← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الباب الرابع استنتاجات واقتراحات عملية ١- في حالة مراعاتنا للحكمة التي هدى الله إليها الأمة سلفاً وخلفاً من إعطاء الأولية في الزكاة لأصحاب الحاجات الفردية الملحة من فقراء ومساكين وفي الرقاب وغارمين وأبناء السبيل، إما مباشرة أو عن طريق هيئات مختصة في شؤون الزكاة (وقد أفضنا في ذكر ما أثر في ذلك آنفاً ... ) ونظراً لما يتسم به العالم الإسلامي في يومنا من تفشي جميع مظاهر هذه السلبيات الفردية وحيث إن أهداف صندوق التضامن أهداف اجتماعية لا مجال فيها للتمليك الفردي فإن نطاق التطابق بين الزكاة وبين أهداف صندوق التضامن الإسلامي يكون ضيقاً للغاية. من هذا المنظار فإن باب الأزمات والكوارث الطبيعية والظروف الاجتماعية في البلاد والمجتمعات الإسلامية يكاد يكون الباب الوحيد الذي يمكن إدخاله في دائرة المستحقين للزكاة بالأولوية. وعلى هذا، فإننا لا نرى هناك مانعاً شرعياً بل نحبذ ونشجع في حالة وجود تلك الكوارث والأزمات إعطاء جزء من الزكاة إلى صندوق التضامن لإيصالها لمستحقي الزكاة من المسلمين ضحايا هذه الكوارث، ويكون ذلك في صورة توكيل شرعي تحدد فيه شروط التوكيل ويتعهد الصندوق بالتقيد بها. ويمكن أن تضاف إلى باب الكوارث الحالات الخاصة التي لم تحط بها المرافق العامة في بلد أو مجتمع إسلامي لسبب من الأسباب، والتي يعزم صندوق التضامن الإسلامي على مد يد المساعدة فيها إلى أفراد أو جماعات من المسلمين داخل المجتمع الإسلامي أو خارجه بغية تخليصهم من براثن الفقر والجوع والمرض والدين والجهل. مثاله: قيام الصندوق بدعم ما وجد في هذه الحالات من دور الأيتام ومراكز العجزة والمعوقين والفقراء في مخيمات المهاجرين والمهجرين لأسباب دينية، وتقديم المنح الدراسية إلى أبناء المعوزين من المسلمين، فهذه الحالات إما حالات فقر أو مسكنة أو ضرب في الأرض وذلك في جميع المدلولات الفقهية القديمة والمعاصرة لهذه الكلمات.

стр. 3117

وفي حالة عزم الصندوق على القيام بعمل محدد من هذه الأعمال سواء كوظيفة إضافية على وظائفها الأساسية أو كتفسير عملي لبعض أجزاء أهدافه السبعة المذكورة في نظامه الأساسي، فإننا لا نرى كذلك مانعاً شرعياً، بل نشجع في تلك الحالة إعطاء جزء من الزكاة إلى صندوق التضامن الإسلامي لصرفه في هذه الحالات المحددة على أساس التوكيل الشرعي الذي أشرنا إليه آنفاً. ٢- في حالة توسعنا في تأويل بعض مصارف الزكاة كالفقير والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل وفي سبيل الله فإنه يمكن بطريقة أو بأخرى أن ندخل جميع أهداف الصندوق أو أغلبها تحت مظلة الزكاة بهذا المفهوم. إلا أننا في هذه الحالة نرى ألا يصرف شيء من أموال الزكاة في هذه الأهداف العامة للصندوق إلا بعد التأكد من أن ذوي الحاجة من أصحاب الحالات الأولى قد حصلوا على حقوقهم من الزكاة في المنطقة العينية. ويكون ذلك بإحدى الطريقتين: أ- أن تكون البنية الاجتماعية في المنطقة المعينة شفافة إلى درجة تسمح للمزكي أن يحصل على القناعة التلقائية بأنه لا يوجد في مكان إقامته من يستحق الزكاة من الفقراء والمساكين وخاصة ذوي القربى منهم والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل. وفي هذه الحالة نرى أنه لا حرج شرعاً أن تدفع الزكاة أو ما فاض منها إلى صندوق التضامن بشرط أو بدون شرط حيث ترتقي الأهداف العامة في هذه الحالة للصندوق إلى مصاف مستحقي الزكاة بالأولوية بالنسبة لهذا الشخص. ب- في حالة هذه الرؤية الواضحة، وفي حالة رغبة المزكي أن يعطي جزءاً من زكاته للصندوق فإن الأقرب للتقوى في رأينا أن يقوم به عن طريق هيئة متخصصة في حصر الزكاة وإحصاء مستحقيها في المنطقة التي يقيم فيها (مثل إدارة الزكاة أو صندوق الزكاة أو قسم بيت المال المتخصص في الزكاة أو أي جهاز مشابه في بلد إسلامي يتولى شؤون الزكاة) وتقوم هذه الهيئة بعد تقييم الأمر بتخصيص نسبة معينة لصندوق التضامن تقل أو تكثر حسب ما تمليه معرفة الهيئة بواقع الحال في هذه المنطقة ويفرضه الحرص على إعطاء الأولوية للفقراء والمساكين ومن في حكمهم.

стр. 3118

إننا في هذا الصدد نذكر بالحكمة التي جعلت المسلمين على مر التاريخ يؤثرون في الزكاة أصحاب الحاجات الملحة على المصالح والمرافق العامة، حيث إن هنالك حقا آخر في المال غير الزكاة يمكن توجيهه إلى المصالح العامة. ٣- في الحالة التي يمكن لصندوق التضامن الإسلامي (على الرغم من كونه جهازاً دوليا يهتم بالأمور الجماعية لا الفردية) أن يولي الحالات الخاصة بعضاً من اهتماماته الثابتة، فإني أقترح تكوين لجنة تضم خبراء من الصندوق وفقهاء من المجمع تقوم بدراسة إمكانية وضع مشروع قانون أساسي معدل يعرض على الأمانة العامة ومن ثم على الوزراء فالقمة، يأخذ هذا القانون المعدل بعين الاعتبار متطلبات الزكاة الفقهية، ويعيد صياغة بعض أجزاء النظام الأساسي للصندوق أو يقترح إضافات عليه لكي يصبح بعد ذلك وعاء شرعياً مطلق الصلاحية لتلقي الزكاة وتوزيعها جنباً على جنب مع أهدافه الأخرى الإسلامية. لكن هذا الحل التعديلي لا يمكن التفكير فيه إلا بطلب من الصندوق أو الأمانة العامة بصفتهما الجهتين اللتين تلمان بحدود صلاحيات صندوق التضامن الإسلامي. ٤- نظراً للأهداف التي يرمي إليها صندوق التضامن الإسلامي والتي أنجزت الكثير منها منذ ميلاد هذا الجهاز الإسلامي الهام، وانطلاقاً من الهدف الأساسي للمجمع وهو: دراسة الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهاداً أصيلاً لتقديم الحلول النابعة عن الشريعة الإسلامية، فإني أرى أن يصدر المجمع فتوى بتأهيل صندوق التضامن الإسلامي ليكون وعاءً لتلقي صدقات طوعية وحقوق شرعية أخرى في المال غير الزكاة بصفته جهازاً مكملاً لهيئات الزكاة في العمل لتحقيق الكفالة الاجتماعية في هذا العصر، ويحث المسلمين جماعات وأفراداً ودولاً على المسارعة والمنافسة في تقديم هذه الصدقات الطوعية أو وقف عقارات استثمارات شرعية أخرى لصالح هذا الصندوق ودعم وقفيته وذلك لتحقيق أهدافه الإسلامية النبيلة. وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. سيدي محمد يوسف جيري

стр. 3119

قائمة بأهم المصادر والمراجع أولا – القرآن الكريم وتفاسيره: - المصحف الشريف - أحكام القرآن لابن العربي المالكي - أحكام القرآن للجصاص - التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي - تفسير القرآن العظيم لابن كثير - تفسير القرآن الكريم للشيخ محمود شلتوت - محاسن التأويل للعلامة جمال الدين القاسمي ثانيا – الحديث وشروحه: - الصحيحان والسنن وشروحها - كتب أحاديث الأحكام وخاصة: نيل الأوطار للإمام الشوكاني الفقه: من كتب الحنفية: - بدائع الصنائع للكاساني - البحر الرائق للعلامة ابن نجيم - الخراج للإمام أبي يوسف - رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين - شرح فتح القدير لابن الهمام من كتب المالكية: - المدونة الكبرى لإمام المذهب مالك بن أنس، رواية الإمام سحنون - بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد - شروح مختصر خليل كالخرشي، والشرح الكبير - بلغة السالك لأقرب المسالك للشيخ أحمد بن الصاوي - المنتقى شرح الموطأ للقاضي أبي الوليد الباجي. من كتب الشافعية: - الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب - المهذب للشيرازي - المجموع شرح المهذب للإمام النووي - المنهاج للإمام النووي - نهاية المحتاج للرملي - مغني المحتاج لمحمد الشربيني - الوجيز لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي من كتب الحنابلة: - المغني للعلامة ابن قدامة المقدسي - الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - الإنصاف في معرفة الراجح لأبي الحسن المرداوي. من كتب الظاهرية: - المحلى للإمام محمد بن علي بن حزم الأندلسي. وراجع كذلك: - فتاوى الشيخ مخلوف - شرائع الإسلام في فقه الإمامية للشيخ جعفر بن الحسن الحلي المعروف بالمحقق الحلي. - فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي. - مصارف الزكاة في الشريعة الإسلامية لعبد بن الجار الله - الطرق الحكمية للإمام ابن القيم - فتاوى الإمام محمد رشيد رضا - الروضة الندية للسيد صديق حسن خان وراجع كذلك أيضاً: مذكرة تفسيرية بشأن صندوق التضامن الإسلامي ووقفيته مقدمة إلى الدورة الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 3120

صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي إعداد فضيلة الشيخ تيجاني صابون محمد مدير التعليم العربي بجمهورية تشاد وعضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لقد بين الله في كتابه العزيز مصارف الزكاة حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ التوبة: ٦٠. وفي تعريف كل واحد من هؤلاء الأصناف وما يتعلق بذلك من الأحكام تفصيل في المذاهب. ١) الحنفية:- قالوا: "الفقير" هو الذي يملك أقل من النصاب، أو يملك نصاباً غير تام يستغرق حاجته، أو يملك نصباً كثيرة غير تامة تستغرق الحاجة، فإن ملكها لا يخرجه عن كونه فقيراً، يجوز صرف الزكاة له، وصرفها للفقير العالم أفضل. والمسكين هو الذي لا يملك شيئاً أصلاً فيحتاج إلى المسألة لقوته أو لتحصيل ما يواري به بدنه، ويحل له أن يسأل لذلك، بخلاف الفقير فإنه لا يحل له المسألة ما دام يملك قوت يومه بعد سترة بدنه. "العامل" هو الذي نصبه الإمام لأخذ الصدقات والعشور، فيأخذ بقدر ما عمل. و"والرقاب" هم الأرقاء المكاتبون. "والغارم" هو الذي عليه دين ولا يملك نصاباً كاملاً بعد دينه، والدافع إليه لسداد دينه أفضل من الدافع للفقير. وفي سبيل الله هم الفقراء المنقطعون للغزو في سبيل الله على الأصح. "وابن السبيل" وهو الغريب المنقطع عن ماله، فيجوز صرف الزكاة له، بقدر الحاجة فقط، والأفضل له أن يستدين. وأما المؤلفة قلوبهم، فإنهم منعوا من الزكاة في خلافة الصديق – ويشترط لصحة أداء الزكاة النية المقارنة لإخراجها، أو لعذر ما وجب إخراجه.

стр. 3121

هذا وللمالك أن يصرف الزكاة لجميع الأصناف المذكورة في الآية الكريمة. أو لبعضهم، ولو واحد من أي صنف كان، والأفضل أن يقتصر على واحد إذا كان المدفوع أقل من نصاب، فإن دفع نصاباً كاملاً فأكثر، أجزأه مع الكراهة. إلا إذا استحق الزكاة مديناً، فإنه يجوز للمالك أن يسدد له دينه بالزكاة ولو كانت أكثر من نصاب، وكذا لو كان ذا عيال، فإنه يجوز أن يصرف له من الزكاة أكثر من نصاب. لكن بحيث لو وزع على عياله يصيب كل واحد منهم أقل من نصاب. ولا يجوز أن يصرف الزكاة في بناء مسجد أو مدرسة أو في حج أو جهاد أو في إصلاح طرق، أو قنطرة أو نحو ذلك من تكفين ميت، وكل ما ليس فيه تمليك لمستحق الزكاة، وقد تقدم أن التمليك ركن للزكاة ويجوز صرف الزكاة لمن يملك أقل من النصاب وإن كان صحيحاً ذا كسب. أما من يملك نصاباً من أي مال كان، فاضلاً عن حاجته الأصلية وهي مسكنه وأثاثه وثيابه وخادمه ومركبه وسلاحه، فلا يجوز صرف الزكاة لهم، ويجوز دفع الزكاة إلى ولد الغني الكبير إذا كان فقيراً، أما ولده الصغير، فلا يجوز دفع الزكاة له، وكذا يجوز دفعها إلى امرأة الغني وهي فقيرة، وإلى الأب المعسر إن كان ابنه موسراً، ويكره نقل الزكاة من بلد إلا أن ينقلها إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده، ولو نقل إلى غيرهم أجزأه مع الكراهة. وإنما يكره النقل إذا أخرجها في حينها، أما إذا أعجلها قبل حينها، فلا بأس بالنقل. والمعتبر في الزكاة مكان المال حتى لو كان المالك في بلد آخر. تفرق الزكاة في مكان المال وإذا نوى الزكاة بما يعطيه لصبيان أقاربه، أو لمن يأتيه ببشارة ونحوها أجزأه. وكذا ما يدفعه للفقراء من الرجال والنساء في المواسم والأعياد. ويجوز التصدق على الذمي بغير مال الزكاة، ولا تحل لبني هاشم، بخلاف صدقات التطوع والوقت.

стр. 3122

٢) الحنابلة:- قالوا: "الفقير" هو من لم يجد شيئاً أو لم يجد نصف كفايته، "والمسكين" هو من يجد نصفها أو أكثر فيعطى كل واحد منهما من الزكاة تمام كفايته مع عائلته سنة، "والعامل عليها" هو كل ما يحتاج إليه في تحصيل الزكاة فيعطى منها بقدر أجرته، ولو غنيا، "المؤلف" هو السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يرجى قوة إيمانه أو إسلام نظيره من الكفار أو يحتاج إليه في جبايتها ممن لا يعطيها، فيعطى منها ما يحصل التأليف، "والرقاب" هو المكاتب ولو قبل حلول شيء من دين الكتابة، ويعطى ما يقضي به دين الكتابة، "والغارم" قسمان أحدهما: من استدان للإصلاح ببين الناس. ثانيهما: من استدان لإصلاح نفسه في أمر مباح أو محرم وتاب، ويعطى ما يفي به دينه. "وفي سبيل الله" هو الغازي إن لم يكن هناك ديوان ينفق منه عليه، ويعطى ما يحتاج إليه من سلاح أو فرس أو طعام أو شراب وما يفي بعودته، "وابن السبيل" وهو الغريب الذي فرغت منه النفقة في غير بلده في سفر مباح، أو محرم وتاب ويعطى ما يبلغه لبلده، ولو وجد مقرضاً، سواء كان غنياً أو فقيراً، ويكفي الدفع لواحد من هذه الأصناف الثمانية، ويجوز أن يدفع الجماعة زكاتهم لواحد كما يجوز للواحد أن يدفع زكاته لجماعة، ولا يجوز إخراج الزكاة بقيمة الواجب، إنما الواجب إخراج عين ما وجب، ولا يجوز دفع الزكاة للكافر ولا لرقيق ولا لغني بمال أو كسب، ولا لمن تلزمه نفقته ما لم يكن عاملاً أو غازياً أو مكاتباً، أو ابن السبيل أو غارماً لإصلاح ذات بين، ولا يجوز أيضاً أن تدفع الزوجة زكاتها لزوجها، وكذلك العكس، ولا يجوز دفعها لهاشمي، فإن دفعها لغير مستحقها جهلا ثم علم عدم استحقاقه لم تجزئ ويستردها ممن أخذها، وإن دفعها لمن يظنه فقيراً أجزأه، كما يجزئه تفرقتها للأقارب إن لم تلزمه نفقتهم، والأفضل تفرقتها لفقراء بلده. ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال، ويحرم نقلها إلى مسافة القصر وتجزيه.

стр. 3123

٣) الشافعية:- قالوا: "الفقير" هو من لا مال له أصلاً، ولا كسب من حلال، أو له مال، أو كسب من حلال يكفيه، بأن كان أقل من النصف الكافي، ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه بالنسبة للزوجة، والكفاية تعتبر بالنسبة لعمره الغالب، وهو اثنان وستون سنة، إلا إذا كان له مال يتجر فيه فيعتبر ربحه في كل يوم على حدة، فإن كان ربحه في كل يوم أقل من نصف الكفاية في ذلك اليوم، فهو فقير، وكذا إذا جاوز العمر الغالب، فالعبرة بكل يوم على حدة، فإن كان عنده من المال أو الكسب ما لا يكفيه في نصف اليوم، فهو فقير. "والمسكين" من قدر على مال أو كسب حلال، يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب المتقدم، أو أكثر من النصف، فلا يمنع من الفقر والمسكنة وجود مسكن لائق به أو وجود ثياب كذلك، ولو كانت للتجميل، وكذا لا يمنع من وصف المرأة بالفقر والمسكنة وجود حلي لها تحتاج للتزين بها عادة، وكذا وجود كتب العلم الذي يحتاج لها للمذاكرة، أو المراجعة، كما أنه إذا كان له كسب من حرام أو مال غائب عنه بمرحلتين أو أكثر أو دين له مؤجل، فإن ذلك كله لا يمنعه من الأخذ من الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة. "والعامل على الزكاة" هو من له دخل في جمع الزكاة: كالساعي، والحافظ، والكاتب، وإنما يأخذ العامل منها إذا فرقها الإمام، ولم يكن له أجرة مقدرة من قبله فيعطى بقدر أجر مثله. "والمؤلفة قلوبهم" هم أربعة أنواع: الأول ضعيف الإيمان الذي أسلم حديثاً فيعطى منها ليقوى إسلامه، الثاني: من أسلم وله شرف في قومه، ويتوقع بإعطائه من الزكاة إسلام غيره من الكفار، الثالث: مسلم قوي الإيمان يتوقع بإعطائه أن يكفينا شر من وراءه من الكفار، الرابع: من يكفينا شر مانع الزكاة. "والرقاب" هو المكاتب يعطى من الزكاة ما يستعين به على أداء نجوم الكتابة، ليخلص من الرق، وإنما يعطى بشروط: أن تكون كتابته صحيحة وأن يكون مسلماً، وأن لا يكون عنده وفاء بما عليه من دين الكتابة، وأن لا يكون مكاتباً لنفس المزكي. "الغارم" هو المدين وأقسامه ثلاثة: الأول: مدين للإصلاح بين المتخاصمين، فيعطى منها ولو غنياً، والثاني: من استدان في مصلحة نفسه ليصرف في مباح، أو غير مباح، بشرط أن يتوب، الثالث: من عليه دين بسبب ضمان لغيره، وكان معسراً هو والمضمون إذا كان الضمان بإذنه، فإن تبرع هو بالضمان بدون إذن المضمون يعطى متى أعسر هو، ولو أيسر المضمون، ويعطى الغارم في القسمين الآخرين ما عجز عنه من الدين، بخلاف القسم الأول فيعطى منها ولو غنيا. "وفي سبيل الله" هو المجاهد المتطوع للغزو، وليس له نصيب من المخصصات للغزاة في الديون، ويعطى منها ما يحتاج إليه ذهاباً وإياباً وإقامة، ولو غنياً، كما تعطى له نفقة من مؤونة وكسوة، وقيمة سلاح وفرس، ويهيأ له ما يحمل متاعه وزاده إن لم يعتد حملها. "ابن السبيل" هو المسافر من بلد الزكاة أو المار بها، فيعطى منها ما يوصله لمقصده، أو لماله إن كان له مال بشرط أن يكون محتاجاً حين السفر أو المرور، وأن لا يكون عاصياً بسفره، وأن يكون سفره لغرض صحيح شرعاً، ويشترط في أخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية زيادة على الشروط الخاصة لكل صنف شروط خمسة: الأول: الإسلام، الثاني: كمال الحرية، إلا إذا كان مكاتباً، الثالث: أن لا يكون من بني هاشم، ولا بني المطلب، ولا عتيقاً لواحد منهم، ولو منع حقه من بيت المال ويستثنى من ذلك الحمال والكيال، والحافظ للزكاة، فيأخذون منها ولو كفاراً، أو من آل البيت؛ لأن ذلك أجره على العمل، الرابع: أن لا تكون نفقته واجبة على المزكي، الخامس: أن يكون القابض للزكاة، وهو البالغ العاقل حسن التصرف. ويجب في الزكاة تعميم الأصناف الثمانية إن وجدوا، سواء فرقها الإمام أو المالك. إلا أن المالك لا يجب عليه التعميم. إلا إذا كانت الأصناف محصورة بالبلد ووفى بهم المال، والأوجب إعطاء ثلاثة أشخاص من كل صنف، وإن فقد بعض الأصناف أعطيت للموجود، واختار جماعة جواز دفع الزكاة ولو كانت زكاة مال لواحد، وتشترط نية الزكاة عند دفعها للإمام أو المستحقين أو عند عزلها، ولا يجوز للمالك نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر، ولو كان قريباً، متى وجد مستحق لها في بلدها، أما الإمام فيجوز له نقلها، وبلد الزكاة هو المحل الذي تم الحول والمال موجود فيه. وهذا فيما يشترط فيه الحول: كالذهب، وأما غيره كالزروع فبلد زكاته المحل الذي تعلقت الزكاة به وهو موجود فيه.

стр. 3124

٤) المالكية قالوا: "الفقير" هو من يملك من المال أقل من كفاية العام فيعطى منها. ولو ملك نصاباً، وتجب عليه زكاة هذا النصاب. وليس من الفقير من وجبت عليه نفقته على غيره متى كان ذلك الغير غنياً قادراً على دفع نفقته، فلا يجوز أن يعطي الزكاة لوالده الفقير، ولو لم ينفق عليه بالفعل؛ لأنه قادر على أخذ نفقته منه برفع الأمر للحاكم، وأما إذا كان شخص ينفق على فقير تطوعاً بدون أن تجب عليه نفقته فإنه يجوز له أن يصرف الزكاة له، ومتى كانت له حرفة يتحصل منها على ما يكفيه أو له مرتب كذلك، فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة، فإن كان المرتب لا يكفيه أعطي من الزكاة بقدر كفايته. "والمسكين" من لا يملك شيئاً أصلاً، فهو أحوج من الفقير، ويشترط في الفقير والمسكين ثلاثة شروط:- الحرية، والإسلام، وأن لا يكون كل منهما من نسل هاشم بن عبد مناف، إذا أعطوا ما يكفيهم من بيت المال، والأصح إعطاؤهم، حتى لا يضر بهم الفقر، وأما بنو المطلب أخي هاشم فليسوا من آل النبي ﷺ ، فتحل لهم الزكاة، وأما صدقة التطوع، فتحل لبني هاشم وغيرهم. "والمؤلفة قلوبهم" هم كفار، يعطون منها ترغيباً في الإسلام، ولو كانوا من بني هاشم، وقيل: هم مسلمون حديثو عهد بالإسلام، فيعطون من الزكاة ليتمكن الإيمان من قلوبهم، وعلى القول الثاني فحكمهم باقٍ لم ينسخ، فيعطون من الزكاة الآن، وأنا على التفسير الأول. ففي بقاء حكمهم وعدمه خلاف، التحقيق أنه إذا دعت حاجة الإسلام إلى استئلاف الكفار أعطوا من الزكاة وإلا فلا. "والعامل على الزكاة" كالساعي والكاتب، والمفرق والذي يجمع أرباب المواشي لتحصيل الزكاة منهم، ويعطى العامل منها ولو غنياً؛ لأنه يستحقها بوصف العمل، لا لفقر، فإن كان فقيراً استحق بالوصفين، ويشترط في أخذه منها أن يكون حراً مسلماً غير هاشمي، ويشترط في صحة توليته عليها أن يكون عدلاً عارفاً بأحكامها، فلا يولى كافر، ولا فاسق، ولا جاهل بأحكامها، وإذا ولى السلطان عاملاً عبداً، أو هاشمياً، نفذت توليته ويعطى الأجرة من بيت المال لا من الزكاة. "وفي الرقاب" الرقبة رقيق مسلم يشترى من الزكاة ويعتق ويكون ولاؤه للمسلمين، فإذا مات ولا وارث له، وله مال فهو في بيت مال المسلمين. "والغارم" هو المدين الذي لا يملك ما يوفي بد دينه من الزكاة، ولو بعد وفاته، وشرطه الحرية والإسلام، وكونه غير هاشمي، وأن يكون تداينه لغير فساد كشرب خمر، وإلا فلا يعطى منها إلا أن يتوب، ويشترط أن يكون الدين لآدمي فإن كان لله: كدين الكفارات، فلا يعطى من الزكاة لسداده، والمجاهد يعطى من الزكاة إن كان حراً مسلماً غير هاشمي، ولو غنياً، ويلحق به الجاسوس، ولو كافراً، فإن كان مسلماً، فشرطه أن يكون حراً غير هاشمي، وإن كافراً فشرطه الحرية فقط. ويصح أن يشترى من الزكاة سلاح وخيل للجهاد، ولتكن نفقة الخيل من بيت المال. "ابن السبيل" هو الغريب المحتاج لمن يوصله لوطنه فيعطى من الزكاة إن كان حراً مسلماً غير هاشمي، ولا عاصياً بسفره، كقاطع الطريق، ومتى استوفى الشروط أخذ، ولو غنياً ببلده، إن لم يجد من يسلفه ما يوصله إليها , وإلا فلا يعطى. كمن فقد أحد الشروط، ويجب في الزكاة أن ينوي مخرجها أن هذا القدر المعطى زكاة، وتكون النية عند توزيعها أو ينوي عند العزل، فإن نوى عند عزل مقدار الزكاة أنه زكاة، كفاه ذلك، فإن تركت النية أصلاً، فلا يعتد بما أخرجه من الزكاة، ولا يلزم إعلان الأخذ بأن ما أخذه هو من الزكاة , بل يكره لما فيه من كسر قلب الفقير، ويتعين تفرقة الزكاة بموضع الوجوب أو قربه، ولا يجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر، إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب، فيجب نقل الأكثر لهم، وتفرقة الأقل على أهله , وأجرة نقلها من بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد بيت مال بيعت واشتري مثلها بالمحل الذي يراد النقل إليه، أو فرق ثمنها بذلك المحل على حسب المصلحة، وموضع الوجوب هو مكان الزروع والثمار، ولو لم تكن في بلد المالك ومحل المالك.

стр. 3125

هذا في العين، وأما الماشية فموضع وجوبها محل وجودها إن كان هناك ساعٍ وإلا فمحل المالك، ولا يجب تعميم الأصناف الثمانية في الإعطاء، بل يجوز دفعها ولو لواحد من صنف واحد، إلا العامل فلا يجوز دفعها كلها إليه إذا كانت زائدة على أجرة عمله. فهذه هي الأصناف الثمانية التي أمرنا الله أن نوجه الزكاة إليها دون غيرها. إذاً فهل يمكننا صرف مبلغ من أموال الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال يجدر بنا أن نتعرف على هذا الجهاز الإسلامي الهام ونقف على الأنشطة التي قام بها فعند ذلك يتضح لنا الأمر ويكون الرد في متناولنا إن شاء الله. تاريخ إنشاء الصندوق: أنشئ صندوق التضامن الإسلامي بموجب قرار صادر عن مؤتمر القمة الإسلامي الثاني المنعقد بمدينة لاهور في جمهورية باكستان الإسلامية عام ١٣٩٤هـ، الموافق ١٩٧٤م. وقد صادق المؤتمر الإسلامي الخامس، المنعقد بمدينة كوالالمبور عاصمة ماليزيا في شهر جمادى الآخرة ١٣٩٤، الموافق يوليو ١٩٧٤م على النظام الأساسي للصندوق. أهداف الصندوق: يضطلع الصندوق بالعمل على كل ما من شأنه رفع مستوى المسلمين في العالم في جميع المجالات، فبجانب ما يقدمه الصندوق من دعم للشعب الفلسطيني بالتأييد المادي والمعنوي، والوقوف معه ضد المؤامرات الصهيونية الرامية إلى تهويد القدس الشريف والأماكن الأخرى في فلسطين، فإن أهم أهداف الصندوق هي: ١- تشجيع البحث العلمي والتقني، وإنشاء وتمويل الجامعات الإسلامية استجابة لاحتياجات العالم الحديث، حيثما كان ذلك مطلوبا، ودعم الجامعات القائمة فعلاً. ٢- التحقق من آثار نتائج الأزمات والمحن والكوارث الطبيعية والظروف الاجتماعية التي تتعرض لها البلاد والمجتمعات الإسلامية وتوجيه المساعدات المادية الممكنة لذلك. ٣- تنظيم منح المساعدات والمعونات المادية للبلاد والأقليات والجاليات الإسلامية بغية رفع مستواها الديني والثقافي والاجتماعي والمساهمة في بناء المساجد والمستشفيات والمدارس التي يحتاج إليها المسلمون. ٤- تنظيم نشر الدعوة الإسلامية ورسالتها وتعاليم الإسلام ومثله العليا ودعم المراكز الإسلامية داخل الدولة الإسلامية وخارجها لخير المجتمعات الإسلامية ونشر الفكر الإسلامي. ٥- دعم وتنظيم نشاط الشباب المسلم في العالم روحياً واجتماعياً ورياضياً. ٦- تنظيم الحلقات الدراسية التي تضم نخبة من الخبراء والمتخصصين في قضايا التشريع والإدارة والاقتصاد والثقافة والعلوم التي يحتاج العالم الإسلامي إلى بلورة الفكر الإسلامي بشأنها. ٧- تنفيذ جميع المشروعات التي يقرها المؤتمر الإسلامي، ويعتبر تنفيذها من اختصاص صندوق التضامن الإسلامي.

стр. 3126

أهم إنجازات الصندوق إن صندوق التضامن الإسلامي وهو يعمل على تأكيد وإبراز التضامن الإسلامي بين الدول والشعوب الإسلامية، فقد اختار بصفة خاصة تبني المشروعات الكبيرة ذات الأثر الملموس على البنية الحضارية في المجتمعات التي تقام فيها تلك المشروعات. وبإلقاء نظرة سريعة على محصلة النتائج لمختلف نشاطات صندوق التضامن الإسلامي نلمس مدى فاعلية هذا الجهاز الإسلامي الجدير بالاهتمام على كافة مستويات الأمة الإسلامية دولاً وأفراداً، وشعوباً وجماعات. ١- دعم صمود ونضال الشعب الفلسطيني: إن دعم صمود ونضال الشعب الفلسطيني يمثل الهدف الرئيسي من إنجازات منظمة المؤتمر الإسلامي، لذا نجد أن الصندوق قد أفرد باباً مستقلاً من أبواب ميزانيته السنوية للإنفاق على هذا الجانب. هذا بخلاف ما يقدمه الصندوق من مساعدات للشعب الفلسطيني في إطار الأبواب الأخرى من الميزانية، ويتم ذلك كله بالتنسيق الكامل مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ولجنة صندوق القدس. ٢- إنشاء ودعم الجامعات الإسلامية: لقد قطع الصندوق شوطاً طويلاً، وجهداً ملموساً في سبيل إنشاء الجامعات الإسلامية مثل الجامعة الإسلامية بالنيجر، والجامعة الإسلامية في أوغندا والكلية الأمريكية الإسلامية بشيكاغو، والمركز الإسلامي في غينيا بيساو وتحويل مركز تمبكتو بمالي إلى معهد للبحوث. وقدم الصندوق لهذه المشاريع الجليلة الجزء الأكبر من موارده منذ إنشائه حتى الآن، هذا بخلاف دعم ومساعدة الجامعات القائمة فعلاً والتي تعمل في مجال الخدمة الإسلامية.

стр. 3127

٣- تقديم العون في حالات الأزمات والمحن والكوارث الطبيعية: يقدم الصندوق مساعدات عينية ومالية لبعض الدول والمجموعات الإسلامية التي تحل بها الكوارث الطبيعية وذلك للتخفيف من آثارها. ٤- دعم وإنشاء المساجد والمدارس والمستشفيات والمراكز الإسلامية المنتشرة في جميع أنحاء العالم. ٥- نشر الدعوة الإسلامية: يقوم الصندوق بالعمل في مختلف السبل التي تؤدي إلى نشر الدعوة الإسلامية مثل إرسال الدعاة وتدريب المختصين في شؤون الدعوة في مختلف أركان العالم وأيضاً طبع وترجمة معاني القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، وإنتاج وتوزيع الأفلام الدينية. ٦- أنشطة الشباب المسلم: يقوم الصندوق بدعم أنشطة الشباب المسلم روحياً واجتماعياً ورياضياً، وغرس روح البذل والتضحية والعطاء والمبادرة بين الشباب المسلم في شتى أرجاء العالم. ٧- الحلقات الدراسية: لقد تعاون الصندوق في التنظيم والمشاركة لعدة ندوات تخدم قضايا إسلامية حساسة ومعاصرة وذلك مع مختلف الحكومات والهيئات الإسلامية.

стр. 3128

٨- الاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري: لقد مول الصندوق البرامج الوطنية والعالمية التي أعدتها منظمة المؤتمر الإسلامي بمناسبة الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري، وهذه المناسبة تدعو جميع المسلمين إلى أن يجددوا على أنفسهم العهد على التمسك بمعتقداتهم الأساسية ومبادئهم ومفاهيمهم الإسلامية، وعلى السعي الحثيث لبعث "أمة واحدة" ذات حضارة حية فعالة ومؤثرة هدفها تحقيق المساواة الصحيحة والعدل والسلم العالمي والتقدم والسعادة لجميع البشر. وسع بعض العلماء في معنى (سبيل الله) وهو المصرف السابع من مصارف الزكاة فقالوا بأن معنى (سبيل الله) على الجهاد وما يتعلق به وإنما يشمل سائر المصالح والقربات وأعمال الخير والبر. من ذلك ما نبه عليه الإمام الرازي في تفسيره حيث ذكر: إن ظاهر اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يوجب القصر على الغزاة. ثم قال: فلهذا المعنى نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عام في الكل. ولم يبين من هم هؤلاء الفقهاء ولكن المحققين من العلماء لا يطلقون وصف الفقيه إلا على المجتهد، كما أن الرازي لم يعقب على نقل القفال بشيء مما يوحي بميله إليه. ونسب ابن قدامة في (المغني) هذا الرأي إلى أنس بن مالك والحسن البصري فقد قالا: "ما أعطيت الجسور والطرق فهي صدقة ماضية" فدلت هذه العبارة على جواز صرف الزكاة في إنشاء الجسور والطرق وإصلاحها، فهي صدقة ماضية أي جائزة ومقبولة.

стр. 3129

وفي الروضة الندية لسيد صديق حسن خان، وهو على مذهب أهل الحديث المستقلين: قال: أما سبيل الله، فالمراد هنا: الطريق إليه والجهاد وإن كان أعظم الطرق إلى الله لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقاً إلى الله . هذا معنى الآية لغة، والواجب الوقوف على المعاني اللغوية حيث لم يصح النقل هنا شرعاً. ثم قال: ومن جملة سبيل الله الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية فإن لهم في مال الله نصيباً، سواء كانوا أغنياء أم فقراء، بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين، وبهم تحفظ بيضة الإسلام، وشريعة سيد الأنام. آراء المحدثين: القاسمي: ذكر الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀ في تفسيره ما ذكره الرازي من أن ظاهر اللفظ لا يوجب القصر على الغزاة، وما نقله القفال عن بعض الفقهاء في ذلك، ثم ذكر قول صاحب (التاج) : كل سبيل أريد به الله وهو بر داخل في سبيل الله. وسكت عن هذه النقول، ولم يعقب عليها، وهو يوحي بموافقة ضمنية أو بعدم الاعتراض.

стр. 3130

أما السيد رشيد رضا – صاحب المنار ﵀ فقد قال في تفسير آية المصارف ما نصه: "التحقيق أن سبيل الله هنا: مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد، وأن حج الأفراد ليس منها؛ لأنه واجب على المستطيع دون غيره، وهو من الفرائض العينية بشرطه كالصلاة والصيام، لا من المصالح الدينية الدولية ... ولكن شعيرة الحج وإقامة الأمة لها منها فيجوز الصرف من هذا السهم على تأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج إن لم يوجد لذلك مصرف آخر. وذكر صاحب المنار بعد ذلك بقليل أن سبيل الله يشمل سائر المصالح الشرعية العامة التي هي ملاذ أمر الدين والدولة وأولها (وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب لشراء السلاح وأغذية الجند وأدوات النقل وتجهيز الغزاة، وهذه بالنسبة للحرب الإسلامية والجيوش الإسلامية التي تقاتل لإعلاء كلمة الله فحسب) . وتقدم مثله عن محمد بن عبد الحكم، ولكن الذي يجهز به الغازي يعود بعد الحرب إلى بيت المال إن كان مما يبقى كالسلاح والخيل وغير ذلك؛ لأنه لا يملكه دائماً بصفة الغزو التي قامت به، بل يستعمله في سبيل الله، ويبقى بعد زوال تلك الصفة عنه في سبيل الله، ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية وكذا الخيرية العامة: وإشراع الطرق وتعبيدها، ومد الخطوط الحديدية العسكرية، لا التجارية، ومنها بناء البوارج المدرعة والمطارات الحربية والحصون والخنادق، ومن أهم ما ينفق في سبيل الله في زماننا هذا إعداد الدعاة إلى الإسلام وإرسالهم إلى بلاد الكفار من قبل جمعيات منظمة، تمدهم بالمال الكافي، كما يفعله الكفار في تبشير دينهم، وقد ورد تفصيل هذه المصلحة العظيمة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ آل عمران: ١٠٤.

стр. 3131

وكذا فسر الشيخ محمود شلتوت ﵀ (سبيل الله) بأنه (المصالح العامة التي لا ملك فيها لأحد والتي لا يختص بالانتفاع بها أحد، فملكها لله، ومنفعتها لخلق الله، وأولاها وأحقها: التكوين الحربي الذي ترد به الأمة البغي وتحفظ الكرامة، ويشمل العدد والعدة على أحدث المخترعات البشرية، ويشمل المستشفيات عسكرية ومدنية، ويشمل تعبيد الطرق ومد الخطوط الحديدية وغير ذلك مما يعرفه أهل الحرب والميدان، ويشمل الإعداد القوي الناضج لدعاة إسلاميين، يظهرون جمال الإسلام وسماحته، ويفسرون حكمته، ويبلغون أحكامه، ويتعقبون مهاجمة الخصوم لمبادئه بما يرد كيدهم إلى نحورهم. (وكذلك يشمل العمل على دوام الوسائل التي يستمر بها حفظة القرآن الذين تواتر – ويتواتر- بهم نقله كما أنزل –من عهد وحيه إلى اليوم، وإلى يوم الدين إن شاء الله) . وهو تأييد لما ذهب إليه صاحب المنار ﵀. وعلى هذا الأساس أفتى من سأله عن جواز صرف الزكاة في بناء المساجد فكان جوابه: (إن المسجد الذي يراد إنشاؤه أو تعميره إذا كان هو المسجد الوحيد في القرية، أو كان بها غيره ولكن يضيق بأهلها ويحتاجون إلى مسجد آخر، صح شرعاً صرف الزكاة لبناء هذا المسجد أو إصلاحه والصرف على المسجد في تلك الحالة يكون من المصرف الذي ذكر آية المصارف الواردة في سورة التوبة باسم ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وهذا مبني على اختيار أن المقصود بكلمة ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المصالح العامة التي ينتفع بها المسلمون كافة، ولا تخص واحداً بعينه، فتشمل المساجد والمستشفيات ودور التعليم ومصانع الحديد والذخيرة، وما إليها مما يعود نفعه على الجماعة. وأحب أن أقرر هنا أن المسألة محل خلاف بين العلماء (ثم ذكر الشيخ ما نقله الرازي في تفسيره عن القفال من صرف الصدقات في جميع وجوه الخير ... ) إلى أن قال: وهذا ما أختاره وأطمئن إليه وأفتي به، ولكن مع القيد الذي ذكرناه بالنسبة للمساجد، وهو أن يكون المسجد لا يغني عنه غيره، وإلا كان الصرف إلى غير المسجد أولى وأحق.

стр. 3132

وسئل الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق عن جواز الدفع لبعض الجمعيات الخيرية الإسلامية من الزكاة فأفتى بالجواز مستنداً إلى ما نقله الرازي عن القفال وغيره في معنى ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . أورد الشيخ القرضاوي في الصفة ٦٥٧ من الجزء الثاني من كتاب فقه الزكاة الحديث التالي: أوثر عدم التوسع في مدلول ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بحيث يشمل كل المصالح والقربات. كما أرجح عدم التضييق فيه بحيث لا يقصر على الجهاد بمعناه العسكري المحض. إن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان كما يكون بالسيف والسنان. قد يكون الجهاد فكرياً أو تربوياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً كما يكون عسكرياً، وكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل. المهم أن يتحقق الشرط الأساسي لذلك كله وهو أن يكون (في سبيل الله) أي في نصرة الإسلام وإعلاء كلمته في الأرض، فكل جهاد أريد به أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، أياً كان نوع هذا الجهاد وسلاحه. يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ : (يعني وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقته وشريعته التي شرعها لعباده، بقتال أعدائه وذلك هو غزو الكفار) . والجزء الأول من كلام شيخ المفسرين واضح ومقبول، وهو يشمل كل نفقة في نصرة الإسلام وتأييد شريعته، أما قتال أعداء الله وغزو الكفار فليس إلا وجهاً واحداً من أوجه النصرة لهذا الدين.

стр. 3133

فالنصرة لدين الله وطريقته وشريعته تتحقق بالغزو والقتال في بعض الأحوال، بل قد يتعين هذا الطريق في بعض الأزمنة والأمكنة لنصرة دين الله. ولكن قد يأتي عصر –كعصرنا - يكون فيه الغزو الفكري والنفسي أهم وأبعد خطراً وأعمق أثراً، من الغزو المادي العسكري. فإذا كان جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة قديما، قد حصروا هذا السهم في تجهيز الغزاة والمرابطين على الثغور، وإمدادهم بما يحتاجون إليه من خيل وكراع وسلاح فنحن نضيف إليهم في عصرنا غزاة ومرابطين من نوع آخر، أولئك الذين يعملون على غزو العقول والقلوب بتعاليم الإسلام، والدعوة إلى الإسلام، أولئك هم المرابطون بجهودهم وألسنتهم وأقلامهم للدفاع عن عقائد وشرائع الإسلام. ودليلنا على هذا التوسع في معنى الجهاد: أولاً: أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي والقتال بالسيف؛ فقد صح عن النبي (ص) أنه سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: ((كلمة حق عند سلطان جائر)) . كما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) . ويقول الرسول ﷺ : ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) . ثانياً: إن ما ذكرناه من ألوان الجهاد والنشاط الإسلامي لو لم يكن داخلاً في معنى الجهاد بالنص، لوجب إلحاقه به بالقياس، فكلاهما عمل يقصد به نصرة الإسلام والدفاع عنه، ومقاومة أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض.

стр. 3134

وقد رأينا من فقهاء المسلمين من ألحق بالعاملين على الزكاة كل من يعمل في مصلحة عامة للمسلمين: قال ابن رشد: والذين أجازوها للعامل، وإن كان غنياً أجازوها للقضاة، ومن في معناهم، ممن المنفعة بهم عامة للمسلمين. كما رأينا من فقهاء الحنفية من ألحق بابن السبيل كل من هو غائب عن ماله، غير قادر عليه، وإن كان في بلده؛ لأن المعتبر هو الحاجة وقد وجدت. فلا عجب أن نلحق بالجهاد –بمعنى القتال- كما يؤدي غرضه، ويقوم بمهمته من قول أو فعل؛ لأن العلة واحدة، وهي نصرة الإسلام. ومن قبل رأينا للقياس مدخلاً في كثير من أبواب الزكاة، ولم نجد مذهبا إلا قال به في صورة من الصور. وبذلك يكون ما اخترناه هنا في معنى سبيل الله هو رأي الجمهور مع بعض التوسعة في مدلوله. وأود أن أنبه هنا على أن بعض الأعمال والمشروعات قد تكون في بلد ما وزمن ما وحالة ما جهاداً في سبيل الله، ولا تكون كذلك في بلد آخر أو وقت آخر أو حال آخر. فإنشاء مدرسة في الظروف العادية عمل صالح وجهد مشكور يحبذه الإسلام، ولكنه لا يعد جهاداً، فإذا كان بلد ما قد أصبح فيه التعليم وأصبحت المؤسسات التعليمية في يد المبشرين أو الشيوعيين أو اللادينيين العلمانيين، فإن من أعظم الجهاد إنشاء مدرسة إسلامية خالصة، تعلم أبناء المسلمين وتحصنهم من معاول التخريب الفكري والخلقي، وتحميهم من السموم المبثوثة في المناهج والكتب، وفي عقول المعلمين، وفي الروح العامة التي توجه المدارس والتعليم كله. ومثل ذلك يقال في إنشاء مكتبة للمطالعة، وتكون هذه المكتبة إسلامية في مواجهة المكتبات الهدامة، وكذلك إنشاء مستشفى إسلامي لعلاج المسلمين وإنقاذهم من استغلال الإرساليات التبشيرية البشعة، وإن كانت المؤسسات الفكرية والثقافية تظل أشد خطراً، وأبعد أثراً. ولا شك أن من أهم ما ينطبق عليه معنى الجهاد في عصرنا هو: العمل لتحرير الأرض الإسلامية من حكم الكفار الذي استولوا عليها، وأقاموا فيها حكمهم بدل حكم الله، سواء أكان هؤلاء الكفار يهوداً أم نصارى أم وثنيين أم ملحدين، لا يدينون بدين، فالكفر كله ملة واحدة.

стр. 3135

فالرأسمالي والشيوعي والغربي والشرقي والكتابي واللاديني، كلهم سواء في وجوب محاربتهم إذا احتلوا جزءاً من ديار الإسلام، يقوم بذلك أدنى البلاد إلى هذا الجزء، يعاونهم الأقرب فالأقرب، حسب الحاجة، إلى أن يشمل الوجوب المسلمين جميعاً، إن لم تقم الكفاية إلا بالجميع. ولم يبتل المسلمون في عصر كما ابتلوا اليوم، بوقوع كثير من ديارهم في قبضة الكفرة المستعمرين، وفي مقدمة هذه الديار فلسطين التي سلط عليها شذاذ الآفاق من اليهود، ومثل ذاك كشمير التي تسلط عليها الهندوس المشركون وأريتريا والحبشة وتشاد والصومال الغربي وقبرص، التي تسلطت عليها الصليبية الحاقدة الماكرة، ومثل ذلك سمرقند وبخارى وطشقند وأزبكستان وألبانيا وغيرها من البلاد الإسلامية العريقة التي تسلطت عليها الشيوعية الملحدة الطاغية. واسترداد هذه البلاد كلها، وتخليصها من براثن الكفر، وأحكام الكفار واجب على كافة المسلمين بالتضامن، وإعلان الحرب المقدسة لإنقاذها فريضة إسلامية. فإذا قامت حرب في أي جزء من هذه الأجزاء بهذا القصد ولهذه الغاية: فإن تخليص البلد من أحكام الكفر وطغيان الكفرة فهي – بلا نزاع - جهاد في سبيل الله يجب أن يمول ويعاون، وأن يدفع له قسط من مال الزكاة، يقل ويكثر حسب حصيلة الزكاة من جهة، وحسب حاجة الجهاد من جهة ثانية، وحسب حاجة سائر المصارف الأخرى شدة وضعفاً من جهة ثالثة، وكل هذا موكول لأهل الحل والعقد، وذوي الرأي والشورى من المسلمين إن وجدوا". يتضح لنا من خلال هذا الحديث الهام ومما سبق ذكره بأن الأنشطة التي يقوم بها صندوق التضامن الإسلامي تدخل ولا شك في المعنى الموسع لكلمة ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

стр. 3136

فإنشاء مسجد في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا أو في أي دولة مسيحية في العالم؛ ليقف هذا المسجد إزاء كنيسة أو معبد، فهو جهاد في سبيل الله؛ لأن في ذلك إعلاء لكلمة الله. وكذلك إنشاء مسجد في دولة إسلامية فقيرة لتوفير أحسن الظروف للمصلين، فهو إعلاء لكلمة الله وجهاد في سبيله. وأن إنشاء مكتبات إسلامية ومراكز إسلامية وتزويدها بالكتب الإسلامية لتتصدى للأفكار المسيحية واليهودية والإلحادية، والتي تتمثل في المكتبات الغربية التي أنشأنها الجمعيات الكنسية والهيئات الإلحادية والمجمعات اليهودية، وزودتها بالكتب المسمومة لمحاربة الإسلام وثقافته، فإن إنشاء مكتبات ومراكز إسلامية إزاءها لجهاد في سبيل الله. وإذا كانت الدول الصليبية واليهودية مثل أفريقيا الجنوبية وإسرائيل تبحث عن أرقى التكنولوجيا لتصنيع القنبلة الذرية لمجابهة الدول الإسلامية فإنه يحق على الدول الإسلامية أن تقيم مراكز للأبحاث وتصنيع قنبلة مماثلة لما تصنعه هذه الدول، ويكون ذلك جهاداً في سبيل الله؛ لأن الدفاع عن الدول الإسلامية دفاع عن الإسلام. وأن مؤازرة ومساندة كل أمة مسلمة اغتصبت أرضها، وتوفير الإمكانيات اللازمة لتحرير هذه الأرض، فهو جهاد في سبيل الله، وأن إغاثة المسلمين المنكوبين من الجفاف والجوع والمرض وغيرها من الكوارث الطبيعية يعتبر ذلك من أعمال الخير والبر، وبالتالي فهو إنفاق على الفقراء والمساكين. وعليه، فإن كانت الأنشطة التي يقوم بها صندوق التضامن الإسلامي هي هذه، فإنه لأحوج في صرف جزء من أموال الصدقة لصالحه. والله أعلم. تيجاني صابون محمد

стр. 3137

صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي إعداد فضيلة الشيخ مولاي مصطفى العلوي رئيس المجلس العلمي الإقليمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الحمد لله أما بعد.. فهذه إجابة مختصرة في موضوع الزكاة وصرفها لفائدة صندوق التضامن الاجتماعي.. أتشرف بعرضها على مجلس "مجمع الفقه الإسلامي" الموقر ... راجيا من الله التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ صدق الله العظيم. والكلام في هذا الموضوع طويل وعميق وعريض وسأختصره جهد المستطاع بحول الله. ينحصر القول فيه في ست مسائل: * المسألة الأولى: تعريف الزكاة لغة وشرعا * المسألة الثانية: موضوعها وتاريخ تشريعها * المسألة الثالثة: دليل وجوبها من الكتاب والسنة * المسألة الرابعة: المسؤول عن إخراجها وحكم مانعها * المسألة الخامسة: مصارف الزكاة * المسألة السادسة: نقلها وحكمه شرعا.

стр. 3138

١- تعريف الزكاة لغة وشرعا الزكاة في اللغة النمو، والزكاء النماء، قال ابن منظور في لسان العرب: الزكاء ممدودا النماء والريع: زكا يزكو زكاء وزكوا: نما.. وفي حديث علي كرم الله وجهه: المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق.. والزكاة الصلاح، وزكاه، وزكى نفسه مدحها. والزكاة في الشريعة الجزء الذي فرضه الله في المال يؤخذ من الأغنياء ويرد على الفقراء، وهو قول الأئمة مالك والشافعي وأحمد، فهي جزء من كل ما فرضت فيه الزكاة، ولا تقبل بدله القيمة، وقال أبو حنيفة: إنها جزء من المال مقدر.. أي أن قيمة هذا الجزء تقبل عند الأداء. والذي ترجحه الأدلة هو الأول، فعن معاذ بن جبل ﵁، أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فقال: ((خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر)) رواه أبو داود وابن ماجه. وهكذا يبدو أن هذا الجزء المأخوذ من أموال الأغنياء لفائدة الفقراء سمي زكاة؛ أخذا من قول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ التوبة: ١٠٣. فقد وصفها الحق تعالى بأنها تزكى، في حين أنها في العد والحساب تنقص اثنين ونصفا في المائة في زكاة المال، وعشرة في المائة من نتاج المزروعات. ذلك لأن أداءها من الأغنياء للفقراء يحدث تعاطفا وتراحما بين الفريقين، وتضامنا وتكافلا بين أعضاء المجتمع، فلا يوجد سبب للصراعات المحدثة في هذا العصر، والتي هي مظهر من مظاهر الطبقية المقيتة، والتي يتغنى بها من يصفون أنفسهم بالكادحين تارة، والمسحوقين تارة أخرى، مما أوقد ويوقد نار الفتنة والحقد والحسد والبغضاء بين الناس عندما ابتعدوا عن تعاليم الإسلام وهديه. فالحق عندما أمر نبيه ﵇ بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة: ١٠٣. وصف هذا العمل بأنه يطهر ويزكي.. فهو يطهر النفوس من الحقد والحسد، ويطهر المال من كل الشوائب ويزكيه وينميه بتوفيقه لمالكه والمتصرف فيه باستعماله استعمالات تدر عليه أرباحا كثيرة، وبذلك ينمو ويزداد كلما أخذت منه الزكاة، واندفع صاحبه للعمل به في وجوه البر والخير والإحسان. وبتتبع تعاليم الإسلام عاشت الأمة الإسلامية عصورا زاهرة لم يعرف فيها هذا المظهر الطبقي المشين. فالزكاة كانت تؤدى لمستحقيها فتثير في النفوس كوامن الحب والتعاطف، وكان المجتمع الإسلامي بفضل ذلك كالجسد الواحد، لا فرق بين غني وفقير، وصدق الله العظيم: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ التوبة: ١٠٣.

стр. 3139

٢- موضوع الزكاة وتاريخ فرضها فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة النبوية، وذلك بنزول الآية الكريمة على الرسول المصطفى ﷺ تأمره أن يأخذ الزكاة من المؤمنين به.. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . وموضوعها المال، الذهب والفضة، وما في معناهما مما يقوم مقامهما من أوراق وسندات، وكذلك عروض التجارة والممتلكات المعدة لاستثمار المال عن طريقها. والمزروعات مما تنتجه الأرض والأنعام، والإبل والبقر والغنم. زكاة الذهب والفضة وما يقوم مقامهما: تجب إذا بلغ ما يملكه الإنسان منها النصاب وتم عليه الحول، والنصاب في الذهب عشرون دينارا، وفيه نصف دينار، وفي الفضة مائتا درهم وفيها خمسة دراهم؛ أي: ربع العشر، ودليل ذلك ما ثبت في السنة عن سيدنا علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، وما زاد فبحسابه)) . رواه أبو داود. ولا يضم صنف لآخر من الذهب والفضة، فمن عنده مائة وتسعون درهما وتسعة عشر دينارا فلا زكاة عليه. عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: ((قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل ٤٠ درهما درهما، وليس في ١٩٠ درهم شيء، فإذا بلغت ٢٠٠ ففيها خمسة)) . رواه أصحاب السنن. أما عروض التجارة فتقوم ويؤدى ثمنها عينا فضة أو ذهبا أو ما يقوم مقامهما من الأوراق البنكية التي يتم بها التبادل في أرجاء العالم الإسلامي.

стр. 3140

زكاة المزروعات وما تنتجه الأرض: يجب في زكاة ما تنتجه الأرض العشر فيما يسقى بالمطر والأنهار والعيون، ونصف العشر فيما يسقى بالآلات؛ أخذا من حديث سيدنا عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عشريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر)) . وفي رواية أبي داود: أو كان بعلا العشر، ((وفيما سقي بالسواني نصف العشر)) والأنواع التي تزكى من المزروعات فقد اختلف العلماء في أمرها. فعن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ﵄ أن النبي ﷺ قال لهما: ((لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة؛ الشعير والحنطة والزبيب والتمر)) . رواه الطبراني والحاكم. وعن معاذ ﵁ قال: "أما القثاء والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ ". وقال مالك في موطئه: الحبوب التي فيها الزكاة الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والجلبان واللوبيا والجلجلان وما أشبه ذلك من الحبوب التي تصير طعاما. وروى ابن حزم في المحلى أن الإمام مالكا قال: الزكاة واجبة في القمح والشعير والسلت وكلها صنف واحد، وفي العدس والسلت وفي الدخن والسمسم والأرز والذرة، وفي الفول والحمص واللوبيا والعدس والجلبان والبسيل والترمس وسائر القطنيات، ورأى الزكاة في حب العصفر وزيت الفجل. والزكاة في الزبيب وفي زيت الزيتون، ولم يرها في شيء من الثمار، كالتين والقسطل والرمان والجوز واللوز وما أشبهه هـ. وقال أبو حنيفة: الزكاة في كل ما أنبتت الأرض من حبوب أو ثمار أو نوار، حتى الورد والسوسن والنرجس وغير ذلك ما عدا الحطب والقصب والحشيش، مستدلا بعموم قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الأنعام: ١١٤. وكذلك ذهب الإمام أحمد إلى وجوب الزكاة في كل ما أخرجه الله من الأرض من الحبوب والثمار، مما ييبس ويبقى ويكال ويستنبته الآدميون في أراضيهم، سواء كان قوتا كالحنطة، أو من القطنيات أو من الأباريز: كالكزبرة والكروياء، أو من البذور كبذر الكتان والقرطم والسمسم، وتجب عنده أيضا فيما جمع وصفي للاقتيات والادخار؛ كالتمر والزبيب والمشمش والتين واللوز والبندق والفستق. وإذا كان سبب الخلاف بين قصر الزكاة على بعض الأصناف المذكورة في الأحاديث السابقة، وبين من رأى وجوبها في غيرها هو علة الاقتيات والادخار، فإن كثيرا من النباتات والثمار أصبح مدخرا وذا قيمة في الاقتيات والإنتاج، خصوصا وأن عموم اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أي يوم نضجه وجنيه.

стр. 3141

وكذلك قول الرسول ﵇: ((فيما سقت السماء العشر)) و " ما " من صيغ العموم كما هو معلوم. إذا كان الأمر كذلك فينبغي شمولها لكل ما يحقق انتفاع المزارعين مما تنبته الأرض، خصوصا وأن كثيرا من المزروعات كانت لا تدخر في الماضي ولا تستعمل إلا في الاقتيات الوقتي، وقد أصبحت اليوم تدخر بفضل التصنيع الحديث، وأصبحت لها أهمية كبرى في التغذية، كبعض البذور التي تنتج الزيوت، كبذور الكتان ونوار الشمس، وغيرها كثير. ولا يعقل أن تجب الزكاة في زيت الزيتون، ولا تجب في الزيوت الأخرى التي تستعمل في التغذية على نطاق واسع. وكذلك بعض الأنواع من الثمار مما أصبح يدخر ويغذي، وله أهمية قصوى في الاقتصاد الزراعي. والنصاب في كل نوع مما يدخر ويقتات به خمسة أوسق، وليس فيما دون ذلك زكاة؛ أخذا من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس في ما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)) . وإذا كانت نفقات تحويل بعض الخضروات الموقوتة إلى مدخرات مقتاتة، فإن ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر ﵃ من إسقاط النفقة الزائدة في الزراعة وإخراج الزكاة عن الباقي إذا بلغ النصاب. أو تقاس على ما فيه نصف العشر فتزكى كلها دون نقص، إن في ذلك ما يؤذن بإخراج الزكاة فيها، مع مراعاة ما ينفق عليها حتى تؤول إلى الادخار والاقتيات، وإذا كان القصد من فرضية الزكاة هو سد خلة الفقراء والمساكين، والأصناف المذكورين في الآية، فمن السداد أن تفرض الزكاة في كثير من المنتجات الزراعية، خصوصا وقد أصبحت أهميتها في الميدان الفلاحي تتزايد، والإقبال على إنتاجها كبير، مثل اللفت السكري وقصبه والقطن والبطاطس والطماطم، وكذا الفواكه كالبرتقال والتفاح والإجاص وما شابهها.

стр. 3142

وإذا كانت هذه الأشياء لا تكال فإن زكاتها تتعلق بالقيمة، فيقاس ما لا يكال على ما يكال، وينظر في أمره بلوغ النصاب لاعتبار الأقل كالشعير والحنطة مثلا. وهناك بعض المنتوجات تستعمل قبل يبسها وثبتت أمر وجوب الزكاة فيها مثل التمر والعنب، فعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا بامرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ : ((اخرصوا لها. وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق فقال: لها: عشرة أوسق. فقال لها: أحصي ما يخرج منها)) . رواه البخاري فهذا يدل على ثبوت الزكاة في هذا قبل تمام نضجه وجنيه وكيله، فسلك به ﷺ طريق الخرص، وهو تقدير إنتاجه من لدن الخبراء. وهناك زكاة العسل، وقد اختلف فيها العلماء. فقال بعضهم: فيها زكاة، وقال آخرون: لا زكاة فيها، واستدل القائلون بزكاة العسل بحديث عبد الرحمن المتعي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلا. فقال ﷺ : ((أد العشور)) . قال: قلت: يا رسول الله، احمها لي. قال: فحماها لي. وفي رواية: احم لي جبلها. فحمى لي جبلها. ومعلوم أن تربية النحل اليوم أصبحت عملا مثمرا، يهتم به الفلاحون، ويستثمرون منه أموالا كثيرة، ومن المصلحة أن يؤدي أصحابها العشور، مصداقا لهذا الحديث الذي أخذ به الأحناف والحنابلة وأيدوا صحته بعدة آثار يقوي بعضها بعضا. أما النصاب فيه، فعندما يبلغ عشرة أفراق، والفرق ستة عشر رطلا عراقيا، أي مائة وستون رطلا.

стр. 3143

زكاة الأنعام: الأنعام هي الإبل والبقر والغنم: الضأن والمعز، ويشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ النصاب وأن يحول عليها الحول، وأن تكون سائمة، والسائمة هي التي ترعى من الكلأ المباح في أكثر الأيام، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وقال الشافعي: إن علفت قدرا تعيش بدونه وجبت فيها الزكاة، وإن كان قوتها علفا فلا زكاة فيها. وقال مالك والليث: فيها الزكاة مطلقا سائمة أو معلوفة. والنصاب يختلف من نوع لآخر. وتعد فيه الحملان والعجول والفصلان. وهو في الإبل خمسة. وفيها شاة. فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان إلى خمسة عشر، ففيها ثلاث، وفي عشرين أربع شياه، أما إذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض أو ابن لبون، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون، وفي ستة وأربعين حقة، وفي واحد وستين جذعة. وفي ٧٦ بنت لبون، وفي واحد وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين، فإن زادت ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، والحقة هي التي أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، والجذعة هي التي أتمت أربع سنوات ودخلت في الخامسة. والنصاب في البقر ثلاثون ليس دونها شيء، ومن بلغت أبقاره ثلاثين ففيها تبيع، وهو ما له سنة، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، وهي التي لها سنتان، ولا شيء في الوقص، وهو ما بين العددين، فإذا كثرت فذاك نصابها، في كل ثلاثين تبيع، وكل أربعين حقة. والنصاب في الغنم بنوعيه الضأن والمعز فليس فيها زكاة حتى تبلغ أربعين، وفيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا بلغت واحدا وعشرين ومائة ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا بلغت مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإن زادت على ذلك ففي كل مائة شاة. والمقبول في الضأن الجذع، وفي المعز الثني، ويؤخذ الوسط، فلا يلزم الخيار، ولا تقبل العجفاء، ولا شيء في الوقص، وهو ما بين العددين مما سلف ذكره في أنصبة الأنعام، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس، ولا مريضة؛ فقد قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لم يسألكم خيار أموالكم ولم يأمركم بشرارها)) .

стр. 3144

٣- فرضية الزكاة ودليلها أوجب الله على الأغنياء صدقة لفائدة الفقراء هي الزكاة. تؤخذ من أموال الأثرياء وتدفع للمحتاجين؛ تحقيقا للتضامن الذي أوجبه الله على المسلمين ليتم بذلك تلاحم المجتمع الإسلامي وترابطه. ويتحقق التكافل والتعاطف حتى يكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أو كالبنيان يشد بعضه بعضا. ودليل وجوب الزكاة قول الله تعالى للرسول ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة التوبة: ١٠٣، وقد ورد الأمر بها مقرونا بالصلاة في اثنتين وثمانين آية من كتاب الله تعالى، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ البقرة: ٤٣ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ سورة الحج ٧٨، ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سورة الأحزاب: ٣٣. أما دليلها من السنة فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة نقتصر على بعضها اختصاراَ. ففي صحيح الإمام البخاري أول كتاب الزكاة حديث عبد الله بن عباس ﵄، أن النبي ﷺ بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن فقال له: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) . وحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله ﷺ : ((في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء)) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود. وحديث أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة. قال النبي ﷺ : ((تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) وقد أجمع أئمة الإسلام على وجوب الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام المهمة؛ لأنها تطهر النفوس من الشح وتطهر المال مما يمكن أن يلتصق به من شوائب، قد لا يعلمها صاحب المال.

стр. 3145

٤- المسؤول عن إخراج الزكاة وحكم مانعها الزكاة ركن من أركان الإسلام الواردة في قول رسول الله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا)) . وإذن فمالك المال المأمور بتحقيق هذه الأركان هو المسؤول عن تنفيذ الزكاة، والذي يثاب إذا فعلها على وجهها المشروع، أو يعاقب إذا أخل بأدائها أو امتنع عنها، ومن ثم فرب المال هو المسؤول الأول عن أداء ما عليه من صدقة يعدها ويضعها في مكانها الذي شرعت له، وعلى الصفة التي أقرها التشريع الإسلامي. فإن لم يفعل أثم وألزم بأدائها من لدن الإمام. فإذا وضعها في يد من شرعت لهم برئت ذمته، وإذا أخذها الإمام منه برئت ذمته.. لحديث أنس ﵁ أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : ((إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ قال: نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها)) رواه الإمام أحمد.. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)) . متفق عليه. وعن وائل بن حجر ﵁ قال: ((سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا، ويسألون حقهم؟ فقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم)) . رواه مسلم والترمذي.

стр. 3146

وقال النووي في المجموع: إن لم يبعث الإمام الساعي وجب على رب المال أن يفرق الزكاة بنفسه على المنصوص؛ لأنه حق الفقراء والإمام نائب عنهم، فإذا ترك النائب ذلك لم يتركه من عليه أداؤه. وبذلك تعين الأداء أولا على من عليه الحق، فإذا تم ذلك للإمام برئت ذمته. وإذا تم لأهله من الفقراء ومن ذكر معهم في الآية كلا أو بعضا برئت ذمته. وأما حكم مانعها فقد وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة، نذكر منها ما يلي: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ التوبة: ٢٤. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سورة آل عمران: ١٨٠. وحديث أبي ذر ﵁ قال: ((انتهيت إليه يعني النبي ﷺ فقال: والذي نفسي بيده - أو قال: والذي لا إله غيره - ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها حتى يقضي الله بين الناس".)) أخرجه البخاري في الزكاة، ومسلم في باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة. وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان.. يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك.. ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ )) آل عمران: ١٨٠. وأخرج الدارمي في سننه حديثا مطولا بمعنى حديثي أبي ذر وأبي هريرة.. تحت رقم: ١٦٢٥. ومن امتنع من أداء الزكاة وهو مقر بها فإنه آثم ولا يحكم بردته، وعلى الإمام أن يأخذها منه قسرا، وكذلك إذا امتنع قوم من أدائها فإن على الإمام أن يأخذها ولو أدى ذلك إلى قتالهم؛ عملا بقول رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)) .

стр. 3147

مصارف الزكاة: مصارف الزكاة هي الأصناف الثمانية التي ذكرها الله في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالحق اقتضت حكمته تفضيل بعض الناس على بعض في شؤون الحياة والمال، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ النحل: ٧١. فجعلهم سبحانه سواء في الانتفاع به، ولكنهم في الملك والتصرف متفاوتون اختبارا لهم جميعا وامتحانا، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ الأنبياء: ٣٥. وحتى لا يؤدي هذا التفاوت إلى خلل وفتنة بين الناس وإلى وجود ما عرف في اصطلاح العصر بالطبقية المتصارعة.. طبقة المترفين المتخمين المسرفين، وطبقة المحرومين والمسحوقين، وحتى لا يظل النزاع والصراع بين الطرفين على أشده، فرض الإسلام الصدقة على الأغنياء لترد على الفقراء، وبذلك يخف مفعول الفوارق المادية بين أعضاء المجتمع الإسلامي، فتنمو العواطف والشفقة والرحمة المتجلية في العطاء والبذل من جانب إلى آخر، ويسري الحب بينهما بدل الحقد والحسد الذي يؤججه الحرمان في بعض النفوس، وبذلك يقوى التضامن والتكافل بين جميع أصناف البشر. ولم يكتف الإسلام بهذا القدر المفروض فحث على البذل والإنفاق، وفرض أنواعا أخرى من الأداءات غير الزكاة، وفي مناسبات شتى مما وصف بعضه بأنه كفارة أي أنها تكفر الذنوب وتمحوها، مثل كفارة الإفطار في رمضان عمدا وكفارة اليمين الغموس، والقتل الخطأ وغير ذلك مما يحدث للناس في سلوكهم ومعاملاتهم وعبادتهم. ويجب التعريف بكل صنف من الأصناف الواردة في الآية الكريمة بعد البحث عما تفيده أداة الحصر التي افتتحت بها الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ . وهذا معناه أن ما جاء بعدها ينحصر في الأفراد المذكورين وهم الثمانية.

стр. 3148

واختلف العلماء في لام ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ هل هي للملك أو للمحل؟ فعلى أنها للملك فيجب إعطاء كل صنف حظه من الصدقة، ولا يجوز إعطاؤها لصنف دون آخر، وعلى أنها للمحل؛ أي: أن الأصناف الثمانية محل توضع فيه الصدقة، ففي أي صنف منها وضعت الصدقة أجزأت، قال بالأول الشافعي، ويسانده ما ذهب إليه حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن الصدقات فقال له رسول الله ﷺ : ((إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك)) . رواه أبو داود والدارقطني. وذهب الإمام مالك وغيره إلى أنها للمحل؛ أي: أن الأصناف المذكورة في الآية محل توضع فيه الزكاة وتصرف له، وفي أيها وضعت أجزأت مستدلين بقول الله سبحانه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ البقرة: ٢٧١. وبحديث: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم.)) وقد اختلف العلماء في توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية الذين خصصتهم الآية الكريمة بها: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، والأرقاء، والغارمين، وسبيل الله، وابن السبيل، فالإمام مالك يرى أن للمنفذ للصدقة أن يجتهد ويتحرى موضع الحاجة من الأصناف المذكورة، ويقدم الأولى من أهل الخلة والفاقة، وله أن ينظر في ذلك كل عام، ويضعها فيمن يراه أشد احتياجا من غيره، وهو قول عمر وعلي وحذيفة وابن عباس ﵃.

стр. 3149

وقال الإمام الشافعي: يجب صرفها إلى الأصناف جميعهم إن وجدوا، فإذا كان المالك هو الموزع سقط نصيب العاملين عليها، وبقي السبعة الآخرون، وهكذا يسقط نصيب كل صنف لم يوجد، ولا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده، وقال أبو حنيفة: هو مخير يضعها في أي صنف شاء. وقال بعض العلماء: إذا كان المال كثيرا يحتمل القسمة قسمه على جميع الأصناف، وإن كان قليلا جاز أن يعطي للبعض دون البعض، وسبب الخلاف يرجع إلى اللفظ ومعارضته للمقصود الذي هو سد الخلة لدى المحتاجين، فمن نظر إلى اللفظ وقال بأن اللام تفيد الملك، قال بتعميم الأصناف الثمانية أو من وجد منهم على الأقل، ومن نظر إلى الهدف من التشريع ورأى أن اللام للمحل وليست للملك، قال: يجوز وضعها في صنف أو أصناف دون تعميمها على الأصناف الثمانية. ولعل مستند القائلين باجتهاد الموزع لها بتحريه الأحوج فالأحوج أن الله تعالى جعل الصدقة مختصة بالأصناف الثمانية غير جائزة لغيرهم، وهذا الاختصاص لا يستلزم قسمتها عليهم بالسوية، فمن وجبت عليه زكاة ووضعها في أي صنف من هؤلاء المستحقين فإنه يكون بذلك قد قام بما وجب عليه وبرئت ذمته، وكذلك إذا أعطاها للساعي المعين من طرف الإمام والله أعلم.

стр. 3150

الفقراء والمساكين اختلف العلماء ... لغويون وفقهاء ... في الفرق بين الفقير والمسكين، فذهب بعضهم إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين، فالفقير هو الذي له بعض ما يكفيه، والمسكين الذي لا شيء له، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهاب، وقال آخرون: إن المسكين أحسن حالا من الفقير، مستدلين بما روي عن النبي ﷺ أنه استعاذ من الفقر، بينما روي عنه ﷺ أنه قال: ((اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع المساكين.)) وهو استدلال معقول ومقبول، لو كان المسكين أشد فقرا من الفقير، لما استعاذ النبي ﷺ من هذا وطلب أن يعيش في الحالة الأخرى مسكينا ويموت مسكينا، ولا شك أن دعاءه مستجاب، وقد قبض ﷺ وله مال مما أفاء الله عليه، واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ الحشر: ٨. ولا شك أن الذي أخرج من دياره وماله لم يبق منه شيء، ولذلك سماهم الله فقراء.. فصح أن الفقير الذي لا يملك شيئا أصلا. وقيل: إن الكلمتين بمعنى واحد، وإنما جاءت كلمة المساكين تأكيدا، فالمساكين هم الفقراء الذين يتعففون عن السؤال، ولا يفطن لهم لتحملهم وصبرهم وظهورهم بمظهر القناعة وعدم الاحتياج، ويؤيد هذه النظرية حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان.. إنما المسكين الذي يتعفف واقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ )) البقرة: ٢٧٣. وفي لفظ آخر: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان.. ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) . رواه البخاري ومسلم. وإلى هذا ذهب أصحاب مالك وهو قول الشافعية أيضا.

стр. 3151

الحد الأدنى للفقر والمسكنة اختلف العلماء في الحد الأدنى للفقر والمسكنة الذي يجوز معه أخذ الصدقة، فقال مالك: من له دار سكنى وخادم لا يستغني عنهما يعطى من الزكاة. وقال أبو حنيفة: من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم فلا يأخذ من الصدقة؛ لقوله ﷺ : ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم)) .. فاعتبر من يملك نصابا غنيا لا يجوز له أن يأخذ الصدقة، وقال الشافعي وأبو ثور: من كان قويا على الكسب والاحتراف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام. محتجا بحديث النبي ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني ولا ذي مرة سوي.)) رواه أبو داود والترمذي والدارقطني عن ابن عمر ﵄. روى جابر ﵁ قال: جاءت لرسول الله ﷺ صدقة.. فركبه الناس فقال: ((إنها لا تصلح لغني صحيح ولا لعامل.)) رواه الطبراني. وعن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: "أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه فرفع بصره وخفضه فرآنا جلدين فقال: ((إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)) رواه أبو داود. وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: إذا كان الرجل قويا محتاجا، ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأه عن المتصدق. وحمل الحديث السابق على المسألة أي أن القوي لا يجوز له أن يسأل، والله أعلم.

стр. 3152

الذين لا يجوز أن تعطى لهم الصدقة لا يجوز إعطاء الصدقة لبني هاشم؛ لحديث رسول الله ﷺ : ((إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)) ، وحديث أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي ﷺ : (( ... كخ.. كخ ليطرحها)) وقال: ((أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟)) متفق عليه. ولا يجوز إعطاء الصدقة للكافر؛ أخذا من قول النبي ﷺ : ((تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.)) ، ويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم؛ إذ يجوز أن يمنحوا من الصدقة؛ فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بذمي طاعن في السن عاجز عن العمل، وهو يستجدي، فسأله عن حاله.. ولما علم أنه محتاج وأنه من أهل الذمة أمر له بما يسد عوزه، ولا يجوز إعطاء الصدقة لمن تلزم نفقتهم للمصدق كالزوجة والأبوين والأبناء. العاملون عليها (أي على جمع الزكاة) عندما يتولى الإمام جمع الزكاة يكلف ذلك رجالا من عماله، وهؤلاء يجوز أن يأخذوا أجورهم من الزكاة ولو كانوا أغنياء، إذا لم يأخذوا أجورهم من ميزانية الدولة، شريطة أن يكونوا مسلمين؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، ورجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها، فأهدى منها لغني.)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم ... ومن أصاب شيئا زائدا على أجره من العاملين فهو غلول منهي عنه ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . آل عمران: ١٦١.

стр. 3153

المؤلفة قلوبهم كل من رأى فيه الإمام نفعا للإسلام والمسلمين إذا أعطاه من مال الصدقة يستميله بذلك للدخول في الإسلام، إن كان ما زال على كفره، أو ليطمئن إلى إسلامه إن كان حديث عهد بالإسلام، أو رجل له نفوذ في قومه يستميله وقومه للدخول في دين الله.. وذلك أخذ من عمل الرسول ﵇ حيث أعطى صفوان بن أمية عطاء كبيرا بعد غزوة حنين وقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر، والله لقد أعطاني النبي ﷺ وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ ((أن النبي ﷺ لم يكن يسأل شيئا عن الإسلام إلا أعطاه.. فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.)) ومذهب أبي حنيفة أن حظ المؤلفة قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته. أما المالكية والحنابلة والشافعية فيقولون بتأليف القلوب على الإسلام في كل زمان، وذلك عند الحاجة إليه، ولعله في هذا الوقت بالذات يفيد.. خصوصا في البلاد ذات الأقلية المسلمة والتي توجد تلك الأقليات المسلمة في حالة تهاجم فيها من لدن طوائف المنصرين وغيرهم من أصحاب المذاهب المنحرفة عن الإسلام؛ كالقاديانية والبهائية وغيرها، ولا شك أن استعمال أموال الزكاة في هذا الميدان له تأثير عظيم في تثبيت الكثيرين من البسطاء على دينهم، وعلى المسؤولين من المسلمين أن يجتهدوا في الأسلوب الذي يجب العمل به، والمقدار الذي يعطى من مال الصدقات لتثبيت الإيمان في قلوب هؤلاء.

стр. 3154

وفي الرقاب وهو يشمل المكاتبين والأرقاء وافتكاك الأسرى من أيدي الكفار؛ وذلك أخذا من قول رسول الله ﷺ عندما أتاه رجل فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني من الجنة ويبعدني من النار. قال: ((أعتق النسمة، وفك الرقبة)) .فقال: يا رسول الله، أوليس واحدا؟ قال: ((لا، عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها)) . رواه أحمد والدارقطني. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة كلهم حق على الله عونه.. الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح المتعفف.)) رواه أحمد وأصحاب السنن. واختلف العلماء في المراد من قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فقال الشافعي وأبو حنيفة: إن المراد به المكاتبون يعطون من مال الصدقة ما يحقق حريتهم التي كاتبوا عليها. وقال مالك وأحمد وأبو ثور: المراد بذلك شراء رقاب وعتقها؛ لأن المكاتب قد يعان ولا يتم عتقه إلا عندما لا يبقى في ذمته درهم، ولأن المكاتب داخل في الغارمين.. والظاهر أن اللفظ يشمل الأمرين: شراء الرقبة وعتقها، ومساعدة المكاتب على فك رقبته، والله أعلم.

стр. 3155

الغارمون الغارمون هم الذين استدانوا لأغراض مشروعة؛ كالإنفاق على من تجب نفقته على المستدين أو من ضمن دينا فلزمه الوفاء به أو تحمل حمالة لإصلاح ذات البين، وما أشبه ذلك، فهؤلاء يأخذون من الصدقة ما يوفي ديونهم، وذلك أخذا من حديث رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : ((تصدقوا عليه. فتصدق الناس عليه، فلم يبلغوا بذلك وفاء دينه.. فقال النبي ﷺ لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذاك.)) وحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا تحل المسألة إلا لثلاث: لذي فقر مدقع.. أو لذي غرم مفظع.. أو لذي دم موجع.. .)) وهو الذي تحمل دية عن قريبه أو صديقه. وحديث قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها.. ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا.))
следующие страницы →