← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

ونقل ابن حجر في (تهذيب التهذيب: ٩. ص: ٣٥٠. ترجمة: ٥٨٠) هذه الرواية وتعقبها بقوله: وهذا السند في غاية الصحة ومقتضاها أن يكون ولد سنة ستين , وهذا هو الذي يتجه؛ لأن أباه علي بن الحسين شهد مع أبيه يوم كربلاء وهو ابن عشرين سنة , وكان يوم كربلاء في المحرم سنة إحدى وستين , ومقتضاه أن مولد علي كان سنة إحدى وأربعين , فمن يولد سنة أربعين أو سنة إحدى وأربعين كيف يولد له سنة خمس وأربعين؟ والأصح أنه مات سنة أربع عشرة لأن البخاري قال: حدثنا عبد الله بن محمد , عن ابن عيينة , عن جعفر بن محمد قال: مات أبي سنة أربع عشرة , فيكون مولده على هذا سنة ست وخمسين وهو يتجه أيضًا. قلت: ولعل ما نقلناه عن الذهبي فيه بعض الغناء لترجمة سريعة لهذا الإمام ﵇ , ولمن شاء الاستزادة , أن يرجع إلى كتب الجرح والتعديل وتراجم الرجال , وخاصة طبقات ابن سعد (ج: ٥. ص: ٣٢٠) , وطبقات خليفة (ص: ٢٥٥) , وتاريخ البخاري (ج: ١. ص: ١٨٣. ترجمة: ٥٦٤) . والجرح والتعديل (ج: ٨. ص: ٢٦. ترجمة: ١٤٧) , وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ٦٤) , وطبقات المفسرين (ج: ٢. ص: ٢٠٠. ترجمة: ٥٣٧) , وتذكرة الحفاظ (ج: ا، ص: ١٢٤. ترجمة: ١١٩) , ووفيات الأعيان (ج: ٤. ص: ١٧٤. ترجمة: ٥٦٠) . وصفة الصفوة (ج: ٢. ص: ١٠٨. الترجمة: ١٧١) . قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ عن أرضه بخيبر يعنى بنصف. ثم قال: حدثنا ابن أبي زائدة , عن حجاج , عن أبي جعفر قال: ((عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على الشطر)) . وقال البخاري في صحيحه (١) في باب: المزارعة بالشطر ونحوه. حدثنا إبراهيم ابن المنذر. حدثنا أنس بن عياض , عن عبيد الله بن نافع , أن عبد الله ابن عمر ﵄ أخبره , عن النبي ﷺ ((عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع , وكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقا ثمرا , وعشرون وسقا شعيرا، فقسم عمر خيبر , فخير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن)) .

стр. 3747

فمنهن من اختار الأرض , ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة اختارت الأرض. ثم قال: في باب: إذا لم يشترط السنين في المزارعة. حدثنا مسدد. حدثنا يحيى بن سعيد , عن عبيد الله. حدثنا نافع , عن ابن عمر ﵄ قال: ((عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع)) . ثم قال في باب المزارعة مع اليهود: حدثنا ابن مقاتل. أخبرنا عبد الله. أخبرنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر ﵄ – ((أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرخ منها)) . ثم قال في باب: إذا قال رب الأرض: أقركما أقرك الله , ولم يذكر أجلًا معلومًا , فهما على تراضيهما: حدثنا أحمد بن مقدام. حدثنا فضيل بن سليمان. حدثنا موسى. أخبرنا نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ . وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج , قال: حدثني موسى بن عقبة , عن نافع , عن ابن عمر , أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى عن أرض الحجاز وكان رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها , وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين , وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ ليقرهم بها أن يكفوا عملها , ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)) ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء قال ياقوت الحموي (معجم البلدان ج: ا. ص: ١٦٥) : أريحاء: بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة والحاء مهملة والقصر , وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة لغة عبرانية وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام , بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك , سميت فيما قيل بأريحاء بن مالك أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.

стр. 3748

قلت: لا تزال هذه المدينة معروفة باسمها حتى الآن وهي من أشهر مدن الضفة الغربية لنهر الأردن , وكانت إلى أن حدثت مأساة الاحتلال الصهيوني لفلسطين جزءًا من ولاية فلسطين. وقال ياقوت (معجم البلدان ج: ٢. ص: ٦٧) : تيماء بالفتح والمد بليد في أطراف الشام، بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق. والأبلق الفرد حصن السموأل بن عادياء اليهودي مشرف عليها , فلذلك كان يقال لها: تيماء اليهودي. قلت: عرفها اليهود قبل السموأل , وكانت مهجرًا لهم حين طردهم الجبارون من القدس بأن الآشوريين أسكنوهم فيها , وكانت من أول ما استعمره الأشوريون عندما غزوا أرض العرب , وفيها يقول أحد الشعراء وقد نقله ياقوت نفسه: إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني بتيماء تيماء اليهودي غريب وأني بتهباب الرياح موكل طروب إذا هبت علي جنوب وإن هب علوي الرياح وجدتني كأني لعلوّ الرياح نسيب. وفي تيماء يقول المجنون: ونبأتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا وهذه شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي ليلى المراميا.

стр. 3749

وقال مسلم في صحيحه (١) حدثنا أحمد بن حنبل وزهير بن حرب واللفظ لزهير , قالا: حدثنا يحيى - وهو القطان - عن عبيد الله. أخبرني نافع , عن ابن عمر ((أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع)) . وحدثنا علي بن حجر السعدي. حدثنا علي - وهو ابن مسهر - أخبرنا عبيد الله , , عن نافع , عن ابن عمر قال: ((أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع , فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق، ثمانين وسقًا من ثمر , وعشرين وسقًا من شعير، فلما ولي عمر قسم , وخير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن الأرض والماء , أو يضمن لهن كل عام، فاختلفن , فمنهن من اختار الأرض , ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض والماء)) . وحدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله. حدثني نافع , عن عبد الله بن عمر ((أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر)) ، واقتص الحديث بنحو حديث علي بن مسهر , ولم يذكر: فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء. وقال: خير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن الأرض ولم يذكر الماء. وحدثنى أبو الطاهر. حدثنا عبد الله بن وهب. أخبرني أسامة بن زيد الليثي , عن نافع , عن عبد الله بن عمر قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع. فقال رسول الله ﷺ : ((أقركم فيها على ذلك ما شئنا)) . ثم ساق الحديث بنحو حديث ابن نمير وابن مسهر عن عبيد الله , وزاد فيه: وكان الثمر يقسم على السهمين من نصف خيبر , فأخذ رسول الله ﷺ الخمس.

стр. 3750

وحدثنا ابن رمح , أخبرنا الليث , عن محمد بن عبد الرحمن , عن نافع , عن عبد الله بن عمر , عن رسول الله ﷺ , أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوا من أموالهم ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها. وحدثني محمد بن رافع , وإسحاق بن منصور - واللفظ لابن رافع - قالا: حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا ابن جريج. حدثني موسى بن عقبة عن نافع , عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى عن أرض الحجاز , وأن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إجلاء اليهود , وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ عن أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها , ولهم نصف الثمر. فقال لهم رسول الله ﷺ : ((نقركم على ذلك ما شئنا)) ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. وروى أبو يوسف (١) حدثنا محمد بن السائب الكلبي , عن أبي صالح , عن عبد الله بن العباس قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر , قالوا: يا محمد , إنا أرباب الأموال , ونحن أعلم بها منكم , فعاملونا بها. فعاملهم رسول الله ﷺ على النصف , على أنا إذ شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. فلما فعل ذلك أهل خيبر , سمع بذلك أهل فدك , فبعث إليهم رسول الله ﷺ محيصة بن مسعود، فنزلوا على ما نزل عليه أهل خيبر على أن يصونهم ويحقن دماءهم، فأقرهم رسول الله ﷺ على مثل معاملة أهل خيبر , فكانت فدك لرسول الله ﷺ ، وذلك أنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة , عن مقسم , عن عبد الله بن العباس ﵄ أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر , فقال له أهلها: نحن أعلم بعملها منكم. فأعطاهم إياها بالنصف، ثم بعث عبد الله بن رواحة يقسم بينه وبينهم , فأهدوا إليه , فرد هديتهم , فقال: لم يبعثني النبي ﷺ لآكل أموالكم , وإنما بعثني لأقسم بينكم وبينه، ثم قال: إن شئتم عاملت وعالجت , وكلت لكم النصف , وإن شئتم عاملتم وعالجتم , وكلتم النصف. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.

стр. 3751

وقال يحيى بن آدم (١) أخبرنا إسماعيل , قال: حدثنا الحسن , قال: حدثنا يحيى , قال: حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل , عن محمد بن إسحاق قال: سألت ابن شهاب عن خيبر , فأخبرني أنه بلغه أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال , وكانت خيبر مما أفاء الله على رسوله، فخمسها رسول الله ﷺ , وقسمها بين المسلمين , ونزل من نزل من أهل خيبر على الجلاء، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى معاملة الأرض. وقال أبو عبيدة (٢) , فأما الحكم في الأرض العنوة , فإن عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث عن سعد , عن يونس بن يزيد الأيلي , عن ابن شهاب , أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت مما أفاء الله على رسوله، فخمسها رسول الله ﷺ وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: ((إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها , ويكون ثمرها بيننا وبينكم , وأقركم ما أقركم الله)) قال: فقبلوا الأموال على ذلك.

стр. 3752

وحدثنا يزيد بن هارون , حدثنا يحيى بن سعيد , أن بشير بن يسار أخبره , أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر , قسمها على ستة وثلاثين سهمًا , جمع كل سهم منها مائة سهم، وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به , وقسم النصف الباقي بين المسلمين , وسهم رسول الله ﷺ فيما قسم، الشق والنطاة وما حيز معهما , وكان فيهما وقف الكتيبة والوطيحة وسلالم. فلما صارت الأموال في يد رسول الله ﷺ لم يكن له من العمال ما يكفون عمل الأرض , فدفعها رسول الله ﷺ إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها. فلم تزل على ذلك حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر حتى كان عمر , فكثر العمال في أيدي المسلمين , وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام , وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. وقال ابن زنجويه (١) فإن عبد الله بن صالح أنبأنا , عن ليث , عن يونس بن زيد , عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت مما أفاء الله على رسوله ﷺ , وقسمها بين المسلمين , ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال , فدعاهم رسول الله , فقال: ((إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها , ويكون ثمرها بيننا وبينكم , وأقركم ما أقركم الله)) قال: فقبلوا الأموال على ذلك. وأنبأنا يزيد بن هارون , عن يحيى بن سعيد , أن بشير بن يسار أخبره , أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه بخيبر , قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين وسهم رسول الله ﷺ ومما قسم الشق ونطاة وما حِيز معهما، وكان فيما وقف الكتيبة والوطيحة وسلالم.

стр. 3753

فلما صارت الأموال في يد رسول الله ﷺ ، لم يكن له من العمال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها رسول الله ﷺ إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها , فلم يزل على ذلك حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر حتى كان عمر , فكثر العمال في أيدي المسلمين , وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام , وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. ثم قال (١) أنبأنا محمد بن يوسف. أنبأنا عمر بن ذر , قال: جلسنا إلى أبي جعفر محمد بن علي , فسأله رجل من القوم عن قبالة الأرضين والنخل , فقال: كان رسول الله ﷺ يقبل خيبر من أهلها بالنصف، فيقومون على النخل , فيسقونه ويحفظونه ويلقحونه، حتى إذا أينع ودنا صرامه , بعث عبد الله بن رواحة , فخرص ما في النخل , فيتولونه ويردون على رسول الله ﷺ بحصته النصف. فأتوه في بعض تلك الأعوام , فقالوا: إن عبد الله بن رواحة قد جار علينا في الخرص. قال رسول الله ﷺ : ((فنحن نأخذ بخرص عبد الله بن رواحة ونرد عليكم الثمن بحصتكم النصف)) فقالوا: هكذا بأيديهم وعقدوا ثلاثين، هذا الحق وبهذا قامت السماوات والأرض. بل نأخذ النخل , فقوموا النخل وردوا على رسول الله ﷺ الثمن بحصته النصف. ثم قال (٢) أخبرنا محمد بن يوسف. أخبرنا عمر بن ذر , قال: جلسنا إلى أبي جعفر محمد بن علي , فسأله رجل من القوم عن قبالة الأرضين والنخل، فقال: كان رسول الله ﷺ يقبل خيبر من أهلها بالنصف، فيقومون على النخل، فيسقونه ويحفظونه ويلقحونه , فإذا أينع ودنا صرامه , بعث عبد الله بن رواحة , فخرص ما في النخل , فيتولونه , ويردون على رسول الله ﷺ بحصته النصف. فأتوه في بعض تلك الأعوام , فقالوا: إن عبد الله بن رواحة قد جار علينا في الخرص. فقال رسول الله ﷺ : ((فنحن نأخذ بخرص عبد الله بن رواحة ونرد عليكم الشيء بحصتكم النصف)) . فقالوا: هكذا بأيديهم وعقد ثلاثين، هذا الحق وبهذا قامت السماوات والأرض، بل نأخذ النخل , فقوم النخل , وردوا على رسول الله ﷺ الثمن بحصته النصف.

стр. 3754

وقال ابن سعد (١) أخبرنا يزيد بن هارون. أخبرنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار , أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم , وجعل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وعزل النصف الآخر , وقسمه بين المسلمين , وسهم النبي ﷺ فيما قسم بين المسلمين الشق ونطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقف الوطيحة والكتيبة وسلالم وما حيز معهما، وكان فيما وقف الوطيحة والكتيبة وسلالم وما حيز معهن، فلما صارت الأموال في يد النبي ﷺ وأصحابه لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض , فدفعها النبي ﷺ إلى اليهود يعملونها على نصف ما يخرج منها، فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطاب وكثر في يدي المسلمين العمال وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. وقال أحمد في مسنده (٢) حدثنا محمد بن فضيل , قال: حدثنا يحيى بن سعيد , عن بشير بن يسار - بضم أوله وفتح الشين - عن رجال من أصحاب النبي ﷺ أدركهم يذكرون أن رسول الله ﷺ حين ظهر على خيبر وصارت لرسول الله ﷺ والمسلمين ضعف عن عملها , فدفعوها إلى اليهود , ويقومون عليها , وينفقون عليها , على أن لهم ما يخرج منها. فقسمها رسول الله ﷺ على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فجعل نصف ذلك كله للمسلمين، وكان في ذلك النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله ﷺ معها، وجعل النصف الآخر لمن ينزل عليه من الوفود والأمور ونوائب الناس. عن سفيان بن وهب الخولاني , قال: لما افتتحنا مصر بغير عهد , قام الزيبر بن العوام ﵁ , فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها. فقال عمرو: لا أقسمها , فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، قال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر , أن أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة.

стр. 3755

وقال ابن حبان في صحيحه (١) أخبرنا خالد بن النضر بن عمر القرشي أبو يزيد المعدل بالبصرة قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث , قال: حدثنا حماد بن سلمة , قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر - فيما يحسب أبو سلمة - عن نافع , عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل , فصالحوه على أن يخلوا منها , ولهم ما حملت ركابهم , ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء , ويخرجون منها، فاشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا , فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عصمة. فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب , كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ : ((العهد قريب والمال أكثر من ذلك)) ، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير بن العوام فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك قد دخل خربة , فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ههنا , فذهبوا فطافوا , فوجدوا المسك في خربة , فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي حقيق , وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب , وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم , وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا , وأراد أن يجليهم منها , فقالوا: يا محمد , دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها , وكانوا لا يتفرعون (٢) أن يقوموا فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما بدا لرسول الله ﷺ . وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام يخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، قال: فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه , وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله , أتطعموني السحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ , ولأنتم أبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.

стр. 3756

وقال أبو داود في سننه (١) حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء. حدثنا أبي. حدثنا حماد بن سلمة , عن عبيد الله بن عمر قال- أحسبه عن نافع , عن ابن عمر أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر , فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة , ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا , فإن فعلوا فلا ذمة ولا عهد، فغيبوا مسكا لحيي بن أخطب , وقد كان قتل قبل خيبر , كان قد احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير , فيه حليهم، قال: فقال النبي ﷺ لسعية: ((أين مسك حيي بن أخطب؟)) قال: أذهبته الحروب والنفقات فوجدوا المسك، فقتل ابن الحقيق , وسبى نساءهم وذراريهم , وأراد أن يجليهم , فقالوا: يا محمد , دعنا نعمل في هذه الأرض , ولنا الشطر ما بدا لك , ولكم الشطر، وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من ثمر , وعشرين وسقا من شعير. وحدثنا الربيع بن سليمان المؤذن , حدثنا أسد بن موسى , حدثنا يحيى بن زكرياء. حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد , عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال ((: قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين، نصفا لنوائبه وحاجته , ونصفا بين المسلمين , قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما)) . وحدثنا حسين بن علي بن الأسود , أن يحيى بن آدم حدثهم , عن أبي شهاب , عن يحيى بن سعيد , عن بشير بن يسار , أنه سمع نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا ... فذكر هذا الحديث , قال: فكان النصف سهام المسلمين , وسهم رسول الله ﷺ ، وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب. حدثنا حسين بن علي. حدثنا محمد بن فضيل , عن يحيى بن سعيد , عن بشير بن يسار مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ ((أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر , قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس)) .

стр. 3757

وحدثنا عبد الله بن سعيد الكندي. حدثنا أبو خالد - يعني سليمان - عن يحيى بن سعيد , عن بشير بن يسار قال: لما أفاء الله على نبيه ﷺ خيبر , قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به الوطيحة والكتيبة وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله ﷺ فيما أحيز معهما. وحدثنا محمد بن مسكين اليمامي. حدثنا يحيى بن حسان. حدثنا سليمان - يعني ابن بلال - عن يحيى بن سعيد , عن بشير بن يسار ((أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر , قسمها على ستة وثلاثين سهمًا جمع، فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهما , يجمع كل سهم مائة، النبي ﷺ معهم، له سهم كسهم أحدهم , وعزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهما , وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك الوطيح والكتيبة والسلالم وتوابعها. فلما صارت الأموال بيد النبي ﷺ والمسلمين , لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها , فدعا رسول الله ﷺ اليهود فعاملهم)) . وقال الطبري في تاريخه (١) في آخر حديث طويل من غزوة خيبر إسناده إلى ابن إسحاق: فلما نزل أهل خيبر على ذلك - أي على الجلاء - سألوا رسول الله أن يعاملهم بالأموال على النصف , وقالوا: نحن أعلم بها منكم , وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم , وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئًا للمسلمين , وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.

стр. 3758

وقال البيهقي (١) أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري. أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق. حدثنا يعقوب بن يوسف القاضي، حدثنا عبد الواحد بن غياث. حدثنا حماد بن سلمة. أنبأنا عبيد الله بن عمر - فيما يحسب أبو سلمة - عن نافع , عن ابن عمر ((أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم , فغلب على الأرض والزرع والنخل , فقالوا: يا محمد , دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها , ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها , فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما بدا لرسول الله ﷺ , وكان عبد الله بن رواحة ﵁ يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ في عام شدة خرصه , وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت وقد جئتكم من عند أحب الناس , ولأنتم أبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير , ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن أعدل عليكم , فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض)) .

стр. 3759

وأخبرنا الحسين بن الفضل القطان ببغداد. أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان. حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا محمد بن المثنى. حدثنا سعيد بن سفيان. أنبأنا صالح - وهو ابن أبي الأخضر - عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة قال: ((لما فتح رسول الله ﷺ خيبر دعا يهود , فقال: عليكم نصف الثمر على أن تعملوا ما أقركم الله ) قال: فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله يخرصها ثم يُخيِّرُهم أن يأخذوها أو يتركوها، وأن اليهود أتوا رسول الله ﷺ في بعض ذلك , فشكوا إليه , فدعا عبد الله بن رواحة , فذكر له ما ذكروا , وقال عبد الله: يا رسول الله وهم بالخيار، إن شاؤوا أخذوها وإن تركوها أخذناها، فرضيت اليهود , وقالت: بهذا قامت السماوات والأرض، ثم إن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: ((لا يجتمع في جزيرة دينان)) . قال: فلما انتهى ذلك إلى عمر ﵁ أرسل إلى يهود خيبر , فقال: إن رسول الله ﷺ عاملكم على هذه الأموال وشرط لكم أن يقركم , يعني ما أقركم الله ورسوله , وقد أذن الله في الجلاء لكم حين عهد رسول الله ﷺ ما عهد، فأجلاهم عمر ﵁ كل يهودي ونصراني في أرض الحجاز ثم قسمها بين أهل الحديبية.

стр. 3760

وذكر ابن هشام قصة صلح خيبر نقلًا عن ابن إسحاق كعادته , وما كنا لنعرض له , لولا نكتة هامة وردت أثناء عرضه , إذ قال: وكان فيمن مشى بين رسول الله ﷺ يعني يهود فدك الذين جاؤوا يطلبون صلحًا كصلح خيبر - في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة. قلت: ومحيصة هذا حارثي أنصاري أوسي من رهط رافع بن خديج له بلاء في الإسلام وذكر , امتاز به في واقعة مع اليهود , حفظها له التاريخ. ذلك بأن رسول الله ﷺ قال بعد قتل كعب بن الأشرف: ((من ظفرتم به من يهود فاقتلوه)) . فوثب محيصة على تاجر يهودي فقتله , فجعل أخوه حويصة يضربه , وكان أسن منه , وذلك قبل أن يسلم حويصة (١) ولهذه النكتة أثر بعيد عميق في تكييف العلاقة بين قصة صلح خيبر وبين حديث رافع بن خديج والأحاديث المشاكلة له ولجابر بن عبد الله وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وثابت بن الضحاك وغيرهم. ذلك بأن مجموع النصوص المروية لهذه الأحاديث التي وردت فيها كلمة (المخابرة) أو ما يشبهها من مشتقات (خبر) بلغ أربعين نصًا (٢)

стр. 3761

وكون محيصة الحارثي أحد البارزين من رهط رافع من الذين سعوا بين فدك وبين رسول الله ﷺ في أن يكون ليهود فدك ما ليهود خيبر من الصلح، وكان لهم ذلك فعلًا، لا ينبغي عدم اعتباره في محاولة تقدير الزمن الذي وقع فيه صلح خيبر , وذلك الذي وقع فيه نهي رسول الله ﷺ بني حارثة بالذات عن كراء الأرض. ونعود إلى موضوع النسخ الذي ادعاه بعضهم , فاعتمدوا عليه - صراحة أو ضمنًا - في إبطال النهي عن المزارعة أو كراء الأرض. ونبدأ بما قاله ابن حزم الذي سبق أن نقلنا عنه القول بتواتر النهي عن كراء الأرض معنويًا إن لم يكن لفظيًا. قال في الأحكام (١) والنسخ تخصيص بعض (٢) الأزمان بحكم الوارد دون سائر الأزمان , وهم يجيزون بالسنة تخصيص بعض الأعيان مثل قوله ﵇: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا)) أو ما أشبه ذلك. فما الفرق بين جواز تخصيص بعض الأعيان بالسنة وبين تخصيص بعض الأزمان بها؟ وما الذي أوجب أن يكون هذا ممنوعا وذلك موجودًا؟ فإن قالوا: ليس التخصيص كالنسخ؛ لأن التخصيص لا يرفع النص كله، قيل لهم: إذا جاز رفع بعض النص بالسنة - وبعض النص نص - فلا فرق بين رفع بعض نص آخر بها. وكل ذلك سواء , ولا فرق في شيء منها. وقال الآمدي (٣) أما المتفق عليه - أي من شروط النسخ - بأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا , وأن يكون الدليل الدال على ارتفاع الحكم شرعيا متراخيًا عن الخطاب المنسوخ حكمه , وأن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين.

стр. 3762

ثم قال (١) النصان إذا تعارضا وتنافيا , إما أن يتعارضا من كل وجه , أو من وجه دون وجه، فإن تنافيا من كل وجه، فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين , أو أحدهما معلومًا , والآخر مظنونًا. فإن كانا معلومين أو مظنونين، فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن الآخر , أو اقترانهما , أو لا يُعلم شيء من ذلك، فإن عُلِمَ تأخر أحدهما عن الآخر , فهو ناسخ , والمتقدم منسوخ، وذلك يُعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ , كما لو قال النبي ﷺ : هذا ناسخ وهذا منسوخ , أو أجمعت الأمة على ذلك. وإما بالتاريخ , وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر لقوله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) . وإما بإسناد الراوي أحدهما إلى شيء متقدم , كقوله: كان هذا في السنة الفلانية، وإحداهما معلومة التقدم على الأخرى , هذا كله إذا كان سند الناسخ والمنسوخ مستويًا. ثم قال: وإما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما , فعندي أن ذلك غير متصور الوقوع , وإن جوزه قوم وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما أو التخيير بينهما إن أمكن، وكذلك الحكم فيما إذا لم يُعلم شيء من ذلك، وأما إن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا , فالعمل بالمعلوم واجب , سواء تقدم أو تأخر , أو جهل الحال في ذلك، لكنه إن كان متأخرًا عن المظنون , كان ناسخًا , وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. هذ كله إذا تنافيا من وجه دون وجه , بأن يكون كل واحد منهما أعم من وجه دون وجه , كما في قوله ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) . فإنه خاص بالمبدل , وعام في النساء والرجال، وقوله: ((نهيت عن قتل النسوان)) . فإنه خاص بالنساء , وعام بالنسبة إلى المبدل، فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل وجه. وقال الشيرازي (٢) فصل: وكذلك يجوز نسخ السنة بالسنة , كما يجوز نسخ الكتاب بالكتاب، الآحاد بالآحاد , والمتواتر بالمتواتر , والآحاد بالمتواتر , فأما المتواتر بالآحاد , فلا يجوز، لأن التواتر يوجب العلم , فلا يجوز نسخه بما يوجب الظن.

стр. 3763

ثم قال (١) : واعلم أن النسخ قد يعلم بصريح النطق , كقوله : ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٢) وقد يعلم بالإجماع , وهو أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر , فيستدل بذلك على أنه منسوخ؛ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ , وقد يعلم بتأخير أحد اللفظين عن الآخر مع التعارض، وذلك مثل ما روي أنه قال: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم. ثم روي أنه رجم ماعزًا ولم يجلده، فدل على أن الجلد منسوخ. ثم قال (٣) ويعلم المتأخر في الأخبار بالنطق , كقوله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) . ويعلم بأخبار الصحابة أن هذا نزل بعد هذا وورد بعد هذا، كما روي أنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. وذكر ابن قدامة (٤) من بين ما يعرف به النسخ أن يذكر الراوي تاريخ سماعه , فيقول: سمعت عام الفتح. ويكون المنسوخ معلومًا بقدمه. وقال الرازي (٥) قد يعلم ذلك - أي كون الناسخ ناسخًا - باللفظ تارة وبغيره أخرى. أما اللفظ فهو أن يوجد لفظ النسخ، إما بأن يكون هذا منسوخًا, أو يقول: ذلك ينسخ هذا، وإما غير اللفظ , فهو أن يأتي بنقيض الحكم الأول أو بضده مع العلم بالتاريخ. ثم قال: وأما التاريخ , فقد يعلم باللفظ أو بغيره. أما اللفظ فكما إذا قال أحد الخبرين قبل الآخر، وأما بغير اللفظ فعلى وجوه , أحدها: أن يقول: هذا الخبر ورد سنة كذا , وهذا في سنة كذا، وثانيهما: أن يعلق أحدهما على زمان معلوم التقدم والآخر بالعكس , كما لو قال: كان هذا في غزاة بدر والآخر في غزاة أحد، وهذه الآية نزلت قبل الهجرة والأخرى بعدها.

стр. 3764

وثالثها: أن يروي أحدهما رجل متقدم الصحبة لرسول ﷺ , ويروي الآخر رجل متأخر الصحبة , وانقطعت صحبة الأول للرسول ﵇ عند ابتداء الآخرين بصحبته لهذا يقتضي أن يكون خبر الأول متقدمًا. أما لو دامت صحبة المتقدم مع الرسول ﵇ لم يصح هذا الاحتمال. وقال الشاطبي (١) بعد أن بين أن النسخ لا يكون إلا في الكليات: ويدل على أن ذلك الاستقراء التام , وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء، بل إنما أتى بالمدينة (ص١٣٣٥) ما يقويها ويحكمها ويحسنها. ثم قال: ووجه آخر، وهو أن الأحكام ثبتت على المكلف، فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق؛ لأن ثبوتها على المكلف أولًا محقق , فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق. ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن , ولا الخبر المتواتر؛ لأنه رفع لمقطوع به بالمظنون , فاقتضى هذا أن ما كان من الأحكام الكلية يدعى نسخه لا ينبغي قبول تلك الدعوة فيه إلا مع قاطع بالنسخ , بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين بدعوى للأحكام فيهما. وعقب عليه محقق الكتاب الشيخ عبد الله دراز بقوله: نعم، هو قول الأكثرين - يعني أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر - وحجتهم واضحة. وإنما قبلوا تخصيص المتواتر بالآحاد ولم يقبلوا نسخه به؛ لأن الأول بيان وجمع بين الدليلين بخلاف النسخ فإنه إبطال. وقال ابن حزم الهمذاني (٢) في معرض ذكره لشروط النسخ: ومنها أن يكون الخطاب الناسخ متراخيًا عن المنسوخ، فعلى هذا يعتبر الحكم الثاني، فإنه لا يعدو أحد القسمين إما أن يكون متصلًا بالأول لا يسمى نسخًا , إذ من شرط النسخ التراخي وقد فقد هاهنا لأن قوله ﵊: ((لا تلبسوا القمص ولا السراويلات ولا الخفاف إلا أن يكون رجل ليس له نعلان فليلبس الخفين)) . وإن كان صدر الحديث يدل على منع لبس الخفاف , وعجزه يدل على جوازه , وهما حكمان متنافيان , غير أنه لا يسمى نسخًا لانعدام التراخي فيه، ولكن هذا النوع لا يسمى بيانًا.

стр. 3765

وإن كان منفصلًا نظرت هل يمكن الجمع بينهما أم لا، فإن أمكن الجَمع جُمع , إذ لا عبرة بالانفصال الزماني مع قطع النظر عن التنافي , ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة كان أولى صونًا لكلامه - بأبي هو وأمي - من سمات النقص، ولأن في ادعاء النسخ إخراج الحديث عن المعنى المفيد وهو على خلاف الأصل , ألا ترى أن قوله ﵇: ((شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد)) . وفي حديث آخر: ((خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد)) ، وهما حديثان قد تعارضا على ما ترى، وقد يشكل على غير الفقيه أن يجمع بينهما لما يتوهم فيه من ظاهر المنافاة مع حصول الانفصال فيهما، وربما يراه بعض من له معرفة بالإسناد فيرى إسناد الحديث الأول أمثل , فيحكم بنسخ الثاني , وليس الأمر على ما يتوهمه؛ لفقدان شرائط النسخ، لكن طريق الجمع بين هذين الحديثين أن يحمل الأول على ما إذا شهد قبل أن يستشهد من غير مسيس الحاجة إليه. وهذا التفسير ظاهر في حديث عمران بن الحصين , عن النبي ﷺ قال: ((خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم , ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم ينشأ قوم يشهدون ولا يستشهدون)) . ويحمل الحديث الثاني على ما إذا شهد عنه مسيس الحاجة , فهو خير الشهود، وعلى هذا ينبغي أن يحتال في طريق الجمع رفعًا للتضاد عن الأخبار. وإن لم يكن الجمع وهما حكمان منفصلان، نظرت هل يمكن التمييز بين السابق والتالي، فإن تميزا وجب السير إلى الآخر منهما. ويعرف ذلك بأمارات عدة، منها أن يكون لفظ النبي ﷺ مصرحًا به , نحو قوله ﵊: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)) . أو يكون لفظ الصحابي ناطقًا به نحو حديث علي بن أبي طالب ﵁: ((كان النبي ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس)) . ومنها أن يكون التاريخ معلومًا نحو ما رواه أُبي بن كعب، ﵁ قال: قلت: يا رسول الله , إذا جامع أحدنا فأكسل؟ قال رسول الله ﷺ : ((يغسل ما مس المرأة منه وليتوضأ ثم يصل)) . هذا حديث يدل على أن لا غسل مع الإكسال , وأن لا موجب الغسل الإنزال.

стр. 3766

ثم لما استقرينا طرق هذا الحديث , أفادنا بعض الطرق أن شرعية هذا كان في مبدأ الإسلام , واستمر ذلك إلى ما بعد الهجرة بزمان، ثم وجدنا الزهري قد سأل عروة عن ذلك , فأجابه عروة أن عائشة ﵂ قالت: ((إن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يغتسل وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل)) . ثم قال: وإن لم يكن التمييز بينهما بأن أبهم التاريخ وليس في اللفظ ما يدل عليه تعذر الجمع بينهما، فحينئذ يتعين المسير إلى الترجيح , ووجوه الترجيحات كثيرة إنما أذكر معظهما، فمما يرجح به أحد الحديثين على الآخر: الوجه الأول: كثرة العدد في أحد الجانبين , وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر. ثم قال: وقال بعض الكوفيين: كثرة الرواة لا تأثير لها في الترجيحات لأن طريق كل واحد منهما غلبة الظن , فصار كشهادة الشاهدين مع شهادة الأربعة. يقال على هذا: إن إلحاق الرواية بالشهادة غير ممكن , وإن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقتها في أكثر الوجوه , ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال لا تقبل شهادتهن , ولو شهد به رجلان قبلت شهادتهما، ومعلوم أن شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين، لأن غلبة الظن إنما هي معتبرة في باب الرواية دون الشهادة. وكذا سوى الشارع بين شهادة إمامين عالمين وشهادة رجلين لم يكونا في منزلتهما. وأما في باب الرواية فرجح رواية الأعلم الأدين علمه غيره (ص١٣٣٨) من غير خلاف يعرف في ذلك فَلاحَ الفرق بينهما. ثم مضى يذكر أوجها في هذا الباب. ثم قال: الوجه السابع: أن يكون أحد الراويين مباشرًا لما رواه الثاني حاكيًا، فالمباشر أعرف بالحال، مثاله حديث ميمونة ((أن النبي ﷺ نكحها وهو حلال)) ، وبعضهم رواه: ((نكحها وهو حرام)) ، فمن رواه: نكحها وهو حلال أبو رافع، ومن رواه: نكحها وهو حرام ابن عباس وحديث أبي رافع أولاه بالتقديم؛ لأن أبا رافع كان سفيرًا بينهما , وكان مباشرًا للحال، وابن عباس كان حاكيًا، ولذلك أحالت عائشة ﵂ – إلى علي ﵁ لما سألوها عن المسح على الخفين وقالت: سلوا عليًّا فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ .

стр. 3767

والوجه الثامن: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة , فيرجح حديثه ؛ لأن صاحب القصة أعرف بحاله من غيره وأكثر اهتمامًا , ولذلك رجع نفر من الصحابة ممن كان يرى الماء من الماء إلى حديث عائشة ﵂ في التقاء الختانين. الوجه التاسع: أن يكون أحد الراويين أحسن سياقًا لحديثه من الآخر وأبلغ استقصاء فيه؛ لأنه قد يحتمل أن يكون الراوي الآخر سمع بعض القصة فاعتقد أن ما سمعه مستقل بالإفادة، ويكون الحديث مرتبطًا بحديث آخر لا يكون هذا قد تنبه له. ولهذا من ذهب إلى الإفراد قدم حديث جابر، لأنه وصف خروج النبي ﷺ من المدينة مرحلة مرحلة ودخوله مكة، وحكى مناسكه على ترتيبه وانصرافه إلى المدينة وغيره لم يضبط ما ضبطه. ثم قال: الوجه السابع والثلاثون: أن يكون أحد الحديثين قولًا والآخر فعلًا، فالقول أبلغ في البيان ولأن الناس لم يختلفوا في كون قوله حجة , واختلفوا في اتباع فعله، ولأن الفعل لا يدل بنفسه على شيء بخلاف القول فإنه أقوى. الوجه الثامن والثلاثون: أن يكون أحد الحديثين مخصصًا والثاني لم يدخله التخصيص أولى؛ لأن التخصيص يضعف اللفظ ويمنعه من جريانه على مقتضاه ويصير مجازًا عند جماعة من الأئمة , بخلاف ما لم يدخله التخصيص فيكون أقوى. ثم قال: الوجه الأربعون: أن يكون أحد الحديثين مطلقًا والآخر واردًا على سبب، فيقدم المطلق لظهور أمارات التخصيص على الوارد على سبب , فيكون أولى بإلحاق التخصيص به.

стр. 3768

ثم ذكر التمييز بين التخصيص والنسخ وجوهًا خمسة فقال: أحدها: أن الناسخ لا يكون إلا متأخرًا عن المنسوخ والتخصيص يصح اتصاله به. والثاني: أن الدليل في النسخ لا يكون إلا خطابًا والتخصيص قد يقع بقول وفعل وقياس وغير ذلك. والثالث: أن نسخ الشيء لا يجوز إلا بما هو مثله في القوة أو بما هو أقوى منه في الرتبة , والتخصيص جائز بما هو دون المخصوص منه في الرتبة. والرابع: أن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد، والنسخ جائز في مثله سيما على أصل من يرى نسخ الشيء قبل وقته. والخامس: أن التخصيص يخرج من الخطاب ما لم يرد به , والنسخ رافع ما أريد إثبات حكمه. ولعل أجود تلخيص وأشمله لأقوال السلف الأول من التابعين وأئمة المذاهب في موضوع كراء الأرض , وتأويل الأحاديث الواردة بشأنه , والتي تراءى للبعض تعارض بينهما ما قاله ابن حازم الهمذاني ونصه (١) وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى أن من استأجر أرضًا على جزء معين مما يخرج منها كالنصف والثلث والربع , أن ذلك جائز والعقد صحيح. روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب الزهري. ومن أهل الرأي: أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وقال ابن حنبل: يجوز ذلك إذا كان البذر من رب الأرض، وتمسكوا في ذلك بظاهر حديث ابن عمر - يعني ما روي عن طريق نافع ابنه من قوله: قد علمت أن الأرض كانت تكرى في عهد رسول الله ﷺ . الحديث، وقد تقدم - قالوا: ويؤكده حديث ابن عباس - وقد تقدم - لأن قوله ﵇: لأن يمنحها أخاه خير. ليس فيه دلالة على اللزوم , وإنما اللفظ صدر مصدر التخيير ومنهم من تمسك بما روى ابن عمر ((أن النبي ﷺ عامل خيبر على الشطر مما يخرج من ثمر)) - وقد تقدم من طرق مختلفة، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: العقد فاسد.

стр. 3769

وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وابن عباس وعبد الله بن خديج وأسيد بن حضير وأبي هريرة ونافع وإليه ذهب مالك والشافعي. ومن الكوفيين أبو حنيفة، وتمسكوا في ذلك بأحاديث. ثم أورد بعضًا من طرق حديث رافع بن خديج - وقد تقدمت - ثم قال: قرئ على أبي المحاسن محمد بن عبد الخالق الجوهري. أخبرك عبد الواحد بن إسماعيل الإمام في كتابه. أخبرنا أحمد بن محمد البلخي. حدثنا أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي قال: خبر رافع بن خديج من هذا الطريق - يعني الخبر الذي رواه مسلم عن طريق نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه.. الحديث - وقد تقدم خبر مجمل تفسره الأخبار التي رويت عن رافع بن خديج وعن غيره من طرق أخر، وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر وأنه ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض، وإنما أريد بذلك أن يتمانحوا أرضهم وأن يرفق بعضهم بعضًا. وقد ذكر رافع بن خديج في رواية أخرى عنه النوع الذي حرم منها , والعلة التي من أجلها نهى عنها. ثم بين الرواية الأخرى التي أشار إليها الخطابي بأن أورد ما رواه مسلم من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن حنظلة بن قيس وقد تقدم. قلت: وأحسب الخطاب واهمًا فيما نسبه إلى ابن عباس , فإنما عمدة ابن عباس الخصومة التي رفعت إلى رسول الله ﷺ بين رجلين زارع أحدهما الآخر ثم اختصما، وقد سبق أن أوردناها في حديث ابن عباس في هذا الباب. ثم قال: قلت: وإنما صدر هذا الكلام عن الخطابي ظنًا منه أن المنهى عنه في خبر رافع إنما هو القدر المجهول. قلت: ولم يقع الخطابي وحده في هذا الظن، فقد وقع فيه جمهور من الفقهاء وخاصة المقلدة من المتأخرين.

стр. 3770

ثم قال: ولو استقرأ طرق هذ االحديث لبان له أن النهي تناول المجهول والمعلوم وذلك بين في رواية سليمان بن يسار. ثم ساقها بسنده إلى مسلم في روايته عن طريق يعلى بن حكيم، كما ساق حديث جابر عن طريق الأوزاعي عن عطاء من رواية مسلم. ثم أورد حديث زيد بن ثابت وجميعها قد تقدمت، وتعقبه بقوله: وهذا يدل على أن الذي صدر من النبي ﷺ كان على وجه المشورة والإرشاد دون الإلزام والإيجاب. والجواب أن هذا غير قادح فيما ذكرناه من دلالة النهي، فإن الاعتبار بلفظ النهي وعمومه دون السبب. قلت: هذا بناء على القاعدة الأصولية المعروفة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب , فضلًا عن أن حديث زيد بن ثابت يعتمد أيضًا على توهيم رافع بن خديج في فهم حكم رسول الله ﷺ في قضية الخصومة المشار إليها آنفًا وهو أساس غير سليم، وقد ألمعنا إلى ضعفه فيما عقبنا به عن حديث زيد بن ثابت. ثم قال: فإن قيل قول ابن عمر: إن الأرض كانت تكرى على عهد رسول الله ﷺ ليس فيه دلالة على أن هذا الحكم كان مأذونًا فيه من جهة النبي ﷺ لأن هذا من قبيل الأمور الدنيوية، فليس من شرطه إحاطة النبي ﷺ وما لم تثبتوا ذلك. لا يستقيم لكم ادعاء النسخ؛ لأن المنسوخ لابد وأن يكون حكمًا شرعيًا. يقال: على هذا الكلام إن أكثر المحققين ذهبوا إلى أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا , أو كانوا يفعلون كذا في عهد النبي ﷺ . ظاهر في الدلالة على جواز الفعل، وأن ذكر الصحابي نحو ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه الرسول ﷺ , وسكت عنه دون ما لم يبلغه , وذلك يدل على الجواز.

стр. 3771

ثم في حديث ابن عمر ما يدل عليه، حيث قال: قد كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض ... قال: ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في ذلك شيئًا , ولو لم يعلم أن ما كان يذهب إليه من الجواز كان مستندًا إلى إذن النبي ﷺ , لما كان يتوقف في ذلك. ثم أورد مستدلًا على أن النهي جاء بعد الإذن من رسول الله ﷺ حديثًا عن رافع ابن خديج , فقال: أخبرنا الفضل بن القاسم. أخبرنا الحسن بن محمد. أخبرنا أحمد بن عبد الله. أخبرنا أبو إسحاق المزكي. حدثنا مكي بن عبد الله. حدثنا مسلم بن الحجاج. حدثنا قتيبة بن سعيد وإسحاق. قال قتيبة: حدثنا جرير , عن عبد العزيز - هو ابن رافع - عن رفاعة بن رافع بن خديج , أن رجلًا كانت له أرض , فعجز عنها أن يزرعها , فجاءه رجل , فقال له: هل لك أن أزرع أرضك، فما خرج منها من شيء كان بيني وبينك؟ فقال: نعم، حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فسأله فلم يرجع إليه شيئًا، قال: فأتيت أبا بكر وعمر ﵄ فقلت لهما، فقالا: ارجع إليه، فرجعت إليه الثانية , فسألته , فلم يرد علي شيئًا , فرجعت إليهما , فقالا: انطلق فازرعها، فإنه لو كان حرامًا نهاك عنه. قال: فزرعها الرجل حتى إذا اهتز زرعه واخضر , وكانت الأرض على طريق لرسول الله ﷺ ، فمر بها يومًا , فأبصر الزرع فقال: ((لمن هذه الأرض؟)) فقالوا: لفلان زارع بها فلانا، فقال: ((ادعوهما لي جميعًا)) قال: فأتياه , فقال لصاحب الأرض: ((ما أنفق هذا في أرضك , فرده إليه , ولك ما أخرجت أرضك)) . قلت: ويشبه هذا ويقوي ما رواه كل من أبي داود والدارقطني والطحاوي من حديث رافع بن خديج الذي أوردناه آنفًا.

стр. 3772

مهما يكن، فإن ملاك الأمر في تقديرنا ليس هو النسخ أو تأويل النهي بمجرد الإرشاد والتوجيه، وإنما هو أمر أعمق من ذلك وأجدر بأن يكون الفيصل ذلك , بأن بني حارثة رهط رافع كانوا أهل زرع ومزارعة قبل هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة وربما بأجيال، ويصرح رافع في بعض طرق حديثه ما يفيد أنهم كانوا يمارسون نمطًا من الاستحواذ على الأرض الزراعية واستغلالها بما لهم من خبرة في الزراعة، وربما من طاقة مالية أيضًا. وحين هاجر رسول الله ﷺ ومن معه من قبله ومن بعده مهاجرون من مكة وغيرها , ولم يكونوا يملكون شيئًا , كان أول حل اقتصادي واجتماعي لمشكلة المهاجرين شرعه رسول الله ﷺ للمؤاخاة بينهم وبين الأنصار , وبلغ من كرم الأنصار في الفترة الأولى من الهجرة أنهم لم يكتفوا بمقاسمة إخوانهم المهاجرين - إلا من استغنى منهم بخبرته وآثر أن يعتمد عليها في إقامة وضع اقتصادي له مثل عبد الرحمن بن عوف ﵁ ما يملكون من عقار وأموال، بل عرض بعض الأنصار على إخوته المهاجرين أن يختاروا من شاؤوا من زوجات أولئك الأنصار ممن كانت له أكثر من واحدة ليطلقها، فإذا استكملت عدتها تزوجها المهاجر. ثم ذهب بعضهم إلى رسول الله ﷺ وأحسب هذا في فترة لاحقة وقد تكاثر المهاجرون وارتفع حكم المؤاخاة - يسألونه أن يقسم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين ما يملكون من نخل، فأبى رسول الله ﷺ عليهم ذلك، فاتفق الأنصار والمهاجرون على أن يعملوا في نخيلهم , ويكون لهم الشطر من نتاجها كل عام. لكن الهجرة استمرت ثماني سنوات، كما اتسعت الأرض التي أصبحت ملكًا للمسلمين بعد إجلاء يهود القرى المحيطة بالمدينة مثل بني النضير وبني قريظة، فنشأ وضع اقتصادي أدنى إلى الاستقرار واتساع النماء تطورت معه مواجد الناس ورغباتهم كما وجدت طبقة المهاجرين لم يشملها شرع المؤاخاة الذي انتهى العمل به بانتهاء ظرفه، ولم تصب من مغانم الحرب ما يلحقها بالطبقة المستقرة اقتصاديا، فقد كانت الهجرة في تلك السنوات الثمانية أوسع نطاقًا بأوفر عدد يمكن أن يوازيه التطور الاقتصادي الناشئ عن مغانم الحرب، إذ لم يكن آنئذ عامل تطور اقتصادي غيرها , فهي قد استأثرت بجهود المسلمين واهتمامهم لما تثيره قريش وحلفاؤها والأعراب من نواحي الجزيرة ويهود من حول المدينة من ألوان الاستفزازات والمحالفات والغدر وما إلى ذلك مما ليس من شأنه أن يهيئ فرصة استقرار ينتج عنه تطور اقتصادي سلمي، إلا ما كان من استمرار الظروف المستقرة السابقة للإسلام لدى بعض قبائل الأنصار مثل بني حارثة الذي كانت الزراعة وامتلاك الأرض أساسًا لوضع استقراري مكين يتمتعون به ويركنون إليه، فكان لا مناص من تشريع خليق بأن يحدث نمطًا من تكافؤ الفرص، ينشأ عنه الوضع الضروري للحفاظ على التكافل الاجتماعي في المدينة القائم على أساس من ضمان العيش الكريم بجميع أفراد المجتمع.

стр. 3773

وبما أن الأساس الطبيعي للنمو الاقتصادي في المدينة المنورة هو استغلال الأرض سواء بالزراعة أو بالتشجير، ومنه غراسة النخل واستثمارها، فقد كان من الطبيعي أن يتجه التشريع إلى تلبية مقتضيات هذا الظرف الجديد لاجتناب استغلال ملاك الأرض لحاجة المهاجرين الذين لم تشملهم فوائد المآخاة المشروعة خاصة في الفترة الأولى من الهجرة، على أن لا يصطدم اصطدامًا حادا مع غريزة التملك التي فطر عليها الإنسان، وغالبًا ما تتحكم في مواجد وتصرفات أرباب الأملاك تحكما يطغى أحيانًا حتى على مقتضيات العقيدة نفسها. ورسول الله ﷺ وهو كما وصفه القرآن: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) يشفق من أن ينصف أحدًا على حساب الآخر ما استطاع إلى ذلك سبيلا , ويحرص على أن يقيم الإنصاف على قاعدة من التجاوب الأخوي بين المشاعر والمواجد. فكان التشريع الذي ارتآه ﷺ اجتهادًا أو هدي إليه وحيا هو منع أرباب الأراضي من استغلال ما يفيض على طاقتهم الاستثمارية مما يملكون من الأرض بجهود المحرومين من ملكية الأرض، وذلك ما يفيده , ولا يمكن أن يفيد غيره حديث رافع بن خديج بطرقه المختلفة، فهو حديث متكامل وليس بمضطرب كما بدا للترمذي وأحمد. ذلك بأننا إذا اقتصرنا منه على الطرق التي أوردته كاملًا أو أوردت أغلب فقراته وجاءت بأسانيد ثلاثية أو رباعية لم يدخلها أناس ممن تكلموا فيهم كلامًا لا مناص من اعتباره نجده متسقًا يكمل بعضه بعضًا ليس فيه التباس ولا اضطراب، والذين وصفوه بالاضطراب إنما انصب وصفهم على أسانيده , وليس على متنه. وبيان ذلك أن رافعًا ﵁ لم يكن في حديثه راويًا فحسب , وإنما كان - وبالأساس - مفتيًا داعيًا، وآية ذلك أنه لم يشع حديثه إلا في عهد معاوية وربما في أواخر ذلك العهد , ويومئذ كانت الفتوحات قد كثرت واتسع ما تداولته أيدي المسلمين من الأراضي , فتجاوز الجزيرة العربية إلى الشام وإلى ما بين النهرين , وإلى ما وراءهما نتيجة لامتداد الفتوح امتدادًا كاد يكون بلا نهاية.

стр. 3774

على حين أن ضعف وازع العقيدة في النفوس وخاصة في مسلمة الفتح ومن بعدهم. وهيمن عامل التهافت على الدنيا والاستكثار منها، بل ضعفت هيمنة الحكم الإسلامي الحازم على تصرفات أولي الأمر، وأخذت تحل محله عوامل السياسة غير الدينية , وهي عوامل لا تلتزم بضوابط الشريعة الإسلامية بقدر ما تتوخى حاجات السياسة الداخلية من استمالة ضعاف النفويس وشراء الذمم واستعباد الضمائر. وكان عمل عمر ﵁ في الامتناع من توزيع أراضي السواد والاحتفاظ بملكيتها بيت مال المسلمين تحسبًا لحاجات سلائل المسلمين المتعاقبة قد أوقف منذ أواسط عهد عثمان ﵁ حتى إذا كان عهد معاوية وهو من هو لولا صحبته لرسول الله ﷺ لتمكنت الاعتبارات الدنيوية من الهيمنة على تصريف الأمور على تصورات النفوس ومواجدها. ومن ذلك كله نشأ ظرف اضطر رافع بن خديج وهو أحد مراجع الفتوى في ذلك العهد إلى أن يجهر ويلح في الجهد بما ظل يجمعه في نفسه سنين طوالا من شريعة رسول الله ﷺ في أمر الأرض واستغلالها. وكان جهره بذلك على أنماط وأساليب كان يجيب به فتوى لمن يسأله , فيقتصر على ذكر نهي رسول الله ﷺ دون الإفاضة في شرح ظروف ذلك النهي وأسبابه , وكان يرويه حديثًا مختصرًا لبعض طلبة الحديث الذين لا يرى جدوى في أن يذكر لهم جميع تفاصيل الواقعة أو الوقائع التي لابست النهي أو أعقبته , وكان يرويه كاملًا بجميع تفاصيله وملابساته حين يكون حديثه إلى رفيق له من الصحابة أو من كبار التابعين الذين يرى أن من واجبه أن يحيطهم بجميع ما لديه من العلم في هذا الأمر. واشتد الجدل بين الناس، فلم يكن جميع الصحابة الذين لم يزالوا أحياء محيطين بأمر النهي كما علمه من أهمه بالأساس بنو حارثة , ومن أهمه منهم بالأصالة رافع بن خديج وأعمامه وأخواله وأخوته وبنوه، فأغلب الصحابة كانوا في عهد رسول الله ﷺ منصرفين إلى الحرب نصرة للإسلام أو إلى التلقي عنه حفظًا للشريعة وحملًا للرسالة، وقليل منهم كان مصروفًا إلى شؤون الفلاحة وامتلاك الأرض ومنهم جابر بن عبد الله الذي كان هو أيضًا من رهط يقوم كيانهم الاقتصادي على غراسة الأرض واستثمار النخيل، فكان طبيعيًا أن يلم بما يتصل بعمله وعمل ذويه من أحكام، وهو الراوي المكثر عن رسول الله ﷺ ، وله فيما يتصل بحرفته وحرفة ذويه أحاديث وأخبار، كما كان منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك المنصرفون إلى التلقي عن رسول الله ﷺ انصرافًا متفاوتًا تبعًا لظروف كل واحد منهم , وكان حريصًا أشد ما يكون الحرص.

стр. 3775

وكانت حروب الردة ثم الفتوح لعهد أبي بكر وعمر ولصدر من عهد عثمان قد أتت على عدد كبير من كبار الصحابة، فلما كان عهد معاوية تصدر للفتوى الحفظة والفقهاء من صغارهم ومنهم رافع بن خديج. وكان الملتزمون بالسنة في ذلك العهد وفي طليعتهم فقهاء الصحابة وصدور الإفتاء منهم، يجهرون بإنكار ما يشهدونه من تغير وتبدل في تصرفات أولي الأمر والعامة، وكانوا على أولي الأمر منهم أشد على العامة، فهم يدركون أن صلاح العامة بصلاح أولياء الأمر منهم، بل إن الإنكار على معاوية ابتداء من عهد عمر ﵁ ومع أن عمر كان يكله إلى ربه في بعض ما ينكر من مظاهره ويعتذر عنه معاوية بأعذار تتصل بالسياسة، فإن مآخذ بعض الصحابة عنه كانت من يومئذ تستعلن , بيد أنها اشتدت وبلغت حد المجابهة في عهد عثمان ﵁ ثم ارتفعت إلى أن أصبحت نمطًا من التحدي لما صار إليه الأمر. وكان لرافع بن خديج موقف من عثمان نفسه بادئ الأمر، ويظهر أنهما بلغا إلى تفاهم بعد ذلك، أو أن رافعًا فضل أن يسالمه اجتنابًا إلى مصير أبي ذر , ولأن ما ينكر عليه لم يكن في تقديره مما ينبغي أن يدفعه إلى مناهضته. ويظهر أن رافعا كان في عهد عثمان قد اعتزل الزراعة فالطبري يقول (١) إن عثمان فرض له ولأبي ذر عظما لكل واحد منهما كل يوم وما كان عثمان ليقبل هذا الفرض لو أنه لبث مواصلًا لعمله الفلاحي.

стр. 3776

ومهما يكن فقد رفع لواء المعارضة ليس لمعاوية فحسب , ولكن لعامة المنصرفين إلى الاستكثار من المال , سواء كانوا من الصحابة أو من غيرهم , يتجلى ذلك في الحملة الصاخبة التي قادها على ملاك الأرض ومع أنه لم يكن وحده فيها، فقد ظاهره عدد من الصحابة من أترابه مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وثابت بن الضحاك , فإن رافعًا كاد يكون ميسم تلك الحملة على ملاك الأرض. وواضح أن لدى رافع ما يجعله أعمق وعيًا بالقضية التي قادها من غيره، فهو يعلم جميع الملابسات التي ميزت نهي رسول الله ﷺ عن كراء الأرض، إذ كان هو وعمومته هم الذين وجه إليهم النهي بالأصالة وإلى غيرهم ممن كانوا على مثل وضعهم. وبتتبع حديث رافع على اختلاف ألفاظه وتباين صيغه , يتبين أن النهي كان في أواخر العهد النبوي، ذلك بأن رافعًا كان يوم لحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى في حوالى الخامسة والعشرين من عمره , وقد يزيد قليلًا. وبتأمل مجموع أحاديث رافع يمكن القول بأن النهي كان على مرحلتين: المرحلة الأولى: ما ورد من طريق بكير بن عامر , ومن طريق عبيدة الضبي , من رواية رافع عن مزارعته غيره، وأمر رسول الله ﷺ له أن يأخذ نفقته , ويدع الزرع لصاحب الأرض , ومع أن كلا من بكير بن عامر وعبيدة الضبي تكلموا فيهما، فإن الحديث الذي رواه ابن حزم الهمذاني عن طريق مسلم , لا يختلف في جوهره عن حديثهما , وإن اختلف في بعض تفاصيله، فهو لم يذكر أن المزارع رافع , ولكن راوي الحديث رفاعة بن رافع، وقد يكون معقولًا أن لا يذكر الراوي أن أباه هو صاحب القصة , وذلك ما يؤكده حديث عائشة الذي نقلناه عن طريق عبيدة الضبي، والحديثان معًا لم يذكرا أن علة النهي هي الإرباء , كما جاء في حديث بكير بن عامر: (أربيتما) وأخذ منه بعض الفقهاء اعتبار علة النهي أن المزارعة نوع من الربا. ونحسب أن الحديث إذا ثبت بهذا اللفظ يمكن تأويله بأن وصف الإرباء ليس تعليلًا للنهي , وإنما هو وصف للزرع. فرسول الله ﷺ حين رآه قد اخضر واهتز , وصفه بالنماء. والزيادة والنماء هما أصل معنى كلمة: (ربا) يربو. يقول ابن منظور (١) ربا الشيء يربو ربوا ورباية: زاد ونمى، وأربيته: نميته. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢)

стр. 3777

وقال ابن الأثير (١) الأصل فيه - أي: في (الربا) – الزيادة. وربا المال يربو ربوا: زاد وارتفع. ثم قال: ومنه الحديث: من أجبى فقد أربى. ومنه حديث الصدقة: فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل. ثم قال: وفي حديث الأنصار يوم أحد: لئن أصبنا يومًا منهم مثل هذا , لنربين عليهم في التمثيل - أي: لنزيدن ولنضاعفن. ويدل على أن (الربا) ليس هو علة النهي ما كان من المرحلة الثانية له من نهي رسول الله ﷺ عن كراء الأرض عامة، وقد ورد ذكر الكراء وما اشتق منه وما شاكله مثل الإيجار والمؤاجرة في أحاديث رافع وجابر وأبي هريرة وسعد وأبي سعيد وثابت بن الضحاك، وجلها نقلناه فيما سبق تسعًا وعشرين ومائة , فثبت بالقطع أن الكراء وما في معناه هو لذاته علة النهي. وبصرف النظر عن تأويلات الفقهاء الذين أباحوا الكراء بالذهب والفضة والذين أباحوا حتى بالجزء من نتاج الأرض وتقولاتهم في بعض هذه الأحاديث , وليس من شأننا في هذا المجال أن نناقشها , ولو قد اتسع لمناقشتهم لكان لنا موقف ولدينا ما نقول، فإن وقوع النهي لا سبيل إلى إنكاره , وهو في حد ذاته ينتج أمرًا , هو ما نحاول استجلاءه في هذا البحث. ثم إن تتبع أحاديث رافع وغيره، يفضي إلى حقيقة أن النهي كان في تقدير ابن عمر ﵁ وغيره من الصحابة وكبار التابعين بعد قصة خيبر، فقد استظهر في محاولة تأويله بما تردد في بعض طرقه من إيراد كلمة المخابرة وبعض مشتقاتها بدلًا من كلمة الكراء وما شاكلها، أو كلمة المحاقلة ومشتقاتها. وقد سبق أن ذكرنا أنها وردت في هذه الأحاديث نحو أربعين مرة، ومع أننا لا نسلم بأنها مشتقة من خيبر بالضرورة , فإن الذي يعنينا هو أن من الصحابة ومن كبار التابعين من اعتبرها مشتقة من خيبر , وهذا كاف في تقرير أنهم اعتبروا أحاديث النهي كانت بعد قصة خيبر.

стр. 3778

ومع ذلك فقد حاول بعضهم أن يزعم أن هذه الأحاديث نسختها قصة خيبر، ولسنا ندري كيف يستقيم هذا الزعم إذا كانت كلمة المخابرة مشتقة من خيبر , إلا أن تكون في الأربعين موضعًا التي وردت فيها إنما رويت بالمعنى. ونجد حرجًا عميقًا في تقبل مثل هذا الاحتمال، ويعضد تحرجنا هذا , أن غزوة خيبر كانت في السنة السابعة أي: بعد أربع سنوات من الإذن لرافع بالاشتراك في غزوة أحد وهو يومئذ لم يؤذن له إلا بعد أن أثبت كفاءته في الرمي , وكاد أن يُرَدَّ أيضًا، وهذا يعني أن رافعًا كان يوم خيبر في حوالى التاسعة عشرة من عمره أو يزيد قليلًا، وفي هذه السن ومع ثراء قومه وانشغالهم بالزراعة يبعد الاحتمال أن يكون قد استقل بنفسه , ولم يكتف بنصيبه من أرض قومه , فراح يلتمس أرضًا عند غيره ليزرعها , وإن كانت المزارعة وما يشبهها نوعًا من الاستحواذ على استغلال الأرض سمة اتسم بها قومه بنو حارثة على كثرة ما لديهم من الأرض كثرة جعلتهم يزارعون غيرهم بأرضهم , وكانت من أسباب نهي رسول الله ﷺ عن كراء الأرض منعًا لاستحواذ أولي الخبرة والمال على استثمار الأرض مستعينين بطاقة الآخرين وحاجتهم , وهو التعليل الذي لا نجد غيره متسقًا مع الوقائع التي ذكرها رافع لظروفها في أوضاع مختلفة وذكرها غيره دون بيان لظروفها أو ببيان ينقصه اجتلاء المعالم. والذي يمكن أن تسكن إليه النفس من تدبر النهي ومراحله وظروفه ومختلف النصوص الواردة في شأنه والاستئناس بالحد الذي يمكن أن يكون قد بلغه عُمُر رافع العنصر الأول البارز في قصة النهي هو ما سبق أن أشرنا إليه من أن الفتوحات الآخذة في الاتساع حوالي المدينة المنورة عقب إجلاء اليهود من القرى المحيطة بها , ثم إلى ما وراءها من الأرض التي أسلم أهلها أو أصبحت آمنة بعد إسلام الأعراب المختلفين إليها انتجاعًا للكلأ , قد أخذ ينشئ طبقة من المنصرفين إلى استثمار الأرض وابتغاء الثراء من نتاجها مستعينين على تحقيق مطامحهم بالاستفادة من جهود المعوزين الذين يلتمسون العمل لكفاية أنفسهم وذويهم. ونحسب أغلب هؤلاء من المهاجرين من غير قريش، فلم تكن الهجرة بعد خيبر قد انقطعت حتى كان فتح مكة وبعد فتحها لم تنقطع الهجرة باعتبارها وسيلة من الاقتراب من مركز الدولة وموطن الرسول ﵊ , وإنما انقطعت باعتبارها واجبًا دينيًا ولتيسير الفرص المتكافئة للجميع ولتعميق مبدأ التعاون القائم على الأخوة والإسماح ولقطع السبيل على استغلال القادر للضعيف , نهى رسول الله ﷺ نهيًا قاطعًا عن كراء الأرض , واتجه نهيه اتجاهًا تطبيقيًا إلى من كانت سمتهم استئمار أموالهم وخبرتهم في الأرض ليس بطاقتهم فحسب، ولكن أيضًا بطاقات الآخرين من الضعفاء.

стр. 3779

وبهذا الاعتبار يستقيم تعليل الدعوة الملحة وربما الصاخبة التي جهر بها وتصدرها رافع في أواخر عهد معاوية إلى الإقلاع عن كراء الأرض مع سكوته طيلة عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصدرًا من خلافة معاوية. ذلك بأن الفتوحات كانت في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة قد استغرقت معظم جهود المسلمين، وكان إقبالهم على ابتغاء المال واستثماره محدودًا وكان عمر ﵁ يكبح من جماح الطامحين إلى التمول بالزراعة حتى قيل: إنه أحرق زرع بعض من اشتغلوا بالزراعة من المسلمين بالشام بعد فتحها، وإن يكن لبعضهم كلام في صحة هذه القصة أشفق بعض المتفقهين والنقلة والنقدة من أن يكون عمر قد أحرق زراعة بعض الجند الذين كانوا في جيش أبي عبيدة عامر بن الجراح ومن قبله في جيش خالد الذي تولى غزو الروم وفتح الشام , فقالوا ما مفاده: إن عمر لا يقدم على إحراق ما للغير من المسلمين وحرمانهم منه , واعتمد البعض على مثل هذه المقولات وعلى غمز قيل في بعض رواة هذه القصة في إنكاره صحتها: ولسنا بسبيل تحقيق النصوص الواردة في تصرفات عمر والمسجلة لسيرته , وإنما نحن بسبيل النظر في جوانب مما يتصل بهذا البحث منها , لذلك لا ندخل مع هؤلاء وأولئك في جدل حول صحة القصة أو عدم صحتها سنده ما تواضعوا عليه من قواعد الجرح والتعديل , حسبنا أن نبرز حقيقة لا مناص لأي باحث من اعتبارها , وهي أن عمر ﵁ كان يراجح بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة في جميع تصرفاته وأحكامه وإلى عماله وقواده، وما من أحد يماري في أن المصلحة العامة يومئذ كانت تقتضي أن يصرف الجند همهم وجهدهم لما هم بسبيله من الفتوح ونشر الأسلام وحماية ثغوره وملاحقة أعدائه أو الترصد لهم على الأقل، وبدهي أن الجند إذا صرفوا بعض جهدهم وهمهم إلى الزراعة وما شاكلها من الكسب , توزعت هممهم وبلبلت فكرهم بين واجبهم الحربي كجند ودواعيهم الدنيوية كمحترفين للفلاحة أو التجارة أو غيرهما وذلك من شأنه أن يحدث على الأقل عدم تركيز للقوى المادية والفكرية إلى الوجهة التي من أجلها نفروا أو استنفروا , فطبيعي إذن أن يحذر الخليفة هذه العاقبة وما ينتج عنها وأن يدرأها بما يحسمها ويمنع من أن تتكرر منعًا لا يقبل التأويل أو الاعتذار. فتأمل. فلما تقدم العهد بخلافة معاوية وتغيرت السياسات وسيطرت الاعتبارات الدنيوية عليها وكثر المسلمون، فلم تعد تستغرقهم الفتوحات، بل إن الفتوحات نفسها هدأ نشاطها نسبيا، واتجه الناس إلى استثمار الأرض بجهودهم وأموالهم , ولعل فيهم من لم تكن لديه خبرة في الفلاحة، فهو لا يشتري بماله جهود الآخرين فحسب , وإنما يشتري خبرتهم أيضًا , ولعل فيهم الخبير الذي أكسته النعمة , فأمسك عن العمل بنفسه , واعتمد على خبرة الآخرين وجهودهم العضلية، وبذلك أخذت تنشأ طبقة المترفين وطبقة العمال مما أفزع رافعًا، فقام بدعوته منكرًا لهذا الوضع الذي رآه قد أنشأ ظروفًا أين منها تلك الظروف التي أفرزت نهي رسول الله ﷺ عن كراء الأرض؟

стр. 3780

ومن استكناه دلالات التوقيت الذي اختاره رافع ليعلن نهي رسول الله ﷺ عن كراء الأرض أو بالأحرى ليذكر الناس به , يتجلى بما لا مجال معه للمراء أن رافعا كان يرى للظروف تحكمًا في تعيين موجب تطبيق التشريع الخاص بالمعاملات أو المتصل بها اتصالًا وثيقًا. ومع أننا لا نجد في حديث جابر ولا غيره من الصحابة الذين رووا النهي أيضًا عن رسول الله ﷺ ما يدل على الظرفية، فإن الملابسات التي أحاطت بإشاعة حديث رافع ومناقشته والجدل حوله تحمل على الاطمئنان إلى أن جابرًا وغيره من الصحابة أسهموا في تلك المناقشات وفي ذلك الجدل مظاهرين لرافع بما أعلنوه مما وعوه عن رسول الله ﷺ , وأحسبهم كانوا على مثل إنكار رافع لما صار إليه الأمر في أواخر عهد معاوية من تهافت علاقات الأخوة بين المسلمين واندفاع المحظوظين منهم إلى الاستزادة لنصيبهم من الدنيا والاستفادة من حرمان المحرومين باستغلال جهودهم وربما خبراتهم , وذلك أمر لا مناص من أن يحدث تركيبات طبقية لا سبيل إلى أن تتعايش - بل لا سبيل إلا إلى أن تتنافى - مع طبيعة الوحدة التي تنهض على التكافل الأخوي بين طوائف المسلمين كافة أيا كانت أنصبتهم من الرزق ومراكزهم الاقتصادية ومواقعهم الاجتماعية. وقد لا يحسن أن ننصرف إلى تبيان الطبيعة الفقهية والأصولية للعلاقة بين الظرف وبين التشريع قبل أن نقف هنا عند قصة خيبر , ثم عند ما كان من حماية رسول الله ﷺ ثم عمر ﵁ لمساحات من الأرض استجابة لحاجة المسلمين الناشئة عن تطور أوضاعهم الاقتصادية نتيجة لعاملي استقرار هيكل الدولة وأخذ كيانها في الامتداد والاتساع بعامل انتشار الإسلام بدخول الناس فيه أفواجًا واتساع آماد سيادته بتعاظم هيبته واشتداد قوة المسلمين. اختلفت آراء الفقهاء في تأويل قصة خيبر , فرآها بعضهم نمطًا من المزارعة , واستدل بها على أنها ناسخة للنهي الوارد في حديث رافع وغيره عنها , إذ إن معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر استمرت إلى عهد عمر وحين أبطلها عمر لم يبطلها لذاتها , وإنما أبطلها لتصرفات صدرت عن يهود خيبر أو اعتمادًا على أن رسول الله ﷺ قال لهم حين عاملهم: ((نقركم ما أقركم الله)) أو ((ما شئنا)) . ومن هذا الاعتبار حمل البعض من هؤلاء كلمة المخابرة على أنها مشتقة من معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر، ومع ذلك اعتبروا النهي عن المخابرة منسوخًا بقصة خيبر اعتبارًا لاستمرارها، إلى عهد عمر.

стр. 3781

ولم يفكروا في الجمع بين هذين المتناقضين أن يكون النهي صدر بعد قصة خيبر , واستعملت فيه كلمة مخابرة من رسول الله ﷺ أو من بعض رواة الحديث، إذ رووه بالمعنى على أساس أن المخابرة مشتقة من خيبر، وأن تكون قصة خيبر - مع ذلك - ناسخة لهذا النهي الذي صدر بعدها واشتق منها بعض ألفاظه لمجرد أن قصة خيبر استمرت إلى ما بعد لحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، فهي إذا ناسخة باستمرارها لحكم صدر بعد وقوعها، ومن عجب أنهم لم يفكروا في أن يكون الحكم مخصصًا لها , أو أن يكون استمرارها مخصصًا له , فضلًا عن أن يفكروا في أن يكون هنالك اختلاف بين أساس الحكم أو مناطه في كل من القضيتين؛ النهي عن المزارعة وقصة خيبر. وآخرون يظهر أنهم انتبهوا إلى التغاير بين القضيتين , فاعتبروا قصة خيبر أساسًا لحكم يتصل بالمساقاة ويختص بالأرض المغروسة نخلًا , أو نخلًا وكرومًا , أو نخلًا وشجرًا على اختلاف بينهم، وقد يباح في ظله ما يكون من المزارعة لما بين الأشجار أو النخيل من أرض , الاعتبارات ذهبوا في تعيينها وتحديدها والاختلاف حولها ما شاءت لهم التصورات من مذاهب وآراء , وليس من شأننا أن نناقشها؛ لأنها قائمة على أساس لا نقره , ولأن شأننا في هذا البحث ليس هو بيان ما هو حلال وما هو حرام من التعامل على الأرض , إنما هو شيء غير ذلك. بحسبنا أن نقف مع هؤلاء وأولئك عند حقيقة لم تتضح لهم الاتضاح الكافي , وإن كانت قد استبانت لهم معالمها بعض الشيء وأبصرهم لها شمس الدين السرخسي (١) إذ قال بعد أن أشار إلى حديث معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر على الشطر: وفعل رسول الله ﷺ دليل الجواز , وتأويل ذلك عند أبي حنيفة ﵀ من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ حين افتتح خيبر استرقهم وتملك أراضيهم ونخيلهم وجعلها في أيديهم يعملون فيها للمسلمين بمنزلة العبيد في نخيل مواليهم , وكان في ذلك منفعة للمسلمين ليتفرغوا للجهاد بأنفسهم , ولأنهم كانوا أبصر بذلك العمل من المسلمين، وما جعل لهم من الشرط بطريق النفقة لهم , فإنهم مماليك للمسلمين , يعملون لهم في نخيلهم , فيستوجبون النفقة عليهم، فجعل نفقتهم فيما يحصل بعملهم , وجعل عليهم نصف ما يحصل بعملهم ليكون ذلك ضريبة عليهم بمنزلة المولى يشارط عبده الضريبة إذا كان مكتسبًا، وقد نقل بعض هذا عن الحسين بن علي ﵄.

стр. 3782

والثاني: أنه مَنَّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم وجعل شطر الخارج عليهم بمنزلة خراج المقاسمة , وللإمام رأي في الأرض الممنون بها على أهلها , إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة، وهذا أصح التأويلين؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الولاة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم كالتصرف في المماليك، وكذلك عمر ﵁ أجلاهم , ولو كانوا عبيدًا للمسلمين , لما أجلاهم , فالمسلم إذا كان له مملوك في أرض العرب تمكن من إمساكه واستدامة الملك فيه , فعرفنا أن الثاني أصح , ثم بين لهم رسول الله ﷺ أن ما فعله من المن عليهم بنخيلهم وأراضيهم , ليس غير مؤيد بقوله ﵊: ((أقركم ما أقركم الله)) . وهذا منه شبه الاستثناء , وإشارة إلى أنه ليس لهم حق المقام في نخيلهم على التأبيد؛ لأنه علم من طريق الوحي أنه يؤمر بإجلائهم , فتحرز بهذه الكلمة عن نقض العهد؛ لأنه كان أبعد الناس عن نقض العهد والغدر , وفيه دليل على أن المن المؤقت صحيح سواء كان لمدة معلومة أو مجهولة. قلت: كان الأولى أن أغفل الوجه الأول , لكن نسبة جانب من دلالاته إلى سبط رسول الله ﷺ وسيد الشهداء بعد حمزة الحسين بن علي ﵃ جميعًا - يجعل لذلك الوجه وزنًا، فليس لرأي - مهما تعضده الحجج والبراهين العقلية أو النقلية – أن يقف إلا منحنيًا إجلالًا أمام رأي يصدر عن سبط رسول الله ﷺ . ونحسب أن السرخسي في الوجه الثاني الذي صححه لتأويل أو توجيه معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر ونظاهره في تصحيحه كان ينظر إلى قول أبي عبيد (١) وهو يسوق اختلاف الآثار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن الخلفاء من بعده في حكم الأراضي المفتتحة عنوة.

стр. 3783

وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام إن رأى يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، فذلك له , وإن رأى أن يجعلها فيئا , فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا، كما فعل عمر بالسواد ذلك. ثم قال بعد أن ذكر القائلين بهذه الأحكام وأدلة كل فريق: وكلا الحكمين - يعني القسمة والوقف - فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيئ، إلا أن الذي اختاره من ذلك يكون النظر فيه إلى الإمام كما قال سفيان - يعني قول سفيان الثوري: الخيار في أرض العنوة إلى الإمام , إن شاء جعلها غنيمة , فخمس وقسم , وإن شاء جعلها عامة على المسلمين , ولم يخمس ولم يقسم - وذلك أن الوجهين جميعًا داخلان فيه , وليس فعل النبي ﷺ بِرَادٍّ لفعل عمر - يعني من عدم قسمته أرض السواد وجعله إياها وقفًا على المسلمين عامة كما سيأتي مفصلًا - ولكنه ﷺ اتبع آية من كتاب الله تعالى , فعمل بها , واتبع عمر آية أخرى , فعمل بها , وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين , فيصير غنيمة أو فيئًا. وسنورد الآيتين عندما نعرض لفعل عمر. ونقل ابن زنجويه (١) كلام أبي عبيد كلام من يأخذ به , وما أحسب السرخسي إلا قد اطلع على ما نقلناه أو على ما نقله أحدهما. ومع أن موضوع الاختلاف حول اعتبار الأرض المفتتحة عنوة غنيمة أو فيئًا ليست له علاقة مباشرة بالموضوع الذي نحن بصدده من تحديد طبيعة العلاقة مشاكلة أو مغايرة - بين المزارعة ومعاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر، فإن كلا من الموضوعين يشبه الآخر في إقرار حقيقة أن تصرف رسول الله ﷺ في أرض خيبر معاملة وقسمة كان متأثرًا بالظرفية التي لابست فتح خيبر. فالمسلمون يومئذ , وخاصة المهاجرين , لم يكونوا على سعة من الرزق يقوم معها الحذر من أن تخويلهم المزيد من الأرض قد ينقلهم من حالة الكفاف إلى حالة الترف على حساب أجيال مقبلة. والفتوحات ما فتئت في أول عهدها، ورسول الله ﷺ يعلم بالوحي والمكاشفة كيف ستتسع وستتمادى، لذلك أخذ بقسمة الأرض ولم يأخذ بمبدأ وقفها اعتبارًا للظرف الذي كان يحيط بالمسلمين آنئذ، وهو الذي تكيفه الحاجة إلى مزيد من موارد المال ومصادر الكسب لتحقيق الكفاف وللحصول على موارد ضرورية للاستعداد لما يستقبلون من فتوحات تستوجب المزيد من السلاح والعتاد.

стр. 3784

على حين أنهم لم يكونوا يملكون الخبرة الكافية في رعاية حقول النخل والمزيد من غراستها والعمل من أجل توفير ثمارها ولم يكونوا يملكون أيضًا وفرة من اليد العاملة حتى ولو كان منهم من يملك الخبرة لذلك , وذلك ما جعل رسول الله ﷺ يعيد الأرض إلى أهل خيبر بعد أن أجلاهم عنها بطلب منهم أو بدعوة منهم على اختلاف الروايات ويقرهم فيها على حين على الشرط الذي اشترطه، وهو أن قرارهم فيها ليس مؤبدًا بل هو معلق بمشيئة المسلمين في بعض الروايات أو بمشيئة الله في روايات أخرى، ولا تنافي بين هذه وتلك، وقد سبق أن أوردنا مختلف هذه الروايات فيما نقلنا من الأحاديث والروايات المختلفة والمتصلة بمعاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر , وننقل هنا جزءًا من أثر طويل رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري تذكرة بمجمل ما ورد في الآثار التي نقلناها سابقًا، وترجيحًا منا لهذا الذي رواه الزهري عن غيره من تلك الآثار قال (١) ولم يكن لرسول الله ﷺ عمال يعملون خيبر ولا يزرعونها , قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ دعى يهود خيبر , وكانوا خرجوا على أن يسيروا منها , فدفع إليهم خيبر على أن يعملوها على النصف , فيؤدونه إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه. وقال لهم رسول الله ﷺ : ((أقركم على ذلك ما أقركم الله)) ... إلخ. وإنما رجحنا هذا الأثر وما شاكله؛ لأن الحادثة كما نتصورها أن يهود خيبر عرضوا على رسول الله ﷺ بعد أن نزلوا على حكمه بالجلاء - أن يبقيهم في خيبر يعملونها بخبرتهم وأيديهم المتفرغة للعمل فيها وغير المنشغلة بشيء آخر انشغال المسلمين بالفتوح , وأن ينفقوا في عملها وصيانتها من أموالهم. فأظهر الإباء عليهم حتى إذا استكمل إخضاعهم بأن اتخذوا طريقهم منفذين للجلاء صاغرين أذلة، دعاهم ليعيدهم إلى الأرض التي أجلاهم عنها على شرطه ومنة منه ليظهر لهم أنه لم يكن بحاجة إلى عملهم ولا إلى خبرتهم ولا إلى أموالهم وإنما هو المن عليهم والرحمة بهم إبرازًا لما أراد أن يقر في أنفسهم من صورة المعاملة الإسلامية المتسمة بالرحمة والإكرام والإسماح. مهما يكن، فإن خيبر الغنية قصتها بألوان من التشريع كانت من أبرز مصادر الاعتبار الشرعي لتأثير مقتضيات الظروف والملابسات في تكييف أحكامه تعليلًا وتطبيقًا ومناطًا.

стр. 3785

وقد حاول البعض من الفقهاء والمتفقهة أن يجد في قسمة رسول الله ﷺ جانبًا من أرض خيبر مصدرًا للحديث عن ملكية المحارب لقسطه من الغنيمة متى تتحقق؟ أو بتعبيرأدق: متى يستحق المحارب قسطه من الغنيمة؟ ومضى هؤلاء وأولئك في جدل ملأوا به الصفحات حول تحديد وقت هذا الاستحقاق، أهو يتعين عند الحصول على الغنائم أم لا يتعين إلا عند قسمتها؟ وطبيعي أن هذا الجدل ليس من شأننا الآن، بيد أننا نعرض له؛ لأنه قائم على قاعدة لا نسلمها لهم , وهي أن الإمام أو ولي الأمر مجرد منفذ في شؤون الغنائم , ليس له إلا تطبيق نصوص أمامه تطبيقًا حرفيًا لا تتحكم فيه ظروف ولا أوضاع ولا اعتبارات غير ما ينطبق به النص الحرفي الواجب تطبيقه عليه، في حين أن عمل رسول الله ﷺ وعمل عمر ﵁ الذي سنعرض له من بعد في الأراضي المفتوحة ينهض- ولا أقول ينهضان , لأنهما في تقديري عمل واحد اختلفت مظاهره - على قاعدة أغفلوها أو غفلوا عنها في جدلهم هذا، وهي أن أمر الأراضي المفتوحة مرجعه إلى الإمام أو ولي الأمر أيا كان الاعتبار النظري للوقت الذي تتعين فيه ملكية المحارب لقسمه من الغنائم، فحتى لو ذهبنا مع القائلين بأن ملكية المحارب تتعين عند الحصول على الغنيمة فإن هذا لا يعني أن الإمام أو ولي الأمر لا يملك أن يتصرف في هذه الملكية إذا أبان له اجتهاده أسبابًا وملابسات يترجح اعتبارها على اعتبار الحق الفردي للمحارب في قسطه من الغنيمة، وهذه الأسباب على تنوعها تشكل ما نسميه بالظرفية التي لا سبيل إلى إغفالها؛ لأن إغفالها يحصر مهمة الإمام أو ولي الأمر مسؤوليته في مجرد التنفيذ التلقائي بدلًا من أن يدع له الاجتهاد بحثًا عن ما من شأنه أن يتجاوز المصلحة الفردية أو ما يظنه غير المسؤول مصلحة فردية إلى ما تقتضيه , وقد تضطر إليه المصلحة العامة لجماعة من المسلمين أو لجميع المسلمين، ومثل هذا التقييد لتصرف الإمام أو ولي الأمر من شأنه أن يجعل اعتبار المصلحة الفردية متحكما في سياسة الجماعة الإسلامية , وهو ما يتنافى مع أبسط مقتضيات النصوص التشريعية من قرآنية وسنية , كما سيتضح لنا بعد حين.
следующие страницы →