← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

ولم يفكروا في الجمع بين هذين المتناقضين أن يكون النهي صدر بعد قصة خيبر , واستعملت فيه كلمة مخابرة من رسول الله ﷺ أو من بعض رواة الحديث، إذ رووه بالمعنى على أساس أن المخابرة مشتقة من خيبر، وأن تكون قصة خيبر - مع ذلك - ناسخة لهذا النهي الذي صدر بعدها واشتق منها بعض ألفاظه لمجرد أن قصة خيبر استمرت إلى ما بعد لحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، فهي إذا ناسخة باستمرارها لحكم صدر بعد وقوعها، ومن عجب أنهم لم يفكروا في أن يكون الحكم مخصصًا لها , أو أن يكون استمرارها مخصصًا له , فضلًا عن أن يفكروا في أن يكون هنالك اختلاف بين أساس الحكم أو مناطه في كل من القضيتين؛ النهي عن المزارعة وقصة خيبر. وآخرون يظهر أنهم انتبهوا إلى التغاير بين القضيتين , فاعتبروا قصة خيبر أساسًا لحكم يتصل بالمساقاة ويختص بالأرض المغروسة نخلًا , أو نخلًا وكرومًا , أو نخلًا وشجرًا على اختلاف بينهم، وقد يباح في ظله ما يكون من المزارعة لما بين الأشجار أو النخيل من أرض , الاعتبارات ذهبوا في تعيينها وتحديدها والاختلاف حولها ما شاءت لهم التصورات من مذاهب وآراء , وليس من شأننا أن نناقشها؛ لأنها قائمة على أساس لا نقره , ولأن شأننا في هذا البحث ليس هو بيان ما هو حلال وما هو حرام من التعامل على الأرض , إنما هو شيء غير ذلك. بحسبنا أن نقف مع هؤلاء وأولئك عند حقيقة لم تتضح لهم الاتضاح الكافي , وإن كانت قد استبانت لهم معالمها بعض الشيء وأبصرهم لها شمس الدين السرخسي (١) إذ قال بعد أن أشار إلى حديث معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر على الشطر: وفعل رسول الله ﷺ دليل الجواز , وتأويل ذلك عند أبي حنيفة ﵀ من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ حين افتتح خيبر استرقهم وتملك أراضيهم ونخيلهم وجعلها في أيديهم يعملون فيها للمسلمين بمنزلة العبيد في نخيل مواليهم , وكان في ذلك منفعة للمسلمين ليتفرغوا للجهاد بأنفسهم , ولأنهم كانوا أبصر بذلك العمل من المسلمين، وما جعل لهم من الشرط بطريق النفقة لهم , فإنهم مماليك للمسلمين , يعملون لهم في نخيلهم , فيستوجبون النفقة عليهم، فجعل نفقتهم فيما يحصل بعملهم , وجعل عليهم نصف ما يحصل بعملهم ليكون ذلك ضريبة عليهم بمنزلة المولى يشارط عبده الضريبة إذا كان مكتسبًا، وقد نقل بعض هذا عن الحسين بن علي ﵄.

стр. 3782

والثاني: أنه مَنَّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم وجعل شطر الخارج عليهم بمنزلة خراج المقاسمة , وللإمام رأي في الأرض الممنون بها على أهلها , إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة، وهذا أصح التأويلين؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الولاة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم كالتصرف في المماليك، وكذلك عمر ﵁ أجلاهم , ولو كانوا عبيدًا للمسلمين , لما أجلاهم , فالمسلم إذا كان له مملوك في أرض العرب تمكن من إمساكه واستدامة الملك فيه , فعرفنا أن الثاني أصح , ثم بين لهم رسول الله ﷺ أن ما فعله من المن عليهم بنخيلهم وأراضيهم , ليس غير مؤيد بقوله ﵊: ((أقركم ما أقركم الله)) . وهذا منه شبه الاستثناء , وإشارة إلى أنه ليس لهم حق المقام في نخيلهم على التأبيد؛ لأنه علم من طريق الوحي أنه يؤمر بإجلائهم , فتحرز بهذه الكلمة عن نقض العهد؛ لأنه كان أبعد الناس عن نقض العهد والغدر , وفيه دليل على أن المن المؤقت صحيح سواء كان لمدة معلومة أو مجهولة. قلت: كان الأولى أن أغفل الوجه الأول , لكن نسبة جانب من دلالاته إلى سبط رسول الله ﷺ وسيد الشهداء بعد حمزة الحسين بن علي ﵃ جميعًا - يجعل لذلك الوجه وزنًا، فليس لرأي - مهما تعضده الحجج والبراهين العقلية أو النقلية – أن يقف إلا منحنيًا إجلالًا أمام رأي يصدر عن سبط رسول الله ﷺ . ونحسب أن السرخسي في الوجه الثاني الذي صححه لتأويل أو توجيه معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر ونظاهره في تصحيحه كان ينظر إلى قول أبي عبيد (١) وهو يسوق اختلاف الآثار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن الخلفاء من بعده في حكم الأراضي المفتتحة عنوة.

стр. 3783

وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام إن رأى يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، فذلك له , وإن رأى أن يجعلها فيئا , فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا، كما فعل عمر بالسواد ذلك. ثم قال بعد أن ذكر القائلين بهذه الأحكام وأدلة كل فريق: وكلا الحكمين - يعني القسمة والوقف - فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيئ، إلا أن الذي اختاره من ذلك يكون النظر فيه إلى الإمام كما قال سفيان - يعني قول سفيان الثوري: الخيار في أرض العنوة إلى الإمام , إن شاء جعلها غنيمة , فخمس وقسم , وإن شاء جعلها عامة على المسلمين , ولم يخمس ولم يقسم - وذلك أن الوجهين جميعًا داخلان فيه , وليس فعل النبي ﷺ بِرَادٍّ لفعل عمر - يعني من عدم قسمته أرض السواد وجعله إياها وقفًا على المسلمين عامة كما سيأتي مفصلًا - ولكنه ﷺ اتبع آية من كتاب الله تعالى , فعمل بها , واتبع عمر آية أخرى , فعمل بها , وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين , فيصير غنيمة أو فيئًا. وسنورد الآيتين عندما نعرض لفعل عمر. ونقل ابن زنجويه (١) كلام أبي عبيد كلام من يأخذ به , وما أحسب السرخسي إلا قد اطلع على ما نقلناه أو على ما نقله أحدهما. ومع أن موضوع الاختلاف حول اعتبار الأرض المفتتحة عنوة غنيمة أو فيئًا ليست له علاقة مباشرة بالموضوع الذي نحن بصدده من تحديد طبيعة العلاقة مشاكلة أو مغايرة - بين المزارعة ومعاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر، فإن كلا من الموضوعين يشبه الآخر في إقرار حقيقة أن تصرف رسول الله ﷺ في أرض خيبر معاملة وقسمة كان متأثرًا بالظرفية التي لابست فتح خيبر. فالمسلمون يومئذ , وخاصة المهاجرين , لم يكونوا على سعة من الرزق يقوم معها الحذر من أن تخويلهم المزيد من الأرض قد ينقلهم من حالة الكفاف إلى حالة الترف على حساب أجيال مقبلة. والفتوحات ما فتئت في أول عهدها، ورسول الله ﷺ يعلم بالوحي والمكاشفة كيف ستتسع وستتمادى، لذلك أخذ بقسمة الأرض ولم يأخذ بمبدأ وقفها اعتبارًا للظرف الذي كان يحيط بالمسلمين آنئذ، وهو الذي تكيفه الحاجة إلى مزيد من موارد المال ومصادر الكسب لتحقيق الكفاف وللحصول على موارد ضرورية للاستعداد لما يستقبلون من فتوحات تستوجب المزيد من السلاح والعتاد.

стр. 3784

على حين أنهم لم يكونوا يملكون الخبرة الكافية في رعاية حقول النخل والمزيد من غراستها والعمل من أجل توفير ثمارها ولم يكونوا يملكون أيضًا وفرة من اليد العاملة حتى ولو كان منهم من يملك الخبرة لذلك , وذلك ما جعل رسول الله ﷺ يعيد الأرض إلى أهل خيبر بعد أن أجلاهم عنها بطلب منهم أو بدعوة منهم على اختلاف الروايات ويقرهم فيها على حين على الشرط الذي اشترطه، وهو أن قرارهم فيها ليس مؤبدًا بل هو معلق بمشيئة المسلمين في بعض الروايات أو بمشيئة الله في روايات أخرى، ولا تنافي بين هذه وتلك، وقد سبق أن أوردنا مختلف هذه الروايات فيما نقلنا من الأحاديث والروايات المختلفة والمتصلة بمعاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر , وننقل هنا جزءًا من أثر طويل رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري تذكرة بمجمل ما ورد في الآثار التي نقلناها سابقًا، وترجيحًا منا لهذا الذي رواه الزهري عن غيره من تلك الآثار قال (١) ولم يكن لرسول الله ﷺ عمال يعملون خيبر ولا يزرعونها , قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ دعى يهود خيبر , وكانوا خرجوا على أن يسيروا منها , فدفع إليهم خيبر على أن يعملوها على النصف , فيؤدونه إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه. وقال لهم رسول الله ﷺ : ((أقركم على ذلك ما أقركم الله)) ... إلخ. وإنما رجحنا هذا الأثر وما شاكله؛ لأن الحادثة كما نتصورها أن يهود خيبر عرضوا على رسول الله ﷺ بعد أن نزلوا على حكمه بالجلاء - أن يبقيهم في خيبر يعملونها بخبرتهم وأيديهم المتفرغة للعمل فيها وغير المنشغلة بشيء آخر انشغال المسلمين بالفتوح , وأن ينفقوا في عملها وصيانتها من أموالهم. فأظهر الإباء عليهم حتى إذا استكمل إخضاعهم بأن اتخذوا طريقهم منفذين للجلاء صاغرين أذلة، دعاهم ليعيدهم إلى الأرض التي أجلاهم عنها على شرطه ومنة منه ليظهر لهم أنه لم يكن بحاجة إلى عملهم ولا إلى خبرتهم ولا إلى أموالهم وإنما هو المن عليهم والرحمة بهم إبرازًا لما أراد أن يقر في أنفسهم من صورة المعاملة الإسلامية المتسمة بالرحمة والإكرام والإسماح. مهما يكن، فإن خيبر الغنية قصتها بألوان من التشريع كانت من أبرز مصادر الاعتبار الشرعي لتأثير مقتضيات الظروف والملابسات في تكييف أحكامه تعليلًا وتطبيقًا ومناطًا.

стр. 3785

وقد حاول البعض من الفقهاء والمتفقهة أن يجد في قسمة رسول الله ﷺ جانبًا من أرض خيبر مصدرًا للحديث عن ملكية المحارب لقسطه من الغنيمة متى تتحقق؟ أو بتعبيرأدق: متى يستحق المحارب قسطه من الغنيمة؟ ومضى هؤلاء وأولئك في جدل ملأوا به الصفحات حول تحديد وقت هذا الاستحقاق، أهو يتعين عند الحصول على الغنائم أم لا يتعين إلا عند قسمتها؟ وطبيعي أن هذا الجدل ليس من شأننا الآن، بيد أننا نعرض له؛ لأنه قائم على قاعدة لا نسلمها لهم , وهي أن الإمام أو ولي الأمر مجرد منفذ في شؤون الغنائم , ليس له إلا تطبيق نصوص أمامه تطبيقًا حرفيًا لا تتحكم فيه ظروف ولا أوضاع ولا اعتبارات غير ما ينطبق به النص الحرفي الواجب تطبيقه عليه، في حين أن عمل رسول الله ﷺ وعمل عمر ﵁ الذي سنعرض له من بعد في الأراضي المفتوحة ينهض- ولا أقول ينهضان , لأنهما في تقديري عمل واحد اختلفت مظاهره - على قاعدة أغفلوها أو غفلوا عنها في جدلهم هذا، وهي أن أمر الأراضي المفتوحة مرجعه إلى الإمام أو ولي الأمر أيا كان الاعتبار النظري للوقت الذي تتعين فيه ملكية المحارب لقسمه من الغنائم، فحتى لو ذهبنا مع القائلين بأن ملكية المحارب تتعين عند الحصول على الغنيمة فإن هذا لا يعني أن الإمام أو ولي الأمر لا يملك أن يتصرف في هذه الملكية إذا أبان له اجتهاده أسبابًا وملابسات يترجح اعتبارها على اعتبار الحق الفردي للمحارب في قسطه من الغنيمة، وهذه الأسباب على تنوعها تشكل ما نسميه بالظرفية التي لا سبيل إلى إغفالها؛ لأن إغفالها يحصر مهمة الإمام أو ولي الأمر مسؤوليته في مجرد التنفيذ التلقائي بدلًا من أن يدع له الاجتهاد بحثًا عن ما من شأنه أن يتجاوز المصلحة الفردية أو ما يظنه غير المسؤول مصلحة فردية إلى ما تقتضيه , وقد تضطر إليه المصلحة العامة لجماعة من المسلمين أو لجميع المسلمين، ومثل هذا التقييد لتصرف الإمام أو ولي الأمر من شأنه أن يجعل اعتبار المصلحة الفردية متحكما في سياسة الجماعة الإسلامية , وهو ما يتنافى مع أبسط مقتضيات النصوص التشريعية من قرآنية وسنية , كما سيتضح لنا بعد حين.

стр. 3786

١١ - أطوار حماية الحمى ودلالاتها قال عبد الرزاق (١) أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عبيد الله بن عباس , عن الصعب بن جثامة قال ابن حجر (تهذيب التهذيب: ج: ٢. ص: ١٨٤. ترجمة: ٤٠٦٥) : الصعب بن جثامة بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الليثي حليف قريش أمه أخت أبي سفيان بن حرب , واسمها فاختة , وقيل: زينب , ويقال: هو أخو محلم بن جثامة , وكان السعد ينزل ودان - بالفتح كأنه فعلان من الود كالمحبة - كما قال ياقوت في (معجم البلدان. ج: ٥. ص: ٣٦٥) : قرية بين مكة والمدينة بينهما وبين هرشى وبينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال قريبة من الجحفة ويقال: ما بينها وبين الجحفة مرحلة , وبينها وبين الأبواء على طريق الحاج في غربيتها ستة أميال. وينسب إليها الصعب هذا قبل أن يهاجر إلى النبي ﷺ ويقال: مات في خلافة أبي بكر ويقال: في آخر خلافة عمر , قاله ابن حبان , ويقال: مات في خلافة عثمان , وشهد فتح اصطخر , فقد روى ابن السكن عن طريق صفوان بن عمر. حدثني راشد بن سعد , قال: لما فتحت اصطخر نادى مناد: ألا إن الدجال قد خرج , فليقيهم الصعب بن جثامة فقال: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يخرج دجال حتى يذهل الناس عن ذكره. الحديث. قال ابن السكن: إسناده صالح. قلت - القائل ابن حجر -: فيه إرسال , وهو يرد على من قال: إنه مات في خلافة أبي بكر. وقال ابن منده: كان الصعب ممن شهد فتح فارس. وقال يعقوب بن سفيان: أخطأ من قال: الصعب بن جثامة مات في خلافة أبي بكر. خطأ بينًا , فقد روى ابن إسحاق عن عمر بن عبد الله , أنه حدثه عن عروة قال: لما ركب أهل العراق في الوليد بن عقبة , كانوا خمسة , منهم الصعب بن جثامة , وللصعب أحاديث في الصحيح من رواية ابن عباس عنه , وذكر ابن الكلبي في الجمهرة أن النبي ﷺ قال في يوم حنين: لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل. وأخرج أبو بكر بن لال في كتاب المصابين من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت قال: آخى رسول الله ﷺ بين عوف بن مالك والصعب بن جثامة , فقال كل منهما للآخر: إن مت قبلي فتراءى لي , فمات الصعب قبل عوف فتراءى , فذكر قصة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) ، قال الزهري: وقد كان لعمر بن الخطاب حمى , بلغني أنه كان يحميه لإبل الصدقة.

стр. 3787

عن معمر , عن الزهري , عن عمر قال لهانئ بن هني (١) مولى له كان يبعثه على الحمى: أدخل صاحب الغنيمة (٢) والصريمة (٣) وإياي , ونعم بن عوف ونعم بن عفان فإنهما إن تهلك نعمهما يرجعان إلى أهل ومال، وأن تهلك نعم هؤلاء يقولون: يا أمير المؤمنين، الماء والكلأ أيسر علي من الدينار والدرهم.

стр. 3788

وقال البخاري (١) حدثنا يحيى بن بكير. حدثنا الليث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي , قال عنه ابن حجر (تهذيب التهذيب: ج: ٨. ص: ٤٥٩ ترجمة: ١٣٢) : أبو الحارث الإمام البصرى يقال: إنه مولى قريش , ولكن أسرته انقرضت في فهم , فنسب إليهم. وأسرته تنسب إلى الفرس وأصبهان , ولكن أنكر عليهما البعض هذا الانتساب، ولد بقرشندة على نحو أربعة فراسخ من فسطاط , وروى عن الكثير من شيوخه وأقرانه ومن هم أصغر منه , ومن أبرزهم نافع وابن أبي مليكة ويحيى بن سعيد والزهري وهشام بن عروة وعطاء بن أبي رباح وبكير الأشج وسعيد المقبري وأبو الزناد وقتادة وأبو الزبير المكي وعبد الله بن أبي جعفر وعبد العزيز الماجشون , وروى عنه خلق منهم شيوخ له مثل محمد بن عجلان وهشام بن سعد. وأقران مثل ابن لهيعة وهشام بن بشير وقيس بن الربيع وعطاف بن خالد , وكانت بينه وبين مالك بن أنس الإمام مودة ومراسلات , بل إن الشافعي كان فيما روي عنه يراه أفقه من مالك وأجمعوا على توثيقه , وإن تكلم بعضهم في رواياته عن بعض شيوخه , فقالوا: إنها مناولة وليست سماعًا ونفى ذلك آخرون والروايات متوافرة عن أحمد في توثيقه والثناء عليه , وكذلك عن يحيى بن معين وإن كان أقل إشادة به من أحمد , وكان غنيًا سخيا كريمًا على أقرانه وتلامذته وضيوفه , ويقال: إن دخله كان كل سنة ثمانين ألف دينار , ومع ذلك لم تجب عليه الزكاة قط. ويروى عن عبد الله بن صالح أنه قال: صحبت الليث عشرين سنة لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس، روي عنه أنه كان يقول: أنا أكبر من ابن لهيعة بثلاث سنين ومع ذلك عاش بعده نحوًا من ثلاث سنين وكانت وفاة ابن لهيعة سنة أربع وسبعين ومائة. وروي أن الليث ولد سنة أربع وتسعين ومات يوم الجمعة نصف شعبان سنة سبع وخمسين ومائة، ﵀ رحمة واسعة. , عن يونس , عن ابن شهاب , عن عبيد الله بن عبد الله بن عنبسة , عن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله))

стр. 3789

وقال - يعني الزهري -: بلغنا ((أن النبي ﷺ حمى النقيع)) قال ياقوت (معجم البلدان. ج: ٥. ص: ٣١٠) : في (نقيع) بعد أن ذكر اشتقاقه , وهو نقيع الخضمات , موضع حماه عمر بن الخطاب ﵁ لخيل المسلمين , وهو من أودية الحجاز , يدفع سيله إلى المدينة , يسلكه العرب إلى مكة منه , وحمى نقيع على عشرين فرسخًا أو نحو ذلك من المدينة , وفي كتاب: نصر النقيع: موضع قرب المدينة , كان رسول الله ﷺ حماه لخيله , وله هنالك مسجد , يقال له: مقمل , وهو من ديار مزينة , وبين النقيع والمدينة عشرون فرسخًا , وهو غير نقيع الخضمات , وكلاهما بالنون والباء فيهما خطأ. وعن الخطابي وغيره , قال القاضي عياض: النقيع الذي حماه النبي ﷺ ثم عمر , هو الذي يضاف إليه في الحديث: غرز النقيع , وفي حديث آخر: يقدح لهن من النقيع. وحمى النقيع على عشرين فرسخًا , كذا في كتاب عياض , ومساحته ميل في بريد , وفيه شجر يستجم حتى يغيب الراكب فيه. واختلف الرواة في ضبطه , فمنهم من قيده بالنون , منهم النسفي وأبو ذر القابسي , وكذا قيد في مسلم عن الصدفي وغيره , وكذلك لابن ماهان , وكذا ذكره الهاوي الخطابي. قال الخطابي: وقد صحفه بعض أصحاب الحديث بالباء , وأما الذي بالباء مدفن أهل المدينة , قال: ووقع في كتاب الأصيلي بالقاف مع النون , وهو تصحيف , وإنما هو بالنون والقاف , وقال أبو عبيد البكري: هو بالباء والقاف , مثل بقيع الغرقد , قال المؤلف ياقوت - يعنى نفسه -: وحكى السهيلي , عن أبي عبيد البكري خلاف ما حكاه عنه عياض. قال السهيلي في حديث النبي ﷺ : ((أنه حمى غرز النقيع)) . قال الخطابي: النقيع: القاع، والغرز: نبت شبه التمام , وفي رواية أبي إسحاق مرفوعًا إلى أبي أمامة , أن أول جماعة جمعت بالمدينة في هزم بني بياضة في بقيع يقال له: بقيع الخضمات. قال المؤلف: هكذا المشهور في جميع الروايات , وقد ذكر ابن هشام: هزم بني التبيت , وسأذكره في هزم إن شاء الله مستوفى، قال السهيلي: وجدته في نسخة أبي بحر بالباء , وكذلك وجدته في رواية يونس عن أبي إسحاق , وذكر أبو عبيد البكري في كتاب معجم ما استعجم من أسماء البقيع أنه نقيع بالنون , وذكر ذلك بالنون والقاف , وأما النفيع بالفاء , فهو أقرب إلى المدينة منه بكثير , وقد ذكرته أنا في موضعه. هكذا نقل هذان الإمامان عن أبي عبيد البكري , إلا أن يكون أبو عبيد جعل الموضع الذي حماه النبي ﷺ وهو حمى غرز البقيع بالباء فقط والله أعلم به , على أن القاضي عياضًا والسهيلي لم أرهما فرقا بينهما ولا جعلاهما موضعين , وهما موضعان لا شك فيهما إن شاء الله. وروي عن أبي مراوح: ((نزل النبي ﷺ بالنقيع على مقمل , فصلى فصليت , وقال: حمى النقيع نعم مرتع الأفراس , يُحمى لهن , ويجاهد بهن في سبيل الله)) . ثم استشهد بأبيات وكلام لبعض العرب.

стр. 3790

وأن عمر حمى السرف قال ياقوت (معجم البلدان. ج: ٤. ص: ٢١٢ وما بعدها) : بعد أن ذكر اشتقاق كلمة سرف , وهو موضع على ستة أميال من مكة وقيل: سبعة وتسعة واثني عشر , تزوج به رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث , وهناك بنى بها , وهناك توفيت. ثم قال القاضي عياض: وأما الذي حمى فيه عمر ﵁ فجاء فيه أنه حمى السرف والربذة كما عند البخاري بالسين المهملة , وفي موطأ ابن وهب: الشرف , بالشين المعجمة وفتح الراء , وكذا رواه بعض رواة البخاري , وأصلحه , وهذا الصواب. وأما سرف , فلا يدخله الألف واللام. ثم قال (معجم البلدان. ص: ٣٣٦) : في كلمة (شرف) بالتحريك , هو المكان العالي. قال الأصمعي: الشرف كبد نجد , وكانت منازل بنى آكل المرار من كندة الملوك , وفيها اليوم حمى ضربة , وفي الشرف الربذة , وهي الحمى الأيمن , والشريف إلى جنبها , يفصل بينهما التسرير , فما كان شرقًا فهو الشريف , وما كان غربا فهو الشرف. ثم قال: وقال غيره: الشرف الحمى الذي حماه عمر بن الخطاب ﵁. والربذة (١) وقال (٢) حدثنا إسماعيل , قال: حدثني مالك , عن زيد بن أسلم , عن أبيه , أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هنيًّا على الحمى , فقال: يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين , واتق دعوة المظلوم , فإن دعوة المظلوم مستجابة , وأدخل رب الصريمة، ورب الغنيمة، وإياي ونعم بن عوف ونعم بن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه , فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين , أفتاركم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق , وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم , فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده , لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله , ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا.

стр. 3791

وقال أبو عبيد (١) حدثنا عبد الله بن صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم , قال عنه الذهبي في (سيرأعلام النبلاء. ج: ١٠. ص: ٤٠٥ وما بعدها. ترجمة: ١١٥) : الإمام المحدث شيخ المصريين أبو صالح الجهني مولاهم المصري كاتب الليث ابن سعد , قد شرحت حاله في ميزان الاعتدال (ج: ٢. ص: ٤٤٠) وما بعدها. ترجمة: ٤٣٨٣) , وليناه , وبكل حال فكان صدوقًا في نفسه من أوعية العلم , أصابه داء شيخه ابن لهيعة , وتهاون بنفسه حتى ضعف حديثه , ولم يترك بحمد الله. والأحاديث التي نقموها عليه معدودة في سعة ما روى. ثم أفاض في سرد شيوخه وتلامذته , وذكر أن مولده سنة سبع وثلاثين ومائة , وكانت وفاته كما ذكر هو وغيره سنة اثنتين وعشرين ومائتين , فيكون قد عُمِّر خمسا وثمانين سنة. قلت: وقد وثقه عدد من النقدة , منهم يحيى بن معين على شدته على الرجال , بل إنه طلب إلى سعيد بن منصور وكان شديدًا عليه أن يمسك عنه , فأبى , وضعفه أحمد وطائفة غيره من النقدة , لكن روى عنه البخاري حديثًا في صحيحه , وعلق له في أكثر من موضع , وروى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه , ودافع ابن حجر (مقدمة فتح الباري. ص: ٤١١ وما بعدها) عن رواية البخاري عنه , وساق جل ما أنكروا من حديثه , وترجم له البخاري في (التاريخ الكبير. ج: ٥. ص: ١٢١. ترجمة: ٣٥٧) , ولم يقل فيه شيئًا مما قاله غيره من النقدة , كما ترجم له الرازي في الجرح والتعديل (ج: ٥. ص: ١٢١. ترجمة: ٣٥٧) , ولم يقل فيه شيئا مما قاله غيره من النقدة , كما ترجم له الرازي في الجرح والتعديل (ج: ٥. ص: ٨٥ وما بعدها. ترجمة: ٣٩٧) , وساق طائفة من أقوالهم فيه , ولكنه كان أميل إلى توثيقه , ومن عجب أن الذهبي ذكره بعبارة تكاد تكون واحدة في كل من الكاشف (ص: ٨٤. ترجمة: ٢٨١١) , وهو خاص بمن يوثقهم , والمغني (ج: ا. ص: ٣٤٢. ترجمة: ٣٢١٣) , وترجم له الخطيب في تاريخ بغداد. (ج: ٩. ص: ٤٧٨. ترجمة: ٥١١٠) , وساق طائفة تكاد تكون وافية مما قال فيه النقدة ونقلوا عنه وفقدوا من حديثه. وذكره ابن حبان في المجروحين (ج: ٢. ص: ٤٠) , وكان شديدًا عليه جدا , إذ قال بصفة الجزم: منكر الحديث جدا , يروي عن الأثبات ما لا يشبه حديث الثقات , وعنده المناكير الكثيرة عن أقوام مشاهير أئمة. ثم عاد فخفف من لهجته , فقال: (وكان في نفسه صدوقًا يكتب لليث بن سعد الحساب , وكان كاتبه على الفلات , وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له رجل سوء. سمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار بينه وبينه عداوة , فكان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح , ويكتب في قرطاس بخط يشبه خط عبد الله بن صالح , ويطرح في داره في وسط كتبه , فيجده عبد الله , فيحدث به , فيتوهم أنه خطه وسمعه. فمن ناحيته وقعت المناكير في أخباره.

стр. 3792

ثم ساق ما ساقه غيره مما أنكروا عنه أو نقدوه من حديثه , وأشده نكرًا عندهم حديث رواه عن الليث بن سعد , عن خالد بن يزيد , عن سعيد بن أبي هلال , عن ربيعة بن سيف قال: كنا عند شقتي الأصبحي , فقال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون خلفي اثنا عشر خليفة)) الحديث. وترجم له ابن عدي في الكامل (ج: ٤. ص: ١٥٢٢) وبعد أن ساق ما ساقه غيره من كلام النقدة فيه ومناكيرهم عنه , قال: ولعبد الله بن صالح روايات كثيرة عن صاحبه الليث بن سعد , وعنده عن معاوية بن صالح نسخة كبيرة. ويروى عن يحيى بن أيوب صدرًا صالحًا , ويروى عن ابن لهيعة أخبارًا كثيرة , ومن نزول رجاله عبد الله بن وهب , وهو عندي مستقيم الحديث , إلا أنه يقع في حديثه في أسانيده ومتونه غلط , ولا يتعمد الكذب , وقد روى عنه يحيى بن معين , كما ذكرت , وذكره في الضعفاء كل من النسائي (ص:١٤٩. ترجمة: ٣٥١) والعقيلي (ج: ٢. ص: ٢٦٧. ترجمة: ٨٢٦) وترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج: ٥. ص: ٢٥٦. الترجمة: ٤٤٨) وساق ما تحدث به عنه وأنكروه. عن الليث بن سعد , عن يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , عن عبيد الله بن عبد الله بن عنبسة , عن ابن عباس , عن الصعب بن جثامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . ثم قال (١) حدثنا ابن أبي مريم , عن عبد الله بن عمر العمري عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العمري , روى عن عدد من صدور الحديث , منهم نافع وزيد بن أسلم وسعيد المقبري وسهيل بن أبي صالح وحامد الطويل , وروى عنه عدد منهم , وفيهم عبد الرحمن بن مهدي والليث بن سعد بن وهب وعبد الرزاق وأبو قتيبة وآخرون , وثقه بعضهم , منهم يحيى بن معين , واختلفت الرواية فيه عن أحمد , واتفقت بتضعيفه عن يحيى بن سعيد , وأجمعوا على فضله , وأحسب أن ممن تكلم فيه من تحرج منه , لأنه خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن فحبسه المنصور , ثم خلاه , ولعلهم رأوا فيه لوثة شيعية على أن هذا مجرد ظن مني. توفي ﵀ ما بين سنة إحدى وسبعين وثلاث وسبعين ومائة على اختلافهم في ذلك , وقد روى عنه مسلم والأربعة انظر ترجمته (ابن حجر، تهذيب التهذيب. ج: ٥. ص: ٣٢٦. ترجمة: ٥٦٤) وسائر مصادر الجرح والتعديل. عن نافع , عن ابن عمر قال: ((حمى رسول الله ﷺ النقيع وهو موضع معروف بالمدينة لخيل المسلمين)) .

стр. 3793

وحدثنا عبد الله بن صالح , عن الليث , عن هشام بن سعد , عن زيد بن أسلم , عن أبيه أنه قال: سمعت عمر وهو يقول لهني حين استعمل على حمى الربذة: يا هني , اضمم جناحك عن الناس , واتق دعوة المظلوم , فإنها مجابة , وأدخل رب الصريمة والغنيمة , ودعني من نعم بن عفان ونعم بن عوف , فإنهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع , وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاء يصرخ: يا أمير المؤمنين، أفالكلاء أهون علي أم غرم الذهب والورق؟ وإنها لأرضهم , قاتلوا عليها في الجاهلية , وأسلموا عليها في الإسلام، إنهم ليرون أنا نظلمهم , ولولا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس شيئًا من بلادهم أبدًا. قال أسلم: فسمعت رجلًا من بني ثعلبة يقول له: يا أمير المؤمنين , حميت بلادنا , قاتلنا عليها في الجاهلية , وأسلمنا عليها في الإسلام. يرددها عليه مرارًا , وعمر واضع رأسه إليه , ثم إنه رفع رأسه إليه , ثم قال: البلاد بلاد الله , ويحمي النعم مال الله , يحمل عليها في سبيل الله. حدثنا إسحاق بن عيسى , عن مالك بن أنس , عن زياد بن أسلم , عن عامر بن عبد الله بن الزبير - قال أبو عبيد: أحسبه عن أبيه – قال: أتى أعرابي عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية , وأسلمنا عليها في الإسلام على ما تحميها، قال: فأطرق عمر , وجعل ينفخ ويفتل شاربه - وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ - فلما رأى الأعرابي ما به , جعل يردد ذلك عليه , فقال عمر: المال مال الله , والعباد عباد الله , والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر. قال مالك: بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفًا من الظهر. وكان مالك بن أنس يأخذ بالحديث المرفوع الذي في النقيع قال: السنة أن يحمى النقيع لخيل المسلمين إذا احتاجوا إلى ذلك , ولا يحمى إلى غيرها. قيل له: فلإبل الصدقة؟ قال: لا، ولو جاز ذلك لحجرت الأحماء.

стр. 3794

وأما سفيان بن سعيد فيروى عنه أنه قال: قد أبيحت الأحماء. وقال ابن زنجويه (١) : أخبرنا عبد الله بن صالح , حدثني الليث , حدثني يونس , عن ابن شهاب قال: ((بلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع , وأن عمر حمى الشرف والربذة)) . أخبر ابن أبي أويس إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس الأصبحي بن أبي أويس ابن أخت مالك ونسيبه , كما يقول ابن حجر (تهذيب التهذيب ج: ١. ص: ٣١٠. ترجمة: ٥٦٢) , روى عن عدد , منهم خاله مالك , وأكثر عنه , ومنهم سلمة بن وردان وابن أبي الزناد وعبد العزيز الماجشون وسليمان بن بلال , وأخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه , وتكلم فيه النسائي فاشتد عليه , وزعم البعض أنه قرأ من كتابه اعترافًا له بأنه ربما وضع الحديث لبعض أهل المدينة فيما اختلفوا فيه , لكن ذكرت بعض الروايات عن أحمد أنه قال: لا بأس به. وكذلك عن ابن معين , ووصفه بعضهم بأنه مغفل ضعيف العقل , وزعم آخرون أنه ارتشى من تاجر عشرين دينارًا حتى باع على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة , وإن صح هذا , فلعله تأوله جعلا , وليس ارتشاء , وقد أبدوا وأعادوا بالقول فيه , بيد أن روايتي الشيخين والترمذي وأبي داود وابن ماجه عنه وتوثيق أبي حاتم له وبعض ما روى عن أحمد وابن معين فيه , كل ذلك يدعو إلى الارتياب في أقاويلهم وما أكثر ما تقول بعضهم في بعض , يغفر الله لهم. حدثني مالك , عن عمه أبي سهل بن مالك (٢) عن أبيه , (٣)

стр. 3795

أن عمر بن الخطاب قال ليرفأ (١) كم تعلفون هذا الفرس؟ قال: ثلاثة أمداد أو صاعًا، شك أيُّ ذلك أو يقول، فقال له عمر: إن هذا لكاف أهل بيت من العرب , فقال يرفأ: يا أمير المؤمنين , أما ترد عليه إبل الصدقة؟ فقال عمر: أنت تقول ذلك , والذي نفسي بيده لتعالجن من ذا النقيع. أخبرنا ابن أبي أويس , حدثني مالك , عن زيد بن أسلم , عن أبيه , أن عمر استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى , فقال له: يا هني , اضمم جناحك عن المسلمين , واتق دعوة المظلوم , فإن دعوة المظلوم مستجابة , وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياي ونعم بن عفان ونعم بن عوف , فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل , وأن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه , فيقول: يا أمير المؤمنين , فتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب , وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم , إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية , وأسلموا عليها في الإسلام , والذي نفسي بيده , لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا. أخبرنا عبد الله بن صالح , عن الليث بن سعد , عن زيد بن أسلم , عن أبيه قال: سمعت عمر وهو يقول لهني حين استعمله على حمى الربذة ... فذكر نحوه , وزاد فيه قال: قال أسلم: فسمعت رجلًا من بني ثعلبة يقول له: يا أمير المؤمنين , حميت بلادنا، قاتلنا عليها في الجاهلية , وأسلمنا عليها في الإسلام. يرددها عليه مرارًا , وعمر رافع رأسه , ثم إنه رفع إليه رأسه , فقال: البلاد لله , ونحمي النعم مال الله يحمل عليه في سبيل الله. قال أبو داود (٢) حدثنا بن سرح. أخبرنا وهب. أخبرني يونس , عن ابن شهاب , عن عبيد الله بن عبد الله , عن ابن عباس , عن الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . قال ابن شهاب: ((وبلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع.)) .

стр. 3796

حدثنا سعيد بن منصور. حدثنا عبد العزيز بن محمد وعبد الرحمن بن الحرث , عن ابن شهاب , عن عبيد الله بن عبد الله , عن عبد الله بن عباس , عن الصعب بن جثامة , أن النبي ﷺ حمى النقيع , وقال: ((لا حمى إلا لله ) . وقال ابن حبان (١) : أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى , قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي , قال: حدثنا عبد الله بن نافع , قال: حدثنا عاصم بن عمر , عن عبد الله بن دينار , عن ابن عمر ((أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين)) . أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب , قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم , قال: حدثنا يحيى بن حمزة , عن الزبيدي , عن الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله , عن ابن عباس , عن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . أخبرنا الحسن بن عبد الجبار. حدثنا يحيى بن معين , حدثنا علي بن عياش. حدثنا شعيب بن أبي حمزة , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حمى إلا لله ) . وقال البيهقي (٢) أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان. أنبأ أحمد بن عبيد الصفار. حدثنا ابن ملحان وعبيد بن شريك , قالا: حدثنا يحيى , حدثنا الليث , عن يونس , عن ابن شهاب , عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة , عن ابن عباس , عن الصعب بن جثامة , أن رسول الله ﷺ قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . قال: وبلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع , وأن عمر بن الخطاب حمى الشرف والربذة. أخبرنا أبو الحسن بن بشران العدل ببغداد. أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار. أنبأ أحمد بن منصور الرمادي. حدثنا عبد الرزاق. أنبأ معمر , عن الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة , عن ابن عباس , أن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . قال الزهري ﵀: فكان لعمر بن الخطاب حمى , بلغني أنه كان يحميه لإبل الصدقة.

стр. 3797

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ. حدثنا أبو عوانة محمد بن أحمد بن مهان الحراني بمكة. حدثنا محمد بن علي بن زيد. حدثنا سعيد بن منصور. حدثنا عبد العزيز بن محمد. حدثنا عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة , عن الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله , عن ابن عباس , عن الصعب بن جثامة , أن رسول الله ﷺ حمى النقيع , وقال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو. أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار. حدثنا محمد البرتي. حدثنا القعنبي , حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب , عن نافع , عن ابن عمر ((أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين ترعى فيه)) . أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن الحسن العدل. أنبأ أبو بكر محمد بن جعفر المزكي. حدثنا محمد بن إبراهيم العبدي , حدثنا ابن بكير , حدثنا مالك , عن زيد بن أسلم , عن أبيه , أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى , وقال له: يا هني , اضمم جناحك عن المسلمين , واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإيإي ونعم بن عفان ونعم بن عوف , فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع , وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه , فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر عليك (١) من الذهب والورق، وايم الله، إنهم ليروني أني قد ظلمتهم أنها لبلادهم , قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده , لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله , ما حميت على الناس في بلادهم شبرًا.

стр. 3798

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ. حدثنا علي بن عيسى الحيري. حدثنا محمد بن عمرو الحرشي. حدثنا يحيى بن يحيى , أنبأ المعتمر بن سليمان التيمي. حدثنا أبي. حدثنا أبو نضرة , عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري , قال: سمع عثمان بن عفان ﵁ أن وفد أهل مصر قد أقبلوا , فاستقبلهم , , فلما سمعوا به , أقبلوا نحوه , قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة , فأتوه , فقالوا له: ادع بالمصحف , وافتح السابعة , وكانوا يسمون سورة يونس السابعة , فقرأها , حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١) قالوا له: قف , أرأيت ما حميت من الحمى , الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه , نزلت في كذا وكذا , فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة , فلما رأيت زادت إبل الصدقة , فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة. أخبرنا أبو الحسين بن بشران. أنبأ أبو محمد الدعلج بن أحمد بن دعلج. حدثنا محمد بن علي بن زياد. حدثنا سعيد بن منصور. حدثنا يونس بن أبي يعفور , عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر: اشتريت إبلًا , وأنجعتها إلى الحمى , فلما سمنت , قدمت بها، قال: فدخل عمر بن الخطاب ﵁ السوق , فرأى إبلًا سمانًا , فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ ابن أمير المؤمنين، قال: فجئته أسعى , فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل إنضاء اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى , أبتغي ما يبتغي المسلمون. قال: فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر اغد على رأس مالك , واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.

стр. 3799

وقال الحاكم (١) حدثنا علي بن عيسى. حدثنا محمد بن عمرو الحرشي. حدثنا يحيى بن يحيى. أنبأنا المعتمر بن سليمان التيمي. حدثنا أبي. حدثنا أبو نضرة , عن أبي سعد مولى أبي أسيد الأنصاري , قال: سمع عثمان بن عفان ﵁ أن وفد أهل مصر قد أقبلوا نحوه , قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة , قال: فأتوه , فقالوا له: ادع بالمصحف , وافتتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس السابعة , فقرأها , حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فقالوا له: قف أرأيت ما حميت من الحمى , الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه , نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر قد حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت وزادت إبل الصدقة , فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة. وقال الطبري (٢) في مساق الحديث عن المتحزبين على عثمان ﵁ وقد اجتمع منهم نفر وأحاطوا بالمنبر , وأحاط بهم أصحاب رسول الله ﷺ , وكان عثمان على المنبر يناظرهم، فكان مما جرى بين الفريقين: قالوا: وحميت الحمى , وإني والله ما حميت، حُمي قبلي , والله ما حموا شيئًا لأحد , ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة , ثم لم يمنعوا من رعيه أحدًا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها , لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحو منها أحدًا إلا من ساق درهمًا وما لي من بعير غير راحلتين , وما لي ثاغية ولا راغية , وإني قد وليت، وإني أكثر العرب بعيرًا وشاء , فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال (٣) في رواية أخرى وكلتاهما عن سيف سيف بن عمر التيمي البرجمي - بضم الباء والجيم نسبة إلى البراجم قبيلة من تميم - ويقال: السعدي , ويقال: الضبعي , ويقال: الأسدي , هكذا قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج: ٤. ص: ٢٩٥. ترجمة: ٥:٦) , وقال غيره: الأسيدي الكوفي صاحب كتاب الردة والفتوح , روى عن عبد الله بن عبد الله العمري وأبي الزبير وابن جريج وإسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد ومحمد بن إسحاق والكلبي وآخرين , وعنه النضر بن حماد العتكي ويعقوب بن إبراهيم , ويظهر أنه هو أيضًا روى عن يعقوب كما في هذه الرواية المنقولة عن الطبري , وسعد أخيه - ويظهر أنه هو وشعيب الذي ورد في النسخة المطبوعة بدار المعارف من تاريخ الطبري خطأ - والمحاربي وجماعة.

стр. 3800

قال ابن معين (التاريخ. ج: ٢. ص: ٢٤٥. ترجمة: ٢٢٦٢) : سيف بن عمر يحدث عنه المحاربي , وهو ضعيف. ونقل عنه ابن حجر – ولم نجد في التاريخ – قوله: فليس خير منه. وقال الرازي في (الجرح والتعديل. ج: ٤. ص: ٢٧٨. ترجمة: ١١٩٨) : سئل أبي عن سيف بن عمر الضبي , فقال: متروك الحديث لشبه حديثه حديث الواقدي , ونقل ابن حجر عن أبي داود قوله: ليس بشيء , وعن النسائي والدارقطنى ضعيف متروك. قلت: الذي في الضعفاء للنسائي كلمة ضعيف وحدها , كما أنها ليست عند الدارقطنى , والذي في كتابه (الضعفاء والمتركين. ص: ١٠٤. ترجمة: ٢٨٣) سيف بن عمر الأسيدي كوفي عن العالم الكوفيين والبصريين والحجازيين، ومع غموض العبارة لا نجد فيها كلمة الترك وإن كان اسم الكتاب الضعفاء والمتروكين. ونقل ابن عدي في (الكامل. جـ ٣. ص: ١٢٧١) عن يحيى بن معين ما نقله ابن حجر - ولعله نقله عنه - قوله في سيف: فليس خير منه. وأسند إليه حديثًا عن المعلمين , وتعقبه بقوله: هذا حديث منكر الموضوع , وقد اتفق في هذا البحث ثلاثة من الضعفاء , فرووه: عبيد بن إسحاق الكوفي العطار , يلقب عطار المطلقات , ضعيف , وسيف بن عمر الضبي كوفي - لاحظ جيدا قوله: كوفي - وسعد الإسكاف كوفي ضعيف , وهو أضعف الجماعة , فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته , ثم أسند إليه أربع أحاديث , ثم قال: ولسيف بن عمر أحاديث غيرها ذكرت , وبعض أحاديثه مشهورة , وعامتها منكرة , لم يتابع عليها , وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. قلت: مما أنكر عليه ابن عدي أو ضعفه حديث يبرئه من تهمة التشيع - فقد قال ابن عدي: حدثنا صدقة , حدثنا عبد الله. حدثنا عمي. حدثنا سيف بن عمر , عن عطية بن الحارث , عن أبي أيوب. وعن علي وعن الضحاك , عن ابن عباس. وعمرو بن محمد , عن الشعبي وسعيد بن جبير , عن أبي عباس قالوا: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ - الآية رقم: (٣) من سورة التحريم – وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه (الضعفاء. ص: ٩١. ترجمة: ٩٥) : سيف بن عمر الضبي - الكوفي متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث , لا شيء. قلت: يظهر أنه تأثر بابن حبان الذي قال في كتابه (المجروحين. ج: ١. ص: ٢٤٥ و٢٤٦) : من أهل البصرة - لاحظ قوله من أهل البصرة واتفاق غيره على أنه كوفي - واتهم بالزندقة , يروي عن عبد الله بن عمر - يعني العمري - روى عنه المحاربي والبصريون , كان أصله من الكوفة يروي الموضوعات عن الأثبات.

стр. 3801

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام ببيروت. سمعت الجعفر بن أبان , يقول: سمعت ابن نمير , يقول: سيف الضبي تميمي , كان جمع يقول: حدثني رجل من بني تميم , وكان سيف يضع الحديث , وكان قد اتهم بالزندقة. ونقل ابن حجر عن الحاكم قوله: اتهم بالزندقة , وهو في الرواية ساقط , وذكره الذهبي في (الكشاف. ج: ١. ص: ٣٣٣. ترجمة: ٢٢٤٥) , ضعفه ابن معين وغيره , ولكنه قال في المغني (ج: ١. ص: ٢٩٢. ترجمة: ٢٧٦) : متروك باتفاق , ونقل عن ابن حبان اتهامه بالزندقة وبرواية الموضوعات , ثم قال: أدرك التابعين , وقد اتهم. قلت: لا أدري من أين جاءه زعم الاتفاق على تركه، فإن صح الاتفاق فعلى ضعفه , وليس على تركه , وقد ذكروا جميعًا أن الترمذي روى عنه. وقال في الميزان (ج: ٢. ص: ٢٥٥. ترجمة: ٣٦٣٧) : هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وجابر الجعفي وخلق كثير من المجهولين , كان إخباريًا عارفًا , روى عنه جبارة بن المغلس وأبو معمر القطيعي والنضر بن حماد العتكي وجماعة. ثم ساق روايات من ضعفوه أو اتهموه أو تركوه , ونقل أحاديث مما أسند إليه ابن عدي , ثم قال: مات زمن الرشيد. قلت: هذه محصلة كلامهم عنه , وما نعرف من اشتد عليه مثل أبي حاتم وابن حبان , وهذا أشد , لكن روى عنه الترمذي , وإن أنكر حديثًا من مروياته وأسند إليه الطبري في تاريخه نحوا من ٢٦٩ مرة ومثل الطبري في علمه وتقواه وتحريه وبصره بالحديث وتوقيره له وتثبته فيه , لا يعقل أن يسند مثل هذا العدد من الروايات المتصلة بتاريخ الإسلام وجانب منها متصل بسيرة رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين إلى راو ممن يصح أن يقال فيه: متروك، أو يتهم بالزندقة أو الوضع. ويتراءى لنا أنه أصيب به الواقدي وابن الكلبي وغيرهما من الإخباريين , فبالاستقراء نكاد نجزم أن نقدة الحديث كان رأيهم سيئا في الإخباريين غالبًا , وقد تكون نزعة الجمع والحشد تهيمن على الإخباريين , فتمنعهم من شدة التحري والتثبت فيما ينقلون من حديث رسول الله ﷺ , بيد أننا نشعر بالحرج الشديد من التهم التي يلصقونها بهم لمجرد أنهم إخباريون , وإذا اتهمنا سيفًا بالوضع أو وصفنا حديثه بالترك , فإن نتيجة ذلك ستجعلنا نشك في جانب كبير , ولعله الأكبر من روايات الطبري في تاريخه , وإذن فستضطرب معارفنا من تاريخ الإسلام في عهوده الأول , وهي عهود التشريع وقد تنهار , والذي يتراءى لنا أن سيفًا كانت له نزعة سياسية , ولعله كان عباسي النزعة , ولعله أسهم في الدعوة العباسية , فكان خصوم نزعته يحاربونه - كما هو الشأن في الصراعات السياسية - غالبًا – بمختلف وسائل الحرب وأيسرها وأفعلها الاتهام في الدين والأمانة , لذلك فنحن نستقبل كلامهم في سيف أمثاله من الإخباريين بكثير من التحفظ والتحرج. قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي , قال: حدثنا أبي , قال: حدثنا أبو نضرة , عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان , أن وفد أهل مصر قد أقبلوا , قال: فاستقبلهم , وكان في قرية له خارجة عن المدينة - أو كما قال - فلما سمعوا به , أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه , قال: وكره أن يقدموا عليه بالمدينة أو نحو من ذلك , قال: فأتوه , فقالوا له: ادع بالمصحف , قال: فدعى بالمصحف , فقالوا له: افتح التاسعة (١) قال: وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ قال: قالوا له: قف , فقالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى , الله أذن لك أم على الله تفتري؟ قال: فقال: امضه , نزلت في كذا وكذا , قال: وأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة , فلما وليت زادت إبل الصدقة , فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة، إلى آخر القصة. وذكر ابن كثير (٢) ما يشبه هذه القصة، لكن نسب القول إلى علي لا إلى عثمان، فكان مما جاء في سياق قوله: فانطلق علي بن أبي طالب إليهم – يعني إلى المتحزبين من الأنصار على عثمان - وهم بالجحفة , وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم , فرجعوا على أنفسهم بالملامة , وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمر بسببه - ويظهر أن أصحاب هذه المقولة من المصريين إذ كان هوى المصريين مع علي أيام الفتنة على عثمان - وتحتجون عليه به، ويقال: إنه ناظرهم على عثمان , وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى الحمى. إلى آخر ما نقل من مقولاتهم. ثم قال: فأجاب علي عن ذلك، أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن , ولم يحمه لإبله ولا لنفسه , وقد حماه عمر من قبله. إلى آخر القصة.

стр. 3802

وأشار ابن أعثم الكوفي (١) وهو مؤرخ الفتوح إلى هذه القصة , ولكن بشكل مختلف , ولعلها تعددت عندئذ لتعدد محاولات عثمان إقناع خصومه , فقال: ثم دخل - أي عثمان - منزله وأغلق بابه وصعد إليهم وكلمهم من السطح قائلًا: أيها الناس , ماذا تريدون مني؟ وأي عمل من أعمالي لا توافقون عليه حتى أبدله؟ وما هدفكم حتى أحققه لكم وأحصل على رضاكم؟ فأجابوا: لقد حجزت عنا ماء المطر ومنعت مواشينا من ورود ذلك الماء، فقال عثمان: لقد حجزت الماء من إبل الصدقة، والآن إذا كان هذا لا يرضيكم , فهو لكم , فافعلوا به ما تشاؤون , فقالوا: لقد حجزت ذلك الماء أكثر مما حجزه عمر ﵁ وقال: لقد كثرت إبل الصدقة في هذه الأيام , فلذلك اشتدت الحاجة إلى الماء، ولهذا كنت قد حجزت الماء. إلى آخر القصة. وانفراد مؤرخ الشيعة لتخصيص الماء بالحماية أو بأنه علة الحماية , يحمل على التساؤل عن الحافز إلى هذا التخصيص , إلا أن يكون أطلق الماء على الكلأ باعتباره سببًا لنياته. ثم لماذا اجتنب كلمة الحمى أو أية كلمة مشتقة منها؟ لعله ممن ينكر الحماية أصلًا , وهو شذوذ. وقال مالك (٢) عن زيد بن أسلم عن أبيه , أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى , فقال: يا هني , اضمم جناحك على الناس , واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة , وأدخل رب الصريمة والغنيمة , وإياي ونعم بن عفان وابن عوف , فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته فيأتي ببنيه , ويقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين , أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق , وايم الله أنهم ليرون أن قد ظلمتهم , إنها لبلادهم ومياههم , قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام , والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حبست عليهم من بلادهم شبرًا. وقال الشافعي (٣) أخبرنا سفيان ابن عيينة , عن الزهري , عن عبد الله بن عبد الله , عن ابن عباس , عن الصعب بن جثامة , أن رسول الله ﷺ قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) .

стр. 3803

أخبرنا عبد العزيز بن محمد , عن زيد بن أسلم , عن أبيه , أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له , يقال له: هني , على الحمى , فقال له: يا هني , ضم جناحيك للناس , واتق دعوة المظلوم , فإن دعوة المظلوم مجابة , وأدخل رب الصريمة، والغنيمة، وإياك ونعم بن عفان ونعم بن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع , وإن رب الغنيمة والصريمة يأتي بعياله , فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين , أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء أهون علي من الدراهم والدنانير , وايم الله لعلى ذلك أنهم ليروني أني ظلمتهم , إنها لبلادهم , قاتلوا عليها في الجاهلية , وأسلموا عليها في الإسلام , ولولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على المسلمين من بلادهم شبرًا. وقال أحمد (١) حدثنا قراد قراد بضم القاف , عرف به عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي , ويقال: الضبي أبو نوح. قال ابن حجر (تهذيب التهذيب ج: ٦. ص: ٢٤٧. ترجمة: ٤٩٥) : سكن بغداد , وروى عن جرير بن حازم وشعبة وعكرمة بن عمار والليث بن سعد ومالك وآخرين , وعنه ابناه محمد وغزوان وأبو معاوية ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وخلق غيرهم , ونقل عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قوله: كان عاقلًا من الرجال. وعن ابن معين قوله: صالح ليس به بأس. وعن أبي حاتم: صالح. وعن المدينى بن نمير ويعقوب بن شيبة وابن سعد: ثقة. قال: وذكره ابن حبان في الثقات , وقال - يعني ابن حبان -: كان يخطئ , يتخالج في القلب منه لروايته , عن الليث , عن مالك , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة قصة المماليك. وهذه القصة هي ما روي عن مالك , عن عائشة , أن رجلًا من أصحاب النبي ﵌ جلس بين يديه , فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبوننى ويخونونني ويعصونني , وأضربهم وأسبهم , فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم. ونقل ابن حجر عن الدارقطني قوله: قال لنا أبو بكر - يعنى النيسابوري -: ليس هذا من حديث مالك , وأخطأ فيه قراد. ثم ذكر له سند آخر. قال أحمد: هذا باطل مما وضع الناس , وليس كل الناس يضبط هذه الأشياء، وقال أحمد عن عبد الرحمن هذا: لم يكن يعرف حديث الليث , وإن كان له فضل وعلم , على أن الدارقطني وثق قرادا في الجرح والتعديل , كما يقول ابن حجر: وروى الرازي عن أبيه أنه صدوق , وقد أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. أنبأنا عبد الله بن عمر , عن نافع , عن ابن عمر ((أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيله)) .

стр. 3804

حدثنا حماد بن خالد , عن عبد الله , عن نافع , عن ابن عمر , أن النبي ﷺ حمى النقيع للخيل قال حماد: فقلت له: (وفي لفظ: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن) - يعني العمري - لخيله؟ قال: لا , لخيل المسلمين. حدثنا مصعب , هو الزبيري , قال: حدثني عبد العزيز بن محمد , عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش المخزومي , عن ابن شهاب , عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود , عن عبد الله بن عباس , عن الصعب بن جثامة , أن رسول الله ﷺ حمى النقيع وقال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) . ومن مجموع هذه الأحاديث والآثار يتجلى: أ - أن الحمى لم يحدث في الإسلام إلا حوالي السنة الثامنة من الهجرة أو بعدها بقليل، ذلك بأن رسول الله ﷺ كان أول مسلم اقتنى فرسًا حتى قيل: إن الفرسين الوحيدين اللذين كانا مع المسلمين في غزوة أحد كانا ملكًا له، وقيل غير ذلك (١) وغيرهما من كتب السيرة ومدونات الحديث. وواضح أن حماية النقيع ومساحته ميل في بريد , وهو مكان كثيف الأشجار وافر المياه , لا يتصور أن يحدث لمجرد اتخاذ مرعى خاص لخيل المسلمين، ولكن لأن الحاجة اشتدت إلى تخصيص ذلك المرعى بعد أن تكاثرت النعم والخيل في أيدي المسلمين , فكان لزامًا أن تخص الحيوانات العمومية - إن صح هذا التعبير بمرعى لا تزاحم فيه ولا يضيق عليها , ولا تكون عرضة فيها لأن تستهلك ما بها من ماء وكلأ دواب الخاصة من المسلمين، وهذا يعني أنه لم تكن قد تكاثرت الدواب التابعة للملك العام فحسب , وإنما كانت قد تكاثرت أيضًا وبشكل مواز - اعتبارًا كما يقتضيه مدلول تكاثر الملك العام من الدواب والحاجة إلى تخصيص مرعى له - الدواب الخاضعة لملكية الأفراد ونتيجة لما أسفرت عنه الغزوات والسرايا من غنائم تزداد وفرتها مع تكاثرها، ونتيجة أيضًا لليسر الذي أصبح عليه المسلمون من الاستقرار الاقتصادي الأخذ في النماء والرسوخ للمدينة المنورة والمناطق الخاضعة لنفوذها ثم للحجاز كافة بعد فتح مكة مما أتاح للمسلمين الأموال اللازمة لاقتناء الخيل استجابة لضرورات الحرب ولترغيب رسول الله ﷺ في اقتناء الخيل ووصفه الخيل بأن في نواصيها الخير. في أحاديث مشهورة.

стр. 3805

ب - فلما كان عهد عمر نشأت حاجة أخرى ليس للاحتفاظ بحمى النقيع فحسب، بل بحماية مناطق أخرى، ذلك بأن إبل الصدقة تكاثرت على حين اتسع نطاق الغزو , وترامت ثغوره , وتعددت مواقع الفتوحات , وكثر المسلمون , وكانت الرغبة لديهم في الجهاد شديدة ملحة، وكان على عمر أن يستجيب لمقتضيات كل هذه العوامل، وأول ما تقتضيه الاستجابة أن يجد أماكن خاصة لرعي ما يخضع للملك العام من الدواب , وخاصة الإبل التي كانت تجلب من الصدقة , ولم يكن من الحكمة توزيعها كلها , ولا كان ذلك من المشروع أيضًا , ففي المسلمين عامة كفاية لمعاشهم بما قدر لهم جميعًا من أعطيات , وبما يقسم على الفقراء والمساكين وغير هؤلاء من المستحقين في الصدقات من أنصبتهم تبعًا لاستحقاقهم، ثم إن للصدقات مصارف أخرى , من بينها ما هو ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وكل ذلك اضطر عمر إلى أن يحمي مناطق تتوفر فيها الحاجات الضرورية لصيانة دواب المسلمين وإنمائها , ومنها الربذة وما حولها. ج - وقد يقال: إن النقيع لم يكن ملكًا لأحد , وأن القبائل التي كانت ترتاده أو يعرف بها لم تكن علاقتها به إلا الانتجاع , وهو قول لا يمكن التسليم به، بيد أننا لا نريد أن نناقشه في هذا المجال، لكن ماذا يمكن أن يقال في الربذة وما حولها؟ فهي بنص حديث عمر على اختلاف رواياته ملك لمن حاجوه في شأنها , قاتلوا عليها في الجاهلية , وأسلموا عليها في الإسلام , وهذا يعني أنها كانت مستقرًا لهم , لا يريمون عنه أو كانت خاصة بهم، يختلفون إليها لا تعتدي عليهم فيها قبيلة أخرى , فإن اعتدت قاتلوها فأجلوها. وهذا ما لم ينكره عمر , بل اعترف به , حسب ما تنقل عليه جميع الروايات , ولكنه علل تصرفه بأنه اضطراري لتلبية حاجة إبل الصدقة التي يحمل عليها في سبيل الله، فعمله يمكن أن نطلق عليه التجنيد المالي أو الاستنفار المالي، وأنه في - بعض الروايات - اعتبر أن حاجة ما هو من مال الله تعلو على اعتبار حقوق الأفراد فيما يملكون، فإبل الصدقة التي حمى من أجلها هي من مال الله، والأرض التي حماها أرض الله , والعباد الذين حمى منهم والآخرون الذين حمى لهم عباد الله، وهذا يعني أنه كان يعتبر أن كل حق يزول إذا تعين حق الله , وأن حق الله مقدم على حق العبد إذا كان حق الله متصلًا بالمصلحة العامة أو بما نسميه اليوم بالحق العام , وحق العبد منحصرًا فيما هو من حقوق الأفراد أو الملكية الخاصة، وعلى هذا الاعتبار وطبقًا لهذه الروايات فإن عمر ﵁ قد يكون في الإسلام أول من رسم معالم تشريع نزع الملكية الخاصة للمصلحة العامة، وسيتعزز هذا الاعتبار بما سنراه من تصرفه في بعض الأموال المنقولة تصرفًا يتسق معه كل الاتساق.

стр. 3806

د - ولم ينقل أحد من الرواة مهما يكن موثقًا أو متروكًا أو بينهما مجرد ملاحظة استفهامية , فضلًا عن أن يكون إنكارًا لتصرف عمر في حمية الربذة وما حولها من أي كان من الصحابة غير من حاجه من أهلها في شأنها إن كان فيهم من يعد من الصحابة، وحتى هؤلاء لم ينقل عنهم لجاج في الحِجَاج لما شرح لهم عمر مسوغات تصرفه. ولسنا ندري كيف يكون إجماع الصحابة إن لم يكن هذا من إجماعهم، أنه ليس سكوتيا فحسب , وإنما هو إقرار، وآية ذلك أن عثمان اقتدى به حين وسع المناطق المحمية وحمى غيرها , واحتج به على من ناوؤه واتخذوا حماية الأرض والماء لنعم بيت المال وخيله من مسوغات مناوأتهم له، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة أنه على حق فيما فعل. فإن زعم زاعم أن الصحابة لم يستطيعوا أن يجابهوا عمر بالإنكار وهو المعروف بقوته وصلابته , فهل يستطيع أن يزعم أن من أدرك منهم فتنة الدار لم يستطيعوا أن يجبهوا عثمان , وهو الضعيف بطبيعته، وكان عندئذ في حالة ضعف سياسي جلبت عليه الناقمين المتوعدين من مصر والعراق فضلًا عن الحجاز وبينهم بعض صغار الصحابة. وكان من شهود ذلك اليوم الذي حاج فيه عثمان مناوئيه ممن لم يحتشد عليه وإن كان مناوئًا له , أمثال عمار بن ياسر وربما رافع بن خديج , ومع ذلك لم ينبس أحد منهم بكلمة منكرًا عليه ما صنع وأخذه عليه الغوغاء من حماية بعض المناطق للملك العام. أفليس هذا إجماع إقرار , وليس مجرد إجماع سكوت؟ مهما يكن فإنا نرى الأطوار الثلاثة لحماية الحمى أدلة تثبت من بين ما تثبت من قواعد التشريع قاعدة الظرفية وقاعدة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وقاعدة تكييف ملكية الأفراد للأرض باعتبارها ليست ملكية رقبة، وإنما هي ملكية منفعة , وما دامت ملكية الرقبة ليست لهم، فإن ملكية المنفعة تزول تلقائيًا عندما تتعين الحاجة إلى تحقيق أمر يتصل بصاحب ملكية الرقبة , وهو الله فيما يتعلق بالأرض , وذلك ما سنعود إليه في مكانه من هذا البحث بمزيد من التفصيل.

стр. 3807

١٢ - الإسلام والمال وردت كلمة (مال) مفردة معرفة ومنكرة ومضافة وجمعًا مضافًا إلى مخاطب أو إلى غائب ثلاثًا وثمانين مرة , أغلبها تثبت مسؤولية أو تقرر تبعة , أو تذكر بواجب أو تندب إلى معروف , أو تنعي تقصيرًا أو تفريطًا , أو أشرًا وبطرًا , أو تنهى عن تصرف منكر , أو تصف موقفًا سياسيًا , أو تصرفًا جشعًا، وفي جميع هذه المواضيع تضاف الأموال إلى البشر جماعة أو أفرادًا إضافة لفظية أو معنوية تقديرية إن صح هذا التعبير، ذلك بأن الجانب التوجيهي والتهذيبي من القرآن الكريم أكد على إبراز محاسن التصرفات البشرية فيما خولهم الله من مال والحث عليه وإبراز مساوئ تلك التصرفات والتنديد بها وبيان معقباتها الدنيوية والأخروية. فالتشريع القرآني ليس نصوصًا تكليفية مجردة , وإنما هو توجيه تربوي وتكييف أخلاقي أساسًا. والتكليف فيه مجرد تبيان لدرجة ذلك التوجيه والتكييف من الإلزام وما إذا كان فيه مجال للتخيير وطبيعة ذلك المجال إن وجد من ندب وإباحة وكراهة وتحديد مناط هذا المجال صراحة أحيانًا وإيحاء أحيانًا أخرى. ومرد ذلك إلى أن التشريع الإلهي مقصده تربية الفرد والمجتمع المسلم تربية قوامها تحديد المسؤولية وتبيين التبعة وتوضيح العاقبة ورسم معالم السلوك. وفي هذا الإطار التربوي نفسه وردت كلمة (مال) مضافة إلى الله في قوله: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ (١) وردت معرفة بـ: (أل) أربع مرات، أولاها في تحديد مصارف الحقوق على المتمول لأصناف من المحرومين وممن تتعين عليه وما بينهم أو تجب على المجامع كافة مساعدتهم. فقال ﷻ في سياق تحديد معنى البر: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢) الآية. والثانية في معرض ذكر موقف سياسي لبني إسرائيل , ولكن يلاحظ فيه أن المال لم يأت ذكره باعتباره ملكًا لفرد أو جماعة , وإنما جاء باعتباره - بصورة ضمنية - ملكًا لله، فقال ﷻ : ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ الآية (٣) والثالثة جاءت في معرض وصف الحياة الدنيا وما تزدان به وتختلف عن الآخرة وما يؤدي إليها، قال ﷻ : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (٤) والرابعة وردت في سياق تبيان بعض الأسباب لما ينزل على الإنسان من بلاء في الدنيا أو يناله من عقاب في الآخرة.

стр. 3808

قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ الآية (١) ووردت ست مرات بصيغة الجمع المضاف , وكلها تحدد طبيعة علاقة المال بالناس أو علاقة الناس بالمال من حيث إنها مجرد وظيفة اجتماعية تترتب معقبات وتبعات على ممارستها , أولاها وثانيها قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٢) ففي هذه الآية الكريمة أضيفت الأموال مرة إلى ضمير المخاطبين , ومرة إلى الظاهر غير الموجه إليه الخطاب مباشرة , وإن كان موجهًا إليه ضمنًا. الثالثة وردت كلمة (أموال) مضافة إلى ظاهر الغائب غير المخاطب مباشرة لكن في معرض التنديد بتصرفاتهم المخالفة لشريعة الله والتي استوجبوا بها العقاب , وذلك في قوله : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣) وكذلك الشأن في الرابعة حيث وردت مضافة إلى ظاهر الغائب المخاطب مباشرة , وذلك في معرض التنديد بتصرفات الرهبان التي لا تختلف عن تصرفات اليهود الوارد التنديد بها في الآية السابقة. قال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٤) وواضح أن من هذه الآيات أن القرآن الكريم يبين بما لا مجال فيه لافتعال أي تأويل أن علاقة الإنسان بالمال منقولًا كان أو ثابتًا، إنما هي وظيفة اجتماعية تترتب على حسن أدائها أو سوئه نتائج دنيوية وأخروية، وقبل أن نمضي في استجلاء ما يتصل من هذا التبيان القرآني بهذا البحث نقف عند ما أثر عن أئمة التفسير من سلف ومعاصرين في معنى هذه الآيات.

стр. 3809

ففي قوله تعالى: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية (١) يقول ابن جرير الطبري (٢) حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن الشعبي , سمعته سأل: هل على الرجل حق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾ . حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا سويد بن عمرو الكلبي , قال: حدثنا حماد بن سلمة , قال: أخبرنا أبو حمزة , قال: قلت للشعبي: إذا زكى الرجل ماله أيطيب له ماله؟ فقرأ هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى آخرها. ثم قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله , إن لي سبعين مثقالًا من ذهب. فقال: ((اجعليها في قرابتك)) . حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يحيى بن آدم , عن شريك قال: حدثنا أبو حمزة فيما أعلم , عن عامر , عن فاطمة بنت قيس , أنها سمعته يقول: ((إن في المال لحقًا سوى الزكاة)) . حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي حيان , قال: حدثني مزاحم بن زفر , قال: كنت جالسًا عند عطاء , فأتاه أعرابي , فقال: إن لي إبلًا , فهل علي فيها حق بعد الصدقة؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: عارية الذلول وطروق الفحل والحلب. ثم قال: وذكر أيضًا عن السدي أن هذا شيء واجب في المال، حق على صاحب المال أن يفعله سوى الذي عليه من الزكاة.

стр. 3810

حدثنا الربيع بن سليمان , قال: حدثنا أسد , قال: حدثنا سويد بن عبد الله , عن أبي حمزة , عن عامر , عن فاطمة بنت قيس , عن النبي ﷺ أنه قال: ((في المال حق سوى الزكاة , وتلا هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ إلى آخر الآية)) . وقال السيوطي (١) وأخرج الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) وابن جرير (٤) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي (٥) والدارقطني (٦) وابن مردويه عن فاطمة بنت قيس , قالت: قال رسول الله ﷺ : ((في المال حق سوى الزكاة)) ، ثم قرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية.

стр. 3811

وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل: ((في المال حق بعد الزكاة؟ قال: نعم يحمل على النجيبة)) . وأخرج عبد بن حميد , عن الشعبي , أنه سئل: هل على الرجل في ماله حق سوى الزكاة؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ إلى آخر الآية. وأخرج عبد بن حميد , عن ربيعة بن كلثوم , قال: حدثني أبي , قال لمسلم بن يسار: إن الصلاة صلاتان , وإن الزكاة زكاتان , والله إنه لفي كتاب الله , أقرأ عليك به قرآنًا. قلت له: اقرأ , قال: فإن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ , فهذا وما دونه تطوع كله , وأقام الصلاة على الفريضة , وآتى الزكاة , فهاتان فريضتان. ونقل ابن كثير (١) , عن ابن أبي حاتم أنه قال: حدثنا أبي. حدثنا يحيى بن عبد الحميد. حدثنا شريك , عن أبي حمزة , عن الشعبي. حدثتني فاطمة بنت قيس ((أنها سألت رسول الله ﷺ : أفللمال حق سوى الزكاة؟ فقالت: وتلا: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ )) . قال ابن كثير: ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن إلياس ويحيى بن عبد الحميد , كلاهما عن شريك , عن أبي حمزة , عن الشعبي , عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله ﷺ : ((في المال حق سوى الزكاة، ثم قرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ )) . وأخرجه ابن ماجه والترمذي وضعف أبا حمزة ميمون الأعور (٢) وقد رواه السيار وإسماعيل بن سالم عن الشعبي.

стр. 3812

وقال ابن العربي (١) عند استنباطه الأحكام من الآية الكريمة ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ : وقد كان الشعبي فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ويحتج بحديث يروى عن فاطمة بنت قيس، أن النبي ﷺ قال: ((في المال حق سوى الزكاة)) ، وهذا ضعيف لا يثبت عن الشعبي , ولا عن النبي ﷺ ، وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة , فإنه يجب صرف المال إليه باتفاق العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم , وإن استغرق ذلك أموالهم , وكذا إذا منع الوالي الزكاة , فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة فيها نظر , أصحها عندي وجوب ذلك عليهم. قلت: وهذا من عجائب ابن العربي , فهو من ناحية يزعم أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، ويحكم بضعف ما أثر عن الشعبي , ويضعف حديث فاطمة بنت قيس الذي يحتج به الشعبي، ويزعم أن هذا لا يثبت عن الشعبي , ولا عن النبي ﷺ وسنناقش أسانيد أثر الشعبي وحديث فاطمة بعد حين , وهو من ناحية أخرى يقرر أنه إذا عرضت حاجة بعد أداء الزكاة يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، ويصحح - عنده - أنه يجب على الأغنياء إغناء الفقراء. وكان من قبل في استنباطه الأحكام من قوله في أول سورة البقرة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢) قد أورد بين الأقوال المأثورة في تفسيرها أنه وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما عدا الزكاة (٣) اللهم إن لم يكن هذا تناقضًا , فوفقني إلى فهم التناقض. وقد أشار ابن العربي أيضًا إلى موقفه من هذا الحديث في العارضة , إذ رواه الترمذي (٤) فقال: مشيرًا إلى تضعيف الترمذي لرواية أبي حمزة.

стр. 3813

وإذا كان الحديث ضعيفًا , فلا يشتغل به وتفسير الآية في الأحكام - يعني كتابه أحكام القرآن الذي نقلنا منه آنفًا - فلتنظر هنالك فيها وفي غيره - لعل الصواب: فيه وفي غيره - وقد تكرر وتقرر ووقع الشفاء منه بأبدع بيان. ولكي يتبين تعنت ابن العربي في موقفه هذا , ولا نجد كلمة ألطف من كلمة التعنت في وصفه، ننقل كل ما أخرجه الترمذي في هذا الشأن. قال (١) باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة. حدثنا محمد بن أحمد بن مدويه. حدثنا الأسود بن عامر , عن شريك , عن أبي حمزة , عن الشعبي , عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت أو سُئل النبي ﷺ عن الزكاة , فقال: ((إن في المال لحقًا سوى الزكاة)) ، ثم تلا هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن. أخبرنا محمد بن الطفيل , عن شريك , عن أبي حمزة , عن عامر الشعبي , عن فاطمة بنت قيس , عن النبي ﷺ قال: ((إن في المال لحقًا سوى الزكاة)) . قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ليس بذاك , وأبو حمزة وميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث , قوله (٢) وهو أصح. قلت: ومن عجائب ابن العربي أنه لم يعرض لروايتي إسماعيل بن سالم وبيان اللتين أشار إليهما الترمذي ولم يوردهما وصححهما , وكان عليه أن يعرض لهما وإن لم يخرجهما الترمذي , إما لتفنيدهما وبيان العلة فيهما , وإما لاعتمادهما والتخلي عن رأيه الذي حاول بعدم التعرض لهما الاستمرار في التعنت في الدفاع عنه وتأكيده , ونحسب أنه لم يستطع أن يجد مغمزًا في إسماعيل بن سالم الأسدي الذي روى عنه البخاري في الأدب المفرد , ومسلم وأبو داود والنسائي، وقال عنه ابن سعد: ثقة ثبت، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه فراس قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٨. ص: ٢٥٩. ترجمة: ٤٨٢) : فراس بن يحيى الهمذاني الخارفي أبو يحيى الكوفي , روى عن الشعبي وعطية العوفي وأبي صالح السمان وفديك ابن عمارة , روى عنه منصور بن المعتمر , وهو من أقرانه , وزكرياء بن أبي زائدة وشعبة وشيبان وسفيان الثوري والحسن بن عمارة وأبو عوانة وشريك وغيرهم وثقه أحمد وابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: شيخ ما , بحديثه بأس. وقال ابن المدني عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيء وما أنكرت من حديثه إلا حديث الاستبراء , وذكره ابن حبان في الثقات , وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة , وكان متقنا. قلت - القائل ابن حجر -: وقال العجلي: كوفي ثقة من أصحاب الشعبي في عداد الشيوخ , ليس بكثير الحديث. وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن عمار: ثقة. وقال عثمان - يعني ابن أبي شيبة -: صدوق. قيل له: ثبت؟ قال: لا.

стр. 3814

أقدم موتًا من إسماعيل، وإسماعيل أوثق منه , وفراس فيه شيء من ضعف , وإسماعيل أحسن منه استقامة , وأقدم سماعًا، سمع عن سعيد بن جبير , وكذا قال مسلم عن أحمد , وقال عبد الله , عن أبيه أيضًا: ثقة ثقة، وقال المروزي عن أحمد: ليس به بأس , وهو أكبر من مطرف (١) ثم إنه قال: قد كانت عنده أحاديث الشيعة , وقد نظر له شعبة في كتبه. وقال أبو داود: سألت أحمد عنه , فقال: بخ، قال: وسمعته يقول: صالح الحديث. قلت - القائل ابن حجر (٢) -: قد حكي عن ابن عوانة عن إسماعيل بن سالم أنه سمع زيدًا لا نعرف شيئًا عن هذه القصة , ونظن أن زيدًا هذا هو زيد بن أسلم؛ لأن عدم ذكر نسبه أو كنيته يدل على شهرته عندهم , وما نعلم في ذلك العهد من اسمه زيد يضاهي في شهرته شهرة زيد بن أسلم. رمز ابن حجر في (تهذيب التهذيب. ج: ٣. ص: ٣٩٥. ترجمة: ٧٢٨) له بأنه روى عنه الجماعة. قلت: أو مالك أو غيره. قال ابن حجر: زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة , ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه مولى عمر

стр. 3815

روى عن أبيه وابن عمر وأبى هريرة وعائشة وجابر وآخرين من الصحابة وكبار التابعين , وعنه أولاده الثلاثة , وعبد الله وعبد الرحمن ومالك وابن عجلان وابن جريج وكثير غيرهم من الصدور. قال مالك عن ابن عجلان: ما هبت أحدًا قط هيبة زيد بن أسلم , وقال العطاف عن خالد: حدث زيد بن أسلم بحديث , فقال له رجل: يا أبا أسامة عمن هذا؟ فقال: يابن أخي ما كنا نجالس السفهاء. قلت: هذا جواب صاعق دامغ لمن يتعلقون بحكاية التدليس والإرسال إذا كان السند من أمثال زيد. وقد أخذ عليه بعضهم أنه يفسر برأيه القرآن ويكثر منه , وهو مأخذ من الأفضل أن يعود على أصحابه، فلو وقفنا في تفسير القرآن على المأثور وحده لتعطل الجانب الأكبر من فهم الإسلام وإدراك الشريعة. توفي قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وهكذا قال ابن حجر. يقول: فذكر قصة من معاوية فقال أحمد: ومن سمع هذا من أبي عوانة. وقال ابن أبي خيثمة , عن ابن معين: ثقة أوثق من أساطين مسجد الجامع سمع من هشيم. وقال ابن أبي مريم وغيره: ثقة، زاد ابن أبي مريم: حجة. وقال الدوري عنه: سمع إسماعيل بن أبي صالح ذكوان وقد سمع من أبي صالح باذام، وقال أبو زرعة وأبو حاتم وابن خراش والدارقطني: ثقة، وقال أبو حاتم أيضًا: مستقيم الحديث، وقال ابن عدي: له أحاديث يحدث عنه قوم ثقات , وأرجو أنه لا بأس به. ثم قال ابن حجر: وقرأت بخط الذهبي في الميزان: لم أسق ذكره إلا تبعًا لابن عدي , ولم يقل فيه إلا: أرجو أنه لا بأس به. ثم قال ابن حجر: ولعله أراد أن ينقل ما تقدم أنه قيل لأحمد عنه مما يشير به إلى التشيع, لكنه لم يفصح به. وقال يعقوب الفسوي: لا بأس به , كوفي ثقة. وقال أبو علي الحافظ: ثقة عسر في الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات (١)

стр. 3816

جميع هؤلاء وثقوه لذلك كان عجبًا أن يذكره ابن عدي في الكامل (١) ويقول - بعد أن يروي حديثًا بسنده إليه -: ولإسماعيل بن سالم أحاديث يحدث عنه قوم ثقات وأرجو أنه لا بأس به. وينقل عنه الذهبي هذا الموقف في الميزان (٢) وكأنه شعر بالحرج من ذلك، فهو يقول: وثقه جماعة ولم أسق ذكره إلا تبعًا لابن عدي) ... إلخ. ومعلوم أن كلا من الذهبي في الميزان وابن عدي في الكامل إنما يترجمان للضعفاء، لكن الذهبي يعود فيذكره في الكاشف (٣) ويرمز إلى أن كلا من مسلم وأبي داود والنسائي رووا عنه ويقول عنه: ثقة. والكاشف هو كتابه الخاص بالثقات وقد ترجم له غيرهؤلاء من نقدة الرجال ولا نعرف من أراب فيه غير ابن عدي والذهبي في الميزان تبعًا له ويظهر أن كليهما - أو بالأحرى ابن عدي خاصة - اعتمدا على تلميح أحمد إلى تشيعه لمجرد أنه روى عن زيد، وهب أنه ذو نزعة شيعية , ولم يكن من الدعاة إلى نزعته , فلماذا يُراب؟! غفر الله لأحمد ومن تبعه في التشكيك في هذا المحدث الذي لم يكن مكثرًا , بل هو مقل، فقد اختلفوا في تعداد أحاديثه , منهم من قال: عشرة , ومنهم من أبلغها إلى عشرين. وقد نقلنا آنفًا من تفسير الطبري حديث إسماعيل بن سالم هذا , وقد رواه من طريق كل من أبي كريب ويعقوب بن إبراهيم، وأبو كريب روى عنه الجماعة وما من أحد يمكن أن يغمز فيه , وقد ترجم له ابن سعد والبخاري والرازي والذهبي وابن حجر (٤) وغيرهم من أرباب التراجم ونقدة الرجال الموثقين. ويعقوب بن إبراهيم الذي أسند إليه الطبري هذا الحديث أيضًا هو الدورقي , روى عنه الجماعة (٥)

стр. 3817

وهشيم الذي روى عنه البخاري ما نظن أحدًا يستطيع أن يغمز فيه ولا في الروايتين عنه، ترجم له البخاري والطبري والرازي والخطيب والذهبي وابن حجر وغيرهم من أئمة الجرح والتعديل (١) وقد روي حديث إسماعيل بن سالم هذا عن هشيم أبو عبيد القاسم بن سلام (٢) قال بعد أن أورد حديث حماد بن سلمة عن أبي حمزة الذي سنعود إليه بعد قليل: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن الشعبي بمثل ذلك. ورواه ابن عبد البر (٣) بعد أن ذكر حديث بيان , فقال نقلًا عن إسماعيل القاضي: وحدثنا أبو بكر وعلي , قالا: حدثنا ابن فضيل , عن بيان , عن عامر قال: في المال حق سوى الزكاة. وزاد فيه إسماعيل بن سالم , عن الشعبي قال: تصل القرابة وتعطي المساكين. وروى ابن زنجويه (٤) هذا الحديث بإسناد آخر , فقال: حدثنا محمد بن يوسف - يعني الفريابي أحد شيوخ البخاري - أخبرنا يونس بن أبي إسحاق - يعني السبيعي , روى عنه مسلم والأربعة - قال: سمعت عامرًا الشعبي وأبا إسحاق يقولان: على صاحب المال حق في الزكاة. وبيان هو ابن بشر البجلي , روى عنه الجماعة , وهو غير مكثر , ولم يغمز فيه أحد (٥)

стр. 3818

أما حديث أبي حمزة الذي نناقشه ومن أجله عرضنا إلى حديث إسماعيل بن سالم الأسدي وبيان البجلي - فقد رواه غير الترمذي وابن كثير - أبو عبيد عن طريق حماد بن سلمة (١) , فقال: حدثنا حجاج , عن حماد بن سلمة , عن أبي حمزة قال: قلت للشعبي: إذا أديت زكاة مالي , أيطيب لي مال؟ قال: فقرأ علي هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . ورواه ابن زنجويه (٢) بنفس السند واللفظ. ورواه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف (٣) فقال: حدثنا ابن فضيل , عن بيان بن عامر قال: في المال حق سوى الزكاة. قد يقول ابن العربي أو من يظاهره: إن ما روي عن بيان وإسماعيل بن سالم ليس حديثًا مرفوعًا ولا موقوفًا ولا مرسلًا , وإنما هو أثر لعامر الشعبي , أو رأي لتابعي مهما يبلغ وقارًا وجلالة , فهو ليس أكبر من تابعي، ورأي التابعي وتأويله ليس مما يلزم , إنما هو اجتهاد رجل كغيره من الرجال، ألم يختلفوا في رأي الصحابي وتأويله , فما ظنك بالتابعي؟ وهذا اعتراض وجيه , لولا أنه مدفوع بما رواه أبو حمزة عن الشعبي مرفوعًا، فشهادة بيان وإسماعيل بن سالم أو خبرهما على الأقل دليل على أن حديث أبي حمزة لا مغمز فيه، قد يكون لهم رأي في أبي حمزة , ولكنا لا نعرف لهم رأيًا يعتد به في عامر الشعبي، ثم إن أبا حمزة لم يغمزوا فيه بشيء ذي بال , ولم يصفوه بقاسمة، فهو ليس من ذوي الأهواء الدعاة , ولا هو ممن عرف بالكذب والوضع، وأغلبهم تكلموا فيه , لم يزيدوا على أن ضعفوه إلا ما كان من ابن حبان في كتاب المجروحين (٤) , إذ قال: ميمون التمار أبو حمزة القصاب الأعور من أهل الكوفة يروي عن إبراهيم النخعي والحسن , وروى عنه منصور بن المعتمر والثوري وحماد بن سلمة , كان فاحش الخطأ , كثير الوهم , يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين , سمعت الحنبلي يقول: سمعت أحمد بن زهير يقول: سألته عن أبي حمزة الذي روى عن إبراهيم , فقال: كوفي لا يكتب حديثه. لكن البخاري اقتصر في (التاريخ الكبير) (٥) وفي (الضعفاء الصغير) (٦) على القول: ميمون أبو حمزة القصاب الأعور التمار الكوفي، عن إبراهيم والحسن , روى عنه الثوري , ليس بذاك. واقتصر النسائي في كتاب الضعفاء والمتروكين (٧) على القول: (ليس بثقة) . وذكره ابن عدي في (الكامل) (٨) , فأسند عن عبد الله , عن أحمد القول: أبو حمزة صاحب إبراهيم متروك الحديث. كما أسند إلى يحيى بن معين قوله: (أبو حمزة القصاب الأعور ميمون صاحب إبراهيم وأبو حمزة ثابت، وحين سأله عباس عن الذين قال عنهم هذا القول: أيهما أحب إليك؟ قال: لا ذا , ولا ذاك. وأسند إلى البخاري قولًا يختلف شيئًا عما ورد في التاريخ الكبير، والضعفاء الصغير، فنقل عن الجنيدي أن البخاري قال: ميمون أبو حمزة القصاب الأعور -ويقال: التمار الكوفي - عن إبراهيم والحسن , روى عن الثوري , ليس بالقوي عندهم. قلت: هكذا ورد في النسخة المطبوعة التي بين أيدينا والصواب: روى عنه الثوري كما تقدم، ونلاحظ أن البخاري في هذه الرواية عبر بكلمة (ليس بالقوي عندهم) , وهي عبارة تؤذن بأنه لم يرد أن يتحمل تبعة تضعيفه. ثم أسند ابن عدي إلى حمزة أحاديث كعادته في تراجمه , ثم قال: ولميمون الأعور غير ما ذكرت , وأحاديثه التي يرويها بخاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها، ونلاحظ أن ابن عدي حصر الاشتباه في مرويات أبي حمزة فيما يرويه عن النخعي.

стр. 3819

وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين (١) واقتصر على القول: كوفي عن النخعي والحسن , ولم يزد على ذلك شيئا. وقال العقيلي في كتاب الضعفاء الكبير (٢) حدثنا محمد بن زكريا , قال: حدثنا محمد بن المثنى , قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - حدثا عن سفيان , عن أبي حمزة الأعور شيئًا قط. قلت: هذا يعني أن غيرهما من المحدثين عن سفيان لم يكونوا يمسكون عن التحديث بما يسنده إلى أبي حمزة. ثم قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد , قال: سمعت أبي يقول: أبو حمزة ميمون صاحب إبراهيم متروك الحديث. وقال في موضع آخر: أبو حمزة ميمون الأعور روى عن إبراهيم , وهو ضعيف الحديث. قلت: كان أحمد ﵀ وهو الذي ينكر القول بالرأي - يستند بتضعيف أبي حمزة بتركه على أنه يروي عن إبراهيم، وإبراهيم بحق هو واضع المعالم الأولى لمنهج الرأي الذي اتسم به الفقه الحنفي، لكنا لو مضينا مع أحمد في نهجه في تجريح الرجال لاشتبهنا في عدد من الثقات ممن أمسك أحمد عن الرواية عنهم، أو أراب في الرواية عنهم , لأنهم ضعفوا في محنة خلق القرآن , ولم يضعف أحمد، بيد أننا نسأل أحمد نفسه كم في المسلمين مثل أحمد؟ ولو مضينا معه في هذا النهج لأسقطنا أغلب الرواة والمحدثين , وحجبنا عنهم التوثيق على أن أحمد مع ذلك روى عن عدد ممن تكلم فيهم غيره، وفي مسنده الكثير مما فيه مقال , وإن حاول ابن حجر رفع الشبه عمن تكلموا فيهم ممن أسند إليهم. ثم قال العقيلي: حدثنا محمد بن عفان , قال: سمعت يحيى وسئل عن أبي حمزة صاحب إبراهيم , فقال: كان اسمه ميمونا وليس بشيء. حدثنا محمد بن عيسى , قال: حدثنا عباس , قال: سمعت يحيى يقول: أبو حمزة صاحب إبراهيم اسمه ميمون، وأبو حمزة التمالي ثابت، قلت: أيهما أحب إليك؟ قال: لا ذا , ولا ذا. ثم أورد كلام البخاري في تاريخه , ولكن مسندًا سماعًا. ثم أسند إليه حديثًا، ثم قال: حدثنا هارون بن علي , قال: حدثنا علي بن مسلم الطوسي , قال: حدثنا أبو داود , عن أبي عوانة , قال: قلت للمغيرة - يعني ابن مقسم ويروي عنه الجماعة -: تروي عن أبي حمزة؟ قال: لم يكن يجترئ علي أن يحدثني إلا بحق.

стр. 3820

قلت: وهذا الذي روي عن المغيرة بن مقسم يشير إلى التشكيك في أن علة تضعيف أبي حمزة هي الوهم والخطأ، ويومئ إلى أنها الاتهام بالقول بالرأي وتدعيمه , فهو من تلامذة إبراهيم. وقال الرازي في الجرح والتعديل (١) : ميمون أبو حمزة القصاب الكوفي وهو الراعي الأعور , روى عن إبراهيم النخعي والشعبي , وروى عنه مسعر والثوري والحسن بن صالح وزهير بن معاوية وشريك وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الوارث ونصير بن أبي الأشعث القرادي وحسان بن إبراهيم وحاتم بن وردان. ثم أسند ما ذكره محمد بن المثنى عن يحيى. وروي عن عبد الله بن أحمد مكاتبة قول أحمد: ميمون صاحب إبراهيم ضعيف الحديث. قلت: تأمل جيدًا جملة: صاحب إبراهيم. ثم أسند إلى يحيى قوله في أبي حمزة: كوفي ليس بشيء , وهو الذي حدث عن إبراهيم وسعيد بن المسيب , لا يكتب حديثه. ثم قال: سألت أبي عن ميمون أبي حمزة القصاب , فقال: ليس بقوي يكتب حديثه. قلت: هذا يعني أن أبا حاتم لا يبالغ في تضعيفه , وأحسبه أدرك حوافز تضعيفه عند من سبقوه من النقدة , فتحرج من مسايرتهم. ونقل الذهبي في المغني (٢) قول أبي حاتم هذا , واستهل به , ثم أتبعه بقول أحمد: متروك الحديث. وروي في الميزان (٣) كلام أحمد ثم كلام الدارقطني ثم كلام أبي حاتم ثم كلام البخاري ثم كلام النسائي، ثم أسند إليه أحاديث على عادته فيمن ترجم لهم.
следующие страницы →