← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وهكذا يتبين أن للإنسان ولاية إسقاط العقوبة عن الجاني حال الاعتداء على عضو من أعضائه، حتى على حياته بالكلية كمن جرح إنساناً فعفا المجروح عن الجاني، وكذلك شأن الورثة لهم حق العفو عن القاتل كما أسلفنا. ولكن هل للإنسان حق التبرع بعضو من أعضائه أو الإيصاء بها فتنزع منه بعد وفاته؟ لنعد بالمسألة إلى أصول لها ثابتة وإلى مسائل تقربنا من تقرير الحكم المناسب لهذه المسألة. إن شاء الله. أولاً: الرضاع. معلوم أن اللبن هو جزء الأم ترضعه أولادها وغيرهم، وذلك مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، والمسألة واضحة. ولكن الفقهاء ذكروا أنه لا يجوز بيع لبن المرأة تكريماً لبني آدم، وعليه الإجماع. قال ابن حزم: لا يصح بيع شيء أخذ من حي كلبن المرأة أو شعور بني آدم. وهناك مسألة أخرى هي التبرع بالدم، وكما ذكر المحاضر قبلنا ـ حفظه الله ـ لم يعرف اعتراض من أحد العلماء على جواز التبرع بالدم في حال من الأحوال، علماً بأن هذا الدم يعوض في الجسم، ولكن يحتاج لبعض الوقت. وهذا ما يصلنا للحديث إلى معالجة هذا الموضوع على ضوء القواعد الفقهية كما ذكرنا في مطلع البحث، وهذه القاعدة تعرف بجلب المصالح ودرء المفاسد. فنقول: لا يخلو أي تصرف يقوم به الإنسان لتحقيق مصلحة ما إلا بمفسدة، وذلك أن شرب الماء مصلحة لحياة البدن وفي ذلك إستهلاك للماء. وكذلك الشأن في الطعام واللباس وذبح الحيوان. بل ومشروعية الجهاد في سبيل الله، كذلك مشروعية القصاص والذي من شأنه قتل الجاني أو بتر عضو من أعضائه؛ كقطع يد أو رجل، على الرغم من ذلك وصف تعالى كل هذه التصرفات بالحياة، قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة:١٧٩.

стр. 3047

وفقهاء المسلمين قالوا في هذا المجال: (جلب المصالح مقدم على درء المفاسد) . قال الشاطبي: لما كانت المصالح الدنيوية لا يتخلص كونه مصالح محضة، وإنما تكون على مقتضى ما غلب، فإن كانت المصلحة هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي مقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. وقريب من ذلك ما ذكره العز بن عبد السلام في قواعده حيث قال: وما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها. وهكذا كان الحكم صراحة في جواز قطع عضو إنسان لضمان استمرار سلامة سائر البدن ونظيره. وشق جوف المرأة عن الجنين المرجو حياته؛ لأن حفظ حياة الجنين أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمه. القواعد. فالمصلحة ما دامت هي المقصودة من التصرف لا تمنع بمجرد وقوع المفسده ما دام أن المصلحة هي الراجحة، وهذا ما لا يخفى على عاقل. يقول العز بن عبد السلام: وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح الحقيقية. والشريعة الإسلامية إنما تهدف بالجملة إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وحيثما تكون المصلحة راجحة فثمة شرع الله تعالى. هذا والنفس البشرية معصومة ومحترمة. لذلك تعلق بها حق الله تعالى حتى لا يبلغ بها أصحابها في وقت من الأوقات أو في البلد من البلدان إلى مرتبة السلعة تباع وتشترى. ولا يخفى ما في ذلك من إهدار لآدمية الإنسان وهدم لبنيان الرب كما جاء في الأثر: الجسم بنيان الرب، ملعون من هدمه، أي ظلماً وعدواناً من غير وجه حق. ومما تقدم نخلص إلى القول بأن الإيصاء بعضو من الأعضاء في حال الحياة على أن يفصل من الموصي بعد الوفاة لينتفع به آخر تتوقف حياته عليه، أو يحاول دون فقدان حاسة من حواسه؛ كالعين أو سواها، لا نرى أن قواعد الشريعة تحول دون مشروعيته والله أعلم. على أن يكون المتبرع كامل الأهلية، وإن كان في هذا التصرف انتهاك لحرمة الجسم بعد الموت، ولا يخفى ما في ذلك من مفسدة ظاهرة، لكن المصلحة المترتبة عليه من زرع ذلك العضو في جسم إنسان آخر واستمرار أداء وظيفته التي خلق من أجلها مصلحة راجحة. وقد ختمنا البحث بما توصل إليه مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة من قرار مدون لديكم. هذا وبالله التوفيق وشكراً لاستماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس: شكراً. بعد هذا العرض. الموضوع مطروح للمداولة، ويمكن لأصحاب الفضيلة الأعضاء الذين شاركوا لو طلبوا الكلمة من قبلهم بصفتهم قد كتبوا فيه وسمعوا العرض الذي مر على أسماعكم قد يكون هذا أولى.

стр. 3048

الدكتور حسن علي الشاذلي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، لي ملاحظة على العرض الذي عرض وهو أنه قد احتوى على أن جميع من كتبوا قالوا بجواز التبرع بالأعضاء. والواقع أن هناك بحثاً قدمته إلى أمانة المؤتمر أرى فيه أن التبرع بالأعضاء مازال لم يستطع أن نحكم بجوازه حتى هذه اللحظة رغم ما كتب في ذلك من بحوث، وذلك كما بينته في هذا البحث يقوم على نقطتين: أما النقطة الأولى فخاصة بالتبرع بالأعضاء ممن كانوا على قيد الحياة، ثم توفاهم الله وأوصوا بذلك أو ما إلى ذلك. أو الذين حكم عليهم بعقوبة مستحقة أو تستحق عقوبة الإعدام. وبينت في البحث أن هؤلاء لا داعي لأن نقول بالنسبة لهم أكثر من أنه يجوز إحياء للنفس الآدمية. وهو بحث وضعت فيه الأدلة التي أرتكز فيها على ذلك. أما بالنسبة للنقل بين الأحياء فذلك ما أتوقف فيه لأمرين: أما الأمر الأول فهو أننا إذا بحثنا بالنسبة للمتبرع لابد أن يتبرع بما يملك، وجسم الإنسان لا يملكه سوى الله ، ومن ثم فالمتبرع إنما يتبرع بشيء لا يملكه، فلا يصح هذا التبرع، هذا من ناحية. من ناحية ثانية هناك أيضا حديث عن رسول الله ﷺ بالنسبه للخمر حينما يقول: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها، وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)) . وأيضا وجدنا من بعض الأحاديث أنه قد أهدي للرسول ﷺ خمر بعد أن حرمت فرفضها؛ لأنها حرمت، فلما عرض عليه ذلك الذي قدمها أن يكارم بها اليهود وأن يعطيها لهم هدية قال: ((إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود)) ، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: ((أرقها على البطحاء)) . أي: ألقها. من هذا يتبين لنا أن الشيء المحرم في ذاته لا نملك إطلاقاً أن نتبرع به، فضلا عن أن نبيعه أو أن نتصرف فيه. ومن ثم فإن هذا الباب أصبح بابا يقلق المجتمع.

стр. 3049

إن الأحداث التي تجري الآن حول نقل الأعضاء توجب علينا أن نتوقف وألا نصدر فتوى في ذلك تبيح التبرع. وأصبحت هناك بنوك في العالم يؤخذ إليها الفقراء، أطفال الفقراء، ومن يغرر بهم، وهناك أيضا ضائقات مالية يتبرع بعض الناس فيها بالأعضاء، وما إلى ذلك مما جرنا الآن إلى التفكير كثيراً في هذا الميدان. هذا من ناحية. الناحية الثانية إن ما نقوله عن الإيثار، الإيثار إنما يكون في المباحات، لا في المحرمات، فالأجسام والأعراض التي لا يجري فيها الإيثار. الإيثار إنما يكون في الأمور المباحة وفى الأمور المالية التي يجري فيها البذل والعطاء. أما الإيثار بالمحرم فحرام، والإيثار بالمكروه مكروه، وهكذا. كذلك أيضا بعض المتحدثين الأخ الدكتور عبد السلام العبادي ذكر فيما لو قال شخص لآخر: اقطع يدي، فقطعها، لا شيء عليه بالإجماع. أقول كلمة بالإجماع هنا ليست خاصة بجميع الفقهاء. فقهاء الحنفية فقط غير زفر، هم الذين قالوا: ليس عليه شيء بمعنى القصاص. ثم بعد ذلك الدية اختلفوا فيها هل تجب الدية أو لا تجب؟ هذا موضوع آخر. ولكن فقهاء المالكية وفقهاء الظاهرية والزيدية كلهم لم يجعلوا لرضى المجني عليه حينما يقول لآخر: اقطع يدي، لم يجعلوا لهذا الرضى وزناً في قيام القصاص. ومن ثم فالمسألة خلافية، والذي يدرأ حتى على رأي الحنفية فيما لو قلنا: إنه يدرأ القصاص؛ لأن هناك شبهة. ثم ننتقل إلى الدية، والدية لو قلنا حتى بإسقاطها فهناك أيضا عقوبة التعزير المانعة من ذلك. لكل ذلك أقول: إنه حتى مع ما ذكرناه من أن ما ذكره الأخ الدكتور العبادي من أنه عرض بيع لبن المرأة أو شعر بني آدم، وبين أن الفقهاء منعوا ذلك؛ لأنه جزء لآدمي، إذا كان ذلك بالنسبة للعضو المتجدد؛ لأننا إذا اعتبرنا ذلك أشياء متجددة وتوقف فيها الفقهاء، فما بالكم بالأعضاء التي لا تتجدد في جسم الإنسان. فقطع الكلية معناه انتهاء لها. وإذا كان هناك منع لهذه الأشياء فما بالنا بعضو لا يتجدد، وإنما إذا أخذ من إنسان عرض الاثنين، الشخص المضطر ربما لا يستفيد. وهذا احتمال وارد كما ورد في الأبحاث الطبية، والشخص المأخوذ منه عرض نفسه للهلاك. قد يحدث ذلك وقد لا يحدث، إلا أن الضرر لا يزال بضرر. وهناك نقول كثيرة في المبحث أوضحتها أمام حضراتكم لأبين أن الفقهاء توقفوا، وبدل كلمة توقفوا منعوا أن يكون هناك تصرف في أجزاء الإنسان، سواء كان ذلك عن طريق المعاوضة أو عن طريق التبرع. هذا ما أردت أن أنوه إليه، وشكراً. الرئيس: شكراً. ولعل فضيلة الشيخ حسن يريد الشيخ خليل الميس وليس الشيخ عبد السلام العبادي. الأستاذ أحمد رجائي.

стр. 3050

الدكتور أحمد رجائي الجندي: بسم الله الرحمن الرحيم.. فضيلة الأخ الرئيس، فضيله الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، أصحاب الفضيلة العلماء. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أولاً: يسعدني أن أشارك في الدورة الرابعة لأعمال مجمع الفقه الإسلامي ممثلاً للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدعوة كريمة من فضيلة الأستاذ محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع، شاكراً لسيادته هذا التفضل، آملا أن يستمر هذا التعاون الدائم من منظمتنا في مجمعكم. كما يسرني أن أنقل تحيات سعادة الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي رئيس المنظمة، والذي كان حريصا على أن يشارك بالحضور شخصياً لولا ارتباطاته المسبقة في نفس الميعاد، متمنياً لحضراتكم التوفيق والسداد لما أوكل لحضراتكم من مهام كبيرة في المعنى والهدف. المعنى هو تحديد الهوية الإسلامية. والهدف هو ربط الإسلام بالتقدم المعاصر في جميع مجالات الحياة، ولعل أبرزها الطب. وتوضيح الحلال والحرام لكافة أو عامة المسلمين. ومن هذا المنطلق كان الشغل الشاغل لمنظمتنا منذ قيامها هو تبني الفقه الطبي، والذى شارك في ندواته كثير من الإخوة الأفاضل المشاركين في أعمال هذه الدورة. أما بالنسبة لموضوع زرع الأعضاء فقد تحدث زميلي الدكتور محمد علي البار عن نقاط كثيرة هامة. ولعل النقطة التي أثار فيها قضية الأولوية في عدالة التوزيع من أهم هذه النقاط، والتي ستعقد المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية مؤتمراً عنها بالقاهرة في الفترة من ٢١ إلى ٢٣ نوفمبر لبحث الجوانب المختلفة لهذه القضية، واخترنا لها عنواناً (الاخيتار الصعب بين عدالة التوزيع والمصادر المالية المحدودة) ، وندعو الله أن نخرج منها بما يخدم الأمة الإسلامية، إلا أنني رغم أهمية هذه النقطة أرجو أن يؤخذ بعين الاعتبار النقاط الآتية: أولاً: أن قضية زرع الأعضاء تمثل تحدياً بين الإنسان والمرض. ورغم أن هذا التقدم أنجز في ديار غير المسلمين، إلا أنه يطرق أبواب المسلمين بشدة، فهناك مجتمعات إسلامية أفاء الله عليها بالخير، ويمكن أن تدخل هذا النوع من العلاج. فيجب توضيح الرأي الفقهي بالحلال والحرام فيها. أيضا هناك من بين المسلمين من أفاء الله عليهم بخيراته، ويمكن أن يتحمل نفقاته، فيجب ألا نغلق عليهم باب رحمته.

стр. 3051

ثانياً: إن الجاليات الإسلامية التي تعيش في ديار غير المسلمين، ومنهم من يعمل في هذا المجال عالماً، ومنهم من يستطيع أن يتحمل التكاليف. وتريد هذه الجاليات أن تعرف الرأي الشرعي في هذه الأمور. ونحن ندين لها بهذا الدين في ديارنا، ويجب أن نوافيهم حقهم في هذا الموضوع. ثالثاً: إنني وبحكم عملي واشتراكي بالمنظمات العالمية فإن الأديان المختلفة والعقائد المختلفة تدلي كل بدلوها من وجهات نظرها، والإسلام ليس بأقل منها، ولو بإبداء رأيه في هذه المجالات. ومن أجل ذلك أيضاً تبنت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاتفاق مع منظمة الصحة العالمية بعقد ندوة في نوفمبر تحت عنوان (الأخلاقيات والقيم الإنسانية والصحة من الوجهات الإسلامية) وهذه لأول مرة توافق منظمة الصحة العالمية على عقد ندوة لتتعرف على الرأي الإسلامي. هذا وقد ناقشت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية موضوع زرع وبيع الأعضاء الآدمية في ندوتين. وقد توصلت الندوة الأخيرة التي عقدت بالكويت في أبريل ١٩٨٧ في موضوع بيع الأعضاء، وهذه هي التوصية: في ضوء ما استقر عليه الرأي الشرعي من المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء في العالم الإسلامي من جواز نقل الأعضاء إلى المرضى في الظروف والشروط المقررة شرعاً، ناقشت الندوة موضوع بيع الأعضاء وانتهت إلى ما يلي: أولا: ما يتم به الحصول على الأعضاء أن يكون ثمرة التراحم بين الناس بالتبرع من جثث الموتى بالوصية أو موافقة الورثة. كذلك من أعضاء المتوفى مجهول الهوية. ثانياً: ورأي الأكثرية أنه يجوز الحصول على الأعضاء أيضا بتبرع الحي للحي بالشروط والضوابط المعتبرة، ومنها عدم الإضرار بالشخص المتبرع أو قصره على الإعطاء. ثالثاً: لا يجوز بيع الأعضاء. إذا لم يمكن الحصول على الأعضاء بالتبرع، ولم يمكن الحصول عليها إلا ببذل مال، فهذا جائز فيما انتهى إليه أكثرية المشاركين. وهو من المحظور الذي يباح في حال الضرورة. ويرى البعض عدم جواز ذلك. رابعاً: في جميع الأحوال يجب أن لا يترك الحصول على الأعضاء، ولا سيما في حال الإضرار لمنافسة المريض الغني للمريض الفقير، بل تنشئ له الدولة هيئة تحمكه وتتقي محاذيره وتديره وفق قانون مفصَّلٍ يوضع لذلك. كذلك أثار الدكتور البار أن ناقش بعض النقاط، ومن بينها أن يتبرع الشخص بمائه أو ببويضة أو قد يتبرع الزوجان باللقيحة. وهذا بحثته أيضاً المنظمة وحرمته تحريماً واضحاً؛ تفادياً لخلط الأنساب. خامساً: أن تتبرع المرأة برحمها. وهنا يجب أن يثار نقطتان. الواقع وعلى ما يعتقد فأولا أن الرحم، كلمة الرحم جاءت تعقيباً.

стр. 3052

الرئيس: يا أستاذ أحمد، موضوع الرحم وما يتعلق به ولو تركتموه أولى؛ لأنه سبق وأن بت فيه المجمع. فنحن بحاجة إلى الوقت. الدكتور أحمد رجائي الجندي: نعم. أيضا أثار موضوع البويضات الملقحة. هل أثير هذا الموضوع؟ الرئيس: لو ترك ما يتعلق بهذا الموضوع يكون أولى. الدكتور أحمد رجائي الجندي: إذا شكراً لاستماعكم. الرئيس: عطفاً على التنبيه الذي تفضل به الدكتور الشاذلي كذلك ما ذكره الأستاذ رجائي من أنه استقرت الفتوى. لا أظن أن الفتوى استقرت على هذا، وإن الخلاف ما زال قائماً بين أهل العلم في هذه المسائل، سواء من حيث المبدأ أو من حيث بعض تفاصيله، أو من حيث شروطه. شكراً. الشيخ رمضان.

стр. 3053

الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي: بسم الله الرحمن الرحيم. الأستاذ حسن الشاذلي عقب لا على الدكتور البار فقط، بل لعله عقب على كل من تقدموا ببحث في هذا الموضوع. وفهم أن الجميع اتفقوا على جواز نقل عضو من حي إلى حي. وكما سمعنا الآن من الأستاذ رئيس مجلس المجمع أظن أن هذا الاتفاق بإطلاقه لم يتم بعد. ولكني أحب أن ألفت النظر إلى قاعدة فقهية وأصولية في آن واحد، الأستاذ المعقب يقول: إن الإنسان لا يملك جسمه. ومن ثم فإنه لا يملك أن يؤثر به غيره. صحيح أن الإنسان لا يملك جسمه بالمعنى الشرعي، ولكن القاعدة الفقهية تقول يا سيدي: كل ما جاز التصرف فيه جاز الإيثار فيه. فجواز الإيثار لا يشترط فيه الملكية بالمعنى الذي تتصورونه، وإنما يشترط فيه جواز التصرف. الإنسان يملك أن يتصرف بعينيه فينفقها سهراً على علم، وإن علم أن ذلك يضعفها. والإنسان يملك أن يتصرف بقدميه فيسعى بهما حاجا إلى بيت الله الحرام، وإن علم أن ذلك يوهنهما. وبناء على هذا فإنه يملك أو يؤثر أخاً له ببعض من أعضائه بشرط واحد، وهو أن يتحقق من هذا الإيثار منفعة للطرف الآخر. ولعلنا قرأنا كلمة السيوطي ناقلا ما يشبه الإجماع في هذا الصدد: ولو أراد المضطر إيثار غيره بالطعام لاستبقاء مهجته كان له ذلك، وإن خاف فوات مهجته ذلك؛ لأنه لا يهدف من هذا الإيثار إلى فوات مهجته، وإنما يهدف إلى إقامة بنيان مهجة أخ له. وهذا من الخلق الكريم الذي أشاد بذكره الإمام الشاطبي في موافقاته. ولذلك ليس هنالك ارتباط فيما أتصور فقهي بين موضوع عدم ملكية الإنسان لجسده وبين حرمة هذا الموضوع التي تحتاج إلى بحث.

стр. 3054

النقطة الأخرى التي أريد أن أنوه بها باختصار شديد. الدكتور محمد علي البار في محاضرته المكتوبة وفي كلامه الذي أصغينا إليه الآن، يصور لنا ما يشبه الإجماع بين علماء الشريعة الإسلامية والقضاء على اعتبار الموت الدماغي موتاً حقيقياً. وهكذا قرأت له وهكذا فهمت. وأنا لا أتصور أن مثل هذا الإجماع أو قريباً منه قد تم، بل إن هذا الموضوع ما زال مطروحاً للبحث. وأحب أن أقول كلمة موجزة جدا في هذا الصدد، ولي بحث بين أيديكم في هذا الموضوع مفصل. أنا لا أناقش علماء الطب في أن الموت الدماغي موت حقيقي أم لا، بل ربما كانوا هم المرجع فيما يقولون هو موت حقيقي، ولكني ألفت النظر إلى أن الشريعة الإسلامية في أحكامها أقامت أحكامها على الموت الذي يراه الناس جميعاً موتاً بمقاييس عامة، لا بمقاييس علمية عميقة النظر، ومرد ذلك إلى مبدأ أخلاقي وعلاقة اجتماعية. وأضرب المثل لو أن الأمر جرى على ما يقوله أو يراه ويحلم به الأطباء لو أن إخوة لمريض ينتظرون شفاء مريضهم، ورأوا أن نبضات قلبه تتوالى، ولكن الطبيب في يقينه العلمي يرى أنه ميت وأن هذه النبضات لا قيمة لها. واستل كبداً منه أو استل قلباً منه لتصور هؤلاء الإخوة ولا يزالون يتصورون مدى الحياة أن هذا الطبيب أودى بحياة مريضهم، وتشيع الأحقاد والضغائن بين القلوب والنفوس، وربما تركت مضاعفاتها في المجتمع، ومن ثم فإن حكمة الشارع عميقة جدا في هذا الموضوع. الموت الذي يعقب أحكام الدفن والأحكام الأخرى والتشريح، فيما إذا أجزنا ذلك، هو الموت الذي يقرر بإجماع أنه الموت، وبناء على مواصفات لا تغيب عن العامي ولا تغيب عن العالم، حتى لا يتكون من تصرف من هذا القبيل حقد أو ضغينة أو تصور أن طبيباً قد أودى بحياة مريض. هذه هي النقطة الثانية التي أحببت أن أشير إليها. والنقطة الأخيرة الوصية. سمعت كثيراً هذه الكلمة تتكرر إذا أوصى الحي بجسمه، إذا أوصى، الوصية هذه هي التي تحتاج إلى بحث كما قال الدكتور الشاذلي هل الإنسان يملك جسمه حتى يوصي به؟ هو لا يملكه، إذن فالوصية أيضا أتصور أنها تحتاج إلى بحث على أقل ترتيب وتعديل. ولعل البعض يقول: إذا كان الميت لا يملك أن يوصي بطرف من أطرافه إذن الورثة من باب أولى أيضا لا يملكون أن يجيزوا أو أن لا يجيزوا. الورثة يملكون نظراً إلى أن لهم حق الكرامة الموصولة ما بينهم وبين هذا الميت. فمن حق كرامتهم أن يكون ميتهم محفوظاً مكلوءاً لا يمثل به. هذه الكرامة صلة متصلة قائمة بين الميت وأقاربه وورثته، ومن ثم توقف الأمر على إجازة الورثة ذلك، لا من حيث إن ملكاً تحول إليهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وشكراً لكم. الرئيس: شكراً. ترفع الجلسة لأداء صلاة المغرب، ثم نعود بعد الصلاة مباشرة لاستئنافها بإذن الله.

стр. 3055

الرئيس: نواصل المناقشات والمداولات بين أصحاب الفضيلة. الشيخ وهبة. الشيخ وهبة مصطفى الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. الحقيقة ما دار في موضوع زرع أعضاء إنسان من جسم إلى جسم آخر، تحقيق هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدقة والإمعان وعدم التورط في إطلاقات القول، سواء في حال الإجازة أو في حال المنع. فلست مع الذين يجيزون هذا الموضوع بإطلاق، ولا مع الذين يمنعونه بإطلاق. والحق أننا أمام مبدأين أساسيين في شريعتنا، وهما مبدآن في صلب القرآن الكريم. المبدأ الأول: مبدأ التعاون على البر والتقوى. والمبدأ الثاني الضرورة الشرعية. فهذا الموضوع ينبغي أن ينظر إليه من خلال هذين المبدأين. وإن النقل ينبغي ألا يكون إلا في حالات ضرورية جداً تتوفر فيها ضوابط الضرورة الشرعية أو الحاجة العامة أو الخاصة التي تنطبق عليها قواعد الشريعة. والأمر الآخر ينبغي في مقابل اللجوء إلى الأخذ بعامل الضرورة أو السماح بالتعاون والإيثار ألا يترتب على هذا الفعل إلحاق ضرر بالمتبرع. فصحيح كما قرر جمهور الفقهاء أن الإنسان لا يملك نفسه ولا أعضاءه ولا أجزاءه، حتى إن الحنفية الذين سمعنا مقالتهم إذا قال كما ذكر الإمام السرخسي: اقطع يدي. الحقيقة لا يصح أن نقيس هذا الموضوع على هذه الجزئية؛ لأن هذا عبث. فلذلك ينبغي ألا نجيزه، لكن موضوع النقل يترتب عليه إنقاذ حياة من العدم. وإنقاذ النفس واجب شرعي. وفي مقابل ذلك إذا يئسنا من حياة الشخص الذي ينقل منه عضوه، فحينئذ إذ نكون قد قارنا بين مصلحة ومفسدة، بالمقارنة بين المفسدتين ودفع أهون الشرين. وإذا كان هناك مصلحة عامة ومصلحة خاصة، وأكد الأطباء أن حياة الذي تنقل منه هذه الأعضاء ميئوس منها بشكل نهائي ووثقنا بكلامهم عندئذ نستطيع أن نلجأ إلى الأخذ بهذه الحالات من النقل، دون أن نتورط بما عليه حال الغرب المادي المعروف. نحن مقيدون بشرعنا الإلهي فلا يصح أن ننقل كما تفضل عميد كلية الشريعة بالأزهر هذا الوضع المادي المبتور الصلة عن الأخلاق والقيم والمبادئ الإلهية إلى مجتمع يدين بوحي من الله وبقرآن لا يزال معمولا به وسيعمل به إلى يوم القيامة. نحن في الحقيقة أمام هذا لا يصح أن ننقل كل معطيات الغرب المادية وإنما يجب أن نكون حذرين كل الحذر من هذا، وأن نأخذ ما يتفق مع شرعنا. وفي هذا، وفي ضوء هذا الاتجاه لا شك أننا نمنع المعاوضة بأجزاء الإنسان؛ لأن أجزاء الإنسان والإنسان نفسه مكرم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ الإسراء: ٧٠. ولا يصح بإجماع الفقهاء كما هو معروف أن يكون الإنسان أو أحد أجزائه مثل الأموات والأمتعة المادية التي هي محل للعقود، فهذا لا يصح بحال من الأحوال. وهو في إجماع فعلي من جميع الفقهاء لا يصح أن نجعل الإنسان وأجزاءه مثل الأمتعة؛ لأن الإنسان مكرم، وأسمى من هذه الأمتعة التي نخضعها للمبادلات المالية. فالمعاوضة في رأيي حرام ولا تجوز. ولكن التبرع سواء أكان تبرعاً في حال الحياة، أو وصية لما بعد الوفاة، فالوصية لا تخرج أن تكون تبرعاً، حتى بعد الوفاة لا بد من أخذ إذن أولياء هذا الشخص. كما هو بالنسبة للعفو عن القصاص لا نطبق هذه النظرية، قضية العفو كذلك، نظرية الأخذ بالعفو هذه إعطاء وسلباً، فما دام يعفى عن الدم، إذن يمكنهم أن يسمحوا في ضمن ضوابط شرعية محدودة وقليلة جداً عندئذ نسمح لهم بهذا الإذن.

стр. 3056

التبرع قائم، والفقهاء يفتون. لايصح، أو لا يستطيع أحد أن يزعم في هذه القضية إجماعاً في عصرنا، لا إجماع. ولكن اتجاه الأغلبية هو المعمول به. كلنا الآن - لا سمح الله - لو عندنا قريب في مستشفى أو واحد منا - لا سمح الله - حدث له حادث سيارة، كلنا نتبرع له بشيء من دمنا، هل هذا حرام؟ إذا مثل الدم. والدم هو الأساس الذي تتكون به بنية الإنسان، وأعضاء الإنسان ما هي إلا أقل خطراً بكثير من قضية الدم. نتبرع بالدماء ولا شيء فيها، نتبرع بالكلية، نتبرع بالأشياء التي لا تلحق ضرراً بنا. فإذا توافرت هذه الضوابط، وتم ذلك على أساس التبرع، وكان ذلك ضمن قيود مشددة عندئذ لا أرى مانعاً من هذا. أما ما أثاره الأخ الدكتور البار في قضية موت الدماغ وغيره، ومما ذكر في مجمع الفقه في الدورة السابقة. الحقيقة بحث هذا الموضوع من خلال رفع أجهزة الإنعاش. هل نرفعها أو لا نرفعها؟ فلا يصح أن نبتر الأساس الظاهر الذي عليه الفقهاء، وهو أن الموت في الظاهر وقوف دقات القلب. فالحقيقة استشهاد الدكتور بهذه القضية يجب ألا يعمم، فقرارنا السابق كان بهذه المناسبة. ولا يصح أن نأخذ حكماً لوحظ فيه قضية جزئية ونعمم هذا الحكم على جميع الجزئيات التي معنا؛ حتى لا نقع في التوسعة في أكثر من حدود الضرورة وقيود الضرورة وحوائج الإنسان. فلسنا حتى متحجرين أمام هذه الأمور ونحن أرحم الناس بعباد الله إن كانوا يزعمون أنهم أنصار الإنسانية ويحب الواحد منهم الآخر. نحن أولى الناس بهذه الرحمة، ولا تنزع الرحمة إلا من شقي، فلا يمكننا نحن أن نقفل الباب أمام هذا الموضوع، كذلك لا يصح أن نتورط في إطلاق الجواز. والله الموفق، وشكراً لكم. الرئيس: شكراً. في الواقع قرار المجمع الفقهي الذي صدر بالأغلبية حول أجهزة الإنعاش عطفاً على ما ذكره الشيخ وهبة. قال: وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص، إن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلا لا يزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة وشكراً.

стр. 3057

الشيخ أحمد محمد جمال: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه. وبعد، لي تعليقات بسيطة على المتحدثين السابقين. الملاحظة الأولى هي أن قضية نقل الأعضاء البشرية من جسم إلى جسم أصبحت قضية مفروضة على المجتمعات الإسلامية، وإن كانت في أساسها وافدة من الغرب. هذه القضية أصبح مفروغاً منها وأفتت فيها المجامع الفقهية وهيئات كبار العلماء في عدة دول عربية وإسلامية، وأفتى فيها أيضا علماء وشيوخ، فأعتقد أنها قضية أصبح مفروغا منها، وإنما البحث أو مداومة الدراسة في هذه القضية يتعلق بجزء منها، وهو: هل يجوز بيع العضو أم لا؟ لأن بعض الذين أفتوا أجازوا التبرع ولم يجيزوا البيع، في حين أن المستند واحد في كلتا القضيتين، وهو الملكية. الإنسان لا يبيع شيئاً لا يملكه، كما أنه لا يتبرع بشيء لا يملكه، فإما أن يملك الإنسان أعضاءه أو لا يملكها. أما أن كونه لا يملكها ويتبرع بها ولا يملكها ولا يبيعها على أي حال. سأفصل موضوع البيع في تعقيب آخر، وأختصر الآن الملاحظات. الملاحظة الثانية: نقل ماجاء في بحث الدكتور محمد علي البار حول نقل الخصى والأرحام، كان تعليق الدكتور على هذه القضية أن نقل الخصية من شخص إلى شخص كأنما ينقل نطفته معه ونقل الرحم ينقل رحمها معه، والحقيقة أن الرحم عندما تنقل من امرأة إلى امرأة، أو الخصية عندما تنقل من رجل إلى رجل إنما تتغذى بدماء المنقول إليه أو إليها، فليست النطفة بعد ذلك من الرجل السابق، وليس الرحم من المرأة السابقة. فينبغي أن نلاحظ ذلك، أصبحت تتغذى من المنقول إليها أو المنقول إليه من الشخص الأخير. أحببت أن أبدي هذه الملاحظات. ولي تعقيب في موضوع البيع والتبرع إن شاء الله.

стр. 3058

الشيخ محمد المختار السلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. سيدي الرئيس، حضرات الأعضاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كان الموضوع الأول في لقائنا هذا هو في نظري من أخطر المواضيع؛ لأنه يتصل بأمرين: الإنسان ذاته، والحكم الإلهي، وهذا الموضوع الذي خرج من دائرة النظر إلى دائرة التطبيق، وصفقت له أجهزة الإعلام متحدية بذلك العالم الإسلامي كله باعتبار أن مستواه العلمي لم يصل إلى المستويات التي وصل إليها الغرب والشرق أي العالم الأول والثاني. ولعل هذه التحديات تؤثر ولا بد لها من أن تؤثر في نفس الناظر، وهو ما يجعل هذا الموضوع يقتضي أن ننظر فيه بكامل الحذر والموضوعية؛ لأنه موضوع خطير كما قلت جدا. وأعود إلى أصل الموضوع فأجد أن العنوان الذي عنون به فيه نوع من الغموض أو القصور. أولاً: كان الموضوع هو نقل عضو، ونقل العضو قاصر عن المشكلة المطروحة على بساط البحث؛ لأن هناك نقل أعضاء. وهناك نقل أنسجة، وهناك نقل إفرازات، وهناك نقل ما يتجدد ويمكن تعويضه، وما لا يتجدد ولا يمكن تعويضه. كما أنه في الشطر الثاني من الموضوع هناك أيضا بحث لا بد من تدقيقه، هو أن النقل قد يكون من شخص إلى شخص آخر، وقد يكون من شخص إلى ذاته، فيُنقل نسيج من الجلد من مكان إلى مكان، وهي عملية جراحية لا بد من بيان حكم الله فيها. نأخذ القسم الأول، وهو النقل من شخص إلى شخص آخر، وهذا على نوعين؛ من شخص محترم الحياة، ومن شخص غير محترم الحياة. فإذا كان غير المحترم الحياة فقد بحث فيه الفقهاء قديماً في الأكل، في جواز أكل المضطر من لحم الحي ومن لحم الآدمي. وأما إذا كان محترم الحياة فهل يجوز للإنسان أن يتبرع بعضو من أعضائه لينقل لشخص آخر تلف منه ذلك العضو، والنقل تتوقف عليه الحياة؟ القضية مرتبطة بقاعدة أصلية، وهي قاعدة الملكية. أو قاعدة الحق. والحقوق كما تفضل من سبقني هي منقسمة إلى أقسام. وإذا أردت أن أضع هذا، أي: نقل الأعضاء فهو ما اجتمع فيه حقان: حق الله، وحق العبد.

стр. 3059

وكان حق الله أغلب من حق العبد. وإذا كان حق الله أغلب من حق العبد، فليس للإنسان أن يسقط هذا الحق. قد يقال: إن الإنسان يتصرف في أعضائه، وهو دليل للملكية والتصرف كما نعلم هو يقع بإذن الله، وهو إذن الشرع على ثلاثة أنحاء. عندنا إذن في التصرف من المنفعة، وهو مالك المنفعة. وعندنا تصرف في الانتفاع. وعندنا تصرف في الذات والمنفعة. فهذه الثلاثة التفصيل بينها أمر ضروري، حتى لا تختلط القضية في هذه النقطة الهامة. فالإنسان يملك من أعضائه أنه ينتفع بها، أي: أنه يتصرف فيها فيما يساعده على حياته، يملك الثاني الانتفاع ولا يملك المنفعة. له أن يملك الانتفاع بذاته، ولا يملك تلك المنفعة ليحيلها إلى غيره. وعندها الإنسان في بدنه يملك الانتفاع والمنفعة، فله أن ينتفع بالأعضاء التي خلقها الله له. وله أن يؤاجر نفسه لغيره، فيأخذ عوضاً عن منافعه، ولكن لا يملك أبداً، ولا يوجد أي نص يعطي للإنسان حقا في عضو من أعضائه. وما ورد عن الحنفية من أن الشخص إذ قال له: اقطع يدي، إنما تحدث الحنفية في هذا عن أمر خاص، وهو أن هذا حد يرفع بالشبهة، أما الإقدام عليه فحرام من الطرفين؛ وما كان حراماً من الطرفين إلا لأن هذا لا يملك والآخر لا يملك التعدي، ولو مع الإذن. ولذا فإن العضو في الإنسان ما دام محترم الحياة هو ملك لله، وللعبد حق فيه، وملك الله أغلب. الأمر الثاني: هو أن الإنسان بعد موته بعد أن يتوفاه الله ما علمت من أين نبتت هذه النابتة التي ما أظنها إلا أنها وردت من التأثير الغربي علينا من أن للورثة حقا في الميت، الورثة ليس لهم الحق في الميت إلا حق الميراث. وأما حق الكرامة الإنسانية فهي واجبة، لا على الورثة ولا على الأهل والأقرباء. ولكنه حق كفائي، واجب على أمة محمد ﷺ كلها أن تقوم بإكرام هذا الميت وبدفنه، وبعدم التمثيل به، ولا يقال: حق لشخص إلا إذا كان يملك إسقاطه. فليس لشخص أن يسلب حق كرامة الميت، ولبقية المسلمين أن يقوموا عليه بتحديده. أما الإيثار فإن الشاطبي قد نص على أن الإيثار لا يكون بالحياة ولا بجزء من أجزاء الإنسان. يقول الشاطبي: وأيضا ففي العادات حق الله تعالى من جهة الكسب، وواجب الدفاع؛ لأن حق الغير محاطة عليه شرعاً أيضا، ولا خيرة فيه للعقل، فهو لله تعالى صرفا في حق الغير على عضو من أعضاء الإنسان، فهو حق للغير حتى يسقط حقه باختياره في بعض الجزئيات خلاف الأمر كله. ونفس المكلف أيضا داخلة في هذا الحق؛ إذ ليس له التسليط على نفسه ولا على عضو من أعضائه. ولهذا فالذي أطمئن إليه لحد الآن هو أنه لا نستطيع أن نفرق بين باب التبرع، وبين باب التصرف بالبيع، وكلاهما سواء. فإما أن يملك الشخص الشيء فله أن يتصرف فيه بمقابل وبدون مقابل. وإما أن يكون معزولا عن التصرف فيه بذاته، هنا البابان سواء، وهو ما يجعلني لا أطمئن إلى جواز نقل الأعضاء في حال كون الشخص حيا محترم الذات، لا بهذا ولا بهذا. وشكراً لكم، والله أعلم.

стр. 3060

الشيخ محمد إبراهيم شقرة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أما بعد، فبمناسبة طرح هذا الموضوع الذي ما زلنا ندير نقاط الحديث حوله، فإنني أقترح وقد رأينا وجهات النظر متباعدة متخالفة، وليس هناك قرب من بين الإخوان إلا في بعض الجزئيات من هذا البحث، وإن كان هناك اختلاف واسع في بعض الجزئيات الأخرى. لذا فإنني أقترح على فضيلة رئيس المجلس وأمينه أن تكون هناك لجنة مصغرة تكون من ثلاثة أشخاص أو أربعة أو الذين استكتبوا في هذا البحث لينسقوا هذا البحث تنسيقاً دقيقاً، وليستوفوا الأشياء التي ربما تكون قد غابت عن بعضهم في هذا البحث، أو في ذاك، وأقترح أن يكون أخونا الشيخ المختار واحداً من هذه اللجنة، فقد سمعنا منه كلاماً علمياً رصينا يذكرنا بالعلماء السابقين الذين كانوا لا يخطئون ولا يلحنون. بمناسبة طرح موضوع زراعة الأعضاء فإنني أرى لإخواني الذين يجيزون هذا الأمر أن يذكروا أن هناك مئات بل ألوفا بل عشرات من الألوف، بل مئات من الألوف، يقتلون أو قتلوا فعلا على جبهة العراق التي يدور رحى حرب ضروس فيها، وبين دولة أخرى عزمت على أن يظل قوسها منصوباً وسهمها مصوباً إلى صدر شعب أو جزء من أجزاء هذه الأمة التي تدين بالإسلام الحق، ولا تسجد إلا لله، ولا تعرف لغيره حقا عليها. أقترح على هؤلاء الإخوة الذين أجازوا زرع الأعضاء أن يلفتوا أنظارنا إلى أن نفيد من هذه الأعضاء التي تذهب هدراً وتصير تراباً مع التراب، وأن ذلك أمراً يكون مستحيلا، فبودي إذن أن يكون هناك ـ وهذه قضية في ظني وفي تقديري وفي تقدير كل مسلم يسجد لله ويركع له ويقرأ كتابه ويعرف أحكام الشريعة التي أقامت سعادة البشر عليها للدنيا والآخرة. فإنني أقترح أن يطرح هذا الموضوع المهم وهو في ظني أهم بكثير من موضوع زرع الأعضاء. أن يطرح موضوع الحرب العراقية الإيرانية على مجمعنا الكريم هذا. وبخاصة ونحن على مرمى البصر إن كان التعبير جائزاً من أيام الحج المباركة التي تذكرنا ولا شك بالدماء التي أسيلت وبالأرواح التي أزهقت وبالفتنة التي أثيرت. فماذا نحن قائلون يا ترى في هذه الحرب التي دفعت بجندها إلى ساحات الحرم الشريف ليثيروا هذه الفتنة العاصفة حتى ينزعوا وليسوا بقادرين وبحول الله وبقوته ثم بولاية هذه الأسرة الكريمة أسرة آل سعود على هذه الأرض التي حفظتها من سنين، فزرعت فيها الأمن والخير ليست بقادرة إن شاء الله تعالى على أن تمس أمن هذه الديار، ولا أن تخيف المسلمين، ولا أن تفزعهم، ولكن الشيء الذي يؤذي والضر الذي يقع لابد أن يقال فيه الكلام، ولابد أن يصدر حكم، إن كنا قد سمعنا أصواتاً كفرت ونددت ونادت وأثمت، صدرت من مصر والأردن ومن العراق ومن المملكه العربية السعودية، لكنها أصوات فردية، نريد من هذا المجمع أن يكون له صوت واحد يدوي في أصوات الدنيا، يصدر حكمه بلا خوف ولا تردد ولا وجل حول هذه الحرب الضروس التي أكلت اليابس قبل الأخضر، وأتت على أموال هذه الأمة، وأذهبت رونق جمالها، وجعلت الإسلام في نظر أعدائه أسود قاتماً لا يبصر منه الناس في هذا الزمان في بلاد الغرب التي تعادينا، لا تبصر منه إلا شؤما وإلا قرفاً وإلا سبة عار في جبيننا عياذا بالله تعالى. فماذا أنتم قائلون؟ وبارك الله فيكم والسلام عليكم.

стр. 3061

الرئيس: شكراً. أما موضوع إرسال البحوث يا شيخ محمد فإن البحوث أرسلت إلى الأعضاء قبل ثلاثة شهور، وقبل أربعة شهور، وقبل شهرين، وأما جعل خلاصة في آخر كل بحث، فهذه اللائحة التنفيذية للمجمع ذكرت الشيء هذا، إلا أنه لم يحصل الالتزام بها، لكن هي مراعاة في نظام المجمع في اللائحة التنفيذية، وقبل أن أعطي الكلمه للشيخ رجب، شكراً لكم على كلمتكم، وأرجو من الإخوة ألا نخرج من موضوع زراعة الأعضاء، وهكذا في بقية المواضيع التي تكون مطروحة في هذا المجمع. الشيخ رجب مع مراعاة الاختصار للوقت. الشيخ رجب بيوض التميمي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. إن الموضوع الذي أمامنا هو موضوع خطير يجب ألا نتسرع في الحكم فيه، والحكم فيه واضح وظاهر وبين. فقد خلق الله الإنسان للعبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات: ٥٦، والله خلق لإنسان في أحسن تقويم، وقد خلقه ومَنَّ عليه بما خلقه من أعضاء: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ البلد: ٩.٨، وأعضاء الإنسان شرعاً قول مبتوت فيه لا يملكها الإنسان. إنما خلقها الله فيه لينتفع بها، وليحيا حياة طيبه بها؛ ليعبد الله حق العبادة. فهو لا يملك هذه الأعضاء حتى يتبرع بها أو يبيعها أو يتصرف بها ورثته؛ لأن الإنسان لا يورث منه إلا ماله، وكذلك لا يجوز له أن يتبرع بما لا يملك، ولا أن يأخذ عوضاً عن أعضاء خلقها الله فيه لينتفع بها وليعبد الله بها. ولذلك فإن هذا البحث أستهجنه؛ لأنه بحث جاءنا من الغرب المادي الذي لا يفكر إلا في المادة وحدها، أما النواحي الروحية المعنوية والكرامة لبني الإنسان ولبني آدم لا يضع وزنا لها. ولذلك فإنني أقول: إن الإنسان لا يملك أي عضو فيه، ولو كان ظفر أصبع؛ فإنه يعبد الله. ألا ترى أن الإنسان يتشهد برفع أصبعه، فكيف يجوز له أن يتصرف فيه، وإنما لو تركنا الأمر للإنسان ليتصرف برضاه بأعضائه لحصل من ذلك فوضى وسوء تصرف، وخروج عن الطاعة والوقوع في المعاصي بدعوى الرضا. دعوى أن كل إنسان حر في نفسه. لا، الحرية في الإنسان مقيدة بأوامر الله، والله خلق الإنسان وخلق له أعضاء، وخلق كل شيء فيه له خاصة، أما أن نتوجع على شخص مريض لنأخذ له عضواً من شخص صحيح، فهذا أمر لا يجوز لنا البحث فيه، صحيح أن هناك بعض الأشياء التي ذكرها بعض الإخوان تؤخذ من الإنسان كالدم، الدم يؤخذ لينتفع به آخر إذا كان لا ضرر فيه على المأخوذ منه، أو بعبارة أخرى أنه يعوض ما أخذ منه من دم أو كما يقول الأطباء: لا يتضرر من أخذ دم منه كالفصاد. الإنسان قد يكون فيه دم زائد، وهذا يمكن أن ينتفع به؛ لأنه لا يتضرر من أخذ هذا الدم. أما قطع عضو أو أخذ شيء محسوس منه فيجب منعه. أقول: يجب أن يفتى وأن يؤخذ بأنه حرام مطلقاً. وما ذكره السرخسي من أن إنسانا لو قال لإنسان آخر: اقطع يدي قطعه، لا شك أن هذا حرام وممنوع. ومن قطع العضو يجب أن يعزر إن لم يقم عليه الحد للشبهة؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، لكن هذا الإنسان الذي اعتدى يجب أن يعزر وأن يعاقب؛ لأن الإنسان إن قال له: اقطع يدي فلا يجوز له أبدا أن يقطع، وإلا تقع حرمات كثيرة، وتقع مصائب كثيرة إن قلنا للإنسان: أنت حر فيما تفعل بأعضائك، فقد يفعل المنكر إن لم نقفل هذا الباب. ونقول له: أعضاؤك ليست ملكك، وإنما هي لك للانتفاع بها فقط، لا لغيرك، فلا يجوز أن تتبرع أو أن تأخذ عوضا، ولا يجوز لورثتك أن يتصرفوا بك بعد موتك؛ لأن الورثه فقط لهم مال الإنسان. هذا ما أردت أن أوضحه حسب اجتهادي بما علمت وبما درست وبما فهمت. والله الموفق.

стр. 3062

الدكتور عبد السلام العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. لا أريد أن أكرر ما قاله الإخوان أو ما أشير إليه في البحوث، إنما أحب أن أعلق جملة من التعليقات، وكان بعضها نقطة نظام. والذى أرجوه أن يلاحظ هذا في الجلسة القادمة أن العارض ليس المقصود أن يعرض بحثه أو أن يقرأ بحثه، لابد في الواقع أن تقدم خلاصة عن جملة البحوث التي وردت في المسأله لتوضيح الصورة متكاملة أمام المجمع وبالتالى يبدأ النقاش على هذا الأساس. فى ظني أن هذه القضية واضحة، لا يجوز فيها الإطلاق لا بالمنع ولا بالإباحة، وحتى الذين قالوا في هذه الجلسة بالمنع بالإطلاق إذا دخلت معهم في نقاش تفصيلي تجدهم يقرون المبدأ، فمن حيث المبدأ الأمر مقر عند الجميع، ولا أحتاج للتدليل على هذا، يكفي أن نذكر قضية نقل الدم، فقضية نقل الدم قضية مجمع عليها، عندما تسألهم: لماذا يقولون بالجواز في هذه القضية؟ يقول لك: إنه لا ضرر فيها، والدم يتجدد، إذا ما الذي يمنع أن يسهل الحكم. إذا فلا بد في الواقع أن تحرر المسألة بدقة، ثم بعد ذلك ينظر إلى ما تنسحب عليه بعد تحريرها بدقة بمختلف مواصفاتها وشروطها. في ظني أن لبسا كبيرا وقع في هذه المسألة من استخدام كلمة المتبرع وكلمة الإذن، وحدث نتيجة هذا اللبس أن غفل عن أصل المسألة، وأنها في دائرة الضرورات وأنها من منطلق رعاية مصلحة الإنسان وغيره، الواقع يجب أن نخرج من هذا الموضوع قضية الملكية؛ لأننا لسنا في مجال ما يمتلك وما لا يمتلك في التعامل مع الإنسان نفسه. الأصل في هذه المسألة، ومنطلق البحث فيها، إذا كان هنالك صيانة لحياة إنسان قطعا، وكانت هذه الصيانة تتطلب الاستفادة من عضو الإنسان، سواء أكان حياً أو ميتاً، دون الإضرار به، هل هذا يجوز؟ وما شروط ذلك؟ وضعوا قضية الملكية جانباً؛ لأن شرط الإذن في هذه المسألة واستخدام كلمة التبرع ليس باعتبار الملك أو عدمه؛ لأننا كما قال أستاذنا السلامي سنضطر إذا قلنا: إن القضية تبرع بما يملك، إذن الذي يتبرع يملك أن يبيع، ونحن نتحفظ على عملية البيع ونمنعها، إذن الموضوع ليس هذا مدخله. الموضوع مدخله من هذه الزاوية، زاوية الضرورة. وقضية الإذن نشترطها منعا للبس الذي أشار إليه أستاذنا البوطي عندما قال: إن السماح بمثل هذا قد يوقع مشكلات وقضايا. إذن نحن نشترط الإذن حتى لا يترتب على عمليه استخدام أعضاء الجسم الإنساني حيا كان أو ميتاً مشكلات وقضايا وخلافات، وهذا أيضا الذي أدخل قضية الأولياء، أدخل قضية الأولياء لهذا الاعتبار. اشتراط إذنهم وموافقتهم في إذا لم يكن هنالك إذن من الإنسان نفسه. هذه قضية.

стр. 3063

قضية أخرى يجب أن يتنبه إليها في هذا المجال، إن هنالك أموراً كما قلنا: إنها جائزة، ونحن مجمعون عليها، حتى عند الذين يتحفظون على أصل المسأله، هنالك قضايا يجب أن نقول بمنعها أيضا قولا واحداً؛ لما يترتب عليها من مشكلات وأمور تخل بمبادئ وقواعد شرعية أساسية كما في قضية التبرع بالخصية وقضية التبرع بالمبيض وغير ذلك. وأنا أقول لأستاذنا أحمد محمد جمال في هذا الموضوع: إنه ثبت في النحو الطبي، وهذا أتركه للأطباء، أن التبرع بالخصية المواصفات الخاصه بالحيوانات المنوية لا تعود للمتبرع إليه، إنما تعود مواصفاتها للمتبرع، مما يعني أن هناك اختلاطا في الأنساب. كذلك قضية الولي عمن هو تحت ولايته لا يملك هذا. إذن هذه القضية نمنعها. قضية التبرع بما يسبب إشكالات أخرى؛ كاختلاط الأنساب، نمنعها. قضية اللقائح المرشحة، وهذا تحفظ كنت أشرت أنا إليه في بحث أطفال الأنابيب وغفل عنه. كنت نبهت إليه في الدورة الثانية هنا ولكننا غفلنا عنه في دورة عمان، الواقع لا بد من إضافة قيد من أن لا يكون هنالك ترشيح لعدد كبير من اللقائح؛ لأنه حتى لو لم نستخدم منها في زرع الأعضاء فإننا ندخل في دائرة القتل فيما إذا سمحنا للأطباء بعد ذلك أن يتلفوها أو لا بد أن تكون اللقائح المرشحه بالقدر الذي يفى بعملية أطفال الأنابيب؛ حتى لا تتولد عنها لقائح فيها الحياة، ثم بعد ذلك نقتلها أو نتيح للأطباء أن يفكروا في عملية الاستفادة منها في زرع الأعضاء. ثم أشير هنا إلى أمر آخر في موضوع ما استقر في كثير من الدول، نحن لا نريد في هذا المجمع أن نأتي الأمور من نهايتها ونعود بالمصادر على كل ما أنجزناه. هذا الموضوع كما تفضل بعض الإخوان قد استقر في كثير من الدول وبحثه علماء أجلاء ووضعوا فيه قواعد وشروطاً. وأذكر في هذا المجال المملكة الأردنية الهاشمية، أن هناك قانونا يتعلق بالانتفاع بقرنية العين صدر سنة ١٩٥٦ بشروط شرعية معتبرة قبل ٣٢ عاما، ولدينا في هذا الموضوع قانون عمم قضية الانتفاع بأعضاء الجسم ضمن شروط شرعية معتبرة، أقرتها لجنة الفتوى صدر سنة ١٩٧٧. الواقع مما يجب أن نحرص عليه في هذا المجال أن إطلاق الفتاوى دون أن توضع التشريعات الضابطة لتطبيقها في الدول التي تتبناها قد يوقع مشكلات كبيرة وسوء استخدام لهذه الفتاوى؛ لذلك كانت لجنة الإفتاء في المملكه الأردنية على ملاحظة لهذه النقطة فما أصدرت فتواها إلا وأرفقتها بتنسيق مع الدولة بتشريع يضبط هذه القيود التي نضعها؛ لأنه يبدو أننا نضع قيوداً في كثير من الأحوال في فتاوانا ولا ينتبه إليها، ويؤخذ المبدأ كمبدأ مجاز، ثم ينطلق في تطبيقه دون ملاحظة للشروط التي قررت، ولذا فيما إذا توجه مجلس المجمع للجواز في هذا، ووضع قيوداً وشروطاً، وهو كما أظن الاتجاه الأسلم في هذا المجال لابد أن يرفق بضرورة صدور تشريعات ضابطة لهذا الأمر ومراعية لتطبيقه أسلم تطبيق. وشكراً والسلام عليكم.

стр. 3064

الرئيس: شكراً. قبل أن أعطي الكلمه للأستاذ محمد أيمن في الواقع أن الموضوع الذي طرح أمامنا الآن ليس موضوعاً محدداً في صورة من صور النقل والتعويض. وإنني بالاستقراء ظهر لي ما يقرب من ثلاثين صورة لعدة اعتبارات، سواء كان من حي إلى حي أو من ميت إلى حي، وباعتبار الإسلام والكفر، وباعتبار الأهلية، ونقص الأهلية إلى غير ذلك ما يقرب من ثلاثين صورة، فهل نجري بحثنا والمداولات فيه على أساس هذه المجموعة الكبيرة من الصور الشائكة، ولا أظن أن مثل هذه الجلسات، وأمامنا جدول مضغوط بعدد من البحوث، أنه يستوعب أن نناقش هذه الصور واحدة واحدة، بحيث تصدر فيها آراء فقهية بحسب ما يصل إليه الأكثرية في هذا المجمع، ولهذا فإنني أخشى إذا سرنا في هذا المسار بأن نبحث الموضوع على صفة العموم، هكذا أن ننتهي إلى غير غاية، ولهذا أقترح عليكم أن يحدد الموضوع الذي يبحث، هل نبحث الموضوع بكليته؟ فالذي يظهر فيه تعذر البت فيه أم نبحثه بجزئية أو جزئيتين أو ثلاث، فهذا هو الذي ينبغي أن يحدد، وأن يؤخذ بالأهم فالأهم من هذه الصور. والمسأله كما أشار إليها الأستاذ حسن الشاذلي والشيخ المختار وعدد من الإخوان هي مهمة وحساسة. ونحن لا نريد أن يصدر فتوى فيها شيء من الإطلاق تمتطيها جهات أخرى فيستغلونها على ذمة هذا المجمع. هذا ما يتعذر إصداره من هذا المجمع. ولهذا فإنني أرى أن يقصر البحث في الموضوع على صورة أو صور معينة. أما أن يبحث الموضوع زرع الأعضاء؛ ولهذا فإننا إلى الآن من خلال هذه المداولات بأجمعها لم يتضح لنا رأي نعرف اتجاه المجمع إليه بالجواز المقيد أو بالمنع أو بالتفصيل. هذا ما أحببت الإشارة إليه. والكلمة الآن إلى الأستاذ محمد أيمن.

стр. 3065

الدكتور محمد أيمن صافي: بسم الله الرحمن الرحيم. وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أصحاب الفضيلة، أصحاب السماحة، أصحاب السعادة. يتضح لي كما اتضح للكل أن الموضوع شائك. إنه بعدما يتحدث المتحدث تنشأ الكثير من التساؤلات، وإني أؤيد فضيلة الرئيس بأن تحدد النقاط. ولا تظنوا أننا خرجنا بغير فائدة، فالفائدة موجودة، وحسبنا أننا سنحدد النقاط، وسيكون هذا الاجتماع منطلقاً لدراسات وأبحاث وتشاورات ما بين المختصين وما بين السادة الفقهاء؛ لنصل في اجتماعات أخرى إلى ما يرضي الله أو إلى ما نسأل الله أن تكون فيه الفائدة. نخرج بقرارات فقهية بعد دراسات وبعد مباحثات مع بعض. قلت: إنه بعدما يتحدث المتحدث تنشأ الكثير من التساؤلات. فقد بدأ زميلي الدكتور محمد علي البار، وفي نهاية حديثه طرح موضوع زرع الأعضاء التناسلية. الخصية والمبيض، ثم وجدت أن الشيخ عبد السلام العبادي إذا صح تخميني قد دعا إلى تحريم زرع الخصية والمبيض. إن هذا الجواب القاطع أعتقد ليس مقبولا، فلنعرف أن غرس الخصية لا يتم من أجل الحيوانات المنوية أو الخلايا التناسلية. وإنما من أجل علاج الصفات الجنسية الثانوية بغض النظر عن الخلايا التناسلية، فلو افترضنا كما يظنه البعض أن غرس الخصية سيؤدي إلى نقل الخلايا التناسلية، فنكون بهذا قد أوجدنا حلا جيداً لقضية عويصة يقف أمامها الأطباء المختصون، وهي قضية العقم، إذن ما أريد قوله في هذه النقطة أن الدراسة المتأنية والبحث المتأني سيغير موزون القضية، فنجد بالنسبة لهذه القضية عندما ننظر إلى غرس الخصية بأنها علاج العقم. فطبعا سيتبادر أنه حرام، لكن عندما نجد علاج الصفات الجنسية فإننا بذلك نميل من التحريم إلى التحليل حسب اعتقادي. قضية أخرى أن موضوع غرس الأعضاء كما تعرض إليه الإخوة أصحاب الفضيلة حدده بأنه غرس أعضاء من شخص حي إلى شخص حي آخر، أو من ميت إلى حي. إن النقطة الأولى والتي هي غرس العضو أو نقل العضو من حي إلى إنسان حي آخر تتضمن أيضاً العديد من النقاط، فلا يجوز أن نطلق الحكم بالتحريم أو التحليل؛ لأن غرس العضو من حي إلى حي يتضمن أيضا غرس العضو ضمن نفس الجسم، وهو ما يسمى بالغرس الذاتي، فهذا يختلف، وأيضا هنالك حالة، فمثلا غرس قرنية العين في هذه النقطة لو رأينا أنه من الممكن الحصول على قرنية العين من إنسان حي عندما يضطر هذا الإنسان إلى التخلي عن عينه في بعض الأحوال يضطر الطبيب إلى استئصال العين لوجود مرض يستدعيه للاستئصال، ففي هذه الحالة نحن أمام غرس عضو، والذى هو قرنية العين، وهو جزء من العين مأخوذ من جسم حي، لكن من عضو يجب استئصاله، إذن فالموضوع شائك. وكما بدأت فإنه من المفيد أن نبدأ من الآن، وكما قال أصحاب الفضيلة من قبل، بدراسة هذا الموضوع بشكل جزئي نأخذ النقاط كلا على حدة ويتم بها البحث والتداول والتشاور، ومن الممكن أن نأتي في الاجتماع القادم بمعلومات أفضل وبقرارات أفضل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3066

الشيخ محمد سيد طنطاوي: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد، فمما لا شك فيه أن هذه الاجتماعات لها من النفع ما لها؛ لأن العقول مثلها كمثل الشموع، كلما تقاربت كلما سطع ضوءها، وفي هذا الاجتماع الذي نناقش فيه تلك المسأله أقول: إنه لا توجد مسائل صعبة متى خلصت النيات، ومتى صحت العزائم، وتعجبني كلمة لعلماء الأصول، وهي تحرير محل النزاع. إذا ما تحررت المسألة واتضحت سهل العسير وقرب البعيد. وهذا الموضوع ليس جديداً، وإنما هو موضوع تكلم فيه العلماء كثيراً، سواء كان كلامهم على جهة الانفراد أم على جهة المجامع الفقهية. فتوجد فتاوى متعددة ومن جهات رسمية حول هذا الموضوع. والذي أحب أن نصل إليه ألا يكون هناك تضارب أو تناقض في الأفكار. وإنما الذي نريد أن نصل إليه هو التقارب، وألا تصدر فتوى هنا تتناقض مع فتوى هناك، وإنما نحاول أن نعود إلى القرارات التي اتخذت في هذا الموضوع من المجامع الفقهية المختلفة، ومن دور الإفتاء، وأن نضيف إليها ما نراه نافعاً وما نراه صالحاً؛ فإن الأحداث تتجدد، وإن المسأله التي لا يسأل عنها اليوم قد يسأل عنها في الغد. وأنا أمامي الآن في ختام البحث الذي قدمه الأخ الشيخ خليل محي الدين الميس في الصفحة السابعة القرار الذي اتخذه مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بمكة منذ ثلاث سنوات، ونصه إذا أذن لي فضيلة الرئيس، وهو قرار لن يأخذ سوى دقيقتين، لكنه قرار نافع من وجهة نظري، وأنا شخصيا أرتاح إليه ارتياحا تاماً: أولاً: أن أخذ عضو من جسم إنسان حي وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية بالنسبة للمأخوذ منه، كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه. وهو عمل مشروع وحميد إذا توافرت فيه الشرائط التالية: أولاً: ألا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضرراً يخل بحياته العادية؛ لأن القاعدة الشرعية أن الضرر لا يزال بضرر مثله، ولا بأشد منه، ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. وهو أمر غير جائز شرعاً. ثانياً: أن يكون إعطاء العضو طوعاً من المتبرع دون إكراه. ثالثاً: أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر. رابعاً: أن يكون نجاح كل من عمليتي النزع والزرع محققاً في العادة أو غالباً.

стр. 3067

ثانياً: تعتبر جائزة شرعاً بطريق الأولوية الحالات الآتية: أولاً: أخذ العضو من إنسان ميت لإنقاذ إنسان آخر مضطر إليه بشرط أن يكون المأخوذ منه مكلفاً، وقد أذن بذلك في حالة حياته. ثانياً: أن يؤخذ العضو من حيوان مأكول ومذكى مطلقاً، أو من غيره عند الضرورة لزرعه في إنسان مضطر إليه. ثالثاً: أخذ جزء من جسم الإنسان لزرعه أو الترقية به في جسمه كأخذ قطعة من جلده أو عظمه لترقيع ناحية أخرى من جسمه بها عند الحاجة إلى ذلك. رابعاً: وضع قطعة صناعية من معادن أو من مواد أخرى في جسم الإنسان لعلاج حالة مرضية فيه كالمفاصل وصمام القلب. فكل هذه الحالات يرى المجلس جوازها شرعاً بالشروط السابقة. أرى أن هذا كلاما جيداً وكلاما نفيسا، ينبغي أن نعود إليه وإلى غيره، وعندما نصدر قرارا في هذا الموضوع المطروح أمامنا أن نرجع إلى تلك الفتاوى وأن نضيف إليها ما نريد أن نضيفه، بشرط أن لا يكون هناك تناقض أو تضارب. ولفتت نظري كلمة من الإخوة المتحدثين، أنه ليس هناك من فارق بين مسألة التبرع ومسألة البيع. وأنا من وجهة نظري الشخصية أرى أن هناك فارقاً ولو كان هذا الفارق ضئيلا. ولكن لا بد أن يكون هناك من فارق. المتاجرة بالأعضاء عن طريق البيع وعن طريق التعامل ممنوعة وحرام قطعاً؛ لأن جسم الإنسان لا يصلح أن يكون محلا للمتاجرة. لكن في الحقيقة التبرع شيء لا يلجأ إليه الإنسان إلا عند الضرورة القصوى، أنا لا أتبرع لمن لا أعرفه، ولا أتبرع لإنسان أحبه حباً عادياً، وإنما أتبرع لأحب الناس إلى ولألصق الناس إلى قلبي. فهناك في تصوري فرق واضح بين حالة التبرع وبين حالة البيع. نقطة ثالثه أيضا لفتت نظري خلال إلقاء البحث الذي ألقاه الأخ الشيخ خليل، وهو أنه أتى بعبارة يقول فيها: جلب المصالح مقدم على درء المفاسد، والذي أحفظه أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وتلك هي القاعده العامة، قد تكون العبارة الأولى قاعدة ولكنها ليست عامة أو ليست غالبة، ولكن القاعدة الغالبة والشائعة والتي حفظناها أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذا وبالله التوفيق وشكراً.

стр. 3068

الشيخ آدم عبد الله علي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. إنني أريد أن أنقل بعض الفقرات عن بعض الأئمة الشافعية. يقول الإمام النووي: يجوز قطع الإنسان بعضه لأكله؛ لأنه إتلاف بعض لاستبقاء كل. وقال أبو إسحاق المروزي: لأنه إحياء نفس بعضو، كما يجوز أن يقطع عضوا إذا وقعت فيه الأكلة لإحياء نفسه. واشترطوا في ذلك شروطا، وفي نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي عبارة أوضح من ذلك، يقول في جزئه الثاني صفحة ١٤٥: ويحرم قطعه البعض من نفسه لغيره، ولو مضطرا، ما لم يكن ذلك الغير نبيا. وفي المجموع شرح المهذب للنووي في المجلد التاسع يقول: لو أراد المضطر أن يقطع قطعة من نفسه من فخذه أو غيرها ليأكلها، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد حرم القطع بلا خلاف. وصرح به إمام الحرمين وغيره، ثم يقول: ولا يجوز أن يقطع من أعضائه شيئا ليدفعه إلى المضطر الآخر بلا خلاف. وصرح به إمام الحرمين والأصحاب. يعني أصحاب الشافعي. لا شك أن الله أكرم الإنسان ميتا كما أكرمه حيا؛ قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ عبس ١٧ – ٢١ فجعله سبحانه بعد موته مقبورا، فالواجب على المسلمين إذا مات واحد منهم الدفن كله لا بعضه، فانتهاك حرمة الميت المسلم كانتهاك حرمته حيا؛ فقد روي عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: ((إن كسر عظم الميت ككسره حيا)) رواه مالك وأبو داود وابن ماجه. وقد جوز الفقهاء أو بعضهم شق بطن الحامل الميتة لإخراج جنينها الذي يرجى حياته، كما جوزوا بقر بطن الميت إذا كان في بطنه مال ابتلعه في حياته لإخراج المال منه إذا بلغ المال نصاب السرقة أو الزكاة، على خلافهم في قدر المال الذي من أجله يشق بطن الميت، وقاس بعض العلماء على تلك المسائل جواز تشريح المجني عليه الذي مات قبل إثبات الجريمة. ورأي الفقهاء في ذلك ظاهر؛ لأن في تلك المسائل تعلق حق الغير، أو إثبات حق الغير في ذات شخص معين، وإن كان ميتا، فانتهك حرمته لأجل ذلك، وأما انتهاك حرمة الميت بقطع بعض أعضائه لجعلها قطع غيار لغيره، فليس من قبيل ذلك في نظري، فلا أجد في نظري القاصر وجها لإباحة ذلك مطلقا، لا بوصية حال حياته، ولا بإذن أقاربه بعد موته. وقياس الاضطرار بالمرض على الاضطرار بالجوع غير صحيح؛ لوجود الفرق بينهما، فالله قيد الاضطرار الذي أبيح لأجله للمضطر أكل الميتة بالكيف، وهو المخمصة، قال سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ المائدة: ٣، وأما الاضطرار بالمرض فليس هذا بالاضطرار. وشكرا، والله أعلم.

стр. 3069

الشيخ أحمد بازيغ الياسين: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، اللهم صل على عبدك ونبيك محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه الكرام الغر الميامين، وعلى من اتبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد. أود أن أبين هنا بأني لا أستطيع أن أخفي إعجابي وتقديري بكلمة فضيلة الشيخ بكر عبد الله أبو زيد رئيس المجمع، التي أعتبرها فتحا ـ فتح الله عليه ـ صباح اليوم كلمة قيمة؛ لما تحمل من معان علمية وفقهية لو عممت على أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي لأتت بفائدة كبيرة، فإذا بالإمكان تعميمها أو بالإمكان أن تكتب في الحقيقة؛ لأن الشيخ ألقاها ارتجالا، فيا حبذا أنها لو تكتب وتعمم على أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي حتى ينتفع المسلمون بها، فجزاه الله كل خير ووفقه الله. النقطة الثانية: إني أشكر جميع علمائنا الأفاضل على ما أبدوه من آراء في بحوث تقدمت بخصوص غرس الأعضاء. والحقيقة الموضوع سبق أن بحث في كثير من الهيئات الفقهية، وخرجت بآراء مبنية على دليل واجتهادات مشكورة، وأنا في الحقيقة أتفق مع رأي الدكتور إبراهيم شقرة بأن يكون المجمع لجنة مختصة من أهل الاختصاص ليرجحوا بين الآراء وليأخذوا بالرأي القوي الدليل، الذي دليله من الكتاب والسنة؛ لأن الله قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨، وليس هناك شيء في الحقيقة لم يذكره الكتاب، إنما علينا أن نتدبر ونتفكر، وأن نبحث وأن نستنبط وأن نقيس. والمجمع له أن يرجح أقرب الآراء وأصوبها إلى الدليل. ثم هناك نقطة في الحقيقة أود أن أسأل عنها فقهاءنا، تعلمون أن الرضاعة لها أحكامها، وأحكام الرضاعة تتأثر في الحقيقة، فعندما يرضع الطفل تنشأ أحكام فقهية تسمى أحكام الرضاعة، فهل عندما يغرس عضو في إنسان من إنسان آخر تنشأ عنه أحكام فقهية؟ الحقيقة أنني لم أسمع رأي الفقهاء في هذا. بالنسبة لما قاله الدكتور محمد إبراهيم شقرة بأن يقول المجمع كلمته فيمن يريد إبادة أمة الإسلام وينحرف بعقيدتها عن الصواب قبل أن يقول كلمته في ترميم الأعضاء، أعتقد أن هذا شيء مهم، يعني أنا لا أستطيع أن أصبغ غرفة أو أرمم غرفة أو أعمل فيها ديكورا وهناك من يريد أن يهدم بيتي علي، فأقل ما يمكن أن أوقف هذا الإنسان الذي يريد هدم بيتي، ثم بعد ذلك آتي بالأمور الأخرى. أثني على ما قاله بهذا الخصوص وأعتبره ليس خروجا عن الموضوع وشكر الله لكم.

стр. 3070

الرئيس: في الواقع أكرر رجائي على أن المداولات تكون في الموضوع فقط، ولا تخرج عنه، مع المعذرة من أصحاب الفضيله المشائخ؛ لأن أمامنا قضية فقهية مهمة تحتاج إلى تفرغ ذهني، وألا ندخلها في غيرها ولا يدخل غيرها معها، ولم تجر العادة على أن المسائل الفقهية تشرك معها أمور أخرى، هذه لها جلسة في آخر جلسة، أو في أول جلسة من الجلسات القادمة، يتفق على البحث في أي موضوع يستجد مع الأمانة حسب نظام المجمع، وحسب لوائحه التنفيذية، أما لو أخذنا بأن كل من كان عنده إحساس نحو مسألة بعينها تثار، لذهب الجدول وسقطت الموضوعات فيه، وأتينا بأمور أخرى، ولا شك أنها أمور تنشأ من اهتماماتكم ومن إحساسكم في الواجب الإسلامي على الجميع، لكن ما بين أيدينا هو واجب إسلامي، وهي أمور شرعية بحاجة إلى البت. تفضل. الشيخ محمد شريف أحمد: نحن مجمعون، وأعتقد أن هذه المسألة موضوع البحث من المسائل التي سكت عنها الشارع، ولا أعتقد أن احداً من الباحثين استدل على رأيه بآية كريمة أو بحديث نبوي شريف. نعم قد ذكروا بعض الآيات الكريمة وبعض الأحاديث النبوية التي تدل على كرامة الإنسان وكرامة بني آدم، فالمسألة من المسائل المستجدة، وليست المستجدة كل الجدة، ولكنها مستجدة نوعاً ما، فرأينا أن كثيرا من الباحثين عمقوا كثيراً في نصوص عبارات الفقهاء. ونحن نجل عبارات الفقهاء، إلا أنها دون شك لا ترتقي إلى مستوى الأصول، تبقى هذه النصوص نصوصاً نستأنس بها، وقد نستهدي بها في فهمنا أو في استنباطنا لهذه المسألة. ويؤسفني أن بعضهم قد عمقوا وأطالوا في الاستشهاد بعبارات الفقهاء الأجلاء، تلك العبارات أو تلك الآراء التي نتجت عن الفقه التقديري التصوري. وأن الفقه التقديري قد لا يصلح عرضه في كل مكان، وفي كل زمان، لايصلح لنا في هذا الزمان أن نستشهد بعبارات للفقهاء مع تقديرهم، تشير إلى أكل الإنسان لحم الإنسان، باعتبار حرمة الحي وعدم حرمة الإنسان الميت، أو الأهم فالمهم، حتى تجاوزوا إلى أكل الأنبياء، لحوم الأنبياء. وكلنا يعلم أن النبى ﷺ هو خاتم الأنبياء فلا نبي بعده. فأقصد من ذلك القول إلى أننا في معالجتنا هذه المشكلات لا يجب علينا أن نعمقها ونخضعها لقواعد فقهية قد لا تنطبق عليها بمعنى صحيح، في الأصول يتحمل الضرر الأخف لزوال الضرر الأهم، ولكن هذه القاعدة العامة والقواعد العامة الأخرى تختلف طبيعتها عندما ننزلها إلى الواقع. كيف نثبت أن هذا هو الضرر الأخف وذلك هو الضرر الأهم، خاصة في هذه المسألة الحيوية الخطيرة جداً، وأن أي قرار فيه سيخشى من نتائجه. علينا أولا وقبل كل شيء أن نعود إلى خبرة الأطباء، إلى ما يقوله الأطباء في كل هذه المسائل. وما علينا إلا أن نقول لهم: إن الإسلام منع هذا وأجاز ذلك، ونعطى لهم مساحات واسعة للأطباء، ولأهل الخبرة الأطباء المسلمين مجالات واسعة للتحرك وللعمل وفق هذه الحدود. وشكراً. والسلام عليكم.

стр. 3071

الشيخ عمر جاه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. فضيلة الرئيس، نشكرك على الطريق التي استطعت بها أن تدير هذه المداولات، ونثني على ما قدمت من الاقتراح بتحديد مسائل معينة يمكن التركيز عليها وإبداء الرأي الشرعي فيها، لكن المسألة التي نناقشها اليوم مسألة شائكة وخطيرة إذا نظرنا إليها من جميع النواحي، وأنا أريد أن أستشهد بكلمة قالها الأخ محمد علي البار، فأرجو أن ننتبه إلى هذه الكلمة؛ لأنها من خبير عالم متخصص في هذه المسألة، يقول: إن برنامج زرع الأعضاء يلتهم الأموال دون أن تقدم أي فائده إلا لعدد محدود جداً من البشر، إذا نجحت تجعلهم يعيشون حياة مليئة بالتعاسة. فنحن هنا نناقش موضوعاً في منتهى الخطورة؛ ذلك لأنها قائمة بيننا فعلاً، لكنها مسألة مستجدة وتأتينا من بعيد، وأنا أتساءل: ما هي الأولويات التي نبني عليها حينما نتناول موضوعاً علمياً ينبغي إبداء رأي شرعي فيه؟ ولذلك أولا ينبغي أن نؤكد مسألة الضرورة الشرعية التي تتيح لنا المحظورات، ونسأل أنفسنا أولا وقبل كل شيء عن الدوافع الأساسية في نقل الأعضاء من شخص لشخص، وأنا لا أريد أن أخوض في مسألة التبرع، البيع، التجارة، لكن أتكلم عن مسألة التبرع، والأخطر من هذا هي منظور تجاري في هذه المسألة. وينبغي أن نبتعد عن التقليد الأعمى. هو صحيح أن هناك مجامع فقهية تجتهد في هذا، ونحن نقدر اجتهادها، ونعتقد أن ما وصلوا إليه رأي شرعي جيد، لكن المسألة أخطر وأكثر من هذا. هذا المجمع يمثل العالم الإسلامي بأجمعه، قبل أن نخرج برأي شرعي وفتوى شرعية نلتزم بها، ينبغي أن نعيد النظر في هذه المسألة وندرسها دراسة متأنية، ولذلك أؤيد عدم البت في هذه المسألة، وتحديد أجزاء منها نستطيع أن نعالجها، ومما لا شك فيه أننا لا نختلف أن جزءا بسيطا من هذه المسألة يمكن تبنيه، وهو نقل الدم، وأقول: إن نقل الدم مسألة بسيطة وضرورة، ونرى أنه تساعد على إبقاء الحياة ومعالجة الأمراض، لكن كما يقول الدكتور البار: إذا كانت المسألة هذه تكلف كثيراً من الأموال، والذين يتلقون هذا العلاج يعيشون في تعاسة، فلماذا نضيع الوقت فيها؟ هذا رأي عالم متخصص في هذه المسألة ينبغي أن نضعه في الاعتبار. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ محمد سالم بن عبد الودود: شكراً. لا أراني قد كفيت، المهم أن المعروف أصلا أن الإنسان لا يتصرف في بدنه؛ لأنه لا يملكه لا بالتبرع ولا بالمعاوضة، وأن الفقهاء القدامى نصوا على منع أكل لحم الإنسان للمضطر، وإن كان بعضهم جوز إزالة الضرورة المفضية إلى الموت بأكل لحم الإنسان. هذا الشيخ خليل بن إسحاق المالكي يقول في مختصره: والنص عدم جواز أكله لمضطر، وصحح أكله أيضا. ويقول الشراح: إن هذا التصحيح ضعيف معول عليه هو الأول. المهم أن نعود إلى ما أسفرت عنه المجامع ودور الإفتاء ونضعه بين أيدينا وننتقده إذا رأينا فيه منتقداً، ونعتمده إن رأينا معتمداً، ونخرج من هذه الدوامة الطويله في الأخذ والرد وشكراً.

стр. 3072

الشيخ طه جابر العلواني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد، إن الواقعة موضوع البحث واحدة من هذه الوقائع الكثيرة التي تقذفنا بمئات منها يومياً الحضارة الغربية المعاصرة. هذه الواقعة لها أصولها الفكرية وجذورها الثقافية، وغايتها وأهدافها الاجتماعية. والمجتمع الغربي الذي حدثت فيه هذه الوقائع وصدرت إلينا، لا يتقيد بأقوال الفقهاء ولا قواعد الأصوليين، ولا ينتظر فتاوى المجامع، وإنما يسير في تجاربه وأعماله وفقاً لمعطيات علمه التجريبي ونظرته إلى الإنسان. هذه النظرة التي تجعل من الإنسان مجرد مجموعة من المواد الكيماوية يمكن أن تشترى مجمعة من أي صيدلية بما يساوي عشرة ريالات أو خمسة عشر ريالا. حين انطلقوا في بحث هذه الأمور، انطلقوا في بحثها دون ضوابط، وقد كانت لهذه الأمور مؤثرات خطيرة جداً نفسية وإجتماعية، مؤثرات أثرت في نفوس من أخذت منهم الأعضاء، ومن زرعت فيهم الأعضاء. وقد أشار الأخ الأستاذ عمر جاه إلى تلك التعاسة التي يعيشها من أخذ العضو منه، ومن زرع العضو الغريب فيه. لم ألاحظ في الأبحاث المقدمة بين أيدينا أية دراسة نفسية أو اجتماعية تشرح لنا طبيعة هذه القضايا وآثارها النفسية وآثارها على البنية الاجتماعية بعد ذلك. وأقوال الفقيه وفتاواه لا ينبغي أن تكون خالية من النظر إلى الآثار والنتائج التي تترتب على ما يفتي به. إننا لو تابعنا هذه الحضارة في معطياتها كلها، وحاولنا أن نجيب عن كل تساؤل تطرحه، لربما طلبنا من هذا المجمع ومن مجامع أخرى مثله أو أكثر منه أن تظل في حالة انعقاد العام كله، وقد تستجيب لبعض هذه التساؤلات أو الحاجات، وقد لا تستجيب لذلك، ولذلك فإن من المفيد جدا أن ننظر فيما سبق، وفي هذا أثني على اقتراح فضيلة الأستاذ مفتي جمهورية مصر العربية الشيخ سيد طنطاوي في اقتراحه بالنظر في قرار مجمع الفقه بمكة ومحاولة الاستفادة منه. كما أثني على ما ذكره الدكتور عبد السلام العبادي في النظر في الصور التي تناولتها دار الإفتاء الأردنية وصدرت فيها قوانين. وأظن أن الصور التي يهمنا النظر فيها والخروج فيها بشيء، لعلنى أقترح حصرها في الصور الثلاث التي وردت في أحد الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع، وهي صورة النقل من حي إلى حي، صورة النقل من ميت إلى حي. الأمر الثالث: ما هي الشروط التي علينا أن نضعها والضوابط التي علينا أن نأخذ بها لنتلافى أية أضرار أو أمور جانبية لهذه الفتاوى التي تصدر، ولما يمكن أن تكون ذرائع له من مفاسد كثيرة ظهرت للإنسان الغربي، وستظهر في وقت غير بعيد للإنسان المسلم أيضا. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3073

الرئيس: شكراً. أحب أن ألفت نظر الشيخ طه إلى أن مجمع الفقه بمكة صدر عنه ثلاثة قرارات، والذي بين أيدينا هو قرار واحد، وهذه القرارت الثلاثة في عدد من الصور التي تتعلق بالنقل والتعويض الإنساني، وكذلك هيئة كبار العلماء بالمملكة صدرت منها ثلاثة قرارات في ثلاث صور، كل قرار في صورة مستقلة. فالصورة غير متكاملة فيما صدر من قرارت مجمعية، ومن هيئات كبار العلماء، ومن لجان الفتيا إلى غير ذلك، فهذا ما أحب أن أوضحه بأن مجمع الفقه بمكة ليس هذا هو القرار الوحيد له، وإنما له ثلاثة قرارات في هذا الموضوع. الشيخ طه جابر العلواني: ولكن ماذا عن حصر البحث في الصور التي ذكرنا، النقل من حي إلى حي، والنقل من ميت إلى حي مع الشروط والضوابط المطلوبة. الرئيس: على كل حال هذا هو محل البحث ... الشيخ رمضان. الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي: فقط أريد أن أقول شيئا واحدا تصحيحاً لبعض ما قد سمعنا من بعض الأمور الفقهية. سمعنا في هذه الأمسية من قال: إن الإنسان لا يرث من قريبه إلا المال، وتكرر هذا. ونحن لا نعلم أن هذا شيء قاله الفقهاء. الرجل الذي يقذف آخر فيموت المقذوف، ألا يملك ورثة المقذوف أن يرفعوا دعوى على القاذف؟ لم يخالف في ذلك فيما أعلم إلا السادة الحنفية، على خلاف بينهم في ذلك، إذن الكرامة انتقلت عن طريق الإرث، حق الكرامة كان للمقذوف، فلما مات انتقل هذا الحق إلى أقاربه. إذا مات الرجل حق خيار البيع، حق إنقاذ الحقوق المعلقة حقوق كثيرة معنوية كلها تورث. وهذا ما عليه جماهير الفقهاء. فقط أحببت أن أوضح هذه النقطة لأنها تُعِين في بلورة الموضوع الذي نحن بصدده. وشكراً.

стр. 3074

الشيخ حسن علي الشاذلي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. في الواقع كنت أود لو سمحت لي رئاسة الجلسة أن أضع أمامكم نتائج الدراسة التي قدمتها بين أيديكم؛ نظراً لأن كثيراً من الأمور قد نص عليها في هذا البحث. فإذا سمح لى سيادة الرئيس أن أتلو نتائج البحث ثم أعلق على ما ذكره حضرات السادة الإخوة، باختصار أنا تناولت في المبحث الأول من هذا البحث المقدم إليكم النتيجة الأولى: إن الإنسان روحاً وجسماً كلا أو بعضاً مملوك لله تعالى وحده دون سواه. الثانية: أن دم الإنسان معصوم بحكم إنسانيته. ثالثاً: يحرم على الإنسان الاعتداء على نفسه أو الإضرار بها أو تعريضها للهلاك. ثم البحث الثانى بينت أن التداوي من الأمراض أمر مطلوب شرعاً، وأنه يجوز تداوي النفس البشرية بما أحل الله تناوله والتداوي به. وكذا يجوز تداويها بالمحرم إذا تعين المحرم علاجاً له دون غيره من المباحات على يد طبيب مسلم حاذق. رابعا: يجوز أن يكون التداوي والعلاج عن طريق الجراحة إذا دعت الضرورة أو الحاجة إلى ذلك. ثم انتقلت بعد ذلك إلى الضرورة، القاعدة الفقهية الضرورات تبيح المحظورات، فأخذ منها: أولا: يباح للمضطر تناول مال الغير بغير إذنه، ولو باستعمال القوة، إذا كان هذا المال زائداً عن حاجته. ثانيا: يباح للمضطر تناول الميتة والانتفاع بها بمقدار ما يسد رمقه؛ إذ الضرورة تقدر بقدرها. ثالثا: يجوز للمضطر التداوي بالميتة، سواء أكانت قائمة العين لم تمسها يد التغيير والتبديل أم غير قائمة العين بأن مستها يد التغيير والتبديل، فحولتها من حالة إلى أخرى. كل هذا عليه أدلة في داخل البحث. رابعا: يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت، سواء أكان معصوما أم غير معصوم؛ إحياء للنفس الآدمية، ومدا لأسباب البقاء لها إذا توافرت بالشروط الآتية: أولا: ألا توجد ميتة أخرى غير ميتة الآدمي. فإذا وجدت لا يحل الانتفاع بميتة الآدمي. ثانيا: أن يكون المضطر معصوم الدم. ثالثا: أن يكون الانتفاع بها حالة الضرورة، أما في حالة الحاجة أو التتمة فلا يجوز. رابعا: أن يكون هناك إذن بالانتفاع به من الميت قبل موته، أو من ورثته بعد موته. فإذا اختلف الاثنان أحدهما أجاز، والآخر منع، يمكن أن يؤخذ برأي المجيز؛ إنقاذا للنفس البشرية من الهلاك.

стр. 3075

وفي المبحث الخامس انتهيت إلى ما يلي: يجوز للإنسان أن ينتفع ببعض أجزاء نفسه في حالة الضرورة، أو في حالة التصحيح أو تعويض ما نقص أو تشوه من أعضائه، رجوعا به إلى حالته المعتادة، وذلك بشرط ألا يكون خطر القطع أعلى من خطر البقاء، على ما هو عليه، أو مساويا؛ منعاً من تعريض النفس للتهلكة. في المبحث السادس خرجنا بالقاعدتين: أولا: يحرم قطع جزء من جسم إنسان حي معصوم الدم لينتفع به إنسان آخر مضطر إلى هذا الجزء، وذلك باتفاق الفقهاء، وسأتلو فيما بعض عبارات الفقهاء. ثانيا: يجوز للمضطر المعصوم الانتفاع بجزء من إنسان غير معصوم الدم، استحق القتل بسبب جرم ارتكبه عقب تنفيذ حكم القتل عليه مباشرة؛ وذلك لإنقاذ هذه النفس البشرية من الهلاك، تحت رقابة السلطة التنفيذية، وتحت رعاية نخبة من الأطباء المسلمين الحاذقين، وبناء على قانون ينظم ذلك الانتفاع من جميع جوانبه، ولا يضر بحالة المجرم النفسية أثناء فترة الانتظار. المبحث السابع: انتهيت إلى ما يأتي: يحرم بيع الآدمي الحر مطلقا، وقد أجمع الفقهاء على ذلك. وموجود الأدلة. المبحث الثامن: يؤخذ منه: يحرم بيع جزء من أجزاء الآدمي المتجددة. المبحث التاسع: يحرم بيع جزء من أجزاء الآدمي غير المتجددة. المبحث العاشر: لا يصح أن يتبرع الإنسان بجزء من أجزائه لغيره. المبحث الحادي عشر: يبطل عقد الإجارة إذا كان محله قطع عضو صحيح من جسم الإنسان لا تدعو صحة الإنسان إلى قطعه. وكل أجر يأخذه الطبيب إزاء ذلك يكون باطلا. المبحث الثاني عشر: لا أثر لرضى المقطوع عضوه الصحيح في درء العقوبة المستحقة على من تولى قطعه طبيبا أو غيره. المبحث الثالث عشر: الإيثار إنما يكون في المال، أما الإيثار بالقربات أو بالأنفس أو الأعراض فممنوع شرعا. المبحث الرابع عشر: إن ما يترتب على القول بجواز نقل الأعضاء من إنسان آخر يؤدي إلى مخاطر كثيرة فيحرم سدا للذرائع. ثم في المبحث الخامس عشر: بينت عقوبة من يعتدي على نفسه بالنسبة، سواء إن كانت عمدا أو شبه عمد أو خطأ.

стр. 3076

أنا أردت أن أبين ما في البحث حتى يمكن أن يرد على بعض الأمور، لي تعليق صغير. أولا: لا شك أن المجمع بتقديره الحكيم رأى أن طرح الموضوع هنا للبحث وما إلى ذلك إلا لأنه يحتاج إلى مزيد من البحث، حتى وإن صدرت قبل ذلك آراء أخرى. ثانيا: قول بعض الإخوان: إنك إذا ناقشت المانعين لا يستطيعون الجواب؛ لأن هذا من باب الضرورة، أقول: لا. فقط نحن نصر على هذا الرأي لأن له أدلته، لماذا؟ لأن أولا الضرورة تتمثل في جانب المريض، لكن من أنت تذهب إليه لتقطع عضوه، أي ضرورة تأخذ بها عضوه؟ فالضرورة ليست هذه هي الضرورة والبحث فيها غير ذلك، والفقهاء جميعا متفقون في ما قلته. وأنقل إليكم عبارات الفقهاء لنرى هل الفقهاء تعرضوا للضرورة، وقالوا: إنه إذا كان هناك إنسان مضطر يمكن أن يأخذ من غيره. أولا: الحنفية يرون أنه لا يصح انتفاع الإنسان المضطر بجزء إنسان آخر معصوم الدم. فجاء ابن نجيم في الأشباه والنظائر تحت قاعدة الضرر لا يزال بالضرر: ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر، ولا شيئا من بدنه. وفي الشرح الكبير للدسوقي المالكي: والمباح للضرورة غير آدمي وغير خمر من الأشربة، وأما الآدمي فلا يجوز تناوله، وكذا الخمر، إلا لغصة، فيجوز إزالتها به عند عدم ما يسيغها به من غيره. ثم يقول تعقيبا على قوله: وأما الآدمي فلا يجوز تناوله بقوله: أي سواء إن كان حيا أو ميتا، ولو مات المضطر. هذا هو المنصوص في المذهب، وسبق أن بينا أن ابن عبد السلام صحح القول بجواز أكله للمضطر إذا كان ميتا، أما الحي فلا باتفاق علماء المذهب. الشافعية: ويحرم جزماً على شخص قطعه؛ أي: بعض نفسه لغيره من المضطرين؛ لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل. ونظرا لأن الأخ الأستاذ شرح هذا أو ذكره، فأكتفي أنه في النهاية يقول: والآدمي يحرم الانتفاع به وبسائر أجزائه لكرامته. الحنابلة: جاء في المغني مع الشرح الكبير: وإن لم يجد المضطر إلا آدميا محقون الدم، لم يصح له قتله إجماعا، ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو كافرا؛ لأنه مثلة، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه، وهذا لا خلاف فيه.

стр. 3077

الرئيس: النصوص هذه موجودة في بحثكم وفي بحوث الإخوان. الشيخ حسن علي الشاذلي: خلاص، وهو كذلك. إذن انتهينا إلى هذه النقطة، نقطة أخيرة، القول بالنسبة لأقوال الفقهاء. أقوال الفقهاء هذه إننا نتمسك بها لسببين: أما الأول: فهو أنهم نقلة ما فهموه، أو ما فهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ عبر الزمن، ودونوه، وكان لهم الفضل في نقله إلينا حتى هذه اللحظة، ولهم أدلتهم، وهي موجودة من الكتاب والسنة، حتى وإن كان فقها افتراضيا فبنوه على قواعد مسلمة في ذلك. أما القول الأخير: وهو أن هذا الموضوع فيه خير لها تختلف الأنظار فيه. إن الشر قد اندلع من وراء هذا الكلام من نقل الأعضاء، وقد نقلت في البحث جزءا عن الحوادث التي حدثت في العالم، والتي نشرتها صحف العالم حول ما ترتب على نقل الأعضاء وأصبح تجارة كما قلت في بداية كلمتي. ثالثا، أو أخيرا، بالنسبة لما يورث هو الحديث الشريف: ((من ترك مالا أو حقا فلورثته، ومن ترك كلا أو عيالا فإليه)) . وأشكر لكم.

стр. 3078

الأمين العام: بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أستميح حضراتكم عذرا في تقدمي باقتراح أبديه على ما لاحظت وما لاحظتم أنتم أنفسكم من اختلاف الآراء وتعارضها في هذه القضية، وفي هذا الموضوع الشائك والواسع الدقيق، وهذا لمسناه من الأحاديث أو التدخلات التي استمعنا إليها، كما وقفنا عليه في الدراسات والبحوث التي وقع التقدم بها إلى هذه المجمع. ثانيا: بجانب الآراء المختلفة والمتعارضة، وبجانب الدراسات التي استمعنا إليها، وقفنا على قرارات مجمعية متعددة، قد يكمل بعضها بعضا، وقد يتناقض بعضها مع البعض، وقد تكون الفتاوى متعارضة مع هذه القرارات، أو تكون فتاوى فردية قد لا يعتد بها، أو هي جديرة بأن يعاد النظر فيها؛ لذلك استمعت إلى بعض الإخوان الذين يرغبون في جمع حصيلة هذه القرارات والآراء والفتاوى لدراستها والإفادة منها، ثم إضافة ما ينبغي إضافته إليها من الشروط ونحو ذلك. فأمام اتساع الموضوع والاحتياج إلى ضبط جوانبه وتحديد نقاطه، أرى من الأفضل كما وقعت الإشارة إلى ذلك أن تتكون لجنة تتولى تحديد النقاط والجوانب الكثيرة؛ ليقع النظر فيها تفصيلياً وبدقة وتكون نتائج هذا البحث مقدمة بعد ذلك في المؤتمر القادم بإذن الله. وهذا ليس أمراً جديداً بالنسبة للمجمع؛ فإن كثيراً من القضايا ذات الأهمية التي احتاجت منا إلى دراسة مطولة قد استمرت سنة وسنتين، وهذا كأطفال الأنابيب، وكاستفتاءات البنك الإسلامي للتنمية وما إليها. كلما احتجنا إلى إعادة نظر واستكماله في قضية ما أرجأناها إلى الدورة القادمة، حتى يتم الإلمام بأطراف الموضوع ونستكمل الجوانب الدراسية التي لم يتقدم بها بالنسبة لنقاط وقع إغفالها. وأقترح أن تكون هذه اللجنة مؤلفة من أصحاب الفضيلة المشايخ: محمد المختار السلامي، ووهبة الزحيلي، وحسن الشاذلي، وعبد السلام العبادي، ومحمد علي البار، الدكتور محمد أيمن صافي، والشيخ رمضان البوطي. والمقرر في اللجنة من غير شك لا نحتاج إلى إضافته، فهو موجود في اللجنة وعضو فيها.

стр. 3079

الشيخ عبد السلام داود العبادي: في الواقع إذا كان القصد من هذا الاقتراح هو إنجاز بعض العمل في هذه الدورة فهو مقبول. أما أن يؤجل الموضوع برمته على وضوح بعض قضاياه فهو في الواقع ما درج عليه هذا المجمع. أرجو إن كان هنالك أمور واضحة ويمكن أن يبت فيها لماذا نؤجل هذا الموضوع ويقال: إن مجمعنا أجل هذه القضية التي كثير من أمورها واضح وضوح الشمس. الأمين العام: هذا تقرره اللجنة، إذا انتهت إلى اتخاذ موقف إزاء بعض القضايا فلها ذلك. الشيخ عبد السلام داود العبادي: أقترح من عندي: تعرض اللجنة ما تصل إليه من مداولات على المجمع، فإن أقر المجمع التأجيل فليؤجل. أما إذا كان هنالك بعض القضايا قد بت فيها لماذا لا يؤخذ فيها قرار.؟ أريد أن أكمل في الواقع. عندما طلبت الحديث أريد أن أقول كلمة صغيرة بالنسبة لهذا الموضوع المهم، أن تحصر قضاياه، ويمكن أن تقوم اللجنة بحصر قضايا هذا الموضوع. وما يمكن البت فيه على ضوء ما انتهت إليه المجامع ولجان الفتوى وغيرها يعرض على المجمع، فإن وافقه أصدر به قراراً. فإذا سمح لي سيدي الرئيس أريد أن أكمل الحديث في القضية التي طلبت الكلام من الأصل فيها. بالنسبة للقضية التي عقب علي فيها الدكتور محمد أيمن، استغربت تعقيبه في زرع الخصية والحديث السريع بتخطئة ما قلت. أنا أذكر ما قاله هو في بحثه: فإن كان الهدف من غرس الخصية هو المعالجة الهرمونية فقط دون إنتاج النطاف فالأمر يختلف عن كونه علاجاً للعقم. وما ذكره الدكتور محمد البار في صفحة ١٨ حيث قال: إن الحيوانات المنوية والبويضات ستعود إلى المتبرع لا إلى المتلقي. كما هو معلوم من الناحية الفقهية، لا ينظر إلى القصد والهدف، ينظر إلى مآل الفعل، إذا كان مآل الفعل ينتهي إلى اختلاط الأنساب لا بد من التحريم، وهذا أمر سألت فيه طبيباً زار مركزاً متخصصاً في كندا لعمليات زرع الخصية فقط. وقال: إنه في جميع الأحوال التي تزرع فيها الخصية فإن الإنتاج للحيوانات المنوية يكون للمتبرع وليس للمتلقي. على أية حال هذا نقوله بناء عل ما يصلنا من الأطباء، فإذا كان الأطباء مختلفين في هذه القضية لا بد أن يحسموا هم الموقف بينهم كما قلنا بالنسبة لقضية موت الدماغ.

стр. 3080

نرجو من أطبائنا قبل أن يعرض أمر على هذا المجمع أو غيره من المجامع أن يبتوا في الأمور من الناحية الطبية، ثم يبلوروها بشكل محدد، ثم تأتي مبلورة إلى هذه المجامع حتى ينظر في الأمر على بينة. وأما ما انتقدت فيه ولو بطريق غير مباشر بالنسبة لقضية الضرورة أنا أقول: من الخطأ، أو ليس من المناسب حشر قضية الملكية في هذا الموضوع، القضية مربوطة بالضرورة، ليس معنى ذلك أنني أجيز جميع الأحوال بحجة الضرورة، وإنما أقول: يجب أن يكون مناط النظر في هذه القضية، هكذا العبارة من الناحية الفقهية. قاعدة الضرورة والقطع بتعين ذلك لصيانة الحياة دون إضرار بغيره. وهذا كلام أستاذنا الشاذلي، ولي أكثر من ذلك، وشكرًا. الرئيس: شكرًا. تعلمون أننا أمضينا نحوًا من أربع ساعات في هذا الموضوع، وفي الواقع إذا أردنا أن نضع أيدينا على رأي اتجه إليه المجمع في مسألة أو في صورة بخصوصها، فإننا لا نستطيع أن نخرج إلى رأي بات للمجمع في أي صورة من الصور التي حصل البحث فيها، أو التي ذكرت في الأبحاث التي أعدت. وأمامي الآن ما يقرب من خمسة عشر اسمًا من أصحاب الفضيلة المشايخ لطلب الكلمة، ولعلكم ترون أن ما تفضل به فضيلة الأمين من تكوين هذه اللجنة ليأخذوا هذه الأبحاث ومعهم طبيبان، الطبيب البار والطبيب محمد أيمن، ويأخذوا الصور المهمة والتي ينبغي أن يعد فيها بحوث مبنية على التصورات الطبية، ثم تنزيل الأحكام الشرعية عليها، ويؤجل إلى الدورة القادمة. فهذا لعلكم ترونه مناسبًا، وإذا رأيتم أنه مناسب فأرجو التكرم برفع الأيدي. إذن الأكثرية على هذا، وبه تنتهي الجلسة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والجلسة الصباحية إن شاء الله تعالى في الساعة التاسعة.

стр. 3081

مناقشة مشروع القرار الذي وضعته اللجنة الرئيس: الحمد لله.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. لعله وصلتكم نسخة من مشاريع القرارات التي أعدت فيما أنهيتموه من موضوعات طرحت على جدول أعمال هذه الدورة، وأولها القرار رقم واحد بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا. الشيخ عبد الستار. الشيخ عبد الستار أبو غدة: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين. القرار رقم ١ للدورة الرابعة ١٤٠٨ / ١٩٨٨م بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر، حيًا أو ميتًا. نقرأ الديباجة للمرة الأولى فقط ثم نختصرها. إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨م. بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا". وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار.

стр. 3082

وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعًا لها. قرر ما يلي: من حيث التعريف والتقسيم: أولاً: يقصد هنا بالعضو: أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه. ثانيًا: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم؛ كالبصر ونحوه. على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعًا. ثالثًا: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية: ١ - نقل العضو من حي. ٢ - نقل العضو من ميت. ٣ - النقل من الأجنة. الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية: أ - نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها. ب - نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر. وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه. أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فرديا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين. وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم، ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائيًا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك. الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت: ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين: الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائيا لا رجعة فيه طبيا. الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفًا تامًا لا رجعة فيه طبيًا. فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة. الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات: حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًا. حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي. حالة "اللقائح المستنبتة خارج الرحم".

стр. 3083

الرئيس: يا مشايخ ما تقدم هو في إعطاء التصور وتقسيم الموضوع وبيان وحداته من حيث الأحكام الشرعية، نحن سنتوقف عند كل فقرة ولا نقبل الرجوع بعد ذلك. الشيخ عبد الستار أبو غدة: من حيث الأحكام الشرعية: أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر منه ذاته، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًا أو عضويًا. الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور: شكرًا أيها السيد الرئيس، بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. في هذه المسألة بالذات كنت استوضحت والدي وشيخي الشيخ أبو اليسر عابدين، وهو طبيب ﵀ في دمشق كان عالمًا وطبيبًا استوضحته قبل وفاته، فكان رأيهما على أنه سدا لباب الذريعة الفاسدة، وكي لا يصبح الإنسان في نهاية الأمر مصدر إكسسوار وتنهدر كرامته فيما بعد، ويتهاون الناس في هذا الأمر. الرئيس: يا شيخ عبد اللطيف. الفقرة أولاً: من جسم الإنسان إليه ذاته في نفس الإنسان الواحد، نفس البدن الواحد، نفس الشخص الواحد، يؤخذ رقعة من فخذه لخده. الشيخ محمد سالم بن عبد الودود: كلمة عربية وأخرى فقهية. العربية آخر منه ذاته، بدل "ذاته" نقول: "نفسه"؛ لأن ذاته ليس من ألفاظ التوكيد. الرئيس: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر منه. الشيخ محمد سالم بن عبد الودود. نفسه.

стр. 3084

الرئيس: أرجو من أصحاب الفضيلة الذين ليسوا أعضاء عاملين في هذا المجمع أن ينتظروا حتى الجلسة الختامية المعلنة؛ لأن هذه الجلسة تقتصر على الأعضاء العاملين فقط. إذن يقال: إلى مكان آخر من جسمه. الشيخ محمد سالم بن عبد الودود: والمسألة الفقهية هي إزالة دمامة تسبب له أذى نفسيًا. نعرف الدمامة إذا لم يكن فيها أذى عضوي هل تجيز هذه العملية التي ربما تدخل في تغيير خلق الله تعالى. هو ما دام الوشر والتبلج للحسن محرمًا ملعونة من تتعاطاه. الرئيس: الذي يظهر شيء واحد، وهو امتداد لما لوحظ في الدورة الثالثة في قضية أخذ الشعر الزائد من الحاجب، لا نتف الحاجبين، لكن الزائد الذي صار فيه تشويه. فمثل قضية الأصبع الزائد أو قضية لحمة تنبت كالثآليل في الوجه، هذا لعله من المرض ولعلاج المرض؛ لأنه قيل أو لعلاج عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًا أو عضويًا. حتى لو قيل: تسبب للشخص أذى. ألا ترون هذا أنسب. الشيخ محمد المختار السلامي: أرجو عندما نناقش نعود إلى الفقرة من أولها. فالكلام في نقل عضو من جسم الإنسان إلى جسم الإنسان فهذا هو الوضع، لا مدخل للوجه ولا لغيره، وأعتقد أن الفقرة بتمامها صالحة وجيدة ولا ينقص فيها شيء؛ لأن الأذى النفسي هو لا يقل تأثيرًا على سلوك الإنسان وعلى مستقبله من الأذى البدني. وشكرًا.

стр. 3085

الشيخ محمد يوسف جيري: بسم الله الرحمن الرحيم. شكرًا سيدي الرئيس. في الحقيقة إنني طلبت الكلام لنقطة نظام، وكدت أستشف من التدخل الكريم الذي أراده أخونا وأستاذنا الفاضل الشيخ محمد الفرفور، كدت أستشف أننا سنرجع إلى مناقشة لمضمون أو للأفكار الفقهية إزاء هذه الأشياء مرة ثانية. وكما ترون سادتي أن أمامنا الآن مشاريع قرارات خلاصة لما توصلنا إليه من مواد فقهية بعد مداولة أسبوع كامل، فإذا كنا بإزاء هذه المشاريع المطلوب منا الإدلاء بآرائنا في إطار ضبط التحرير فقط. كيف نحررها بصورة مضبوطة. أما إذا كنا أمام هذه الأفكار نبدأ مرة ثانية نطرح أفكارًا جديدة أو نحاول أن نستذكر أشياء كنا قد قلناها سابقًا وما شابهه فإنني أخشى أولاً أن لا تكون مناقشة المشاريع دورة جديدة، وفي هذه الحالة لن ننتهي منها، ولهذا أرجوكم سادتي وأساتذتي أن ننظر إلى هذا الأمر بمنظار واقعي، وهو أننا كونا لجانا وكلفنا هذه اللجان بالعمل على أسس مضبوطة بعد مداولات مستفيضة، فيكون دورنا هنا الآن أن نقوم بضبط التحرير فقط، هذا يناسب هذا المكان، وهذا لا يناسب هذا المكان. أما أن نبدأ نشرح فإذا دخلنا في هذا أخشى أن لا ننتهي. وشكرًا. الشيخ عبد الستار أبو غدة: ثانيًا: يجوز نقل العضو من جسم إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة. الرئيس: أنا عندي ملاحظة بسيطة، أولاً كلمة (المعتبرة) تحذف في نظري؛ لأن ليس هناك شروطًا شرعية غير معتبرة. الشيخ محمد المختار السلامي: المعتبرة صفة كاشفة. الرئيس: وصف كاشف ماشي ما فيه مانع عندي. لكن أريد ما هو أهم من هذا. لماذا لا توضح الشروط الشرعية. الشيخ عبد الستار أبو غدة: ثالثًا: يجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية. رابعًا: يحرم نقل عضو من حي تتوقف عليه الحياة إلى إنسان آخر كالقلب ـ فيه تقديم وتأخير ـ يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة من إنسان حي إلى إنسان آخر. الرئيس: من إنسان حي إلى إنسان آخر كالقلب. الشيخ عبد الستار أبو غدة: كالقلب نجعلها تابعة لتتوقف عليها الحياة. يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر. الرئيس: ماشي هذه. تفضل.
следующие страницы →