← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

أخبرنا محمد بن إدريس , قال: حدثنا أبو توبة , قال: حدثنا معاوية بن سلام , عن يحيى بن أبي كثير , عن يزيد بن نعيم , عن جابر بن عبد الله ((أن النبي ﷺ نهى عن الحقل وهي المزابنة)) . أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم , عن يونس , قال: حدثنا حماد , عن مطر , عن جابر رفعه ((نهى عن كراء الأرض)) . أما الحديث الثالث الذي نقف عنده فهو حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه كل من أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوي، وقد رأينا أن نثبته هنا ونقدمه على غيره اعتبارًا لمقام سعد ﵁ – فهو أحد العشرة وآخرهم لحاقًا بالرفيق الأعلى , وأحد السبعة الذين عهد لهم الفاروق ﵁ بأمر الخلافة من بعده , وإن كنا نشك في صحة هذا الحديث , إذ مداره عبد الرحمن بن لبيبة , أو ابن أبي لبيبة عبد الرحمن بن عطاء القرشي مولاهم أبو محمد ابن بنت أبي لبيبة ويقال أحيانًا: ابن لبيبة المدني , روى عن عبد الملك بن جابر بن عتيك ومحمد بن جابر بن عبد الله وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر , وعنه ابن أبي ذئب وسليمان بن بلال والدراوردي وهشام بن سعد وحاتم بن إسماعيل وغيرهم , نقل ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ص: ٢٣٠. الترجمة: ٤٦٧) عن أبي حاتم قوله: شيخ يحول من كتاب الضعفاء , ولفظ أبي حاتم الرازي. (الجرح والتعديل. ج: ٥ ص: ٢٩٩. الترجمة:١٢٦٩) رواه ابنه , فقال: وسألته عنه , فقال: شيخ. قلت: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء , قال: يحول من هناك. ولفظ البخاري (التاريخ الكبير. ج:٥. ص: ٣٣٦.الترجمة: ١٠٧٠. والضعفاء الصغير ص: ١٤٢. الترجمة: ٢٠٦) "فيه نظر". ونقل ابن حجر , عن النسائي أنه قال: ثقة. قال: وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: توفي سنة ثلاث وأربع ومائة , وكان ثقة , قليل الحديث. ثم قال: قلت: وقال ابن حبان: بصري , أصله من أهل المدينة , يعتبر حديثه إذا روى عن غير عبد الكريم أبي أمية. وقال الأزدي: لا يصح حديثه.

стр. 3712

وقال ابن وضاح: كان رفيقًا لمالك في الطلب. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عبد البر: ليس عندهم بذاك، وترك مالك الرواية عنه هو وجاره. قلت: لم أقف على ترجمة له في النسخة المطبوعة التي بين يدي من كتاب الثقات لابن حبان , ولعله ذكره في معرض ترجمة أخرى , ولعل ابن حبان مثل عدد غيره من نقدة الحديث , ومنهم يحيى بن معين ممن يضعف حديث عبد الكريم أبي أمية؛ لأنهم يتهمونه بالقول بالإرجاء , ولذلك ضعفوا ابن أبي لبيبة , وحصر ابن حبان تضعيفه فيما نقل عنه ابن حجر في روايته عن عبد الكريم , وانظر ترجمة عبد الكريم وأقوالهم فيه في (تهذيب التهذيب. ج: ٦. ص: ٣٧٦. الترجمة:٧١٦) . ونقل الذهبي في (الميزان. ج:٢. ص: ٥٧٩. ترجمة: ٤٩١٩) تلخيصًا لما نقله ابن حجر، ثم قال: قيل: مات سنة ثلاث وأربع ومائة. وفيه كلام. كما أن الحديث نفسه يختلف في الحكم الذي يشرعه عن حديثي رافع بن خديج وجابر بن عبد الله اللذين سبق أن أدرجناهما بأسانيدهما المختلفة وغالبيتها صحيحة لا مجال للكلام فيها. وعن أحاديث كل من أبي سعيد الخدري , وأبي هريرة , وأنس بن مالك , وثابت بن الضحاك , التي سندرجها على التوالي عقب هذا الحديث المنسوب إلى سعد بن أبي وقاص , وهي كما سيتضح من أسانيدها أقوى من حديث ابن لبيبة أو ابن لبيبة عن سعد , فمعظم أسانيدها لا مجال للتقول فيها. قال أحمد في مسنده (١) "حدثنا يعقوب , قال: سمعت أبي يحدث , عن محمد بن عكرمة , عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة , عن سعيد بن المسيب , عن سعد بن أبي وقاص ((أن أصحاب المزارع في زمان رسول الله ﷺ كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي بالزرع , وما سعد بالماء مما حول النبت، فجاؤوا رسول الله ﷺ , فاختصموا في بعض ذلك , فنهاهم رسول الله ﷺ أن يكروا بذلك , وقال: أكروا بالذهب والفضة)) .

стр. 3713

وقال أبو داود في سننه (١) "حدثنا عثمان بن أبي شيبة , حدثنا يزيد بن هارون , أخبرنا إبراهيم بن سعد , عن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام , عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (٢) عن سعيد بن المسيب عن سعد قال: ((كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع وما سعد بالماء منها , فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك , وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة)) . وقال النسائي في سننه (٣) "أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم , قال: حدثني عمي , قال: حدثنا أبي , عن محمد بن عكرمة , عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة , عن سعيد بن المسيب , عن سعد بن أبي وقاص , قال: ((كان أصحاب المزارع يكرون في زمان رسول الله ﷺ مزارعهم بما يكون علي المساقي من الزرع , فجاؤوا رسول الله ﷺ , فاختصموا في بعض ذلك , فنهاهم رسول الله ﷺ أن يكروا بذلك , وقال: أكروا بالذهب والفضة)) . وقال ابن حبان (٤) : "أخبرنا عبد الله بن محمد , قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم , قال: أخبرنا يزيد بن هارون , قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد , عن محمد بن عكرمة , عن عبد الرحمن بن الحارث , عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة , عن بن المسيب , عن سعد بن أبي وقاص , قال: ((كنا نكري الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما على السواقي من الزرع , وبما سقي بالماء منها , فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك , ورخص لنا أن نكريها بالذهب والورق)) .

стр. 3714

وقال الطحاوي (١) "حدثنا أحمد بن داود , قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد , قال: حدثني محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن لبيبة - في السند وهم أكبر الظن أنه من الطابع، فمحمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي , وجده عبد الرحمن ليس هو عبد الرحمن بن لبيبة، وهذا الأخير له ابن يسمى محمد بن عبد الرحمن أيضًا، وقد روى عنه ابن عكرمة كما روى هو نفسه مباشرة - عن سعيد بن المسيب , عن سعد بن أبي وقاص , قال: ((كان الناس يكرون المزارع بما يكون على السواقي وما يسقى بالماء مما حول البير , فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك , وقال: أكروها بالذهب والورق)) . وأما الحديث الرابع الذي نقف عنده , فهو حديث أبي سعيد الخدري , الذي رواه كل من أحمد , ومالك , والنسائي , وابن ماجه. قال أحمد في مسنده (٢) "حدثنا محمد بن إدريس، يعني الشافعي , قال: أنبأنا مالك , عن داود بن الحصين , عن أبي سفيان مولى أبي أحمد , عن أبي سعيد الخدري ((أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة)) . والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر في رؤوس النخل , والمحاقلة: استكراء الأرض بالحنطة. وفي لفظ: والمزابنة: اشتراء الثمرة في رؤوس النخل كيلاً". وقال مالك (٣) "عن داود بن الحصين , عن أبي سفيان مولى ابن أحمد , عن أبي سعيد الخدري ((أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة , والمحاقلة)) ، والمزابنة: اشتراء الثمر بالثمر في روض النخل، والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة ".

стр. 3715

وقال النسائي في سننه (١) "أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك , قال: حدثنا يحيى , هو ابن آدم , قال: حدثنا عبد الرحيم , عن محمد بن عمر , عن أبي سلمة , عن أبي سعيد الخدري قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة)) . خالفهم الأسود بن العلاء فقال: عن أبي سلمة , عن رافع بن خديج ". وقال ابن ماجه في سننه (٢) "حدثنًا محمد بن يحيى , حدثنا مطرف بن عبد الله , حدثنا مالك , عن داود بن الحصين , عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد , أنه أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة)) . والمحاقلة استكراء الأرض. أما الحديث الخامس الذي نقف عنده , فهو حديث أبي هريرة الذي رواه كل من البخاري , وابن ماجه , والطحاوي. قال البخاري في صحيحه (٣) "وقال الربيع بن نافع أبو توبة: حدثنا معاوية بن يحيى , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه , فإن أبى فليمسك أرضه)) .

стр. 3716

وقال ابن ماجه في سننه (١) "حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري , حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع بن معاوية بن سلام , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه)) . وقال الطحاوي: "حدثنا أبو بكرة , حدثنا حسين بن حفص الأصبهاني , حدثنا سفيان , قال: حدثني سعد بن إبراهيم , قال: حدثني عمرو بن أبي سلمة , عن أبي سلمة بن عبد الرحمن , عن أبي هريرة , عن رسول الله ﷺ مثله - يعني مثل حديث واسع بن حيان عن جابر وقد تقدم –". على أن حديث أبي هريرة هذا قد روي من طرق ثلاث فيها كلام، وبلفظ يختلف عن الروايات السابقة اختلافًا يدعو إلى التأمل!؟. فروى أحمد في مسنده (٢) "حدثنا أسود , حدثنا شريك , عن سهيل سهيل بن أبي صالح , واسمه ذكوان السمان بن يزيد المدني , روى عن أبيه , وسعيد بن المسيب , والحارث بن مخلد الأنصاري , وآخرين , وفيهم أقرانه , وروى عنه الأربعة , والأعمش , ويحيى بن سعيد , ومالك , وشعبة , وإسحاق الفزاري , وابن جريج , والسفيانان , وخلق غيرهم. قال ابن عيينة: كنا نعد سهيلًا ثبتًا في الحديث. وقال حرب عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب عن أحمد: قال يحيى بن سعيد: محمد - يعني ابن عمرو - أحب إلينا , وما صنع شيئًا سهيل أثبت عندهم. وقال الدوري , عن يحيى بن معين (انظر تاريخ ابن معين ج:٢. ص:٢٤٣) : سهيل بن أبي صالح والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء , وليس حديثهما بحجة.

стр. 3717

وقال ابن أبي حاتم (انظر الرازي الجرح والتعديل. ج: ٤. ص: ٢٤٦. ترجمة:١٠٦٣) عن أبي زرعة: سهيل أشبه وأشهر , يعني من العلاء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به , وهو أحب إليَّ من العلاء، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي (انظر الكامل. ج:٣. ص: ١٢٨٥) - بعد أن أسند إليه عدة أحاديث - ولسهيل أحاديث كثيرة غير ما ذكرت وله نسخ، روى عنه الأئمة مثل النووي , وشعبة , ومالك , وغيرهم من الأئمة , وحدث سهيل عن جماعة عن أبيه , وهذا يدل على ثقة الرجل. حدث سهيل عن سمي , عن أبي صالح. وحدث سهيل , عن الأعمش , عن أبي صالح. وحدث سهيل , عن عبد الله بن مقسم , عن أبي صالح , وهذا يدلك على تمييز الرجل وتمييز بين ما سَمع من أبيه ليس بينه وبين أبيه أحد , وبين ما سمع من سمي الأعمش وغيرهما من الأئمة , وسهيل عندي مقبول الأخبار ثبت لا بأس به , وقد نقل عنه الذهبي (الميزان. ج: ٢. ص ٢٤٣. ترجمة: ٣٦٠٤) هذا القول مع بعض التغيير لعل سببه التلخيص وأحسب ابن حجر في (تهذيب التهذيب. ج: ٤. ص: ٢٦٣. ترجمة: ٤٥٣) نقل ما أثبته عن الذهبي وكلاهما فيما نقله تقديم وتأخير. وترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ج: ٤. ص: ١٠٤، ١٠٥. ترجمة: ٢١٢٠) ولم ينقل فيه تجريحا , بل أسند إليه حديثًا , وكأنه يريد بذلك الإشارة إلى أنه غير ملتفت إلى تجريحه. عن أبيه عن أبي هريرة قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة: وهو اشتراء الزرع وهو في سنبله بالحنطة , وعن المزابنة: وهو شراء الثمار بالثمر)) . وقال الترمذي (١) "حدثنا قتيبة. حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني , عن سهيل بن أبي صالح , عن أبيه , عن أبي هريرة قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة)) . وتعقبه بقبوله: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وشرحه بقوله: والمحاقلة: بيع الزرع بالحنطة , والمزابنة: بيع الثمر على رؤوس النخل بالثمر". وقال النسائي في سننه (٢)

стр. 3718

"أخبرنا عمرو بن علي , قال: حدثنا ابن عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن سعيد بن إبراهيم , عن عمرو بن أبي سلمة عمرو بن أبي مسلمة التنيمي - بمثناة فنون ثقيلة بعدها تحتانية ثم مهملة - أبو حفص الدمشقي مولى بني هاشم روى عن الأوزاعي وصدقة بن عبد الله وحفص بن ميسرة ومالك والليث وطائفة وعنه ابنه سعيد والشافعي وآخرون وصفه أحمد بن صالح المصري بأنه حسن المذهب وأوضح ذلك بقوله: وكان عنده شيء سمعه من الأوزاعي وشيء أجازه له , فكان يقول فيما سمع: حدثنا الأوزاعي , ويقول في الباقي: عن الأوزاعي. ويظهر أنه يحدث إجازة أكثر مما يحدث سماعًا , فقد روى ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٨. ص: ٤٣. ترجمة: ٧٠) - وعنه ننقل هذه الترجمة بشيء من الإيجاز - عن حامد بن زنجويه , قوله: لما رجعنا من مصر قال لنا أحمد: مررتم بأبي حفص , قلنا: وأي شيء عنده , إنما عنده خمسون حديثًا , والباقي المناولة. قال: المناولة كنتم تأخذون منها وتنظرون فيها ومع أنه روى عنه الجماعة , فقد روي عن ابن معين تضعيفه , وعن أبي حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به , ووصفه العقيلي بأن في حديثه وهما , ووثقه ابن حبان , واختلفوا في وفاته ما بين سنة اثنتي عشرة وسنة أربع عشرة , وذكروا أنه أخطأ في إسناد بعض الأحاديث عن أبيه عن أبي هريرة قال: ((نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة)) . خالفهما محمد بن عمرو , فقال: عن أبي سلمة , عن أبي سعيد. أما الحديث السادس الذي نقف عنده , فهو حديث أنس بن مالك الذي رواه كل من الحاكم والدارقطني والطحاوي.

стр. 3719

قال الحاكم في مستدركه (١) "حدثنا أبو الوليد الفقيه. حدثنا أبو نعيم الجرجاني , حدثنا حماد بن الحسن بن عبسة. حدثنا عمر بن يونس بن القاسم. حدثنا أبي , عن إسحاق بن عبد الله بن طلحة , عن أنس ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة)) قال ابن الأثير (النهاية. ج:٥. ص: ٦) : فيه أنه نهى عن المنابذة في البيع , هو أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب أو أنبذه إليك ليجب البيع، وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد يجب البيع , فيكون البيع معطاة من غير عقد , ولا يصح. يقال: نبذت الشيء أنبذه نبذًا فهو منبوذ , إذا رميته وأبعدته , ومنه حديث: فنبذ خاتمه , فنبذ الناس خواتمهم؛ أي: ألقاه من يده. وفي حديث علي بن حاتم أمر له لما أتاه بمنبذة أو وسادة , سميت بها؛ لأنها تنبذ؛ أي: تطرح , ومنه الحديث: فأمر بالستر أن يقطع ويجعل له منه وسادتان منبوذتان , وفيه: أنه مر بقبر منتبذ عن القبور؛ أي: منفرد بعيد عنها. وقال ابن منظور (لسان العرب. ج: ٣. ص: ٥١٢) : والنبذ يكون بالفعل والقول في الأجسام والمعاني , ومنه نبذ العهد ونقضه وألقاه إلى من كان بينه وبينه , والمنابذة في التجر أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب أو غيره من المتاع , أو أنبذه إليك فقد وجب البيع بكذا وكذا. وقال اللحياني: المنابذة أن ترمي إليه بالثوب , ويرمي إليك بمثله , والمنابذة أيضًا أن يرمي إليك بحصاة عنه أيضًا , وفي الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن المنابذة في البيع والملامسة , قال أبو عبيد: المنابذة أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب أو غيره من المتاع , أو أنبذه إليك , وقد وجب البيع بكذا وكذا. قال: ويقال: إنما هي أن تقول: إذا نبذت الحصى إليك فقد وجب البيع. ومما يحققه الحديث الآخر أنه نهى عن بيع الحصاة , فيكون البيع معاطاة من غير عقد ولا يصح , ونذر بقية الحديث. وتعقبه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد , وقد تفرد بإخراجه البخاري وأقره الذهبي ". وقال الدارقطني في سننه (٢) "حدثنا أبو طالب علي بن محمد بن أحمد بن الجهم الكاتب. أخبرنا حماد بن الحسن. أخبر عمر بن يونس. أخبرنا أبي , عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة , عن أنس بن مالك قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة)) . قال عمر: فسره أبي: المخاضرة: لا يشتري شيئًا من الحرث والنخل حتى يونع يحمر أو يصفر، وأما المنابذة: فيرمي بالثوب ويرمى إليكم بمثله , فيقول: هذا لك بهذا. والملامسة: يشتري المبيع فيلمسه لا ينظر إليه. والمحاقلة: كراء الأرض ".

стр. 3720

وقال الطحاوي (١) "حدثنا إبراهيم بن مرزوق. حدثنا عمر بن يونس بن القاسم , قال: حدثنا أبي , عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة , عن أنس بن مالك مثله، يعني حديث واسع بن حيان عن جابر ". أما الحديث السابع والأخير , فهو حديث ثابت بن الضحاك الذي رواه كل من ابن حبان والطحاوي. قال ابن حبان (٢) أخبرنا بكر بن محمد بن عبد الوهاب أبو عمر القزاز بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد , قال: حدثنا سليمان الشيباني , قال: حدثنا عبد الله بن السائب , قال: سألت عبد الله بن مغفل عن المزارعة , فقال: أخبرني ثابت بن الضحاك ((أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة)) . وقال الطحاوي (٣) حدثنا إبراهيم بن مرزوق , قال: حدثنا حبان بن هلال. وحدثنا محمد بن داود , قال: حدثنا هارون بن مسلم , قالا: وحدثنا عبد الواحد بن زياد , قال: حدثنا سليمان الشيباني , قال: حدثني عبد الله بن السائب , قال: سألت عبد الله بن مغفل عن المزارعة , فقال: أخبرني ثابت بن الضحاك ((أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة)) . حدثنا فهد , قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني , قال: حدثنا علي بن مهر , عن الشيباني , قال: أخبرنا عبد الله بن السائب ... فذكر بإسناده مثله. ويظهر أن نفرًا من الصحابة وخاصة من شبابهم , لم تبلغهم بادئ الأمر الأحاديث التي سقناها آنفًا وما شاكلها، أو بلغهم بعض منها بالمعنى وعلى صور غير محددة , أو اختلفت عليهم أسباب ورودها، فكانت لهم فتاوى ناتجة عن اجتهادات شخصية في موضوع التصرف بالكراء وفي تأويل ما بلغهم عن تلك الأحاديث بشأنه , وبتتبع نصوص فتاويهم واجتهاداتهم التي بين أيدينا , يتضح أن حديث جابر بن عبد الله وحديث أبي هريرة وحديث سعد بن أبي وقاص وحديث أبي سعيد الخدري وحديث ثابت بن الضحاك، كل ذلك لم يبلغهم، إنما بلغهم حديث رافع بن خديج , وهو منقول عنه في نصوص بعضها ينقص من بعض , لما سنذكره بعد حين، ويظهر أنهم بعد أن أعلنوا اجتهاداتهم في تأويل حديث رافع وفتاواهم في شأن التصرف في الأرض بالكراء , بلغهم من حديث رافع أو غيره ما حملهم على تعديل مواقفهم.

стр. 3721

ومن أبرز هؤلاء النفر من الصحابة الذين كانت لهم فتاوى يمكن أن تصفها من أنها متناسخة في هذا الشأن كل من ابن عباس وزيد بن ثابت، وفيما يلي ما نقل عنهما على الترتيب الذي التزمناه في نقل الأحاديث النبوية السالفة: أما ما أُثِر عن ابن عباس، فقد رواه كل من أحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والحميدي والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والطحاوي. قال أحمد في مسنده (١) حدثنا عبد الرزاق. أنبأنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس قال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها كذا وكذا لشيء معلوم. قال ابن عباس: وهو الحقل , بلسان الأنصار: المحاقلة. وقال عبد الرزاق في مصنفه (٢) أخبرنا معمر , عن عبد الكريم الجزري , قال: قلت لسعيد بن جبير: إن عكرمة يزعم أن كراء الأرض لا يصلح فقال: كذب عكرمة , سمعت ابن عباس يقول: إن خير ما أنتم صانعون في الأرض أن تكروا الأرض البيضاء بالذهب والفضة. وعن الثوري , عن عبد الكريم الجزري , عن سعيد , أن ابن عباس قال: إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء. وأخبرنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار , قال: قلت لطاوس: ((لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عنها. فقال: أي عمرو , أخبرني أعلمهم - يعني ابن عباس – أنه لم ينهه عنها)) . أخبرنا معمر وابن جريج , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس قال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها كذا وكذا - لشيء معلوم - قال: وقال ابن عباس: هو الحقل وهو بلسان الأنصار المحاقلة.

стр. 3722

وقال الحميدي في مسنده (١) حدثنا سفيان , قال: حدثنا عمرو , قال: قلت لطاوس: يا أبا عبد الرحمن , ((لو تركت المخابرة , فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنها , فقال: أي عمرو، أخبرني أعلمهم بذلك - يعني ابن عباس - أن رسول الله ﷺ لم ينه عنها , ولكن قال: لأن يمح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه خراجًا معلومًا)) . وأن معاذًا حين قدم اليمن أقرهم عليها , وأني - أي عمر - أعينهم وأعطيهم , فإن ربحوا , فلي ولهم , وإن نقصوا فعلي وعليهم , وأن (الحيقلة) في الأنصار , فسل عنها. فسألت علي بن رفاعة , فقال: هي المخابرة. قلت: قال المعلق في الأصل؛ أي الذي نقل عنه: (وإن ألحقت) , وفي (ع) : (وإن الحيقلة) , والصواب عندي: (الحقلة) , والحقيلة: قراح طيب يزرع فيه وفي (ظ) : (الحقلة) . وقال البخاري في صحيحه (٢) حدثنا علي بن عبد الله. حدثنا سفيان , قال عمرو: قلت لطاوس: ((لو تركت المخابرة , فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ ﷺ نهى عنها، قال: أي عمرو، إني أعطيهم وأغنيهم , وإن أعلمهم أخبرني - يعني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم ينه عنه , ولكن قال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خراجًا معلومًا.)) وحدثنا قبيصة. حدثنا سفيان , عن عمرو قال: ذكرته لطاوس , فقال: يزرع، قال ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ لم ينه عنه , ولكن قال: ((لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئًا معلومًا)) . وتعليقًا تحت ترجمة (باب كراء الأرض بالذهب والفضة) . وقال ابن عباس: إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من السنة إلى السنة. وقال مسلم في صحيحه (٣) حدثنا يحيى بن يحيى. أخبرنا حماد بن زيد , عن عمرو , أن مجاهدًا قال لطاوس: انطلق بنا إلى رافع بن خديج فاسمع منه الحديث , عن أبيه , عن النبي ﷺ , قال: فانتهره , قال: والله لو أعلم أن رسول الله ﷺ نهى عنه ما فعلته , ولكن حدثني من هو أعلم به منهم - يعني ابن عباس - أن رسول الله قال: ((لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا)) .

стр. 3723

وحدثنا ابن أبي عمر. حدثنا سفيان , عن عمرو وابن طاوس , عن طاوس أنه كان يخابر , قال عمرو: فقلت له: ((يا أبا عبد الرحمن , لو تركت هذه المخابرة، فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة. فقال: أي عمرو، أخبرني أعلمهم في ذلك، أي ابن عباس، أن النبي ﷺ لم ينه عنها , إنما قال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا)) . حدثنا ابن أبي عمر. حدثنا الثقفي عن أيوب. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم. جميعًا , عن وكيع , عن سفيان. وحدثنا محمد بن رمح. أخبرنا الليث , عن ابن جريج. وحدثني علي بن حجر. حدثنا الفضل بن موسى عن شريك عن شعبة. كلهم عن عمرو بن دينار , عن طاوس , عن ابن عباس , عن النبي ﷺ نحو حديثهم. وحدثني عبد بن حميد ومحمد بن رافع - قال عبد: أخبرنا , وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق - أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس , أن النبي ﷺ قال: ((لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها كذا وكذا)) لشيء معلوم , قال: وقال ابن عباس: هو الحقل , وهو بلسان الأنصار المحاقلة. وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي. حدثنا عبد الله بن عمر , عن زيد بن أبي أنيسة , عن عبد الملك بن زيد , عن طاوس , عن ابن عباس , أن النبي ﷺ قال: ((من كانت له أرض فإنه أن يمنحها أخاه خير)) .

стр. 3724

وقال الترمذي في صحيحه (١) حدثنا محمود بن غيلان , أخبرنا الفضل بن موسى الشيباني. أخبرنا شريك , عن شعبة , عن عمرو بن دينار , عن طاوس , عن ابن عباس , ((أن رسول الله ﷺ لم يحرم المزارعة , ولكن أمر أن يوفق بعضهم ببعض)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو داود في سننه (٢) حدثنا محمد بن كثير. أخبرنا سفيان , عن عمرو بن دينار , قال: سمعت ابن عمر يقول: ما كنا نرى بالمزارعة بأسًا , حتى سمعت رافع بن خديج يقول: إن رسول الله ﷺ نهى عنها , فذكرته لطاوس , فقال: قال لي ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم ينه عنها , ولكن قال: ((لأن يمنح أحدكم أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا)) . وقال ابن ماجه في سننه (٣) حدثنا محمد بن رمح. أنبأنا الليث بن سعد , عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج , عن عمرو بن دينار , عن طاوس , عن ابن عباس أنه لما سمع إكثار الناس في كراء الأرض , قال: سبحان الله , إنما قال رسول الله ﷺ : ((ألا منحها أحدكم أخاه)) ولم ينه عن كرائها. حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري. حدثنا عبد الرزاق , أنبأنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها كذا وكذا)) لشيء معلوم. قال ابن عباس: هو الحقل , وهو بلسان الأنصار المحاقلة. حدثنا محمد بن الصباح , أنبأنا سفيان بن عيينة , عن عمرو بن دينار , قال: قلت لطاوس: يا أبا عبد الرحمن، لو تركت هذه المخابرة , فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عنها فقال: أي عمرو، إني أعينهم وأعطيهم , وأن معاذ بن جبل أخذ الناس عليها عندنا , وإن أعلمهم - يعني ابن عباس - أخبرني أن رسول الله ﷺ لم ينه عنها , ولكن قال: ((لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها أجرًا معلومًا)) .

стр. 3725

وحدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ومحمد بن إسماعيل قالا: حدثنا وكيع , عن سفيان , عن عمرو بن دينار , عن طاوس قال: قال ابن عباس: إنما قال رسول الله ﷺ : ((لأن يمنح أحدكم الأرض خير له من أن يأخذ خراجًا معلومًا)) . وقال ابن حبان (١) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بـ (بست) . حدثنا علي ابن حجر السعدي. حدثنا الفضل بن موسى , عن شريك , عن شعبة , عن عمرو بن دينار , عن طاوس , عن ابن عباس قال: ((لم يحرم رسول الله ﷺ المزارعة ولكن أمر الناس أن يرفق بعضهم بعضًا)) . وقال الطحاوي (٢) حدثنا ربيع المؤذن , قال: حدثنا أسد , قال: حدثنا سفيان وحماد بن سلمة وحماد بن زيد , عن عمرو بن دينار , عن طاوس قال: قلت له: يا أبا عبد الرحمن , لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عنها. فقال: أخبرني أعلمهم - يعني ابن عباس - أن رسول الله ﷺ لم ينه عنها , ولكنه قال: ((لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا)) .

стр. 3726

حدثنا أبو بكرة. حدثنا إبراهيم بن بشار , قال: حدثنا سفيان , عن عمرو ... فذكر بإسناده مثله. لكن روي عن ابن عباس ما يختلف عن الأقوال المنسوبة إليه , والتي أوردناها آنفًا , ويظهر أنه بعد أن أنكر على رافع ما أنكر , تأكد لديه خلاف ما كان ينسب إليه قول رافع، وأن ما رواه رافع ليس نقلًا غير دقيق لحادثة الرجلين اللذين اختصما عند رسول الله ﷺ حول المزارعة - ويأتي لفظه قريبًا في حديث زيد بن ثابت - فحكم بينهما بما كان بلغ ابن عباس، ولا توجيهًا خلقيًا، كما نقل عنه بعض الرواة، وإنما هو حكم صريح صدر من رسول الله ﷺ لآل رافع وفي ظرف مختلف عن ظرف الرجلين صاحبي الخصومة التي كان ابن عباس قد اعتمدها في فتواه، وهذا هو التعليل الوجيه للأثرين اللذين سنوردهما فيما يلي منسوبين إلى ابن عباس , وهما يختلفان جوهريًا عن فتواه التي اعتمدها طاوس ورواها عنه غيره أيضًا.

стр. 3727

وروى ابن أبي شيبة حديث ابن عباس عن طريق حبيب بن أبي ثابت , فقال (١) حدثنا أبو بكر , قال: حدثنا علي بن مسهر , عن الشيباني , عن حبيب بن أبي ثابت , قال: كنت جالسًا مع ابن عباس في المسجد الحرام , إذ أتاه رجل , فقال: إنا نأخذ الأرض من الدهاقين، فأعتملها ببذري وبقري، فآخذ حقي وأعطيه حقه، فقال له: خذ رأس مالك , ولا تردد عليه عينا، فأعادها عليه ثلاث مرات، كل ذلك يقول له هذا. وروى أحمد حديث ابن عباس عن طريق عكرمة , فقال (٢) حدثنا أبو معاوية. حدثنا الشيباني , عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة)) وكان عكرمة يكره بيع الفصيل. قال ابن منظور (لسان العرب. ج: ١١. ص: ٥٥٨) : والقصيل ما قصل من الزرع أخضر , والجمع قصلان , ويظهر أن القصيل بالقاف هو الرواية الصحيحة؛ لأن الفصيل بالفاء لم يستعمل في النبات , وإنما استعمل في الحيوان. قال ابن منظور (لسان العرب. ج: ١١. ص: ٥٥٨) : والفصال: الفطام قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ . المعنى: ومدى حمل المرأة إلى منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد من رضاعها ثلاثون شهرًا , وفصلت المرأة ولدها أي: فطمته , وفصل المولود عن الرضاع يفصله فصلًا وفصالًا , وأفصله: قطعه والاسم الفصال. وقال اللحياني: فصلته أمه , ولم يخص نوعًا. وفي الحديث: لا رضاع بعد فصال. قال ابن الأثير: أي بعد أن يفصل الولد من أمه وبه سمي الفصيل من أولاد الإبل , فعيل بمعنى مفعول , وأكثر ما يطلق في الإبل , قال: وقد يقال في البقر , ومنه حديث أصحاب الغار فاشتريت به فصيلًا من البقر وفي رواية: فصيلة , وهو ما فصل عن اللبن من أولاد البقر، والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه والجمع فصلان وفصال. وروى الهيثمي حديث ابن عباس قال (٣) عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة)) وكان عكرمة يكره بيع الفصيل , وتعقبه بقوله: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح) .

стр. 3728

يشهد بهذا التوجيه ما سبق أن نقلناه عن عبد الرزاق من طريق معمر , عن عبد الكريم الجزري (أن عكرمة يزعم أن كراء الأرض لا يصلح) . وعكرمة كان من ألزم الناس لابن عباس وأكثرهم رواية عنه , وقد اعتمده جمهور المحدثين، وإن غمز فيه بعض أقرانه من التابعين , ومعلوم أن تقولات الأقران في بعضهم بعضًا لا تعتمد في تجريح الراوي. وقد نقل ابن حزم في المحلى (١) عن عبد الرزاق أثر عكرمة هذا , ولكن بلفظ مختلف قليلًا عن ذلك الذي نقلناه من مصنف عبد الرزاق , قال ابن حزم: (وعن طريق عبد الرزاق , عن معمر , عن عبد الكريم الجزري , أن عكرمة مولى ابن عباس قال: لا يصلح كراء الأرض) . أما أثر زيد بن ثابت , فرواه كل من أحمد وعبد الرزاق وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وفيما يلي رواياتهم بألفاظها التي توشك أن تكون واحدة وبأسانيدها.

стр. 3729

قال أحمد في مسنده (١) حدثنا إسماعيل. حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق , عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار , عن الوليد بن أبي الوليد , عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع، أنا والله أعلم بالحديث منه , إنما أتى رجلان قد اقتتلا , فقال رسول الله ﷺ : ((إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)) ، قال: فسمع رافع قوله: ((فلا تكروا المزارع)) . وقال عبد الرزاق في مصنفه (٢) قال الثوري عن نصر بن جزي , عن عبد الرحمن بن إسحاق , عن الوليد , عن عروة بن الزبير , عن زيد بن ثابت أنه قال: ((يغفر الله لرافع بن خديج، والله ما كان هذا الحديث هكذا، إنما كان ذلك لرجل أكرى لرجل أرضًا فاقتتلا واستبا بأمر تداريا فيه، فقال رسول الله ﷺ : ((إن كان هذا شأنكم فلا تكروا الأرض)) )) . فسمع رافع آخر الحديث ولم يسمع أوله. قال أبو داود في سننه (٣) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا ابن علية.

стр. 3730

وحدثنا مسدد. حدثنا بشر العمي , عن عبد الرحمن بن إسحاق , عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن الوليد بن أبي الوليد , عن عروة بن الزبير , قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان - قال مسدد: من الأنصار ثم اتفقا - قد اقتتلا , فقال رسول الله ﷺ : ((إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)) . زاد مسدد فسمع قوله: ((لا تكروا المزارع)) . قال النسائي في سننه (١) أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق , عن أبي عبيدة بن محمد , عن الوليد بن أبي الوليد , عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج , أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما كان رجلان اقتتلا , فقال رسول الله: ((إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)) ، فسمع قوله: ((لا تكروا المزارع)) . قال ابن ماجه في سننه (٢) حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي. حدثنا إسماعيل بن علية. حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق. حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر , عن الوليد بن أبي الوليد , عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان النبي ﷺ وقد اقتتلا فقال: ((إن هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)) ، فسمع رافع بن خديج قوله: ((فلا تكروا المزارع)) .

стр. 3731

قلت: مدار طرق هذا الحديث جميعها أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وقد اختلفوا إن كان هو سلمة بن محمد بن عمار أو أخًا له. ونقل ابن حجر في تهذيب التهذيب (١) عن ابن أبي حاتم عن أبيه أنه منكر الحديث , ولا يسمى. قال ابن حجر: وقال في موضع آخر: صحيح الحديث. ومن قبل ذلك نقل عن ابن معين أنه ثقة، ونقل عن الحاكم أبو أحمد أنه ذكر أبا عبيدة هذا فيمن لا يعرف اسمه. ومع توثيق ابن معين وغيره له فانفراده بهذا الحديث عن زيد بن ثابت يدعو إلى التساؤل وخاصة ما رواه من أن زيدًا أقسم بالله أن رافعًا روى الحديث على غير وجهه , وإن كان زيد قد أقسم فعلًا فهذا أمر مستغرب لأن زيدًا ليس بمن يخفى عنه مورد حديث آل خديج، وقد استفاض استفاضة تبلغ حد التواتر كما سننقل عن ابن حزم وحتى لو اشتبه عليه أمر حديث رافع , فما نحسبه يخفى عليه حديث كل من جابر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وثابت بن الضحاك وإنما الذي نرجحه هو أن يكون لزيد اجتهاد في تأويل هذه الأحاديث ولكن نقل عنه بصيغة فيها بعض المبالغة، غفر الله للراوي.

стр. 3732

ثم إن أبا عبيدة روى هذا الأثر عن الوليد بن أبي الوليد عثمان القرشي الذي اختلفوا في ولائه كما اختلفوا في اسم أبيه , ولبعضهم فيه كلام (١) وكما هو الشأن في ابن عباس وما نقل عنه، تغايرت الرواية عن زيد بن ثابت فقد روى ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود عن طريق جعفر بن برقان , عن ثابت بن الحجاج , عن زيد بن ثابت ما يخالف ما سبق أن نسب إليه. قال ابن أبي شيبة (٢) حدثنا عمر بن أيوب , عن جعفر بن برقان , عن ثابت بن الحجاج , عن زيد بن ثابت قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع)) وقال أحمد في مسنده (٣) حدثنا كثير (٤) بن جعفر، حدثنا ثابت بن الحجاج قال: قال زيد بن ثابت: ((نهانا رسول الله ﷺ عن المخابرة)) . قلت: وما المخابرة؟ قال: يؤجر الأرض بنصف أو بثلث أو بربع (زاد في رواية) وبأشباه هذا.

стр. 3733

وقال أبو داود في سننه (١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عمر بن أيوب , عن جعفر بن برقان , عن ثابت بن الحجاج , عن زيد بن ثابت قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة)) . قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع. على أنه قد روي عن رافع بن خديج واقعة تثبت عمليا صحة ما فهمه من نهي رسول الله ﷺ عن كراء الأرض , وذلك بطرق يقوي بعضها بعضًا , وإن يكن مدارها بُكير بن عامر وفيه كلام. وفي بعض أسانيدها إليه أيضًا من ينبغي التحري في أمره. قال أبو داود في سننه (٢) حدثنا هارون بن عبد الله. حدثنا الفضل بن دكين , حدثنا بكير (٣) - يعني ابن عامر - عن ابن أبي نعم. حدثني رافع بن خديج أنه زرع أرضًا , فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها، فسأله: ((لمن الزرع ولمن الأرض؟)) فقال: زرعي ببذري وعملي , لي الشطر ولبني فلان الشطر , فقال: ((أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك)) .

стр. 3734

وقال الدارقطني في سننه (١) حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز. أخبرنا محمد بن حميد. أخبرنا عبد الرحمن بن مغراء , عن عبيدة الضبي (٢) عن عبد الحميد بن عبد الرحمن , عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله عن عائشة أن النبي ﷺ خرج في مسير له , فإذا هو بزرع تهتز فقال: ((لمن هذا الزرع؟)) قالوا: لرافع بن خديج، فأرسل إليه، وكان أخذ الأرض بالنصف وبالثلث فقال: ((انظر نفقتك في هذه الأرض فخذها من صاحب الأرض وادفع إليه زرعه وأرضه)) .

стр. 3735

وقال الطحاوي (١) حدثنا فهد قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا بكير بن عامر , عن ابن أبي نعم قال: حدثني رافع بن خديج أنه زرع أرضًا , فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها فسأله: ((لمن الزرع ولمن الأرض؟)) فقال: زرعي ببذري وعملي , لي الشطر ولبني فلان الشطر فقال: ((أربيت فرد الأرض إلى أهلها وخذ نفقتك)) . ويظهر أن هذه الواقعة تكررت في بني حارثة فكما حدثت لرافع حدثت لظهير عمه. فقد روى الطحاوي (٢) وحدثنا محمد بن سليمان الباغندي (٣) وفهد قالا: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا بكير بن عامر , عن ابن أبي نعم قال: حدثني رافع بن خديج أنه زرع أرضًا فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها، فسأله: ((لمن الزرع ولمن الأرض؟)) فقال: زرعي ببذري وعملي , لي الشطر ولبني فلان الشطر , فقال: ((أربيت، فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك)) .

стр. 3736

وقال الطحاوي أيضًا (١) حدثنا إبراهيم بن أبي داود (٢) قال: حدثنا يحيى - يعني القطان - قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي قال: أتيت سعيد بن المسيب فقلت: بلغنا عنك شيء في المزارعة فقال: كان ابن عمر لا يرى بها بأسًا حتى ذكر رافع بن خديج حديثًا فأعطى رافعًا، فأخبره رافع أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة رأى زرعًا في أرض ظهير قال: ((ما أحسن زرع ظهير)) فقالوا: ليس لظهير، فقال: ((أليست أرض ظهير؟)) فقالوا: بلى , ولكنه أزرع فلانًا , قال: ((فردوا عليه نفقته وخذوا زرعكم)) فقال رافع: فرددنا عليه نفقته وأخذنا زرعنا، قال سعيد: أفقر أخاك أو أكرها بالدراهم. وحدثنا أحمد بن شعيب قال: أخبرنا أحمد بن المثنى قال: أخبرنا يحيى , عن أبي جعفر الخطمي ... ثم ذكر بإسناده مثله. وقد تغايرت فتاوى بعض الصحابة في هذا الشأن , وكنا قد أوردنا بعضًا منها كما تعارضت فتاوى كبار التابعين، وليس من شأننا هنا أن نمضي في استقصاء كل ما ورد في هذا المجال , إنما شأننا أن نتقصى طبيعة ملكية العقار في الإسلام على ضوء النصوص القرآنية والسنية مع الاستئناس باجتهادات أهل الفتيا من الصحابة وكبار التابعين لنخلص إلى ما نحن بسبيله من بيان ما يترتب عن طبيعة الملكية في الإسلام من دلالات على حكم الله في انتزاع الملك للمصلحة العامة.

стр. 3737

ويلوح لنا أن ابن حزم ﵀، قد أحسن - كدأبه غالبًا - استقصاء ما يمكن اعتماده من روايات الصحابة واجتهاداتهم واجتهادات التابعين , وهو يبحث حكم كراء الأرض في المحلى (١) وقد لا نتفق معه في ما يراه من أنه لا يجوز كراء الأرض بشيء أصلًا، لا بدنانير ولا بدراهم ولا بعرض ولا بطعام مسمى ولا بشيء أصلًا، ولا يحل زرع الأرض إلا لأحد ثلاثة أوجه، إما أن يزرعها المرء بآلته وأعوانه وبذره وحيوانه، وإما أن يبيح لغيره زرعها ولا يأخذ منه شيئًا، فإن اشتركا في الآلة والحيوان والبذر والأعوان دون أن يأخذ منه للأرض كراء فحسن، وأما أن يعطي أرضه لمن يزرعها ببذره وحيوانه وأعوانه وآلته بجزء ويكون لصاحب الأرض مما يخرج الله تعالى منها مسمى، إما نصف أو ثلث أو ربع أو نحو ذلك، أكثر أو أقل، ولا يشترط على صاحب الأرض البتة شيء من ذلك , ويكون الباقي للزارع , قلّ ما أصاب أو كثر، فإن لم يصب شيئًا فلا شيء له ولا شيء عليه، فهذه الوجوه جائزة فمن أبى فليمسك أرضه. وإنما أوردناه لئلا نعود إليه حين نورد صفايا آراء أئمة الفقه الملتزمين بالمذاهب. غير أننا نطمئن إلى الاقتصار على نقل ما انتهى إليه من استقصائه لروايات كبار الصحابة واجتهاداتهم واجتهادات كبار التابعين. فبعد أن أورد ما أسنده أو اطمأن إلى صحة سنده من طرق حديث رافع بن خديج وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري أسند إلى ابن عمر حديثًا تحسبه مرويًا بالمعنى ومختصرًا لحديث أطول رواه غيره من طرق مختلفة , ولكنا ننقله عنه , إذ قد يكون ثبت لديه بهذا المتن والسند بأنه بنى عليه حكمًا حاسمًا. قال: ومن طريق حماد بن سلمة حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب يقول: ((نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض)) .

стр. 3738

ولم نقف عند غير ابن حزم على هذا المتن ولا على لفظ يدل دلالته مسندًا إلى ابن عمر غير مروي من طريقه عن رافع بن خديج فإن ثبت فمعناه أن ابن عمر اطمأن آخر الأمر إلى حديث رافع , أو ثبت لديه حديث جابر وأبي سعيد الخدري أو سعد بن أبي وقاص أو أبي هريرة أو ثابت بن الضحاك فجزم بالنهي عن كراء الأرض بعد أن كان مترددًا في شأنه. ونميل إلى ترجيح هذا الاحتمال لما سنفصله بعد حين. ثم عقب ابن حزم على حديث ابن عمر وما سبقه من حديث رافع وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة بقوله: فهؤلاء شيخان بدريان رافع بن خديج وجابر قال ابن حجر في (الإصابة. ج: ٢. ص: ٢١٣. ترجمة: ١٠٢٦) عند ترجمته لجابر بن عبد الله: وفي الصحيح عنه أنه كان مع من شهد العقبة وروى البخاري في تاريخه (ج: ٢. ص: ٢٠٧. ترجمة: ٢٢٠٨) بإسناد صحيح عن أبي سفيان عن جابر قال: كنت أمنع أصحابي الماء يوم بدر. قلت: وإذا صح هذا الأثر فمعناه أن جابرًا شهد بدرًا، لكن ابن حجر يروي في الإصابة من طريق حجاج بن الصواف. حدثني أبو الزبير أن جابرًا حدثهم قال: غزا رسول الله ﷺ إحدى وعشرين غزوة بنفسه شهدت منها تسع عشرة غزوة. ونقل ابن حجر عن الواقدي أنه أنكر رواية أبي سفيان عن جابر التي أوردها البخاري في تاريخه.

стр. 3739

قلت: لكن البخاري أسندها ولفظه: قال لنا مسدد عن أبي عوانة عن الأعمش عن أبي سفيان. الحديث. ورجاله موثقون , وليس من عادة البخاري أن يسند إلا عن الثقات ومن عجب أن ينكر الواقدي هذا الأثر. قال ابن حجر: وروى مسلم عن طريق زكريا بن إسحاق. حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة قال جابر: لم أشهد بدرًا ولا أُحُدًا منعني أبي، فلما قتل لم أتخلف. قلت: الجامع بين حديث أبي سفيان الذي رواه البخاري وحديث أبي الزبير الذي رواه مسلم هو أن جابرًا لم يشهد، أي لم يسهم فيها كمحارب , وهذا لا يمنع من أن يكون نفر مع رسول الله ﷺ وكان يخدم المحاربين بأن يسقيهم أو يحضر لهم الماء من بعيد ويظهر أن جابرًا لم يعتبرهذا كافيًا لأن يسلكه فيمن شهد بدرًا. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب على هامش الإصابة (ج: ا. ص: ٢٢١) : شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير ولم يشهد الأولى ذكره بعضهم في البدريين ولا يصح لأنه قد روي عنه أنه قال: لم أشهد بدرًا ولا أُحُدًا؛ منعني أبي. وذكر الخاري أنه شهد بدرًا وكان ينقل لأصحابه الماء يومئذ. ثم شهد بعدها مع النبي ﷺ ثمان عشرة غزوة. ذكر ذلك الحاكم أبو أحمد. وقال ابن الكلبي: شهد أُحُدًا وشهد صفين مع علي. ثم ساق حديث أبي الزبير عنه. وقال ابن حجر في (الإصابة. ج٤٩٦. ترجمة: ٢٥٢٦) في ترجمة رافع بن خديج: عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره وأجازه يوم أحد فخرج وشهد ما بعدها، وقد لحق كل من رافع وجابر - في أرجح الروايات - بالرفيق الأعلى سنة أربعين للهجرة وكان جابر قد أضر في آخر عمره أما رافع فاستشهد من إصابته يوم أحد إذ أصيب بسهم وقال له رسول الله: ((إن شئت نزعت السهم وتركت القطيفة وشهدت يوم القيامة أنك شهيد)) . وفي تاريخ وفاة رافع أقوال أخرى وهو ليس بدريًا بالإجماع.

стр. 3740

وأبو سعيد وأبو هريرة وابن عمر كلهم يروي عن النبي ﵇ النهي عن كراء الأرض جملة , وأنه ليس إلا أن يزرعها صاحبها أو يمنحها غيره , أو يمسك أرضه فقط، فهو نقل تواتر موجب للعلم المتيقن فأخذ بهذا طائفة من السلف. ثم ذكرهم مسندًا إليهم ما نقل من آرائهم. ثم قال: فهؤلاء عطاء ومجاهد ومسروق والشعبي وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم بن محمد كلهم لا يرى كراء الأرض أصلًا لا بدنانير ولا بدراهم ولا بغير ذلك، فصح النهي عن كراء الأرض جملة. ثم عرض لحديث معاملة أهل خيبر بشرط ما يخرج من أرضها من زرع أو ثمر , وهو ما سنعرض له بعد حين. فخلص من ذلك - إن اعتبره من قبيل المزارعة أو كراء الأرض - إلى قوله: ففي هذا أن آخر فعل رسول الله ﷺ إلى أن مات كان إعطاء الأرض بنصف ما يخرج منها من الزرع ومن الثمر ومن الشجر، وعلى هذا مضى أبو بكر , وعمر , وجميع الصحابة ﵃ معهما، فوجب استثناء الأرض ببعض ما يخرج من جملة ما صح النهي عنه من أن تكرى الأرض أو يؤخذ لها أجر أو حظ , وكان هذا العمل المتأخر ناسخًا للنهى المتقدم عن إعطاء الأرض ببعض ما يخرج منها، لأن النهي عن ذلك قد صح.

стр. 3741

فلولا أنه قد صح لقلنا ليس نسخًا ولكنه استثناء من جملة النهي، ولولا أنه قد صح أن رسول الله ﷺ مات على هذا العمل لما قطعنا بالنسخ، لكنه ثبت آخر عمله ﵇ فصح أنه نسخ صحيح متيقن لا شك فيه وبقي النهي عن الإجارة جملة بحسبه , إذ لم يأت شيء ينسخه ولا يخصه الستة. ثم مضى يناقش فقهاء المذاهب ويستظهر لمذهبه لما تيسر له من الحجج مما ليس هذا مجاله , على أننا سنعرض بإيجاز لآراء أئمة المذاهب في كراء الأرض بعد قليل. بيد أننا نريد أن نقف مع ابن حزم عند وهم وقع فيه , إذ زعم أن رافعًا وجابرًا بدريان وليسا بدريين , وإن حضر جابر العقبة مع بعض ذويه، إذ إن رسول الله ﷺ استصغر رافعًا حين عرض عليه وهو يتجهز لغزوة بدر. أما جابر فقد منعه أبوه عبد الله بن عمر ﵁ من شهود بدر وأُحد فلما استشهد يوم أحد تحرر جابر من منع أبيه فشهد مع رسول الله ﷺ جميع غزواته بعد ذلك، كما أن رافعًا شهد أُحدًا وكاد يحرم منها في قصة طويلة , ولسنا ندري كيف وهم ابن حزم ﵀ وهو المطلع الثبت فزعم أن رافعًا وجابرًا بدريان، والظاهر أنه علق في ذهنه قول رافع في بعض ما روي عنه عن عميه أنهما بدريان، ولعل في عبارة ابن حزم سبق القلم , فلسنا نتصور أن يغيب عن ابن حزم أن جابرًا ورافعًا لم يحضرا بدرًا، على أن ذلك لا يغمز في حديثهما ولا في فتياهما فقد تصدرا للإفتاء منذ عهد عثمان ﵁ وكانا من مراجع الفتيا وخاصة في عهد معاوية إلى أن لحقا بالرفيق الأعلى - رضى الله عنهما -. أما ما وهم فيه ابن حزم أيضًا من دعوى أن معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر ناسخة لنهيه عن كراء الأرض ففيها تناقض إلا أن يكون النسخ عنده تخصيصًا. وقد نفى ذلك وبقي ما ارتضاه من أنه استثناء لنوع من المعاملة من مجموع النهى. والواقع أننا لم نستطع أن ندرك بوضوح الخط الفاصل بين التخصيص والاستثناء في تصور ابن حزم، بيد أننا لن نمضي في مناقشته في هذه الدعوى لأن موضوع معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر في جوهره نختلف فيه مع ابن حزم وغيره ممن اعتبره من المزارعة اختلافًا جوهريًا نوضحه فيما يأتي:

стр. 3742

حديث معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر قال عنه ابن حجر في التلخيص (١) حديث ابن عمر ((أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع)) . متفق عليه بألفاظ متعددة منها: لما فتحت خيبر سألت يهود النبي ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما يخرج منها ... الحديث. حديث أنه عامل أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر، الدارقطني من حديث ابن عمر , وحكى عن شيخه ابن صاعد أنه صاحب وهم في ذكر الشجر ولم يقله غيره. ثم أشار إلى حديث أنه ﷺ خرص على أهل خيبر وأحال عليه في كتاب الزكاة وقد أورده فيه (٢) فقال: حديث عائشة: ((كان ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة غارسًا أول ما تطيب الثمرة)) . أبو داود من حديث حجاج عن ابن جريج أخبر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت وهي تذكر شأن خيبر: ((كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه)) وهذا فيه جهالة الواسطة. وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني من طريقه عن الزهري ولم يذكر واسطة وهو مدلس. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه فقال: رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة وأرسله معمر ومالك وعقيل، لم يذكروا أبا هريرة. وأخرج أبو داود عن طريق ابن جريج. أخبرني أبو الزبير أنه سمع ابن جريج يقول: خرص أربعين وسقا. وقال عبد الرزاق في مصنفه (٣) أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: ((دفع رسول الله ﷺ خيبر إلى يهود يعملونها ولهم شطرها، فمضى على ذلك رسول الله ﷺ وأبو بكر وسنتين من خلافة عمر حتى أجلاهم عمر عنها)) .

стр. 3743

أخبرنا معمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن خيبر شركها رسول الله ﷺ , كان فيها زرع ونخل , فكان يقسم لنسائه كل سنة منها مائة وسق، ثمانين وسقًا ثمرًا وعشرون وسقًا شعيرًا لامرأة. وأخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عامر بن عبد الله بن نسطاس لم نقف على من عرف به، لكن وقفنا على ترجمة راو واسمه عبد الله بن نسطاس في بعض مصادر تراجم الرواة، وننقل ما قال عنه ابن حجر في (تهذيب التهذيب. ج:٦. ص: ٥٥. ترجمة: ١٠٤) . رمز إلى أنه روى عنه أبو داود والنسائي وابن ماجه ثم قال: عبد الله بن نسطاس – بكسر النون ومهملة ساكنة – المدني مولى كندة روى عن جابر بن عبد الله حديث الحلف على المنبر وعنه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. قلت – القائل ابن حجر -: قال أبو عمر الصدفي: حدثنا محمد بن القاسم هو ابن يسار. سمعت النسائي يقول: عبد الله بن نسطاس ثقة. وقال مسلم: هو مولى آل كثير بن الصلت. وقال: هو أخو عبد الله بن بسطام شيخ الزهري. وقال ابن الحذاء: كان نسطاس جاهليًا وهو مولى أُبي بن خلف كذا قال في رجال الموطأ والذي يظهر أن نسطاسًا والد عبد الله غير مولى أُبي بن خلف كما في أول الترجمة. قلت: لم يذكروا له ولدًا ولكن لا يبعد أن يكون عامر هذا ولده من خيبر قال: فتحها رسول الله ﷺ وكانت جمعًا له حرثها ونخلها قال: فلم يكن للنبي ﷺ وأصحابه رقيق، فصالح رسول الله ﷺ يهود على أنكم تكفون العمل ولكم شطر الثمر على أن أقركم ما بدى لله ورسوله، فذلك حين بعث النبي ﷺ ابن رواحة يخرص بينهم، فلما خيرهم أخذت اليهود الثمر، فلم تزل خيبر بأرض اليهود على صلح النبي ﷺ حتى كان عمر فأخرجهم فقالت اليهود: أليس قد صالحنا النبي ﷺ على كذا وكذا؟ فقال: بلى، على أنه يقركم فيها ما بدا لله ورسوله، فهذا حين بدا لي أن أخرجكم، فأخرجهم ثم قسمها بين المسلمين الذين افتتحوها مع النبي ﷺ ولم يعط منها أحدًا لم يحضر افتتاحها وأهلها الآن مسلمون ليس فيها اليهود. قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير , عن مقاضاة النبي ﷺ يهود أهل خيبر على أن لنا نصف الثمر ولكم نصفه وتكفون العمل.

стр. 3744

وقال ابن أبي شيبة (١) حدثنا شريك عن جابر عن أبي جعفر قال الذهبي (سير أعلام النبلاء. ج:٤. ص٤٠١ وما بعدها. ترجمة: (١٥٨) ما موجزه: هو السيد الإمام أبو جعفر محمد بن علي الحسين بن علي العلوي الفاطمي المدني وَلَدُ زين العابدين , ولد سنة ست وخمسين في حياة عائشة وأبي هريرة. أرخ ذلك أحمد بن برقي روى عن جديه – النبي ﷺ وعلي – ﵁ – مرسلًا وعن جديه – الحسن والحسين – ﵉ – مرسلًا أيضًا وعن ابن عباس وأم سلمة وعائشة مرسلًا وعن ابن عمر وجابر وأبي سعيد وعبد الله بن جعفر وسعيد بن المسيب وأبيه زين العابدين ومحمد بن الحنفية - عم أبيه - وطائفة. وعن أبي هريرة وسمرة بن جندب مرسلًا أيضًا. وليس هو بالمكثر، هو في الرواية كأبيه - زين العابدين - وابنه جعفر ثلاثتهم لا يبلغ حديث كل منهم جزءًا ضخمًا ولكن لهم مسائل وفتاوى حدث عنه ابنه , وعطاء بن أبي رباح , والأعرج , مع تقدمهما , وعمرو بن دينار , وأبو إسحاق السبيعي , والزهري , ويحيى بن أبي كثير , وربيعة الرأي وليث بن أبي سليم , وابن جريج , وقرة بن خالد , وحجاج بن أرطاة والأعمش ومخول بن راشد وحرب بن سريج والقاسم بن الفضل الحداني والأوزاعي وآخرون وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلًا للخلافة وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقوم بعصمتهم ومعرفتهم بجميع الدين فلا عصمة إلا للملائكة والنبيين وكل أحد يصيب ويخطئ ويؤخذ منه قوله ويترك سوى النبي ﷺ فإنه معصوم مؤيد بالوحي. قلت: هكذا قال الذهبي وهو الحق. لكن أرجو أن لا يخزي نبيه في أسباطه الأقربين الذين يجب حبهم على مسلم وأحسبهم قد توارثوا منه ﷺ ميزة الاصطفاء وإن على درجات ولست أقول بعصمتهم لكن أزعم - ولا أزكي على الله أحدًا - أن الله يكرمهم - إكرامًا لجدهم الحبيب المصطفى ﷺ _ من أن يقعوا في مثل ما يقع فيه غيرهم من الخطأ الفاحش فإن وهم أحد منهم أو لم يصب صميم الحق فما أحسبه سيبلغ بوهمه درك الانحراف وحاشاهم جميعًا ﵈ أن يظن فيهم درك التحريف. ثم قال الذهبي: وشهر أبو جعفر بالباقر من بقر العلم أي شقه فعرى فصله وخفيه , ولقد كان أبو جعفر إمامًا مجتهدًا تاليًا لكتاب الله , كبير الشأن , ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه ولا في الفقه درجة أبي الزناد وربيعة ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة

стр. 3745

قتادة وابن شهاب فلا نحابيه ولا نحيف عليه ونحبه في الله لما يجمع فيه من صفات الكمال. قلت: وبعض من ذكرهم الذهبي أنه لا يبلغهم لن يبلغوه ورعًا وزهدًا وتقوى وحتى في الخصائص التي ذكرها لهم لم يبرأوا من القول فيهم قولًا بعضه وجيه لما يدعمه من وقائع لا سبيل إلى نكرانها وإن كنا نجلهم جميعًا ونرجو لهم من الله الرحمة والرضوان فهل برئ من الخطأ غير الأنبياء؟ ثم قال الذهبي: قال ابن فضيل عن سالم بن أبي حفصة سألت أبا جعفر وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر , فقالا لي: يا سالم , تولهما وابرأ من عدوهما , فإنهما كانا إمامي هدى، كان سالم فيه تشيع ظاهر فيبث هذا القول الحق وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل وكذلك ناقلها أبو فضيل شيعي ثقة فعثر الله شيعة زماننا ما أغرقهم في الجهل والكذب , فينالون من الشيخين وزيري المصطفى ﷺ , ويحملون هذا القول من الباقر والصادق على التقية. وروى إسحاق الأزرق عن بسام الصيرفي قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر فقال: إني والله لأتولاهما وأستغفر لهما , وما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا ويتولاهما. ثم قال: وبلغنا أن أبا جعفر كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة وقد عده النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة واتفق الحفاظ على الاحتجاج بأبي جعفر. ثم قال: قال الزبير بن بكار: كان يقال لمحمد علي باقر العلم وأمه هي أم عبد الله بنت الحسن بن علي. ثم قال ابن عقدة: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي نجيح. حدثنا علي بن حسان القرشي عن عمه عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن محمد قال: قال أبي: أجلسني جدي الحسن في حجره وقال لي: رسول الله ﷺ يقرؤك السلام. عن أبان بن تغلب عن محمد بن علي قال: أتاني جابر بن عبد الله وأنا في الكتاب فقال لي: اكشف عن بطنك، فكشفت فألصق بطنه ببطني ثم قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرئك السلام ثم قال: قال المطلب بن زياد: حدثنا ليث بن أبي سليم قال: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي وهو يذكر ذنوبه وما يقول الناس فيه فبكى. وعن أبي جعفر قال: من دخل قلبه ما في خالص دين الله شغله عما سواه ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟! هل هو إلا مركب ركبته وثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟! ثم قال: محمد بن طلحة بن مصرف عن خلف بن حوشب عن سالم بن أبي حفصة وكان يترفض , قال: دخلت على أبي جعفر وهو مريض فقال - وأظن قال ذلك من أجلي -: اللهم إني أتولى وأحب أبا بكر وعمر , اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة. ثم قال شبابة: أنبأنا بسام سمعت أبا جعفر يقول: كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان يبتدران الصف , وكان الحسين يسب مروان وهو على المنبر حتى ينزل أفتقية هذه؟! ثم قال: سفيان الثوري: اشتكى بعض أولاد محمد بن علي , فجزع عليه , ثم أخبر عن موته , فسري عنه , فقيل له في ذلك، فقال: فندعو الله فيما نحب , فإذا وقع ما نكره لا نخالف الله فيما أحب. وروى الذهبي عن ابن عيينة: حدثنا جعفر بن محمد , سمعت أبي يقول لعمته فاطمة بنت الحسين: هذي توفي لي ثمانيًا وخمسين سنة , فمات فيها.

стр. 3746

ونقل ابن حجر في (تهذيب التهذيب: ٩. ص: ٣٥٠. ترجمة: ٥٨٠) هذه الرواية وتعقبها بقوله: وهذا السند في غاية الصحة ومقتضاها أن يكون ولد سنة ستين , وهذا هو الذي يتجه؛ لأن أباه علي بن الحسين شهد مع أبيه يوم كربلاء وهو ابن عشرين سنة , وكان يوم كربلاء في المحرم سنة إحدى وستين , ومقتضاه أن مولد علي كان سنة إحدى وأربعين , فمن يولد سنة أربعين أو سنة إحدى وأربعين كيف يولد له سنة خمس وأربعين؟ والأصح أنه مات سنة أربع عشرة لأن البخاري قال: حدثنا عبد الله بن محمد , عن ابن عيينة , عن جعفر بن محمد قال: مات أبي سنة أربع عشرة , فيكون مولده على هذا سنة ست وخمسين وهو يتجه أيضًا. قلت: ولعل ما نقلناه عن الذهبي فيه بعض الغناء لترجمة سريعة لهذا الإمام ﵇ , ولمن شاء الاستزادة , أن يرجع إلى كتب الجرح والتعديل وتراجم الرجال , وخاصة طبقات ابن سعد (ج: ٥. ص: ٣٢٠) , وطبقات خليفة (ص: ٢٥٥) , وتاريخ البخاري (ج: ١. ص: ١٨٣. ترجمة: ٥٦٤) . والجرح والتعديل (ج: ٨. ص: ٢٦. ترجمة: ١٤٧) , وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ٦٤) , وطبقات المفسرين (ج: ٢. ص: ٢٠٠. ترجمة: ٥٣٧) , وتذكرة الحفاظ (ج: ا، ص: ١٢٤. ترجمة: ١١٩) , ووفيات الأعيان (ج: ٤. ص: ١٧٤. ترجمة: ٥٦٠) . وصفة الصفوة (ج: ٢. ص: ١٠٨. الترجمة: ١٧١) . قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ عن أرضه بخيبر يعنى بنصف. ثم قال: حدثنا ابن أبي زائدة , عن حجاج , عن أبي جعفر قال: ((عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على الشطر)) . وقال البخاري في صحيحه (١) في باب: المزارعة بالشطر ونحوه. حدثنا إبراهيم ابن المنذر. حدثنا أنس بن عياض , عن عبيد الله بن نافع , أن عبد الله ابن عمر ﵄ أخبره , عن النبي ﷺ ((عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع , وكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقا ثمرا , وعشرون وسقا شعيرا، فقسم عمر خيبر , فخير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن)) .

стр. 3747

فمنهن من اختار الأرض , ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة اختارت الأرض. ثم قال: في باب: إذا لم يشترط السنين في المزارعة. حدثنا مسدد. حدثنا يحيى بن سعيد , عن عبيد الله. حدثنا نافع , عن ابن عمر ﵄ قال: ((عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع)) . ثم قال في باب المزارعة مع اليهود: حدثنا ابن مقاتل. أخبرنا عبد الله. أخبرنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر ﵄ – ((أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرخ منها)) . ثم قال في باب: إذا قال رب الأرض: أقركما أقرك الله , ولم يذكر أجلًا معلومًا , فهما على تراضيهما: حدثنا أحمد بن مقدام. حدثنا فضيل بن سليمان. حدثنا موسى. أخبرنا نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ . وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج , قال: حدثني موسى بن عقبة , عن نافع , عن ابن عمر , أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى عن أرض الحجاز وكان رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها , وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين , وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ ليقرهم بها أن يكفوا عملها , ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)) ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء قال ياقوت الحموي (معجم البلدان ج: ا. ص: ١٦٥) : أريحاء: بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة والحاء مهملة والقصر , وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة لغة عبرانية وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام , بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك , سميت فيما قيل بأريحاء بن مالك أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.

стр. 3748

قلت: لا تزال هذه المدينة معروفة باسمها حتى الآن وهي من أشهر مدن الضفة الغربية لنهر الأردن , وكانت إلى أن حدثت مأساة الاحتلال الصهيوني لفلسطين جزءًا من ولاية فلسطين. وقال ياقوت (معجم البلدان ج: ٢. ص: ٦٧) : تيماء بالفتح والمد بليد في أطراف الشام، بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق. والأبلق الفرد حصن السموأل بن عادياء اليهودي مشرف عليها , فلذلك كان يقال لها: تيماء اليهودي. قلت: عرفها اليهود قبل السموأل , وكانت مهجرًا لهم حين طردهم الجبارون من القدس بأن الآشوريين أسكنوهم فيها , وكانت من أول ما استعمره الأشوريون عندما غزوا أرض العرب , وفيها يقول أحد الشعراء وقد نقله ياقوت نفسه: إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني بتيماء تيماء اليهودي غريب وأني بتهباب الرياح موكل طروب إذا هبت علي جنوب وإن هب علوي الرياح وجدتني كأني لعلوّ الرياح نسيب. وفي تيماء يقول المجنون: ونبأتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا وهذه شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي ليلى المراميا.

стр. 3749

وقال مسلم في صحيحه (١) حدثنا أحمد بن حنبل وزهير بن حرب واللفظ لزهير , قالا: حدثنا يحيى - وهو القطان - عن عبيد الله. أخبرني نافع , عن ابن عمر ((أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع)) . وحدثنا علي بن حجر السعدي. حدثنا علي - وهو ابن مسهر - أخبرنا عبيد الله , , عن نافع , عن ابن عمر قال: ((أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع , فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق، ثمانين وسقًا من ثمر , وعشرين وسقًا من شعير، فلما ولي عمر قسم , وخير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن الأرض والماء , أو يضمن لهن كل عام، فاختلفن , فمنهن من اختار الأرض , ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض والماء)) . وحدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله. حدثني نافع , عن عبد الله بن عمر ((أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر)) ، واقتص الحديث بنحو حديث علي بن مسهر , ولم يذكر: فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء. وقال: خير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن الأرض ولم يذكر الماء. وحدثنى أبو الطاهر. حدثنا عبد الله بن وهب. أخبرني أسامة بن زيد الليثي , عن نافع , عن عبد الله بن عمر قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع. فقال رسول الله ﷺ : ((أقركم فيها على ذلك ما شئنا)) . ثم ساق الحديث بنحو حديث ابن نمير وابن مسهر عن عبيد الله , وزاد فيه: وكان الثمر يقسم على السهمين من نصف خيبر , فأخذ رسول الله ﷺ الخمس.

стр. 3750

وحدثنا ابن رمح , أخبرنا الليث , عن محمد بن عبد الرحمن , عن نافع , عن عبد الله بن عمر , عن رسول الله ﷺ , أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوا من أموالهم ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها. وحدثني محمد بن رافع , وإسحاق بن منصور - واللفظ لابن رافع - قالا: حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا ابن جريج. حدثني موسى بن عقبة عن نافع , عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى عن أرض الحجاز , وأن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إجلاء اليهود , وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ عن أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها , ولهم نصف الثمر. فقال لهم رسول الله ﷺ : ((نقركم على ذلك ما شئنا)) ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. وروى أبو يوسف (١) حدثنا محمد بن السائب الكلبي , عن أبي صالح , عن عبد الله بن العباس قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر , قالوا: يا محمد , إنا أرباب الأموال , ونحن أعلم بها منكم , فعاملونا بها. فعاملهم رسول الله ﷺ على النصف , على أنا إذ شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. فلما فعل ذلك أهل خيبر , سمع بذلك أهل فدك , فبعث إليهم رسول الله ﷺ محيصة بن مسعود، فنزلوا على ما نزل عليه أهل خيبر على أن يصونهم ويحقن دماءهم، فأقرهم رسول الله ﷺ على مثل معاملة أهل خيبر , فكانت فدك لرسول الله ﷺ ، وذلك أنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة , عن مقسم , عن عبد الله بن العباس ﵄ أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر , فقال له أهلها: نحن أعلم بعملها منكم. فأعطاهم إياها بالنصف، ثم بعث عبد الله بن رواحة يقسم بينه وبينهم , فأهدوا إليه , فرد هديتهم , فقال: لم يبعثني النبي ﷺ لآكل أموالكم , وإنما بعثني لأقسم بينكم وبينه، ثم قال: إن شئتم عاملت وعالجت , وكلت لكم النصف , وإن شئتم عاملتم وعالجتم , وكلتم النصف. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
следующие страницы →