← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

" ... الصفة الاجتماعية لحق الملكية هي المتغلبة في التقنيات الجديدة، وهي التي تمثل النزعة الحديثة في تطور حق الملكية , فليس هذا الحق مطلقًا لا حد له، بل هو وظيفة اجتماعية يطلب إلى المالك القيام بها، ويحميه القانون ما دام يفعل. أما إذا خرج على هذه الحدود، فلا يعتبره القانون مستحقا لحمايته. ويترتب على ذلك نتيجتان: (١) حيث يتعارض حق الملكية مع مصلحة عامة , فالمصلحة العامة هي التي تقدم. (٢) حيث يتعارض حق الملكية مع مصلحة خاصة هي أولى بالرعاية من حق الملكية , فإن هذه المصلحة هي التي تقدم بعد أن يعوض المالك تعويضًا عادلا". ونواصل مع السنهوري ملاحقته القيمة لما صار إليه حق الملكية من تمايز بين ما هو من خصائصه وما هو من وظيفته , فننقل من "الوسيط" قوله (١) "الملكية حق ذاتي في عناصره وخصائصه: الملكية حق ذاتي كسائر الحقوق، بل هي أكثر الحقوق عناصر، وأشملها خصائص. فالملكية حق ذاتي في عناصره. وقد قدمنا أن المالك له سلطة ذاتية على الشيء الذي يملكه، وسلطته على الشيء هي أوسع السلطات، فله أن يستعمل الشيء في شؤونه الخاصة، ويستعمله على الوجه الذي يقدر أنه نافع له. وله أن يستغل الشيء إرضاء لمصالحه الشخصية، ووفاء بحاجاته الذاتية. وله أن يتصرف في الشيء بجميع أنواع التصرفات، فله أن ينقل ملكيته إلى غيره بمقابل أو بغير مقابل، وله أن يرتب حقوقًا متنوعة على الشيء، من حق انتفاع إلى حق ارتفاق إلى حق رهن إلى غير ذلك من الحقوق. وله أن يغير من معالم الشيء، وأن يزيد عليه، وأن ينتقص منه، بل له أن يستهلكه وأن يتلفه وأن يعدمه، كل ذلك سعيًا وراء مصالحه الشخصية، ووفاء بحاجاته الخاصة، فالملكية إذن كسائر الحقوق، حق ذاتي من حيث عناصره، بل هو أكثر الحقوق الذاتية عناصر كما سبق القول. والملكية حق ذاتي في خصائصه. وقد قدمنا أن الملكية حق جامع، فيجمع المالك في يده جميع السلطات على الشيء، على النحو الذي رأيناه. ومن المالك تستمد كل سلطة على الشيء، وما لم يثبت أجنبي أنه استمد سلطة معينة بموجب إرادة المالك أو بموجب حكم القانون، فهذه السلطة للمالك , لا لأحد غيره. وقدمنا أن الملكية حق مانع، فيستأثر المالك بالشيء وحده , وليس لأحد أن يشاركه فيه.

стр. 3572

وهذه الذاتية في حق الملكية تعتبر من مقوماته، وخصائصه البارزة. فإذا كان الشيء المملوك أرضًا فضاء، كان للمالك أن يسورها وأن يمنع دخول الغير فيها، حتى لو لم يصبه من دخول الغير ضرر. ولا يجوز لأحد أن يشارك المالك بغير إذنه في استعمال الشيء، أو في استغلاله، أو في التصرف فيه , والملكية أخيرًا حق دائم. وتتميز الملكية بالدوام عن أي حق ذاتي آخر , فكل حق - عينيا كان أو شخصيا - هو حق مؤقت , أو يمكن أن يكون مؤقتًا، وذلك فيما عدا حق الملكية , فإنه يدوم ما دام الشيء المملوك. وهذا وحده كاف لنطبع الملكية بطابع ذاتي، إذ يستطيع المالك، ومن بعده خلفاؤه، أن يستأثروا بالشيء المملوك. ويبقون مستأثرين به، إلى أن يهلك الشيء أو يتلف. ومن ثم كانت دعوى الاستحقاق غير قابلة للسقوط بالتقادم، وكذلك لا يجوز أن تقترن الملكية بأجل. الملكية حق ذاتي ونطاق الملكية يتسع، حتى ليشمل سطح الأرض وما فوقها وما تحتها. وإذا كانت الملكية كما قدمنا أكثر الحقوق الذاتية عناصر وأشملها خصائص، فهي إذن أوسعها نطاقًا. ولا تقتصر على هذا القدر من العلو والعمق، بل هي أيضًا تتناول مع الشيء المملوك كل ما ينتجه هذا الشيء من ثمار ومنتجات. بل إن مالك الأرض يملك بالالتصاق كل ما اتصل بها من مبان وغراس، ويستأثر إلى أوسع مدى بحقه الذاتي في ملكه. وهكذا يمتد حق المالك، فيتناول الأرض في سطحها طولًا وعرضًا، وفي حيزها علوا وعمقًا، ويشمل كل ما يتصل بالأرض من ملحقات، وما تخرجه من ثمار ومنتجات. وهذا أقصى ما يصل إليه الحق في اتساع نطاقه. الملكية حق ذاتي في حمايته ويحمي القانون المالك حماية شاملة، فيمنع الغير من الاعتداء على ملكه، ويضع في يده سلاحًا قويا في دعوى الاستحقاق يسترد بموجبها ملكه من تحت يد أي حائز لها، غاصبًا كان أو غير غاصب. ولا يجوز نزع الملكية جبرًا على صاحبها إلا بشروط , أهمها أن يقوم مبرر قانوني لذلك، وأن يعوض المالك مقدمًا عن ملكه.

стр. 3573

الملكية الذاتية ثمرة العمل وجزاؤه الحق وإذا كان المالك يستأثر بما يملكه ويحوزه لمصلحته الخاصة وللوفاء بحاجاته الشخصية، فما ذلك إلا لأنه في الأصل قد بذل جهودًا في العمل، وكانت الملكية هي ثمرة هذه الجهود، والأجر على هذا العمل. ومتى ثبتت لصاحبها، وجب أن تثبت له بجميع عناصرها من استعمال واستغلال وتصرف، وبجميع خصائصها فتكون جامعة مانعة دائمة. فللمالك أن يتصرف في الشيء حال حياته، وينتقل الشيء إلى ورثته بعد وفاته. وإذا كان يبدو أن الوارث لم يبذل جهدًا في تملكه للشيء الموروث، فإن الميراث ينظر إليه لا على أنه جزاء للوارث، بل جزاء للموروث ذلك أن الموروث إذا كان لم يتصرف في الشيء وهو حي وهذا حقه، فإنه أراد بذلك أن ينتقل الشيء إلى وارثه بعد وفاته , وهذا حقه أيضًا، بل هذا هو جزاؤه على عمله. ولا ضير من أن ينتقل الشيء إلى وارث قد لا يستحقه، فإن هذا الوارث إذا كان حسن التدبير , فما ورثه يكون عونًا له , فلا يكون عالة على المجتمع، وإذا كان سيئ التدبير , فإنه لا يلبث أن يضيع ما ورثه. وفي بعض الحالات يكون الورثة، وبخاصة الزوجة والأولاد، قد ساهموا في الجهود التي بذلها المورث في الحصول على ملكه. فالملكية الذاتية إذن هي ثمرة العمل، وهي جزاؤه الحق. الملكية الذاتية أقوى حافز على العمل وخير ضمان للاستقلال الشخصي ولا يجوز الاقتصار في النظر إلى الملكية الذاتية على أنها جزاء، فهي قبل أن تكون جزاء على العمل، أقوى حافز عليه. ذلك أن الإنسان بطبعه قد ركب فيه من حب الذات وما يجعله أقوى ما يكون نشاطًا وإقبالا على العمل عندما يعلم أن لعمله جزاء يستأثر به لنفسه، ولا يشاركه فيه غيره. وليس الأمر هنا أمر سلوك يمدح أو يذم، بل هو أمر الواقع المشاهد، وليس لنا بد من استخلاص نتائجه. فالنشاط الفردي وهو من الأسس القوية التي يقوم عليها المجتمع، لا بد له من حافز، وأقوى حافز له هي المصلحة المادية، وأبرز صور المصلحة المادية هي الملكية الذاتية.

стр. 3574

ثم إن الملكية الذاتية لا تقتصر على أن تكون أقوى حافزا على العمل، بل هي أيضًا خير ضمان للاستقلال الشخصي. فمن لا يملك شيئًا يفقد استقلاله، ويكون عبدًا لمن ملك. ومهمة الدولة ليست في أن تلغي الملكية الذاتية وتكون هي المالكة لكل شيء , فيصبح الناس جميعًا عبيدًا لها، بل مهمتها على العكس من ذلك هي أن تجعل الملكية الذاتية في متناول كل من يعمل. فتكون الملكية الذاتية أفضل جزاء على العمل، وأقوى حافزا عليه وخير ضمان للاستقلال والحرية. الأساس الذي تقوم عليه الوظيفة الاجتماعية للملكية وإذا كان حق الملكية حقا ذاتيا على النحو الذي بسطناه فإن لهذا الحق وظيفة اجتماعية يجب أن يقوم بها. وقد وقف التقنين المدني الفرنسي في سنة ١٨٠٤ عند ذاتية حق الملكية، وأغفل كثيرًا من مظاهر الوظيفة الاجتماعية التي لهذا الحق. ولكن المذاهب الاشتراكية التي بدأت تنتشر طوال القرن التاسع عشر، وأخذت تنفذ إلى صميم النظم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ووصلت إلى الأوج من انتشارها في القرن العشرين، ما لبثت أن أبرزت جانب الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية، وكان ذلك بطبيعة الحال على حساب جانب الذاتية في هذا الحق. ولا شك في أن الملكية حق ذاتي وحق اجتماعي في وقت واحد. أما أنها حق ذاتي، فقد تقدم القول في ذلك، وأما أنها حق اجتماعي فينهض أساسًا لذلك أمران: ا) مبدأ التضامن الاجتماعي، فإن هذا المبدأ يقضي بوجوب التعاون في المجتمع. والملكية من أهم الدعائم التي يقوم عليها هذا التعاون، فالمالك يجب أن يعتبر نفسه , كما هو الواقع، عضوًا في المجتمع الذي يعيش فيه، يأخذ منه ويعطيه.

стр. 3575

٢) على أن المالك إذا كان قد كسب ملكه بعمله كما سبق القول، مدين أيضًا للمجتمع بما كسب. فليس عمله وحده هو الذي أكسبه الملك، بل إن المجتمع ساهم مساهمة ملحوظة في جهود المالك حتى يحصل هذا على ما أصبح مالكًا له. ومساهمة المجتمع في جهود المالك هي على نفس مستوى مساهمة الأسرة أو لعلها تزيد , فإذا كانت مساهمة الأسرة هي أحد مبررات الميراث , فلا شك في أن مساهمة المجتمع تبرر هي الأخرى أن تكون للملكية وظيفة اجتماعية. ومقتضى أن تكون للملكية وظيفة اجتماعية هو أن يقيد حق الملكية لا للمصلحة العامة فحسب، بل أيضًا للمصلحة الخاصة. تقييد حق الملكية للمصلحة العامة "حيث يتعارض حق الملكية مع مصلحة عامة، فالمصلحة العامة هي التي تقدم، فما ينبغي أن تقف الملكية حجر عثرة في سبيل تحقيق المصلحة العامة، ولا يدخل هذا في وظيفتها الاجتماعية" وقد رأينا أن نطاق الملكية يتسع حتى يشمل سطح الأرض وما فوقها وما تحتها. وليس معنى ذلك أن مالك الأرض يسوغ له أن يمنع أي عمل يقام به للمصلحة العامة فوق سطح الأرض أو تحتها، كمرور الأسلاك المعدة للمواصلات التلغرافية أو التلفونية أو المعدة للإضاءة أو لنقل القوى الكهربائية ومواسير المياه والغاز. وبوجه عام ليس للمالك أن يعارض فيما يقام من عمل على مسافة من العلو أو العمق لا تضر بصاحب الأرض.

стр. 3576

وقد تصل المصلحة العامة في التعارض مع حق المالك إلى حد أن تلغي هذا الحق. وقد أجاز القانون فعلًا نزع الملكية للمنفعة العامة بشروط وقيود. كذلك تقتصي المصلحة العامة تأميم الملك ونقله إلى الدولة كما وقع ذلك - حتى في بعض الدول الغربية - في شأن البنوك وشركات التأمين والشركات الصناعية، فلا يجوز أن يقف حق الملكية حائلًا دون ذلك. ثم إن هناك كثيرًا من القيود ترد على حق الملكية، قررتها القوانين واللوائح لمصلحة عامة اقتضتها، ومن أهم هذه القيود حقوق الارتفاق الإدارية، كحقوق التطرق المتعلقة بالشوارع هي الارتفاقات التي يتحمل بها الملاك الذين توجد أملاكهم على جانبي الطريق العام كتقرير خط التنظيم وعدم البناء من غير رخصة أو هدم الأبنية المختلفة أو الآيلة للسقوط، والحقوق المتعلقة بمجاري المياه كحق الحكومة في قلع الأشجار المغروسة في الجسور وميول الترع العامة إذا كانت هذه الأشجار تعوق سير المياه في الترع أو تعطل الملاحة فيها أو تمنع السير على جسورها. ومن هذه القيود أيضًا ما تقرر لمصلحة الأمن العام أو الصحة العامة , كالقيود التي تجب مراعاتها في إنشاء العزب أو الزرائب، أو المحال العامة أو المحال المقلقة للراحة والضارة بالصحة والخطرة، أو إقامة الآلات الرافعة أو تركيب الآلات البخارية، أو إحداث الحفر أو البرك. ومن هذه القيود ما تقرر لمصلحة الزراعة كالقيود الخاصة بوقاية القطن والمحاصيل الأخرى، ومنع زراعة القطن في أكثر من مساحة معينة. ومنها ما تقرر للمصلحة الحربية كإنشاء مناطق خطر حول القلاع. ومنها ما وضع لحفظ الثروة القومية وإنمائها كالقيود الخاصة بالمناجم وحماية الآثار التاريخية. تقييد حق الملكية لمصلحة الخاصة " ... حيث يتعارض حق الملكية، فإن هذه المصلحة الخاصة هي التي تقدم، بعد أن يعوض المالك تعويضًا عادلًا. وهنا نجد القيد الذي يرد على حق الملكية قد تقرر، لا للمصلحة العامة، بل للمصلحة الخاصة" وهذا المظهر من تقييد حق للمصلحة الخاصة وهو أبلغ مظهر لمبدأ التضامن الاجتماعي ولكون الملكية لها وظيفة اجتماعية يجب عليها أن تؤديها.

стр. 3577

فالمبدأ الأساسي إذن هو أنه حيث تتعارض مصلحة المالك مع مصلحة خاصة لأجنبي، فليس من الضروري أن تقدم مصلحة المالك وإن كان من الضروري تقديمها , لو أن الملكية حق ذاتي فحسب. ولكن الملكية لها وظيفة اجتماعية، وهذه الوظيفة تقضي بأنه تجب الموازنة بين مصلحة المالك ومصلحة الأجنبي، فإن كانت مصلحة الأجنبي أولى بالرعاية من مصلحة المالك، وجب تقديم مصلحة الأجنبي مع تعويض المالك التعويض العادل. وبذلك تكون الملكية قد أدت وظيفتها الاجتماعية على خير وجه يقضي به التضامن الاجتماعي. وإذا رجحت مصلحة الأجنبي على مصلحة المالك، فأقل ما يطلب من المالك أعمال سلبية يمتنع بها عن الإضرار بالجار , وقد يجاوز الأمر الأعمال السلبية من المالك إلى أعمال إيجابية من الجار , بل قد يصل الأمر إلى حد يقتضي من المالك نفسه أن يقوم بأعمال إيجابية , وهذه هي أبلغ مظاهر الوظيفة الاجتماعية لحل الملكية , وبها يكون التضامن الاجتماعي قد بلغ الذروة في التقييد من سلطان المالك. أعمال سلبية من المالك الأمثلة كثيرة على الأعمال السلبية التي تقتضي من المالك حتى يقوم بما للملكية من وظيفة اجتماعية، ونجتزئ هنا بإيراد بعض الأمثلة: "ا) - يجب على المالك أن يمتنع عن استعمال ملكه بحيث يضر بالجار ضررًا فاحشًا. وإذا جاز للمالك أن يطلب من جاره أن يتحمل مضار الجوار المألوفة، فليس له أن يحمله المضار غير المألوفة للجوار. ٢) - وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف على أن يراعى في ذلك العرف، وطبيعة القارات، وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له. ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق".

стр. 3578

٣) - لمالك الحائط أن يتصرف في حائطه كما يشاء، فله أن يرممه إذا احتاج إلى الترميم، وله أن يعدل في طريقة بنائه، وله أن يهدمه ويعيد بناءه، بل له أن يهدمه ثم لا يعيد بناءه. ولا يجبر على النزول عن جزء من حائطه لجاره الملاصق إلا في حالة خاصة، ومع ذلك إذا كان الجار يستتر بالحائط، امتنع على صاحب الحائط هدمه دون عذر قوي إن كان الهدم يضر بالجار. ٤) - في ملكية الطبقات حيث يوجد علو وسفل، يجوز لكل من مالك العلو والسفل أن يتصرف في ملكه كما يشاء، فيعدل من بنائه، ويزيد فيه أو ينتقص منه، ويعليه إذا كان يحتمل الإعلاء. ومع ذلك يجب على صاحب العلو أن يمتنع عن إعلاء علوه، إذا كان هذا الإعلاء يحمل السفل ثقلًا جسيما بحيث يضر به. أعمال إيجابية من الغير وقد تقتضي الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية أن يتدخل الغير تدخلًا إيجابيا في انتفاع المالك بملكه، ليتوقى ضررًا أشد بكثير من الضرر الذي يصيب المالك من التدخل، على أن يعوض المالك التعويض العادل. وقد طبق هذا المبدأ تطبيقات بعيدة المدى، نذكر منها ما يأتي: ١- لمالك المسقاة أو المصرف أن ينتفع بمسقاته أو مصرفه، وأن يستقل بهذا الانتفاع فلا يشاركه فيه أحد. ومع ذلك يجوز للجار أن يأخذ ماء من المسقاة (حق الشرب) لري أرضه، أو يصرف ماءه في المصرف (حق الصرف) بعد أن يكون المالك قد استوفى حاجته من مسقاته أو مصرفه. ٢ - مالك الأرض حر في التصرف في ملكه كما يشاء، وله أن يمنع غيره من الانتفاع بالأرض، ومع ذلك يجوز للجار أن يجبر المالك على أن تمر بأرضه المياه الكافية لري أرض الجار البعيدة عن مورد المياه (حق المجرى) ، أو أن تمر بأرضه مياه الصرف الآتية من أرض الجار لتصب في أقرب مصرف عام (حق المسيل) بشرط تعويض المالك تعويضًا عادلًا.

стр. 3579

٣ - لمالك الأرض أن يمنع جاره من المرور بأرضه. ومع ذلك إذا كانت أرض الجار محبوسة عن الطريق العام، فإن للجار حق المرور في أرض جاره بالقدر اللازم لاستغلال أرضه واستعمالها على الوجه المألوف، وذلك في نظير تعويض عادل. وهذا ما يسمى بحق المرور. أعمال إيجابية من المالك وهنا تصل الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية إلى أبعد غاياتها فيجبر المالك على أن يقوم بأعمال إيجابية لمصلحة الغير. ونذكر على سبيل المثال ما يأتي: ١ - في ملكية الطبقات، يجبر صاحب السفل على أن يقوم بالأعمال والترميمات اللازمة لمنع سقوط العلو. ٢ - في الملكية على الشيوع، تجبر أقلية الشركاء على الموافقة على ما تقرره الأغلبية في شأن إدارة المال الشائع. وليس الأمر مقصورًا على أعمال الإدارة المعتادة، بل يجاوز ذلك إلى ما يخرج عن حدود الإدارة المعتادة، فتجبر أقلية الشركاء على الموافقة تحت رقابة المحكمة، على ما تقرره الأغلبية من تغييرات أساسية وتعديل في الغرض الذي أعد له المال الشائع. بل إن الأمر يجاوز حدود الإدارة المعتادة، ويصل إلى حد للتصرف في المال الشائع. فتجبر أقلية الشركاء على الموافقة تحت رقابة المحكمة على ما تقرره الأغلبية من التصرف في المال الشائع، إذا استندت هذه الأغلبية في قرارها إلى أسباب قوية. ٣ - وقد جعلت التشريعات الاستثنائية الخاصة بالإيجار نظرًا لأزمة المساكن، للمستأجر حقوقًا واسعة إزاء المالك، بحيث يكاد المستأجر يصبح شريكًا للمالك في ملكه. وأجبرت المالك على قبول أنواع شتى من تدخل المستأجر، وبخاصة في تعيين حد أقصى للأجرة، وفي ترك المستأجر يبقى بالعين المؤجرة حتى بعد انقضاء مدة الإيجار، المدة التي يراها. ويستوي في ذلك إيجار الأماكن وإيجار الأراضي الزراعية. وقد دعا ذلك الفقهاء في فرنسا، ويشتمل القانون الفرنسي على تشريعات مماثلة، أن يروا أن المالك قد أصبح اليوم إزاء المستأجر غير خالص الملكية، بل هو لا يملك على داره أو أرضه إلا ما كان يسمى في العصور الوسطى بالملكية المشرفة، يتقاضى بموجبها أجرًا زهيدًا، أما الملكية الحقيقية أو الملكية النافعة فهي للمستأجر ".

стр. 3580

والتزامًا بالمنهج الذي رسمناه لهذا البحث ومن مقتضياته محاولة الاستنارة بكل ما يتيسر لنا الاطلاع عليه من الآراء الجادة فيما يتصل بكل عنصر من عناصره وإشراك القارئ معنا إشراكًا كاملًا في تمحيص الآراء التي نستنير بها وتقدير مدى جديتها وسدادها ننقل - إلى جانب ما اقتبسنا من آراء السنهوري آنفًا - بعض ما قاله جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (١) حول تاريخ الملكية عند العرب. فبالإضافة إلى أن جواد علي من الباحثين الجادين الملتزمين بمقتضيات المنهج العلمي غالبًا، وإن تكن له بعض الأخطاء العجيبة الناتجة عن محاولته إيثار ما يعتبره تجردًا علميا على ما يقتضيه الإيمان الصادق لدى المسلم الحق من اعتبار النصوص الإسلامية الثابتة وخاصة النصوص القرآنية والسنية المتواترة غير قابلة للخضوع لأي تقييم علمي , إذ هي في ذاتها توجب علما قطعيا. فإن من المهم الوقوف مليا عند تطور مفهوم الملكية، وخاصة ملكية الأرض عند العرب بالذات، إذ بلغتهم وفي بيئتهم نزل القرآن , وهم المكلفون الأول بنقله وتبيانه وتبيان السنة المكملة له إلى الأمم الأخرى. ويتراءى لنا من استقراء تشريعات المعاملات الواردة في القرآن أو السنة، أو ما كان منها من عمل الصحابة مما يبلغ درجة الإجماع، أو يقف عند مستوى الاستفاضة والشهرة أن العادات والتقاليد العربية كانت مرعية - أو على الأقل ملحوظة - فيها , ومرد ذلك فيما يتراءى لنا أن موطن العرب كان وسطًا، فهو ليس موغلًا في المشرق ولا موغلًا في المغرب، والأمم الضاربة إلى المشرق كثيرًا ما يغلب عليها الانصياع والهيمنة الروحية، وما تقتضيه من الإيغال في السلبيات وعدم التعامل مع الشؤون المادية بتقدير ووعي.

стр. 3581

وآية ذلك أن نزعات التصرف المسرفة وما شاكلها من الفلسفات المثالية تسلل أغلبها إلى الأمة الإسلامية، من الأمم الضاربة إلى الشرق بعد الفتح الإسلامي، وبعد أن أصبحت مؤثرة في الشعوب الإسلامية الأخرى بما نقل إلى العربية من ثقافاتها وفلسفاتها كما أن مواطن العرب ليست ضاربة إلى المغرب، وأعني بالمغرب أوروبا وما وراءها جنوب المحيط الأطلسي، حيث تستوطن أمم خاضعة خضوعًا يكاد يكون تاما للمؤثرات المادية، عازفة عزوفًا يكاد يكون مطلقًا عن المواجد والاعتبارات الروحية، لذلك كانت ثقافاتها وفلسفاتها في أغلبها أشد تجانسًا مع الظواهر الملموسة ومظاهر الأشياء، وأشد نزوعًا إلى إيثار مقتضياتها عن أية مقتضيات أخرى. ولعل مما يؤيد هذا الذي تراءى لنا من وسطية العرب واعتبار الشرع لها، لا سيما في ضبط قواعد المعاملات وجانب من ضوابط الشؤون الاجتماعية أن الثقافات الوافدة - إن لم نقل: المتسللة - إلى الأمة الإسلامية من أعماق المشرق وأعماق المغرب لم تستطع أي منها أن تستحوذ على الجمهرة الغالبة من المدارك والمواجد العربية، وأن الفكر الإسلامي كان أقرب إلى التجاوب مع فلسفة المشائين منه مع فلسفة الإشراق. وما نريد أن نمضي في هذا الاستطراد , إن نريد به إلا تبيان الحافز الذي حفزنا على نقل ما ننقله عن جواد علي مما يتصل بتاريخ الملكية عند العرب , فهو يقول (١) : "الأرض هي مصدر الثراء والغنى للإنسان، وعلى مقدار ما يملكه الإنسان من أرض، تكون ثروته ويكون غناه، وعلى قدر ما يبذله صاحب الأرض من جهد في استغلالها وفي تطويرها وفي استنباط ما في باطنها من خيرات يتوقف دخله منها. وغلته التي تأتيه من أرضه هذه. ولا تعرف ملكية الأرض والماء إلا بين الحضر. أما الأعراب فإن هذه الملكية تكون عندها للقبيلة ولسادتها، حيث يحمون بعض الأرضين، أو يستنبطون الماء من أرض موات لا ماء فيها، فتحول الأرض بذلك إلى أرض نافعة ذات ماء، يبسط حافرها حمايته عليه ويجعلها ملكًا له، وقد يزرع عليها فتصير الأرض التي يزرعها ملكًا له، وبهذه الطريقة، تكونت الملكية بين القبائل، ولا يستطيع أن ينال من هذه الملكية بالطبع إلا المتمكن من أبناء القبيلة ومن سادتها، ممن يتمكن بما لديه من مال وإمكانيات من استنباط الماء ومن إحياء الأرض واستغلالها بما عنده من موال وعبيد ويكتسب هذا التملك صفة شرعية، إذ يعتبر ملكًا صرفًا لصاحبه.

стр. 3582

ليس لأحد حق منازعته عليه، ولمالكه أن يتصرف به كيف يشاء. له أن يبيعه، وله أن يهبه، وإن مات انتقلت ملكيته إلى ورثته. فالأمر في معظم جزيرة العرب حق عام مشاع , لا تعود ملكيته لأحد. إلى أن صار الرعي، وأخذت تنتقل من مكان إلى مكان، ففرض سادتها حق الحمى وهو نوع من التملك المتولد من حق الاستيلاء بسبب الزعامة والقوة والاغتصاب، فصار الحمى ملكًا لسادات القبائل، وصارت الأرض المتبقية التي دخلت في حوزة القبيلة بسبب بسطها سلطانها عليها ملكًا لها، ملكًا مشاعًا بين جميع أبناء القبيلة ليس لأحد صد أحد من أبناء قبيلته من ارتياض أرضها، إلا بقانون القوة والعزة والتجبر، أو يفرض سلطانه على الأرض باستنباط مائها. وهو حق لا يعمل به إلا القوي المتمكن. ومن هذا الإحياء للأرض الموات، تكونت بعض المستوطنات في الوادي، جلب ظهور الماء فيها الناس إليها، فسكنوا حولها وجاؤوا من أطرافها للاستقاء من مائها، وشجع العثور عليه في هذا الموضع التمكين للآخرين على الحفر أيضًا، فكان إذا اظهر ماء عذب، جذب الناس إليه، وسحرهم بسحره، وأناخهم حوله، فوسعت بذلك تلك المستوطنات، وتعددت، وظهرت فيها الملكية الفردية، والحياة الحضرية القائمة على الحيازة والتملك الفردي بصورة أوسع مما نجدها عند البدوي الاعتيادي لا يملك إلا بيته، وهو خيمته وأهله، وما قد يكون معه من الإبل" (١) وقد فصل القول في هذه الأطوار وذكر أنماطًا من الوثائق والعقود ترسم معالم جلية لكل طور منها، كما توضح التمايز بين أقطار الجزيرة العربية (الجنوب والشمال) فيما يتصل بالملكية وتطورها، ورغم أهمية هذه التفاصيل، رأينا الاكتفاء بالإشارة إليها وإحالة من يريد استيفاءها والاستفادة منها في استجلاء طبيعة الاستمرار التطوري لتاريخ الملكية في الإسلام التي لا تختلف في جوهرها عن الأوضاع المتتالية لتعامل العرب خلال أحقابهم المتوالية مع الأرض بل ومع العقارات أيضًا.

стр. 3583

٥ - الانعكاسات التشريعية والحضارية للملكية الفردية على أن ما نطمئن إليه من أصالة التجاوب بين التشريع الإسلامي وطبيعة الحضارة العربية السابقة له، لا يعني أننا نحصر اعتبار التشريع بينه وبين الحضارة العربية وحدها , وإنما يعنى أننا نرى التجاوب أقوى بينهما، على حين لا سبيل إلى إنكار أن التشريع الإسلامي نظر أيضًا إلى حضارات أخرى غير الحضارة العربية، وعمل على تقويم المنحرف منها، وتنظيم الصالح وتحديد مسار تطوره كما كان شأنه مع الحضارة العربية. لذلك نحاول في هذه الفقرة أن نتتبع معالم نشأة وتطور الملكية لدى بعض الشعوب والأمم المحيطة بشبه الجزيرة العربية، والتي كان لها معها علاقات تجارية وغير تجارية مما ينشأ عنه بالطبع تفاعل حضاري يتفاوت بين قطر وآخر، بتفاوت علاقات أبنائه مع العرب. ونبدأ بما قاله ول ديورانت في قصة الحضارة، وهو يصور تصويرًا بديعًا نشأة الملكية عند الإنسان كافة ملاحقًا لها في قارات مختلفة، قال (١) "كانت التجارة أعظم مثر للعالم البدائي، لأنه لم يكن هناك ملك، وبالتالي لم يكن هناك من نظم الحكم إلا قليل، قبل أن تدخل في حياة الناس وتجر وراءها ذيولها من أموال وأرباح، ففي المراحل الأولى من التطور الاقتصادي كانت الملكية محصورة - في الأعم الأغلب - في حدود الأشياء التي يستخدمها المالك لشخصه، وكان معنى الملكية هذا من القوة بحيث لازمت الأشياء المملوكة مالكها، فغالبًا ما دفنت معه في قبره (وانطبق هذا على الزوجة نفسها) ، وأما الأشياء التي لا تتعلق بشخص المالك فلم تكن الملكية مفهومة بالنسبة إليها مثل هذا الفهم القوي , فلا يكفي أن تقول: إن فكرة الملكية ليست فطرية في الإنسان، إنما يجب أن تضيف إلى ذلك أنها في مثل هذه الأشياء البعيدة عن شخصية المالك، كانت من الضعف في أذهان الناس بحيث تحتاج إلى تقوية مستمرة وتلقين مستمر.

стр. 3584

فتكاد تجد الأرض في كل الشعوب البدائية ملكًا للمجتمع بأسره، فالهنود في أمريكا الشمالية، وأهل بيرو، وقبائل الهنود التي على تل تشيتاجونج، وأهل بورنيو، وسكان الجزر في البحر الجنوبي، مثل هؤلاء - فيما نرجح - كانوا يملكون الأرض جماعة ويحرثونها جماعة ويقتسمون الثمار جماعة، وفي ذلك قال هنود أوماها: "إن الأرض كالماء والهواء لا يمكن أن تباع"، وكذلك لم يكن بيع الأرض معروفًا في ساموا قبل قدوم الرجل الأبيض، ولقد وجد الأستاذ رفرز شيوعية الأرض لا تزال قائمة في مالينزيا وبولينزيا ويمكنك أن تلحظها اليوم قائمة في داخل ليبريا. وأما شيوعية القوت فقد كانت أقل من ذلك انتشارًا، فمن المألوف عند "الهمج" أن من يملك طعامًا يقتسمه مع من لا يملك منه شيئًا، كما كان من المألوف كذلك للمسافرين إذا ما أرادوا طعامًا أن يقفوا عند أي دار يشاؤون في طريقهم، بل كان من المألوف أن تستعين الجماعات التي ينزل بها القحط بجيرانها، وكان إذا ما جلس إنسان في الغابة ليأكل وجبته، توقع منه الناس أن يصيح لمن أراد أن يشاطره الطعام قبل أن يبدأ هو في تناوله، وبغير ذلك لا يكون الصواب في جانبه، فلما قص "تيرنر" على رجل من "ساموا"، قصة فقير في لندن، سأله "الهمجي" في دهشة: "وكيف هذا؟ أليس هناك طعام؟ أليس له أصدقاء؟ أليس في المكان بيت للسكنى؟ أين إذن نشأ هذا الفقير؟ أليس لأصدقائه منازل؟ ". والجائع من الهنود ما عليه إلا أن يسأل فيجاب سؤاله بالعطاء، فمهما يكن مورد الطعام ضئيلًا عند المعطي، فإنه لا بد أن يعطي منه هذا السائل ما دام محتاجًا، "فيستحيل أن تجد إنسانًا يعوزه القوت ما دامت الغلال موجودة في مكان بالمدينة ". وكانت العادة عند الهوتنتوت أن يقتسم من يملك أكثر من سواه هذه الزيادة حتى يتساوى الجميع , وقد لاحظ الرحالة البيض أثناء رحلاتهم في أفريقيا قبل أن تدخلها المدنية، لاحظوا أن "الرجل الأسود" إذا ما قدمت له هدية من طعام أو غيره من الأشياء ذوات القيمة، فإنه يقسمها بين ذويه فورًا، وإذا ما أعطى المسافر بدلة لأحد هؤلاء السود، فسرعان ما يرى الموهوب يلبس من الهبة جزءًا كالقبعة مثلًا، ثم يرى صديقًا له يلبس السراويل وصديقًا آخر يرتدي السترة، وكذلك الأسكيمو لا يرون للصائد حقا شخصيا في امتلاك صيده

стр. 3585

بل يلزم توزيعه على أهل القرية جميعًا، وكانت الآلات والمخزون من الطعام ملكًا مشاعًا بين الجميع وقد وصف (كابتن كارفر) هنود أمريكا الشمالية فقال: "إنهم لا يعرفون من فوارق الملكية شيئًا سوى الأدوات المنزلية ... وهم أسخياء بعضهم لبعض غاية السخاء، وإذا ما فاض عند أحدهم فيض , ونقص عند الآخر ما يحتاج إليه، فلا بد أن يسد الأول بفيضه نقص زميله"، وكذلك كتب مبشر ديني يقول: "إن ما يثير الدهشة العميقة أن تراهم يعاملون بعضهم بعضًا برقة ومجاملة قل أن تراهما عند أكثر الأمم تحضرًا، وذلك بغير شك يرجع إلى أن لفظتي "ملكي" و"ملكك" اللتين قال عنهما القديس كريسوستم: إنهما تخدمان في قلوبنا شعلة الإحسان وتشعلان نار الجشع، لا يعرفهما هؤلاء الهمج". ويقول شاهد آخر: "لقد رأيتهم يقتسمون الصيد إذا كان لديهم ما يقتسم، لكني لا أذكر مثلًا واحدًا لتنازعهم أو لتوجيههم النقد لطريقة التقسيم , كأن يقولوا: إنه غير عادل أو غير ذلك من أوجه الاعتراض، إن الواحد منهم ليؤثر أن يرقد على معدته الخاوية، على أن يتهم بأنه أبى أن يعين المحتاج ... إنهم يعدون أنفسهم أبناء أسرة واحدة كبيرة". لماذا اختفت الشيوعية البدائية حين نهض الإنسان إلى ما نطلق عليه في شيء من التحيز اسم المدنية؟ يعتقد "سمنر" أنها دلت على أنها ليست بيولوجية في اتجاهها لأنها عقبة في سبيل تنازع البقاء، وأنها لم تحفز الناس بما يكفي لتشجيعهم على الاختراع والنشاط والاقتصاد، وأن عدم مكافأتها للأقدر وعقابها لمن هو أقل قدرة سوى بين الكفايات تسوية تعاند النمو وتعارض التنافس الناجح مع سائر الجماعات، وكتب "لوسكيل"، عن بعض القبائل الهندية في الشمال الشرقي يقول: "إنهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئًا بأنفسهم، بل يعتمدون كل الاعتماد على احتمال أن غيرهم لن يرفض أن يقاسموه في إنتاجه، ولما كان النشيط لا يتمتع من ثمار الأرض بأكثر مما يتمتع الخامل، فإن إنتاجهم يقل عامًا بعد عام" , ومن رأي دارون أن المساواة التامة بين الفويجيين تقضي على كل أمل في تحضرهم أو ربما قال الفويجيون في ذلك: إن المدنية إذا ما أتتهم فإنها ستقضي على المساواة القائمة بينهم، نعم إن الشيوعية طمأنت هؤلاء الذين خلصوا بحياتهم من حوادث الفقر والجهل وما يترتب

стр. 3586

عليهما من مرض في المجتمع البدائي، لكنها لم تنتشلهم من ذلك الفقر انتشالا، وأما الفردية فقد جاءت بالثراء، لكنها كذلك جرت معها القلق والرق، نعم إن الفردية حركت في الممتازين من الرجال قواهم الكامنة، لكنها كذلك نفخت نار التنافس في الحياة فأشعلتها، وجعلت الناس يحسون الفقر إحساسًا مريرًا، مع أن هذا الفقر لم يكن ليؤذي أحدًا حين استوى فيه الجميع. تستطيع الشيوعية أن تعيش في سهولة أكثر في مجتمعات دائمة الانتقال، لا يزول عنها الخطر والعوز، فالصائدون والرعاة ليس بهم حاجة إلى ملك يحتفظون به، لكن لما أصبحت الزراعة صورة الحياة المستقرة، لم يلبث الناس أن تبينوا أن العناية بالأرض تبلغ أقصاها من حيث غزارة الثمر إذا ما عاد جزاء تلك العناية إلى الأسرة التي قامت بها، فنتج عن ذلك بحكم الانتخاب الطبيعي الكائن بين النظم الاجتماعية والأفكار، كما هو كائن بين الأفراد والجماعات ينتج عن الانتقال من الصيد إلى الزراعة استتبع تحولًا من الملكية القبلية إلى ملكية الأسرة، وبذلك أصبحت أكثر الوحدات الاجتماعية اقتصادًا في نفقات الإنتاج، هي كذلك وحدة الملكية، فما أن أخذت الأسرة شيئًا فشيئًا تتخذ الصورة الأبوية التي تركز السلطة كلها في أكبر الذكور سنا، أخذت الملكية كذلك يزداد تركزها شيئًا فشيئًا في أيدي أفراد، ثم نشأ التوريث لشخص معين عن شخص معين، ولما كان كثيرًا ما يحدث لفرد مغامر أن يغادر مرفأ الأسرة الآمن، ليضرب بمغامراته خارج الحدود التي وقف عندها ذووه، ثم ينتهي به العمل المتصل الشاق أن يستولي على قطعة أرض من الغابة أو الحرج أو المستنقع، فإنه يحرص عليها حرصًا شديدًا لا يسمح لغيره بانتزاعها لأنها ملكه الخاص، حتى لتضطر الجماعة في النهاية أن تعترف بحقه فيها، وبهذا نشأ ضرب آخر من ضروب الملكية الفردية، ومثل هذا الاستيلاء على الأراضي أخذ يزداد اتساعًا حين ازداد السكان واستنفدت قوة الأرض القديمة، حتى وصل الأمر في المجتمعات الأكثر تعقدًا من سواها إلى أن باتت الملكية الفردية هي النظام السائد، ثم جاء اختراع المال فساعد هذه العوامل بتيسيره لجمع الثروة ونقلها وتحويلها، واتخذت حقوق القبيلة القديمة وتقاليدها صورة الملكية بمعناها الدقيق، وأما المالك عندئذ فهو أهل القرية جماعة أو الملك، ثم خضعت الملكية لإعادة التوزيع حينًا بعد حين، ومضى هنا العصر الذي جعل أمر الملكية يتذبذب فيه على هذا النحو من طرف إلى طرف، بين النظام القديم والنظام الجديد، وبعدئذ استقرت الملكية الفردية الخاصة استقرارًا لا شبهة فيه، وأصبحت هي النظام الاقتصادي الأساسي الذي أخذت به المجتمعات في العصور التي دون أخبارها التاريخ.

стр. 3587

ونواصل رحلتنا خلال العصور والأقطار المجاورة لشبه الجزيرة العربية مع ديورانت فنقف عند السومريين الذين يقول عنهم (١) : وكان نظام الإقطاع وسيلة حفظ النظام الاجتماعي في الإمبراطورية السومرية، فقد كان عقب كل حرب يقطع - أي الملك - للزعماء البواسل مساحات واسعة من الأرض ويعفيها من الضرائب , وكان من واجب هؤلاء الزعماء أن يحافظوا على النظام في إقطاعاتهم ويقدموا للملك حاجته من الجند والعتاد. وكانت موارد الحكومة تتكون من الضرائب التي تجبى عينًا وتختزن في المخازن الملكية وتؤدى منها مرتبات موظفي الدولة وعمالها. ثم يقول وهو يلخص مياسم الحضارة السومرية: نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات وأول نظم الري ... إلخ. فإذا انتقل إلى مصر تحدث في أولى خطاه إليها عن العلاقة الحضارية بينها وبين السومريين، فذكر من بينها ما يتصل بالزراعة , فقال: ولقد لفت "شوينفرث" أنظار العلماء إلى تلك الحقيقة الطريفة العظيمة الخطر، وهي أن الشعير والذرة الرفيعة والقمح وتأنيس الماشية والمعز والضأن وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد فيما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لا توجد في حالتها البرية الطبيعية في مصر بل في بلاد آسيا الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة، وهو يستدل من هذا على أن الحضارة، وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المتأنسة، قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشر منها في صورة "مثلث ثقافي" إلى ما بين النهرين (سومر وبابل وأشور) وإلى مصر. ولكن ما وصل إلى علمنا من تاريخ العرب القديم حتى الآن ليبلغ من القلة حدا لا تستطيع معه إلا أن تقول: إن هذا مجرد فرض جائز الوقوع (٢)

стр. 3588

ولقد سقنا هذه الفقرة استئناسًا إلى ما ذهبنا إليه من التفاعل الحضاري بين العرب ومن يجاورهم تفاعلًا كان في اعتبار التشريع الإسلامي الذي استهدف تنظيم الحياة البشرية تنظيما قائما على العدل بين الناس وتقويم عاداتهم وتقاليدهم وعدم الالتجاء إلى تغييرها جذريا ما أمكن التوفيق بينها وبين إقرار العدالة والسلم. ويقول ديورانت في وصف حضارة مصر: كان من وراء هؤلاء الملوك والمملكات بيادق مجهولون، ومن وراء تلك الهياكل والقصور والأهرام عمال المدن وزراع الحقول ويصفهم "هيرودوت" كما وجدهم حوالى عام ٤٥٥ ق. م. وصفًا تسوده روح التفاؤل فيقول: "إنهم يجنون ثمار الأرض بجهد أقل مما يبذله غيرهم من الشعوب، لأنهم يضطرون إلى تحطيم أخاديد الأرض بالمحراث أو إلى عزقها (١) أو القيام بعمل كالذي يضطر غيرهم من الناس إلى القيام به لكي يجنوا من ورائه محصولًا من الحب، ذلك أن النهر إذا فاض من نفسه وأروى حقولهم، ثم انحسر ماؤه عنها بعد إروائها، زرع كل رجل أرضه وأطلق عليها خنازيره، فإذا ما دفنت هذه الخنازير الحب في الأرض بأرجلها انتظر حتى يحين موعد الحصاد، ثم جمع المحصول.

стр. 3589

وكما كانت الخنازير تدوس الحب بأرجلها كذلك أنست القردة ودربت على قطف الثمار من الأشجار، وكان النيل الذي يروي الأرض يحمل لها في أثناء فيضانه مقادير كبيرة من السمك يتركها في المناقع الضحلة: وكانت الشبكة التي يصطاد بها السمك هي بعينها التي يحيط بها رأسه أثناء الليل ليتقي بها شر لذع البعوض. على أنه لم يكن هو الذي يفيد من سخاء النهر، ذلك بأن كل فدان من الأرض كان ملكًا لفرعون لا يستطيع غيره من الناس أن ينتفعوا به إلا بإذن منه. وكان على كل زارع أن يؤدي له ضريبة سنوية عينية تتراوح ما بين عشر المحصول وخمسه. وكان أمراء الإقطاع وغيرهم من الأثرياء يملكون مساحات واسعة من الأرض , وفي وسعنا أن نتصور ما كانت عليه أملاكهم من الاتساع إذا علمنا أن واحدًا منهم كان يملك ألفًا وخمسة مائة بقرة، وكانت الحبوب والسمك واللحوم أهم الأطعمة. وقد عثر على بقية من نقش يحدد ما يسمح للتلميذ أن يأكله ويشربه وقد ذكر فيه ثلاثة وثلاثون نوعًا من لحم الحيوان والطير، وثمانية وأربعون صنفًا من الشواء، وأربعة وعشرون من الشراب. وكان الأغنياء يبلعون طعامهم بالنبيذ والفقراء بشراب الشعير المخمر. وكانت معيشة الفلاحين معيشة ضنكًا. فأما من كان منهم مزارعًا "حرا" فلم يخضع إلا للوسيط والجابي، وكان هذان الرجلان يعاملانه على أساس المبادئ الاقتصادية التي ثبتت تقاليدها على مدى الأيام، فكانوا يأخذون من محصول الأرض كل ما تحمله وسائل النقل. قلت: من هذه النصوص التي نقلها ديورانت والتي قد تبدو متناقضة، إذ تنص على أن ملكية الأرض كلها كانت لفرعون فيما تنص على وجود الإقطاع ووجود المزارع الحر، تبين عند تأملها أن ملكية الأرض كانت عند المصريين في ذلك العهد قد تمايزت بين ملكية "الرقبة " وملكية "المنفعة" فلفرعون وحده ملكية "الرقبة"، ولغيره سواء كانوا إقطاعيين أو مزارعين أحرارا ملكية "المنفعة". وبهذا الفهم وحده ينزاح ما يبدو على النص من ظلال التناقض.

стр. 3590

وحين يتحدث ديورانت عن الدولة البابلية وهي دولة تجارية أساسًا، مركز الزراعة في اقتصادها مركز ثانوي، يذكر أن قانونها "يعد الملكية الفردية للعقار والمنقولات أمرًا مسلما به ولا جدال فيهًا" (١) فإذا انتقل ديورانت إلى الدولة الأشورية قال (٢) لم تكن الحياة الاقتصادية عند الأشوريين تختلف كثيرًا عنها عند البابليين، لأن هؤلاء وأولئك لم يكونوا في كثير من الأحوال إلا أبناء الشمال وأبناء الجنوب من حضارة واحدة. وأهم ما كان من البلدين من فروق أن المملكة الجنوبية كانت أكثر اشتغالا بالتجارة، على حين أن الشمالية كانت أكثر اشتغالا بالزراعة، فكان أثرياء البابليين تجارًا في الغالب، أما أثرياء الأشوريين فكانوا عادة من كبار الملاك، يشرفون بأنفسهم على ضياعهم الواسعة، ويزدرون ازدراء الرومان من بعدهم أولئك الذين كانوا يكسبون المال بشراء البضائع رخيصة وبيعها غالية , بيد أن النهرين نفسيهما كانا يفيضان على أرض المملكتين ويغذيانها ونظام الجسور والقنوات بعينه كان يسيطر فيهما على ما زاد من مياه النهرين والشواديف (٣) ذاتها كانت ترفع المياه من المجاري المنخفضة لتروي الحقول التي تزرع نفس القمح والشعير والذرة الرفيعة والسمسم. ويقول ديورانت عن فارس والأرض (٤) وكان الرجل العادي - يعني الفارسي - أميا راضيًا عن أميته، يبذل جهده كله في فلاحة الأرض.

стр. 3591

ثم يقول: وكانت بعض الأراضي يزرعها ملاكها المزارعون. وكان هؤلاء الملاك في بعض الأحيان يؤلفون جماعات زراعية تعاونية مكونة من عدة أسر لتزرع مجتمعة مساحات واسعة من الأرض، والبعض يمتلكه الأشراف الإقطاعيون ويزرعه مستأجروه نظير جزء من غلته، وبعضها الآخر يزرعه الأرقاء الأجانب (ولم يكونوا قط فرسا) وكانوا يستخدمون محاريث من الخشب ذات أطراف من الحديد تجرها الثيران، وكانوا يجرون الماء من الجبال إلى الحقول بطرق الري الصناعية. وكان الشعير والقمح أهم محاصيل الأرض وأهم مواد الغذاء، ولكنهم كانوا يأكلون كثيرًا من اللحم ويتجرعون كثيرًا من الخمر. ثم قال: وكان يربط معظم أفراد الطبقة الموسرة بالعرش أن الملك هو الذي يهبهم ضياعهم، وكان في مقابل هذا يمدونه بالرجال والعتاد إذا نفر إلى القتال. وكان لهؤلاء الأشراف في إقطاعاتهم سلطان لا يكاد يحده شيء، فكانوا يجبون الضرائب ويسنون القوانين، وينفذون أحكام القضاء، ويحتفظون بقواهم المسلحة. وحين يعرض ديورانت لليونان والأرض ينقل عن بعض المؤرخين قولهم: "إن "ليقورغ" (١) أعاد تقسيم أراضي "لكونيا" ثلاثين ألف قسم متساوية ووزعها على المواطنين" في حين ينقل عن مؤرخ آخر قوله: "إن تقسيما من هذا النوع لم يحدث قط". ثم يحاول أن يجمع بين الروايتين فيقول: "ولعل الذي حدث فعلًا أن الأملاك القديمة لم تمس , وإنما وزعت الأرض التي استولوا عليها حديثا توزيعًا متساويًا (٢)

стр. 3592

فإذا انتهى به المطاف إلى أثينا في عهدها الألجركي قال وهو يصف مجتمعها عندئذ: "وكان السكان ينقسمون من الوجهة الاقتصادية ثلاثة أقسام , كذلك فكان على رأسهم الأشراف الكريمو المحتد الذين كانوا يعيشون عيشة مترفة بالنسبة إلى غيرهم من الجماعات ويقيمون في المدن، بينما يقوم العبيد والعمال المأجورون بزراعة أملاكهم في الريف". ثم يقول: "وكان أفقر الأهلين عمال الأرض وهم الزراع الصغار الذين ينتزعون القوت من التربة الضنينة ومن شره المرابين والأشراف، وليس لهم من عزاء إلا التباهي من أنهم يملكون قطعة من الأرض. وكان بعض هؤلاء الزراع يملكون في أيامهم الخالية أراضي واسعة، ولكن زوجاتهم كن أكثر خصوبة من أرضهم، فتقسمت هذه الأراضي , ثم تقسمت بين أبنائهم وأحفادهم على مر الأجيال. وكان امتلاك العشائر أو الأسر الأبوية يزول زوالا سريعًا، كما كانت الأسوار والخنادق والحواجز تشير إلى الأملاك الفردية وما يصحبها من غيرة وتحاسد، ولما صغرت مساحة الأرض التي يملكها الأفراد وأضحت الحياة الريفية مزعزعة غير مأمونة باع كثيرون من الفلاحين أرضهم رغم ما كان يوقع على الذين يبيعونها من عقاب وما يحرمون بسببه من حقوق , ونزحوا إلى أثينا أو غيرها من المدن الصغرى ليشتغلوا فيها تجارًا أو صناعًا أو فعلة. وأصبح غيرهم ممن عجزوا عن تحمل التزامات الملكية، مستأجرين لضياع الأشراف أو عاملين فيها لقاء نصيب من غلتها. وظل غيرهم في أرضهم يكافحون، يقترضون المال بربا فاحش ويرهنون أرضهم ضمانًا لما اقترضوه، ولكنهم عجزوا عن الوفاء بديونهم وألفوا أنفسهم لاصقين بالأرض يلزمهم بذلك دائنوهم، ويعملون فيها عمل الرقيق الإقطاعيين. وكان الدائن المرهونة إليه الأرض يعد مالك الأرض الحقيقي حتى يسترد ماله من دين، وكان يضع عليها لوحًا من الحجر يعلن فيه هذه الملكية. وتضاءلت الملكية الصغيرة على توالي الأيام، وقل عدد الملاك واتسعت الأملاك الكبيرة. ويقول "أرسطاطاليس " في هذا: وأصبحت كل الأراضي ملكا لعدد من الناس، وتعرض الزراع هم وأزواجهم وأبناؤهم لأن يباعوا بيع الرقيق لا داخل البلاد فحسب بل خارجها أيضًا، إذا عجزوا عن أداء إيجار الأرض، أو الوفاء بما عليهم من ديون. وألحقت التجارة الخارجية واستبدال النقود بالمقايضة ضررًا آخر بالأهلين، لأن منافسة مواد الطعام المستوردة من خارج البلاد أبقت أثمان محصولاتهم منخفضة، على حين أن ما كان عليهم أن يؤدوه ثمنًا للسلع المصنوعة التي كانوا مضطرين إلى شرائها كانت تحدده عوامل لا سلطان لهم عليها، وظلت هذه الأثمان تزداد على توالي السنين. وإذا ما أجدبت البلاد عامًا حل الخراب بكثير من الزراع وهلك بعضهم جوعًا. وبلغ الضنك في "أتكا " درجة رحب معها الأهلون بالحرب وعدوها نعمة وبركة، فقد تؤدي إلى كسب أرض جديدة، وستؤدي حتما إلى قلة الأفواه التي تتطلب الطعام) (١)

стр. 3593

فإذا انتهى إلى ثورة "صولون" ونتائجها ذكر من بين أعماله الأولى أعمالا بسيطة ولكنها كانت من قبيل الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، وقد خيب آمال المتطرفين بإحجامه عن إعادة تقسيم الأرض. ولو أنه فعل هذا لأدى ذلك إلى الحرب الأهلية وإلى الفوضى التي تدوم جيلًا كاملًا، وإلى عودة الفوارق مسرعة , ولكن "صولون" استطاع بفضل قانونه الشهير قانون "السيسكثيا" أو رفع الأعباء، أن يلغي كما يقول "أرسطاطاليس" جميع الديون القائمة , سواء أكانت للأفراد أم للدولة". وهكذا حرر أراضي (أتكا) من جميع الرهون بجرة قلم، هذا إلى أنه أطلق سراح جميع من استرقوا أو التصقوا بالأرض وكل من بيعوا رقيقًا خارج البلاد وطلب إليهم أن يعودوا إلى مواطنهم، وحرم مثل هذا الاسترقاق في المستقبل. وخليق بنا أن نذكر من خصائص الخلق في هذا المقال أن بعض أصدقاء "صولون" قد عرفوا ما يعتزمه من إلغاء الديون فاشتروا أراضي واسعة مرتهنة ثم احتفظوا بها فيما بعد من غير أن يؤدوا ما عليها من رهون، ويحدثنا "أرسطاطاليس" بأسلوب تهكمي بأن هذا كان منشأ ثروات طائلة كثيرة العدد "ظن الناس" فيما بعد، أنها ترجع إلى أزمنة لا يذكرها الناس لعدم عهدها. وقال بعض الناس إن "صولون" قد تقاضى ثمن هذا العمل , وأنه استفاد منه، حتى تبين بعدئذ أنه وهو الدائن الكبير قد خسر بقانونه الشيء الكثير" (١) ويتطور التشريع في أثينا مع تطورها السياسي والحضاري ولكن حق الملكية يظل ثابتًا بل تزيد القوانين والدساتير ولعل من أسباب ذلك أن التشريع نشأ في أثينا من تجميع العادات التي كانت مقدسة عند الأثينيين لأن الآلهة ارتضتها، ثم تنظيمها وصياغتها في شكل قوانين. وفيما يتصل بالملكية منها يقول ديورانت: "وقانون الملكية صارم لا هوادة فيه , فالتعاقد واجب التنفيذ، وكان يطلب إلى القضاة أن يقسموا بأنهم "لن يطلبوا إلغاء الديون الخاصة، أو توزيع الأراضي أو المساكن التي يملكها الأثينيون" وكان كبير الأركونين - أي الحكام - حين يتولى منصبه في كل عام يكلف مناديًا بأن يؤذن في الناس أن "كل مالك سيبقى له ما يملك وسيظل صاحبه المطلق التصرف فيه". وكان حق الوصية لا يزال مقيدًا بقيود شديدة، فإن كان للمالك أبناء ذكور، فإن الفكرة الدينية القديمة عن الملك، والتي تربطها بتسلسل الأسرة وبالعناية بأرواح السلف تتطلب أن ينتقل هذا الملك من تلقاء نفسه إلى الأبناء الذكور، ذلك أن الوالد إنما كان يحتفظ بالملك وديعة لديه للأموات من الأسرة والأحياء منها ولمن يولدون من أبنائها.

стр. 3594

وكان الملك في أثينا يقسم بين الورثة الذكور كما هي الحال في فرنسا إلى حد كبير، وكان أكبرهم سنًا ينال نصيبًا أكبر بعض الشيء من سائر الورثة , ولم يكن الأثينيون كالإسبارطيين القدماء والإنجليز في هذه الأيام يبقون الملك من غير تقسيم ويعطونه أكبر الأبناء الذكور. وترى الزارع من عهد "هزيود " يحدد عدد أبنائه كما يفعل الفرنسيون في هذه الأيام حتى لا تنقسم أملاكه بين أبنائه انقسامًا يقضي عليها آخر الأمر، ولم تكن للأرملة أن ترث ملك زوجها، بل كان كل ما تناله من هذا الملك أن تسترد بائنتها , وكانت الوصايا معقدة في أيام "بركليز" تعقدها في أيامنا هذه، وكانت تصاغ في لغة شبيهة إلى حد كبير بلغة هذه الأيام والتشريع اليوناني في هذا كما هو في غيره من المسائل أساس التشريع الروماني الذي أصبح فيما بعد الأساس القانوني في المجتمع الغربي" (١) وعند حديثه عن العمل والثروة في أثينا الديمقراطية يقول: "وعماد المجتمع هو الفلاح أفقر الناس فيه وألزمهم له. وقد كان الفلاح في "أتكا " يستمتع على الأقل بحقوقه السياسية ذلك أن المواطنين وحدهم هم الذين كان يحق لهم أن يمتلكوا الأرض، وكان الفلاحون جميعهم تقريبًا يملكون الأرض التي يفلحونها وكان نظام امتلاك العشيرة كلها للأرض قد اختفى، واستقر نظام الملكية الفردية وتوطدت أركانه. وكانت هذه الطبقة من صغار الملاك في "أتكا"، كما هي الآن في فرنسا وأمريكا، قوة محافظة تعمل على الاستقرار في الديمقراطية، على حين أن سكان المدن الذين لا ملك لهم كانوا يدفعون الدولة على الدوام نحو الإصلاح والتغيير (٢) على أن هذا التقديس للملكية الفردية لا يلبث أن يتداعى أمام الدعوات الأفلاطونية الملحة في ضرورة نمط من الاشتراكية يشبه أن يكون شيوعية هذه الأيام , إذ وجدت هذه الدعوات تطبيقها في مصر على يد "البطالمة" أي: استطاع "البطالمة" إجراء تجربة واسعة في الاشتراكية الدولية.

стр. 3595

ويقول ديورانت في هذا الشأن: "لقد كانت ملكية الأرض من زمن بعيد عادة مقدسة في مصر، وكان لفرعون بوصفه ملكا وإلها حق كامل على الأرض وعلى ما تنتجه. ولم يكن الفلاح عبدًا، ولكنه لم يستطع أن يترك مكانه إلا بإذن من الحكومة، وكان يطلب إليه أن يورد الجزء الأكبر من محصوله إلى الدولة. وأبقى البطالمة على هذا النظام ووسعوا نطاقه باستيلائهم على الأراضي الواسعة التي كانت في عهد الأسرة الحاكمة السابقة ملكًا للأعيان المصريين أو الكهنة، وكانت هيئة بيروقراطية كبيرة من الموظفين المحكومين يؤديها الحراس المسلحون، تدير شؤون أرض مصر كلها كأنها مزرعة حكومية ضخمة. وكان هؤلاء الموظفون يعينون لكل زارع تقريبًا قطعة من الأرض التي ينبغي أن يزرعها والمحصولات التي يجب أن ينتجها (١) وكان في وسع الدولة أن تجنده ودوابه للعمل في المناجم وإقامة المباني العامة، والصيد، وشق قنوات الري، وإنشاء الطرق، وكانت محصولاته تكال بمكايل حكومية، ويدون الكتبة مقدارها وتدرس في أجران الملك، ويحملها الفلاحون أنفسهم إلى خزائن الملك. وكان يستثنى من هذا النظام بعض الحالات. فقد كان البطالمة يجيزون للفلاح أن يمتلك بيته وحديقته، ويجيزون الملكية الخاصة في الحواضر، ويؤجرون قطعًا من الأرض للجنود يكافئونهم بها على ما قدموا للدولة من خدمات. ولكن هذه الأرض المستأجرة كانت مقصورة في العادة على المساحات التي يوافق صاحبها على أن يخصصها للكروم، أو البساتين أو أشجار الزيتون، ولم يكن يسمح له أن يورثها أبناءه أو أن يوصي بها لمن يشاء، وكان للملك أن يلغي حق الإيجار متى أراد. ولما تحسنت حال هذه الأرض التي يشترك في ملكيتها الفرد والدولة بفضل جهود اليونان ومهارتهم بدأ أصحابها يطالبون بأن يكون لهم حق توريثها أبناءهم وكان العرف لا القانون يجيز هذا التوريث في القرن الثاني، ثم اعترف به القانون في القرن الأول قبل الميلاد، وتم بذلك التطور المألوف من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة. وما من شك في أن تطور هذا النظام الاشتراكي الحكومي قد حدث؛ لأن أحوال الزراعة في مصر كانت تتطلب من التعاون ووحدة العمل في الزمان والمكان أكثر مما تستطيع أن تهيئه الملكية الفردية، وأن مقدار ما يزرع من الغلات ونوعها يقفان على مقدار الفيضان السنوي، وكفاية نظام الري والقرف، وهذه كلها مسائل تتطلب أن تشرف عليها هيئة مركزية" (٢)

стр. 3596

وعرف الرومان الذين اقتبسوا أصول تشريعهم الأولى من اليونان، فضلًا عن مرورهم مثل غيرهم من الشعوب والأمم بالمراحل البدائية الأولى في تطورهم الحضاري، نظام الملكية الفردية. يقول ديورانت (١) "ونجد الملكية الفردية قائمة في روما منذ أقدم العصور المعروفة على أن بعض الأراضي تعد من الأملاك العامة التي تستولي عليها الدولة من طريق الفتح وتحتفظ لنفسها بملكيتها. وكانت أسرة الزراع في عهد الجمهورية الباكر تمتلك فدانين أو ثلاثة أفدنة (٢) , يشتغل عليها جميع أفرادها وعبيدها إن كان لها عبيد، وتعيش عيشة متقشفة على ما تنتجه من الغلات. ومع تطور التشريع الروماني طبقًا لتطورهم الحضاري تدعمت الملكية وتنوعت وتفرعت مقتضياتها وحاجاتها إلى الضبط والتقنين". يقول ديورانت (٣) : "وكان أكبر قسم في القانون الروماني هو الخاص بالملكية والالتزامات، والتبادل والتعاقد، والديون، ذلك أن الممتلكات العينية كانت هي حياة روما، وكان ازدياد الثروة واتساع التجارة يتطلبان طائفة من القوانين أكثر تعقيدًا إلى أبعد حد من قوانين العشرة الساذجة (٤) وكانت الملكية تجيء عن طريق الوراثة أو وضع اليد. وإذا كان الوالد يملك بوصفه وكيلًا عن الأسرة أو وليا عليها، فقد كان الأبناء والأحفاد ملاكًا بالإمكانية أو "ورثة أنفسهم"، حسب النص الفذ الوارد في القانون، فإذا مات الوالد من غير أن يترك وصية، ورث أبناؤه أملاك الأسرة من تلقاء أنفسهم، وورث الآباء من هؤلاء الأبناء حق الولاية على الأسرة. وبعد أن يورد تفاصيل تتصل بالوصية والإرث في القانون الروماني يقول:

стр. 3597

" ... يضاف إلى هذا أن الهبة كانت سبيلًا آخر إلى الفرار من قانون الوصية، غير أن الهبات التي كانت توهب قرب الوفاة كانت عرضة لأن تبحث بحثًا قانونيًا دقيقًا، وأضحت في عهد "جيستنيان" خاصة لنفس القيود التي كانت مفروضة على الوصايا (١) وكان الاستحواذ يجيء عن طريق الأيلولة أو الانتقال المترتب على قضية حكمت فيها المحاكم، فأما الأيلولة أو التسليم باليد فكانت الوسيلة إليها هي الهبة القانونية أو البيع أمام شهود ووجود كفتي ميزان يوضع فيهما سبيكة نحاسية رمزًا لمبدأ البيع. فإذا لم تسحبها هذه المراسيم القديمة، فإن القانون لا يقر أي انتقال للملك. وكانت هنالك ملكية وسطى أو إمكانية يعترف بها القانون وتسمى حق وضع اليد على الملك أو استخدامه: فكان الذين يفلحون أرض الدولة مثلا من هذا الصنف "الجالسين" لا المالكين، فإذا ما ظلوا عامين يشغلون هذه الأرض ولا ينازعهم فيها منازع أصبحوا ملاكًا لها لا شك في ملكيتهم، وكانت لهم بحق الانتفاع أو وضع اليد في لغة هذه الأيام (٢) , ولعل الحصول على الملك بعد شغله بهذه الوسيلة السهلة اللينة يرجع في أصله إلى عمل الأشراف الذين حصلوا به على الأراضي العامة، وبهذه الطريقة طريقة الملك بالانتفاع أو وضع اليد كانت المرأة التي تعاشر رجلًا عامًا كاملًا لا تغيب عنه فيه ثلاث ليال تصبح ملكا له. على أن تدعيم الملكية الفردية بدون قيد في القانون الروماني وفي الحياة الرومانية نتج عنه ما لا بد أن ينتج عن كل تشريع لا يفكر واضعوه تفكيرا محيطًا في جميع معقباته. ذلك بأن الزراعة كانت من أهم أسباب الثورة التي اكتسحت روما وكانت لها معقبات خطيرة حتى قال عنها ديورانت (٣)

стр. 3598

"ولم تنشب قط قبل الحرب أو بعدها إلى أيامنا هذه حرب كان لأهدافها من الخطر مثل ما كان لتلك الحرب ولم تمثل على المسرح العالمي في يوم من الأيام مأساة ما تمثيلا أقوى مما مثلت به مأساة تلك الأيام (١) وكان أول أسباب هذه الثورة تدفق الحبوب الناتجة من عمل الرقيق في صقلية وسردانية وأسبانيا وأفريقيا، وما أحدثه تدفقها من خراب حل بالزراع الإيطاليين، إذ خفض ثمن الحبوب التي تنتجها أراضيهم إلى أقل من تكاليف إنتاجها وكان سببها الثاني تدفق الرقيق الذين حلوا محل الزراع في الريف والعمال الأحرار في المدن، وكان ثالث هذه الأسباب زيادة عدد الضياع الواسعة، وكانت الدولة قد أصدرت في عام ٢٢٠ ق. م. قانونًا يحرم على أعضاء مجلس الشيوخ أن يتعاقدوا على الأعمال العامة أو يستثمروا أموالهم في التجارة، فما إن زاد ثراؤهم من غرائم الحرب اشتروا بهذه الأموال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وكانت الأرض في البلاد المفتوحة تقسم في بعض الأحيان قطعا صغيرة وتباع للرومان المستعمرين، وقلت بذلك حدة الفتن والنزاع القائمين في المدن، وأعطي جزء كبير من هذه الأراضي للممولين وفاء ببعض ما أقرضوه للدولة من أموال في أثناء الحرب، أما الجزء الأكبر فقد ابتلعه أعضاء مجلس الشيوخ ورجال الأعمال أو استأجروه بشروط حددها مجلس الشيوخ نفسه، وكان من أثر انتشار هذه الضياع الواسعة أن اضطر المالك الصغير إلى اقتراض المال بأرباح فاحشة يستحيل عليه الوفاء بها، فلم يلبث أن وقع في هاوية الفقر أو الإفلاس أو فقد أرضه ونزح إلى المدن ليسكن في أحيائها القذرة الحقيرة الوبيئة ... إلخ". ٦ - بعض المؤثرات في الفقه العقاري الإسلامي وإنما قطعنا كل هذه الأشواط في مواكبة تطور أنظمة الملكية عرفًا وتشريعًا لدى أهل الجزيرة العربية والشعوب المتصلة بها، لنستبين ويستبين معنا القارئ الكريم المؤثرات المتوالية والمتناسخة أحيانًا فيما انتهى إليه أمر التشريع العقاري في الفقه الإسلامي. ولقد ألمعنا فيما سلف إلى أن الشريعة الإسلامية لم تأت لتكون بدعا في الشرائع التي عرفها الإنسان ليس لها أصول من أوضاعه، وإنما جاءت تكييفًا وتنظيما لأوضاعه تلك لتقييمها على أساس من العدل والمساواة بين جميع أفراده وأممه.

стр. 3599

كما ألمعنا إلى رأينا في أن التشريع الإسلامي أعار الأوضاع العربية خاصة وأوضاع الشعوب المتصلة بالجزيرة العربية اعتبارًا خاصا لما يمتاز به العرب من وسطية حفظت لهم التوازن بين مقتضيات الحياة المادية الصرفة ومستلزمات الحياة الروحية الخالصة، وهذه الوسطية في رأينا من بين ما وصف به القرآن الكريم الأمة الإسلامية في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) وهي في رأينا أيضًا من مدلولات قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ، (٢) وقوله عز من قائل: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) والله أعلم. ومضيا مع هذا الفهم الذي يمثل واحدًا من أسس منهجنا في استشراف تطور التشريع الإسلامي فيما يتصل بالملكية. ألمعنا بالتشريعات البابلية والآشورية والمصرية والرومانية باعتبارها في رأينا مؤثرات في التشريعات العربية قبل الإسلام، ثم في اجتهادات بعض فقهاء المسلمين منذ العصر الأول. واستكمالا لهذه الأشواط، نقف مليا عند التشريعات العربية السابقة للبعثة النبوية، لكن ليس في تفاصيلها بل في مصادرها، إذ إن تفاصيلها لا تختلف في جوهرها عن مثيلاتها في مصادرها. ونقتبس من جواد علي قوله: "وإذا أردنا أن نتحدث بلغة هذا العصر عن أصول التشريع الجاهلي، أي عن المنابع التي أمدت فقه الجاهلية بالأحكام فإنا نرى أنها استمدت من العرف ومن الدين، ومن أوامر أولي الأمر، ومن أحكام ذوي الرأي " (٤) وجلي أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا جميعًا وثنيين فقد كان منهم بقايا الحنفاء الذين احتفظوا بأثارات من ملة إبراهيم ﵇ (٥) وكان منهم يهود (٦) وكان منهم نصارى (٧) بل تعددت فيهم المذاهب النصرانية (٨) وكان فيهم مجوس (٩) وإن كانوا قلة ينحصرون في الجنوب، في اليمن وما جاورها من المناطق التي احتلها الفرس حينًا.

стр. 3600

بيد أن المجوسية لم يكن لها من التأثير في الحياة العربية العامة، وخاصة في حياتها للشمال ما كان لليهودية والنصرانية فضلًا عن الحنفية والحنفاء. ذلك بأن علاقات العرب بفارس وحتى بالعراق العربية الخاضعة للهيمنة الفارسية في العهد الجاهلي أيام اللخميين ملوك الحيرة، لم تكن على نفس المستوى من الوثوق والسعة الذي كانت عليه العلاقات العربية مع الروم البيزنطيين، وعرب الشام (الغساسنة) الخاضعين لهيمنتهم مع الحبشة ومع الروم. تلك العلاقات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة قريش , إذ وصفها بما نتج عنها من (رحلة الشتاء والصيف) ومردها تاريخيا على الأرجح إلى عهد قصي بن كلاب الجد الرابع لرسول الله ﷺ ، إذ ذكر أنه هو الذي وضع أول اتفاق تجاري مع الببزنطيين يكفل بمقتضاه لأهل مكة إباحة الاتجار في الأصقاع الخاضعة لبيزنطة، وحماية قوافلهم في القبائل البدوية الخاضعة أو المتحالفة معها، والضاربة في الطريق بين مكة والشام. وقد نقل جواد علي (١) عن ابن قتيبة "خبرا مفاده أن (قيصر) أعان (قصيا) على (خزاعة) " وإذا صح الخبر فإن إجلاء خزاعة من مكة واستخلاص الكعبة وسدانتها لقريش، تم بإعانة من حاكم الشام. ولعل هذه الإعانة كانت مساعدة مالية أو إيعازًا منه "إلى الأعراب المحالفين للروم بمساعدته للتغلب على خزاعة " (٢) بل إن العلاقات بين مكة والشام البيزنطية بلغت من العمق حدا جعلت الطامعين في انتزاع حكم مكة من قصي يحاولون الاستعانة بحاكم الشام البيزنطي، أو ممثل بيزنطية لدى ملوك الشام - وهو في الغالب من يطلق عليه العرب كلمة "قيصر" - على تحقيق أطماعهم. فيقال: إن (عثمان بن الحويرث) سعى لدى البيزنطيين ملتمسًا مساعدته لتنصيب نفسه ملكًا على مكة وهو من (بني أسد بن عبد العزة) .

стр. 3601

"ويظهر أنه أدرك المرارة التي أصيب بها البيزنطيون من خروج الحبش من اليمن ومن دخول الفرس إليها، وسيطرتهم بذلك على باب المندب، مفتاح البحر الأحمر. فتقرب إلى الروم وتوسل إليهم لمساعدته بكل ما عنده من وسائل لتنصيب نفسه ملكًا على مكة , علما منه أن هذا الطلب سيجد قبولًا لديهم , وأن في إمكانهم في حالة عدم رغبتهم بمساعدته مساعدة عسكرية أو مالية، الضغط على سادات مكة ضغطًا اقتصاديًا بعرقلة تجارتهم مع بلاد الشام أو بمنع الاتجار مع مكة، أو برفع مقدار الضرائب التي تؤخذ عن تجارتهم، وبذلك يوافقون على الاعتراف به ملكًا عليهم على نحو ما كان عليه الملوك الغساسنة" (١) وواضح أنه لم يلق استجابة من البيزنطيين لتحقيق مطامعه، إذ واجه معارضة صامدة من أشراف مكة وأثريائها؛ لأنهم كانوا تجارًا يتاجرون مع الفرس والروم، وانحيازهم إلى الروم معناه خروج مكة عن سياسة الحياد التي اتبعوها اتجاه المعسكرين. وذلك من شأنه الإضرار بتجارتهم ووضعهم تحت رحمة الروم واحتكارهم وحدهم , فضلًا عن أن "بين أهل مكة رجال لهم شأن ومكانة في قومهم وكانوا أرفع منزلة من (عثمان بن الحويرث) ، لذلك لم يكن من الممكن بالنسبة لهم الانصياع له حتى وإن أرسل الروم جيشًا قويا منظما على مكة" (٢) وقد وقفنا هونا عند محاولة (عثمان) هذه لأنها تصور مدى ما وقر في أنفس الحجازيين من عمق العلاقة والتأثر والتأثير بين عرب شمال الجزيرة ومراكز الحكم في الشام، سواء كانت بيزنطية أم عربية خاضعة للبيزنطيين. وآية ذلك أن (عثمان) لم يحاول الاستعانة بالفرس وقد غلبوا على اليمن بعد أن أخفق في تحقيق مطامعه لدى البيزنطيين، إذ كان يدرك أن محاولة مثل هذه ستجلب له عداء أشد وعنادًا أصلب من أشراف مكة وأثريائها. وما نريد أن نتابع تطور العلاقات التجارية بين الحجازيين والروم، أو بينهم والحبشة، فذلك ليس من شأننا في هذا المجال , بحسبنا أن نؤكد مدى التفاعل الحضاري المنعكس على العادات والتقاليد والأعراف والتشريعات بين الفريقين تفاعلًا كان له أبلغ الأثر في تكييف مفاهيم الفقهاء للتشريع الإسلامي.

стр. 3602

ولم يكن هذا شأن أهل مكة وحدهم، وإنما كان شأن أهل (يثرب) - المدينة المنورة - الذين كانوا "تجارًا يخرجون إلى أسواق الشام فيتجرون بها". كذلك "كان يهود (يثرب) بما يحتاجون إليه من تجارات"، وكما كانت الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والإسلام يقدمون بالبر والشعير والزيت والتين والقماش وما يكون في الشام" (١) ويلاحظ من تتبع التاريخ التجاري لعرب شمال الجزيرة وخاصة الحجازيين، بل ولعرب اليمن أيضًا أن التجارة العربية مع الروم والحبشة كانت أوفر نشاطًا وأدق تنظيما وكانت موسمية على حين أن تجارتهم مع الفرس والعراق الخاضع لهيمنتهم كانت محدودة، ولعلها كانت فردية نتيجة لفرص وظروف لا يضبطها نظام زمني ولا تنظيم جماعي. يقول جواد علي (٢) "ولم يشر أهل الأخبار إلى رحلة على شكل رحلتي الشتاء والصيف إلى العراق، وإنما أشاروا إلى تجار كانوا يتاجرون مع الحيرة. ومعنى هذا ذهبوا قوافل صغيرة إلى العراق، لم تكن بحجم قوافل قريش إلى بلاد الشام أو اليمن، ولم يشر القرآن الكريم أيضًا إلى رحلة جماعية إلى العراق أو إلى موضع آخر. أو مما يدل على أن قريشًا كانت ترحل رحلتين جماعيتين كبيرتين في السنة إلى بلاد الشام في الصيف وإلى بلاد اليمن في الشتاء. أما رحلاتهم الأخرى فلم تكن ضخمة وجماعية، بل كانت قوافل دون القافلتين في الحجم، وكانت خاصة أصحابها أغنياء، لهم رؤوس أموالهم، يبعثون بقوافلهم على حسابهم، في كل وقت شاؤوا، وتكون أرباحهم لا يشاركهم فيها مشارك، وقد يرأسون بأنفسهم قوافلهم , فيذهبون بها إلى العراق، ولهم فيه تجار وأصحاب، فإذا باعوا عادوا ببضاعة جديدة وبما كسبوه إلى مكة.

стр. 3603

ويظهر أن قريشًا ومن على شاكلتها من تجار عرب الشمال لم يكونوا يتجهون وراء العراق فيتصلون بفارس مباشرة، وإنما كانت صلتهم بالفرس بواسطة عرب الحيرة وذلك خلافًا لما كانت عليه صلاتهم مع الروم والحبشة. فبالإضافة إلى انتظام التحرك الجاري بين الحجاز وكل من الروم والحبشة. كانت لأهل مكة أجهزة في الشام وفي الحبشة تشبه أن تكون نمطًا مختلطًا من التمثيل السياسي والتجاري". يقول جواد علي (١) "وقد أقام تجارهم وكالات ومتاجر في مواضع متعددة تتولى أمر البيع والشراء. ولعلهم كانوا يمثلون مصالح مكة السياسية في الحبش كذلك , كأن يتولى هؤلاء التفاوض في عقد عهود سياسية واقتصادية وما شابه ذلك. وقد كان اتصال أهل مكة بالحبشة وثيقًا ودائما. ويظهر أنهم كسبوا منافع مهمة من أعمالهم وانتقالهم إلى تلك البلاد. وقد عهدت قريش إلى أناس آخرين من رجالها. بقيادة قوافلها إلى بلاد الشام أو إلى اليمن. كما قام رجال منها بتجهيز قوافل لهم لتتاجر بأموالهم". ومع أن عرب يثرب لم يكونوا على مثل شهرة قريش بالتجارة , لأن أغلبهم كانوا منصرفين إلى الزراعة وخاصة النخيل، فإن منهم "من كان يتاجر مع بلاد الشام واليمن وله أموال شغلها في التجارة" كما يقول جواد علي (٢) وقد نستطيع أن نستشف "مياسم" من التشابه بين ما تواضع عليه العرب الجاهليون من قوانين أغلبها كان مجرد أعراف تقادم احترامها والالتزام بها وبين القوانين الرومانية. على أننا لا نريد في هذا المجال المحدود أن نتتبع هذه "المياسم" في شتى مجالات التشريع، إن نريد إلا أن نحاول استشفافها في نطاق مجالنا هذا، مجال "الملكية " و"المال" وما يتصل به.

стр. 3604

يقول جواد علي (١) : "الملكية حق محترم عند الجاهليين ولصاحب الملكية حق المحافظة على ما يملك والدفاع عنه. ويدخل في ملكية الإنسان كل ما ملكه أو استولى عليه ولم ينتزعه منه أحد مثل الغنائم والسلب والأسر وما شابه ذلك. وعلى المالك الدفاع عن حقه في ملكه وإثباته. ومن أنواع الملكية: تملك العقار وبقية الأشياء الثابتة والأموال المنقولة". ثم يقول: "والملكية نوعان: ملكية ثابتة وملكية متنقلة، ومن النوع الأول العقار، مثل الدور والأرض. ومن النوع الثاني المال وهو الإبل عند الجاهليين بصورة خاصة، والمواشي بالنسبة للمزارعين والرعاة وأهل المدن، وأثاث البيت، سواء كان البيت مستقرًا مثل بيوت أهل المدر أو متنقلًا مثل بيوت أهل الوبر. وأغلب ملك الأعراب هو ملك مستقل. وذلك لأن الحياة التي يحيونها هي حياة تنقل، أما الملك الثابت، أي الأرض , فإنه ملك لهم ما داموا فيه , فإذا ارتحلوا عنه، انتقلت ملكيتهم إلى الأرض الجديدة التي ينزلون بها فيملكونها طوعًا، أي من غير مقاومة أو بحق السيف. ويدخل في باب الملك كل شيء وضع ليستفاد منه أو ليدل على حماية ملك، أو يفهم من وضعه أنه ذو فائدة وأن له صاحبًا، كجدران الأملاك وحيطان البساتين أو سور القرى أو الرجمات وهي أحجار القبور. وقد عثر المنقبون على رجام في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، كتب عليها: أن لعنة الآلهة على من يرفع هذا الحجر عن موضعه وعلى من يغيره أو يأخذه أو يتصرف به. كما سألوا الآلهة بأن تنزل الأمراض ومنها العمى والبرص وأنواع الأذى والشر بكل من يتطاول على هذه الرجام، أو على معالم القبور أو القبور، وذلك لأنها ملك. ولا يجوز لأحد التصرف بملك غيره بأي وجه من الوجوه. وقد أخذ الجاهليون بحق الشفعة في شراء الملك كالدور والأرض" , كما عرفوا " الرق " وما يتصل به من العتق والمكاتبة والتدبير. كذلك عرفوا الأموال الثابتة , وفي ضمنها البيوت، وهي تباع وتشترى وتؤجر وترهن بحسب رغبة صاحبها. ولأجل إثبات حق تملك الأفراد للبيوت، كانوا يثبتون أحجارًا مكتوبة على واجهة البيت في بعض الأحيان يدون عليها اسم مالك البيت والعمار الذي بنى البيت والزمن الذي بني فيه، أو الزمان الذي أجريت فيه ترميمات عليه. والحجر عندهم في مقام سند التملك في أيامنا هذه.

стр. 3605

وتوضع على حدود الملك، ولا سيما حدود الحقول والبساتين، علامات. ولا نكاد نجد في الفقه الإسلامي تشريعًا يتصل بشؤون الأموال أو بالجنايات أو بالأحوال الشخصية ليس له مثيل في التشريع العربي الجاهلي وإن اختلفا في كثير من الجزئيات نتيجة الاختلاف بين ما هو من وضع البشر الناتج عن الأعراف وما هو من وضع الله القائم على الحق الهادف إلى إقرار العدل. وما من أحد يستطيع أن يماري في التفاعل بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني، كما أنه ما من أحد يستطيع أن يماري في أوجه الشبه العديدة بين الشرائع المعمول بها عند الجاهليين وخاصة عرب الشمال، والتي كانت أعرافًا فتطورت إلى شرائع، وبين الشرائع الرومانية والبابلية ما كان منها قبل التدوين وما كان بعده. ولقد ألححنا في تأكيد هذا الشبه لأننا سنلمسه في مسارنا ونحن نستتبع ونستقرئ خطوات التشريع الإسلامي نصوصًا واجتهادات فيما يتعلق بالملكية والأموال. ٧ - تطور مدلول الملكية في الفقه الإسلامي: لم نقف على تعريف دقيق لـ"الملك " أو "الملكية"، عند الفقهاء المسلمين الأول، ومرد ذلك عندنا إلى أنهم لم يكونوا قد تأثروا بالمنطق الصوري "الأرسطي" الذي تأثر به المتأخرون فصرف جانبًا من جهدهم الفكري إلى صياغة "التعريفات" و"الحدود، وإنما كان همهم تمييز الأحكام وتبيين مصادرها وأدلتها تمييزًا وتبيينًا يستمدان من النصوص القرآنية والسنية ومن التطبيقات المأثورة عن العصر الأول، عصر الصحابة وكبار التابعين. وكان الجانب التطبيقي هو المستحوذ على جهودهم الفكرية تتناوله بالتمييز والتمحيص والتحليل والتعليل. وكانوا على قناعة كاملة بأن مهمة الفقيه هي مواجهة كل حدث وكل واقعة في ظروفها وشكلها بالحكم الذي يوائمها طبقًا لظروفها وشكلها وأسباب وقوعها والعواقب المحققة أو المرجحة لوقوعها. فلما هيمن التقليد على الفقهاء والمتفقهين، واستحوذ المنطق الصوري على جهدهم الفكري بعد عصر التدوين وعصر أئمة الاجتهاد الأول وعصر تمحيص الآثار المدونة بالأحكام والآراء الاجتهادية , وجدوا "مشغلة" لهم في وضع الحدود والتعريفات ومناقشة ألفاظها ونقدها وتعديلها بالزيادة أو النقص أو إعادة الصياغة مما يرتؤونه ضروريا، إما للمزيد من الضبط أو للمزيد من البيان. وقد واكب هذا الاتجاه في جهود الفقهاء والمتفقهين اتجاه آخر فيها أيضًا هو العناية بوضع "المختصرات"، ثم شرحها ثم تهميش وتذييل كل من المختصرات والشروح بالحواشي والتعاليق والتقارير. وعماد هذه المختصرات والشروح والذيول "اجتهاد" ثري - ثراء يثير الإعجاب بما صرف فيه من جهد مضن بقدر ما يثير الأسى لقلة جدواه، وأحيانًا لعدم جدواه إطلاقًا - في تمييز الألفاظ وتمحيصها ومناقشتها ووضع الحدود والتعريفات لها، حتى لا يكاد القارئ يتساءل في كثير من الأحيان ما جدوى هذا التدقيق المسرف في توجيه وتحليل ألفاظ وضعها البشر، في حين أن المسلم ينحصر تكليفه بالفهم فهما صحيحًا للنصوص المؤصلة للشريعة من قرآنية وسنية.

стр. 3606

ونكاد نجزم بأن هذا الاتجاه من مقلدي الفقهاء والمتفقهين جاء نتيجة اتصال مباشر من بعضهم، وغير مباشر من آخرين بالتشريع الروماني الذي كان قائما على "صياغات" وضعية، وكان من الطبيعي أن يخضع استنباط الحكم منها فضلًا عن تطبيق أحكامها للدقة القصوى في فهم ألفاظها وتمييزها وتمحيصها وتعليلها وتحليلها للتأكد من أن تطبيق أحكامها أو استنباط حكم جديد منها، لا يخرج عن مقاصد ومدارك واضعيها الأولين , إذ إن تلك التشريعات بلغت لدى الملتزمين بها من متدينين وغير متدينين - باعتبار المسيحية دينًا تعبديا - وقبل أن يفتحوا لأنفسهم مجال الاجتهاد ويتحرروا من قيودها جزئيا أو كليا، أقصى ما يمكن أن تتصوره مداركهم ومواجدهم من الاحترام والتقديس. على أن هذا الذي نرتئيه من تأثر فقهاء ومتفقهي ما بعد عصور الاجتهاد بكل من المنطق الصوري والتشريع الروماني وما تفرع عنه من حواشي وشروح وتعاليق، لا يصرفنا عن الوقوف عند تعريفاتهم وحدودهم التي وضعوها لـ "الملك" و"الملكية" استكمالا لعناصر وأطوار التصور البشري لكل منهما واستئناسًا بها في محاولتنا استشراف الحكم الشرعي الصحيح الدقيق فيما يتداوله الناس من أموال، وفيما يترتب عليهم أو لهم من تداوله من حقوق وواجبات، ذلك بأن اجتهادات فقهية متأخرة اعتمدت بعض تلك التعريفات والحدود، أو استأنست بها نشأت عنها تصورات وأحكام لا سبيل إلى إعقابها، بل ولا إلى عدم اعتمادها في محاولتنا هذه وما على شاكلتها من جهود لتوضيح معالم التشريع الاقتصادي الإسلامي في شكل يتماثل مع صيغ التشريعات الاقتصادية المعاصرة تماثلا يهيئ له قابلية الموازنة والمقارنة والمفاصلة والتنظير. ويتراءى لنا أن أدق التعريفات والحدود التي اطلعنا عليها في هذا المجال، تعريف شهاب الدين القرافي (١) الذي نورده مع تحليله وتعديله له على طوله , لما يتضمنه من إشارة إلى أحكام قد نلفت إليها فيما نستقبل من هذا البحث. يقول ﵀ في " الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف ":

стр. 3607

"يعلم أن الملك أشكل ضبطه على كثير من الفقهاء فإنه عام يترتب على أسباب مختلفة: البيع، والهبة، والصدقة والإرث وغير ذلك، فهو غيرها ولا يمكن أن يقال: هو التصرف؛ لأن المحجور عليه يملك ولا يتصرف، فهو حينئذ غير التصرف , فالتصرف والملك كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فقد يوجد التصرف بدون الملك، كالوصي والوكيل والحاكم وغيرهم يتصرفون ولا ملك لهم، ويوجد الملك بدون التصرف كالصبيان والمجانين وغيرهم يملكون ولا يتصرفون، ويجمع الملك والتصرف في حق البالغين الراشدين النافذي الكلمة الكاملي الأوصاف. وهذا هو حقيقة الأعم من وجه والأخص من وجه، أن يجتمعا في صورة وينفرد كل واحد منهما بنفسه في صورة كالحيوان والأبيض. والعبارة الكاشفة عن حقيقة الملك أنه حكم شرعي مقدم في العين أو المنفعة، يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك (١) أما قولنا: حكم شرعي، فبالإجماع لأنه يتبع الأسباب الشرعية. وأما أنه مقدر، فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع , والتعلق عدمي ليس وصفًا حقيقيًا، بل يقدر في العين أو المنفعة عند تحقق الأسباب المفيدة للملك (٢) وقولنا: في العين أو المنفعة تملك كالبيع، والمنافع كالإجارات.

стр. 3608

وقولنا يقتضي انتفاعه بالمملوك ليخرج التصرف للوصية والوكالة، وتصرف القضاة في أموال الدائنين والمجانين، فإن هذه الطوائف لهم التصرف بغير الملك. وقولنا: أو العوض عنه , ليخرج عنه الإباحات في الضيافات , فإن الضيافة مأذون فيها , وليست مملوكة على الصحيح , ويخرج أيضًا الاختصاصات بالمساجد والربط والخوانق (١) ومواضع المطاف والسكك ومقاعد الأسواق، فإن هذه الأمور لا ملك فيها مع المكنة الشرعية من التصرف في هذه الأمور. وقولنا: من حيث هو كذلك , إشارة إلى أنه يقتضي ذلك من حيث هو، وقد يختلف عنه ذلك لمانع يعرض كالمحجور عليهم , لهم الملك , وليس لهم المكنة من التصرف في تلك الأعيان المملوكة. لكن تلك الأملاك في تلك الصور لوجود النظر فيها اقتضت مكنة التصرف، وإنما جاء المنع من أمور خارجة، ولا تنافي بين القبول الذاتي والاستحالة لأمر خارجي، ولذلك نقول: أن جميع أجزاء العالم لها القبول للوجود والعدم بالنظر إلى ذواتها، وهي إما واجبة لغيرها إن علم الله تعالى وجودها , أو مستحيلة لغيرها إن علم الله تعالى عدمها. وكذلك ههنا بالنظر إلى الملك، يجوز التصرف المذكور، وبالنظر لما عرض من الأسباب الخارجة يقتضي المنع من التصرف لسنا ندري لماذا لم ينتبه القرافي ﵀ إلى ما في عمق كلامه من تناقض , فإقراره مبدأ امتناع التصرف عن بعض الطوائف التي ينسب إليها "الملك" كالصبيان والمحجورين كان ينبغي أن يلفته إلى حقيقة جوهرية هي مدار الحكم ومدركه في هذا الشأن وهي أن علاقة الإنسان بما لديه من المال الثابت والمنقول علاقة خاضعة لضوابط، فإن اختل ضابط أو أكثر من تلك الضوابط تقلص مجال العلاقة أو زالت زوالا تاما ومعنى هذا أنه ليس للإنسان الحق المطلق أو "السيادة" أو "ملكية الرقبة" فيما لديه أو فيما صار أو يصير إليه من المال الثابت أو المتنقل وإنما الذي له هو حق الاستعمال إذا أحسن الاستعمال؛ لأن ما أشار إليه القرافي من الامتناع الطارئ الذي يقلص ما سماه بالملك ويخول التصرف فيه إلى الغير هو نفسه ما نعتمد عليه من اعتبار العلاقة بين الإنسان وبين المال أو ما يسميه القرافي الملك هي في الحقيقة "وظيفة" تزول عنه أو ينحصر مداها تبعًا لمدى صلاحه وقابليته للاطلاع بمقتضياتها وهذا المعنى العميق هو ما لم ينتبه إليه القرافي فمضى ينقض نفسه بما اعتبره تقريرًا أو توضيحًا لرأيه. فتأمل.

стр. 3609

وكذلك إذا قلنا: الأوقاف على ملك الواقفين، مع أنه لا يجوز لهم البيع وملك العوض عنها بسبب ما عرض من المانع من البيع كالحجر المانع من البيع، فقد انطبق هذا الحد على الملك. فإن قلت: قد قالت الشافعية: إن الضيافة تملك، وهل بالمضغ أو البلع أو غير ذلك على خلاف عندهم، فهذا ملك مع أن الضيف لا يتمكن من أخذ العوض على ما قدم له، ولا يتمكن من إطعامه لغيره، ولذلك قال المالكية: إن الإنسان قد يملك أن يملك، وهل يعد مالكًا أو لا , قولان: فمن ملك أن يملك لا يتمكن من التصرف ولا أخذ العوض من ذلك الشيء الذي ملك أن يملكه مع أنهم قد صرحوا بحقيقة الملك من حيث الجملة. وكذلك قال المالكية وغيرهم: إن الإنسان قد يملك المنفعة، وقد يملك الانتفاع فقط، كبيوت المدارس والأوقاف والربط ونحوها. مع أنه في هذه الصور، لا يملك أخذ العوض عن تلك المنافع. قلت: أما السؤال الأول فإن الصحيح في الضيافات أنها إباحات , لا تمليك هذا نمط من اختلاف الفقهاء الذي لا طائل وراءه , لأنه عند التحقيق والتحرير لا يتصور عمليا أن ينتج عنه حكم له أثره في المعاملة بين الناس. فالضيافة نمط من الهبة لكنها هبة منضبطة بظرف زمني وبيئوي لا تتجاوزه , ومجالها إعطاء المضيف ضيوفه حق التصرف بالانتفاع والنفع بما قدمه إليهم من طعام أو شراب أو فيما يسر لهم من سكن خلال فترة الضيافة ونقول: حق الانتفاع والنفع لرفع كل التباس مما يثيره المتفقهة ولا طائل وراءه فيما يحدث عالق بين الضيوف من إيثار بعضهم بعضًا بشيء مما قدم إليهم من مأكل أو مشرب أو سكن إيثارًا مصدره رغبتهم في إكرام بعضهم بعضًا تعبيرًا عن الود أو التوقير وهو أمر جرت العادة بين الناس على التعامل به ولم يحدث عمليا أن تحرج أحد منه بدعوى أن المضيف خول له أو لمن أكرمه حق الانتفاع شخصيا بما أكرمه به ولم يخوله حق النفع. أما موضوع سكنى المدارس فهو مختلف بعض الشيء عن موضوع الضيافة، فالطلبة الذين يسكنون المدارس يسكنونها بالحق الذي خوله لهم الوقف أثناء ممارستهم للدراسة وهم بذلك لا يملكون "المنفعة" وإنما يملكونا "الانتفاع" و"النفع" إذا لم يحظره قانون المدرسة أو نص الوقف. ومعنى "النفع" الذي يملكونه ما لم يحظره قانون أو نص هو أن للطالب أن يسكن معه رفيقًا له طيلة فترة سكناه أو أمدا منها , لكن بدون أجر؛ لأن إسكانه بأجر إنما تخوله ملكة "المنفعة" وهي غير متاحة له. فتأمل. كما أباح الله السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة لمن أراد تناوله. ولم يقل: إن هذه الأمور مملوكة للناس (١) فكذلك الضيف جعل له أن يأكل إن أراد أو يترك.

стр. 3610

والقول بأنه يملك مشكل، فإن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة، وبعد أن بلع الطعام، كيف يبقى سلطان بعد ذلك على الانتفاع بتلك الأعيان لأنها فسدت عادة، ولم تبق مقصودة للتصرف البتة، فالحق أنها إباحات لا تمليكات (١) وأما السؤال الثاني، فنقول للمالكية: إن من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أو لا؟ قولان، وقد تقدم أن هذه العبارة رديئة جدا أنها لا حقيقة لها، فلا يصح إيراد النقض بها على الحد لأنا نمنع الحكم فيها. وأما السؤال الثالث وهو ملك الانتفاع دون المنفعة فهو يرجع للإذن والإباحة كما في الضيافة، فتلك المساكن مأذون فيها لمن قام بشرط الواقف (٢) لا أنها فيها ملك لغير الواقف (٣) بخلاف ما يطلق من الجامكيات فإن الملك فيها يحصل لمن حصل له شرط الواقف , فلا جرم صح أخذ العوض بها أو عنها لم نعثر في مصادر اللغة على كلمة "الجامكيات" ولعل فيها تحريفًا أو أنها من العامية المستعملة في موطن القرافي ويظهر أنه يقصد بها ما يمكن استغلاله أو الانتفاع به من الغلال والخضروات. وإذا فتحرير الأمر في هذه المسألة هو أن حق الانتفاع أو النفع ينضبط بشروط الواقف , فإذا أباح الواقف الأكل فحسب , لم يجز للمنتفع البيع أو الهبة إلا في حالة الضرورة مثل أن يكون مضطرا إلى ما يقيه البرد أو الحر أو يستر عورته ولا يجد وسيلة لاقتنائه إلا ببيع شيء مما أبيح له استغلاله عن طريق الوقف وهذه حالة خاصة داخلة في نطاق "الضرورات تبيح المحظورات" أما في الأحوال العادية فشرط الواقف - مادام في نطاق الشرعية غير متجانف لإثم – هو الذي يضبط مدى حق الانتفاع بالوقف لمن توفرت فيه الشروط المؤهلة له أن ينتفع به. فإن قلت: إذا أتضح حد الملك فهل هو من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف الذي هو من الأحكام الخمسة. قلت: الذي يظهر لي أنه من أحد الأحكام الخمسة. وهو إباحة خاصة في تصرفات خاصة، وأخذ العوض عن ذلك المملوك على وجه خاص كما قررت قواعد المعاوضات في الشريعة وشروطها وأركانها وخصوصيات هذه الإباحة هي الموجبة للفرق بين المالك وغيره من جميع الحقائق. لذلك قلنا: إنه معنى شرعي مقدر، نريد أنه متعلق الإباحة , والتعلق عدمي من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان، فهو أمر يفرضه العقل كسائر النسب والإضافات كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر وغير ذلك.
следующие страницы →