← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ونكاد نجزم بأن هذا الاتجاه من مقلدي الفقهاء والمتفقهين جاء نتيجة اتصال مباشر من بعضهم، وغير مباشر من آخرين بالتشريع الروماني الذي كان قائما على "صياغات" وضعية، وكان من الطبيعي أن يخضع استنباط الحكم منها فضلًا عن تطبيق أحكامها للدقة القصوى في فهم ألفاظها وتمييزها وتمحيصها وتعليلها وتحليلها للتأكد من أن تطبيق أحكامها أو استنباط حكم جديد منها، لا يخرج عن مقاصد ومدارك واضعيها الأولين , إذ إن تلك التشريعات بلغت لدى الملتزمين بها من متدينين وغير متدينين - باعتبار المسيحية دينًا تعبديا - وقبل أن يفتحوا لأنفسهم مجال الاجتهاد ويتحرروا من قيودها جزئيا أو كليا، أقصى ما يمكن أن تتصوره مداركهم ومواجدهم من الاحترام والتقديس. على أن هذا الذي نرتئيه من تأثر فقهاء ومتفقهي ما بعد عصور الاجتهاد بكل من المنطق الصوري والتشريع الروماني وما تفرع عنه من حواشي وشروح وتعاليق، لا يصرفنا عن الوقوف عند تعريفاتهم وحدودهم التي وضعوها لـ "الملك" و"الملكية" استكمالا لعناصر وأطوار التصور البشري لكل منهما واستئناسًا بها في محاولتنا استشراف الحكم الشرعي الصحيح الدقيق فيما يتداوله الناس من أموال، وفيما يترتب عليهم أو لهم من تداوله من حقوق وواجبات، ذلك بأن اجتهادات فقهية متأخرة اعتمدت بعض تلك التعريفات والحدود، أو استأنست بها نشأت عنها تصورات وأحكام لا سبيل إلى إعقابها، بل ولا إلى عدم اعتمادها في محاولتنا هذه وما على شاكلتها من جهود لتوضيح معالم التشريع الاقتصادي الإسلامي في شكل يتماثل مع صيغ التشريعات الاقتصادية المعاصرة تماثلا يهيئ له قابلية الموازنة والمقارنة والمفاصلة والتنظير. ويتراءى لنا أن أدق التعريفات والحدود التي اطلعنا عليها في هذا المجال، تعريف شهاب الدين القرافي (١) الذي نورده مع تحليله وتعديله له على طوله , لما يتضمنه من إشارة إلى أحكام قد نلفت إليها فيما نستقبل من هذا البحث. يقول ﵀ في " الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف ":

стр. 3607

"يعلم أن الملك أشكل ضبطه على كثير من الفقهاء فإنه عام يترتب على أسباب مختلفة: البيع، والهبة، والصدقة والإرث وغير ذلك، فهو غيرها ولا يمكن أن يقال: هو التصرف؛ لأن المحجور عليه يملك ولا يتصرف، فهو حينئذ غير التصرف , فالتصرف والملك كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فقد يوجد التصرف بدون الملك، كالوصي والوكيل والحاكم وغيرهم يتصرفون ولا ملك لهم، ويوجد الملك بدون التصرف كالصبيان والمجانين وغيرهم يملكون ولا يتصرفون، ويجمع الملك والتصرف في حق البالغين الراشدين النافذي الكلمة الكاملي الأوصاف. وهذا هو حقيقة الأعم من وجه والأخص من وجه، أن يجتمعا في صورة وينفرد كل واحد منهما بنفسه في صورة كالحيوان والأبيض. والعبارة الكاشفة عن حقيقة الملك أنه حكم شرعي مقدم في العين أو المنفعة، يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك (١) أما قولنا: حكم شرعي، فبالإجماع لأنه يتبع الأسباب الشرعية. وأما أنه مقدر، فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع , والتعلق عدمي ليس وصفًا حقيقيًا، بل يقدر في العين أو المنفعة عند تحقق الأسباب المفيدة للملك (٢) وقولنا: في العين أو المنفعة تملك كالبيع، والمنافع كالإجارات.

стр. 3608

وقولنا يقتضي انتفاعه بالمملوك ليخرج التصرف للوصية والوكالة، وتصرف القضاة في أموال الدائنين والمجانين، فإن هذه الطوائف لهم التصرف بغير الملك. وقولنا: أو العوض عنه , ليخرج عنه الإباحات في الضيافات , فإن الضيافة مأذون فيها , وليست مملوكة على الصحيح , ويخرج أيضًا الاختصاصات بالمساجد والربط والخوانق (١) ومواضع المطاف والسكك ومقاعد الأسواق، فإن هذه الأمور لا ملك فيها مع المكنة الشرعية من التصرف في هذه الأمور. وقولنا: من حيث هو كذلك , إشارة إلى أنه يقتضي ذلك من حيث هو، وقد يختلف عنه ذلك لمانع يعرض كالمحجور عليهم , لهم الملك , وليس لهم المكنة من التصرف في تلك الأعيان المملوكة. لكن تلك الأملاك في تلك الصور لوجود النظر فيها اقتضت مكنة التصرف، وإنما جاء المنع من أمور خارجة، ولا تنافي بين القبول الذاتي والاستحالة لأمر خارجي، ولذلك نقول: أن جميع أجزاء العالم لها القبول للوجود والعدم بالنظر إلى ذواتها، وهي إما واجبة لغيرها إن علم الله تعالى وجودها , أو مستحيلة لغيرها إن علم الله تعالى عدمها. وكذلك ههنا بالنظر إلى الملك، يجوز التصرف المذكور، وبالنظر لما عرض من الأسباب الخارجة يقتضي المنع من التصرف لسنا ندري لماذا لم ينتبه القرافي ﵀ إلى ما في عمق كلامه من تناقض , فإقراره مبدأ امتناع التصرف عن بعض الطوائف التي ينسب إليها "الملك" كالصبيان والمحجورين كان ينبغي أن يلفته إلى حقيقة جوهرية هي مدار الحكم ومدركه في هذا الشأن وهي أن علاقة الإنسان بما لديه من المال الثابت والمنقول علاقة خاضعة لضوابط، فإن اختل ضابط أو أكثر من تلك الضوابط تقلص مجال العلاقة أو زالت زوالا تاما ومعنى هذا أنه ليس للإنسان الحق المطلق أو "السيادة" أو "ملكية الرقبة" فيما لديه أو فيما صار أو يصير إليه من المال الثابت أو المتنقل وإنما الذي له هو حق الاستعمال إذا أحسن الاستعمال؛ لأن ما أشار إليه القرافي من الامتناع الطارئ الذي يقلص ما سماه بالملك ويخول التصرف فيه إلى الغير هو نفسه ما نعتمد عليه من اعتبار العلاقة بين الإنسان وبين المال أو ما يسميه القرافي الملك هي في الحقيقة "وظيفة" تزول عنه أو ينحصر مداها تبعًا لمدى صلاحه وقابليته للاطلاع بمقتضياتها وهذا المعنى العميق هو ما لم ينتبه إليه القرافي فمضى ينقض نفسه بما اعتبره تقريرًا أو توضيحًا لرأيه. فتأمل.

стр. 3609

وكذلك إذا قلنا: الأوقاف على ملك الواقفين، مع أنه لا يجوز لهم البيع وملك العوض عنها بسبب ما عرض من المانع من البيع كالحجر المانع من البيع، فقد انطبق هذا الحد على الملك. فإن قلت: قد قالت الشافعية: إن الضيافة تملك، وهل بالمضغ أو البلع أو غير ذلك على خلاف عندهم، فهذا ملك مع أن الضيف لا يتمكن من أخذ العوض على ما قدم له، ولا يتمكن من إطعامه لغيره، ولذلك قال المالكية: إن الإنسان قد يملك أن يملك، وهل يعد مالكًا أو لا , قولان: فمن ملك أن يملك لا يتمكن من التصرف ولا أخذ العوض من ذلك الشيء الذي ملك أن يملكه مع أنهم قد صرحوا بحقيقة الملك من حيث الجملة. وكذلك قال المالكية وغيرهم: إن الإنسان قد يملك المنفعة، وقد يملك الانتفاع فقط، كبيوت المدارس والأوقاف والربط ونحوها. مع أنه في هذه الصور، لا يملك أخذ العوض عن تلك المنافع. قلت: أما السؤال الأول فإن الصحيح في الضيافات أنها إباحات , لا تمليك هذا نمط من اختلاف الفقهاء الذي لا طائل وراءه , لأنه عند التحقيق والتحرير لا يتصور عمليا أن ينتج عنه حكم له أثره في المعاملة بين الناس. فالضيافة نمط من الهبة لكنها هبة منضبطة بظرف زمني وبيئوي لا تتجاوزه , ومجالها إعطاء المضيف ضيوفه حق التصرف بالانتفاع والنفع بما قدمه إليهم من طعام أو شراب أو فيما يسر لهم من سكن خلال فترة الضيافة ونقول: حق الانتفاع والنفع لرفع كل التباس مما يثيره المتفقهة ولا طائل وراءه فيما يحدث عالق بين الضيوف من إيثار بعضهم بعضًا بشيء مما قدم إليهم من مأكل أو مشرب أو سكن إيثارًا مصدره رغبتهم في إكرام بعضهم بعضًا تعبيرًا عن الود أو التوقير وهو أمر جرت العادة بين الناس على التعامل به ولم يحدث عمليا أن تحرج أحد منه بدعوى أن المضيف خول له أو لمن أكرمه حق الانتفاع شخصيا بما أكرمه به ولم يخوله حق النفع. أما موضوع سكنى المدارس فهو مختلف بعض الشيء عن موضوع الضيافة، فالطلبة الذين يسكنون المدارس يسكنونها بالحق الذي خوله لهم الوقف أثناء ممارستهم للدراسة وهم بذلك لا يملكون "المنفعة" وإنما يملكونا "الانتفاع" و"النفع" إذا لم يحظره قانون المدرسة أو نص الوقف. ومعنى "النفع" الذي يملكونه ما لم يحظره قانون أو نص هو أن للطالب أن يسكن معه رفيقًا له طيلة فترة سكناه أو أمدا منها , لكن بدون أجر؛ لأن إسكانه بأجر إنما تخوله ملكة "المنفعة" وهي غير متاحة له. فتأمل. كما أباح الله السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة لمن أراد تناوله. ولم يقل: إن هذه الأمور مملوكة للناس (١) فكذلك الضيف جعل له أن يأكل إن أراد أو يترك.

стр. 3610

والقول بأنه يملك مشكل، فإن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة، وبعد أن بلع الطعام، كيف يبقى سلطان بعد ذلك على الانتفاع بتلك الأعيان لأنها فسدت عادة، ولم تبق مقصودة للتصرف البتة، فالحق أنها إباحات لا تمليكات (١) وأما السؤال الثاني، فنقول للمالكية: إن من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أو لا؟ قولان، وقد تقدم أن هذه العبارة رديئة جدا أنها لا حقيقة لها، فلا يصح إيراد النقض بها على الحد لأنا نمنع الحكم فيها. وأما السؤال الثالث وهو ملك الانتفاع دون المنفعة فهو يرجع للإذن والإباحة كما في الضيافة، فتلك المساكن مأذون فيها لمن قام بشرط الواقف (٢) لا أنها فيها ملك لغير الواقف (٣) بخلاف ما يطلق من الجامكيات فإن الملك فيها يحصل لمن حصل له شرط الواقف , فلا جرم صح أخذ العوض بها أو عنها لم نعثر في مصادر اللغة على كلمة "الجامكيات" ولعل فيها تحريفًا أو أنها من العامية المستعملة في موطن القرافي ويظهر أنه يقصد بها ما يمكن استغلاله أو الانتفاع به من الغلال والخضروات. وإذا فتحرير الأمر في هذه المسألة هو أن حق الانتفاع أو النفع ينضبط بشروط الواقف , فإذا أباح الواقف الأكل فحسب , لم يجز للمنتفع البيع أو الهبة إلا في حالة الضرورة مثل أن يكون مضطرا إلى ما يقيه البرد أو الحر أو يستر عورته ولا يجد وسيلة لاقتنائه إلا ببيع شيء مما أبيح له استغلاله عن طريق الوقف وهذه حالة خاصة داخلة في نطاق "الضرورات تبيح المحظورات" أما في الأحوال العادية فشرط الواقف - مادام في نطاق الشرعية غير متجانف لإثم – هو الذي يضبط مدى حق الانتفاع بالوقف لمن توفرت فيه الشروط المؤهلة له أن ينتفع به. فإن قلت: إذا أتضح حد الملك فهل هو من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف الذي هو من الأحكام الخمسة. قلت: الذي يظهر لي أنه من أحد الأحكام الخمسة. وهو إباحة خاصة في تصرفات خاصة، وأخذ العوض عن ذلك المملوك على وجه خاص كما قررت قواعد المعاوضات في الشريعة وشروطها وأركانها وخصوصيات هذه الإباحة هي الموجبة للفرق بين المالك وغيره من جميع الحقائق. لذلك قلنا: إنه معنى شرعي مقدر، نريد أنه متعلق الإباحة , والتعلق عدمي من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان، فهو أمر يفرضه العقل كسائر النسب والإضافات كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر وغير ذلك.

стр. 3611

ولأجل ذلك لنا أن نغير عبارة الحد فنقول: إن الملك إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بذلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنها من حيث هي كذلك. ويستقيم الحد بهذا اللفظ أيضًا ويكون الملك من خطاب التكليف لأن الاصطلاح أن خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة المشهورة، وخطاب الوضع هو نسب الأسباب والشروط والموانع والمقادير الشرعية، وليس هذا منها بل هو إباحة خاصة ومنهم من قال: إنه من خطاب الوضع وهو بعيد (١) فإن قلت: إن الملك سبب الانتفاع، فيكون سببًا، فيكون من باب خطاب الوضع، قلت: وكذلك كل حكم شرعي سبب لمسببات تترتب عليه من عقوبات وتعزيزات ومؤاخذات وكفارات وغيرها (٢) وليس المراد بخطاب الوضع مطلق الترتب، بل نقول: الزوال سبب لوجوب الظهر , ووجوب الظهر سبب لأن يكون فعله سبب الثواب وتركه سبب العقاب، ووجوبه سبب لتقديمه على غيره من المندوبات، وغير ذلك مما يترتب على الوجوب، مع أنه لا يسمى سببًا، ولا يقال: إنه من خطاب الوضع، بل الضابط للبابين أن الخطاب متى كان متعلقًا على وجه الاقتضاء أو التخيير , فهو من خطاب التكليف. ومتى لم يكن كذلك , وهو من أحد الأمور المتقدمة , فهو خطاب الوضع، وقد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف , وقد تقدم بسط ذلك فيما تقدم من الفروق.

стр. 3612

فإن قلت: الملك حيث وجد هل يتصور في الجواهر والأجسام أم لا يتصور إلا في المنافع الخاصة؟ قلت: قال المازري ﵀ في شرح التلقين قول الفقهاء: الملك في البيع كما يحصل في الأعيان وفي الإجارات يحصل في المنافع ليس على ظاهره , بل الأعيان لا يملكها إلا الله تعالى؛ لأن الملك هو التصرف، ولا يتصرف في الأعيان إلا الله تعالى بالإيجاد والإعدام والإماتة والإحياء ونحو ذلك، وتصرف الخلق إنما هو في المنافع فقط بأفعالهم من الأكل والشرب والمحاولات والحركات والسكنات. قال: وتحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع رد العين , فهو الإجارة وفروعها من المساقاة والمجاعلة والقراض ونحو ذلك , وإن ورد على المنافع مع أنه لا يرد العين , بل يبدلها لغيره بعوض أو بغير عوض، فهو البيع والهبة , والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة , فقد ظهر بهذه المباحث وهذه الأسئلة حقيقة الملك والفرق بينه وبين التصرفات وما يتوهم التباسها. قال ابن الشاط في حاشيته على الفروق: (هذا الحد فاسد من وجوه، أحدها: أن الملك من أوصاف المالك لا المملوك، لكنه وصف متعلق والمملوك هو متعلقه. وثانيها: أنه ليس مقتضيًا للتمكين من الانتفاع، بل المقتضي لذلك كلام الشارع. ثالثها: أنه لا يقتضي الانتفاع بالمملوك والعوض بل بأحدهما. رابعها: أن المملوك مشتق من الملك فلا يعرف إلا بعد معرفته فيلزم الدور) (١) ما قاله أنه حكم شرعي، إن أراد أنه أحد الأحكام الخمسة ففيه نظر، وإن أراد أنه أمر شرعي على الجملة فذلك صحيح.

стр. 3613

قال: (وأما أنه مقدر فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع) إلى قوله: (عند تحقق الأسباب المفيدة للملك) . قوله: إنه عدمي , بناء على أن النسب أمور عددية وفيه نظر (١) (كلامه هذا يشعر بأن التصرف هو موجب الملك وليس الأمر كذلك , بل موجبه الانتفاع، ثم الانتفاع يكون بوجهين: انتفاع يتولاه المالك بنفسه، وانتفاع يتولاه نائب عنه. ثم النائب قد يكون باستنابة المالك وقد يكون بغير استنابته، فغير المحجور عليه يتوصل إلى الانتفاع بملكه بنفسه ونيابته، والمحجور عليه لا يتوصل إلى الانتفاع بملكه إلا بنيابته , ونائبه لا يكون إلا باستنابته) (٢) (ما قاله غير صحيح، بل الصحيح أنها تمليك للانتفاع بالأكل خاصة سواء أوقع البناء على الحد الذي ارتضيته أو على الحد الذي ارتضاه هو، أما على الحد الذي ارتضيته فلأن مقدم الضيافة مكنه من الانتفاع بأكملها. وأما على الحد الذي ارتضاه هو فإنه قال: "حكم مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك وبالعوض عنها. وقد بينا أنه لا يقتضي الانتفاع بهما فيبقى الانتفاع مطلقا) هذا نمط من اختلاف الفقهاء الذي لا طائل وراءه , لأنه عند التحقيق والتحرير لا يتصور عمليا أن ينتج عنه حكم له أثره في المعاملة بين الناس. فالضيافة نمط من الهبة لكنها هبة منضبطة بظرف زمني وبيئوي لا تتجاوزه , ومجالها إعطاء المضيف ضيوفه حق التصرف بالانتفاع والنفع بما قدمه إليهم من طعام أو شراب أو فيما يسر لهم من سكن خلال فترة الضيافة ونقول: حق الانتفاع والنفع لرفع كل التباس مما يثيره المتفقهة ولا طائل وراءه فيما يحدث عالق بين الضيوف من إيثار بعضهم بعضًا بشيء مما قدم إليهم من مأكل أو مشرب أو سكن إيثارًا مصدره رغبتهم في إكرام بعضهم بعضًا تعبيرًا عن الود أو التوقير وهو أمر جرت العادة بين الناس على التعامل به ولم يحدث عمليا أن تحرج أحد منه بدعوى أن المضيف خول له أو لمن أكرمه حق الانتفاع شخصيا بما أكرمه به ولم يخوله حق النفع. أما موضوع سكنى المدارس فهو مختلف بعض الشيء عن موضوع الضيافة، فالطلبة الذين يسكنون المدارس يسكنونها بالحق الذي خوله لهم الوقف أثناء ممارستهم للدراسة وهم بذلك لا يملكون "المنفعة" وإنما يملكونا "الانتفاع" و"النفع" إذا لم يحظره قانون المدرسة أو نص الوقف. ومعنى "النفع" الذي يملكونه ما لم يحظره قانون أو نص هو أن للطالب أن يسكن معه رفيقًا له طيلة فترة سكناه أو أمدا منها , لكن بدون أجر؛ لأن إسكانه بأجر إنما تخوله ملكة "المنفعة" وهي غير متاحة له. فتأمل. (هذه مملوكة بعد التناول وإباحة التناول سبب ملكها) (٣)

стр. 3614

(ما قاله من أن الملك مشكل لا إشكال فيه , تعليله بأن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف , ليس كما قال، بل لا بد فيه من سلطان الانتفاع لا التصرف، والسلطان هو التمكن بعينه , وقد بين هو قبل هذا أن المحجور عليهم لا يتصرفون مع أنهم يملكون. فكيف يقول: لا بد في الملك من سلطان التصرف؟ هذا غير صحيح. وما قاله من أنه إذا بلع الطعام كيف يبقى سلطان بعد ذلك، إنما هو استبعاد لقول من يقول: يملك بالبلع وهو بعيد كما قال. بل الصحيح أنه يملك الطعام بالتناول حتى إذا تناول لقمة لا يجوز لغيره انتزاعها من يده , فإن ابتلعها فقد كان سبق ملكه لها قبل البلع، وإن لم يبتلعها ونبذها من يده فقد عادت إلى ملك صاحبها وجاز لغيره تناولها؛ لأن صاحبها لم يمكنه منها إلا ليأكلها , فإذا لم يأكلها بقيت على ملك صاحبها، أو إن كان تناولها عادت إلى ملك صاحبها هذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم. وما قال من أنها إباحات لا تمليكات ليس بصحيح، بل الإباحات هي التمليكات أو أسباب التمليكات) (١) (وإذا كانت مأذونًا فيها فمن أذن له فتمكن من الانتفاع فهو مالك الانتفاع) (٢) (أما الانتفاع ففيه الملك لغير الواقف، وهو من توفرت فيه شروط الوقف، وأما عين الوقوف فالصحيح أنه لا ملك عليه، لا للواقف ولا لغيره لأنه لا يتمكن أحد من الانتفاع بملك العين ولا من التصرف فيها ولا من أخذ العوض عنها. وإذا لم يكن شيء من ذلك، فلا ملك , إذ لا معنى للملك إلا التمكن من الانتفاع ومن أخذ العوض أو من الانتفاع خاصة) (٣)

стр. 3615

(إنما كان ذلك لأن مقتضى الوقف إن كان سكنى الموضع الموقوف، فلا يتعدى الموقوف عليه السكنى لأنه لم يسوغ له غيره وإن كان الاستغلال فالغلة مسوغة بعينها فيصح أخذ العوض عنها) . (ما قاله من أنه إباحة ليس عندي بصحيح، فإن الإباحة في حكم الله تعالى، والحكم عند أهل الأصول خطاب الله تعالى وخطابه كلامه، فكيف يكون الملك الذي هو صفة المالك على ما ارتضيته أو صفة المملوك على ما ارتضاه هو كلام الله تعالى؟ هذا ما لا يصح بوجه أصلًا. فالصحيح أن سبب الإباحة هو التمكن , والإباحة هي التمكين) (١) (لما فسر الملك بالإباحة سلم أنه سبب الانتفاع وليس الأمر كذلك، بل الملك سبب الإباحة وهو التمكين من الانتفاع، والانتفاع متعلق الملك، ولا يقال في المتعلق: إنه سبب المتعلق إلا على وجه التوسع في العبارات لا على المتقرر في الاصطلاح) (٢) ولكن ابن الشاط ﵀ في حاشيته على الفروق بعد أن انتقد تعريف القرافي وأشمل، فقال: وتعقبهما الشيخ محمد علي بن حسين في تهذيبه للفروق بأن نقل تعريفًا لأحد الفقهاء فقال (٣)

стр. 3616

"والسيد الجرجاني قدس الله سره جعل الملك صفة مشتركة بين المالك والمملوك فقال في تعريفاته: والملك في اصطلاح الفقهاء اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقًا لتصرفه فيه وحاجزًا عن تصرف غيره فيه". ولكن هذا الحد لا يكون جامعًا إلا بأمرين: الأول التعميم في قوله: "لتصرفه فيه" بأن يقال: "بالانتفاع إما مع أخذ العوض أو بدونه , وإما مع رد العين أو بدونه بنفسه أو بنائبه" والثاني التقييد في قوله: "عن تصرف غيره فيه " بأن يقال: "بدون استنابته" فتأمل. وقال عقب الحد المذكور: "فالشيء يكون مملوكًا ولا يكون مرفوقًا، ولكن لا يكون مرفوقًا وإلا ويكون مملوكًا , يريد بأن المملوك أعم مطلقًا من المرفوق، وقال قبل ذلك الحد: "والملك في اصطلاح المتكلمين حالة تعرض للشيء بسبب ما يحيط به وينتقل بانتقاله كالتعميم والتقمص، فإن كلا منهما حالة لشيء بسبب إحاطة العمامة برأسه والقميص ببدنه) والله أعلم. ولعل أقرب التعريفات إلى البساطة التشريعية في الإسلام وإلى الإدراك الفطري السليم البعيد عن التمحل والإيغال في التصورات والاحتمالات والفروض، تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) إذ قال: (الملك هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسية) ، فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعًا كما يثبت ذلك حسيًا، ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعًا، كما أن القدرة تتنوع أنواعًا. فالملك التام يملك فيه التصرف في الرقبة بالبيع والهبة ويورث عنه. ويملك التصرف في منافعه بالإعارة والإجارة والانتفاع وغير ذلك. ثم قد يملك الأمة المجوسية أو المحرمة عليه بالرضاع، فلا يملك منهن الاستمتاع. ويملك المعاوضة عليه بالتزويج بأن يزوج المجوسية مثلًا، وقد يملك أم الولد ولا يملك بيعها ولا هبتها ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين. ويملك وطأها واستخدامها باتفاقهم. وكذلك يملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والإجارة عند أكثرهم، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. ويملك المرهون وتجب عليه مؤونته، ولا يملك فيه من التصرف ما يزيل حق المرتهن، لا بيع ولا هبة، وفي العتق خلاف مشهور".

стр. 3617

ثم قال: فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع والهبة. وكذلك ملك الموهوب له، حيث يجوز للواهب الرجوع كالأب إذا وهب لابنه عند فقهاء الحديث، كالشافعي وأحمد: نوع مخالف لغيره، حيث سلط غير المالك على انتزاعه منه وفسخ عقده. ونظيره سائر الأملاك في عقد يجوز للمتعاقدين فسخه، كالبيع بشرط عند من يقول: انتقل إلى المشتري. كالشافعي وأحمد في أحد قوليهما. وكالبيع إذا أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز. وكالبيع الذي ظهر فيه عيب أو فوات صفة، عند جميع المسلمين، فهنا في المعاوضة والتبرع يملك العاقد انتزاعه، وملك الأب لا يملك انتزاعه وجنس الملك يجمعهما، وكذلك ملك الابن في مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث الذين اتبعوا فيه معنى الكتاب وصريح السنة. وطوائف من السلف يقولون: هو مباح للأب مملوك للابن بحيث يكون للأب كالمباحات التي تملك بالاستيلاء. وملك الابن كانت عليه، بحيث يتصرف فيه تصرفًا مطلقًا. فإذا كان الملك يتنوع أنواعًا وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه , لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضًا إلى الإنسان يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له، ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه. والشارع لا يحظر على الإنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض. فإذا لم يكن فيه فساد أو كان فساده مغمورًا بالمصلحة لم يحظره أبدًا. قلت: وقد نقلنا ما أعقب به شيخ الإسلام ﵀ تعريفه للملك من هذه التفاصيل كلها لأننا نعتبرها متممة وموضحة بالضرورة لتعريفه. ونقل الشيخ علي الخفيف ﵀ في بحث له بعنوان "الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام" قدمه إلى "المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد في شوال سنة ١٣٨٤ هـ. ١٩٦٤ م". عن الحاوي للقدسي قوله - في تعريف الملك -: "بأنه الاختصاص الحاجز". وعقب عليه بقوله: أي الذي يخول صاحبه منع غيره مجلة مجمع البحوث الإسلامية. عدد: ا. ص: ٩٩ و. ١٠٠ الحاوي القدسي: محمد محيي الدين الحاوي فقيه أديب أفتى بصيدا , هكذا ترجم له رضا كحالة في معجم المؤلفين. ج: ١٢. ص: ٨ , ويظهر أن الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ وهم في اسمه - على غير عادته - أو التبس عليه اسم مؤلفه , فقال في كتابه الملكية ونظرية العقد. ص: ٦٥ -: "وعرف القدسي في الحاوي الملك" ... إلخ , والعبارة السليمة هي: وعرف الحاوي القدسي في "ألحان الحاوي بين المراجع والمبادئ". هذا إذا كان التعريف قد نقل من هذا الكتاب ونحن لم نطلع عليه والعهدة على كل من الشيخين علي الخفيف وأبي زهرة رحمهما الله.

стр. 3618

ونقل أيضًا في نفس البحث تعريفًا للكمال بن الهمام في أول كتاب البيع من كتابه "فتح القدير" من أنه - أي الملك – "القدرة على التصرف ابتداء إلا لمانع". وعقب عنه بقوله: يريد أنه قدرة مبتدأة لا مستمدة من شخص آخر. ثم نقل شرحًا لصدر الشريعة لشرح الوقاية عرف فيه الملك بأنه: "اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقًا تصرفه فيه وحاجزًا عن تصرف الغير". ثم قال: "وقد تضمنت هذه التعريفات - وقد أورد أيضًا تعريف القرافي - جميعها معنى الاختصاص والاستئثار , فهو مصرح به في بعضها ولازم لما يدل عليه بعضها الآخر". ونقل الدكتور فاروق النبهان (١) عن الدكتور محمد موسى أنه عرف الملك في كتابه الفقه الإسلامي - ص: ٢٥٤ - بأنه "حيازة الشيء متى كان الحائز وحده قادرًا على التصرف فيه والانتفاع به عند عدم المانع الشرعي". ونقل عن الشيخ علي الخفيف (٢) أنه عرفه في كتابه مختصر معاملات الأحكام الشرعية -: ص ٩ - بأنه "اختصاص يمكن صاحبه من أن يستبد بالتصرف والانتفاع عند عدم المانع الشرعي". ووضع له الشيخ أبو زهرة ﵀ (٣) تعريفًا حاول أن يجمع فيه بين تعريف ابن الهمام وتعريف القدسي بعد أن أبدى ملاحظات على كلا التعريفين. وانتهى إلى أنهما يكمل الواحد منهما الأخر وقال: "فالتعريف الذي نكونه من الاثنين يكون هكذا: الملك هو الاختصاص بالأشياء الحاجز للغير عنها شرعًا، الذي به تكون القدرة على التصرف في الأشياء ابتداء إلا لمانع يتعلق بأهلية الشخص".

стр. 3619

ثم عرض لتعريف المازري الذي سبق أن نقلناه ضمن تعريف الفروق والحاشية عليه وملاحظات كل من القرافي وابن الشاط فقال: "وقد وجدنا تعريفًا للملك في كتب المالكية نذكره تتميما للمقام، وتوضيحًا للمراد، فقد جاء في كتاب الفروق للقرافي وحاشيته ومهذبه، أن الملك هو تمكن الإنسان شرعًا بنفسه أو بنيابة عنه من الانتفاع بالعين، ومن أخذ العوض، أو تمكنه من الانتفاع خاصة. وهذا تعريف واضح، فهو يبين أن الملك هو التمكن من الانتفاع، ولكن ذلك التمكن لا يكون إلا بسلطان من الشارع، فالشارع في الحقيقة هو الذي أعطى الإنسان الملك بترتيبه على السبب الشرعي، ولذا جاء في بعض التعريفات أن الملك حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة بمقتضى تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه. وهذا المعنى، وهو أن الملكية لا تثبت إلا بإثبات الشارع لها وتقريره لأسبابها، فالحق ليس ناشئًا عن طبائع الأشياء ولكنه ناشئ عن إذن الشارع، وجعله السبب منتجًا لمسببه شرعًا. وهذه التعريفات مهما تختلف عباراتها كلها ترمي إلى معنى واحد، هو أن الملك أو الملكية هو العلاقة التي أقرها الشارع بين الإنسان والمالك وجعله مختصًا به بحيث - يتمكن من الانتفاع به بكل الطرق السائغة له شرعًا وفق الحدود التي بينها الشارع الحكيم". قلت: قد يكون هذا التعريف الأخير الذي وضعه الشيخ أبو زهرة ﵀ أدق التعريفات المعاصرة للملكية والملك وأجمعها بالضوابط والحدود والأحكام التي يجب أن تجتمع في التعريف. ثم قال: "ولا نريد أن نترك هذا المقام من غير أن نتصدى لنقطة أثارها بعض فقهاء المالكية في فلسفة الملك. هي: أيرد الملك على الأعيان أم على المنافع فقط؟ ويعنون بذلك: أمن ملك عينًا يملك ماهيتها ذاتها ومنفعتها أم يملك منفعتها فقط؟ أما الذات فليست تحت سلطان الإنسان ولا تقع في مكنته. الظاهر الذي يرى بادئ الرأي أن الملك يقع على الأعيان إذا كانت الأسباب الشرعية تقتضي امتلاك العين. ويقع على المنافع إذا كانت الاسباب الشرعية تقصره عليها. ولكن فقهاء المالكية اختلفوا في ذلك، ففريق منهم قالوا: إن الملك ومعناه: القدرة على التصرف , لا يتجاوز المنافع ويعدوها إلى جواهر الأشياء وذواتها، لأن التصرف لا يقع على الذوات ولكن يقع على المنافع وعلى أغراض الذات وأحوالها , فلا يمس جوهرها وماهيتها، لأن التصرف على ماهيتها يكون بالإحياء والإفناء وذلك ليس في قدرة الإنسان.

стр. 3620

إنما التصرف الذي في قدرة الإنسان هو ما حصر في ذات المنافع، وانتقال العين من يد إلى يد، وتلك لا تمس الذات في شيء من المساس. ويفرقون بين الأسباب التي تتيح الانتفاع فقط، والأسباب التي تعطي القدرة على التصرفات كلها، بأن هذه، كالبيع والهبة ونحوها تعطي القدرة على منافع العين إلى غير زمن محدود لا تلزم برد العين، وأما الأخرى كالإجارة والإعارة والوصية بالمنافع فإنها تعطي ملك المنافع إلى زمن محدود طال أو قصر، وبعدها ترد الأعيان إلى مالكي المنفعة ملكًا مطلقًا، وكأن المرمى في هذا أن أسباب الملك، إما أن تعطي ملك المنافع مطلقًا غير مقيد، فتكون بيعًا أو هبة أو ميراثًا، وإما أن تعطيه مقيدًا بزمن وترد العين بعده , ويسمى التصرف إجارة أو إعادة أو وصية بالمنافع. والحنفية (كما تدل على ذلك ظواهر عبارات الكتب والفقهاء) على أن الملك يقع على العين في الملكيات المطلقة ويقع على المنفعة في العقود التي تفيد ملكية المنفعة فقط وليست ثمة حاجة إلى الفلسفة التي أثارها المازري من فقهاء المالكية، لأن ذلك كله أمور فرضية اعتبارية ولا جداء في هذا الخلاف". وعرفه الدكتور محمد الشرباصي (١) بقوله: "الملك - بكسر فسكون - اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقًا لتصرفه فيه، وحاجزا عن تصرف غيره فيه". وعرفه الدكتور مصطفى الزرقاء - حفظه الله - (٢) بقوله: "الملك هو اختصاص حاجز شرعًا يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع". ووصف تعريفه هذا بقوله: "وهذا أوجز وأجمع تعريف استخلصناه مركبًا من عدة تعاريف ذكرها الفقهاء , مشيرًا إلى تلك التعريفات التي نقلها الشيخ أبو زهرة ﵀ ونقلناها عنه آنفًا , في كل منها مزية ونقص، فجاء جامعًا لمزاياها ومستدركًا لنواقصها". قلت: من الصعب اعتبار هذا التعريف أجمع وأدق من تعريف الشيخ أبي زهره الذي أدرجناه وعقبنا عليه منذ قليل.

стр. 3621

ثم قال موضحًا: "والمراد بكونه حاجزًا أنه يحجز غير المالك عن الانتفاع والتصرف دون إذن المالك. وأما المانع الذي يمنع المالك نفسه عن التصرف فيشمل حالتين: نقص الأهلية، كما في الصغير إذ يتصرف عنه وليه، وحق الغير، كما في المال المشترك والمال المرهون، إذ تتقيد فيهما تصرفات الشركاء والراهن رغم ملكيتهم. فوجود هذا المانع لا ينافي الملك بأنه عارض". قلت: هذا غير واضح لأن الشركة تعني شيوع الملك وهو وضع لا يعين في الشيء المملوك حصة المالك أو قسطه تعيينًا دقيقًا يمكن معه التصرف في نطاقه، فضلًا عن أن الشركة تعني ارتباط وتشابك جميع متعلقات الشيء أو الأشياء المشترك فيها ارتباطًا وتشابكًا محددين بمدة الشركة، بحيث إن المساس الفردي بشيء أو أكثر من متعلقات الشركة من شأنه إحداث اختلال أو اعتلال بمجموع المنافع الثابتة أو المرجوة من تكوين الشركة ذاتها. أما فيما يتصل بالشيء المرهون فإن ملكيته أصبحت مشكوكًا فيها وغير مقطوع بها لأن الرهن يعني تعليق كل الحقوق المملوكة قبله للراهن في الشيء المرهون ضمانًا للقدر أو الشيء المرهون فيه والذي هو ملك للمرتهن لديه، وهذا يعنى أن ملكية الشيء المرهون لم تعد خالصة للراهن في حقيقتها بل أصبحت على نوع من الشيوع أو المشاركة بينه وبين المرتهن لديه إلى أن ينتهي سبب الرهن. ثم قال: "وهذا التعريف يتناول جميع أنواع الملكية الآتي بيانها من ملكية الأعيان أو المنافع أو الديون. ومن هذا التعريف يتضح أن الملك هو عبارة عن علاقة الإنسان بالمال وما في حكمه من المنافع، فهو التصوير الشرعي لهذه العلاقة وثمرتها وحدودها. وبذلك يتبين أن الملكية ليست شيئًا ماديا , وإنما هي حق من الحقوق، والحق نوع من الاعتبار الشرعي، فحيثما أقر الشرع هذه العلاقة الاختصاصية بين الإنسان والمال ثبت الملك، وحيثما نفى الشرع هذه العلاقة انتفى الملك. وذلك بخلاف المال فإنه ذو مفهوم مادي يقع على الموجودات ذات المنافع حتى إن المال في الاجتهاد الحنفي يختص بالأعيان المادية فلا يشمل المنافع في نظر الحنفية". قلت: هذا كلام شريف، والتعريف الأخير الذي أورده الأستاذ الدكتور مصطفى الزرقاء - حفظه الله - أدق من التعبير الأول وأبرأ من الغموض أو اللبس الذي تراءى لنافيه. وقال فاروق النبهان فيما يشبه أن يكون تعريفًا منه للملكية بعد أن ذكر تعريفات لغيره من السلف والمعاصرين سبق أن نقلناها (١) : "والملك اعتبار شرعي يقر به الشرع العلاقة الاختصاصية بين الإنسان والمال".

стр. 3622

وتعقبه بقوله موضحًا: "فإذا نفى الشرع هذه العلاقة انتفى الملك بخلاف المال، فهو ذو مفهوم مادي يقع على الموجودات ذات المنافع". وعلى هامش هذا التوضيح نقل تعريفًا آخر لا ندري لماذا لم يدرجه في الأصل مع غيره من التعريفات، فقال: "وعرفه الشيخ أحمد إبراهيم بأنه ارتباط شرعي بين الإنسان والشيء المملوك يجعله قادرًا على التصرف فيه بوجه الاختصاص". ومع أن موقع الإحالة على التعليق الذي أورد فيه المؤلف هذا التعريف يوحي بأنه تعريف للمال لا للملك. فنحن نشعر بأنه تعريف للملك لأن "الشيء المملوك الذي يقع بينه وبين الإنسان ارتباط شرعي يجعل الإنسان قادرًا على التصرف فيه بوجه الاختصاص هو "المال" لا "الملك " , أما "الارتباط الشرعي" فهو الملك" أو "الملكية ". ثم عاد فاروق النبهان في بحث له قدمه لمؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة ١٣٩٦ هـ أي بعد نحو تسعة أعوام من الفراغ من إعداد كتابه المذكور آنفًا وتقديمه للمناقشة، أطروحة لنيل الدكتوراة (١) فعرف الملكية بأنها: "يراد بها حق الفرد في احتواء شيء ما وتمكينه من الانتفاع بكل الطرق الجائزة شرعًا بحيث لا يجوز للغير الانتفاع بهذا الشيء إلا بموافقة المالك الأصلي، وفقًا لصورة من صور التعامل الجائز". ثم عاد في نفس البحث (٢) فعرف الملكية بأنها: "العلاقة التي أقرها الشارع بين الإنسان والمال وجعله مختصًا بحيث يتمكن من الانتفاع به بكل الطرق السائغة له شرعًا وفي الحدود التي بينها الشرع الحكيم". وعقب على هذا التعريف موضحًا بقوله: "وهذا التعريف يؤكد لنا أن - المال إذا قامت بينه وبين الإنسان علاقة ما فإن هذه العلاقة تنشئ بين كل من المال والإنسان وصفًا جديدًا لم يكن قائما قبل أن يصبح الإنسان مالكًا ويصبح المال مملوكًا وتصبح علاقة المال بالإنسان علاقة ملك ... ". قلت: والتعريفات الثلاثة التي نقلناها للدكتور فاروق النبهان تعريفات جليلة قد تكون أدق وأوضح ما وقفنا عليه من تعريفات المعاصرين وقد يكون آخرها أجلها وضوحا وشمولًا.

стр. 3623

وقبل أن نفرغ من هذه الفقرة، فقرة التعريفات المختلفة للملك والملكية , نورد كلاما جليلا لابن نجيم في هذا المجال جاء فيه: (١) "وقال في الفتح القدير: الملك قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف، فخرج نحو الوكيل (انتهى) . وينبغي أن يقال: إلا لمانع , كالمحجور عليه، فإنه مالك ولا قدرة له على التصرف، والمبيع المنقول مملوك للمشتري ولا قدرة له على بيعه قبل قبضه". ثم أورد تعريف القدسي في "الحاوي" ويظهر أن المعاصرين - وخاصة الشيخ علي الخفيف - نقلوا عنه، لكن العبارة التي نقلها ابن نجيم إن كانت كلها للقدسي أوضح وأشمل لذلك نعود فننقلها عنه، قال: وعرفه في "الحاوي القدسي" - وهي نفس العبارة الملتبسة التي سبق أن نقلناها عن الشيخ علي الخفيف وعقبنا عليها في التعليق رقم١ ص ١١٨١. ويظهر أن فيها خطأ كما قلنا في ذلك التعليق - بأنه الاختصاص الحاجز وأنه حكم الاستيلاء، لأنه به يثبت لا غير، إذ المملوك لا يملك، كالمكسور لا ينكسر، لأن اجتماع الملكين في محل واحد محال، فلا بد وأن يكون المحل الذي ثبت الملك فيه خاليًا من الملك، والخالي من الملك هو المباح، والمثبت للملك في المال المباح الاستيلاء لا غير ... إلخ. ومن أسف لم نطلع على كتاب القدسي هذا، إذ يظهر أن فيه مزيدًا من التوضيح لم ينقله ابن نجيم ولعله مصدر "مسائل" فصلها ابن نجيم بعد ذلك وبلغ بها ثلاث عشرة مسألة. ولقد حرصنا على أن نورد كل هذه التعريفات التي وقفنا عليها بنصوصها، بل وبتعقيبات على بعض منها لنتيح للقارئ عناصر موثقة لتصور كامل لمختلف أطوار نظرية الملك في الفقه الإسلامي سواء ما كان من تلك العناصر من وضع الفقهاء المقلدين المعنيين بوضع الصيغ للتعريفات والحدود وما كان منها من وضع بعض الأساتذة الجامعيين الذين لا نستطيع اعتبارهم "فقهاء متخصصين" في الفقه الإسلامي، وإنما هم في اعتبارنا "منهجيون متخصصون" في دراسة النصوص وتحليلها وإعادة صياغتها بالأسلوب المعاصر.

стр. 3624

وشتان بين الفقيه المتخصص والأستاذ المنهجي الجامعي، ويتجلى ذلك عند التمييز بين "المتأهل" للاستنباط - ولا أقول للإجهاد فتلك مرتبة أسمى - وبين المنشغل بإعادة الصياغة وتحكيم المنهج اعتمادًا على ما يتيسر له الإطلاع عليه والنقل منه من "مراجع" المتأخرين دون الاعتماد على "المصادر" الأولى للفقه الإسلامي من اجتهادات فقهاء الصحابة إلا ما تيسر لهم - دون قصد إليه مباشرة وبذل الجهد بحثًا عنه في مظانه - من نقل مؤلفي "المراجع" التي "يقنعون" بها من المتأخرين. ولم نقف عند هذا التمييز استطرادًا إلى نوع من النقد والتقييم إنما قصدنا به لذاته. فنحن لم نورد هذه التعريفات كلها اعتمادًا لها وعليها وحدها وإنما أوردناها - كما ذكرنا آنفًا - لاستكمال عناصر التصور لمدلول الملكية وتطوره، ونحن فيما نستقبل من صميم مقصدنا ونتائج محاولتنا هذه نعتمد أساسًا على المصادر الأولى للفقه الإسلامي ما كان منها نصا تشريعيا من الكتاب والسنة والإجماع، وعمل الصحابة المعتمد، وما كان اجتهادًا ينبغي الاستئناس به من التابعين ومن تبعهم من أئمة الاجتهاد الأول وذلك ما سيتضح في الفقرات المقبلة. ٨ - تحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان والمال: ويبلغ بنا المسار إلى تحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان والمال كما أرادها الإسلام أن تكون ورسم لها الحدود والمقاصد والغايات. ويقتضينا المنهج أن نقف هونًا عند ثلاث كلمات وردت في القرآن الكريم، تتصل بالعلاقة بين الإنسان والمال، وتصفها بالملك - بصرف النظر عن فتح الميم أو ضمها أو كسرها، فدلالتها في الأحوال الثلاثة واحدة. قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (١) وقال عز من قائل في سورة طه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ (٢) وقال ﷻ في سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (٣)

стр. 3625

ولا جدال في أن هذه الآيات الكريمة تطلق على علاقة الإنسان بالمال كلمة "ملك"، بيد أنه لا سبيل إلى دعوى أن المال المقصود في كل من الآيات الكريمات أو في إحداها "يعني" أو "يشمل" الأرض. وإنما هو في الآية الثانية والثالثة يتصل اتصالا صريحًا بالمنقول على حين أنه إن لم يكن في الآية الأولى على مثل المستوى من "الصراحة" فهو بقرينته لا يخرج عن المنقول بدليل قوله في خاتمتها: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ وهي أن النقير لا يمكن أن يكون قطعة من الأرض إلا أن يكون "قبصة" (١) من التراب، وبدهي أن هذا النوع من المعنى ليس مما يمكن أن يكون من مقتضى الآية الكريمة. نقول هذا تأكيدًا لما نلح في تقريره من أن العلاقة التي خولها الله للإنسان بالأرض ليست "الملكية" بمعناها عند أغلب الفقهاء وعامة رجال القانون غير الاشتراكيين وإنما هي الخلافة، وفرق واضح بين أن تكون "مالكًا " لشيء وبين أن تكون خليفة فيه أو عليه , فالله جعل الإنسان "خليفة " في الأرض ليقوم بمهمة "الإعمار" وليس بمهمة السيطرة والهيمنة. وبهذا الموقف الذي نقرره نتفق اتفاقًا تاما مع "المازري" ﵀ في موقفه الذي ذكره القرافي وابن الشاط - رحمهما الله - ونقلناه عنهما آنفًا , ولسنا وحدنا في تقرير هذه الحقيقة التي لا ينبغي أن يقر في فهم الفقيه المسلم الواعي غيرها، بل سبقنا إلى تقريرها أئمة الاجتهاد الأول وإن لم يعبروا عنها تعبيرًا محددًا بصيغة من صيغ "التعريفات" و" الحدود " كما عرفها فقه المتأخرين , وإنما عبروا عنها بتصرفاتهم وأحكامهم التي سنورد بعضها في فقرات مختلفة من هذا البحث.

стр. 3626

كذلك قررها بعض المعاصرين من الأساتذة والفقهاء وفيما يلي نقول عنهم: يقول الدكتور أحمد حسين فراج (١) "تقوم عقيدة المسلمين على أن الملك الحقيقي لهذا الكون بكل ما فيه من جماد وحيوان وإنسان، هو لله تعالى، فهو الذي خلقه وصوره وأبدعه، وهو الحاكم فيه بما يشاء لا معقب لحكمه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) " وقد دل على ذلك كثير من آيات القرآن الكريم، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) و ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في الدلالة على أن لله وحده جميع الكائنات خلقًا وتملكًا وتصرفا. وقد شاءت حكمته أن يستخلف الناس في الأرض ويسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض بنعمهما المختلفة , ويقول عز من قائل: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٥) أي: خلقكم من الأرض وجعلكم عمارها وسكانها. ويقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) وفي شأن المال يقرر القرآن الكريم ذلك الاستخلاف الآلهي صراحة فيقول: ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٧)

стр. 3627

فقد أفادت هذه الآية الكريمة أن أصل الملك لله سبحانه , وأن الإنسان ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله، وأن ما بيده من المال لا يتجاوز أن يكون وديعة أو عارية من الله ﵎، وهذا يدل على أن الأموال التي هي بأيدي الناس ليست بأموالهم على الحقيقة، وما هم إلا بمنزلة النواب والوكلاء عن الله تعالى، فالعاقل من الناس من يغتنم الفرصة منها بإقامة الحق قبل أن تزول عنه إلى غيره. واستخلاف الناس ليس مطلقًا وملكيتهم ليست أصيلة يتصرفون فيها على مقتضى أهوائهم وأغراضهم الشخصية بل إن هذا الاستخلاف وتلك الملكية مقيدة بقيود تحدد مداها وكيفياتها، وتوضح طريقة الانتفاع والتمتع بها، فإذا تصرف المستخلف عليها تصرفًا مخالفًا لشروط المالك، وقع هذا التصرف باطلًا، وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا، أما في الآخرة فهو محاسب على باطله , ومخالفته لشرط المالك صاحب الملك الأصيل. التكييف الشرعي لاختصاص الإنسان بالشيء: رأينا فيما عرضناه من الآيات الكريمة أن المالك الحقيقي لكل ما في الكون من أشياء، إنما هو الله تعالى وأنه بكرمه وفضله قد استخلف الإنسان في الأرض، ويسر له كل ما ينفعه ليقيم حياته، ومن ثم قرر كثير من الفقهاء أن ليس للإنسان إلا الانتفاع بما يكون في حوزته من الأشياء على الوجه الذي أدانت به شريعة الله. وإضافة الملك للإنسان من باب التوسع والتجوز , وقد وردت آيات تنسب الملك إلى الإنسان صراحة كالآيات التي سبقت الإشارة إليها. وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (٢) ونسبة الملك للإنسان في النصوص القرآنية إنما كان على سبيل المجاز والتوسع وعلى معنى الاستخلاف، لا على سبيل الحقيقة والتنزل وكان القصد منه. أولًا - توجيه المالك إلى الانتفاع بما يملك من مال في الحدود التي رسمها الله تعالى، فهذه الإضافة لم يقصد بها إلا تمليك الانتفاع بكل ما يقتضيه هذا الانتفاع من حق التصرف وحق الاستهلاك وحق الاستثمار".

стр. 3628

قلت: كان ينبغي أن يضيف إلى هذا على سبيل الاحتراس القول: " في حدود ما رسمه الشرع بأحكامه المختلفة "، فبذلك وحده يستكمل التحديد معالمه. ثم قال: "وقصد بها ثانيًا المسؤولية والمحاسبة؛ لأن الإسلام لا يقبل أن تكون مسؤولية البشر عن المال الذي سخره الله لهم وأودعه بين أيديهم مسؤوليته شائعة غير محدودة فكان أن أقر الملكية الفردية ليسأل كل فرد في الجزء الذي بين يديه من مال الجماعة عن حق الجماعة فيه، ثم جعل ولي الأمر مسؤولًا عن حق الجماعة فيما خص الأفراد من هذا المال (١) وقصد بها. ثالثًا - إشباع الفطرة التي فطر الله الناس عليها ومنها غريزة حب التملك". ويقول الدكتور فاروق النبهان بعد أن عرض لاختلاف رجال القانون في تعيين مصادر الملكية طبقًا لاختلاف نحلهم: "ونجد في التصور الإسلامي المنطلق من الحقائق القرآنية تفسيرًا لهذا اللبس الذي وقع فيه رجال القانون وينطلق هذا التصور من فكرة (٢) الإيمان بالله وأن الإنسان مخلوق ليكون خليفة الله في أرضه. وأن الله قد سخر له كل شيء ليكفل له الاستفادة مما سخره الله له، وأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي سخر الله له المخلوقات الأخرى ولم يسخره لخدمة تلك المخلوقات، لأنه يمتاز على غيره بالتكليف، والتكليف يرتبط بالعقل. ولما كانت الملكية ضرورية للإنسان فقد استخلفه الله على ملكية ما في الأرض، وأوجب عليه أن يتذكر معنى الاستخلاف ومدلوله، وأن يتقيد في تصرفه في ملكيته بإرادة الله التي يعبر التشريع الإسلامي عنها سواء من حيث أسباب التمليك أو من حيث طرائق الاستفادة من هذه الملكيات.

стр. 3629

ولا يعترف الإسلام بأي ملكية لا تنشأ وفقًا لسبب من الأسباب الشرعية المعترف بها ولا يحترم الإسلام أية ملكية لا تنمو وفق الطريق الشرعي الذي حددته الشريعة من حيث عدم الإضرار بالمجتمع، وفضلًا عن هذا فإن المالك مكلف بأن يرعى حق الجماعة في ملكيته، وإلا فإن الإسلام لا يعترف بأية ملكية لا تخضع لهذه الضوابط التشريعية". على أن هذا الموقف الذي يمثله النموذجان السابقان ليس إجماعيا من المعاصرين، وإنما هو موقف الجمهرة من الأساتذة والاقتصاديين ذوي الثقافة المزدوجة أو الذين تفتحت عقولهم ومداركهم لتفهم التشريع الإسلامي من أصول مباشرة دون التقيد بمرحلة من مراحل الفقه فيه كما هو الشأن عند معاصرين آخرين. ولعل أحسن من يمثل هؤلاء وإن امتاز عن كثير منهم بسعة الاطلاع والاستقلال النسبي في الفهم والاتساع النسبي في الإدراك الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ وفي هذا المجال ننقل قوله من كتابه "الملكية ونظرية العقد" (١) "ذكرنا أن المال لا يعتبر مالا إلا بتمول الناس له، لذلك كانت علاقة الإنسان هي التي تعطيه خواصه المالية والشرعية ولقد قرر الشرع (٢) الإسلامي تلك العلاقة , ورتب عليها ثمراتها ونتائجها، وتلك العلاقة المقررة في الإسلام ككل الشرائع هي الملك، وهو معنى نسبي يفرض بتعيين النسبة بين المال والإنسان كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر، فكل هذه أمور نسبية لتعيين النسب بين الأشياء والأشخاص، فالأبوة والبنوة لتعيين النسبة والإنسان ومن نشأ منه، كذلك الملك هو معين للنسبة بين الإنسان والمال، الإنسان مالك والمال مملوك". ولا نريد أن نتقصى "مقولات" ذاك الفريق أو ذاك , حسبنا ما عرضناه من نماذج لأرائهما إنما نريد أن نقدم صورة لآراء المعاصرين على اختلاف تأثرهم بالنحل والقوانين الحديثة وبالمواقف والآراء الفقهية التي حددها وفرع عنها واستنبط منها ثروة من الأحكام والتصورات والافتراضات الفقه الإسلامي. وذلك قبل أن نمضي في مسارنا الذي رسمناه لأنفسنا في هذا البحث وفي غيره من أبحاثنا المتصلة بالشريعة الإسلامية من اعتبار النصوص التشريعية القطعية والظنية، (من قرآنية أو سنية متواترة ومن سنية آحادية أو آثار لكبار الصحابة ومن اجتهادات لكبار التابعين والأئمة الأول) هي المصدر الوحيد الواجب اعتماده دون غيره لكل فقه يحاول الاهتداء إلى حكم الله في ما يستجد للمسلمين أو للإنسانية كافة من أوضاع وأحداث حضارية فردية كانت أم جماعية أم اجتماعية.

стр. 3630

لذلك ننتقل مباشرة إلى النصوص القرآنية المتعلقة لعلاقة الإنسان بالمال وخاصة الأرض وآراء أئمة التفسير في تأويلها ثم إلى النصوص السنية وتحقيقها وتخريجها وأراء أئمة السنة وشرحها في فقهها ثم إلى آثار الصحابة وكبار التابعين والأئمة الأول للاجتهاد، فهذه المصادر هي معتمدنا فيما نستقبل في مسارنا إلى نهايته لا نضيف إليها مرجعًا إلا لمجرد "الاستئناس " عند الاقتضاء. ٩ - التكييف القرآني لعلاقة الإنسان بالأرض: التبس على البعض ما ورد في القرآن الكريم من أن الله خلق الأرض وسخرها لبني آدم فحسبوا ذلك يعني أنه ملكها لهم، وبنوا على هذا "اللبس" قواعد أصولية وفقهية من بينها الاستدلال بأن القرآن ينص على ملكية الإنسان لما يحوزه من الأرض. وهذا "اللبس" الساذج تكشفه الآثار والنصوص التي نوردها فيما يلي تبيانًا للمعنى الذي فهمه السلف من الصحابة والتابعين وأئمة التفسير والتأويل لتلك الآيات الكريمة الملتبس تأويلها على بعض المتفقهة المقلدة الذين لا يتحرجون من محاولة تسخير النصوص القرآنية والسنية لمساندة ودعم آرائهم وآراء أئمتهم وشيوخهم الذين بلغ بهم تقليدهم أنهم يحكمون آراء في النصوص القرآنية السنية فإن استعسر عليهم تسخيرها تمحلوا أسبابًا لادعاء نسخها، وهو ادعاء قد نقف عنده بعد حين. قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) ويقول الطبري ﵀ في تفسيره (٢) "فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع - تأمل جيدًا كلمة "منافع" - أما في الدين فدليل على وحدانية ربهم، وأما في الدنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه". ثم قال: "وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان قتادة (٣) يقول: "حدثنا بكر بن معاذ , قال: حدثنا مرثد بن سعيد , عن قتادة قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أنعم , والله سخر لكم ما في الأرض". وقد أخرج هذا الأثر السيوطي في الدر (٤) بأوضح وأسلم تعبير , فقال: " ... أخرج عبد بن حميد وابن جرير - يعني الطبري - عن قتادة في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال: سخر لكم ما في الأرض جميعًا كرامة من الله ونعمة لابن آدم متاعًا وبلغة ومنفعة إلى أجل".

стр. 3631

وقال الزمخشري في الكشاف (١) ". (لكم) لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم، أما الانتفاع الدنيوي فظاهر , وأما الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القدير الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمواكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف. وقد استدل بقوله: (خلق لكم) على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقة لكل أحد أن يتناولها وينتفع بها) . وقال الرازي ﵀ في تفسيره (٢) "وأما قوله: (لكم) فهو يدل على أن المذكور بعد قوله: (خلق) لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا. أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات، وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء وللاعتبار بها. وجمع بقوله: (ما في الأرض جميعا) جميع المنافع، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال، ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء، وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها. كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) وكأنه قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا، أو يقال: كيف تكفرون بالله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض جميعًا، فكيف يعجز عن إعادتكم. ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سور مختلفة كما قال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ (٤) وقال في أول سورة النحل ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ (٥) ثم أورد - على عادته - مسائل تتعلق بتأويل الآية وما قد يستنبط منها من معاني وأحكام ومنها قوله: "المسألة الثانية" احتج أهل الإباحة بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلًا لأنه تعالى قابل الكل بالكل، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل، والفقهاء ﵏ استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة". وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٦)

стр. 3632

"و (لكم) معناه الاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها. وقال قوم: بل معنى (لكم) إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول: إن الأشياء قبل ورود السمع على الإباحة بينته هذه الآية. وخالفهم في هذا التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين بالحظر استثنوا أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة، كالتنفس والحركة. ويرد على القائلين بالحظر كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في القرآن. ويترجح في الوقف. إذا قدرنا نازلة لا يوجد فيها سمع ولا تتعلق به. ومعنى الوقف أنه استنفاد جهد الناظر فيما يحزب من النوازل. وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: "لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع أو لها به تعلق أو لها مال تستصحبه". قال: "فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف". وقال القرطبي في "الجامع لأحكام?القرآن" (١) وهو يستخرج مسائل من هذه الآية الكريمة: "الثانية - استدل من قال: إن أصل الأشياء التي ينتفع منها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢) حتى يقوم الدليل على الحظر. وعضدوا هذا بأن قالوا: إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان أن لا تخلق فلم تخلق عبثًا فلا بد لها من منفعة، وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله لاستغنائه بذاته، فهي راجعة إلينا. ومنفعتنا إما في نيل لذاتها، أو في اجتنابها لنختبر بذلك، أو في اعتبارنا بها. ولا يحصل شيء من تلك الأمور إلا بذوقها، فلزم أن تكون مباحة. وهذا فاسد، لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة بل هو الموجب. ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بذوق، بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سمومًا مهلكة ومعارضون بشبهات أهل الحظر. وتوقف آخرون، وقالوا: ما من فعل لا ندرك منه حسنًا ولا قبحًا إلا ويمكن أن يكون حسنًا في نفسه، ولا معين قبل ورود الشرع، فتعين الوقف إلى ورود الشرع. وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة. وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكية والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف. ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره، وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه".

стр. 3633

ثم قال: "الثالثة - الصحيح في معنى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ الاعتبار يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السماوات والأرض لا تبعد منه القدرة على الإعادة. فإن قيل: إن معنى (لكم) الانتفاع، أي: لتنتفعوا بجميع ذلك، قلنا: المراد بالانتفاع الاعتبار كما ذكرنا. فإن قيل: وأي اعتبار في العقارب والحيات؟ قلنا: قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببًا للإيمان وترك المعاصي. وذلك أعظم الاعتبار. قال ابن العربي: وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرًا ولا إباحة ولا وقفًا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل به على وحدانيته. وقال أرباب المعاني في قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ لتتقووا به على طاعته لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد". وقال ابن حيان الأندلسى في "البحر المحيط" (١) بعد أن أورد الآية: "مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أنه لما ذكر أن من كان منشئا لكم بعد العدم ومفنيًا لكم بعد الوجود وموجدًا لكم ثانية، إما في جنة وإما إلى نار، كان جديرًا أن يعبد ولا يجحد ويشكر ولا يكفر. ثم أخذ يذكرهم عظيم إحسانه وجزيل امتنانه، من خلق جميع ما في الأرض لهم، وعظيم قدرته وتصرفه في العالم العلوي وإن العالم العلوي والعالم السفلي بالنسبة إلى قدرته على السواء وأنه عليم بكل شيء". ثم قال: "و (لكم) متعلق بـ (خلق) واللام فيه للسبب، أي: لأجلكم ولانتفاعكم. وقدر بعضهم لاعتباركم، وقيل: للتمليك والإباحة، فيكون التمليك خاصا، وهو تمليك ما ينتفع الخلق به، وتدعو الضرورة إليه. وقيل: الاختصاص هو أعم من التمليك.

стр. 3634

والأحسن حملها على السبب , فيكون مفعولًا من أجله، لأنه بما في الأرض يحصل الانتفاع الديني والدنيوي. فالديني النظر فيه وفيما فيه من عجائب الصنع ولطائف الخلق الدالة على قدرة الصانع وحكمته، ومن التذكير بالآخرة والجزاء. وأما الدنيوي فظاهر , وهو ما فيه من المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمناظر البهية وغير ذلك. وقد استدل بقوله: (خلق لكم) من ذهب إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة , فلكل أحد أن ينتفع بها وإن احتمل أن يكون اللام لغير التمليك والإباحة لم يكن في ذلك دليل على ما ذهبوا إليه. وقد ذهب قوم إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر فلا يقدم على شيء إلا بإذن. وذهب قوم إلى أن الوقف لما تعارض عندهم دليل القائلين بالإباحة ودليل القائلين بالحظر قالوا بالوقف" (١) ثم قال: "وإذا جعلنا اللام للسبب، فليس المعنى أن الله فعل شيئًا للسبب، لكنه لما فعل ما لو فعله غيره لفعله لسبب، أطلق عليه لفظ السبب. واندرج تحت قوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ما كانت الأرض مستقرا له من الحيوان والنبات والمعدن والجبال، وجميع ما كان بواسطة من الحرف والأمور. المستنبطة". وقال محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (٢) " ... والمقصود من الكلام فيما أراه موافقًا للبلاغة. التذكير بأن الله هو خالق الأرض وما عليها وما في داخلها، وأن ذلك كله خلقه بقدر انتفاعنا بها بما فيها في مختلف الأزمان والأحوال فأوجز الكلام إيجازًا بديعًا بإقحام قوله: (لكم) ، فأغنى عن جملة كاملة، فالكلام مسوق مساق إظهار عظيم القدرة وإظهار عظيم المنة على البشر وإظهار عظيم منزلة الإنسان عند الله تعالى. وكل أولئك يقتضي اقتلاع الكفر من نفوسهم. وفي هذه الآية فائدتان" الأولى: أن لام التعليل دلت على أن خلق ما في الأرض كان لأجل الناس، وفي هذا تعليل للخلق، وبيان لثمرته وفائدته".

стр. 3635

وبعد أن أورد مقولات المتكلمين حول تعليل أفعال الله تعالى وناقشها مناقشة بديعة نأسف أن ليس هذا مجالها قال ﵀: "هذا وقد نقل أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات عن جمهور الفقهاء والمتكلمين أن أحكام الله تعالى معللة بالمصالح ودرء المفاسد. وقد جمع الأقوال الشيخ ابن عرفة في تفسيره فقال: هذا هو تعليل أفعال الله تعالى وفيه خلاف، وأما أحكامه فمعللة. الفائدة الثانية: أخذوا من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أن أصل استعمال الأشياء فيما يراد له من أنواع الاستعمال هو الإباحة حتى يدل دليل على عدمها، لأنه جعل ما في الأرض مخلوقًا لأجلنا، وامتن بذلك علينا. وبذلك قال الإمام الرازي والبيضاوي وصاحب الكشاف ونسب إلى المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية منهم الكرخي ونسب إلى الشافعي. وذهب المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة - في نقل ابن عرفة - إلى أن الأصل في الأشياء الوقف ولم يروا الآية دليلًا. قال ابن العربي في أحكامه: إنما ذكر الله تعالى هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وعلى تصريف المخلوقات بمقتفى التقدير والإتقان بالعمل ... إلخ. والحق أن الآية مجملة، قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض أنه خلق لأجلنا، إلا أن خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما يقصد منه، بل خلق لنا فيه الجملة. على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من الناس بعض مما في العالم، بمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع , لا كل واحد لكل واحد، كما أشار إليه البيضاوي، لا سيما وقد خاطب الله بها قومًا كافرين منكرًا عليهم كفرهم، فكيف يعلمون إباحة أو منعا؟ وإنما محل الموعظة هو ما خلقه الله من الأشياء التي لم يزل الناس ينتفعون بها من وجوه متعددة. وذهب جماعة إلى أن أصل الأشياء الحظر، ونقل عن بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة، فللمعتزلة الأقوال الثلاثة كما قال القرطبي. قال الحموي في شرح كتاب الأشباه لابن نجيم نقلًا عن الإمام الرازي ﵀: وإنما تظهر ثمرة المسألة في حكم الأشياء أيام الفترة قبل النبوة، أي فيما ارتكبه الناس من تناول الشهوات ونحوها. ولذلك كان الأصح أن الأمر موقوف وأنه لا وصف للأشياء يترتب من أجله عليها الثواب والعقاب.

стр. 3636

وعندي: أن هذا لا يحتاج العلماء إلى فرضه، لأن أهل الفترة لا شرع لهم، وليس لأفعالهم أحكام إلا في وجوب التوحيد عند قوم. وأما بعد ورود الشرع، فقد أغنى الشرع عن ذلك. فإن وجد فعل لم يدل عليه دليل من نص أو قياس أو استدلال صحيح، فالصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل، وهذا الذي اختاره الإمام في المحصول، فتصير للمسألة ثمرة باعتبار هذا النوع من الحوادث في الإسلام". وجلي من هذه النقول - وهي الخلاصة الشاملة لآراء أئمة التفسير والتأويل من قدماء ومحدثين - أن الجمهرة تذهب إلى القول بأن اللام في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ للاختصاص وليست لأي معنى غيره إلا ما ذهب إليه القلة من اعتبارها سببية أو للتمليك أو للاستحقاق. وقد يكون من تمام الفائدة أن ننقل رأي النحاة أو ما يشبه أن يكون رأيًا لهم في الفرق بين لام الاختصاص ولام الاستحقاق ولام التمليك ولام شبه التمليك ولام التعليل. يقول ابن هشام ﵀ في "المغني" (١) "واللام الجارة اثنان وعشرون معنى: أحدها الاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات، نحو "الحمد لله" و"العزة لله" و"الملك لله" و"الأمر لله" و"نحو ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٢) و ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ (٣) و"منه للكافرين النار" أي: عذابها. والثاني: الاختصاص نحو الجنة للمؤمنين، وهذا الحصير للمسجد، والمنبر للخطيب، والسرج للدابة، والقميص للعبد، ونحو ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ (٤) ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (٥) وقولك: هذا الشعر لحبيب، وقولك: أدوم لك ما تدوم لي. والثالث. الملك، نحو: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (٦) ووردت في غيرها أيضًا.

стр. 3637

وبعضهم يستغني بذكر الاختصاص عن ذكر المعنيين الآخرين ويمثل بالأمثلة المذكورة ونحوها، ويرجحه أن فيه تقليلًا للاشتراك، وأنه إذا قيل "هذا المال لزيد والمسجد" لزم القول بأنها الاختصاص مع كون زيد قابلًا للملك، لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه دفعة، وأكثرهم يمنعه. الرابع: التمليك، نحو "وهبت لزيد دينارًا ". الخامس: شبه التمليك، نحو ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (١) السادس: التعليل، كقوله: "ويوم عقرت للعذارى مطيتي" (٢) ثم مضى يورد شواهد أخرى لهذا المعنى، ثم يتابع المعاني الأخرى للام الجارة، وهو مما ليس من شأننا في هذا المجال. ومن هذا الذي ساقه ابن هشام من الفروق بين معاني ودلالات اللام الجارة، يترجح لدينا القول بأن اللام للاختصاص في الآية الكريمة التي نحن بسبيل استجلاء الحكم منها، وحتى لو كانت للملك - وما من أحد قال: إنها للتمليك فيما نعلم - فإن الملك الذي تعنيه جماعيا وليس فرديا , ذلك بأنهم أجمعوا أو كادوا يجمعون على أن "الاختصاص" أو "التمليك" الذي تعنيه في الآية لا يتجه بالأساس إلى الفرد وإن وجهه بعضهم , ومال الرازي ﵀ إليه بالتبعية. ونعيد هنا فقرة سبق أن نقلناها عنه للتذكير واستجلاء المعنى. قال ﵀: "المسألة الثانية: احتج أهل الإباحة بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ على أنه تعالى خلق الكل للكل , فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلًا وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد والتعيين يستفاد من دليل منفصل، والفقهاء ﵏ استدلوا به على أنه الأصل في المنافع الإباحة".

стр. 3638

وقد سبق أن لفتنا في معرض نقلناه عن الطبري ﵀ ما شرح به الآية الكريمة إلى قوله: "فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع. تأمل جيدًا كلمة "منافع". وقلنا تعقيبًا على هذا: تأمل جيدًا كلمة "منافع" , إذ هي صريحة من عبارته كما أن ما يشاكلها من عبارات غيره ممن اعتمدناهم ونقلنا عنهم من أئمة التفسير آراءهم ورواياتهم في تأويل هذه الآية الكريمة صريح في أن علاقة الإنسان بالأرض طبقا لما تعينه الآية الكريمة وتحدده تتكيف بكونها "تسويغ الانتفاع" أو "تسويغ المنفعة"، وهذا ما سنبينه ونبين الفرق فيه بين "تسويغ الانتفاع" وبين "تسويغ المنفعة" في محله من هذا البحث. لكننا الآن نود أن نقف هونا عند رأي الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ﵀ إذ إنه يختلف بعض الاختلاف عن رأينا في تحديد معنى "اللام " من (لكم) فهو يراها للتعليل، ولكن ما يبدو بين الموقفين من تغاير لا يعدو أن يكون لفظيا أو بلاغيا صرفًا لا يترتب عنه حكم إلا بانتحال متكلف غير صائغ. وآية ذلك أنه ﵀ يخلص إلى القول بأن من علة خلق الأرض جعلها لمنفعة الإنسان في مجموعه وأفراده فهو يقول: "والحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على الخالق بخلق ما في الأرض أنه خلق لأجلنا، إلا أن خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما يقصد منه، بل خلق لنا في الجملة على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من الناس بعض مما في العالم لمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع، لا كل واحد لكل واحد، كما أشار إليه البيضاوي، لا سيما وقد خاطب الله بها قوما كافرين منكرًا عليهم كفرهم، فكيف يعلمون إباحة أو منعا؟ ومع أنه يستنبط من الآية "تسويغ الانتفاع" أو تسويغ المنفعة للأفراد، كما هو للمجموع على مستوى متماثل حسب ما هو ظاهر عبارته - وإن كنا ننكر أشد الإنكار التوقف عند تحليل عبارات البشر غير رسول الله ﷺ ومجتهدي الصحابة لولا أننا بصدد تحديد مذاهب من يعتمد اجتهاده من المفسرين - وذلك ما قد لا نختلف معه في ما يؤدي إليه من نتائج وإن لم نوافقه في التسوية بين دلالة الآية على حقوق المجموع ودلالتها على حقوق الأفراد. فإننا نجده غير مختلف مع جمهرة أئمة التأويل في أن المنفعة أو الانتفاع هو ما تعنيه - أو بعض ما تعنيه - الآية الكريمة وتدل عليه اللام في (لكم) سواء كانت "للاختصاص" أو "للتعليل" أو حتى "للملك" أو "للتمليك" كما قد يقول بعض النحاة.

стр. 3639

والذي نستخلصه مما نقلناه عن أئمة التأويل، ونشعر أنه الحق أن الآية الكريمة نص صريح على أن علاقة الإنسان بالأرض تنحصر فيما يتصل بما خول الله له من انتفاع أو منفعة، مما فيها ولا تتجاوزه طبقًا لما تتضمنه الآية الكريمة من دلالات إلى ملكية "الرقبة " وعلى من يدعي ملكية الإنسان مجموعة أو أفرادًا للأرض ملكية رقبة أن يستظهر بدليل أو أدلة غير هذه الآية، وسنقف عند ما قد يستظهرون به حين يعرض لنا شيء منه خلال مسارنا هذا. لكن قبل ذلك نقف مع ابن تيمية (١) في رأي له لا يتصل في جوهره بعلاقة الإنسان بالأرض وبالأشياء من حيث تكييفها الشرعي، وإنما يتصل بها من حيث الممارسة والملابسة وهذا الجانب منها ليس من شأننا في هذا المجال، بيد أن ابن تيمية ﵀ ألمح عرضًا إلى ما نحن بسبيله. ذلك بأنه خلال ما ساق من الأدلة لتأكيد قاعدته التي بنى عليها حكمه في طهارة أو نجاسة "مني الإنسان وغيره من الدواب الطاهرة وفي أرواث البهائم المباحة " وقد ساق في ذلك عشرة أدلة قال: "الصنف الأول الكتاب، وهو عدة آيات، الآية الأولى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ والخطاب لجميع الناس لافتتاح الكلام بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ ووجه الدلالة أنه خلق جميع ما في الأرض للناس مضافًا إليه باللام، واللام حرف الإضافة، وهي توجب اختصاص المضاف بالمضاف إليه، واستحقاقه إياه على الوجه الذي يصلح له. وهذا المعنى يعم موارد استعمالها. لقولهم: المال لزيد، والسرج للدابة، وما أشبه ذلك. فيجب إذن أن يكون الناس مملكين ممكنين لجميع ما في الأرض، فضلًا من الله ونعمة. وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث، لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم، أو معادهم، فيبقى الباقي مباحًا بموجب الآية".

стр. 3640

وجلي من كلام ابن تيمية أنه مع القائلين أن في الأصل الإباحة ما لم يقم دليل على غيرها، بيد أنه يعتبر إباحتها للمجموع بدليل استدلاله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ . ثم قوله في ثنايا كلامه: "فيجب أن يكون الناس مملكين ممكنين لجميع ما في الأرض". إذ إن تعبيره بكلمة "الناس" بعد استدلاله بالآية الكريمة المذكورة آنفًا والنداء فيها موجه إلى (الناس) لا يمكن صرفه إلى "الجميع" بمعنى إلى الأفراد منفصلين إلا بقرينة. وبدونها لا ينصرف إلا إلى "المجموع" باعتباره كيانًا له وجود معنوي متميز. على أن ابن تيمية جمع بين معنيي الاختصاص والاستحقاق للام في (لكم) ، وهو ما قد يلبس على بعض الناس مراده، لا سيما وقد جاء في كلامه بعد ذلك لفظ "مملكين" فيحسبه صرفًا لمدلول الاختصاص عن عمومه إلى خصوص الدلالة على الملكية وهذا رأي ابن تيمية، ولكنه ليس صريحًا من عبارته هذه. فإن يكن هو رأيه فليس في عبارته ما يصرف "الملكية" التي يعنيها إلى الفرد وإنما هي مصروفة بالأصالة إلى "المجموع " ما لم تقم قرينة على غير ذلك. وقبل أن نفارق ابن تيمية ننتقل معه إلى دليل آخر استدل به البعض على دعوى ملكية الإنسان للأرض ملكية رقبة. قال وهو يواصل الاستدلال لموضوعه المذكور آنفًا: "الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (١) وإذا كان ما في الأرض مسخرًا لنا جاز استمتاعنا به". تأمل جيدًا قوله: "جاز استمتاعنا به , إذ اقتصر على كلمة "الاستمتاع" بدل كلمة "الملك" أو "الملكية" أو ما يدل عليهما مثل "الاستئثار" أو "الاستحواذ".

стр. 3641

وقد يقال: إن "الملك" وما في معناه من مشتقاته يدخل في مدلول "الاستمتاع" وهذا صحيح، بيد أن "الاستمتاع" لا ينصرف إلى بعض مدلولاته دون بعض إلا بقرينة، وإذا لم توجد القرينة يظل "عاما" في انتظار ما يخصصه و"مطلقًا" في انتظار ما يقيده إذا أريد له "التخصيص" أو "التقييد". وجميع القرائن تدل على أنه غير مخصص ولا مقيد إلا بما جاء الشرع بإيجابه أو الندب إليه أو تحريمه أو كراهته. وسنتبين أثناء مسارنا هذا ما إذا كان الشرع قد جاء بحكم من هذه الأحكام فيما يتصل بالملك. ونواصل وقفتنا عند قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . وأجمع ما وقفنا عليه وأدقه في تفسير هذه الآية عند أئمة التأويل ما قاله محمد الطاهر ابن عاشور (١) من أن: " ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ عام مخصوص بما تحصل للناس فائدة من وجوده: كالشمس للضياء، والمطر للشراب، أو من بعض أحواله: الكواكب للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، والشجر للاستظلال، والأنعام للركوب والحرث ونحو ذلك. وأما ما في السماوات والأرض مما لا يفيد الناس فغير مراد، مثل الملائكة في السماء والأهوية المنحبسة في باطن الأرض التي يأتي منها الزلزال" (٢) قلت: وهذه الآية دليل حاسم داحض لكل دعوى مخالفة على أن اللام للاختصاص في قوله: (لكم) ، ذلك بأن الآية السابقة لها (٣) وبدونها لا يستقيم معنى الآيتين جاء فيها ﴿اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . وما من أحد يستطيع أن يزعم بأن لام (لكم) في هذه الآية تعني الملك أو ما يشتق منه. لأن هذا الزعم يقتضي بالضرورة أن الإنسان يملك البحر وأنه أيضًا يملك السماء وما فيها أو ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على الأقل. وما من أحد يستطيع أن يدعي ملكية الإنسان للبحر أو للملائكة ولا حتى للطير وهي تطير في طبقات من الهواء تعتبر جغرافيا من طبقات الكوكب الأرضي لأنها خاضعة لجاذبيته، بل إن الخلاف حاد شهير في جواز بيع السمك في البحر قبل أن يكون واقعا في شبكة الصائد بالرغم من أن بيعًا من هذا القبيل إنما يعني في حقيقته "التزام" من البائع للمشتري بتقديم نوع معين من السمك في وقت محدد وهو التزام يقوم على أغلب شروط العقد الصحيح كما يعينها الشرع والقانون، ومدار هذا الاختلاف، هو أن اعتبار ما في البحر ليس ملكًا للإنسان وأن الالتزام الذي يقوم عليه بيع السمك قبل اصطياده يعتمد على تصرف الملتزم في شيء لم يكن قد دخل في ملكه فأصبح قادرًا فعلًا على التصرف فيه.

стр. 3642

وإذا كان هذا موقفهم مما يسر الله للإنسان استخراجه من البحر وهو الموقف الذي يرتضيه العقل ويطمئن إليه العدل، فكيف يكون الموقف من دعوى ملكية الأرض ملكية رقبة في حين أن الأرض ليست في حجمها وفي محتواها شيئًا يمكن للإنسان فردًا أو مجموعًا أن يحوزه حيازة كاملة وأن ينتفع به كله وبكل ما فيه انتفاعًا كاملا؟ وما قيل في هذه الآية عن دلالة اللام في (لكم) يقال في غيرها مثل قوله في سورة إبراهيم: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (١) وما من أحد يستطيع أن يدعي أن الإنسان يملك الأنهار أو يملك الليل والنهار وإن ملكية "انتفاع" أو "منفعة " , وقصارى ما يمكن استجلاؤه من هاتين الآيتين الكريمتين ومن آيتي سورة الجاثية السابقتين إباحة الانتفاع للإنسان بما يستطيع الانتفاع به من هذه المخلوقات إباحة امتنان من الله على عباده ودلالته على عظيم قدرته وجليل نعمته. وقد تكون هذه الآيات الأربع صالحة للاستدلال على أن الأصل في الأشياء الإباحة إذا أخذت على ظاهرها، بيد أننا نرى أنها صالحة للاستدلال على أن الله أباح الانتفاع بما في الأرض والبحر والسماوات والأنهار وما شاكلها مما يستطيع الإنسان الانتفاع به من مخلوقاته انتفاعًا لا يخرج عن دائرة الشرع، ودلالة هذه الآيات على الإباحة تقتضي أن المخلوقات قبل إباحة الانتفاع بها للإنسان كانت غير منضبط التصرف فيها بحكم شرعي فهي على الوقوف حتى جاء الشرع الكريم فبين إباحة ما أبيح وعين ما خرج من نطاق الإباحة إلى حكم آخر من أحكامه من الانتفاع بتلك المخلوقات. ١٠ - التكييف السني لعلاقة الإنسان بالأرض وإذا انتقلنا إلى السنة النبوية ابتغاء ما ورد فيها قولًا وفعلًا من بيان للتكييف الشرعي للعلاقة بين الإنسان والأرض، ثم للعلاقة بينه وبين ما يحصل ويكتسبه من منافع مما في الأرض كان أبرز ما يجب الوقوف عنده واستلهامه من النصوص السنية حكم رسول الله ﷺ في كراء الأرض عامة وفي المزارعة والمساقاة خاصة، وفي هذا الشأن وردت نصوص قولية وفعلية اضطرب في تأويل بعضها فقهاء الحديث قبل فقهاء الرأي وخاصة أتباع المذاهب من مجتهدين ومقلدين، لذلك نؤثر أن نقف عند كل حديث من الأحاديث الواردة في الاستدلال في هذا المجال , فنستقصي روايته ونتقصى رواته ونجتلي ظروفه وظروف رواته ورواياته لنستبين إن كان فيه اضطراب أو بين نصوصه تعارض، كما يذهب جمهور فقهاء الحديث وفقهاء الرأي، ونستعين في استجلاء ذلك بما ورد من آثار كبار الصحابة وفقهائهم من اجتهادات وتصرفات مما يتصل بموضوع هذه الأحاديث مباشرة أو بالاستنباط.

стр. 3643

وأول حديث نقف عنده حديث رافع بن خديج: روى مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، وابن حبان، بألفاظ متقاربة وأسانيد مختلفة وبعضهم بأكثر من سند واحد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن , عن حنظلة بن قيس الزرقي حديث رافع بن خديج. ونورد رواياتهم متوالية فيما يلى: روى مالك (١) "عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن حنظلة بن قيس الزرقي عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع. قال حنظلة: فسألت رافع بن خديج: بالذهب والورق؟ قال: أما الذهب والورق فلا بأس". وقال الشافعي (٢) "أخبرنا مالك , عن ربيعة بن عبد الرحمن - خطأ صوابه بن أبي عبد الرحمن - , عن حنظلة بن قيس , أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال: ((نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض , فقال: أبالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق , فلا بأس به)) .

стр. 3644

وقال أحمد في مسنده (١) "حدثنا يحيى بن سعيد , عن مالك بن أنس , قال: حدثني ربيعة , عن حنظلة بن قيس , عن رافع بن خديج قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن كراء المزارع. قال: قلت: بالذهب والفضة؟ قال: لا , إنما نهى عنه ببعض ما يخرج منها , أما بالذهب والفضة فلا بأس به)) . وحدثنا أحمد أيضا ورواه ابن حبان في صحيحه (٢) "حدثنا قتيبة بن سعيد , قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد , عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن , عن حنظلة الزرقي , عن رافع بن خديج ((أن الناس كانوا يكرون المزارع في زمان رسول الله ﷺ بالماذيانات (٣) وما سقى الربيع (٤) وشيء من التبن فكره رسول الله ﷺ كراء المزارع بهذا ونهى عنها)) وقال رافع: ولا بأس بكراء بالدراهم والدنانير.

стр. 3645

وحدثنا يونس قال: حدثنا ليث , عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن , عن حنظلة بن قيس , عن رافع بن خديج أنه قال: حدثني عمي اتخذ بعضهم من اختلاف الروايات عن رافع وهو يتحدث عن عمه أو عن عميه سببًا لدعوى الاضطراب في حديث رافع والغمز في الاحتجاج به وهي دعوى غير سليمة ولا وجيهة ذلك بأن رافعًا لم يحدث بهذا الحديث مرة ولم يروه عنه راو واحد وإنما حدث به حديثًا أكثر من مرة وصدع به فتوى ويظهر أنه اتخذ منه قضية تولى الدعوة إليها وسيأتي بيان ذلك. ونتيجة لهذا الوضع كان رافع يحدث أحيانًا عن عمه ظهير وأحيانًا عن عميه , وظاهر أنه ظهير ومظهر (انظر ترجمتها في التعليق رقم: ١ص ١٢٣٤ والراجح عندنا، بل الذي نكاد نجزم به أن رسول الله ﷺ نفسه كرر النهي لآل خديج , فتارة كان يشهد ظهير وحده، وتارة كان يشهد ظهير ومعه أخوه مظهر وربما غيره من ذويه , فقد جاء ذكر خال رافع في بعض الروايات عنه وأن تكرار نهي رسول الله ﷺ آل خديج عن كراء الأرض كان لأنهم اتخذوا منه وسيلة من وسائل الكسب الذي يستغلون فيه جهود الآخرين وكان ذلك شائعًا بينهم فتكرر نهي رسول الله ﷺ نهيا زاجرا ملحا تتبع التصرفات الفردية والجماعية , يشهد هذا الذي تذهب إليه اختلاف الروايات عن رافع عمن نقل إليه النهي ثم ما حدث لرافع نفسه مع رسول الله ﷺ مما هو مبين بالأسانيد في الأحاديث المتوالية التي سقناها مدونات السنة وبمختلف أسانيدها في ثنايا هذا الفصل. ((أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما ينبت على الأربعاء (١) وشيء من الزرع يستثنيه صاحب الزرع، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك فقلت لرافع: كيف كراؤها؟ بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس، بالدينار والدرهم)) . قال البخاري في صحيحه (٢) "حدثنا عمرو بن خالد وحدثنا الليث عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن حنظلة بن قيس عن رافع بن خديج قال: حدثني عماي: ((أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء (٣) أو بشيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم)) .
следующие страницы →