لم يجد المضطر غيرها، فقد ذهب العديد من العلماء إلى جواز ذلك لسد الرمق وعللوه بأن حرمة االحي أعظم من حرمة الميت.
ب - ونص بعض فقهاء الشافعية وغيرهم على جواز جبر العظم المنكسر بعظم الآدمي إذا لم يجد ما يصلح لذلك ولو كان من حيوان نجس نجاسة مغلظة.
ج- ومما يذكره بعض الباحثين في هذا المجال ما نقلته كتب السيرة من ((أن قتادة بن النعمان ﵁ أصيبت عينه يوم بدر، وفي رواية يوم أحد فندرت حدقته، فأخذها في راحته إلى النبي ﷺ ، فأخذها النبي ﷺ ، وأعادها إلى موضعها فكانت أحسن عينيه وأحدّها بصراً.))
فهم يذكرون أن هذا وإن كان من معجزاته ﵇ إلا أن فيه زرعاً للعين أو إعادة زرع لها.
وواضح أن هذا ليس مما نحن فيه من حيث بيان الحكم الشرعي للانتفاع بأعضاء جسم الإنسان.
وقد كانت لجنة الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية قد عالجت موضوع انتفاع إنسان بأعضاء إنسان آخر حياً أو ميتاً في فتوى أقرتها بتاريخ ٢٠ جمادى الأولى سنة ١٣٩٧ هـ الموافق ١٨/٥/١٩٧٧م.. وقد كانت اللجنة تتكون في تلك الفترة من كل من الشيخ محمد عبده هاشم، والشيخ محمد أبو سردانه، والدكتور عبد السلام العبادي، والدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، والدكتور ياسين درادكة، والشيخ عز الدين الخطيب، والشيخ أسعد بيوض التميمي.
стр. 3014
وفيما يلي نص الفتوى:
السؤال /
ما رأي الدين في تشريح الميت، وفي نقل عضو من أعضاء حي أو ميت، إلى إنسان حي، لحفظ حياته أو سلامة أعضائه، ونقل الدم من إنسان حي إلى آخر.
الجواب /
هذه المسائل من الحوادث المستجدة التي لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ، ومن بعده من سلفنا الصالح، ولذا لم ينقل عنهم لها ولا لأمثالها حكم خاص بها، فليس هناك نص خاص من كتاب أو سنة يجيز نقل أعضاء الميت إلى شخص آخر حي لينتفع بذلك أو يمنع منه، وإنما يؤخذ حكمها من عموميات القواعد والأدلة الشرعية. والذي تراه لجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية، أن التشريح ونقل الأعضاء ونقل الدم بالشكل الوارد في السؤال من الأمور الجائزة شرعاً، ويستدل على هذا:
أولا:
إن حفظ الكليات الخمس واجب شرعاً عند العلماء، ومن ذلك حفظ النفس بإنقاذ حياة مسلم أو سلامة عضو من أعضائه بنقله من حي أو ميت.
ثانيا:
ويستدل بروح الشريعة وقواعدها العامة التي تقول: (الضرورات تبيح المحظورات) (والضرورة تقدر بقدرها) ، (وللضرورة أحكام) ، (وإذا ضاق الأمر اتسع) ، (والمشقة توجب التيسير) ، (ولا ينكر ارتكاب أخف الضررين) .
ثالثاً:
ويستدل كذلك بما كتبه الفقهاء المتقدمون والمتأخرون في إجازتهم تشريح الميت للكشف عن جريمة قتل أو لمعرفة أسباب مرض ما؛ ليتمكن الأطباء من معالجة ذلك المرض في الأحياء أو ما إلى ذلك من الصور والأمثلة التي يتحقق فيها الصالح العام أو الخاص للمسلمين، فقد أفتى فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة بإجازة تشريح امرأة ميتة لإخراج مولودها الحي من بطنها أو لإخراج مال ابتلعه الميت ... إلى غير ذلك من المسائل التي ذكروها في كتبهم المعتمدة، فإذا أجاز العلماء التشريح لإخراج مال ابتلعه الميت، وقدر هذا المال بمقدار نصاب قطع يد السارق، وهو ربع دينار أي ثلاثة دراهم، فمن باب أولى أن يجاز التشريح هنا لصيانة نفس أو لإنقاذ حياة أو لسلامة عضو أو كشف لجريمة.
стр. 3015
وفيما يلي نصوص الفقهاء في ذلك:
أ- جاء في كتاب رد المحتار على الدر المختار، وهو من كتب الحنفية المعتمدة: (حامل ماتت وولدها حي يضارب- أي في بطنها- يشق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها. ولو بالعكس، وخيف على الأم (أي من الهلاك) قطع- أي الجنين ـوأخرج لو ميتاً. ولو بلغ مال غيره ومات هل يشق أم لا؟ قولان: الأول: نعم ـ رد المحتار على الدر المختار: جـ (١) ص (٦٠٢) .
ب- وجاء في متن خليل من كتب المالكية في كتاب الجنائز قوله: (وبقر عن مال كثر، ولو ثبت بالبينة أو بشاهد ويمين) وقال الخرشي في شرحه والحطاب: جـ٢ آخر كتاب الجنائز (البقر عبارة عن شق جوف الميت) يعني أن من ابتلع مالا له أو لغيره ثم مات، فإنه يشق جوفه فيخرج منه إن كان له قدر وبال بأن يكون نصاباً، أي كنصاب الزكاة، وقيل: كنصاب السرقة أي ربع دينار، وهو ما يساوي ثلاثة دراهم. ثم أورد مسألة شق بطن الحامل في هذه الحال وبقية أئمة المالكية قد أجازوا ذلك.
جـ- وجاء في المهذب في كتاب الجنائز: جـ١ ص ١٣٨ وهو من كتب الشافعية المعتمدة قوله: (وان ابتلع الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة) . وقوله: وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها؛ لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر لأكل جزء من الميت) .
د- وقال صاحب المغني موفق الدين بن قدامة الحنبلي: (وإن بلع الميت مالا فإن كان يسيراً ترك، وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج؛ لأن فيه حفظ المال من الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه) أي بمرض موته ـ انتهى المغني: جـ٢ صفحة ٤٥٩.
стр. 3016
ولا يقال: إن هناك أدلة تعارض جواز تشريح جثة الميت أو نقل عضو من أعضائه لحي ينتفع، بحجة أن الشريعة الإسلامية كرمت الآدمي وحثت على إكرامه وأمرت بعدم إيذائه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ إلى آخر الآية ٧٠ من سورة الإسراء، وقوله ﷺ فيما رواه أبو داود على شرط مسلم والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ بسند صحيح: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) ، يعني في الحرمة، وقوله أيضاً فيما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: ((أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته)) ؛ إذ إن المقصود من الآية والحديثين هو تكريم الميت وعدم إهانته أو التمثيل به. كما يدل على ذلك سبب ورود حديث النهي عن كسر عظم الميت، فإن النبي ﷺ رأى حفاراً يكسر عظماً لميت بلا سبب مشروع فقال له: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي)) . أما ما نحن بصدده فلا يقصد به الإهانة، وإنما يقصد به إنقاذ حياة إنسان أو سلامة عضوه، وهذا المقصود يحمل معنى تكريم الإنسان، لا إهانته، وبهذا الفهم الواعي أجاز العلماء السابقون تشريح جثة الميت لغرض مشروع؛ كإخراج مال ابتلعه الميت أو إخراج مولود حي من جوف امرأة ماتت.
هذا وإن لجنة الفتوى تنبه إلى أن جواز النقل أو التشريح يجب أن يكون مقيداً بالشروط الآتية، وذلك لحفظ كرامة الميت ولئلا يتخذ للعبث والإهانة:
١- أن تكون هناك موافقة خطية من المتبرع في حياته ثم موافقة أحد أبويه أو وليه بعد وفاته، أو موافقة ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية.
٢- أن يكون المتبرع له محتاجاً أو مضطراً إلى العضو المتبرع به، وأن تتوقف حياة المنقول له على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة أحد أجهزة الجسم عليه، وذلك بتقرير من لجنة طبية موثوقة في دينها وعلمها وخبرتها.
٣- إن كان المنقول منه العضو أو الدم حيّا فيشترط ألا يقع النقل على عضو أساسي للحياة، إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع، ولو كان ذلك بموافقته.
٤- ألا يحدث النقل تشويها في جثة المتبرع.
٥- لا يجوز أن يتم التبرع مقابل بدل مادي أو بقصد الربح.
هذا وإن اللجنة تذكر بأنه لابد من الاحتياط والحذر في ذلك (أي في التشريح أو نقل الأعضاء من حي إلى حي، أو من ميت إلى حي، أو نقل الدم من حي إلى آخر) حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة، وليقتصر فيه على قدر الضرورة؛ إذ هي علة الحكم الذي يدور معها وجوداً وعدماً وليتّق الله الأطباء الذين يتولون ذلك وليعلموا أن الناقد بصير والمهيمن قدير والله يتولى هداية الجميع.
стр. 3017
لجنة الإفتاء
وعلى ضوء هذه الفتوى وبالتنسيق مع لجنة الإفتاء صدر في الأردن قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان رقم ٢٣ لسنة ١٩٧٧م ... ثم صدر قانون معدل له سنة ١٩٨٠، وفيما يلي النص الكامل لهذين القانونين اللذين جاءا ملتزمين بنص الفتوى وبحيث يقدمان صورة متكاملة من المعالجة التشريعية الدقيقة لهذا الموضوع وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
عن الحسين الأول ملك المملكة الأردنية الهاشمية
بمقتضى الفقرة (١) للمادة (٩٤) من الدستور
وبناء على ما قرره مجلس الوزراء بتاريخ ٢٤/٤/١٩٧٧
نصادق بمقتضى المادة (٣١) من الدستور على القانون المؤقت الآتي ونأمر بإصداره ووضعه موضع التنفيذ المؤقت وإضافته إلى قوانين الدولة على أساس عرضه على مجلس الأمة في أول اجتماع يعقده:
قانون مؤقت رقم (٢٣) لسنة ١٩٧٧
قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان
المادة ١
يسمى هذا القانون (قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان لسنة ١٩٧٧) ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
المادة ٢
تكون للألفاظ والعبارات الواردة في هذا القانون المعاني المحددة أدناه إلا إذا دلت القرينة على غير ذلك:
الطبيب الاختصاصي: هو الطبيب المعترف به اختصاصياً بمقتضى القوانين والأنظمة المعمول بها.
المستشفى: أي مستشفى مرخص في المملكة الأردنية الهاشمية.
العضو: أي عضو من أعضاء جسم الإنسان أو جزء منه.
نقل العضو: نزعه أو إزالته من جسم إنسان حي أو ميت حسب مقتضى الحال وتثبيته أو غرسه في جسم إنسان حي آخر.
المادة ٣:
لا يجوز إجراء عمليات على الأعضاء إلا في مستشفى يوافق عليه وزير الصحة.
المادة ٤:
أ- للأطباء الاختصاصيين في المستشفيات نقل العضو من إنسان حي إلى آخر بحاجة إليه وفقا للشروط التالية:
١- أن لا يقع النقل على عضو أساسي للحياة إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع ولو كان ذلك بموافقته.
٢- أن تقوم لجنة مؤلفة من ثلاث أطباء اختصاصيين بفحص المتبرع وتقرير أن نقل العضو من جسمه لا يشكل خطراً على حياته.
٣- أن يوافق المتبرع خطيا وهو بكامل إرادته وأهليته على نقل العضو من جسمه، وذلك قبل إجراء عملية النقل.
ب- لا يجوز أن يتم التبرع بالعضو مقابل بدل مادي أو بقصد الربح.
стр. 3018
المادة ٥:
للأطباء الاختصاصيين في المستشفيات التي يوافق عليها وزير الصحة نقل العضو من جسم إنسان ميت إلى جسم إنسان آخر حي يكون بحاجة لذلك العضو في أي من الحالات التالية:
أ - إذا كان المتوفى قد أوصى قبل وفاته بالنقل بإقرار خطي ثابت التوقيع والتاريخ بصورة قانونية.
ب - إذا وافق أحد أبوي المتوفى في حالة وجودهما على النقل أو وافق عليه الولي الشرعي في حالة عدم وجود الأبوين.
جـ- إذا كان المتوفى مجهول الهوية ولم يطالب أحد بجثته خلال (٢٤) ساعة بعد الوفاة على أن يتم النقل في هذه الحالة بموافقة المدعي العام.
المادة ٦:
للأطباء الاختصاصيين في المستشفيات التي يوافق عليها وزير الصحة فتح جثة المتوفى ونزع أي من أعضائها إذا تبين أن هناك ضرورة علمية لذلك على أن يكون المتوفى قد وافق على ذلك خطيا بصورة قانونية صحيحة قبل وفاته، أو بموافقة وليه الشرعي بعد الوفاة.
المادة ٧:
لا يجوز أن يؤدي نقل العضو في أية حالة من الحالات إلى إحداث تشويه ظاهر في جثة المتوفى.
المادة٨:
لا يجوز فتح الجثة لأي غرض من الأغراض المنصوص عليها في هذا القانون إلا بعد التأكد من الوفاة بتقرير طبي، ويشترط في ذلك أن يكون الطبيب الذي يقرر الوفاة هو غير الطبيب الاختصاصي الذي يقوم بعملية النقل.
المادة ٩:
تلغى أحكام أي قانون أو تشريع آخر إلى المدى الذي تتعارض فيه مع أحكام هذا القانون.
المادة ١٠:
لمجلس الوزراء إصدار الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون.
стр. 3019
المادة ١١:
رئيس الوزراء والوزراء المختصون مكلفون بتنفيذ أحكام هذا القانون.
الحسين بن طلال
في ٢٤/٤/١٩٧٧
وزير العمل: عصام العجلوني.
رئيس الوزراء ووزير الخارجية والدفاع: مضر بدران.
وزير المواصلات ووزير الصحة بالوكالة عبد الرؤوف الروابدة.
وزير المالية: محمد الدباس.
وزير الإنشاء والتعمير ووزير دولة للشؤون الخارجية: حسن إبراهيم.
وزير النقل: علي سحيمات.
وزير السياحة والآثار: غالب بركات.
وزير الداخلية: سليمان عرار.
وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية: كامل الشريف.
وزير الصناعة والتجارة: نجم الدين الدجاني.
وزير العدل: أحمد عبد الكريم الطراونه.
وزير الشؤون البلدية والقروية: إبراهيم أيوب.
وزير التموين ووزير الزراعة بالوكالة: مروان القاسم.
وزير الأشغال العامة: سعيد بينو.
وزير التربية والتعليم ووزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء: د. عبد السلام المجالي.
وزير الثقافة والشباب ووزير الإعلام بالوكالة: الشريف فواز شرف.
نحن الحسين الأول ملك المملكة الأردنية الهاشمية
بمقتضى الفقرة (١) للمادة (٩٤) من الدستور
وبناء على ما قرره مجلس الوزراء بتاريخ ٢٠/٧/١٩٨٠
نصادق بمقتضى المادة (٣١) من الدستور على القانون المؤقت الآتي ونأمر بإصداره ووضعه موضع التنفيذ المؤقت، وإضافته إلى قوانين الدولة على أساس عرضه على مجلس الأمة في أول اجتماع يعقده.
стр. 3020
قانون مؤقت رقم (١٧) لسنة ١٩٨٠
قانون معدل لقانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان
المادة ١-
يسمى هذا القانون (قانون معدل لقانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان لسنة ١٩٨٠) ويقرأ مع القانون رقم (٢٣) لسنة ١٩٧٧ المشار إليه فيما يلي بالقانون الأصلي كقانون واحد، ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية:
المادة ٢-
يلغى نص المادة (٤) من القانون الأصلي ويستعاض عنه بالنص التالي:
أ- للأطباء الاختصاصيين في المستشفيات المعتمدة من الوزير نقل العضو من إنسان حي إلى آخر بحاجة إليه وفقاً للشروط التالية:-
١- أن لا يقع النقل على عضو أساسي للحياة إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع ولو كان ذلك بموافقته.
٢- أن تقوم لجنة مؤلفة من ثلاثة أطباء اختصاصيين بفحص المتبرع للتأكد من أن نقل العضو من جسمه لا يشكل خطراً على حياته. وتقديم تقرير بذلك.
٣- أن يوافق المتبرع خطياً.. وهو بكامل إرادته وأهليته على نقل العضو من جسمه وذلك قبل إجراء عملية النقل.
ب- إذا قرر الطبيب الشرعي تشريح جثة المتوفى لأغراض قانونية لمعرفة سبب الوفاة أو لاكتشاف جريمة فإنه يسمح له بنزع القرنية منها. وذلك وفقاً للشروط التالية:
١- أن لا يؤثر نزعها على معرفة سبب الوفاة، ولو بعد حين.
٢- أن تؤخذ موافقة ولي أمر المتوفى خطياً ودون إكراه.
جـ- لا يجوز أن يتم التبرع بالعضو مقابل بدل مادي أو بقصد الربح.
المادة ٣:
يلغى نص المادة (٧) من القانون الأصلي ويستعاض عنه بالنص التالي:
стр. 3021
المادة ٧:
لا يجوز أن يؤدي نقل العضو في أية حالة من الحالات إلى إحداث تشويه ظاهر في الجثة يكون فيها امتهان لحرمة المتوفى.
٢٠/٧/١٩٨٠ الحسين بن طلال
وزير العمل ووزير الإنشاء والتعمير ووزير التنمية الاجتماعية بالوكالة: عمر النابلسي.
رئيس الوزراء ووزير الدفاع: د. قاسم الريماوي.
وزير المواصلات: د. محمد عضوب الزبن.
وزير السياحة والآثار: موفق الفواز.
وزير الصناعة والتجارة: المهندس علي النسور.
رئاسة الوزراء: سليمان عرار.
وزير العدل: نجيب إرشيدات.
وزير الصحة: د. زهير ملحس.
وزير التربية والتعليم: محمد نوري شفيق.
وزير التموين: د. جواد العناني.
وزير الخارجية: مروان القاسم.
وزير الأشغال العامة: معن أبو نوار.
وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية: كامل الشريف.
وزير المالية: سالم مساعده.
وزير دولة: حسن إبراهيم.
وزير الإعلام ووزير الثقافة والشباب بالوكالة: د. سعيد التل.
وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء ووزير العمل: المهندس علي السحيمات.
وزير الشؤون البلدية والقروية والبناء: د. جمال الشاعر.
وفي سنة ١٩٨٤ أصدرت لجنة الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية فتوى حول حكم الشريعة الإسلامية في التبرع بقرنية العين فيما يلي نص الفتوى:
стр. 3022
حكم الشريعة في التبرع بقرنية العين
ورد إلى دائرة الإفتاء سؤال موجه من سمو الأمير رعد بن زيد رئيس جمعية أصدقاء بنك العيون الأردني والوقاية من فقدان البصر لإبداء الرأي عن حكم تبرع المواطنين بقرنيات عيونهم بعد الوفاة لزرعها عند بعض المواطنين الكفيفي البصر.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وبعد:
فإن قواعد الشريعة الإسلامية تبيح الاستفادة من قرنيات عيون الموتى لزرعها في عيون كفيفي البصر أو المهددين بالعمى، وذلك ضمن الشروط التالية:-
١- التحقق من وفاة المتبرع.
٢- أن يكون هناك ظن غالب لدى الأطباء بنجاح عملية الزرع.
٣- أن يكون الميت قد تبرع قبل موته بقرنية أو رضي الورثة بذلك.
ومن الأدلة الشرعية المؤيدة لجواز الأمر:
أولا: إن نقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء فيه حفظ للنفوس التي جاءت الشريعة الإسلامية بوجوب المحافظة عليها.
ثانياً: لاشك أن العمى أو فقد البصر ضرر يلحق بالإنسان ودفع هذا البصر ضرورة شرعية تبيح نقل قرنيات عيون الأموات إلى عيون الأحياء، وهذا يندرج تحت القواعد المتفق عليها مثل:
(الضرورات تبيح المحظورات) و (الضرورة تقدر بقدرها) (لا ينكر ارتكاب أخف الضررين)
ثالثاًً: إن أخذ قرنية الميت لزرعها في عين إنسان حي لاستعادة بصره لا يعد من قبيل المثلة لأن المثلة التي نهى عنها النبي ﷺ ، هي التي يقصد بها الاستخفاف بشأنه وانتهاك حرمته.
أما في هذه الحالة فهي تكريم للإنسان المتبرع حيث يفتح له باب الأجر والثواب. وتكريم الإنسان الحي الذي استعاد بصره وأعانه على التمتع بنعمة الله عليه بالبصر وشكرها.
ولهذا ذهب الفقهاء إلى جواز شق بطن الأنثى الحامل التي ماتت وذلك لإخراج الجنين الذي ترجى حياته، وكذلك جواز شق جوف الميت الذي ابتلع مالا لغيره وقد علل الفقهاء ذلك بقولهم: (إن حرمة الحي وحفظ نفسه أولى من حفظ الميت عن المثلة) . قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ . فاطر: ٢٢.
رابعاً: دعت الشريعة الإسلامية إلى التداوي قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، تداووا، ولا تتداووا بحرام)) . ونقل قرنيات العيون من الأموات إلى الأحياء هو من قبيل التداوي والمعالجة.
خامساً: يدخل التبرع بقرنيات العيون إلى الآخرين المصابين بفقد البصر في مفهوم الصدقة التي حثت الشريعة الإسلامية على بذلها للآخرين من دون الحاجات، وحاجة الأعمى إلى البصر أشد من حاجة الفقير إلى المال، وأشد من حاجته إلى الطعام والشراب، قال رسول الله ﷺ : ((ومن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه)) . والله أعلم.
التاريخ ١١/٧/١٤٠٤ هـ
الموافق ١١/٤/١٩٨٤م لجنة الإفتاء
стр. 3023
انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً
إعداد
فضيلة الشيخ آدم عبد الله علي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
لقد أكرم الله الإنسان حياً وميتاً، حمله في حياته في البر والبحر ورزقه من الطيبات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء: ٧٠.
وإذا شكر الإنسان لله على إكرامه وإحسانه وآمن به وبرسله عصمه في نفسه وماله وعرضه، كما قال رسول الله ﷺ : ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) ... إلخ.
وشرع الله له ما يصون حياته، وحرم عليه الاعتداء، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ البقرة: ١٧٩. وإذا ألجأته ضرورة إلى تناول شيء مما حرمه الله عليه رفع الله عنه التحريم وأباح له بقدر الضرورة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . البقرة: ١٧٣.
لذلك يجوز للمضطر الأكل من الميتة ونحوها صونا لحياته، فالضروريات تبيح المحظورات وتقدر الضرورة بقدرها كما هو المعروف لدى العلماء، والمحرمات إما لذاتها وإما لسد الذريعة وإذا كان التحريم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم لسد الذريعة قد يباح للحاجة والمصلحة كرؤية الطبيب لعورة المريض رجلا كان أو امرآة لأجل التداوي.
стр. 3024
وفي كتاب مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج في جزئه الرابع ما يأتي:
وللمضطر أكل آدمي إن لم يجد ميتة غيره؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيًا، فإنه لا يجوز الأكل منه جزما كما قاله إبراهيم المروزي وأقره، وأما إذا كان الميت مسلماً والمضطر كافراً، فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام، وهذا في المذهب الشافعي، ويحرم أكل الآدمي عند مالك وأحمد وأصحاب الظاهر.
وحيث جوزنا أكل ميتة الآدمي المحترم فإنه لا يجوز طبخها ولا شيها؛ لما فيه من هتك حرمته، ويتخير في غيره من أكله نيئاً ومطبوخاً ومشويا، وجوز الإمام النووي قطع الإنسان بعضه لأكله؛ لأنه إتلاف بعض لاستبقاء كله، وقال أبو إسحاق: لأنه إحياء نفس بعضو كما يجوز أن يقطع عضواً إذا وقعت فيه الأكلة لإحياء نفسه، واشترطوا في ذلك فقد الميتة ونحوها، وأن يكون الخوف في قطع بعضه أقل من الخوق في ترك الأكل، ثم يقول النووي: ويحرم قطعه لغيره، أي يحرم قطع بعض نفسه لغيره من المضطرين؛ لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل، وفي نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي عبارة أوضح يقول في جزئه الثامن ص ١٤٥: ويحرم قطعه البعض من نفسه لغيره، ولو مضطرا، ما لم يكن ذلك الغير نبيا فيجب له ذلك، فعلى هذا فليس للإنسان الوصية بقطع بعض أعضائه لغيره المضطر وهو في حياته، فكيف يجوز له أن يوصي بقطع بعض أعضائه بعد موته.
стр. 3025
وفي المجموع شرح المهذب للنووي في المجلد التاسع منه:
لو أراد المضطر أن يقطع قطعة من نفسه من فخذه أو غيرها ليأكلها فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد حرم القطع بلا خلاف، وصرح به إمام الحرمين وغيره، وإلا ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما.
ثم قال: ولا يجوز أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف. صرح به إمام الحرمين والأصحاب ـ يعني أصحاب الشافعي.
إن الله سبحانه أكرم الإنسان ميتاً كما أكرمه حياً، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ عبس: ١٧-٢١. فجعله سبحانه بعد موته مقبوراً، فالواجبُ على المسلمينَ دفن الميت منهم كله لا بعضه، فانتهاكُ حرمة الميت المسلم كانتهاك حرمته حيا، فقد رُوي عن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إن كسر عظم الميت ككسره حيا)) رواه مالك وأبو داود وابن ماجة.
وقد جوز الفقهاء شق بطن الحامل الميتة لإخراج جنينها الذي يرجى حياته، كما جوزوا بقر بطن الميت إذ كان في بطنه مال ابتلعه في حياته لإخراج المال منه إذا بلغ المال نصاب السرقة أو نصاب الزكاة على خلافهم في قدر المال الذي من أجله يشق بطن الميت، وقال بعض العلماء على ذلك جواز تشريح المجني عليه الذي مات قبل إثبات الجريمة لأجل إثبات الجريمة المتنازع عليها، ورأي الفقه في ذلك ظاهر؛ لأنه تعلق حق الغير، أو إثبات حق الغير بذات شخص معين وكان ميتا فانتهك حرمته لأجل هذا، وأما انتهاك حرمته بقطع بعض أعضائه لجعلها قطع غيار لغيره فليس من قبيل ذلك، فلا أجد في نظري القاصر وجهاً لإباحة ذلك مطلقاً، لا بوصيته حال حياته، ولا بإذن أقاربه بعد موته، وقياس الاضطرار بالمرض على الاضطرار بالجوع غير صحيح لوجود الفرق بينهما. والله أعلم.
الشيخ آدم عبد الله علي
стр. 3026
انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيّاً أو ميّتاً
إعداد
فضيلة الشيخ محمد عبد الرحمن
مفتي جمهورية القمر الاتحادية الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لقد كرم الله تعالى ابن آدم وفضله على كثير من خلقه ومنحه الخلافة في أرضه وجعل من جنسه الأنبياء والمرسلين والعلماء العاملين وسخر له ما في السموات وما في الأرض وأنزل عليه لباساً يواري سوأتيه في الحياة كما أوجب مواراة جثمانه بعد مماته إلى غير هذه من الفضائل التي ميز الله بها بني الإنسان على من سواهم من مخلوقاته.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء: ٧٠
وقال جل شأنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الجاثية: ١٣.
ومقتضى هذا التكريم الذي نوه الله به في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن تكون أعضاء هذه الشخصية الممتازة محترمة لا تمس بانتهاك حيّاً وميتاً إلا أن للضرورة أحكاما أعظمها أنها تبيح المحظورات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: ١٧٣.
أباح الله وهو الرؤوف الرحيم للمضطر تناول هذه المحرمات عند فقدان الطعام إبقاء لحياته، ومن جراء ذلك أجاز بعض الفقهاء تناول ميتة آدمي إذا لم يجد المضطر غيرها من المحرمات، قال ابن قدامة في الجزء الثامن من (المغني صحيفة ٦٠٢) : وإن وجد معصوماً ميتاً لم يبح أكله في قول أصحابنا، وقال الشافعي: وبعض الحنفية يباح، وهو أولى؛ لأن حرمة الحي أعظم.
وقال الإمام النووي في المجلد التاسع من المجموع صحيفة: ٣٣ وإن اضطر ووجد آدمياً ميتاً جاز له أكله لأن حرمة الحي أكبر من حرمة الميت، وفي صحيفة ٣٦ من نفس المجلد قال: قال الماوردي: فإن جوزنا الأكل من الآدمي فلا يجوز أن نأكل منه إلا ما يسد الرمق بلا خلاف. إلى أن قال: ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة ولم يجز أكل الآدمي سواء كان الميتة خنزيراً أو غيره اهـ.
стр. 3027
وهذا يدل على أنه لا يجوز الانتفاع بجزء من أعضاء الآدمي إلا إذا لم يقم غيره مقامه، ولو نجاسة مغلظة. وغير خاف أن ما ذكرته خاص بالمضطر إلى تناول لحم الآدمي بالمخمصة، وأما المضطر إلى الانتفاع بأعضاء الآدمي للعلاج فقد قرر بعض من الشافعية جواز جبر العظم المنكسر بعظم الآدمي إذا لم يجد ما يصلح لذلك، ولو نجساً مغلظاً، وقرروا أيضاً أنه لا فرق بين كون العظم من ذكر وأنثى، فقد قال الشيخ عبد الحميد الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج شرح المنهاج: فيجوز للذكر الوصل بعظم الأنثى وعكسه. ثم قال: وينبغي أن لا ينقض وضوءه ووضوء غيره بمسه وإن كان طاهرا ولم تحله الحياة؛ لأن العضو المبان لا ينقض الوضوء بمسه إلا إذا كان من الفرج، وأطلق عليه اسمه اهـ.
وبمثل هذا أفتى فضيلة العلامة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق بجواز نقل عيون الموتى لمعالجة الأحياء، وقيد الفتوى بقيود يلزم اعتبارها. هذا ولم أقف على جواز الانتفاع بأعضاء الآدمي الحي، بل الذي وقفت عليه في كتب الشافعية عدم جواز ذلك إذا كان اللآدمي معصوماً، قال النووي في المجلد التاسع من المجموع صحيفة: ٣٧: ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف. وهذا في رأيي هو الصحيح إن شاء الله لأن في إباحة الانتفاع بجزء من أعضاء الإنسان الميت دفع الضرر عن الإنسان الحي، وحرمة الحي أعظم من حرمة الميت كما تقدم ذكره، وهو - أي الانتفاع بأعضاء الميت - وإن كان فيه هتك لحرمته ليس فيه إيلام ولا إلحاق الضرر به، وأما الانتفاع بأعضاء جسم الحي وإن كان لدفع الضرر عن حي مضطر ففيه انتهاك حرمة صاحب العضو وإلحاق الضرر به، والضرر لا يدفع بالضرر، ولا يقاس ذلك أي الانتفاع بأعضاء الحي على الانتفاع بالدماء التي يتبرع بها الناس اليوم للمرضى فإن الدم سائل من البدن يرجع إليه مثله بلا مشقة ولا يلحق المتبرع به ضرر، ولا شين في البدن غالباً. هذا وبالله التوفيق.
الشيخ محمد عبد الرحمن
стр. 3028
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرئيس:
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
في هذه الجلسة الثالثة دراسة موضوع انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً كان أو ميتاً. هو كما ترون فقد أعد فيه سبعة أبحاث جمعت بين التصور الطبي والتصور الشرعي. ولهذا فإن العرض سيكون من سعادة الطبيب الأستاذ محمد علي البار، ثم من فضيلة الشيخ خليل محيس الدين الميس. وليتفضل الأستاذ محمد علي البار للعرض عن هذا الموضوع. والمقرر هو فضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي.
الدكتور محمد علي البار:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله ومن والاه، أما بعد، فإن موضوع غرس الأعضاء موضوع حساس لأنه يتصل بالأحياء والأموات. وأدى التقدم الطبي المذهل في العشرين عاماً الماضية إلى فتح آفاق جديدة لم تكن متوقعة من قبل، ومع هذا فقد بحث الفقهاء الأجلاء هذا الموضوع بشكل من الأشكال منذ عهود بعيدة عندما قام الأطباء الأقدمون بتوصيل العظام المكسورة بعظام الأموات من بني البشر أو بعظام الحيوانات. وقد أباح الفقهاء الأقدمون استخدامها بشروط، أهمها:
أن يكون ذلك شرطاً لحصول الشفاء والبرء، أو تعجيله.
وأن يكون ذلك بحسب قدرة الطبيب الثقة العدل.
ويقصد من غرس الأعضاء نقل عضو سليم أو مجموعة من الأنسجة من متبرع حي أو ميت إلى شخص مستقبل ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف.
стр. 3029
وتقسم أنواع الغرائس إلى غرائس ذاتية، وهي التي تؤخذ من ذات الشخص وتعاد إليه. وأهم أمثلتها: نقل الجلد من مكان إلى آخر من المصاب، ونقل الغضاريف أو بعض العظام من ذات الشخص إلى مكان آخر، والاحتفاظ بدم الشخص وأخذه في حال الصحة، واستخدامه عند الحاجة كعملية جراحية مثلا.
النوع الثاني: غرائس متماثلة. ومثالها أن ينقل العضو أو النسيج من أخ لأخيه التوأم المتماثل. والتوائم المتماثلة هي التي نتجت عن بويضة واحدة ملقحة ثم انقسمت بعد ذلك إلى قسمين، أنتج كل منهما جنيناً. وكلا هذين النوعين لا يحتاج إلى عقاقير مضادة للمناعة.
الغرائس المتباينة: وهي الغرائس التي تؤخذ من أشخاص مختلفين من جنس واحد، ومثالها من إنسان لإنسان أو حيوان لحيوان آخر من نفس الفصيلة. وهذا النوع هو الأكثر انتشارا. وقد يكون المتبرع حياً أو ميتاً. وكلاهما يتعرض لرفض الجسم المستقبل للغريسة. ولذا لابد من إعطاء عقاقير خفض المناعة وتثبيطها.
الغرائس الدخيلة: وهي الغرائس المنقولة بين جنسين مختلفين، كأن يعطى إنسان قلب قرد أو كلب أو خنزير أو غير ذلك، وهذا يتعرض في الغالب للرفض الشديد. ولم يستخدم هذا النوع من الغرائس بنجاح إلا في غرس العظام؛ لأن رفض الجسم لها بطيء. ويعمل العظم الميت كسقالة يبنى عليها عظم جديد.
الأعضاء والأنسجة التي تزرع وتغرس: هناك العديد من الأنسجة والأعضاء التي تغرس أو تنقل من شخص إلى آخر. وبعض أنواع هذا النقل بدأ منذ بضعة قرون، ولكنه لم يأخذ شكله المعروف إلا في القرن العشرين.
وأولها: نقل الدم، ويعتبر اليوم هذا إجراء روتينياً، ويستخدم في كافة أنحاء العالم. ولا شك أن الدم عضو، وينقل من شخص إلى آخر. وقد أمكن بواسطة نقل الدم إنقاذ ملايين البشر على مدى نصف القرن الذي انتشر فيه هذا الإجراء.
стр. 3030
وقد أباح الفقهاء المسلمون حسب علمي هذا الإجراء، ولم يعترض عليه أحد لما فيه من منافع جمة.
غرس الجلد: وهو إجراء أيضاً واسع الانتشار، وعادة ما يكون غرساً ذاتياً. ولا يسبب أي مشاكل، وحتى في الحالات التي يؤخذ فيها الجلد من متبرع حي أو من ميت، فإن الشخص المستقبل يستفيد من ذلك الجلد قبل أن يلفظه جهاز المناعة.
غرس الكلى: وهو إجراء انتشر مؤخراً في كثير من بلدان العالم. وقد تم نقل ما يقارب من ٥٠٠ كلية في المملكة العربية السعودية وخارجها لمواطنين ومقيمين فيها. ويتعرض المصاب بالفشل الكلوي لخطر فقد حياته. وهناك إجراءان لإنقاذه:
الأول:- عملية الديلزة (الغسيل الكلوي) : وهي عملية مرهقة للمريض. ولكنه يمكن أن يستمر في استخدامها سنين طويلة قد تبلغ عشرات السنين، ويتمكن خلالها من حياة معقولة على ما فيها من منغصات كثيرة.
الثاني:- عملية نقل الكلية: وهذه العملية مريحة للمريض إذا نجحت، وتبلغ نسبة النجاح في معظم المراكز ٨٥ بالمائة في السنة الأولى، ثم تفشل ٥ بالمائة من الحالات سنوياً. ويحتاج الشخص المستقبل إلى استخدام عقاقير خفض المناعة، وهذه العقاقير بالغة التكلفة في الوقت الراهن، ولها مضاعفات عديدة، مثل حدوث أنواع من السرطان، وحدوث إنتانات بسبب ضعف المناعة. ولكن هذه المساوئ على أهميتها وخطورتها نادرة نسبياً، وتحتمل في سبيل المصلحة الراجحة من استخدامها.
стр. 3031
إن قياس كلفة عمل زرع الكلى حوالي ٣٠.٠٠٠ دولاراً، وتكاليف العلاج السنوي قد تزيد عن تكاليف عملية الديلزة. ولكن نوع الحياة التي يعيشها شخص زرعت له الكلى أفضل بدون شك من شخص يقوم بعملية الديلزة مرتين أو ثلاثاً كل أسبوع. وإذا علمنا من إحصائيات عام ١٩٨٦ أنه قد تم إجراء ١١٣٨٦٣ عملية ديلزة في المملكة العربية السعودية خلال ذلك العام، أدركنا مدى الحاجة إلى توفير عدد كبير من الكلى لأولئك الأشخاص الذين يحتاجونها. فمريض الفشل الكلوي يحتاج إلى إجراء ١٥٠ عملية ديلزة كل عام تقريباً. وهو أمر مكلف للدولة، ومرهق للمريض في نفس الوقت.
ويمكن أن يتم غرس الكلى من متبرع حي أو ميت. ويرفض الأطباء في الوقت الراهن أخذ الكلى من المتبرعين الأحياء ما لم يكونوا من أقارب الشخص المصاب لأسباب عدة، وذلك في المملكة العربية السعودية. أما في خارج المملكة للأسف فهي تؤخذ من المتبرعين. وهناك حالات كثيرة في مصر وفي الهند وغيرها من البلاد بدأت فيها عملية تجارة بيع الأعضاء ذكرناها في صلب البحث. أما في المملكة فإنهم لا يقبلون متبرعين أحياء قفلا لهذا الباب، ما لم يكن المتبرع الحي من الأقرباء. والأفضل أخذ ذلك من الموتى.
غرس العظام والمفاصل: قد تؤخذ بعض الغضاريف أو العظام من نفس المصاب. وهذه عملية لا تسبب رفضاً من الجسم. كما يتم أيضا زرع العظام من الموتى. وفي الآونة الأخيرة بدأت محاولات زرع المفاصل. وقد تم في السابق، كما أشرنا استخدام عظام الموتى وعظام الحيوانات، ورغم أن الجسم المستقبل يرفض الغريسة إلا أن العظام الميتة تعمل كسقالة يبني عليها الجسم عظماً جديداً، ثم يمتصها بالتدريج.
стр. 3032
نقل نقي العظام (نخاع العظام) : وتشبه في شكلها النهائي عملية نقل الدم. ولاتجرى في الغالب إلا بين التوائم المتشابهة أو الأقرباء. ولم يستخدم حتى الآن نقل نقي العظام من الموتى. وهذه العملية رغم أنها من جهة تشبه نقل الدم إلا أنها أشد صعوبة منه بكثير؛ لما يعتورها من رفض الجسم، ومن المضاعفات التي تحدث. وتبلغ تكلفة العملية قرابة ٦٠.٠٠٠ دولار.
نقل القرنية: وهذه لابد أن تؤخذ من ميت. وتوجد مراكز لنقل القرنية في مختلف بلاد العالم بما في ذلك بعض البلاد الإسلامية مثل القاهرة والرياض. وإن كان عدد العمليات محدوداً سنوياً.
نقل القلب: انتشرت عمليات نقل القلب منذ أن قام الدكتور برنارد بإجراء أول عملية غرس قلب لإنسان سنة ١٩٦٧. وتجرى حالياً ما يزيد على مائتي عملية نقل قلب سنوياً في الولايات المتحدة. كما أن العمليات أصبحت أكثر تعقيداً بحيث أمكن نقل القلب مع الرئتين أو مع الكبد في آن واحد. وقد أجرى الدكتور مجدي يعقوب المصري الأصل أكثر من ٥٠٠ عملية زرع قلب أو القلب والرئتين معاً. كما تم نقل قلب قرد إلى طفلة وماتت بعدها بسرعة. وكذلك تم زرع قلب صناعي في حالتين ماتت كلاهما بعد بضعة أشهر من العملية. ولابد لكي تتم عملية زرع القلب من أخذها من ميت. وقد تم إجراء هذه العمليات بنجاح نسبي في الأردن (٤ حالات) ، وفي المملكة العربية السعودية (حالتان) . وتكلف العملية ما بين مائة ومائتي ألف دولار. كما أن كلفة متابعة المريض سنويا تبلغ قرابة مائة ألف دولار، وتبلغ نسبة النجاح لعمليات الزرع في السنة الأولى ٨٠ بالمائة أو أكثر، و٥٠ بالمائة لمدة خمس سنوات. وتعتبر عمليات زرع القلوب الإنسانية أو الحيوانية أو الميكانيكية مثيرة للرأي العام وتشكل تقدماً مذهلا. ولكن كلفتها عالية جداً حتى إن الولايات المتحدة بدأت تئن تحت وطأة هذه التكلفة؛ إذ إن هناك ما يقرب من ٥٠.٠٠٠ شخص يمكن أن تنقذهم (إلى وقت محدود) هذه العملية. وبالتالي فإن التكلفة كما نقلتها مجلة التايم الأميركية قد تصل إلى أربعين بليون دولار سنوياً.
стр. 3033
وإذا نظرنا إلى دول العالم الثالث وجدنا أن الدول الإسلامية عربية أو أعجمية تقع ضمن دوله. وهي دول فقيرة يموت فيها كل عام عشرة ملايين طفل بسبب الإسهال وعدم الرضاعة. كما يموت من المسغبة والمجاعة أعداد كبيرة كل عام، ويموت بسبب الملاريا والتيفوئيد، والسل، والتهاب الكبد، وغيرها من الأمراض المعدية عشرات الملايين كل عام. كما أن عدد الذين يموتون بسبب تدخين التبغ يبلغون مليون شخص في كل عام.
وإذا قامت هذه الدول الفقيرة بوضع برامج صحية لإيصال الماء النظيف إلى القرى وإيجاد نظام شبكة مجارٍ، وتعليم الأمهات واجبهن في إرضاع أطفالهن وتعليمهن مبادئ النظافة، وتوعية الجمهور بأخطار التدخين والخمور والأمراض الجنسية والمخدرات، إذا صرفت هذه المبالغ الشحيحة لدى الدول الفقيرة على برامج زرع القلب أو زرع الأعضاء فإن ذلك لن يترك مالا للبرامج الصحية المهمة لمكافحة البلهارسيا والملاريا والكوليرا وغيرها من الأمراض. إن برنامج تطعيم أو تمنيع الأطفال تؤدي إلى وقاية ملايين الأطفال من الأمراض الخطيرة والتي قد تودي بحياتهم.
стр. 3034
أما برامج غرس الأعضاء فإنها تلتهم الأموال دون أن تقدم أي فائدة إلا لعدد محدود جداً من البشر، وتجعلهم يعيشون حياة مليئة بالتعاسة. إن أصواتاً كثيرة حتى في الغرب حيث الثروات والإمكانيات الهائلة تعارض هذه البرامج، وتطالب بصرف هذه المبالغ في التوعية الصحية والحد من مخاطر الأمراض الناتجة عن التدخين، والأمراض الجنسية والخمور والمخدرات. أما بالنسبة للعالم الثالث فإنه يعاني بالإضافة إلى ذلك فقدان المقومات الأساسية البسيطة التي تكفل الصحة للمواطنين، وخاصة في المناطق الريفية حيث لا يوجد ماء نظيف ولا نظام مجاري ولا تطعيم للأطفال ولا توعية صحية ولا محاربة للمستنقعات وما ينتج عنها من أمراض. وأي مبلغ يصرف خارج هذا النطاق هو في رأي الكثيرين جريمة في حق الملايين الذين يعانون من المسغبة، ومن فقدان مبادئ الرعاية الصحية الأولية.
زرع الرئتين والكبد والبنكرياس: وجميعها لا تزال حكراً على بعض المراكز المتقدمة في الولايات المتحدة وأوربا واستراليا وجنوب أفريقيا. ولا تزال نسبة النجاح محدودة وكلفتها باهظة. ورغم تحسن نسبة النجاح في السنوات الخمس الأخيرة، وبلوغها في بعض المراكز نسبة ٧٠ إلى ٨٠ بالمائة، إلا أن التقنية المطلوبة والتكلفة العالية لا تزال غير متوفرة إلا في بعض المراكز.
стр. 3035
زرع الأعضاء التناسلية: مثل زرع المبيض أو الرحم. ويمكن أن يتم ذلك من متبرعة حية أو من ميتة، وزرع الخصيتين والقضيب ويمكن أن يتم ذلك من ميت.
زرع الأجنة: إن عمليات أطفال الأنابيب تعني نقل اللقيحة (الجنين) إلى رحم الأم أو امرأة أخرى. وهذا نوع من زرع الأعضاء. وقد ناقشت المجامع الفقهية هذا الموضوع واتفقت على أن دخول طرف ثالث يجعل الموضوع لاغياً وباطلا ومحرماً من الناحية الشرعية. والمقصود بالطرف الثالث: متبرع بمائه، متبرعة بنطفتها، متبرعة بالحمل في رحمها. وأن تجميد الأجنة مرفوض. ونقلها بعد وفاة الزوج أيضا مرفوض. وهناك محاذير كثيرة حتى على الحالة الوحيدة التي سمح الفقهاء بها، وهي أن يكون ذلك بين الزوجين حال قيام الزوجية؛ لعدم وجود رقابة في الواقع الفعلي. وقد طالبنا بقيام هذه الرقابة على مشاريع أطفال الأنابيب ولكن ذلك لم يتحقق بعد. ولا يبدو أنه سيتحقق في المستقبل القريب.
الزرع من الأجنة: تستخدم الأجنة الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب ومن حالات الإجهاض المتعمد أو غير المتعمد (هناك ٥٠ مليون حالة إجهاض متعمد في العالم سنوياً) تستخدم هذه الأجنة لمشاريع مستقبلية في موضوع زرع الأعضاء. وتتميز الأنسجة والأعضاء من الأجنة بأنها لا تسبب رفض المستقبل لها. وقد بدأ الأطباء في نقل خلايا من الغدة الكظرية ومن الجهاز العصبي لمعالجة مرض باركنسون. كما تم نقل خلايا البنكرياس إلى مصابين بالبول السكري وحقق ذلك نجاحاً أيضاً.
стр. 3036
الزرع من الموتى: إن كثيراً من الفقهاء الذين تحدثوا عن جواز زرع الأعضاء من الموتى لم يلتفتوا إلى نقطة مهمة جداً. وهي أن نقل الأعضاء لابد أن يتم في أغلب الحالات والقلب لا يزال يضخ الدم والدورة الدموية لا تزال تعمل. وذلك يرجع إلى سبب بسيط جداً هو أن توقف القلب والدورة الدموية من هذه الأعضاء يؤدي إلى موتها وإلى عدم صلاحيتها للعمل. فلابد أن تنقل هذه الأعضاء وهي حية.
وتسمى الفترة التي يمكن أن يبقى فيها العضو قبل أن يتلف تلفاً لا رجعة فيه فترة نقص التروية الدافئة وهي كالتالي: الدماغ مدة أقصاها ٤ دقائق - القلب: مدة أقصاها بضع دقائق - الكلى: مدة أقصاها ٤٥ دقيقة - الكبد: مدة أقصاها ٨ دقائق - البنكرياس مدة أقصاها ٢٠ دقيقة. وهكذا. ثم إذا أخذت هذه الأعضاء والدورة لا تزال مستمرة والقلب لايزال ينبض فإنه يمكن تبريدها والاحتفاظ بها لمدة تختلف من عضو لآخر. فالقلب يمكن الاحتفاظ به مبرداً لمدة ساعتين، والكبد ٨ ساعات، والكلى ٧٢ ساعة. ولقد قام مجمع الفقه الإسلامي - مجمعكم الموقر - بدراسة موضوع موت الدماغ دراسة مفصلة في دورته الثانية في جدة ١٤٠٦هـ والثالثة في عمان ١٧٠٤هـ. وأصدر قراره التاريخي باعتبار موت الدماغ مساوياً لموت القلب، وهذا يتيح الاستفادة من أعضاء الأشخاص الذين يتوفون بصورة خاصة نتيجة موت الدماغ. وللأسف يأتي العدد الأكبر من هؤلاء الشباب بسبب الرعونة في سياقة السيارات. وفي المملكة العربية السعودية يبلغ عدد هؤلاء الضحايا ثلاثة آلاف وخمسمائة شخص سنوياً. ويمكن الاستفادة من حوالي ألف شخص على الأقل منهم.
القضايا التي أقترح مناقشتها - اسمحوا لى بذلك وإن كنتم ترون قضايا كثيرة - الغرس من المتبرع الحي: أجمع الفقهاء الأجلاء الذين كتبوا في هذا الموضوع على جواز التبرع بالأعضاء حسب علمي بشرط ألا يؤدي ذلك إلى ضرر بالغ بالمتبرع. واعتبر بعضهم ذلك من الإيثار الذي حث عليه الإسلام. وقد جاءت فتاوى كثيرة في ذلك. ويعتبر نقل الدم من الأمور التي تحدث يومياً ولا ضرر فيها على المتبرع ما لم يكن يعاني من فقر دم.
стр. 3037
ويتحاشى الأطباء نقل العين والأسنان واليدين والرجلين، بل إنهم يمتنعون عن قبول المتبرعين بالكلى ما لم يكن المتبرع قريباً للمريض لأسباب عديدة أثبتناها في صلب البحث، وهذا مهم. في الحقيقة الإجراء الذي تتخذه المملكة إجراء سليم في رأيي، وهو أن موضوع التبرع كله مقصور على المستشفيات الحكومية، ولا يقبل أيضا التبرع من أشخاص ليس لهم قرابة بالشخص المريض؛ لأن ذلك يؤدي إلى مشاكل كما علمنا في كثير من البلدان. ويسأل بعض الأطباء عن النقاط التالية:
يحدث كثيراً أن يتبرع طفل سليم لأخيه المريض بنقي العظام أو الكلى. فكيف أمكن ذلك؟ وهل يعتبر إذن الطفل أو إذن وليه كافياً في هذا الصدد أم أنه لابد أن تكون للمتبرع الأهلية الكاملة؟ وما هو السن الذي يملك فيه الأهلية؟.. البلوغ أم ١٨ عاما. وقد حدد القانون الكويتي إتمام ١٨ عاماً ميلادياً لذلك. يتبرع الشخص بمائه أو بالبويضة، أو قد يتبرع الزوجان باللقيحة إلى آخر ذلك. ولم يبحث الفقهاء هذا الموضوع ضمن إطار زرع الأعضاء، لكنهم بحثوه في أثناء بحث طفل الأنابيب والتلقيح الاصطناعي، وحصول موت الدماغ بشروطه الطبية المعروفة وقد بحثها الفقهاء. وقد تكون هناك وصية من الشخص قبل وفاته، يعلن فيها تبرعه. لابد من حصول هذه الأشياء قبل حصول موت الدماغ. وتصدر مراكز الكلى بطاقات خاصة يعلن الشخص تبرعه بكليته حال الوفاة. وهناك دراسة لإضافة هذه الفقرة لرخص قيادة السيارة والبطاقات الشخصية.
стр. 3038
في حالة عدم وجود وصية: تشترط معظم البلدان موافقة الورثة أو الأولياء، وقد أفتى كثير من الفقهاء الأجلاء بجواز أخذ الأعضاء من الأشخاص الذين لا أهل لهم أو مجهولي الهوية باعتبار أن الولي في ذلك هو الحاكم أو السلطان. وإذا أصدر الحاكم أمراً عاماً يبيح ذلك جاز للأطباء استخدام هذه الأعضاء بعد انتزاعها من الميت. والسؤال: من مِن الأولياء يحق له التبرع؟ وهل يشترط موافقة جميع الورثة أم يكفي واحد منهم. وماذا لو اعترض واحد أو اكثر من الورثة على التبرع؟ وهل يحق لولي الأمر أن يأمر بانتزاع الأعضاء من الموتى (حسب مفهوم موت الدماغ) بدون إذن الورثة؟ وقد قالت بذلك لجنة الفتوى في الكويت. ولكن البرلمان الكويتي رفض الأخذ بهذا الرأي. واشترط موافقة الورثة والأولياء. وفي بعض البلاد الغربية مثل فرنسا لا يعتبر رضا الأولياء ضرورياً في حالات الوفاة بموت الدماغ، وإذا كان الشخص يعالج في مستشفيات الدولة، بشرط ألا يكون الشخص قد أوصى أثناء حياته بعدم أخذ أعضائه في حالة وفاته.
هناك شروط طبية أخرى على حسب العضو المراد استقطاعه. وأهمها أن لا يكون المتبرع مصاباً بأمراض معدية ولا أمراض خبيثة، ولا يكون قد تجاوز الخامسة والخمسين. وأن لا يكون مصاباً بالسكر وتصلب الشرايين إلى غير ذلك من الأسباب.
стр. 3039
الغرس أو النزع من الموتى: يعتبر زرع الأعضاء من الموتى هو الإجراء الأكثر شيوعاً وذلك للأسباب التالية:
١) ظهور مفهوم موت الدماغ.
٢) كثرة حوادث المرور في العالم وازديادها زيادة مرعبة. وللأسف تكون أغلب الضحايا ممن هم في مقتبل العمر. وتكون وفاة نسبة كبيرة منهم بسبب موت الدماغ. وبالتالي يمكن أن يستفاد من أعضائهم للتبرع بها لمن يحتاجها. وكمثال: عدد ضحايا المرور في الولايات المتحدة ٦٠.٠٠٠ سنوياً، وفرنسا ١١.٠٠٠ سنوياً، وبريطانيا ١٠.٠٠٠ والمملكة العربية السعودية ٣.٥٠٠ سنوياً. وينبغي التركيز على منع الحوادث لا على مبدأ الاستفادة منها في زرع الأعضاء بحيث لا تكون مصائب قوم عند قوم فوائد. وحوادث المرور للأسف في منطقة الخليج هي أعلى بكثير بالنسبة لعدد السكان من مثيلاتها في مناطق العالم المختلفة.
٣) الغرس من الموتى ليست له مخاطر من الناحية الطبية إلا في حالة عدم إتمام شروط موت الدماغ. وتنشر الصحف في بعض الأحيان أنباء مثيرة وفي الغالب غير صحيحة، ومن ذلك ما نشرته الصحف قبل فترة وجيزة، خبر مفاده أن طفلاً مشوهاً ولد، وأن أبويه قد تبرعا نيابة عنه بكليتيه، وأنه قد تم أخذهما من الطفل وهو لا يزال على قيد الحياة، وقد تبين لي بعد الاتصال بذوي الشأن أن هذا الأمر غير صحيح، وأن الطفل قد توفي حسب مفهوم موت الدماغ قبل أخذ كليتيه. وإن الكلى لم تكن ذات جدوى للزرع بسبب تلفهما.
٤) الزرع من الميت يوفر أعضاء يستحيل توفيرها من الحي مثل القلب والكبد والرئتين والبنكرياس.
ما هي الشروط التي ينبغي توافرها لنقل الأعضاء من الموتي حسب مفهوم موت الدماغ؟ نرى توافر جملة من الشروط قبل السماح بنقل الأعضاء من الموتى. وهذه الشروط مذكورة في أصل البحث هناك، ثم تأتي الأسئلة: ما هو الموقف من التبرع بالأعضاء التناسلية حال الحياة أو الوفاة؟ ما هو الموقف حيال زرع الأعضاء؟ ما هو الموقف حيال الاستفادة من الأجنة المجهضة أو التي تم تنميتها في المختبرات والاستفادة من أعضائها وأنسجتها لنقل الأعضاء؟ وما هو الموقف بالنسبة لإعادة الزرع بالنسبة للمحكوم عليهم حدا بقطع اليد في السرقة أو القصاص مثلا؟ هل يجوز إعادة الجزء المستقطع أو أن ذلك لا يجوز؟ فمواقف الفقهاء الذين كتبوا في هذا الموضوع متباينة؛ فمنهم من أباحه ومنهم من منعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3040
الشيخ خليل محي الدين الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله. السيد الرئيس، الإخوة الأعضاء. سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، أما بعد فحكم العلاج بزراعة الأعضاء موضوع موزع بين يديكم سأقرأ منه ما ينبغي قراءته وأترك الباقي لمراجعاتكم.
العلاج بزراعة الأعضاء والأنسجة الحية أو المعادن في جسم الإنسان من المسائل المستجدة في الحقل الطبي، وتعرف في الاصطلاح الفقهي بالنوازل، أي المسائل المستجدة بعد استقرار المذاهب الإسلامية، حيث لا نص فيها من كتاب أو سنة أو قول أحد الأئمة المجتهدين وتلاميذهم.
ولما كان الطب ميدانه التجربة، ولذلك كان من منجزات الطب الحديث ما أحرز من تقدم ملحوظ في هذا المجال، سواء في زرع القلب أو القرنية أو الكلية أو استئصال الأمعاء المصابة واستبدالها بأخرى سليمة. وكل ذلك إنما يتم باستخدام عضو منتزع من إنسان أو حيوان. وبالتالي فالسؤال مطروح وبإلحاح: ما هو الحكم الشرعي في كل ما جرى أو يجري؟ ومن المعلوم أن عملية الزرع تمر في مرحلتين:
الأولى: الانتزاع من إنسان أو حيوان.
الثانية: زراعة العضو المفصول في جسم إنسان آخر يفتقر إليه. والحاجة هذه يمكن تصنيفها إلى فئتين:
أولاً: توقف حياة إنسان مريض أو مهدد بالموت على زرع ذلك العضو في جسده كالقلب أو الكلية.
ثانياً: توقف عمل العضو المصاب فقط مع بقاء الحياة على زرع ذلك العضو كالقرنية في العين مثلا.
هذا وفصل العضو المطلوب، ومن ثم زرعه في جسم المريض، إما أن يتم بناء على تبرع إنسان كامل الأهلية ويفصل منه ذلك العضو حال الحياة كالكلية، أو بناءً على وصية بأن ينتزع من جسده بُعَيْدَ وفاته كما يحصل بالنسبة إلى العيون مثلا.
стр. 3041
وللإجابة على هذه التساؤلات المطروحة ونظائرها كان لابد من مقدمة تمهيدية نتعرض من خلالها للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تشكل أنظاراً للبحث باعتبارها ترسم المرتكزات الفقهية علاجاً وانتزاعاً وزراعة، وما يستتبع هذه الصور العلاجية.
أما قضية العلاج فمن حيث المبدأ فقد صرحت الأحاديث الشريفة بمشروعيتها. ومن ذلك مثلا ما رواه أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام)) . وفي الصحيحين عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء)) . وهكذا فإن الأحاديث الشريفة صرحت بحقائق منها:
أولاً: الأمر بالتداوي وأدنى موجب الأمر هو الإباحة.
ثانياً: إن إقراره ﵊ بأن لكل داء دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، يفتح باب العلاج على مصراعيه، ويمهد السبيل أمام الباحثين لاستكشاف الأدواء. وما لم يعلم بالأمس ربما يعلم اليوم أو غدا. هذا مع أن الإسلام جاء لعلاج الأرواح والنفوس من مرض الكفر والفسق والفجور وغيرها، وإنقاذ العباد من شرور الوثنية والإلحاد ومن أمراض عقدية هي أخطر من أمراض الأجساد لا شك أنها تفضي إلى مهالك في الآجل والعاجل، فإنه أيضاً (أي الإسلام) لم يهمل علاج أمراض الأجساد. ونحيل طالب المزيد من المعلومات في هذا الباب إلى كتاب الطب النبوي لابن قيم الجوزية، والآثار الواردة في كتب الحديث الشريف في أبواب الطب. مع أن الأحاديث الشريفة صرحت بمشروعية العلاج، لكنها في نفس الوقت أيضا نهت عن التداوي بالحرام حيث ورد النهي بقوله ﵊: ((ولا تداووا بحرام)) .
стр. 3042
وهذا ما يصلنا إلى الاستدلال بعمومات الآيات القرآنية والأحاديث، وبعد ذلك بالقواعد الفقهية والمبادئ العامة التي استنبطها الفقهاء المسلمون. ومن تلك العمومات والإطلاقات لنفرع عليها من الأحكام ما يتصل بموضوعنا. قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) ، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ النحل: ٨٩. هذا والعموم الوارد في الآيتين وإن كان متوجهاً في البدء إلى بيان الأحكام الشرعية التكليفية أولاً لكنها لا تتقاصر دون موضوعنا هذا؛ لأنه يدخل ضمن إطار تلك الأحكام من الإباحة والتحريم باعتبار أن هذا العلاج على هذا الوجه هل هو حلال فيتابع أو حرام فيجتنب؟ ويأتي قوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج: ٧٨. وقال تعالى إثر بيان مشروعية الوضوء والغسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ المائدة ٦. وهكذا نجد توجه الشريعة الإسلامية نحو التيسير على العباد وتحقيق مصالحهم الدينية والدنيوية، في ذلك يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة: ٨٥، ومن ثم تأتي الأحاديث النبوية على هذا النسق أيضاً لتؤكد المعنى الوارد في الآيات القرآنية. ومن ذلك قوله ﵊: ((بعثت بالحنيفية السمحة)) وقوله ﵊: ((يسروا ولا تعسر وبشروا ولا تنفروا)) . ومن مجمل هذه الآيات والأحاديث استنبط الفقهاء قواعد فقهية وضوابط أصولية تعتبر بمثابة الأصول لمسائل تفرعت عليها الأحكام. ومن ذلك قولهم مثلا: المشقة تجلب التيسير، وهي القاعدة الرابعة من قواعد الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، وقال أي ابن نجيم: وفي الحديث: ((أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة)) : أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث أبي أمامة، ويخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته، وعد منها رأي المصنف المذكور المرض، ثم قال: الثاني المرض ورخصه كثيرة، ومنها التداوي بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين، أي اعتبر المرض سببًا موجبا لالتزام أو لالتماس الرخص، وتخرج على هذه القاعدة، قولهم: الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.
стр. 3043
هذا وإن إحياء النفوس مطلب شرعي صرحت به الآية الكريمة:
قال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ المائدة: ٣٢
ولا بد من مقدمة أصولية تمهد لهذا الموضوع، وهي ما تعرف بتقسيم الحقوق على ما جاء في كتب الأصول ونصه: الحقوق أربعة:
أولاً: حقوق الله تعالى خالصة كالعبادات والحدود والكفارات.
ثانياً: حقوق العباد خالصة. وهى أكثر من أن تحصى نحو ضمان الدين وبدل المتلفات والغصوب وملك المبيع.
ثالثاً: ما اجتمع فيه الحقان وحق الله أغلب. وهو حد القذف.
رابعاً: ما اجتمع فيه الحقان وحق العبد غالب وهو القصاص. وما نحن بصدده يندرج تحت القسم الرابع؛ لأن بدن الإنسان فيه حق الله تعالى من حيث التخلق، وفيه حق العبد من حيث الانتفاع، وحق الله على ما هو معلوم ما يتعلق به النفع العام، فلا يختص به واحد وإنما ينسب إلى الله تعالى تعظيماً.
ثم ملكية الإنسان لجسمه وأعضائه ومدى حرية التصرف فيها: من خصائص الملكية التامة حرية الاستعمال والاستغلال والتصرف على ما هو معروف فقهاً وقانونا، والحرية هذه إنما يمارسها الإنسان على المنقولات والعقارات. وهو ما يعرف بأموال التجارة. فللمالك مطلق الحق في بيعها ورهنها وهبتها واستغلالها والإيصاء بها وإتلافها كما أنها تُورث عنه وتضمن بالاعتداء عليها. وهذه الأعيان معصومة في ذاتها ومملوكة له.
стр. 3044
فيا ترى، هل جسم الإنسان من هذا القبيل أم لا بد من التمييز بين الملك والعصمة؟ فالعصمة تقوم بالمملوك. والملك يقوم بالإنسان، والعصمة تكون للدم كما تكون للمال. بذلك ورد الحديث الشريف: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى)) .
هذا وبدن الإنسان مملوك له على وجه الانتفاع. وهو ما عبر عنه الفقهاء بقولهم: (إن الله تعالى ملك الإنسان منفعة أعضائه، فالعين للإبصار، والرئة للتنفس، واليد للعمل وتناول الطعام، والرجل للسعي، وما إلى ذلك من وظائف الأعضاء) . ويبقى السؤال مطروحاً: هل ملكية الإنسان لأعضائه من صنو ملكيته للأشياء فيكون له حق التصرف فيها كالأشياء المملوكة. وهذا ما يعرف عند رجال القانون بالتشييء، أي: هل جسم الإنسان وأعضاؤه أشياء أم لا؟ تناول الفقهاء المجتهدون موضوع النفس والأطراف والتعويض عنها حال الاعتداء عليها، ونصت الآيات والأحاديث على مشروعية الدية والقصاص وأرش الجراحات حال العدوان. وما قاله الفقهاء في هذا المجال: ضمان النفس والأطراف بالمال في حالة الخطأ فإنه ثبت بالنص من غير أن يعقل فيه المعنى؛ لأن الآدمي مالك مبتذل لما سواه. والمال مملوك مبتذل فلا يتماثلان. وإن ضمان النفس والأطراف بالمال غير مدرك بالعقل؛ إذ لا مماثلة بين الآدمي المالك المبتذل وبين المال المملوك المبتذل، وإنما شرع الله تعالى الدية لئلا تهدر النفس المحترمة مجاناً.
стр. 3045
وكان موجب الجناية عمداً على النفس والأطراف هو القصاص. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ البقرة: ١٧٩. ويمكن العفو كما هو معروف عن ذلك كله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ البقرة: ٣٧. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الإسراء: ٣٣.
وأما جناية الخطأ فموجبها الدية. وهي تعويض مالي لتفويت منفعة الجسم أو العضو. وهو محض حق الإنسان ولذلك تدخل تحت الولاية عفواً وإسقاطاً. وهذا بخلاف جريمة الزنا فإن العقوبة عليها محض حق الله تعالى؛ لذلك لا يقبل بعد ثبوتها الإسقاط ولا العفو ولا الصلح على مال. وكذلك الشأن في السرقة وسائر الحدود. ولما كان التعويض المالي عن القتل الخطأ مقررا ابتداء وفي القتل العمد مقررا صلحا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ النساء ٩٢. وقال ﵊: ((في النفس مائة من الإبل)) . وروي أنه ﵊ (قضى في قتيل بعشرة آلاف درهم) . هذا ودية النفس أو العضو ليست ثمنا بحال من الأحوال؛ لأنها إنما شرعت صيانة للنفس عن الهدر، لا ثمنا لها. ولذلك قدرها الشرع ولم يترك تقديرها ابتداء للعباد. ومجمل القول: إن لله تعالى في النفس حق الاستعباد، كما أن للعبد حق الاستمتاع، وحق العبد غالب؛ لذلك يجري فيه الإرث، ويصح الاعتياض عنه بالمال بطريق الصلح. وقال السرخسي في مبسوطه: لما أوجب الله تعالى حق العبد في النفس والأطراف. لذلك عمل فيه إسقاطه، ويورث عنه ويسقط الإذن. وقال السمرقندي في التحفة: لو عفا المجروح عن الجراحة ثم مات منه صح عفوه استحساناً. وهذا كله أمارة أن التعويض المقدر هو حق العبد، فكان له ولاية المطالبة كما كان له ولاية الإسقاط والصلح. وبسط الكاساني القول في المسألة وزادها إيضاحاً بل، وكاد يلامس القضية بالذات من خلال تعريفه الأحكام في عبارته التي جاء بها فيها: ولو قال: أقطع يدي فقطع، لا شيء عليه بالإجماع. ووجه الحكم فيه لأن الأطراف يسلك فيها مسلك الأموال. وعصمة الأموال تثبت حقا له أي: الإنسان. فكانت محتملة للسقوط بالإباحة والإذن، كما لو قال له: أتلف مالي، فأتلفه، قلت - أي هو المصنف -: ولا يخلو فعلهما حال القطع من الإثم لكل من الآمر والقاطع؛ لأنهما اشتركا في تنفيذ فعل محظور شرعاً. هذا وجاء في مشروعية القصاص ما نصه: هذه العقوبة جزاء الفعل في الأصل. وأجزية الأفعال تجب في حق الله تعالى. ولكن لما كان وجوبها بطريقة المماثلة عرفنا أن معنى الحق راجح فيها، وأن وجوبها للجبران بحسب الإمكان كما وقعت إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: ١٧٩. ولهذا جرى فيه الإرث. وصح العفو والاعتياض بطريقة الصلح بالمال، كما في حقوق العباد المحضة كبدل المتلفات.
стр. 3046
وهكذا يتبين أن للإنسان ولاية إسقاط العقوبة عن الجاني حال الاعتداء على عضو من أعضائه، حتى على حياته بالكلية كمن جرح إنساناً فعفا المجروح عن الجاني، وكذلك شأن الورثة لهم حق العفو عن القاتل كما أسلفنا. ولكن هل للإنسان حق التبرع بعضو من أعضائه أو الإيصاء بها فتنزع منه بعد وفاته؟ لنعد بالمسألة إلى أصول لها ثابتة وإلى مسائل تقربنا من تقرير الحكم المناسب لهذه المسألة. إن شاء الله.
أولاً: الرضاع. معلوم أن اللبن هو جزء الأم ترضعه أولادها وغيرهم، وذلك مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، والمسألة واضحة. ولكن الفقهاء ذكروا أنه لا يجوز بيع لبن المرأة تكريماً لبني آدم، وعليه الإجماع. قال ابن حزم: لا يصح بيع شيء أخذ من حي كلبن المرأة أو شعور بني آدم. وهناك مسألة أخرى هي التبرع بالدم، وكما ذكر المحاضر قبلنا ـ حفظه الله ـ لم يعرف اعتراض من أحد العلماء على جواز التبرع بالدم في حال من الأحوال، علماً بأن هذا الدم يعوض في الجسم، ولكن يحتاج لبعض الوقت.
وهذا ما يصلنا للحديث إلى معالجة هذا الموضوع على ضوء القواعد الفقهية كما ذكرنا في مطلع البحث، وهذه القاعدة تعرف بجلب المصالح ودرء المفاسد. فنقول: لا يخلو أي تصرف يقوم به الإنسان لتحقيق مصلحة ما إلا بمفسدة، وذلك أن شرب الماء مصلحة لحياة البدن وفي ذلك إستهلاك للماء. وكذلك الشأن في الطعام واللباس وذبح الحيوان. بل ومشروعية الجهاد في سبيل الله، كذلك مشروعية القصاص والذي من شأنه قتل الجاني أو بتر عضو من أعضائه؛ كقطع يد أو رجل، على الرغم من ذلك وصف تعالى كل هذه التصرفات بالحياة، قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة:١٧٩.
стр. 3047
وفقهاء المسلمين قالوا في هذا المجال: (جلب المصالح مقدم على درء المفاسد) . قال الشاطبي: لما كانت المصالح الدنيوية لا يتخلص كونه مصالح محضة، وإنما تكون على مقتضى ما غلب، فإن كانت المصلحة هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي مقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. وقريب من ذلك ما ذكره العز بن عبد السلام في قواعده حيث قال: وما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها.
وهكذا كان الحكم صراحة في جواز قطع عضو إنسان لضمان استمرار سلامة سائر البدن ونظيره. وشق جوف المرأة عن الجنين المرجو حياته؛ لأن حفظ حياة الجنين أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمه. القواعد. فالمصلحة ما دامت هي المقصودة من التصرف لا تمنع بمجرد وقوع المفسده ما دام أن المصلحة هي الراجحة، وهذا ما لا يخفى على عاقل. يقول العز بن عبد السلام: وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح الحقيقية. والشريعة الإسلامية إنما تهدف بالجملة إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وحيثما تكون المصلحة راجحة فثمة شرع الله تعالى. هذا والنفس البشرية معصومة ومحترمة.
لذلك تعلق بها حق الله تعالى حتى لا يبلغ بها أصحابها في وقت من الأوقات أو في البلد من البلدان إلى مرتبة السلعة تباع وتشترى. ولا يخفى ما في ذلك من إهدار لآدمية الإنسان وهدم لبنيان الرب كما جاء في الأثر: الجسم بنيان الرب، ملعون من هدمه، أي ظلماً وعدواناً من غير وجه حق. ومما تقدم نخلص إلى القول بأن الإيصاء بعضو من الأعضاء في حال الحياة على أن يفصل من الموصي بعد الوفاة لينتفع به آخر تتوقف حياته عليه، أو يحاول دون فقدان حاسة من حواسه؛ كالعين أو سواها، لا نرى أن قواعد الشريعة تحول دون مشروعيته والله أعلم. على أن يكون المتبرع كامل الأهلية، وإن كان في هذا التصرف انتهاك لحرمة الجسم بعد الموت، ولا يخفى ما في ذلك من مفسدة ظاهرة، لكن المصلحة المترتبة عليه من زرع ذلك العضو في جسم إنسان آخر واستمرار أداء وظيفته التي خلق من أجلها مصلحة راجحة.
وقد ختمنا البحث بما توصل إليه مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة من قرار مدون لديكم. هذا وبالله التوفيق وشكراً لاستماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس:
شكراً. بعد هذا العرض. الموضوع مطروح للمداولة، ويمكن لأصحاب الفضيلة الأعضاء الذين شاركوا لو طلبوا الكلمة من قبلهم بصفتهم قد كتبوا فيه وسمعوا العرض الذي مر على أسماعكم قد يكون هذا أولى.
стр. 3048
الدكتور حسن علي الشاذلي:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، لي ملاحظة على العرض الذي عرض وهو أنه قد احتوى على أن جميع من كتبوا قالوا بجواز التبرع بالأعضاء. والواقع أن هناك بحثاً قدمته إلى أمانة المؤتمر أرى فيه أن التبرع بالأعضاء مازال لم يستطع أن نحكم بجوازه حتى هذه اللحظة رغم ما كتب في ذلك من بحوث، وذلك كما بينته في هذا البحث يقوم على نقطتين:
أما النقطة الأولى فخاصة بالتبرع بالأعضاء ممن كانوا على قيد
الحياة، ثم توفاهم الله وأوصوا بذلك أو ما إلى ذلك. أو الذين حكم عليهم بعقوبة مستحقة أو تستحق عقوبة الإعدام. وبينت في البحث أن هؤلاء لا داعي لأن نقول بالنسبة لهم أكثر من أنه يجوز إحياء للنفس الآدمية. وهو بحث وضعت فيه الأدلة التي أرتكز فيها على ذلك. أما بالنسبة للنقل بين الأحياء فذلك ما أتوقف فيه لأمرين:
أما الأمر الأول فهو أننا إذا بحثنا بالنسبة للمتبرع لابد أن يتبرع بما يملك، وجسم الإنسان لا يملكه سوى الله ، ومن ثم فالمتبرع إنما يتبرع بشيء لا يملكه، فلا يصح هذا التبرع، هذا من ناحية.
من ناحية ثانية هناك أيضا حديث عن رسول الله ﷺ بالنسبه للخمر حينما يقول: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها، وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)) . وأيضا وجدنا من بعض الأحاديث أنه قد أهدي للرسول ﷺ خمر بعد أن حرمت فرفضها؛ لأنها حرمت، فلما عرض عليه ذلك الذي قدمها أن يكارم بها اليهود وأن يعطيها لهم هدية قال: ((إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود)) ، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: ((أرقها على البطحاء)) . أي: ألقها. من هذا يتبين لنا أن الشيء المحرم في ذاته لا نملك إطلاقاً أن نتبرع به، فضلا عن أن نبيعه أو أن نتصرف فيه. ومن ثم فإن هذا الباب أصبح بابا يقلق المجتمع.
стр. 3049
إن الأحداث التي تجري الآن حول نقل الأعضاء توجب علينا أن نتوقف وألا نصدر فتوى في ذلك تبيح التبرع. وأصبحت هناك بنوك في العالم يؤخذ إليها الفقراء، أطفال الفقراء، ومن يغرر بهم، وهناك أيضا ضائقات مالية يتبرع بعض الناس فيها بالأعضاء، وما إلى ذلك مما جرنا الآن إلى التفكير كثيراً في هذا الميدان. هذا من ناحية.
الناحية الثانية إن ما نقوله عن الإيثار، الإيثار إنما يكون في المباحات، لا في المحرمات، فالأجسام والأعراض التي لا يجري فيها الإيثار. الإيثار إنما يكون في الأمور المباحة وفى الأمور المالية التي يجري فيها البذل والعطاء. أما الإيثار بالمحرم فحرام، والإيثار بالمكروه مكروه، وهكذا. كذلك أيضا بعض المتحدثين الأخ الدكتور عبد السلام العبادي ذكر فيما لو قال شخص لآخر: اقطع يدي، فقطعها، لا شيء عليه بالإجماع. أقول كلمة بالإجماع هنا ليست خاصة بجميع الفقهاء. فقهاء الحنفية فقط غير زفر، هم الذين قالوا: ليس عليه شيء بمعنى القصاص. ثم بعد ذلك الدية اختلفوا فيها هل تجب الدية أو لا تجب؟ هذا موضوع آخر. ولكن فقهاء المالكية وفقهاء الظاهرية والزيدية كلهم لم يجعلوا لرضى المجني عليه حينما يقول لآخر: اقطع يدي، لم يجعلوا لهذا الرضى وزناً في قيام القصاص. ومن ثم فالمسألة خلافية، والذي يدرأ حتى على رأي الحنفية فيما لو قلنا: إنه يدرأ القصاص؛ لأن هناك شبهة. ثم ننتقل إلى الدية، والدية لو قلنا حتى بإسقاطها فهناك أيضا عقوبة التعزير المانعة من ذلك.
لكل ذلك أقول: إنه حتى مع ما ذكرناه من أن ما ذكره الأخ الدكتور العبادي من أنه عرض بيع لبن المرأة أو شعر بني آدم، وبين أن الفقهاء منعوا ذلك؛ لأنه جزء لآدمي، إذا كان ذلك بالنسبة للعضو المتجدد؛ لأننا إذا اعتبرنا ذلك أشياء متجددة وتوقف فيها الفقهاء، فما بالكم بالأعضاء التي لا تتجدد في جسم الإنسان. فقطع الكلية معناه انتهاء لها. وإذا كان هناك منع لهذه الأشياء فما بالنا بعضو لا يتجدد، وإنما إذا أخذ من إنسان عرض الاثنين، الشخص المضطر ربما لا يستفيد. وهذا احتمال وارد كما ورد في الأبحاث الطبية، والشخص المأخوذ منه عرض نفسه للهلاك. قد يحدث ذلك وقد لا يحدث، إلا أن الضرر لا يزال بضرر. وهناك نقول كثيرة في المبحث أوضحتها أمام حضراتكم لأبين أن الفقهاء توقفوا، وبدل كلمة توقفوا منعوا أن يكون هناك تصرف في أجزاء الإنسان، سواء كان ذلك عن طريق المعاوضة أو عن طريق التبرع. هذا ما أردت أن أنوه إليه، وشكراً.
الرئيس:
شكراً. ولعل فضيلة الشيخ حسن يريد الشيخ خليل الميس وليس الشيخ عبد السلام العبادي. الأستاذ أحمد رجائي.
стр. 3050
الدكتور أحمد رجائي الجندي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. فضيلة الأخ الرئيس، فضيله الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، أصحاب الفضيلة العلماء. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً: يسعدني أن أشارك في الدورة الرابعة لأعمال مجمع الفقه الإسلامي ممثلاً للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدعوة كريمة من فضيلة الأستاذ محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع، شاكراً لسيادته هذا التفضل، آملا أن يستمر هذا التعاون الدائم من منظمتنا في مجمعكم. كما يسرني أن أنقل تحيات سعادة الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي رئيس المنظمة، والذي كان حريصا على أن يشارك بالحضور شخصياً لولا ارتباطاته المسبقة في نفس الميعاد، متمنياً لحضراتكم التوفيق والسداد لما أوكل لحضراتكم من مهام كبيرة في المعنى والهدف. المعنى هو تحديد الهوية الإسلامية. والهدف هو ربط الإسلام بالتقدم المعاصر في جميع مجالات الحياة، ولعل أبرزها الطب. وتوضيح الحلال والحرام لكافة أو عامة المسلمين. ومن هذا المنطلق كان الشغل الشاغل لمنظمتنا منذ قيامها هو تبني الفقه الطبي، والذى شارك في ندواته كثير من الإخوة الأفاضل المشاركين في أعمال هذه الدورة.
أما بالنسبة لموضوع زرع الأعضاء فقد تحدث زميلي الدكتور محمد علي البار عن نقاط كثيرة هامة. ولعل النقطة التي أثار فيها قضية الأولوية في عدالة التوزيع من أهم هذه النقاط، والتي ستعقد المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية مؤتمراً عنها بالقاهرة في الفترة من ٢١ إلى ٢٣ نوفمبر لبحث الجوانب المختلفة لهذه القضية، واخترنا لها عنواناً (الاخيتار الصعب بين عدالة التوزيع والمصادر المالية المحدودة) ، وندعو الله أن نخرج منها بما يخدم الأمة الإسلامية، إلا أنني رغم أهمية هذه النقطة أرجو أن يؤخذ بعين الاعتبار النقاط الآتية:
أولاً: أن قضية زرع الأعضاء تمثل تحدياً بين الإنسان والمرض. ورغم أن هذا التقدم أنجز في ديار غير المسلمين، إلا أنه يطرق أبواب المسلمين بشدة، فهناك مجتمعات إسلامية أفاء الله عليها بالخير، ويمكن أن تدخل هذا النوع من العلاج. فيجب توضيح الرأي الفقهي بالحلال والحرام فيها. أيضا هناك من بين المسلمين من أفاء الله عليهم بخيراته، ويمكن أن يتحمل نفقاته، فيجب ألا نغلق عليهم باب رحمته.