← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

قال الونشريسي في المعيار لما تكلم على ما إذا ضاق الجامع بأهله: والحكم في ذلك وجوب الزيادة في الجامع حتى يحمل أهله , فإن كان ما حواليه من الربع والعقار مملوكًا , أجبر أربابه على بيعه بالقيمة , رشيدًا كان المالك أو سفيهًا , كما يجبر على بيع الماء لمن به عطش , وهذا هو المعروف؛ لأن أصل الشريعة المعظمة القضاء للعامة على الخاصة كما في هذه المسائل , والقاعدة في اجتماع الضررين وتقابلهما , أن يسقط الأصغر للأكبر , ولا أكبر من ضرر الذي لا بدل له , والمال عنه بدل , وهي القيمة , وقد أنزلها الشرع منزلة المقوم , فلا حيف على أرباب الدور ولا شطط في كل ما جاء من هذا النمط وإن كان ما حوالي المسجد الجامع حبسًا فإنه يؤخذ جميعه أيضًا لتوسعة المسجد. ونقل ابن رشد أن مالكًا وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين لم يختلفوا فيه. وقال مطرف: وإذا كان النهر بجنب طريق عظيم من طرق المسلمين التي يسلك عليها العامة فحفرها حتى قطعها فإن السلطان يجبر أهل تلك الأرض التي حولها على بيع ما يوسع به الطريق أحبوا أم كرهوا. قال ابن الماجشون في مقبرة ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله: لا بأس أن يوسع المسجد ببعضها؛ لأن المقبرة والمسجد حبس للمسلمين. وفي نوازل سحنون: لم يجز أصحابنا بيع الحبس بحال إلا دارًا بجوار مسجد احتيج أن تضاف إليه ليوسع بها , فأجازوا ذلك. وقال ابن جزي في قوانينه: والعقار لا يجوز بيعه إلا المسجد تحوط به دور محبسة , فلا بأس أن يشترى منها ليوسع به , والطريق كالمسجد في ذلك. والبرزلي في نوازله ينقل الفتوى عن شيخه ابن عرفة بجواز بيع الحبس إذا لم يصبح ذا نفع وعدد مسائل حدثت بتونس أفتى فيها ابن عرفة بالبيع.

стр. 3537

فالمذهب المالكي حصل به الاتفاق تقريبًا على عدم جواز بيع الحبس حتى وإن خرب , والإمام سحنون يقول: "لم يجز أصحابنا بيع الحبس بحال. ومعلوم أن ذلك لحرمة الوقف وصونه واحترام إرادة الواقفين ومع ذلك فقد حصل الاتفاق الكامل على جواز هذا البيع إذا كان ذلك لمرفق عام يهم مصالح جماعة المسلمين كتوسعة المسجد والطريق وإنشاء مراكز حربية دفاعية عن حرمة المسلمين وما شابه ذلك من المرافق العامة التي ينتفع بها المسلمون بصفة عامة شاملة والتي يمكن القياس عليها عند حدوث الأقضية ونزول المشاكل والدوافع ومن باب أحرى إذا كانت الحاجة والمصلحة داعية لنزع الأملاك غير المحبسة من أربابها لفائدة المرافق العامة. وهذا هو أيضًا رأي الحنفية في الموضوع. يقول العلامة الزيلعي شارح الكنز عند الحديث عن الوقف: "إذا ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه بالقيمة كرهًا , لما روي عن الصحابة في هذا الشأن " (١) وما استعرضناه سابقًا من آراء الفقهاء مع اختلاف مذاهبهم يتلاءم في قواعده العامة ومبادئه الواسعة الشاملة مع ما شرحنا آنفًا في شأن الملك والمصلحة وترابطهما برباط متين. تراتيب النظم الحديثة الوضعية للانتزاع جاء الفصل ٥٧ من القانون العقاري القانون العقاري وضعته لجنة من علماء وفقهاء الزيتونة وصدر به أمر ١٩ رمضان ١٣٠٢ الملاقي ١٢ جوان ١٨٨٥. وهو يتكون من ثلاثمائة وواحد وثماثين فصلًا تتعلق بالعقار وحقوقه وكل ما يتصل به. وقد دام العمل بهذا القانون حتى عوضته وحلت محله مجلة الحقوق العينية المعمول بها الآن الصادرة في ١١ شوال ١٣٨٤ الملاقي ١٢ فيفري ١٩٦٥. والانتزاع أفرد بقوانين خاصة حسبما نراه فيما بعد. وقانون الحالة المدنية التونسي القديم المؤرخ في ٢٧ رمضان ١٣٠٣ الملاقي ماي ١٨٨٦ المشتمل على أربعين فصلًا تخص الولادة والزواج والوفاة والذي نص على ابتداء العمل به في أكتوبر ١٨٨٦ (٣محرم ١٣٠٤) جاء ناصا بفصليه ١١و١٢ على موضوع الانتزاع. التونسي الموضوع ١٣٠٢ /١٨٨٥ قائلًا:

стр. 3538

"لا يجبر أحد على التنازل عن ملكه إلا لمصلحة عامة , ولا يقع إكراهه على ذلك إلا بحسب القوانين الموضوعة لأخذ الملكية جبرًا". ولما كانت القاعدة العامة السائدة تنادي باحترام حق الملكية والسماح للمالك بالانتفاع بملكه وبالتصرف فيه بالطرق التي يختارها وبسائر أوجهها , فقد جاء الدستور التونسي ضامنًا حق الملكية صائنًا إياه من العبث والاعتداء رادعًا كل من يحاول فعل ذلك. الدستور التونسي الذي صدر به القانون عدد ٥٧ في ٢٥ ذي الحجة الحرام ١٣٧٨ الملاقي غرة جوان ١٩٥٧ جاء فصله السابع قائلًا: "يتمتع كل مواطن بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون , ولا يحد من هذه الحقوق إلا بقانون يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني والازدهار الاقتصادي وللنهوض الاجتماعي. وجاء الفصل ١٤ منه قائلًا: "حق الملكية مضمون , ويمارس في حدود القانون". والدولة المنبثقة عن الشعب بموجب هذا الدستور تسعى إلى رفع شأن المواطن من كافة النواحي والجهات من خلال تحسين وتحقيق صلاح ظروفه الصعبة والمحافظة على أمنه وصيانته وتعليمه وتيسير سبل ذلكم التعليم وتسيهله على كافة الناس حتى يكون في متناول الغني والفقير، الثري والمحتاج , لا فرق بين مواطن وآخر , ثم بناء سياسة عامة لإقامة السكن وترقيته وتسهيل أموره على كل المواطنين بجعل سياسة سكنية تسعى إلى إقراره وإسعاده.

стр. 3539

وهي كذلك تسعى إلى التنمية الشاملة في كل المرافق خاصة ما يتعلق بالنقل برا وبحرًا وجوا وبعث المشاريع الصناعية والفلاحية والتنموية حتى تجد كل يد عاملة شغلًا ترتزق منه وتستمد منه متطلبات الحياة خاصة القوت. والدولة والمقنن إزاء هذه التطلعات الاقتصادية والاجتماعية لحياة الشعب الذي تخدمه وتحكمه مضطرة لوضع بعض القيود في طريق الانتفاع المطلق بحق الملكية الفردية. والطريقة المثلى التي كان من الممكن الالتجاء اليها لتحقيق الوصول إلى الهدف بين الإدارة الممثلة للقانون والدولة وبين الفرد والمواطن الذي لزم تقييد حريته وسلب إرادته في شأن من شؤون حق تملكه المطلق هي المبادرة لطريقة العرض والطلب والمفاهمة لحصول الرضا على هذا القيد والحد والسلب والاتفاق على العقد وتوابعه وشرائطه وتنفيذه طبق أحكام القوانين المدنية وبحرها الواسع الشامل العميق الذي وإن تلاطمت أمواجه فهو الملاذ المنيع لكل متظلم. لكن النظرة قد تختلف والرغبة قد تشط وعقلية بعض الناس قد تنسيهم الصالح العام فلا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة الضيقة , والمال عزيز وقطعة من الكبد , وقد يرفض أحدهم أن يبيع داره أو حقله أو أرضه عن طوع واختيار لفائدة مرفق عام يراد تأسيسه أو توسعته أو إصلاحه ويتعذر ذلك دون ضم ملك هذا الأحد , ويكون الرفض لا لأن الثمن بخس وزهيد , ولكن قد يكون لأسباب تافهة خيالية ينظر إليها الرافض من زاوية لا يقدرها الناس ولا يعتبرونها؛ لأنها خيالية، لا تهم إلا خيال صاحبها كوجود بعض الآثار والذكريات العائلية التي لا قيمة لها تقدر وتوضع في الميزان إلا في خيال صاحبها ورقة عاطفته وجموحها إلى حب الذات فقط. والبيع الحر طبق القوانين المدنية قد تقف في وجهه وتحول دونه تصرفات فردية جامحة وعواطف شخصية طائشة وإرضاء الناس أمر لا يدرك.

стр. 3540

فاضطرت الدولة واضطر التشريع القانوني لإحداث الانتزاع بجميع كلماته الأربع حتى تتمكن الإدارة من تنفيذ سياستها الإصلاحية الاجتماعية والاقتصادية، وحتى الحربية دون عرقلة في السير أو صعوبة في التنفيذ , أما وقد أصبح الأمر بيدها , فلا بد من حفظ حقوق الأفراد بقوة القانون وحمايته وصونه ومراقبته. ومن هنا وفي ظل المبادئ الشرعية الإسلامية كان للنظام التونسي شرف السبق في تخطيط مخطط حافظ لكافة الحقوق وصائن للملك وحقوقه من أن تداس أو يعبث بها عند إرادة الانتزاع والأخذ للمصلحة العامة دون حصول الموافقة المسبقة من صاحب الشأن. ولحفظ هذه الحقوق وصونها وتحقيق المصلحة العامة كانت الدعائم التي اعتمدها المقنن لهذا النظام تعتمد على المبادئ التالية: ١) أن يكون الانتزاع الصادر من الإدارة بناء على أمر رئاسي أي: في أعلى مستوى تنظيمي. ٢) أن يشرح به الغرض الأساسي والمصلحة العامة من الانتزاع مع بيان المشروع المزمع إنجازه وتحقيقه في العقار المنتزع. ٣) أن يعوض صاحبه تعويضًا عادلًا لا غبن فيه. ٤) أن يتصل صاحبه بحقه في العوض مسبقًا. وهذه المبادئ العادلة بنفسها يجب لتحقيقها سلوك إجراءات وتطبيق معطيات رسمتها قوانين نشرحها فيما يلي: قانون الانتزاع التونسي هو قانون عدد ٨٥ المؤرخ في ٢ شعبان ١٣٩٦ الملاقي ١١ أوت ١٩٧٦ والمنشور بالرائد الرسمي عدد ٥١ , وقد جاء معوضًا للأمر القديم السابق عنه المؤرخ في ٢ صفر ١٣٥٨ الملاقي ٩ مارس ١٩٣٩.

стр. 3541

١) وقد نص الفصل الأول من قانون الانتزاع على: يتم الانتزاع للمصلحة العمومية بأمر يعين به المشروع المزمع إنجازه في العقار المنتزع. إذن فالانتزاع لا يكون إلا بأمر ولا يكون إلا للمصلحة العامة مع وجوب بيانها وإيضاحها في نفس الأمر حتى تحمى مصالح الناس أولًا ثم لفرض رقابة قضائية تمكن القضاء من التحري في وجود المصلحة العامة في هذا المشروع المزمع إنجازه والذي بينه أمر الانتزاع نفسه. والقضاء يقوم بناء على ذلك برقابة الإدارة في كيفية ممارسة نشاطها. وقرارات الانتزاع هي من قبيل القرارات الفردية أو الجماعية التي لا تكتسي صبغة ترتيبية , ومن ثم فإنه يصبح من الجائز الطعن فيها بالإلغاء. ونلاحظ هنا للمقارنة أن مجلة الأحكام العدلية نصت بمادتها ١٢١٦: "يؤخذ عند الحاجة ملك كائن من كان بالقيمة بأمر السلطان , ويلحق بالطريق العام , ولكن لا يؤخذ ملكه من يده ما لم يؤد إليه الثمن". وجاء في شرح هذه المادة للمرحوم علي حيدر: "يستملك ملك أي أحد بقيمته للمنافع العمومية كالمسجد والطريق ومسيل الماء ولو لم يرض صاحبه ببيعه". ثم أصدرت الدولة العثمانية التركية بعد المجلة نظما أخرى في الموضوع ترمي كلها إلى وضع قواعد للانتزاع. ومن ذلك مثلًا القرار المؤرخ في ٨ رجب ١٢٧٢/ ١٨٥٦ والقانون المؤرخ في ٢١ جمادى الأولى ١٢٩٦/ ١٨٧٩ والقانون المؤرخ ٧ ربيع الأنور ١٣٣٢/ ١٩١٤. وقد جاءت المادة ٨٠٥ من القانون المدني المصري قائلة: "لا يجوز أن يحرم أحد ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون وبالطريقة التي يرسمها ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل.

стр. 3542

والقانون الكويتي الخاص بنزع الملكية رقم ٣٣ سنة ١٣٨٤ / ١٩٦٤ جاء فصله الأول قائلًا: "نزع ملكية العقارات والأراضي والاستيلاء عليها مؤقتًا لا يكون إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل". وقد جاءت بهذا المبدأ - الانتزاع للمصلحة مقابل التعويض العادل - التقنيات العربية الأخرى مثل المادة ٧٢٢ من القانون السوري , والمادة ٨١٤ من القانون الليبي , والمادة ١٠٥٠ من القانون العراقي. (وكلهم من التشريع الإسلامي ملتمسون) . ٢) جاء القانون التونسي صونًا لحقوق الأفراد الذين انتزع ملكهم بفصله الثاني بوجوب التأمين المسبق قبل الحوز. "لا يمكن للمنتزع أن يحوز العقارات المنتزعة إلا بعد دفع غرامة عادلة أو تأمين مقدارها مسبقًا ". وقد استقر فقه القضاء الإداري على أنه حتى في صورة التأكد لا يمكن أن تحوز الإدارة العقار بمجرد صدور أمر الانتزاع , بل لا بد من اتصال صاحب العقار بالغرامة أو تأمين مقدار الغرامة الوقتية عند رفض صاحب الملك للغرامة المعروضة عليه. ذلك أن حوز العقار من طرف الإدارة يتنافى مع القاعدة الأساسية للانتزاع التي أشرنا إليها سابقًا. والمالك الذي انتزع عقاره لا يمكن أن يتضرر من الانتزاع , وهو وإن نقل الملكية بموجب أمر الانتزاع طبق الفصل الثاني إلا أنه يمكنه حبس العقار حتى يخلص في الغرامة خاصة , وأن الفصل ١٦ من قانون الانتزاع المتحدث عنه يقول صراحة: "يتوقف حوز المنتزع على دفع غرامة الانتزاع إلى المستحقين أو تأمينها". ٣) وقانون الانتزاع سمح للإدارة بحوز العقار المنتزع حالًا لكن تحت قيود وشروط تحمي حقوق المالك المنتزع عقاره. فقد نص الفصل ١٦ وما بعده من هذا القانون على أنه يمكن للإدارة طلب الحوز والقاضي المستعجل يعين لها المبلغ الذي يجب عليها تأمينه بعد إجراء اختبارات إذا تراءى له ذلك.

стр. 3543

وهذه النصوص جاءت - تشريعًا - حامية لحقوق الأفراد , لكن مع الأسف قد لا يرى التطبيق إلا مسايرة الإدارة في مطالبها باعتبار أن الأمر يتعلق بأمر وقتي لا نهائي. ومن المؤسف أن يحل الخبير محل القاضي في التقدير والاجتهاد , وقد تضيع بذلك الحقوق وتتلاشى , والأولى أن يعنى القضاء الاستعجالي بالأمر تماشيًا مع روح النص والمبادئ السامية المستوحاة من التشريع الاسلامي وقد جاءت حامية لحقوق الأفراد وساعية لتطييب خاطرهم وجبر جرحهم , فمنحتهم الضمانات الموصلة والحافظة. ومن المؤسف أن تقدير بعض الأراضي المنتزعة مثلا والمهيأة للبناء والسكن يقع على اعتبار أنها أراض فلاحية فتتغير القيمة تغيرًا جذريا كاملًا وتحصل المأساة بالنسبة للمالك. فالأجدر بالقاضي أن يتولى الأمر بنفسه , والقانون منحه ذلك وهو خبير عالم فقيه ثقة نزيه يصون الحقوق ويسعى لحفظها ولا تأخذه في الحق لومة لائم مستعينًا في عمله بذوي الخبرة والمعرفة للإرشاد لا للاعتماد , وبذلك يضع الأمور من أول وهلة في نصابها حتى يتصل كل ذي حق بحقه وعلى شفتيه ابتسامة الرضا تنسيه ألم الأخذ والانتزاع وحتى يقع تطبيق القانون تطبيقًا عادلًا من طرف قضاة عدول. ٤) والإدارة لا حق لها في منع المالك الذي انتزع عقاره من سحب الغرامة الوقتية أو سحب بعضها عن إذن المحكمة طبعًا وهذه لها حق الاجتهاد في الموضوع. وقد قضت المحكمة الإدارة في القضية الاستئنافية عدد ٨٠ في ١٣ مارس ١٩٨٠ بذلك تقول في أسانيد حكمها: "حيث إنه سبق لهذه المحكمة أن أقرت بأن التشريع المتعلق بالانتزاع من أجل المصلحة العامة لا يوجب تأخير تسديد الغرامة الوقتية من قبل المنتزع إلى فصل النزاع بصورة باتة. وحيث إن عمل هذه المحكمة جرى على تمكين المنتزع منهم باستخلاص جزء من الغرامة الوقتية في حدود العروض المبذولة من قبل الجهة المنتزعة.

стр. 3544

وحيث إن العروض إذا كانت بعيدة عن الواقع وغير جدية أو كانت مفقودة , فإنه يستحسن للمحكمة تحديد المبلغ الواجب تسديده مؤقتًا للمنتزع منه بمحض اجتهاد المحكمة. والمادة ٢ - ٣ من القانون الكويتي تحرم المالك الذي رفع أمره للقضاء من المال المعروض , تحرمه من سحب جزء من الغرامة المؤمنة لحين الفصل النهائي. ويتعرض السنهوري إلى أن القانون المتعلق بالانتزاع المصري لا يمنع من السحب وحصول ذي الشأن على المبالغ المقدرة من طرف الإدارة لكن إذا تعذر الدفع فإنها تشعر المالك بذلك. ويظهر أن فقه القضاء التونسي كان أفضل من جهة الإنصاف والعدل. ٥) وسيرًا على المبادئ العامة الحافظة لكافة الحقوق التي رسمها لنفسه قانون الانتزاع , فإنه جاء بفصله التاسع قائلًا: فإذا لم تستعمل العقارات المنتزعة في أشغال ذات مصلحة عمومية المنصوص عليها بأمر الانتزاع خلال أجل قدره خمسة أعوام من تاريخ أمر الانتزاع جاز للمالكين السابقين أو لمن أنجزت لهم منهم حقوق أن يطلبوا استرجاعها ما لم يقع الاتفاق على خلافه وذلك بشرط أن يقدموا مطلبًا كتابيا للمنتزع في بحر السنتين المواليتين لانقراض الأجل المشار إليه في هذا الفصل وإلا سقط حقهم ويجب عليهم عندئذ إرجاع كامل مبلغ الغرامة التي قبضوها. وفي صورة امتناع المنتزع أو سكوته فللمنتفعين أن يرفعوا القضية للمحاكم المختصة ". أي إلى المحكمة الابتدائية في الطور الابتدائي وأمام المحكمة الإدارية استئنافيا غير أنه لا يجوز مقاضاة الإدارة بحق الإلغاء.

стр. 3545

وهكذا نرى أن تأسيس الأخذ للمصلحة العامة مقابل التعويض العادل كان يعتمد في القانون التونسي المبادئ الفقهية التي شرحناها سابقًا وكذلك الإجراءات العدلية السابقة عنه والمبادئ العامة التي جاءت بها مجلة الأحكام العدلية أول من سعى لوضع المدونات القانونية هو الخليفة السلطان سليمان القانوني المولود سنة ٩٠٠ /١٤٩٤ والمتوفى سنة ٩٧٤ /١٥٦٦ فقد كلف شيخ الإسلام أبا السعود الآمدي فجمع عدة قوانين في مجموعة عرفت باسم قانون نامه , وكلف كذلك الشيخ إبراهيم الحلبي بأن يجمع أحكام الفقه في كتاب مختصر موحد , فلخص الشيخ الحلبي المسائل الواردة في كتب الحنفية في كتاب سماه (ملتقى الأبحر) , ولهذا الكتاب شرح اسمه الدر المنتقى شرح الملتقى. وفي عهد السلطان عبد العزيز خان وضعت مجلة الأحكام العدلية (أول مجلة) سنة ١٢٨٦ /١٨٦٩. ولهذه المجلة عدة شروح , أهمها شرح علي حيدر بالتركية ترجمة الأستاذ فهمي الحسيني إلى العربية. وهناك شرح لسليم باز اللبناني في جزأين طبع سنة ١٣٠٦/ ١٨٨٨ ببيروت بالمطبعة الأدبية , وهناك شرح آخر لها في جزأين بعنوان "مرآة المجلة " ليوسف آصاف , طبع بالمطبعة العمومية بمصر سنة ١٣١٢ /١٨٩٤. وابن النجيم صاحب الأشباه والنظائر هو زين العابدين بن إبراهيم بن محمد بن نجيم ولد سنة ٩٢٦ /١٥١٩ وتوفي سنة ٩٧٠ /١٥٦٣. فقيه حنفي مصري له كتاب الأشباه والنظائر وله كتاب (البحر الرائق في شرح كنز الدقائق) مطبوع في ٨ أجزاء , وله كتاب (الفتاوى الزينية) مطبوع أيضًا وهو صنو الفقيه الحنفي سراج الدين عمر المتوفى سنة ١٠٠٥ /١٥٩٦ , له شرح على الكنز سماه النهر الفائق. ولزين العابدين كتاب آخر هو رسائل ابن نجيم مطبوع أيضًا. وأما ابن السبكي فهو تاج الدين عبد الرهاب بن علي بن عبد الكافي المصري السبكي قاض فقيه مؤرخ باحث سكن مع والده العالم الفقيه دمشق وتوفي بها سنة ٧٧١/ ١٣٧٠ له عدة مؤلفات مطبوعة منها طبقات الشافعية الكبرى وكتاب (جمع الجوامع ومنع الموانع) وكتاب الأشباه والنظائر وكتاب التاج. والسيوطي هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضري السيوطي له مؤلفات بلغت فيما قيل ٦٠٠ مصنفًا , منها كتاب الأشباه والنظائر في العربية والنحو , وكتاب الأشباه والنظائر في الفقه الشافعي مطبوعان , ومنها بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة , توفي سنة ٩١١ /١٥٠٥ , أما المجلة المدنية التونسية فقد وضعت سنة ١٣١٤ /١٨٩٦ من طرف لجنة مؤلفة من شيوخ الزيتونة , وكان رئاستها لفضيلة المنعم المبرور شيخ الإسلام محمود بن الخوجة المتوفى سنة ١٣٢٩ /١٩١١ وهي معمول بها حتى الآن. في مبادئها العامة

стр. 3546

مثل: "هي مبادئ عامة مأخوذة من كتب الفقه خاصة الأشباه والنظائر في أصول الفقه لابن نجيم , وكذلك الأشباه والنظائر لابن السبكي في أصول الفقه أيضًا , وكذلك الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطي. وهذه المبادئ أخذت بها المدونة التونسية , وبنت عليها أحكامها. وخلاصة القول وفي ختامه فإن الانتزاع لا يكون حلالًا مباحًا إلا تحققت المصلحة العامة منه وخلص من كل شوائب المصالح الذاتية الفردية ونال صاحب الملك المنتزع تعويضًا عادلًا ومنصفًا عن حقوقه ومكاسبه المأخوذة والمنتزعة كل ذلك بالاتفاق والمراضاة أو بإشراف قضاء عادل يعتمد كافة المعطيات وصولًا إلى الحق. وفقنا الله لما فيه الصواب، وألهمنا لمزيد من شكره والثناء عليه بما هو أهله اعترافًا بنعمه التي لا تحصى ولا تعد. الدكتور محمود شمام

стр. 3547

الإسلام وانتزاع الملك للمصلحة العامة إعداد فضيلة الشيخ محمد الحاج ناصر بيانات لا بد منها: ا) لم نضع مسردًا لمصادر المراجع لضيق الوقت ونأمل أن نضعه عند تقديم البحث "كتابًا للنشر". ٢) أحلنا كل كلمة نقلناها عن غيرنا إلى مصدرها في تعليق جعلنا ترقيمه مسلسلًا. ٣) كذلك أحلنا كل حديث وكل أثر إلى مصادره. ٤) حرصنا على تخريج الأحاديث والآثار التي اعتمدناها مباشرة في هذا البحث تخريجًا يكاد يكون استقرائيا، أما تلك التي اعتمدها غيرنا ممن نقلنا كلامهم من صدور الأئمة والباحثين فقد اكتفينا بتخريجها من مصدر أو أكثر من المصادر المعتمدة حسب أهمية الحديث أو الأثر للبحث في رأينا، وأحلنا أحيانًا على "المزي" وكتابه تحفة الأشراف بيان مصادرها الأخرى وإن كنا غير مستريحين إلى الاقتصار على إحالات المزي؛ لأنه حصر مجاله في السنن الست مضافًا إليها السنن الكبرى للبيهقي، وقد نعود إلى الاعتماد على أنفسنا في تخريج تلك الأحاديث والآثار قبل تقديم الكتاب إلى النشر. هـ) لم نذكر الطبعات التي اعتمدناها موطنًا أو تاريخًا وتركنا ذلك إلى "المسرد" الذي سنضعه للمصادر والمراجع وهي على أية حال في أغلبها الطبعات المصورة المتداولة بين الناس وأكثرها من بيروت. ٦) لم نتخذ من كتب الفقهاء مصادر إلا ما كان من المحلى لابن حزم والتمهيد لابن عبد البر وما شاكلهما من المؤلفات التي تعتمد السنة ولا تخوض مع الخائضين في جدل الفقهاء وتصوراتهم الموغلة كثيرًا في الخيال لأننا لا نرى جدوى لمن يستنبط حكما شرعيًا من أن يوغل مع الفقهاء في معتسفاتهم. ونعتقد أن استنباط الحكم الشرعي لا يجوز أن يصدر إلا من الكتاب والسنة فإن تجاوزهما في حالات اضطرارية خاصة فإلى آثار الصحابة وفي أحيان قليلة إلى آثار كبار التابعين وليس معنى ذلك أننا لم نحاول الاستئناس بآراء الفقهاء وتطورها إنما معناه أننا لم نعتمدها إلا مرة أو مرتين استظهارًا لرأينا أو لموقفنا بقول رأيناه شريفًا جديرًا بالتقدير.

стр. 3548

٧) بالرغم من أننا رجعنا إلى عدد من كتب المعاصرين وبحوثهم المتصلة ببحثنا هذا , فإننا لم نر أية جدوى من الإحالة عليها أو على البعض منها إلا ما كان من تفسير التحرير والتنوير لأستاذنا العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ﵀ ومن تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا نقلا عن الشيخ محمد عبده , فكلا الكتابين مما لا يصنف مع كتب المعاصرين , وإنما يصنف مع كتب الأئمة الأول , لا سيما كتاب الشيخ ابن عاشور , فهو علم حتى بين كتب الأئمة الأول. على أنا نقلنا مرة أو مرتين من كتاب للشيخ محمد أبو زهرة وهو متميز عن غيره من المعاصرين كما نقلنا مرة كلامًا للدكتور فاروق النبهان إذ وجدناه جديرًا بالتميز عن غيره من كلام المعاصرين. ٨) والمنهج الذي التزمناه في هذا البحث وهو منهجنا في كل بحث شرعي لنا هو حصر الاعتماد في الاستدلال والاستنباط على الكتاب والسنة وآثار الصحابة وقليل من آثار كتاب التابعين وتوثيق كل كلمة اعتمدنا عليها ونقلناها ونقل ما ننقله من كلام غيرنا كاملًا بلفظه غير مبتور من أوله أو آخره؛ لأن نقل الجملة أو الفقرة منتزعة من سياقها يفقدها غالبًا دلالتها الكاملة , ثم إن بتر كلام الغير وإحالة القارئ إلى مصدره قد يحمل القارئ رهقًا من أمره , فمن المحتمل أن لا يكون المصدر متيسرًا له أو عند متناول يده وهو يقرأ وفي هذه الحال إما أن يعتمد النص المبتور , فيستعسر عليه اجتلاء الدلالة , وإما أن لا يعتمده فيستعسر عليه مسايرة النص الذي يقرؤه , وفي كلتا الحالتين إساءة إلى القارئ والمنقول عنه والنص المستدل به والموضوع المستدل له , لذلك اضطررنا إلى نقل صفحات كاملة من الوسيط للسنهوري الذي اعتمدناه وحده كمصدر قانوني إلى نقل قريب منها من بعض مصادر التفسير وحتى من بعض الأئمة الأول من الفقهاء؛ لأن نقلنا منها على طوله كان في تقديرنا ضروريًا للإحاطة بالمعاني التي نقلناه من أجلها. هذه بيانات ارتأينا من الضروري وضعها أمام القارئ بين يدي البحث لنجلو له ما يمكن أن يراه البعض نشازًا أو مأخذًا يأخذنا به ولكل واحد من قبل ومن بعد رأيه وتقديره , والله الموفق.

стр. 3549

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ علاقة الإنسان بالأرض الحمد لله، أحمده وأشكره , وأستعينه وأستغفره , وأستهديه وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أتخذ من هديها نبراسًا أسترشد به، ومن نورها سببًا استمد به التوفيق من الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، شهادة من أشرب قلبه بحبه، ووقف عقله عند هديه , لا تنصرف به الأوجه والآراء إلى مصارفها، ولا تنحرف به النحل والأهواء إلى مساربها. اللهم صل وسلم على من ختمت برسالته أسباب الاتصال المباشر بين الأرض والسماء، وجعلت شريعتك المنزلة إليه صفوة الشرائع المهيأة لتكون حكمك الباقي في الأرض إلى أن ترثها ومن عليها، وأنزلت عليه تعريفا بها وتمييزًا لها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١) وعلى آله وأصحابه الذين استجابوا لدعوة الحق , فكانوا جندك في نصرة الحق، وقادت البشرية كافة إلى سبل الحق، وعلى التابعين وتابعيهم وكل من سلك منهاجهم واتبع هديهم بإيمان وصدق، صلاة وسلامًا أتوسل بهما إليك، في دنياي، أن تجنبني مواقع الزلل، وتعصمني من أسباب الخطأ والخطل، وتجنبني الانحراف والتحريف، وتعصمني من نوازع الضلال والزيف. وفي أخراي أن تكون سببًا لي إلى عفوك وغفرانك، ووشيجة بيني وبين المصطفى الحبيب تميلني شفاعته وتبلغني تحت لوائه ما يطمع فيه كل مسلم قانت من رحمتك ورضوانك. وبعد: فهذه محاولة معجلة لاجتناء جوانب من موقف الإسلام من الملك، أستجيب بها إلى دعوة كريمة من مجمع الفقه الإسلامي الموقر، شاكرًا أجزل الشكر وأصدقه وأعمقه، أخي رفيق العمر الأستاذ العميد الدكتور الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة أن أحسن بي الظن، فوجهها إلي غير مشفق من قصوري وما قد يجلبه عليه من تبعات.

стр. 3550

وكنت حريًا أن أعتذر عن المشاركة في دورة "المجمع الموقر" هذه , تقديرًا لخطر التبعة وضعف الاستعداد، لولا أني أحببت أن أتخذ إسهامي وسيلة إلى أن أستزيد من العلم بالبحث في الموضوع الذي اخترته من موضوعات هذه الدورة، وبالاستماع إلى من سيتاح لي خلالها أن أجلس منهم مجلس التلميذ، يرى مجرد الجلوس إليهم شرفًا عظيمًا، فكيف بما سيفضونه علي من أقباس علومهم، ونوافح عقولهم، ونوافل نقولهم من فيوض عسى الله أن ينفعني بها فيما بقي من عمري وفيما أستقبل من آخرتي. ولقد آثرت موضوع "انتزاع الملك" على خطره وتشابكه تقديرًا لإلحاحه على حياة المسلمين منذ ما يقرب من نصف قرن وإلى أمد أحسبه سيطول إلى أن يتجلى لأولي الأمر في الأقطار الإسلامية منهاج الاقتصاد الإسلامي الحق، وينجلي عنهم الانبهار بما يتجاذبهم من الفتن الواردة من يمين ويسار، فيما يتحررون من أغلال التحجر والجمود على أوضاع وأعراف ومفاهيم، يزخر بها الفقه الإسلامي القديم، انعكاسًا لأطوار من الحضارة وأنماط من الحياة تجاوزتها البشرية اليوم في أطوار متلاحقة حتى لتكاد تنغمر معالم التواصل بين هذه وتلك من مراحل الحضارة والحياة، وتنطمس الأسباب ويوشك أن يتخذ الوضع الحضاري البشري والنمط الحياتي صبغة تنكر مظاهرها وظواهرها كل علاقة بالمراحل السالفة لحياة الإنسان , ذلك بأن ما يشهده المسلمون اليوم من حوافز إلى الانبعاث أخذ يتجاوز بسرعة تشاكل أو تكاد سرعة التطور الحضاري البشري نطاق مجرد الشعور الملتهب بضرورة الانبعاث وتجديد الحيوية إلى نطاق البحث عن الأسباب الواقعة والوسائل العملية الكفيلة بتحقيق التجدد والانبعاث، وما كانت الحياة البشرية منذ كانت منعزلة عن التأثير المادي في تكييفها وضبط مسيرتها وتحديد مسارها وتعيين مقاصدها، ولا يمكن أن تكون , فليس البشر ملائكة، ولا يمكن لحياتهم أن تكون إلا متأثرة متكيفة بالمؤثرات المادية والمقومات الروحية. والإنسان الذي خلق من الأرض وإليها يعود، حددت مهمته بأنها خلافة الله في الأرض، وحددت مسؤوليته بأنها عمارة الأرض. يقول الله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١) ويقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (٢) . ويقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٣)

стр. 3551

كما بينت معالم السداد لسلوكه في الأرض، واطلاعه بما وكل إليه من مهام ومسؤوليات بيانًا دقيقًا صريحًا ضابطًا في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) وما أحسب أحدًا يماري في أن المسلمين سيظلون يضطربون في شبه متاهة من سراب الأحلام وتهويمات العقول العشواء، والبصائر المضببة، ما لم ينصرفوا عن الانحباس في قمقم اجتهادات الفقهاء الأقدمين الذين تقطعت بيننا وبينهم أو أوشكت أن تتقطع أسباب التشابه بين أنماط الحياة وأطوار الحضارة، أو يتطلعون في لهث الملهاف إلى ما يتجاذبهم من يمين ويسار، من ألوان النحل والشرائع الوضعية، بعضها وضع لغيرهم ممن يختلف عنهم اختلافًا جذريًا، في البيئة المادية والروحية، وبعضها يبهرج ويزخرف ضلة بهم وانصرافًا عن هويتهم الحضارية وكيانهم العقلي والروحي، أملًا ممن يضعه في تخليد عبوديتهم وتأبيد تسخيرهم، إمابإبقائهم على ضلالة لا يكادون يهتدون لا إلى أسباب اللحاق به، ولا إلى سبل الاحتفاظ بهويتهم واستلهامها والاهتداء بها، وإما بالقضاء عليهم حين تتجاوزهم التطورات الحضارية تجاوزًا يقضي فيهم على كل عنصر من العناصر الأهلية للبقاء، ويقضي عليهم بشريعة البقاء للأصلح. وما أحسب أحدًا يماري أيضًا في أن قاعدة انصراف المسلمين عن هذه وتلك، من المثبطات أساسها أن يتأهلوا لاستئناف مهمتهم في خلافة الله في الأرض واستعادة الاطلاع بمسؤوليتهم في عمارتها عمارة تنهض على أساس من الأخذ بآخر ما انتهى إليه الفكر البشري من الألوان التقنية المختلفة، وعلى ضبط مسار تلك الألوان وتكييف مسيرتها وتحديد مقصدها، بالتصرف بها وفيها، طبقًا لمقتضيات (العمل الصالح) الجامع بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، والذي هدى إليه الله ووشج به وعده حين حدد شروط استخلافهم في الأرض في الآية الكريمة التي استلهمناها آنفًا، وفي قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢)

стр. 3552

٢ - الإنسان خليفة الله في الأرض. ذلك بأن الانبعاث الإسلامي حضاريا ودعوة، ما كان ليخرج أو يشذ عن السنن الإلهي لنشأة الإنسان كافة وتطوره، وهو أنه خُلِقَ من الأرض واستخلف في الأرض وعهد إليه بعمارة الأرض، وإنما ميزة المسلم عن غيره أنه ينهض بتبعة الخلافة عن الله، ومسؤولية العمارة لأرض الله مهتديًا بما أنزل على أصفيائه منه، من ضوابط السلوك وأحكام التصرف وشرائع التصريف، وفي ما عدا ذلك لا يختلف عن غيره من بني الإنسان، وهذا يعني أن المواءمة بين مقتضيات المواكبة الحضارية مع أبناء البشر كافة، وتصحيح المسار الحضاري وتكييفه طبقًا لمقتضيات الهدي الإلهي وتكليفه هي الفيصل بين ما هو من عمل الإنسان المسلم، لا يريد من أهله النشاز عن المسار العام للتطور البشري، إن يريد إلا أن يتولى ضبط المسيرة، وتحديد المسار وتكييف السير بضوابط العدالة وحدود الإنصاف وصيغة التوازن بين تعاليم السماء وسنن التطور في الأرض. ولعل مما يرشد إلى ذلك إيحاء أن الأرض مجردة ومضافة ورد ذكرها في القرآن حوالى (٤٦١) مرة (١) أغلبها كانت في معرض الاستدلال على عظمة الله وسعة ملكه وتعدد نعمه وتنوعها، وقليل منها كان منسوبًا إلى البشر إلى نسبة تكليف من الله أو نسبة ادعاء يكون في معظمه نمطًا من كفر النعمة وتحدي الرسالات الإلهية، فلم ترد الأرض مضافة إلى البشر إلا في نحو سبعة مواضع (٢) على حين وردت مع النهي عن الفساد أو البغي فيها والتنديد بالمفسدين والبغاة حوالي ست عشرة مرة (٣) ووردت في تحديد مهمة الإنسان باعتباره خليفة في الأرض وإبراز تبعة هذه الخلافة على عاتقه من حيث جسامتها ومعقباتها في نحو عشرة مواضع (٤) منها ما جاء فيه ذكر الأرض صريحًا , وما جاء في ذكرها فيه بمقتضى السياق.

стр. 3553

ولم يرد ذكر الأرض في القرآن الكريم متصلًا بكلمة "ملك" أو غيرها مما يدل على الملكية منسوبة إلى البشر إلا ما كان من ادعاء الكفار وهو ادعاء تدحضه بقية الآيات المتضمنة له (١) وجاء القرآن الكريم صريحًا في تحديد مهمة الإنسان في الأرض بأوضح وأدق من أنها خلافة الله فيه. فقال الله على لسان نبيه صالح ﵇ مخاطبًا ثمود ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٢) وهذا التحديد الواضح إلى جانب مهمة "الاستخلاف" الذي ورد بصيغ مختلفة في القرآن الكريم يميز - في تقديرنا - طبيعة علاقة الإنسان بالأرض كما يريد أن تكون، ويبرز أن كل علاقة لا تنضبط بضابط " الخلافة " و"الإعمار" ليست هي العلاقة التي أراد الله أن تكون بين الأرض والإنسان. وقد يكون مما يبرز هذا المعنى أن نتدبر أن كلمة "ملك" وما تصرف منها – باستثناء ما له علاقة بالملائكة - وردت في القرآن الكريم (١١٧) مرة، أغلبها يتصل بتأكيد ملكية الكون لله وحده في صيغ مختلفة , وعشرون منها مما له علاقة بالإنسان تتصل بملك اليمين من العبيد والإماء , وستة فحسب لها علاقة بالمال غير الأرض، وما من واحدة منها تنص على علاقة ملكية للإنسان بالأرض، ونحسب أن هذه الحقيقة جديرة بالتدبر والاعتبار وإن كانت لا تنهض نصًا على استنباط أي حكم حاسم فيما يتصل بتحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان والأرض، وجلي أن تحديد مهمة الإنسان بأنها خلافة الله في الأرض في عشر مواضع من القرآن الكريم كما ذكرنا آنفًا وإنعدام وصف علاقة الإنسان بالأرض بالملك أو الملكية أو بتعبير من هذا القبيل من القرآن الكريم، وتحديد مسؤولية الإنسان في خلافة الله في الأرض بأنها إعمارها، وليس امتلاكها , له دلالته التي لا ينبغي إغفالها عند تدبر التشريعات الواردة في الكتاب والسنة لضبط تصرفات الإنسان في الأرض طبقًا لمهمته ومسؤولياته.

стр. 3554

٣ - ملك، خلف، عمر، مال. لغة وشرعًا ولكي نتبين الفروق المتحتم استحضارها ونحن نتدبر ونستبين طبيعة علاقة الإنسان بالأرض وطبيعة التشريعات والأحكام التي تضبطها وتحدد مسارها وتعين مقصدها، يجب أن نميز بين دلالات كل من كلمة "ملك" و"خلف" وكلمة "عمر"، وكلمة "مال". - أ - ملك: قال ابن منظور وابن الأثير (١) وفي حديث أبي سفيان: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر يروى بضم الميم وسكون اللام وبفتحها وكسر اللام. ويقال: طالت مملكته وساءت مملكته وحسنت مملكته وعظم ملكه، وكثر ملكه. ابن سيده: الملك والملك والملك احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به، ملكه يملكه ملكا وملكا وملكا وتملكا، الأخيرة عن اللحياني لم يحكها غيره. وما له ملك وملك وملك وملك أي شيء يملكه، كل ذلك عن اللحياني. وهذا ملك يميني وملكها وملكها أي: ما أملكه. قال الجوهري: والفتح أفصح. وفي الحديث: كان آخر كلامه الصلاة والزكاة وما ملكت أيمانهم، يريد الإحسان إلى الرقيق، والتخفيف عنهم، وقيل: أراد حقوق الزكاة وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي كأنه علم بما يكون من أهل الردة، وإنكارهم وجوب الزكاة وامتناعهم من أدائها إلى القائم بعده , فقطع حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة، فعقل أبو بكر ﵁ حين قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. ابن السكيت: الملك وما ملك. يقال: هذا ملك يدي وملك يدي وما لأحد في هذا ملك غيري وملك، وقولهم: ما في ملكه شيء، أي: لا يملك شيئًا.

стр. 3555

وملك الولي المرأة وملكه وملكه: حظره إياها وملكه لها. وقال فيروز أبادي (١) ملكه يملكه مثلثة، وملكه محركة ومملكة بضم اللام أو يثلث، احتواه قادرًا على الاستبداد به وما له ملك مثلثة ويحرك وبضمتين شيء يملكه. ولي في الوادي ملك مثلثا ويحرك مرعى ومشرب ومال , أو هي البئر يحفرها وينفرد بها وقال الراغب الأصبهاني (٢) الملك هو المتصرف في الأمر والنهى في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، وبهذا يقال: ملك الناس ولا يقال: ملك الأشياء، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) تقديره الملك في يوم الدين، وذلك لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٤) والملك ضربان: ملك هو التملك والتولي، وملك هو القوة على ذلك تولى أو لم يتول. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ (٥) ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ (٦) فجعل النبوة مخصوصة والملك عامًا، فإن معنى الملك ههنا هو القوة التي يترشح بها للسياسة لأنه جعلهم كلهم متولين للأمر، فذلك مناف للحكمة كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء. قال بعضهم: الملك اسم لكل من يملك السياسة، إما في نفسه , وذلك بالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في غيره , سواء تولى ذلك أو لم يتول، على ما تقدم. قال تعالى: ﴿فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٧) والملك الحق الدائم لله , فلذلك قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ (٨)

стр. 3556

وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (١) فالملك ضبط الشيء، التصرف فيه بحكم، والملك بكسر الميم كالجنس للملك بضم الميم، فكل ملك بالضم ملك بالكسر، وليس كل ملك ملكا. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (٣) وقال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ (٤) وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ (٥) وفي غيرها من الآيات. والملكوت مختص بملك الله تعالى وهو مصدر ملك , أدخلت فيه التاء نحو: رحموت ورهبوت، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٧) والمملكة سلطان الملك وبقاعه التي يملكها، والمملوك يختص في التعارف بالرقيق من الأملاك، قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ (٨) وقد يقال: فلان جواد بمملوكه أي بما يتملكه. والملكة بكسر الميم تختص بملك العبيد، ويقال: فلان حسن الملكة أي الصنع إلى مماليكه.

стр. 3557

وخص ملك العبيد في القرآن باليمين. وقال تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) قال تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٣) ومملوك مقر بالموكلة والملكة والملك. وملاك الأمر: ما يعتمد عليه منه. وقيل: القلب ملاك العبد. والملاك التزويج. وأملكوه: زوجوه، شبه الزوج بملك عليها في سياستها. وبهذا النظر قيل: كاد العروس أن يكون ملكًا. وملك الإبل والشاء: ما يتقدم ويتبعه سائره تشبيهًا بالملك. ويقال: ما لأحد في هذا ملك وملك غيري. قال تعالى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ (٤) وقرئ بكسر الميم. - ب - خلف: وقال ابن منظور (٥) استخلف فلان من فلان: جعله مكانه. وخلف فلان فلانا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٦) ويقال: خلفت فلانا أخلفه تخليفًا، واستخلفته أنا جعلته خليفتي، واستخلفه جعله خليفة. والخليفة الذي يستخلف من قبله، والجمع خلائف. وقال ابن الأثير (٧) وفي حديث أبي بكر: "جاء أعرابي , فقال له: أنت خليفة رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قال: فما أنت؟ قال: أنا الخالفة بعده) . الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده، والهاء فيه للمبالغة، وجمعه الخلفاء على معنى التذكير , لا على اللفظ، مثل ظريف وظرفاء , ويجمع على اللفظ خلائف، كظريفة وظرائف.

стр. 3558

وقال الراغب الأصبهاني (١) خلف فلان فلانًا قام بالأمر عنه , إما معه , وإما بعده. قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٢) والخلافة النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه , وإما لموته , وإما لعجزه , وإما لتشريف المستخلف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (٣) وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (٤) وخلفاء جمع خليف. قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ (٦) - ج - عمر: وقال فيروز أبادي (٧) .... وعمر الله منزلك عمارة وأعمره جعله آهلًا والرجل ماله وبيته عمارة وعمورًا ألزمه، وعمر المال نفسه كنصر وكرم وسمع عمارة صار عامرًا، وأعمره المكان واستعمره فيه جعله يعمره , والعمر كسكن المنزل الكثير الماء والكلأ، وأعمر الأرض وجدها عامرة، وعليه أغناه، والعمارة ما يعمر به المكان، وبالضم أجرها , وبالفتح كل شيء على الرأس من عمامة وقلنسوة وتاج وغيره كالعمرة. وقال الراغب الأصبهاني (٨) عمر: العمارة نقيض الخراب، يقال: عمر أرضه يعمرها عمارة. قال تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٩) وقالوا: عمرته فعمر فهو معمور. قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ (١٠) وقال: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (١١) وأعمرته الأرض واستعمرته إذا فوضت إليه العمارة. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (١٢)

стр. 3559

وقال اليزيدي (١) ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٢) جعلكم عمارها. يقال: أعمرته الدار أي: جعلتها له أبدا. وقال أبو عبيدة (٣) استعمركم مجازه: جعلكم عمار الأرض، يقال: أعمرته الدار، أي: جعلتها له أبدًا وهي العمرى، وأرقبته: أسكنته إياها إلى موته. - د - مال: قال ابن منظور وابن الأثير (٤) قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم. ويقال: تمول فلان مالا إذا اتخذ قينة، ومنه قول النبي ﷺ : ((فليأكل منه غير متمول مالا وغير متأثل مالا)) والمعنيان متقاربان. قال ابن الأثير: وقد تكرر ذكر المال على اختلاف مسمياته في الحديث ويفرق فيها بالقرائن. ومال أهل البادية النعم. وقال فيررز أبادي (٥) المال: ما ملكته من كل شيء، جمع أموال.

стр. 3560

وقال عياض (١) قوله: فلم تغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال، المتاع والثياب كذا رواية يحيى بن يحيى وكافة رواة الموطأ. وفي رواية ابن القاسم: إلا الأموال والمتاع. بواو العطف، وعند القعنبي نحوه , قيل: دليل أن العين لا يسمى مالا , وهي لغة دوس , وإنما المال عندهم ما عدا العين، وغيرهم يجعل المال العين، قال ابن الأنباري: ما قصر عن الزكاة من العين والماشية فليس بمال. وقال غيره: كل ما تمول فهو مال. وهو مشهور كلام العرب وليس في قوله: إلا الأموال. دليل لغة دوس لأنه قد استثنى الأموال من الذهب والفضة , فدل أنها منها , إلا أن يجعله استثناء منقطعًا , فتكون "إلا" هنا بمعنى "لكن"، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٢) وقوله: فلك في الأموال، يريد الحوائط. وقوله: إضاعة المال , قيل: يريد الممالك من الرقيق وسائر ما يملك من الحيوان , ونهى عن تضييعهم كما مر في غير هذا الحديث بالرفق بهم، وقال: وما ملكت أيمانكم. وقيل: إضاعة المال ترك الإصلاح به والقيام عليه، وقيل: وإنفاقه في غير حقه من الباطل والسرف , وقال مالك وسعيد بن جبير: هو إنفاقه فيما حرم الله، وقيل: إضاعته إبطال فائدته والانتفاع به. قوله: غير متمول مالا. أي: غير مكتسب منه مالا وغير مستكثر منه , كما قال: غير متأثل في الرواية الأخرى. ٤ - التطور القانوني والتاريخي لمفهوم الملكية وعلى ضوء هذه التعريفات اللغوية والشرعية للكلمات الأربع التي عرضنا لها في الفقرة السابقة، نتدرج إلى بيان علاقة الإنسان بالأشياء التي ملكها الشارع له , أو استخلفه عليها أو استعمره فيها أو جعلها مالا له. وهذه العلاقة هي ما أطلق عليه الفقهاء والقانونيون كلمة "الحق".

стр. 3561

والحق: كما عرفه السنهوري (١) : "مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون". ولو بهذا التعريف يخرج منه فيما يتعلق بتحديد علاقة الحق بالشخص الذاتي أو المعنوي من حيث إنها متمثلة في "الملكية" أو "الملك" بمختلف دلالاتها ما يتصل بالحقوق العامة والحقوق المتعلقة بالأحوال الشخصية , لأنها وإن كانت حقوقًا، ليست بذات قيمة مالية " (٢) وقبل أن ننتقل إلى تقسيم الحق إلى شخصي وعيني، نشير إلى الفرق بين الحق والرخصة، فالحق هو ما عرفناه , أما الرخصة: فهي مكنة واقعية باستعمال حرية من الحريات العامة أو هي إباحة يسمح بها القانون - أو الشرع أو كلاهما - في شأن حرية من الحريات العامة. ذلك أن الشخص في حدود القانون - أو الشرع أو كليهما - له حرية العمل والتنقل والتعاقد والتملك وغير ذلك من الحريات العامة. فإذا وقفنا عند واحدة من هذه الحريات , حرية التملك مثلًا، أمكن أن نقول في سبيل المقابلة بين الحق والرخصة: إن حرية التملك رخصة , أما الملكية فحق. وما بين الرخصة والحق توجد منزلة وسطى، هي أعلى من الرخصة وأدنى من الحق. ونستبقي مثلنا السابق، وهو حرية التملك. فحق التملك وحق الملك، الأول رخصة , والثاني حق، وما بينهما منزلة وسطى , هي حق الشخص في أن يتملك. فلو أن شخصًا رأى دارًا أعجبته ورغب في شرائها، فهو قبل أن يصدر له إيجاب البائع بالبيع، كان له حق التملك عامة في الدار وفي غيرها، فهذه رخصة. وبعد أن يصدر منه قبول بشراء الدار صارت له ملكية الدار، وهذا حق. ولكنه قبل القبول وبعد الإيجاب في منزلة وسطى بين الرخصة والحق بالنسبة إلى الدار، فهو من جهة ليس له فحسب مجرد الرخصة في تملك الدار كغيرها من الأعيان التي لا يملكها، وهو من جهة أخرى لم يبلغ أن يصبح صاحب الملك في الدار، بل هو بين بين , له أكثر من رخصة التملك , وأقل من حق الملك , له الحق في أن يتملك، إذ يستطيع بقبوله البيع، أي: بإرادته وحده أن يصبح مالكًا للدار (٣) وليس يعنينا في هذا البحث موضوع الحق الشخصي إلا في حالات ثانوية سنلم بها في مواضعها.

стр. 3562

الحقوق العينية الأصلية على رأس هذه الحقوق حق الملك وجميع الحقوق الأصلية الأخرى متفرعة. فحق الملك هو الحق العيني الكامل، وقد تتجزأ عناصره، فتتفرع عنه حقوق عينية تعتبر بالنسبة إلى حق الملك بمثابة الجزء من الكل. فالملك التام هو ملك الرقبة ومنفعتها معا. ويتفرع عنه ملك المنفعة وحدها وملك الرقبة وحدها، وحقوق الارتفاق. حق الملك التام الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تصرفا مطلقا فيما يملكه عينا ومنفعة واستغلالا، فينتفع بالعين المملوكة وبغلتها وثمارها ونتاجها، ويتصرف في عينها بجميع التصرفات الجائزة. ونرى من ذلك أن عناصر حق الملك في الفقه الإسلامي كما هي في الفقه الغربي ثلاثة: ١) الانتفاع بالعين المملوكة ٢) الانتفاع بالغلة والثمار والنتاج، وهذا هو الاستغلال. ٣) التصرف في العين. وليس حق الملك مطلقا كما توهم العبارة المذكورة آنفا، بل هو حق مقيد بوجوب عدم الإضرار بالجار. للمالك أن يتصرف كيف شاء في خالص ملكه الذي ليس للغير حق فيه فيعلي حائطه، ويبني ما يريده ما لم يكن تصرفه مضرا بالجار ضررا فاحشا. وعرف الضرر الفاحش بأنه ما يكون سببا لوهن البناء أو هدمه أو يمنع الحوائج الأصلية , أي المنافع المقصودة من البناء، وإما ما يمنع المنافع التي ليست من الحوائج الأصلية , فليست بضرر فاحش. ويزال الضرر الفاحش سواء كان قديمًا أو حديثًا.

стр. 3563

إذا كان العين مشتركا بين اثنين أو أكثر، فلكل واحد من الشركاء حق الانتفاع بحصته والتصرف فيها تصرفا لا يضر الشريك، وله استغلالها وبيعها مشاعة حيث كانت معلومة القدر بغير إذن الشريك. حق المنفعة الانتفاع الجائز هو حق المنتفع في استعمال العين واستغلالها ما دامت قائمة على حالها وإذا لم تكن رقبتها مملوكة، فحق المنفعة يختص بعنصرين من عناصر الملكية الثلاثة، الاستعمال والاستغلال، وقد يقتصر على الاستعمال فتسمى المنفعة بحق الاستعمال , وقد يقتصر الاستعمال على السكن , فيسمى ذلك بحق السكنى، ومن ثم يقترن عادة حق المنفعة بحق الاستعمال وحق السكني. وأسباب ملك المنفعة ثلاثة: العقد والوصية والوقف. حق الرقبة ويوجد هذا الحق حيث ينتزع حق المنفعة من الملك التام، فتبقى الرقبة على ملك صاحبها الأصلي، ويملك المنفعة شخص آخر غير مالك الرقبة. ومالك الرقبة لا يجوز له أن ينتفع بالعين ولا أن يتصرف في منفعتها، إذ المنفعة في ملك غيره كما تقدم. وكذلك لا يجوز له أن يتصرف في الرقبة ذاتها إلا بإذن صاحب المنفعة , فإن مالك الرقبة يعود له الملك التام على العين.

стр. 3564

حق الارتفاق وتسمى بالحقوق المجردة , وقد عرف بأنه حق مقرر على عقار لمنفعة عقار شخص آخر. ومن حقوق الارتفاق الشرب والمجرى والمسيل والمرور والتعلي والجوار. فالشرب هو نوبة الانتفاع بالماء سقيًا للأرض أو الشجر أو الزرع. وحق المجرى هو حق مرور مسقى في أرض الجار لتصل إلى أرضه. وحق المسيل هو حق مرور مصرف في أرض الجار لصرف الماء الزائد عن الحاجة أو غير الصالح. وحق المرور هو حق مرور الإنسان إلى ملكه من طريق خاص في ملك غيره , وحق التعلي هو أن يكون الإنسان محقًا في أن يعلو بناؤه بناء غيره. ويتحقق ذلك في دار لها سفل لمالك الدار وعلو لمالك آخر. وحق الجوار هو أن لا يضر الجار بجاره ضررًا فاحشًا. وحقوق الارتفاق محصورة عند الحنفية في الحقوق المتقدمة الذكر. وعند المالكية هي غير محصورة: فيجوز إنشاء حقوق ارتفاق اتفاقية بالعقد، ويمكن على هذا النحو الاتفاق على ارتفاق بعدم العلو بالبناء إلى أكثر من بعد معين أو على ارتفاق بالبناء في رقعة محدودة. وقال في الوسيط (١) الأساس الذي يقوم عليه حق الملكية ومشروعية هذا الحق: حق الملكية من أوسع الحقوق العينية نطاقًا، بل هو جماع الحقوق العينية، ومنه تتفرع جميعًا، فمن له حق الملكية على شيء كان له حق استعماله وحق استغلاله وحق التصرف فيه، ولذلك يستجمع كل السلطات التي يعطيها القانون للشخص على الشيء، فإذا اقتصر حق الشخص على استعمال الشيء واستغلاله كان هذا حق انتفاع متفرعًا عن حق الملكية، وإذا اقتصر حقه على استعمال الشيء لحاجته الشخصية وحدها، أو اقتصر حقه على السكنى دون أي وجه آخر من وجوه الاستعمال.

стр. 3565

كان هذا حق استعمال أو حق سكنى وكلا الحقين متفرع من حق الملكية. وإذا اقتصر حقه على استعمال الشيء على وجه معين أو الحصول منه على منافع معينة كان هذا حق ارتفاق، هو أيضًا متفرع من حق الملكية. وإذا اقتصر حق الشخص على التصرف في الشيء جبرًا على المالك لاستيفاء حقه متقدمًا على غيره من الدائنين كان هذا حق رهن أو حق اختصاص أو حق امتياز، وكلها حقوق تبعية إذ هي تكفل الدين فهي تابعة له، وهي أيضًا متفرعة من حق الملكية. فالمالك إذن يستطيع أن يفعل في ملكه ما يشاء , إلا ما ينهى عنه القانون، أما صاحب أي حق عيني آخر , فلا يستطيع أن يفعل في الشيء إلا ما نص عليه القانون، ولا يستطيع أن يفعل أي شيء آخر. وقد استتبع اتساع نطاق حق الملكية إلى هذا المدى البحث عن مشروعيته والأساس الذي يقوم عليه، فاختلفت المذاهب والأنظار في ذلك. فبعض يذهب إلى أن الملكية الفردية تقوم على القانون الطبيعي، ولكن لو كانت الملكية الفردية تقوم على القانون الطبيعي , لوجدت في كل الأزمان والعصور، وسنرى أنها إنما كانت ثمرة تطور طويل , ولم تكن موجودة من قبل. وبعض يذهب إلى أنها تقوم على الاستيلاء، فمن وضع يده على مال ملكه , وبقي مالكًا له , وانتقل منه إلى ورثته، ولكن الاستيلاء كسبب من أسباب كسب الملكية الفردية يفترض أن ضرورة الملكية الفردية كانت موجودة قبله، حتى يصح أن يكون الاسيتلاء سببًا في كسبها، وهناك من يذهب إلى أن الملكية الفردية تقوم على النفع الاجتماعي لتفوقها على جميع نظم الملكية الأخرى، إذ المجتمع الذي يمارس الملكية الفردية أرقى بكثير من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية من المجتمع الذي لا يمارسها. ولكن ذلك يفترض أن المجتمع كان بالخيار بين الملكية الفردية والملكية غير الفردية , فاختار الملكية الفردية لنفعها.

стр. 3566

والصحيح أن الملكية الفردية لم تكن نتيجة مقارنة واختيار، بل كانت ثمرة تطور طويل ظل أحقابًا عديدة حتى انتهى إليها. وسنرى فيما يلي كيف تطورت الملكية. وإذا أريد للملكية الفردية أن تقوم على أساس مشروع، فخير أساس لها هو العمل. فالعامل يكسب أجر عمله، وهذا الكسب الحلال هو بذرة الملكية الفردية. ومتى سلمنا بأن الفرد له حق مشروع في كسب عمله، فقد سلمنا بمشروعية الملكية الفردية. هذا الكسب الذي جناه الفرد ثمرة لعمله هو ملك له , وينبغي أن يستأثر به دون غيره، فقد كسبه بعرق جبينه وبكده، ولا يوجد كسب حلال لكسب العمل، ولا حافز على العمل أفضل من الكسب الحلال. وإذا قلنا: من حق الفرد أن يستأثر بكسب عمله , فقد أثبتنا له حق ملكية فردية على هذا الكسب، ومن حقه إذن أن يستمتع بجميع عناصر حقه , فينتفع به استعمالا واستغلالا. ويتصرف فيه , وهو لا يزال حيا، وينتقل منه إلى ورثته بعد موته، هذه هي عناصر الملكية الفردية، لا مناص من التسليم بها متى ما سلمنا بمبدأ الملكية الفردية في ذاته. وإذا كان الملك ينتقل في بعض الأحيان إلى ورثة لا يستحقونه ولم يكسبوه بعملهم هم. فهذه ضرورة لا معدى منها، ويعوض عنها ما تؤيده الملكية الفردية من حافز على العمل. على أن المالك إذا انتقل إلى ورثة لا يستحقونه ايلبث أن ينتقل من أيديهم وينتقل إلى أيد أصلح. فالعمل إذن هو الأساس المشروع الذي تقوم عليه الملكية الفردية، وما الملك إلا الأجر واستحقه الأجير، وينبغي أن يعطى إياه قبل أن يجف عرقه. وقد نقلنا هذا البحث الدقيق كله لما اشتمل عليه من عناصر وأحكام سنعود إليها أثناء هذا البحث استنادًا أو تحليلًا. واستقراء للعناصر الضرورية لتعريف حق الملكية في الوقت الراهن، لا مناص من تتبع نشأته ومسايرة تطوره.

стр. 3567

فنبقى مع السنهوري إذ يقول (١) : "ذهب كثيرون من الباحثين إلى أن الملكية بدأت أولًا ملكية جماعية، يشترك فيها جميع أفراد القبيلة , ولا يستأثر بها أحد منهم، فكانت الأرض والأسلحة والعدد بوجه خاص مملوكة ملكية جماعية للقبيلة في الحضارة البدوية. ولما استقرت الجماعات في الأرض، وتطورت الحضارة من حضارة بدوية تقوم على رعي المواشي إلى حضارة زراعية تقوم على زراعة الأرض، تطورت الملكية مع تطور الحضارة , فأصبحت ملكية عائلية. وانتهت الملكية بعد تطور طويل إلى أن تكون ملكية فردية، ولكن مع بقاء بعض آثار الملكية العائلية كالميراث والنصاب الذي يجب أن يستبقى للورثة دون أن تجوز الوصية فيه. وإذا تابعنا التطور التاريخي لحق الملكية في غرب أوروبا منذ عهد الرومان إلى نشوب الثورة الفرنسية وصدور التقنين المدني الفرنسي، وجدنا أن هذا الحق لم يبق على وتيرة واحدة، بل إنه تطور تطورًا غير مطرد. فتبسطت الملكية ثم تعقدت، ثم عادت إلى التبسط، لتعود بعد ذلك إلى التعقيد، وتنتهي أخيرًا إلى التبسط. ففي العهود الرومانية القديمة كانت الملكية جماعية وعائلية، وكانت فردية في بعض الأشياء الاستثنائية المحددة كالمنقولات والعبيد، وكان معنى الملكية يختلط بالمعنى الديني وبمعنى سيادة الدولة. ولما قوي سلطان الدولة قامت الملكية العامة وبدأ معنى الملكية الفردية يظهر على الأراضي التي كانت الدولة تقطعها للأفراد في صور مختلفة. وانتهى الأمر في العهد الكلاسيكي إلى ظهور الملكية الفردية ظهورًا كاملًا مع دعمها على أسس قوية. وإلى جانب هذه الملكية الفردية المبسطة ظهرت في الأقاليم ملكية أخرى معقدة وهي الملكية البريطورية أو الملكية غير الرومانية، حيث تقوم ملكية الدولة فوق ملكية الفرد في الأرض الواحدة، وأخذت هذه الملكية الجديدة تتبسط شيئًا فشيئًا، وتختفي فيها ملكية الدولة ويغلب حق الفرد، حتى أصبحت في عهد جيستنيان ملكية فردية تامة على غرار الملكية الرومانية.

стр. 3568

ولكن ما لبثت العصور الوسطى والعادات الجرمانية أن عقدت الملكية الفردية من جديد، وكانت الملكية في العادات الجرمانية ملكية فردية في المنقولات وفي منزل السكنى جماعة في الأراضي الزراعية. وفي عهود الإقطاع بعد أن هدأت الحروب وتوطدت السلطات المركزية، سادت الملكية الإقطاعية في الأرض، وقامت الملكية الفعلية إلى جانب الملكية الأصلية. وتجردت الملكية الأصلية شيئًا فشيئًا عن معاني الملكية، وأصبحت الملكية الحقيقية في يد صاحب الملكية الفعلية، وتمثلت الملكية الأصلية في بعض مزايا وخدمات وأعطيات يؤديها التابع أو الحائز وهو صاحب الملكية الفعلية إلى السيد , وهو صاحب الملكية الأصلية. ولم تعد الملكية في الواقع من الأمر إلا ملكية فردية واحدة، هي ملكية التابع أو الحائز أي الملكية الفعلية، وآلت الملكية الأصلية إلى أن تكون مجرد تكاليف تثقل الأرض , وأقرب إلى أن تكون حقا من حقوق الارتفاق. ثم نشبت الثورة الفرنسية، واكتسح الفلاحون في الأقاليم قصور النبلاء، وحرقوا السجلات التي تتضمن ما لهؤلاء النبلاء من حقوق وتكاليف على الأرض، بل وحرقوا معها في بعض الأحيان القصور ذاتها وقتلوا النبلاء أصحاب هذه القصور، ونادوا بتحرير الأرض من كل التكاليف والحقوق الإقطاعية. وفي ليلة ٤ أغسطس سنة ١٧٨٩، بعد هدم الباستيل بأقل من شهر، أقرت الجمعية الوطنية قانونًا يقضي بإلغاء الإقطاع إلغاء تاما، وتخلصت ملكية الأرض من جميع أثقالها الإقطاعية وأصبحت ملكية خالصة لصاحبها، بل "أصبحت" حقا مقدسًا لا يجوز انتهاك حرمته، لا يجوز حرمان صاحبه منه، إلا إذا قضت بذلك في وضوح ضرورة من مصلحة عامة ثبتت قانونًا، وبشرط تعويض عادل يدفع مقدمًا (م: ١٧ من إعلان حقوق الإنسان) . وفي دستور سنة ١٧٩١، في المادة ٨٧ منه، وصف حق الملكية بأنه حق مقدس لا يجوز انتهاك حرمته.

стр. 3569

وسرت روح الثورة فيما يتعلق بحق الملكية إلى التقنين المدني الفرنسي، فعرفته المادة: ٥٤٤ من هذا التقنين بما يأتي: "الملكية هي الحق في الانتفاع بالشيء وفي التصرف فيه على نحو أشد ما يكون إطلاقًا، بشرط ألا يستعمل الشيء على وجه يحرمه القانون أو اللوائح". وقال بورتاليس في صدد هذه المادة: "لقد اعتبر دائما مبدأ من المبادئ الحرة أن الملكية الفردية في التقنين المدني تدخل ضمن النظم الطبيعية، بل النظم الإلهية، وأن حقوق الملاك على أملاكهم هي حقوق مقدسة يجب أن تحترمها الدولة نفسها". التطور التاريخي لحق الملكية في البلاد الإسلامية وفي مصر واستمرارا لقوله ما جاء في هذه الفقرة: "حق الملكية في المنقول اعترف به اعترافًا كاملًا في جميع البلاد الإسلامية وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. أما الأراضي فكانت قسمين: ١) أرضًا عشورية، وهي مملوكة ملكية تامة لأصحابها، وتدفع العشر عينًا مما تغله للإمام (أي الدولة) , وتشمل جميع الأراضي الواقعة في الجزيرة العربية إذ لا يقبل فيها إلا الإسلام، والأراضي التي أسلم أهلها طوعًا , فتبقى لهم ويدفعون عنها العشر، والأراضي التي فتحت عنوة وقهرًا وقسمت بين الغانمين المسلمين , فهؤلاء يملكون الأرض بقسمتها بينهم ويدفعون عنها العشر. ٢) أرضا خراجية وهذه تدفع الخراج للإمام ويتراوح بين الخمس والنصف بحسب تقدير الإمام.

стр. 3570

وتشمل الأرض الخراجية الأراضي التي فتحت عنوة وقهرًا (في غير الجزيرة العربية) وتركها الإمام في يد أصحابها وضرب عليها الخراج بحسب تقديره، والأراضي التي لم تفتح عنوة وقهرًا , بل سلم أهلها صلحًا، يضرب عليها الخراج بحسب عهد الصلح. والأرض الخراجية في الأرض المفتوحة صلحًا تكون ملكيتها بحسب الوارد في عهد الصلح، فقد يرد في هذا العهد أن تترك الملكية لأصحابها , فتكون لهم عليها ملكية تامة ولا يلتزمون إلا بدفع الخراج للإمام، وقد يرد في عهد الصلح أن الأرض تكون وقفًا , ولا يكون لأصحابها عليها إلا حق الانتفاع بها في نظير دفع الخراج. أما في البلاد المفتوحة عنوة وقهرًا، فللإمام الخيار بين جعل الأرض وقفًا وترك حق الانتفاع بها لأصحابها في نظير دفع الخراج وبين ترك ملكية الأرض لأصحابها يملكونها تامة ولا يلتزمون إلا بدفع الخراج. ولما فتح العرب مصر، أقروا المصريين على أراضيهم , ولم تنزع منهم، وأصبحت أراضي خراجية يلتزم أهلها بدفع خراجها. ولما كان المصريون لا يملكون رقبة الأرض منذ حكم الرومان ومن قبلهم من الفاتحين، بل منذ عهود الفراعنة، فإن العرب اعتبروا أن رقبة الأرض قد انتقلت إلى الدولة الجديدة , وقد حلت في ذلك محل الدولة البيزنطية، وبقي لأصحاب الأراضي حق الانتفاع بها في نظير دفع الخراج. ثم عاد فعرف حق الملكية في الوسيط بقوله (١) " ... إن حق ملكية الشيء هو حق الاستئثار لاستعماله واستغلاله والتصرف فيه على وجه دائم، وكل ذلك في حدود القانون ". ثم قال (٢) "لمالك الشيء، ما دام ملتزمًا حدود القانون أن يستعمله وأن ينتفع به، وأن يتصرف فيه دون أي تدخل من جانب الغير بشرط أن يكون ذلك متفقًا مع ما لحق الملكية من وظيفة اجتماعية". ثم قال (٣)

стр. 3571

" ... الصفة الاجتماعية لحق الملكية هي المتغلبة في التقنيات الجديدة، وهي التي تمثل النزعة الحديثة في تطور حق الملكية , فليس هذا الحق مطلقًا لا حد له، بل هو وظيفة اجتماعية يطلب إلى المالك القيام بها، ويحميه القانون ما دام يفعل. أما إذا خرج على هذه الحدود، فلا يعتبره القانون مستحقا لحمايته. ويترتب على ذلك نتيجتان: (١) حيث يتعارض حق الملكية مع مصلحة عامة , فالمصلحة العامة هي التي تقدم. (٢) حيث يتعارض حق الملكية مع مصلحة خاصة هي أولى بالرعاية من حق الملكية , فإن هذه المصلحة هي التي تقدم بعد أن يعوض المالك تعويضًا عادلا". ونواصل مع السنهوري ملاحقته القيمة لما صار إليه حق الملكية من تمايز بين ما هو من خصائصه وما هو من وظيفته , فننقل من "الوسيط" قوله (١) "الملكية حق ذاتي في عناصره وخصائصه: الملكية حق ذاتي كسائر الحقوق، بل هي أكثر الحقوق عناصر، وأشملها خصائص. فالملكية حق ذاتي في عناصره. وقد قدمنا أن المالك له سلطة ذاتية على الشيء الذي يملكه، وسلطته على الشيء هي أوسع السلطات، فله أن يستعمل الشيء في شؤونه الخاصة، ويستعمله على الوجه الذي يقدر أنه نافع له. وله أن يستغل الشيء إرضاء لمصالحه الشخصية، ووفاء بحاجاته الذاتية. وله أن يتصرف في الشيء بجميع أنواع التصرفات، فله أن ينقل ملكيته إلى غيره بمقابل أو بغير مقابل، وله أن يرتب حقوقًا متنوعة على الشيء، من حق انتفاع إلى حق ارتفاق إلى حق رهن إلى غير ذلك من الحقوق. وله أن يغير من معالم الشيء، وأن يزيد عليه، وأن ينتقص منه، بل له أن يستهلكه وأن يتلفه وأن يعدمه، كل ذلك سعيًا وراء مصالحه الشخصية، ووفاء بحاجاته الخاصة، فالملكية إذن كسائر الحقوق، حق ذاتي من حيث عناصره، بل هو أكثر الحقوق الذاتية عناصر كما سبق القول. والملكية حق ذاتي في خصائصه. وقد قدمنا أن الملكية حق جامع، فيجمع المالك في يده جميع السلطات على الشيء، على النحو الذي رأيناه. ومن المالك تستمد كل سلطة على الشيء، وما لم يثبت أجنبي أنه استمد سلطة معينة بموجب إرادة المالك أو بموجب حكم القانون، فهذه السلطة للمالك , لا لأحد غيره. وقدمنا أن الملكية حق مانع، فيستأثر المالك بالشيء وحده , وليس لأحد أن يشاركه فيه.

стр. 3572

وهذه الذاتية في حق الملكية تعتبر من مقوماته، وخصائصه البارزة. فإذا كان الشيء المملوك أرضًا فضاء، كان للمالك أن يسورها وأن يمنع دخول الغير فيها، حتى لو لم يصبه من دخول الغير ضرر. ولا يجوز لأحد أن يشارك المالك بغير إذنه في استعمال الشيء، أو في استغلاله، أو في التصرف فيه , والملكية أخيرًا حق دائم. وتتميز الملكية بالدوام عن أي حق ذاتي آخر , فكل حق - عينيا كان أو شخصيا - هو حق مؤقت , أو يمكن أن يكون مؤقتًا، وذلك فيما عدا حق الملكية , فإنه يدوم ما دام الشيء المملوك. وهذا وحده كاف لنطبع الملكية بطابع ذاتي، إذ يستطيع المالك، ومن بعده خلفاؤه، أن يستأثروا بالشيء المملوك. ويبقون مستأثرين به، إلى أن يهلك الشيء أو يتلف. ومن ثم كانت دعوى الاستحقاق غير قابلة للسقوط بالتقادم، وكذلك لا يجوز أن تقترن الملكية بأجل. الملكية حق ذاتي ونطاق الملكية يتسع، حتى ليشمل سطح الأرض وما فوقها وما تحتها. وإذا كانت الملكية كما قدمنا أكثر الحقوق الذاتية عناصر وأشملها خصائص، فهي إذن أوسعها نطاقًا. ولا تقتصر على هذا القدر من العلو والعمق، بل هي أيضًا تتناول مع الشيء المملوك كل ما ينتجه هذا الشيء من ثمار ومنتجات. بل إن مالك الأرض يملك بالالتصاق كل ما اتصل بها من مبان وغراس، ويستأثر إلى أوسع مدى بحقه الذاتي في ملكه. وهكذا يمتد حق المالك، فيتناول الأرض في سطحها طولًا وعرضًا، وفي حيزها علوا وعمقًا، ويشمل كل ما يتصل بالأرض من ملحقات، وما تخرجه من ثمار ومنتجات. وهذا أقصى ما يصل إليه الحق في اتساع نطاقه. الملكية حق ذاتي في حمايته ويحمي القانون المالك حماية شاملة، فيمنع الغير من الاعتداء على ملكه، ويضع في يده سلاحًا قويا في دعوى الاستحقاق يسترد بموجبها ملكه من تحت يد أي حائز لها، غاصبًا كان أو غير غاصب. ولا يجوز نزع الملكية جبرًا على صاحبها إلا بشروط , أهمها أن يقوم مبرر قانوني لذلك، وأن يعوض المالك مقدمًا عن ملكه.

стр. 3573

الملكية الذاتية ثمرة العمل وجزاؤه الحق وإذا كان المالك يستأثر بما يملكه ويحوزه لمصلحته الخاصة وللوفاء بحاجاته الشخصية، فما ذلك إلا لأنه في الأصل قد بذل جهودًا في العمل، وكانت الملكية هي ثمرة هذه الجهود، والأجر على هذا العمل. ومتى ثبتت لصاحبها، وجب أن تثبت له بجميع عناصرها من استعمال واستغلال وتصرف، وبجميع خصائصها فتكون جامعة مانعة دائمة. فللمالك أن يتصرف في الشيء حال حياته، وينتقل الشيء إلى ورثته بعد وفاته. وإذا كان يبدو أن الوارث لم يبذل جهدًا في تملكه للشيء الموروث، فإن الميراث ينظر إليه لا على أنه جزاء للوارث، بل جزاء للموروث ذلك أن الموروث إذا كان لم يتصرف في الشيء وهو حي وهذا حقه، فإنه أراد بذلك أن ينتقل الشيء إلى وارثه بعد وفاته , وهذا حقه أيضًا، بل هذا هو جزاؤه على عمله. ولا ضير من أن ينتقل الشيء إلى وارث قد لا يستحقه، فإن هذا الوارث إذا كان حسن التدبير , فما ورثه يكون عونًا له , فلا يكون عالة على المجتمع، وإذا كان سيئ التدبير , فإنه لا يلبث أن يضيع ما ورثه. وفي بعض الحالات يكون الورثة، وبخاصة الزوجة والأولاد، قد ساهموا في الجهود التي بذلها المورث في الحصول على ملكه. فالملكية الذاتية إذن هي ثمرة العمل، وهي جزاؤه الحق. الملكية الذاتية أقوى حافز على العمل وخير ضمان للاستقلال الشخصي ولا يجوز الاقتصار في النظر إلى الملكية الذاتية على أنها جزاء، فهي قبل أن تكون جزاء على العمل، أقوى حافز عليه. ذلك أن الإنسان بطبعه قد ركب فيه من حب الذات وما يجعله أقوى ما يكون نشاطًا وإقبالا على العمل عندما يعلم أن لعمله جزاء يستأثر به لنفسه، ولا يشاركه فيه غيره. وليس الأمر هنا أمر سلوك يمدح أو يذم، بل هو أمر الواقع المشاهد، وليس لنا بد من استخلاص نتائجه. فالنشاط الفردي وهو من الأسس القوية التي يقوم عليها المجتمع، لا بد له من حافز، وأقوى حافز له هي المصلحة المادية، وأبرز صور المصلحة المادية هي الملكية الذاتية.

стр. 3574

ثم إن الملكية الذاتية لا تقتصر على أن تكون أقوى حافزا على العمل، بل هي أيضًا خير ضمان للاستقلال الشخصي. فمن لا يملك شيئًا يفقد استقلاله، ويكون عبدًا لمن ملك. ومهمة الدولة ليست في أن تلغي الملكية الذاتية وتكون هي المالكة لكل شيء , فيصبح الناس جميعًا عبيدًا لها، بل مهمتها على العكس من ذلك هي أن تجعل الملكية الذاتية في متناول كل من يعمل. فتكون الملكية الذاتية أفضل جزاء على العمل، وأقوى حافزا عليه وخير ضمان للاستقلال والحرية. الأساس الذي تقوم عليه الوظيفة الاجتماعية للملكية وإذا كان حق الملكية حقا ذاتيا على النحو الذي بسطناه فإن لهذا الحق وظيفة اجتماعية يجب أن يقوم بها. وقد وقف التقنين المدني الفرنسي في سنة ١٨٠٤ عند ذاتية حق الملكية، وأغفل كثيرًا من مظاهر الوظيفة الاجتماعية التي لهذا الحق. ولكن المذاهب الاشتراكية التي بدأت تنتشر طوال القرن التاسع عشر، وأخذت تنفذ إلى صميم النظم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ووصلت إلى الأوج من انتشارها في القرن العشرين، ما لبثت أن أبرزت جانب الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية، وكان ذلك بطبيعة الحال على حساب جانب الذاتية في هذا الحق. ولا شك في أن الملكية حق ذاتي وحق اجتماعي في وقت واحد. أما أنها حق ذاتي، فقد تقدم القول في ذلك، وأما أنها حق اجتماعي فينهض أساسًا لذلك أمران: ا) مبدأ التضامن الاجتماعي، فإن هذا المبدأ يقضي بوجوب التعاون في المجتمع. والملكية من أهم الدعائم التي يقوم عليها هذا التعاون، فالمالك يجب أن يعتبر نفسه , كما هو الواقع، عضوًا في المجتمع الذي يعيش فيه، يأخذ منه ويعطيه.

стр. 3575

٢) على أن المالك إذا كان قد كسب ملكه بعمله كما سبق القول، مدين أيضًا للمجتمع بما كسب. فليس عمله وحده هو الذي أكسبه الملك، بل إن المجتمع ساهم مساهمة ملحوظة في جهود المالك حتى يحصل هذا على ما أصبح مالكًا له. ومساهمة المجتمع في جهود المالك هي على نفس مستوى مساهمة الأسرة أو لعلها تزيد , فإذا كانت مساهمة الأسرة هي أحد مبررات الميراث , فلا شك في أن مساهمة المجتمع تبرر هي الأخرى أن تكون للملكية وظيفة اجتماعية. ومقتضى أن تكون للملكية وظيفة اجتماعية هو أن يقيد حق الملكية لا للمصلحة العامة فحسب، بل أيضًا للمصلحة الخاصة. تقييد حق الملكية للمصلحة العامة "حيث يتعارض حق الملكية مع مصلحة عامة، فالمصلحة العامة هي التي تقدم، فما ينبغي أن تقف الملكية حجر عثرة في سبيل تحقيق المصلحة العامة، ولا يدخل هذا في وظيفتها الاجتماعية" وقد رأينا أن نطاق الملكية يتسع حتى يشمل سطح الأرض وما فوقها وما تحتها. وليس معنى ذلك أن مالك الأرض يسوغ له أن يمنع أي عمل يقام به للمصلحة العامة فوق سطح الأرض أو تحتها، كمرور الأسلاك المعدة للمواصلات التلغرافية أو التلفونية أو المعدة للإضاءة أو لنقل القوى الكهربائية ومواسير المياه والغاز. وبوجه عام ليس للمالك أن يعارض فيما يقام من عمل على مسافة من العلو أو العمق لا تضر بصاحب الأرض.
следующие страницы →