Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
مناقشة مشروع القرار
الذي وضعته اللجنة
الرئيس:
الحمد لله.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. لعله وصلتكم نسخة من مشاريع القرارات التي أعدت فيما أنهيتموه من موضوعات طرحت على جدول أعمال هذه الدورة، وأولها القرار رقم واحد بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا. الشيخ عبد الستار.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
القرار رقم ١ للدورة الرابعة ١٤٠٨ / ١٩٨٨م بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر، حيًا أو ميتًا. نقرأ الديباجة للمرة الأولى فقط ثم نختصرها.
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨م.
بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا".
وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار.
стр. 3082
وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعًا لها.
قرر ما يلي:
من حيث التعريف والتقسيم:
أولاً: يقصد هنا بالعضو: أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.
ثانيًا: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم؛ كالبصر ونحوه.
على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعًا.
ثالثًا: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:
١ - نقل العضو من حي.
٢ - نقل العضو من ميت.
٣ - النقل من الأجنة.
الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية:
أ - نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف
والعظام والأوردة والدم ونحوها.
ب - نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر. وينقسم العضو في هذه الحالة إلى
ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.
أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فرديا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.
وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم، ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائيًا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.
الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت:
ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:
الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائيا لا رجعة فيه طبيا.
الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفًا تامًا لا رجعة فيه طبيًا.
فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.
الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:
حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًا.
حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.
حالة "اللقائح المستنبتة خارج الرحم".
стр. 3083
الرئيس:
يا مشايخ ما تقدم هو في إعطاء التصور وتقسيم الموضوع وبيان وحداته من حيث الأحكام الشرعية، نحن سنتوقف عند كل فقرة ولا نقبل الرجوع بعد ذلك.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
من حيث الأحكام الشرعية:
أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر منه ذاته، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًا أو عضويًا.
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
شكرًا أيها السيد الرئيس، بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
في هذه المسألة بالذات كنت استوضحت والدي وشيخي الشيخ أبو اليسر عابدين، وهو طبيب ﵀ في دمشق كان عالمًا وطبيبًا استوضحته قبل وفاته، فكان رأيهما على أنه سدا لباب الذريعة الفاسدة، وكي لا يصبح الإنسان في نهاية الأمر مصدر إكسسوار وتنهدر كرامته فيما بعد، ويتهاون الناس في هذا الأمر.
الرئيس:
يا شيخ عبد اللطيف. الفقرة أولاً: من جسم الإنسان إليه ذاته في نفس الإنسان الواحد، نفس البدن الواحد، نفس الشخص الواحد، يؤخذ رقعة من فخذه لخده.
الشيخ محمد سالم بن عبد الودود:
كلمة عربية وأخرى فقهية. العربية آخر منه ذاته، بدل "ذاته" نقول: "نفسه"؛ لأن ذاته ليس من ألفاظ التوكيد.
الرئيس:
يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر منه.
الشيخ محمد سالم بن عبد الودود.
نفسه.
стр. 3084
الرئيس:
أرجو من أصحاب الفضيلة الذين ليسوا أعضاء عاملين في هذا المجمع أن ينتظروا حتى الجلسة الختامية المعلنة؛ لأن هذه الجلسة تقتصر على الأعضاء العاملين فقط.
إذن يقال: إلى مكان آخر من جسمه.
الشيخ محمد سالم بن عبد الودود:
والمسألة الفقهية هي إزالة دمامة تسبب له أذى نفسيًا. نعرف الدمامة إذا لم يكن فيها أذى عضوي هل تجيز هذه العملية التي ربما تدخل في تغيير خلق الله تعالى. هو ما دام الوشر والتبلج للحسن محرمًا ملعونة من تتعاطاه.
الرئيس:
الذي يظهر شيء واحد، وهو امتداد لما لوحظ في الدورة الثالثة في قضية أخذ الشعر الزائد من الحاجب، لا نتف الحاجبين، لكن الزائد الذي صار فيه تشويه. فمثل قضية الأصبع الزائد أو قضية لحمة تنبت كالثآليل في الوجه، هذا لعله من المرض ولعلاج المرض؛ لأنه قيل أو لعلاج عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًا أو عضويًا.
حتى لو قيل: تسبب للشخص أذى. ألا ترون هذا أنسب.
الشيخ محمد المختار السلامي:
أرجو عندما نناقش نعود إلى الفقرة من أولها. فالكلام في نقل عضو من جسم الإنسان إلى جسم الإنسان فهذا هو الوضع، لا مدخل للوجه ولا لغيره، وأعتقد أن الفقرة بتمامها صالحة وجيدة ولا ينقص فيها شيء؛ لأن الأذى النفسي هو لا يقل تأثيرًا على سلوك الإنسان وعلى مستقبله من الأذى البدني. وشكرًا.
стр. 3085
الشيخ محمد يوسف جيري:
بسم الله الرحمن الرحيم. شكرًا سيدي الرئيس.
في الحقيقة إنني طلبت الكلام لنقطة نظام، وكدت أستشف من التدخل الكريم الذي أراده أخونا وأستاذنا الفاضل الشيخ محمد الفرفور، كدت أستشف أننا سنرجع إلى مناقشة لمضمون أو للأفكار الفقهية إزاء هذه الأشياء مرة ثانية. وكما ترون سادتي أن أمامنا الآن مشاريع قرارات خلاصة لما توصلنا إليه من مواد فقهية بعد مداولة أسبوع كامل، فإذا كنا بإزاء هذه المشاريع المطلوب منا الإدلاء بآرائنا في إطار ضبط التحرير فقط. كيف نحررها بصورة مضبوطة. أما إذا كنا أمام هذه الأفكار نبدأ مرة ثانية نطرح أفكارًا جديدة أو نحاول أن نستذكر أشياء كنا قد قلناها سابقًا وما شابهه فإنني أخشى أولاً أن لا تكون مناقشة المشاريع دورة جديدة، وفي هذه الحالة لن ننتهي منها، ولهذا أرجوكم سادتي وأساتذتي أن ننظر إلى هذا الأمر بمنظار واقعي، وهو أننا كونا لجانا وكلفنا هذه اللجان بالعمل على أسس مضبوطة بعد مداولات مستفيضة، فيكون دورنا هنا الآن أن نقوم بضبط التحرير فقط، هذا يناسب هذا المكان، وهذا لا يناسب هذا المكان. أما أن نبدأ نشرح فإذا دخلنا في هذا أخشى أن لا ننتهي. وشكرًا.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
ثانيًا: يجوز نقل العضو من جسم إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.
الرئيس:
أنا عندي ملاحظة بسيطة، أولاً كلمة (المعتبرة) تحذف في نظري؛ لأن ليس هناك شروطًا شرعية غير معتبرة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
المعتبرة صفة كاشفة.
الرئيس:
وصف كاشف ماشي ما فيه مانع عندي. لكن أريد ما هو أهم من هذا. لماذا لا توضح الشروط الشرعية.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
ثالثًا: يجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص
آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.
رابعًا: يحرم نقل عضو من حي تتوقف عليه الحياة إلى إنسان آخر كالقلب ـ فيه تقديم وتأخير ـ يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة من إنسان حي إلى إنسان آخر.
الرئيس:
من إنسان حي إلى إنسان آخر كالقلب.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
كالقلب نجعلها تابعة لتتوقف عليها الحياة. يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
الرئيس:
ماشي هذه. تفضل.
стр. 3086
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
خامسًا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته؛ كنقل قرنية العينين كلتيهما، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها، على الوظيفة الأساسية.
الرئيس:
في الواقع هذا فيه عندي وقفة؛ لأن الإنسان الصحيح السليم إذا أخذت منه قرنية واحدة يعني تؤخذ من إنسان صحيح البدن وتجعل في إنسان آخر. أنا عندي في هذا تحفظ عليها.
الشيخ محمد المختار السلامي:
لماذا التحفظ؟
الرئيس:
يا شيخ مختار، لأنه قال كنقل قرنية العينين كلتيهما.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
هذا يحرم.. كلنا متحفظون على هذا.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
هذه قطعنا بحرمتها، أما نقل قرنية واحدة فقلنا: محل بحث.
الرئيس:
يحرم نقل عضو من حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته كنقل قرنية العينين كلتيهما. هذا ماشي يعني هذه الفقرة لا تبيح نقل قرنية واحدة.
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
معلوم لدينا جميعًا أن مفاهيم كتب أصحابنا حجة، يعني مفاهيم النصوص الفقهية حجة، فأخشى أن يفهم من هذه العبارة جواز نقل قرنية واحدة.
الرئيس:
أنا هذا الذي تبادر لي في الأول.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
لا مانع من الإضافة للتوضيح.
الرئيس:
أعطونا إياها.. أعطني يا شيخ عبد السلام.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
أما نقل قرنية واحدة فهو محل بحث ونظر.
стр. 3087
الرئيس:
يا شيخ عبد السلام، لماذا لا نترك التمثيل وتمشي القاعدة، يحرم نقل عضو من حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها. ونحذف التمثيل.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
لكن نبقي "وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها" ونحذف قرنية العينين كلتيهما، والباقي يبقى.
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
لماذا لا نقيد الحي "من إنسان حي"؟
الرئيس:
يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
وإن لم تتوقف أصل الحياة عليها. أي: على تلك الوظيفة.
الرئيس:
يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله. يعني لا شك، أنا لا أزال أنه إذا قلنا: يعطل زواله وظيفة أساسية. للقرنيتين إذا أخذت واحدة لا تعطل الوظيفة الأساسية، وإنما تعطل بعض الوظيفة الأساسية، هذه هي الحقيقة لأنها تشمل أخذ كلية من الكليتين.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
الذي يحل الإشكال هو ما ورد في ثامنًا خاصة، وأننا قد أوضحنا التصور والتقسيم، قلنا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة مما يدخل في أصل الموضوع فهو محل بحث ونظر.
стр. 3088
الرئيس:
لكن يا شيخ عبد السلام هذه الآن في نظري أنها لا تقيدها ثامنًا؛ لأن ثامنًا قال: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة مما يدخل في أصل الموضوع هو محل بحث ونظر.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
يعني ما عدا القضايا السابعة.
الرئيس:
لكن في خامسًا يقول: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل حياته عليها. فأنا في هذا آخذ إحدى القرنيتين أو آخذ إحدى الكليتين أو إحدى الرئتين تغطي الفقرة الخامسة الجواز ولا تنفي الجواز الفقرة الثامنة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
الفقرة الخامسة ضبطت ضبطًا كاملاً بالتمثيل، وإذا كان غير هذه الصورة المضبوطة، وهي نقل قرنية العينين كلتيهما، نقل قرنية عين واحدة تأتي الفقرة الثامنة لتبين أن هذه الصورة هي محل بحث ونظر. هو ما نتصوره وما لا نتصوره الآن، وما يأتي إلى أذهاننا وما لا يأتي مما لا يقع النص عليه صراحة فهو محل بحث ونظر. ولذلك أقترح بقاء الفقرة كما هي حتى تكون واضحة، وحتى يكون ما عداها لا نحكم عليه لا بالتحليل وبالتحريم ولكنه محل نظر.
الرئيس:
إذن لماذا لا نضيف إلى الفقرة الخامسة مع مراعاة ما جاء في الفقرة الثامنة. وبه ينتهي.
стр. 3089
الشيخ محمد المختار السلامي:
تبقى كنقل قرنية العينين كلتيهما حتى يكون غيرها واضحة.
الرئيس:
إذن تبقى الفقرة كما هي، وإلا فيدخل في مقتضى نقطة الفقرة الثامنة.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
أنا أقترح أن تكون القضية واضحة؛ لأن هذا اللبس الواقع حدث في لجنة الصياغة، وها هو يحدث في المجمع. فإذا كان بالمجمع حادثًا فكيف أمام الناس؟ فلذلك يجب وإن كان تعطيل لجزء كذا كذا هو محل نظر كما ورد في الفقرة الثامنة.
الرئيس:
نحن نقول: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها، فإن كان يعطل بعض الوظيفة.
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
فإن كان النقل يعطل جزءًا من هذه الوظيفة فهو محل نظر كما ورد في الفقرة الثامنة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
أنا أذكر الأخ بأنه في لجنة الصياغة لما تحدثنا كانت هذه الفقرة مبهمة للتساؤلات، فراعينا إبطال كل التساؤلات والإجابة عنها في الفقرة الثامنة، وما زيدت الفقرة الثامنة إلا للإجابة عن التساؤلات التي حدثت.
стр. 3090
الشيخ عبد السلام داود العبادي:
يا سيدي، ممكن يأخذون جزءًا من قرارنا ويعتبر بعدين قرارا.
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
صياغة فقط. كوظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما. المثال يأتي آخرًا كما قلنا في المادة رابعًا.
الرئيس:
تكون المادة هكذا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف أصل الحياة عليها؛ كنقل قرنية العينين كلتيهما. اقرأ يا شيخ.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
أما إن كان النقل يعطل جزءًا من وظيفة أساسية، فهو محل بحث ونظر، كما يأتي في الفقرة الثامنة.
الرئيس:
ماشي يا شيخ تقي؟ سادسًا.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
سادسًا: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.
الرئيس:
أما هذا فأنا كما تعلمون في الدورة الماضية في موضوع أجهزة الإنعاش حصل عندي توقف في قضية قد يكون أنه ما توقف إلا اثنان أو ثلاثة من أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع في قضية أجهزة الإنعاش، واعتبار أن موت الدماغ حالة من حالات الموت، وإن كان القلب يضخ ضخًا صناعيًا، ولهذا فإنني أتحفظ عليها طردًا لما تحفظت عليه سابقًا.
стр. 3091
الشيخ محمد المختار السلامي:
أستاذنا، التحفظ ما فهمناه، وتوضح التحفظ.
الرئيس:
يا شيخ مختار، في صدر هذا القرار جعلتم من تأسيساته ما صدر من مجمع الفقه في دورته الثالثة في حقيقة الوفاة. والحديث في سادسًا هو فرع لما صدر عن مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة في شأن أجهزة الإنعاش. وأنا كنت متوقفًا في ذلك الموضوع، فهذا الفرع فيما يخصني أنا ويخص ذمتي أنا، وأما أنتم فهو ماشي على قراركم.
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
أنا أضم صوتي إلى صوت معالي الرئيس، وأثني على ما قال؛ فإني أتحفظ أيضًا بالنسبة إلى هذه الفقرة.
الرئيس:
الشيخ يوسف. ورجائي أن تكون الكلمات برقيات.
الشيخ محمد يوسف جيري:
أنا أعتقد أن ما جاء في القرار السابق لا علاقة بينه وبين الموجود هنا، حيث تقول هذه المادة: يجوز نقل عضو من ميت، فمهما كان تفسيرنا للميت سواء إذا كنتم تفسرون الميت بأسلوبكم أو نفسرها بأسلوبنا الكل موت.
الرئيس:
لا نفسرها بأسلوب الأطباء، الأطباء ما لم يكن القلب في حالات الضخ الصناعي ما ينقلون، ولا أحب أن أعيده حتى لا أضخم القضية أكثر. على كل الموضوع أمامكم.
стр. 3092
الشيخ محمد تقي العثماني:
الذي أراه الذي قرره المجمع في الدورة السابقة لا يمس بموضوعنا هذا؛ لأنه كان يتعلق برفع أجهزة الإنعاش فقط، أما لأخذ أعضاء فهذا موضوع آخر.
الرئيس:
لا، هو سلمك الله في صدر القرار، قال: فإن المجمع يقرر أن الشخص يعتبر ميتًا تترتب عليه جميع أحكام الوفاة في إحدى الحالتين. جميع أحكام الوفاة في إحدى الحالتين الآتيتين: الأولى موت الدماغ وذكروها. والثانية توقف القلب توقفًا نهائيًا وذكروها. ثم قالوا: ويجوز في هذه الحالة رفع أجهزة الإنعاش.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
هذا نص القرار: يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة بعد ذلك إذا تبين فيه إحدى العلامتين التاليتين. الذين جاءوا الآن معطوف عليهم.
الرئيس:
سادسًا: يمشي على ما ترون. إذن سابعًا.
الشيخ آدم شيخ عبد الله علي:
الحقيقة حتى إذا كان الإنسان ميتًا موتة حقيقية، فأنا أتحفظ أخذ عضو من أعضائه إن لم تتعلق بذاته الشخصية حق من الحقوق، حياة الجنين المرجو حياته أو مال ابتلعه أو ما شابه ذلك. أنا أتحفظ حتى لو كانت موتة حقيقية غير موتة الدماغ موتة تامة أن أتحفظ على هذا.
стр. 3093
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
سابعًا: وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.
أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريمًا، فمحل اجتهاد ونظر.
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
عفوًا سيدي الرئيس، هنا ربما سهو فيه خطأ لغوي: بوساطة، ما فيه واسطة.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
ثامنًا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.
الرئيس:
ماشي إن شاء الله؟ الشيخ عبد اللطيف.
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
سماحة الرئيس، أرجو أن يكتب تحفظي على كل هذه القرارات، فأنا أسد هذا الباب سدا محكمًا وسدا للذريعة؛ حتى لا يتجرأ الأطباء في المستقبل إلى ترك هذه الضوابط التي اجتهدتم مأجورين.
الرئيس:
حتى نقل الدم يا شيخ، وحتى قطع الأصبع الزائدة وحتى النقل من جسم إلى الجسم نفسه؟
стр. 3094
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
ما عدا نقل الدم وهذه الحالات جائزة.
الرئيس:
لا، هذا ما يصلح يا شيخ، أنا لا أستثني على ذمتك، أنت الذي تستثني على ذمتك أنت. القضية أن الإنسان يتحفظ عليه جميعه وفيه ما نقطع بإباحته، وإنه غير محرم هذا في الحقيقة فيه شيء.. على كل جزيت خيرًا.
الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور:
أرجو أن تعرفوا ما أتحفظ عليه، ما عدا نقل الدم والنقل من نفسه إلى ذاته.
الرئيس:
على كل يا شيخ نكتبه في ورقة وترسله للمقرر.
الشيخ محمد علي التسخيري:
أعتذر سيادة الرئيس، أعتقد أني متحفظ على المادة السابعة فقط، ولا أمانع من أن يبيع إنسان كليته إذ أجزنا ذلك أو يبيع عضوًا منه، والقول: إنها لا تقبل الملكية لا أراه صحيحًا طبعًا تحفظ وأرجو أن يسجل.
الرئيس:
أرجو من أصحاب الفضيلة شيئًا واحدًا. أن القرار أو الفقرة إذا كانت انتهت بالأكثرية ولأحد تحفظ أن يتفضل بكتابة تحفظه ويبعثه لفضيلة المقرر، وبذلك تبرأ ذمة الجميع وينتهي الأمر على وضعه.
стр. 3095
القرار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (١) د ٤ / ٠٨ / ٨٨
بشأن
انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا.
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨م.
بعد h طلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا".
وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار.
стр. 3096
وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعًا لها.
قرر ما يلي:
من حيث التعريف والتقسيم:
أولاً: يقصد هنا بالعضو: أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.
ثانيًا: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه.
على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعًا.
ثالثًا: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:
١ - نقل العضو من حي.
٢ - نقل العضو من ميت.
٣ - النقل من الأجنة.
الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية:
أ - نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.
ب - نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر. وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.
أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فرديًا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.
وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائيًا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.
الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت:
ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:
الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائيًا لا رجعة فيه طبيًا.
الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفًا تامًا لا رجعة فيه طبيًا.
فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.
стр. 3097
الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:
حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًا.
حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.
حالة "اللقائح المستنبتة خارج الرحم".
من حيث الأحكام الشرعية:
أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًا أو عضويًا.
ثانيًا: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.
ثالثًا: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما، عند استئصال العين لعلة مرضية.
رابعًا: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
خامسا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها، كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءًا من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.
سادسًا: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.
سابعًا: وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.
أما بذل المال من المستفيد؛ ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريمًا، فمحل اجتهاد ونظر.
ثامنًا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.
стр. 3098
صرف الزكاة لصالح صندوق
التضامن الإسلامي
إعداد
سعادة سيدي محمد يوسف جيري
عضو المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم الله عليه توكلت وإليه أنبت
وصلى الله وسلم على من سيبقى فعله وقوله وإقراره مناراً على مدى الدهر لكل باحث عن الصراط المستقيم.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع سنته واهتدى بهديه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وبعد،،،
فهذه محاولة متواضعة ومركزة، لا نطمع بها في التمكن الفوري من استجلاء الكلمة الفصل بخصوص قضية إجزاء دفع الزكاة المفروضة إلى صندوق التضامن الإسلامي، بل همنا الأساسي هو تقديم دراسة مقارنة بين الزكاة وبين صندوق التضامن الإسلامي من حيث الأهداف وأساليب العمل؛ حتى تكون المسائل المبدئية والفقهية والتنفيذية التي تتضمنها هذه القضية واضحة وظاهرة بصورة أكثر حدة.
وبطبيعة الحال، فإن هذه المقارنة تجر إلى طرح بعض الاستنتاجات والاقتراحات العملية على بساط البحث. فينبغي ألا تقيم تلك الاستنتاجات والاقتراحات بمقدار ما سيتوفر إزاءها من قبول أو رفض من طرف السادة الأعضاء، بل تكون هذه الاقتراحات قد كملت مهمتها وآتت أكلها إذا تمكنت من إثارة نقاش علمي صريح وبناء بيد ذوي الاختصاص حتى يتوصلوا في النهاية إلى حل يرضي الله تعالى، حل يكون في الحقيقة انتصاراً للاجتهاد الجماعي على الرأي الفردي.
ومن هذا المنطلق فإن هيكل البحث يكون كالآتي:-
المحتوى
الباب الأول
- تعريف الزكاة
- أهداف الزكاة
الباب الثاني
- تعريف صندوق التضامن الإسلامي
- أهداف الصندوق
الباب الثالث
- دراسة مقارنة بين الزكاة وصندوق التضامن
الباب الرابع
- استنتاجات واقتراحات عملية
- قائمة بأهم المصادر والمراجع
стр. 3099
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الأول
تعريف الزكاة والتذكير بأهدافها وأبعادها
تعريف الزكاة:
الزكاة بالمعنى الشرعي: صدقة مكتوبة وعبادة تتم بأخذ قيمة مخصوصة من مال مخصوص، حسب أوصاف مخصوصة، تصرف إلى فئات مخصوصة من الناس بنية الامتثال لأمر الله.
وهي الركن الثالث من أركان الإسلام.
وفرضيتها ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
إن للزكاة بعدين يكتسب كل منهما في نظر الخلق أهمية خاصة تكاد تكون مطلقة، فهي من ناحية عبادة ونسك وقربة إلى الله . وهي من ناحية أخرى معالجة عملية لظاهرة اجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة: حق المحرومين والفقراء في أموال الأغنياء.
فمن حيث كونها عبادة مفروضة، وركناً أساسياً في الإسلام، يرى المسلم أنه لزام عليه أن يقيد نفسه في إيتائها وفي التصرف في تأويلها وتفسيرها وتطبيقها بالحدود التي وضعها الشارع.
ففي الحديث فيما رواه أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي وفيه: ((إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة، حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء..))
ومن الفقهاء الذين غلبوا هذه النظرة التعبدية للزكاة على غيرها من الاعتبارات الإمام الشافعي وأحمد في "المشهور"، وبعض المالكية وكذلك الظاهرية.
ومن حيث كونها معالجة عملية لظاهرة اجتماعية يرى المسلم نفسه أمام تطورات اجتماعية تستجد يوماً بعد يوم، مما يجعل لزاماً عليه أن يأخذ بعين الاعتبار تلك المتغيرات عند أدائه للزكاة.
стр. 3100
ومن الفقهاء الذين غلبوا هذه الناحية الاجتماعية أبو حنيفة وآخرون من الأئمة، فهم يرون أن الزكاة حق مالي قصد به سد خلة الفقراء.
والحقيقة أن الاجتهاد الأصيل في زمننا هذا يقودنا إلى موقف جامع لحكمة هذين الاتجاهين.
فالزكاة كعبادة وقربة ليس لنا الحق أن ننظر إليها كنظرتنا إلى ميادين الأمر العام بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث نكيفها كما نشاء، ولا نخشى وزراً ما دمنا لم نخرج عن إطار الأمر العام، بل يجب أن تكون استنباطاتنا بخصوص كيفية تطبيقها استنباطات موثقة محاطة بكل الضوابط التي تضمن لنا أمان البقاء الدائم في حدود العبادة والنسك. لكن يجب علينا ونحن نتقيد بالناحية التعبدية ألا ننظر إلى قربة الزكاة من حيث الشكل الخارجي كنظرتنا إلى الصلاة أو الصوم أو الحج من حيث الشكل الخارجي في أدائها.
فشكل هذه العبادات لا يتغير مهما اختلفت العصور وتعاقبت الدهور، أما الزكاة فلأنها ترتكز في تطبيقها على متغير بالطبيعة وهو المجتمع فإن فريضة الاجتهاد تبدو لا مناص منها في كل حين ومكان؛ لكي نقوم بهذه العبادة على الوجه الذي يرضي الله . لكن يجب أن يكون الاجتهاد اجتهاداً أصيلاً بعيداً عن الانسياق الأعمى وراء كل جديد؛ حيث الواجب على المسلم أن يطبق الشريعة على المستجدات لا أن يفرض المستجدات على الشريعة.
стр. 3101
أهداف الزكاة:
إن للزكاة أهدافاً وفوائد كثيرة روحية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية وسياسية، بعضها فردية وبعضها جماعية.
فمن هذه الأهداف ما يتعلق بالمعطي ومنها يتعلق بالمعطى له، ومنها ما يتعلق بالكيان الاجتماعي العام الذي تصرف فيه الزكاة.
وبحكم طبيعة بحثنا وهو دراسة مدى إجزاء دفع الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي، وحيث إن أهداف صندوق التضامن الإسلامي أهداف اجتماعية وسياسية في أساسها، فإننا مع إحساسنا العميق بالجانب الفردي والروحي والتعبدي والأخلاقي في عملية الزكاة، فإننا سنركز جل اهتمامنا على الرسالة الاجتماعية والسياسية لهذا الركن الأساسي من أركان الإسلام.
مصارف الزكاة في محكم التنزيل، حددت بصورة مفصلة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: ٦٠.
ونظرة فاحصة في هذه الآية الكريمة تظهر ثلاثة أبعاد وأهداف متكاملة للزكاة على مستوى المجتمع ككل.
أولاً: هدف تكافلي:
يغطي هذا الجانب بجميع مظاهره قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
إذا تتبعنا في تراثنا الفقهي الكبير هذه الأصناف الخمسة فإنه يمكن القول بأنها تغطي جميع الحالات الفردية التي تحتاج إلى مؤازرة اجتماعية مباشرة:
فالفقراء هم العجزة والأرامل واليتامى والمصابون في أثناء العمل والمرضى والزمنى والمكفوفون والمسنون وذوو العاهات البدنية أو العقلية، شريطة عدم غناهم بمال موروث.
والمساكين هو ذوو الدخل القاصر عن كفايتهم؛ لقلة الأجر أو كثرة العيال أو ارتفاع الأسعار.
والغارمون هم ضحايا الديون أو الغارمون لإصلاح ذات البين.
وفي الرقاب: شراء الرقاب وعتقها أو فك الأسير المسلم الذي يتحكم فيه الكفار (مع الخلاف في ذلك) .
وابن السبيل: المهاجرون والمهجرون في سبيل الله والمشردون بفعل الكوارث الطبيعية، أو اللاجئون السياسيون الذين فروا من أجل دينهم من ديار الكفر والطغيان، وطلبة العلم في ديار الغربة الذين لا يجدون كفايتهم في إطار صندوق دولة أو جمعية، ولم يكن عندهم دخل خاص.
إن دور الزكاة أقرب إلى مؤسسات الضمان الاجتماعي في عصرنا، فعلى الهيئات المختصة استناداً إلى الآية الكريمة اختيار أفضل الطرق لمعرفة المستحقين وحصرهم والتأكد من استحقاقهم وقدر حاجاتهم ومبلغ ما يكفيهم ووضع الأسس السليمة لتحقيق غاية التكافل الاجتماعي وفقاً للعدد والظروف.
فمد يد المساعدة إلى هذه الأصناف الخمسة له انعكاساته الخيرة على كل فرد معني وعلى المجتمع ككيان متكامل. وفي هذا ضمان شامل لجميع أصناف المحتاجين ولحاجاتهم المختلفة من بدنية وعقلية ونفسية.
والحق أن الزكاة من هذا المنظار الشامل تعد أول تشريع منظم في سبيل تحقيق ضمان اجتماعي، لا يعتمد على الصدقات الفردية التطوعية فقط، بل يقوم على التدخل اليقظ من طرف الدولة الإسلامية لكل الأفراد (راجع فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي) ، فلا نجد في المجتمعات سلفاً وخلفاً هذا النوع من الإلزام بالتكافل الاجتماعي يفرضه الدين وتنظمه الدولة، وتحارب من أجله لاستخلاص حقوق الفقراء مما جعل الله الأغنياء مستخلفين فيه.
стр. 3102
ثانيا: هدف ديني سياسي:
يغطي هذا الجانب قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . مع هذين المصرفين من مصارف الزكاة يتضح البعد الديني السياسي للزكاة، فالإسلام دين ودولة، وشاءت عناية الله أن يخصص جزء من هذا الحق المعلوم للجهاد في سبيل الله والدفاع عن العقيدة وامتداد سلطانها حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة أعداء الله السفلى، والمرابطة لتحرير أرض الإسلام من حكم الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وكذلك استمالة المؤلفة قلوبهم وشدهم إلى رحاب الدين الحنيف عن طريق الاهتمام بهم.
ثالثاً: هدف تنظيمي إداري:
يغطي هذا الجانب قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ، إن تخصيص جزء من الزكاة لهذا الصنف وجعل ترتيبه بعد الفقراء والمساكين وهم في طليعة مستحقي الزكاة لدليل أكيد على أن الزكاة ليست فقط عبادة فردية، وإنما هي وظيفة من وظائف الدولة الإسلامية، تعين لها جهازاً إدارياً ومالياً كفؤا يقوم بتنظيم عملية الجباية والتوزيع، ويصرف للذين يعملون فيه رواتب عادلة من مال الزكاة.
وقد كان رسول الله ﷺ يبعث السعاة لجباية الزكاة، فقد بعث ﵊ عمر بن الخطاب وأبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وغيرهم لأخذ الزكاة ودفعها إلى مستحقيها.
إن الجانب الروحي في دفع الزكاة والذي يجعل المسلم يدفعها عن طيب خاطر سائلاً الله أن يتقبل منه لا يغني عن الجانب الإداري والتنظيمي الذي يفرض على أولي الحل والعقد في الدولة الإسلامية أن يقيموا إدارة لتحصيل الزكاة وتوزيعها وفق ما أمر به المولى : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ التوبة: ١٠٣.
стр. 3103
الباب الثاني
تعريف صندوق التضامن الإسلامي
وحصر أهدافه ورسالته
بعد أن تبين لنا هذه الأهداف الثلاثة الرئيسية للزكاة عن طريق تصنيف مصارفها الثمانية، يجدر بنا أن نعرف بصندوق التضامن الإسلامي والأهداف التي رسمتها له منظمة المؤتمر الإسلامي لنرى إذا كان بالإمكان أن تندرج رسالة الصندوق في إطار رسالة الزكاة.
١- صندوق التضامن الإسلامي:
صندوق دائم منبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي له شخصيته الاعتبارية المستقلة.
أقر مؤتمر القمة الإسلامي الثاني بمدينة لاهور عام ١٩٧٤م إنشاء هذا الصندوق بهدف الوفاء باحتياجات ومتطلبات القضايا الإسلامية وللنهوض بالثقافة والقيم والجامعات الإسلامية، على أن تدفع الدول الأعضاء مساهماتها في الصندوق بما يتفق واستطاعة كل منها.
وأقر نظامه الأساسي المؤتمر الإسلامي الخامس لوزراء الخارجية بكوالالمبور بماليزيا عام ١٩٧٤م.
٢- أهداف الصندوق:
بالرجوع إلى المادة الثانية من النظام الأساسي لصندوق التضامن الإسلامي يتضح أن أهدافه هي العمل على تحقيق كل ما من شأنه رفع مستوى المسلمين في العالم، والمحافظة على عقيدتهم، ودعم تضامنهم وجهادهم في جميع المجالات، وخاصة في المجالات الآتية:
"أ- التخفيف من أثر نتائج الأزمات والمحن والكوارث الطبيعية والظروف الاجتماعية التي تتعرض لها البلاد والمجتمعات الإسلامية، وتوجيه المساعدات اللازمة لذلك.
стр. 3104
ب- تنظيم منح المساعدات والمعونات المادية للبلاد والأقليات والجاليات الإسلامية بغية رفع مستواها الديني والثقافي والاجتماعي، والمساهمة في بناء المساجد والمستشفيات والمدارس التي تحتاج إليها.
ج- تنظيم نشر الدعوة الإسلامية ورسالتها وتعاليم الإسلام ومثله العليا ودعم المراكز الإسلامية داخل الدول الإسلامية وخارجها؛ لأجل خير المجتمعات الإسلامية ونشر الفكر الإسلامي.
د- تشجيع البحث العلمي والتقني وإنشاء وتمويل الجامعات الإسلامية؛ استجابة لاحتياجات العالم الحديث، حيثما كان ذلك مطلوباً، ودعم الجامعات القائمة فعلاً.
هـ- دعم وتنظيم نشاط الشباب المسلم في العالم روحيا واجتماعياً ورياضياً.
و تنظيم الحلقات الدراسية التي تضم نخبة من الخبراء والمختصين في قضايا التشريع والتقنية والإدارة والاقتصاد والثقافة والعلوم التي يحتاج العالم الإسلامي إلى بلورة الفكر الإسلامي بشأنها.
ز- تنفيذ جميع المشروعات التي يقرها المؤتمر الإسلامي ويعتبر تنفيذها من اختصاص صندوق التضامن الإسلامي".
أما موارد الصندوق فتنص عليها المادة السادسة كما يلي:
"أ- تتكون موارد الصندوق من تبرعات الدول الأعضاء ومن الهبات والمنح التي تقدمها الهيئات العامة والخاصة والأفراد، ومن عائدات وقفية الصندوق بعد إتمام إجراءات إنشائها.
ب- وللدول الأعضاء والهيئات العامة أو الخاصة والأفراد أن يدعموا صندوق التضامن الإسلامي بالخبرات أو المساعدات العينية أو الجهود البشرية".
ويقدم النظام الأساسي للصندوق في المواد الأخرى (٢، ٤، ٥، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣) المتطلبات التنظيمية والعملية المتعلقة بإدارة الصندوق وتسيير أعماله وتحديد علاقاته مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومع الهيئات والمؤسسات الأخرى.
أما وقفية صندوق التضامن الإسلامي فهو جاء كامتداد طبيعي للصندوق حيث تنشأ الوقفية عن صندوق التضامن وتخصص العائدات لصندوق التضامن دعماً لمركزه المالي بإمداده "بريع سنوي يعزز مكانته ويكفل له الاستمرار في رسالته" مع الالتزام في استثمار أموال الوقفية بجميع أنواعها بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية والبعد عن الربا.
وتحدد المادة (٤) من النظام الأساسي لوقفية صندوق التضامن الإسلامي موارد الوقفية على الشكل التالي:
"أ- الأموال السائلة التي توقفها حكومات الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وكذلك الأشخاص الطبيعيون أو الاعتباريون من العالم الإسلامي.
ب- العقارات وسائر الأموال المنقولة التي توقفها الحكومات والأشخاص الطبيعيون والاعتباريون من العالم الإسلامي".
стр. 3105
الباب الثالث
دراسة مقارنة بين الزكاة وصندوق التضامن
إن الدراسة المتمعنة للزكاة ولصندوق التضامن بقصد المقارنة تقودنا إلى الحقائق التالية:
١- نظراً للظروف الراهنة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية في يومنا هذا، حيث مواطن الفقر والجهل والمرض تكاد تتطابق مع مواطن الإسلام على وجه الكرة الأرضية مع ملاحظة تفوق الأراضي الإسلامية في نفس الوقت على الأراضي الأخرى في ميدان الثروات الطبيعية والاستراتيجية والسيولات المالية، فإن صندوق التضامن الإسلامي يفرض نفسه على الأمة الإسلامية كإحدى الحلول الأساسية لمآسي الأمة ولمساعدتها على تبوء مكانتها كخير أمة أخرجت للناس.
وهذا يعني أنه يجب على مجمع الفقه الإسلامي أن يدرس على ضوء الكتاب والسنة والتراث الإسلامي كل ما من شأنه أن يضفي اعتبارات دينية خاصة لكل مجهود يقوم به الأفراد والمجتمعات لدعم هذا الصندوق، وفي هذا الإطار فإن دور مجمع الفقه الإسلامي لا يقتصر على مجرد حث الدول والأفراد على التبرع السخي لصالح صندوق التضامن الإسلامي كوجه من أوجه البر والصدقة الطوعية، بل يجب على المجمع كذلك أن يدرس بجدية إمكانية إجزاء دفع الزكاة المكتوبة إلى هذا الصندوق، كما يجب على المجمع كذلك أن يقترح على الصندوق أي تعديل في الهيكل أو النظام أو الأهداف يرمي إلى فتح الطريق أمام الصندوق لكي يتقدم إلى الوزراء، ومن ثم إلى القمة، بمشروع نظام معدل يطرح للإقرار ويكون الصندوق بموجبه وعاء صالحاً لتلقي الصدقات الفرضية من الأفراد والمجتمعات جنباً إلى جنب مع التبرعات الطوعية.
стр. 3106
فهذا النوع من الاجتهاد باتجاهاته المختلفة يفرضه على المجمع نظامه الأساسي؛ حيث نصت المادة (٤ ب) على شد الأمة الإسلامية لعقيدتها ودراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهاداً أصيلاً لتقديم الحلول النابعة من الشريعة الإسلامية.
٢- إن التضامن والتآخي كفكرة مبدأ أساسي في الإسلام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الحجرات: ١٠. ((المسلم أخو المسلم)) ، ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) . وهذه الفكرة هي من صميم أهداف الزكاة وهي كذلك من صميم أهداف صندوق التضامن الإسلامي.
لكن وجود فكرة التضامن في صميم كل من الصندوق والزكاة يجب ألا يقودنا إلى استنتاجات سريعة.
إذ إن صندوق التضامن الإسلامي بصفته جهازاً تنفيذياً واجتهاداً جماعياً معاصراً يرمي إلى تطبيق فكرة التضامن الإسلامي في زمننا على مستوى العالم الإسلامي ككل، وبصفته هيئة لها شخصيتها الاعتبارية وأسلوب عملها ومصادر إيراداتها ونظام توزيع واستثمار مواردها ... الصندوق من هذا المنظار ظاهرة جديدة فرضتها متطلبات العصر على الأمة.
وهنا نعيد ما قلناه آنفاً من أنه يجب على العلماء الاستعانة بالكتاب والسنة والقياس والاستنباط والاستقراء والاستئناس كذلك بتجارب السلف وجميع وسائل الأمر بالمعروف لحث الأمة على مساندة هذا الصندوق ودعمه مادياً ومعنوياً.
أما جعل الزكاة أو بعض الزكاة مصدراً من مصادر إيرادات الصندوق فتلك قضية أخرى يجب النظر فيها على ضوء الضوابط التي رسمها الشارع للزكاة.
٣- إن مؤسسي صندوق التضامن الإسلامي قادة دول كانوا أو وزراء لحكمة هداهم الله إليها، لم يشؤوا أن يقحموا الزكاة المكتوبة بصورة علنية في إطار هذا الصندوق.
стр. 3107
فموارد الصندوق التي أشير إليها في المادة (٦) من القانون الأساسي تنص على: التبرعات، الهبات، المنح، عائدات وقفية الصندوق، الخبرات أو المساعدات العينية، والجهود البشرية، وكلها مصطلحات عصرية لها مدلولاتها المحددة وترتكز أساساً على الناحية التطوعية، ولم يستعمل النظام الأساسي للصندوق ولو مرة واحدة كلمة "الزكاة" أو الكلمات القرآنية الأخرى التي استعملت شرعاً لأداء معنى الزكاة؛ ككلمة "الصدقة" الصدقات، الإنفاق، والحق المعلوم، وغيرها.
ويلاحظ كذلك أن المصطلحات القرآنية في تحديد مصارف الزكاة ثمانية: "الفقراء، المساكين، العاملين عليها، المؤلفة قلوبهم، في الرقاب، الغارمين، في سبيل الله، ابن السبيل ... " هذه المصطلحات لم ترد ولو مرة واحدة بصيغتها القرآنية في أي عبارة من عبارات النظام الأساسي للصندوق، ولربما كانت الحكمة التي هدى الله إليها قادة الدول الإسلامية ووزراء الخارجية هو، على الرغم من أهمية الصندوق وإسلاميته، أن يترك الباب مفتوحاً لتحديد هذه النقطة الخطيرة أمام جهاز مختص هو مجمع الفقه الإسلامي حيث كانت فكرة تأسيس هذا المجمع موجودة منذ فجر منظمة المؤتمر الإسلامي لكنها لم تر النور بصورة قانونية إلا عند إقرار نظامه الأساسي من طرف المؤتمر الثالث عشر لوزراء الخارجية عام ١٩٨٢م في نيامي بجمهورية النيجر، ثم انعقاد المؤتمر التأسيسي لمجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة عام ١٩٨٣م تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين.
стр. 3108
٤- مما لا يقبل الجدال أن بعض الأهداف المشار إليها في النظام الأساسي لصندوق التضامن الإسلامي، والتي تدعمها محصلة النتائج لمختلف نشاطات الصندوق ومساهماته منذ تأسيسه إلى يومنا هذا يمكن الموافقة بينها وبين بعض المعاني أو المدلولات الشرعية لمصارف الزكاة، مثل باب الأزمات والمحن والكوارث الطبيعية والظروف الاجتماعية التي تتعرض لها بعض الدول والمجتمعات الإسلامية، مما يبرز في تلك المجتمعات جماعة من الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل.
ويتوقف ضيق أو سعة دائرة الموافقة بين مصارف الزكاة وبين الأجهزة والهيئات التي أسسها المسلمون لتجسيد فكرة التضامن والتآخي في الإسلام على مدى استعداد المذاهب الفقهية والمجتهدين من الفقهاء لتأويل أو تفسير مصارف الزكاة.
فبعضهم يرون الحكمة في الوقوف عند تفسير السلف وعدم تعديه، مثال ذلك: ما رجحته هيئة كِبار العلماء في المملكة العربية السعودية بخصوص تفسير ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ انظر قرار الهيئة رقم ٢٤ بتاريخ ٢١/٨/١٣٩٤ هـ حيث رأى أكثرية أعضاء المجلس "الأخذ بقول جمهور العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء" من أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الغزاة المتطوعين بغزوهم وما يلزم لهم من استعداد، وإذا لم يوجدوا صرفت الزكاة كلها للأصناف الأخرى، وليس صرفها في شيء من المرافق العامة إلا إذا لم يوجد لها مستحق من الفقراء والمساكين وبقية الأصناف المنصوص عليهم في الآية الكريمة.
ويلاحظ نفس الاتجاه في تفسير كلمات الفقراء والمساكين، والمؤلفة قلوبهم، والغارمين.
стр. 3109
ولا نرى أية فائدة في الاسترسال في ذكر الشواهد المشتقة من تراث الفقه الإسلامي الواسع إزاء تفسير هذه العبارات، فذلك معروف لدى السادة أعضاء المجمع الكرام، ولا يتسع صدر هذه المقالة التي نريدها مركزة بقدر المستطاع.
(ولمن يريد أن يقف على المصادر والمراجع التي يعتمد عليها هؤلاء وأولئك أن يراجع علماء المذاهب كالسرخسي من الحنفية وابن العربي من المالكية والنووي من الشافعية وابن قدامة من الحنابلة وابن حزم من الظاهرية وغيرهم) .
وفي المقابل، كان وما زال هناك فريق من العلماء والمجتهدين يسترسلون في تفسير معاني مصارف الزكاة، وهم على درجات، فمنهم من يقتصد فيه ويتقيد بما أثر عن مذهب معين أو مجتهد معين من السلف، ومنهم من يجاري العصر بدون تحفظ كبير إلى درجة أنه يوسع مفهوم الفقراء والمساكين أو ابن السبيل أو الغارم أو المؤلفة قلوبهم وبصفة خاصة مفهوم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مستعيناً بالمدلولات اللغوية والتاريخية ليشمل في النهاية أشياء كثيرة.
وأكبر مثال على ذلك عبارة ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فحيث رأينا الفريق الأول يحصرها في الغزاة المتطوعين، نرى هنا علماء يعتقدون بصور متفاوتة أنه يشمل كل مجاهدة لنصرة دين الله ومحاربة أعدائه وإعلاء كلمته في الأرض حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله، فهم يرون أن الغزو قد يكون عسكرياً وقد يكون فكرياً أو سياسياً أو تربوياً، وأن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان وقد يكون بالسيف والسنان، وقد تكون المرابطة اقتصادية أو اجتماعية أو إعلامية، فإذا كان المسلم في أي خندق من هذه الخنادق فهو في رأيهم غاز ومرابط ومجاهد في سبيل الله يجب أن يعان بقسط من مال الزكاة يقل أو يكثر حسب حصيلة الزكاة من ناحية، وحسب حاجة الجهاد من ناحية ثانية، وحسب حاجة المصارف الأخرى حدة وضعفاً من ناحية ثالثة، شريطة أن يرتبط هذا الجهاد وهذا النوع من الغزو بأهداف إسلامية معلنة صريحة لا يشوهها اعتبارات قومية أو عرقية أو طبقية أو إيدولوجية أخرى.
стр. 3110
وقد أبدع الدكتور يوسف القرضاوي في استقصاء أدلة كل فريق من هذه الفرق والاتجاهات. ولمن يريد مزيداً من الشرح الرجوع إلى مؤلفه القيم "فقه الزكاة" وما ألحقه بكتابه من فهرس وافٍ للمصادر والمراجع ص ١١٩٠-١٢٠٤ ج٢.
٥- في الوقت الذي نلاحظ إمكانية التطابق بين بعض أهداف الصندوق وبين مصارف الزكاة فإنه يجب أن نقر بأن هنالك أهدافاً أخرى من بين أهداف الصندوق يصعب إدراجها تحت مفهوم أحد مصارف الزكاة الثمانية إلا إذا حذونا حذو من يساير متطلبات العصر مسايرة مطلقة، ويجند كل المدلولات اللغوية والفقهية والتاريخية لكل كلمة بغية الوصول إلى حل توفيقي بين هدف معين وبين مصرف من مصارف الزكاة، وفي هذا الاتجاه ما فيه من خطورة حيث سبق أن أشرنا إلى أن الزكاة ليست براً أو معروفاً فحسب، وإنما هي ركن أساسي من أركان الدين وعبادة حدد الشارع كيفيتها.
فمثلاً الهدف (٥) من أهداف الصندوق ينص على: "دعم وتنظيم الشباب المسلم في العالم روحياً واجتماعياً ورياضياً" ومن الواضح أنه لكي يندرج هذا الهدف في دائرة مصارف الزكاة يجب علينا أن نتوسع بشكل مفرط في تفسير هذا المصرف أو ذلك، وليس ذلك من الحكمة في شيء لما سبق أن ذكرنا من أن واجب المسلم في هذا العصر وفي كل عصر هو تطبيق الشريعة على المستجدات وليس فرض المستجدات على الشريعة.
٦- حتى في الحالات التي تتضح إمكانية التوفيق بين هدف معين من أهداف الصندوق ومصرف محدد من مصارف الزكاة فإن مسألة تثبيت نفس المسلم على أن زكاته بلغت مصرفها تبقى قضية معلقة؛ حيث إنه بالإضافة إلى مشكلة الهدف توجد مشاكل فقهية كثيرة يجب تذليلها.
أهمها: مسألة نقل الزكاة من مكان إلى آخر، ومسألة التمليك، ومسألة تعجيل الزكاة أو تأخيرها، ومسألة دفع القيمة عن العين.
стр. 3111
أ- مسألة نقل الزكاة من مكان إلى آخر مع وجود من يستحقها من الفقراء والمساكين في مكان الزكاة (ونعيد إلى الذاكرة ما قلناه آنفاً من التطابق بين معاقل الفقر والمرض والجهل في العالم وبين مواطن الإسلام، مما يتعذر معه الجزم بأن الزكاة المنقولة إلى صندوق التضامن الإسلامي لصرفها في إحدى مصارف الزكاة لم يكن في بلد المزكي من كان في حاجة ملحة إليها) .
فهناك أدلة كثيرة تظهر أن الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم قد فهموا قول رسول الله ﷺ : ((تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) على أنه تفريق المال في مكانه أي حيث جمع، فكان السعاة في أيام الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين يرجعون من مهمتهم إلى المدينة لا يحملون غير أحلاسهم أو عصيهم. والحكمة في ذلك: أن المقصود من الزكاة إغناء الفقراء بها، كما وضح ذلك ابن قدامة في المغني، ومراعاة حرمة الجوار وقرب دار الفقير من دار الغني والاكتفاء الذاتي والابتعاد عن المركزية المفرطة، وذلك بعلاج المشاكل حيث وجدت، فإذا أبحنا نقلها إلى مكان آخر بصورة مخالفة أفضى ذلك إلى إبقاء فقراء ذلك البلد محتاجين وإلى زعزعة عرى الجوار.
وعلى هذا المعنى يقول فرقد السبخي: "حملت زكاة مالي لأقسمها بمكة فلقيت سعيد بن جبير فقال: ردها فاقسمها في بلدك". وقد رد عمر بن عبد العزيز زكاة الري إلى الري بعد أن كان أهلها أحضروها إلى الكوفة.
وإذا تتبعنا ما أثر عن السلف في هذا الباب فإننا لا نراهم يجوزون النقل من مكان إلى مكان آخر إلا عند استغناء أهل المكان الأول.
وأكبر دليل على ذلك تلك المراجعات المتكررة بين معاذ بن جبل وعمر بن الخطاب ﵄ عندما أرسل إليه معاذ ثلث الزكاة فنصفها من اليمن فأنكره عمر عليه، لكن عندما علم أن ذلك جاء بعد تغطية الحاجة عند أهل اليمن أقره.
стр. 3112
أما عند وجود الحاجة فالخلاف بين من يقولون بعدم الإجزاء ومن يقولون بالإجزاء بإثم وعلى كراهية، ولم يستثن من ذلك إلا الحنفية الذين يقولون بجواز النقل بدون إثم ليس فقط لصلة الرحم أو لتلبيية حاجة أشد من بلد المزكي، بل أيضاً إذا كان نقلها إلى من هو أصلح وأنفع للمسلمين أو كانت الزكاة معجلة قبل تمام الحول.
وأما الأحاديث الكثيرة التي تروي أن رسول الله ﷺ كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المدينة الأنصار، وما في معناها من حديث قبيصة بن المخارق حيث قدم من نجد إلى الرسول ﷺ فقال له ﷺ : ((أقم حتى تأتينا الصدقة)) إما أن نعينك عليها (أي على حاجتك) وإما أن نحطها عنك، فإننا نذهب إلى ما ذهب إليه أبو عبيد من إنه ليس لهذه الروايات محمل إلا أن يكون فضلاً عن حاجتهم وبعد استغنائهم عنها، وعلى كل حال فإن المنقول عند الحاجة الملحة لا يمكن أن يكون إلا جزءاًَ من الزكاة لا كلها، ونقل الكل لا يجوز إلا عند الاستغناء المطلق وهذا ما أثبتنا استحالته في المجتمعات الإسلامية في يومنا هذا، فحتى لو اعتمدنا على آراء من يجيزون نقل الزكاة من مكان إلى آخر مع وجود الحاجة في المكان الأول بإثم أو بدون إثم حسب اختلاف الحالات، فإن القضية النفسية المطروحة وهي قضية تثبيت نفس المسلم ستبقى بدون حل إلا إذا كان هناك إجماع أو شبه إجماع، وهذا ما يتعذر مع وجود أغلبية من المسلمين سلفاً وخلفاً يتحاشون نقل الزكاة مع وجود من يستحقها في بلد المزكي.
стр. 3113
ب- مشكلة التمليك:
إن أغلب الأهداف التي يرمي إليها صندوق التضامن أهداف اجتماعية لا مجال فيها للتمليك الفردي، وهي بناء المدارس والمساجد والجامعات والمراكز والمخيمات وحلقات الدراسة كما هو مبين في قانونه الأساسي وفي جدول المساعدات التي قدمها المجلس الدائم لصندوق التضامن الإسلامي كمحصلة ثابتة لنشاطاته منذ ميلاده وحتى عام ١٩٨٦م حتى تطبيق باب الأزمات والكوارث فإنه يأتي حسب عرف العصر الذي نعيشه في صورة جماعية لا مجال فيها إلا في القليل النادر للتمليك الفردي.
ومع أننا لا نذهب إلى القول بركنية التمليك في الزكاة فإننا نشير إلى أن جمهور المسلمين سلفاً وخلفاً فضلوا دائماً بخصوص الزكاة الحالات التي يتحقق فيها التمليك الفردي عند وجودها على المصالح العامة التي لا ملك فيها لأحد، فعلى الرغم من وجود فقهاء أجلاء أجازوا صرف الزكاة في أوجه الخير كما نسب ابن قدامة هذا المعنى بخصوص ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أنس بن مالك والحسن البصري، وكما هو شائع في كتب الزيدية وآراء المحدثين مثل جمال الدين القاسمي، وكذلك عند بعض المعاصرين أمثال الشيخ محمد شلتوت فإنه يلاحظ أن المسلمين من أقدم العصور إلى يومنا هذا فهموا الزكاة على أنها في المقام الأول إتاحة تمليك فردي، فصارت من كثرة زيوع هذا المفهوم كأنه ركن فيها.
فإذا كان الأحناف تفردوا بالجزم بركنية التمليك، فالملاحظ أن أصحاب المذاهب الأخرى الذين لم يصلوا إلى درجة التصريح العلني بذلك قد طبقوه عملياً في كثير من الأحيان؛ حيث إنهم أعطوا غالباً الأولوية لمجالات التمليك الفردي كما قلنا بذلك آنفاً.
فالزكاة في المفهوم المتوارث منذ عهد الصحابة إما أن تؤتى للفقير والمسكين وباقي مستحقي الزكاة مناولة، أو تصل إليهم عن طريق جهاز متخصص في إحصاء الفقراء والمحتاجين، ومعروف لدى المستحقين ويستطيعون الاتصال به بدون أية مقدمات (بيروقراطية) وفي جميع الأوقات. وهذا ما سمي بإدارة الزكاة أو صندوق الزكاة وهو جزء من بيت المال.
стр. 3114
والحكمة في هذا الاتجاه أنه قد استقر في الوجدان الجماعي للأمة الإسلامية في كل عصر أن إقحام المصالح العامة الكثيرة على ميدان الزكاة سيقود حتماً إلى إهدار حقوق عامة الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم من الذين لا يملكون أمام هيئات المصالح العامة المنظمة والمجهزة بالوسائل الفنية لفرض أنفسها على الرأي العام ... لا يملكون أي وسيلة للإشعار بوجودهم وبحاجتهم، وبما أن الإسلام دين يعطي لكل من الفرد والجماعة حقهما كاملاً ولا يسمح لأحدهما أن يطغى على الآخر كما هو الشأن في المذاهب المادية الشيوعية منها والرأسمالية، فإن الوجدان الجماعي في العالم الإسلامي خصص الزكاة في المقام الأول للأفراد الثمانية المنصوص عليهم في آية مصارف الزكاة، علماً بأن في المال حقاً آخر غير الزكاة، وهذا الحق الآخر كان على مر الأزمان مجالاً للعمل الإسلامي الخيري في مجال المصالح والمرافق العامة.
وأن التمسك بهذا النهج المتوارث بين المسلمين سلفهم وخلفهم لضمان أكيد لسد ذريعة إخضاع الفرد لهيمنة المجتمع عندما يفتح باب الزكاة للمصالح العامة.
ج- ومن تلك المسائل الفقهية التي يجب البت فيها: مسألة فورية تفريق الزكاة أو تأخيرها. فصندوق التضامن الإسلامي يعتمد على الاجتماعات الدورية كما جاء في المادة (٣) من النظام الأساسي لتوزيع ما يجمع لديه من إيرادات في أهدافه المختلفة إلا في حالات الكوارث والمحن حيث تجتمع لجنة الطوارئ كلما دعت الحاجة إلى ذلك، أي الأزمات والكوارث الطبيعية في إحدى الدول الإسلامية لتقرير ما يمكن أن يقوم به الصندوق.
فدورية التوزيع قد لا تتفق تماماً مع مبدأ الفورية الذي سار عليه جمهور العلماء في تعجيل الزكاة، فكما هي الحال عند مالك والشافعي وأحمد وبعض الأحناف كالكرخي وابن همام. إذ إنه في مؤسسات الزكاة الشرعية أو أقسام بيت المال المكلفة بالزكاة يوجد تواكب وتنسيق مستمران بين جباية الزكاة وبين توزيعها بدون انتظار مفرط.
стр. 3115
وهذا الاتجاه في تعجيل دفع الزكاة إلى مستحقيها ما جعل النووي ﵀ يرى أن عملية إحصاء المستحقين وتحديد مقدار حاجاتهم يجب أن يجري في نفس وقت جباية الزكاة بحيث "يقع الفراغ من جمع الصدقات بعد معرفتهم مباشرة أو معها ليصل إليهم حقوقهم في أقرب وقت ممكن" حيث الأمر بصرف الزكاة على الرغم من إطلاقه أمر معه قرينة الفورية الضمنية؛ لأن الزكاة لم توجد إلا لحاجة مستحقيها الثمانية، وهذه الحاجات في مجملها أو على الأقل في معظمها حاجات لا تقبل التأجيل، والتسويف. ولا يجوز التأخير فيها إلا لضرورة شرعية أو حاجة داعية، وهذا يعني أن طبيعة تحديد أوقات الصرف لأموال الصندوق لا تنسجم مع الزكاة إلا في حالتين:
- حالة الأزمات والطوارئ التي توجب اجتماع اللجنة المكلفة بذلك في أي وقت وحين.
- حالة التفسير الموسع لبعض مصارف الزكاة مثل: (سبيل الله) بحيث يشمل بعض المرافق والمصالح العامة التي لا تلتزم كثيراً بعنصر الوقت، وقد سبق أن أشرنا إلى عدم حكمة إقحام هذه المصالح العامة على الزكاة في يومنا هذا، إلا في حالة الاستغناء، أي عدم وجود من يستحق الزكاة من المصارف الأخرى وذلك لأسباب ذكرناها آنفاً.
د- ومن المسائل الفقهية التي تعترض كذلك سبيلنا عند الموازنة بين طبيعة الزكاة وطبيعة صندوق التضامن الإسلامي مسألة: دفع القيمة عن العين حيث إن تكوين الصندوق لا يحتوي على استعداد لتلقي الذات العينية لأموال الزكاة. فقد اختلف العلماء بخصوص دفع القيمة عن العين فمنهم من يمنع ذلك ومنهم من يجيزه بلا كراهة ومنهم يجيزه مع الكراهة ومنهم من يجيزه في بعض الحالات دون بعض.
وإننا نعتقد أن هذه المسألة يمكن حلها باتخاذ موقف وسط أشبه بما نقل عن معاذ بن جبل بخصوص الزكاة وقيل: بخصوص الجزية هو أنه قال لأهل اليمن: (اوتوني بخميس أو لبيس أيسر عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار..) .
وقد ذهب إلى نفس الحل الوسط شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال ما معناه: إن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع. وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به.
وموقفنا أنه إذا تبين إجزاء تقديم الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي في حالة معينة (كما قلنا إن ذلك ممكن في باب الكوارث الطبيعية) فإن تحويل عين الزكاة إلى قيمتها أدعى للمصلحة وأيسر في العمل حيث إن صندوق التضامن الإسلامي لم يملك بعد استعدادات تنظيمية لتلقي عروض التجارة أو الذات العينية الأخرى شريطة أن يكون تقييم العين أو العروض على أسس عادلة ودقيقة.
стр. 3116
الباب الرابع
استنتاجات واقتراحات عملية
١- في حالة مراعاتنا للحكمة التي هدى الله إليها الأمة سلفاً وخلفاً من إعطاء الأولية في الزكاة لأصحاب الحاجات الفردية الملحة من فقراء ومساكين وفي الرقاب وغارمين وأبناء السبيل، إما مباشرة أو عن طريق هيئات مختصة في شؤون الزكاة (وقد أفضنا في ذكر ما أثر في ذلك آنفاً ... ) ونظراً لما يتسم به العالم الإسلامي في يومنا من تفشي جميع مظاهر هذه السلبيات الفردية وحيث إن أهداف صندوق التضامن أهداف اجتماعية لا مجال فيها للتمليك الفردي فإن نطاق التطابق بين الزكاة وبين أهداف صندوق التضامن الإسلامي يكون ضيقاً للغاية.
من هذا المنظار فإن باب الأزمات والكوارث الطبيعية والظروف الاجتماعية في البلاد والمجتمعات الإسلامية يكاد يكون الباب الوحيد الذي يمكن إدخاله في دائرة المستحقين للزكاة بالأولوية.
وعلى هذا، فإننا لا نرى هناك مانعاً شرعياً بل نحبذ ونشجع في حالة وجود تلك الكوارث والأزمات إعطاء جزء من الزكاة إلى صندوق التضامن لإيصالها لمستحقي الزكاة من المسلمين ضحايا هذه الكوارث، ويكون ذلك في صورة توكيل شرعي تحدد فيه شروط التوكيل ويتعهد الصندوق بالتقيد بها.
ويمكن أن تضاف إلى باب الكوارث الحالات الخاصة التي لم تحط بها المرافق العامة في بلد أو مجتمع إسلامي لسبب من الأسباب، والتي يعزم صندوق التضامن الإسلامي على مد يد المساعدة فيها إلى أفراد أو جماعات من المسلمين داخل المجتمع الإسلامي أو خارجه بغية تخليصهم من براثن الفقر والجوع والمرض والدين والجهل. مثاله: قيام الصندوق بدعم ما وجد في هذه الحالات من دور الأيتام ومراكز العجزة والمعوقين والفقراء في مخيمات المهاجرين والمهجرين لأسباب دينية، وتقديم المنح الدراسية إلى أبناء المعوزين من المسلمين، فهذه الحالات إما حالات فقر أو مسكنة أو ضرب في الأرض وذلك في جميع المدلولات الفقهية القديمة والمعاصرة لهذه الكلمات.
стр. 3117
وفي حالة عزم الصندوق على القيام بعمل محدد من هذه الأعمال سواء كوظيفة إضافية على وظائفها الأساسية أو كتفسير عملي لبعض أجزاء أهدافه السبعة المذكورة في نظامه الأساسي، فإننا لا نرى كذلك مانعاً شرعياً، بل نشجع في تلك الحالة إعطاء جزء من الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي لصرفه في هذه الحالات المحددة على أساس التوكيل الشرعي الذي أشرنا إليه آنفاً.
٢- في حالة توسعنا في تأويل بعض مصارف الزكاة كالفقير والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل وفي سبيل الله فإنه يمكن بطريقة أو بأخرى أن ندخل جميع أهداف الصندوق أو أغلبها تحت مظلة الزكاة بهذا المفهوم.
إلا أننا في هذه الحالة نرى ألا يصرف شيء من أموال الزكاة في هذه الأهداف العامة للصندوق إلا بعد التأكد من أن ذوي الحاجة من أصحاب الحالات الأولى قد حصلوا على حقوقهم من الزكاة في المنطقة العينية.
ويكون ذلك بإحدى الطريقتين:
أ- أن تكون البنية الاجتماعية في المنطقة المعينة شفافة إلى درجة تسمح للمزكي أن يحصل على القناعة التلقائية بأنه لا يوجد في مكان إقامته من يستحق الزكاة من الفقراء والمساكين وخاصة ذوي القربى منهم والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.
وفي هذه الحالة نرى أنه لا حرج شرعاً أن تدفع الزكاة أو ما فاض منها إلى صندوق التضامن بشرط أو بدون شرط حيث ترتقي الأهداف العامة في هذه الحالة للصندوق إلى مصاف مستحقي الزكاة بالأولوية بالنسبة لهذا الشخص.
ب- في حالة هذه الرؤية الواضحة، وفي حالة رغبة المزكي أن يعطي جزءاً من زكاته للصندوق فإن الأقرب للتقوى في رأينا أن يقوم به عن طريق هيئة متخصصة في حصر الزكاة وإحصاء مستحقيها في المنطقة التي يقيم فيها (مثل إدارة الزكاة أو صندوق الزكاة أو قسم بيت المال المتخصص في الزكاة أو أي جهاز مشابه في بلد إسلامي يتولى شؤون الزكاة) وتقوم هذه الهيئة بعد تقييم الأمر بتخصيص نسبة معينة لصندوق التضامن تقل أو تكثر حسب ما تمليه معرفة الهيئة بواقع الحال في هذه المنطقة ويفرضه الحرص على إعطاء الأولوية للفقراء والمساكين ومن في حكمهم.
стр. 3118
إننا في هذا الصدد نذكر بالحكمة التي جعلت المسلمين على مر التاريخ يؤثرون في الزكاة أصحاب الحاجات الملحة على المصالح والمرافق العامة، حيث إن هنالك حقا آخر في المال غير الزكاة يمكن توجيهه إلى المصالح العامة.
٣- في الحالة التي يمكن لصندوق التضامن الإسلامي (على الرغم من كونه جهازاً دوليا يهتم بالأمور الجماعية لا الفردية) أن يولي الحالات الخاصة بعضاً من اهتماماته الثابتة، فإني أقترح تكوين لجنة تضم خبراء من الصندوق وفقهاء من المجمع تقوم بدراسة إمكانية وضع مشروع قانون أساسي معدل يعرض على الأمانة العامة ومن ثم على الوزراء فالقمة، يأخذ هذا القانون المعدل بعين الاعتبار متطلبات الزكاة الفقهية، ويعيد صياغة بعض أجزاء النظام الأساسي للصندوق أو يقترح إضافات عليه لكي يصبح بعد ذلك وعاء شرعياً مطلق الصلاحية لتلقي الزكاة وتوزيعها جنباً على جنب مع أهدافه الأخرى الإسلامية.
لكن هذا الحل التعديلي لا يمكن التفكير فيه إلا بطلب من الصندوق أو الأمانة العامة بصفتهما الجهتين اللتين تلمان بحدود صلاحيات صندوق التضامن الإسلامي.
٤- نظراً للأهداف التي يرمي إليها صندوق التضامن الإسلامي والتي أنجزت الكثير منها منذ ميلاد هذا الجهاز الإسلامي الهام، وانطلاقاً من الهدف الأساسي للمجمع وهو: دراسة الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهاداً أصيلاً لتقديم الحلول النابعة عن الشريعة الإسلامية،
فإني أرى أن يصدر المجمع فتوى بتأهيل صندوق التضامن الإسلامي ليكون وعاءً لتلقي صدقات طوعية وحقوق شرعية أخرى في المال غير الزكاة بصفته جهازاً مكملاً لهيئات الزكاة في العمل لتحقيق الكفالة الاجتماعية في هذا العصر، ويحث المسلمين جماعات وأفراداً ودولاً على المسارعة والمنافسة في تقديم هذه الصدقات الطوعية أو وقف عقارات استثمارات شرعية أخرى لصالح هذا الصندوق ودعم وقفيته وذلك لتحقيق أهدافه الإسلامية النبيلة.
وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
سيدي محمد يوسف جيري
стр. 3119
قائمة بأهم المصادر والمراجع
أولا – القرآن الكريم وتفاسيره:
- المصحف الشريف
- أحكام القرآن لابن العربي المالكي
- أحكام القرآن للجصاص
- التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي
- الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير
- تفسير القرآن الكريم للشيخ محمود شلتوت
- محاسن التأويل للعلامة جمال الدين القاسمي
ثانيا – الحديث وشروحه:
- الصحيحان والسنن وشروحها
- كتب أحاديث الأحكام وخاصة: نيل الأوطار للإمام الشوكاني
الفقه:
من كتب الحنفية:
- بدائع الصنائع للكاساني
- البحر الرائق للعلامة ابن نجيم
- الخراج للإمام أبي يوسف
- رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين
- شرح فتح القدير لابن الهمام
من كتب المالكية:
- المدونة الكبرى لإمام المذهب مالك بن أنس، رواية الإمام سحنون
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد
- شروح مختصر خليل كالخرشي، والشرح الكبير
- بلغة السالك لأقرب المسالك للشيخ أحمد بن الصاوي
- المنتقى شرح الموطأ للقاضي أبي الوليد الباجي.
من كتب الشافعية:
- الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب
- المهذب للشيرازي
- المجموع شرح المهذب للإمام النووي
- المنهاج للإمام النووي
- نهاية المحتاج للرملي
- مغني المحتاج لمحمد الشربيني
- الوجيز لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي
من كتب الحنابلة:
- المغني للعلامة ابن قدامة المقدسي
- الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية
- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
- الإنصاف في معرفة الراجح لأبي الحسن المرداوي.
من كتب الظاهرية:
- المحلى للإمام محمد بن علي بن حزم الأندلسي. وراجع كذلك:
- فتاوى الشيخ مخلوف
- شرائع الإسلام في فقه الإمامية للشيخ جعفر بن الحسن الحلي المعروف بالمحقق الحلي.
- فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي.
- مصارف الزكاة في الشريعة الإسلامية لعبد بن الجار الله
- الطرق الحكمية للإمام ابن القيم
- فتاوى الإمام محمد رشيد رضا
- الروضة الندية للسيد صديق حسن خان
وراجع كذلك أيضاً:
مذكرة تفسيرية بشأن صندوق التضامن الإسلامي ووقفيته مقدمة إلى الدورة الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
стр. 3120
صرف الزكاة لصالح صندوق
التضامن الإسلامي
إعداد
فضيلة الشيخ تيجاني صابون محمد
مدير التعليم العربي بجمهورية تشاد
وعضو مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد بين الله في كتابه العزيز مصارف الزكاة حيث قال:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ التوبة: ٦٠.
وفي تعريف كل واحد من هؤلاء الأصناف وما يتعلق بذلك من الأحكام تفصيل في المذاهب.
١) الحنفية:- قالوا: "الفقير" هو الذي يملك أقل من النصاب، أو يملك نصاباً غير تام يستغرق حاجته، أو يملك نصباً كثيرة غير تامة تستغرق الحاجة، فإن ملكها لا يخرجه عن كونه فقيراً، يجوز صرف الزكاة له، وصرفها للفقير العالم أفضل. والمسكين هو الذي لا يملك شيئاً أصلاً فيحتاج إلى المسألة لقوته أو لتحصيل ما يواري به بدنه، ويحل له أن يسأل لذلك، بخلاف الفقير فإنه لا يحل له المسألة ما دام يملك قوت يومه بعد سترة بدنه. "العامل" هو الذي نصبه الإمام لأخذ الصدقات والعشور، فيأخذ بقدر ما عمل. و"والرقاب" هم الأرقاء المكاتبون. "والغارم" هو الذي عليه دين ولا يملك نصاباً كاملاً بعد دينه، والدافع إليه لسداد دينه أفضل من الدافع للفقير. وفي سبيل الله هم الفقراء المنقطعون للغزو في سبيل الله على الأصح. "وابن السبيل" وهو الغريب المنقطع عن ماله، فيجوز صرف الزكاة له، بقدر الحاجة فقط، والأفضل له أن يستدين. وأما المؤلفة قلوبهم، فإنهم منعوا من الزكاة في خلافة الصديق – ويشترط لصحة أداء الزكاة النية المقارنة لإخراجها، أو لعذر ما وجب إخراجه.
следующие страницы →