← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

جميع هؤلاء وثقوه لذلك كان عجبًا أن يذكره ابن عدي في الكامل (١) ويقول - بعد أن يروي حديثًا بسنده إليه -: ولإسماعيل بن سالم أحاديث يحدث عنه قوم ثقات وأرجو أنه لا بأس به. وينقل عنه الذهبي هذا الموقف في الميزان (٢) وكأنه شعر بالحرج من ذلك، فهو يقول: وثقه جماعة ولم أسق ذكره إلا تبعًا لابن عدي) ... إلخ. ومعلوم أن كلا من الذهبي في الميزان وابن عدي في الكامل إنما يترجمان للضعفاء، لكن الذهبي يعود فيذكره في الكاشف (٣) ويرمز إلى أن كلا من مسلم وأبي داود والنسائي رووا عنه ويقول عنه: ثقة. والكاشف هو كتابه الخاص بالثقات وقد ترجم له غيرهؤلاء من نقدة الرجال ولا نعرف من أراب فيه غير ابن عدي والذهبي في الميزان تبعًا له ويظهر أن كليهما - أو بالأحرى ابن عدي خاصة - اعتمدا على تلميح أحمد إلى تشيعه لمجرد أنه روى عن زيد، وهب أنه ذو نزعة شيعية , ولم يكن من الدعاة إلى نزعته , فلماذا يُراب؟! غفر الله لأحمد ومن تبعه في التشكيك في هذا المحدث الذي لم يكن مكثرًا , بل هو مقل، فقد اختلفوا في تعداد أحاديثه , منهم من قال: عشرة , ومنهم من أبلغها إلى عشرين. وقد نقلنا آنفًا من تفسير الطبري حديث إسماعيل بن سالم هذا , وقد رواه من طريق كل من أبي كريب ويعقوب بن إبراهيم، وأبو كريب روى عنه الجماعة وما من أحد يمكن أن يغمز فيه , وقد ترجم له ابن سعد والبخاري والرازي والذهبي وابن حجر (٤) وغيرهم من أرباب التراجم ونقدة الرجال الموثقين. ويعقوب بن إبراهيم الذي أسند إليه الطبري هذا الحديث أيضًا هو الدورقي , روى عنه الجماعة (٥)

стр. 3817

وهشيم الذي روى عنه البخاري ما نظن أحدًا يستطيع أن يغمز فيه ولا في الروايتين عنه، ترجم له البخاري والطبري والرازي والخطيب والذهبي وابن حجر وغيرهم من أئمة الجرح والتعديل (١) وقد روي حديث إسماعيل بن سالم هذا عن هشيم أبو عبيد القاسم بن سلام (٢) قال بعد أن أورد حديث حماد بن سلمة عن أبي حمزة الذي سنعود إليه بعد قليل: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن الشعبي بمثل ذلك. ورواه ابن عبد البر (٣) بعد أن ذكر حديث بيان , فقال نقلًا عن إسماعيل القاضي: وحدثنا أبو بكر وعلي , قالا: حدثنا ابن فضيل , عن بيان , عن عامر قال: في المال حق سوى الزكاة. وزاد فيه إسماعيل بن سالم , عن الشعبي قال: تصل القرابة وتعطي المساكين. وروى ابن زنجويه (٤) هذا الحديث بإسناد آخر , فقال: حدثنا محمد بن يوسف - يعني الفريابي أحد شيوخ البخاري - أخبرنا يونس بن أبي إسحاق - يعني السبيعي , روى عنه مسلم والأربعة - قال: سمعت عامرًا الشعبي وأبا إسحاق يقولان: على صاحب المال حق في الزكاة. وبيان هو ابن بشر البجلي , روى عنه الجماعة , وهو غير مكثر , ولم يغمز فيه أحد (٥)

стр. 3818

أما حديث أبي حمزة الذي نناقشه ومن أجله عرضنا إلى حديث إسماعيل بن سالم الأسدي وبيان البجلي - فقد رواه غير الترمذي وابن كثير - أبو عبيد عن طريق حماد بن سلمة (١) , فقال: حدثنا حجاج , عن حماد بن سلمة , عن أبي حمزة قال: قلت للشعبي: إذا أديت زكاة مالي , أيطيب لي مال؟ قال: فقرأ علي هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . ورواه ابن زنجويه (٢) بنفس السند واللفظ. ورواه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف (٣) فقال: حدثنا ابن فضيل , عن بيان بن عامر قال: في المال حق سوى الزكاة. قد يقول ابن العربي أو من يظاهره: إن ما روي عن بيان وإسماعيل بن سالم ليس حديثًا مرفوعًا ولا موقوفًا ولا مرسلًا , وإنما هو أثر لعامر الشعبي , أو رأي لتابعي مهما يبلغ وقارًا وجلالة , فهو ليس أكبر من تابعي، ورأي التابعي وتأويله ليس مما يلزم , إنما هو اجتهاد رجل كغيره من الرجال، ألم يختلفوا في رأي الصحابي وتأويله , فما ظنك بالتابعي؟ وهذا اعتراض وجيه , لولا أنه مدفوع بما رواه أبو حمزة عن الشعبي مرفوعًا، فشهادة بيان وإسماعيل بن سالم أو خبرهما على الأقل دليل على أن حديث أبي حمزة لا مغمز فيه، قد يكون لهم رأي في أبي حمزة , ولكنا لا نعرف لهم رأيًا يعتد به في عامر الشعبي، ثم إن أبا حمزة لم يغمزوا فيه بشيء ذي بال , ولم يصفوه بقاسمة، فهو ليس من ذوي الأهواء الدعاة , ولا هو ممن عرف بالكذب والوضع، وأغلبهم تكلموا فيه , لم يزيدوا على أن ضعفوه إلا ما كان من ابن حبان في كتاب المجروحين (٤) , إذ قال: ميمون التمار أبو حمزة القصاب الأعور من أهل الكوفة يروي عن إبراهيم النخعي والحسن , وروى عنه منصور بن المعتمر والثوري وحماد بن سلمة , كان فاحش الخطأ , كثير الوهم , يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين , سمعت الحنبلي يقول: سمعت أحمد بن زهير يقول: سألته عن أبي حمزة الذي روى عن إبراهيم , فقال: كوفي لا يكتب حديثه. لكن البخاري اقتصر في (التاريخ الكبير) (٥) وفي (الضعفاء الصغير) (٦) على القول: ميمون أبو حمزة القصاب الأعور التمار الكوفي، عن إبراهيم والحسن , روى عنه الثوري , ليس بذاك. واقتصر النسائي في كتاب الضعفاء والمتروكين (٧) على القول: (ليس بثقة) . وذكره ابن عدي في (الكامل) (٨) , فأسند عن عبد الله , عن أحمد القول: أبو حمزة صاحب إبراهيم متروك الحديث. كما أسند إلى يحيى بن معين قوله: (أبو حمزة القصاب الأعور ميمون صاحب إبراهيم وأبو حمزة ثابت، وحين سأله عباس عن الذين قال عنهم هذا القول: أيهما أحب إليك؟ قال: لا ذا , ولا ذاك. وأسند إلى البخاري قولًا يختلف شيئًا عما ورد في التاريخ الكبير، والضعفاء الصغير، فنقل عن الجنيدي أن البخاري قال: ميمون أبو حمزة القصاب الأعور -ويقال: التمار الكوفي - عن إبراهيم والحسن , روى عن الثوري , ليس بالقوي عندهم. قلت: هكذا ورد في النسخة المطبوعة التي بين أيدينا والصواب: روى عنه الثوري كما تقدم، ونلاحظ أن البخاري في هذه الرواية عبر بكلمة (ليس بالقوي عندهم) , وهي عبارة تؤذن بأنه لم يرد أن يتحمل تبعة تضعيفه. ثم أسند ابن عدي إلى حمزة أحاديث كعادته في تراجمه , ثم قال: ولميمون الأعور غير ما ذكرت , وأحاديثه التي يرويها بخاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها، ونلاحظ أن ابن عدي حصر الاشتباه في مرويات أبي حمزة فيما يرويه عن النخعي.

стр. 3819

وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين (١) واقتصر على القول: كوفي عن النخعي والحسن , ولم يزد على ذلك شيئا. وقال العقيلي في كتاب الضعفاء الكبير (٢) حدثنا محمد بن زكريا , قال: حدثنا محمد بن المثنى , قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - حدثا عن سفيان , عن أبي حمزة الأعور شيئًا قط. قلت: هذا يعني أن غيرهما من المحدثين عن سفيان لم يكونوا يمسكون عن التحديث بما يسنده إلى أبي حمزة. ثم قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد , قال: سمعت أبي يقول: أبو حمزة ميمون صاحب إبراهيم متروك الحديث. وقال في موضع آخر: أبو حمزة ميمون الأعور روى عن إبراهيم , وهو ضعيف الحديث. قلت: كان أحمد ﵀ وهو الذي ينكر القول بالرأي - يستند بتضعيف أبي حمزة بتركه على أنه يروي عن إبراهيم، وإبراهيم بحق هو واضع المعالم الأولى لمنهج الرأي الذي اتسم به الفقه الحنفي، لكنا لو مضينا مع أحمد في نهجه في تجريح الرجال لاشتبهنا في عدد من الثقات ممن أمسك أحمد عن الرواية عنهم، أو أراب في الرواية عنهم , لأنهم ضعفوا في محنة خلق القرآن , ولم يضعف أحمد، بيد أننا نسأل أحمد نفسه كم في المسلمين مثل أحمد؟ ولو مضينا معه في هذا النهج لأسقطنا أغلب الرواة والمحدثين , وحجبنا عنهم التوثيق على أن أحمد مع ذلك روى عن عدد ممن تكلم فيهم غيره، وفي مسنده الكثير مما فيه مقال , وإن حاول ابن حجر رفع الشبه عمن تكلموا فيهم ممن أسند إليهم. ثم قال العقيلي: حدثنا محمد بن عفان , قال: سمعت يحيى وسئل عن أبي حمزة صاحب إبراهيم , فقال: كان اسمه ميمونا وليس بشيء. حدثنا محمد بن عيسى , قال: حدثنا عباس , قال: سمعت يحيى يقول: أبو حمزة صاحب إبراهيم اسمه ميمون، وأبو حمزة التمالي ثابت، قلت: أيهما أحب إليك؟ قال: لا ذا , ولا ذا. ثم أورد كلام البخاري في تاريخه , ولكن مسندًا سماعًا. ثم أسند إليه حديثًا، ثم قال: حدثنا هارون بن علي , قال: حدثنا علي بن مسلم الطوسي , قال: حدثنا أبو داود , عن أبي عوانة , قال: قلت للمغيرة - يعني ابن مقسم ويروي عنه الجماعة -: تروي عن أبي حمزة؟ قال: لم يكن يجترئ علي أن يحدثني إلا بحق.

стр. 3820

قلت: وهذا الذي روي عن المغيرة بن مقسم يشير إلى التشكيك في أن علة تضعيف أبي حمزة هي الوهم والخطأ، ويومئ إلى أنها الاتهام بالقول بالرأي وتدعيمه , فهو من تلامذة إبراهيم. وقال الرازي في الجرح والتعديل (١) : ميمون أبو حمزة القصاب الكوفي وهو الراعي الأعور , روى عن إبراهيم النخعي والشعبي , وروى عنه مسعر والثوري والحسن بن صالح وزهير بن معاوية وشريك وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الوارث ونصير بن أبي الأشعث القرادي وحسان بن إبراهيم وحاتم بن وردان. ثم أسند ما ذكره محمد بن المثنى عن يحيى. وروي عن عبد الله بن أحمد مكاتبة قول أحمد: ميمون صاحب إبراهيم ضعيف الحديث. قلت: تأمل جيدًا جملة: صاحب إبراهيم. ثم أسند إلى يحيى قوله في أبي حمزة: كوفي ليس بشيء , وهو الذي حدث عن إبراهيم وسعيد بن المسيب , لا يكتب حديثه. ثم قال: سألت أبي عن ميمون أبي حمزة القصاب , فقال: ليس بقوي يكتب حديثه. قلت: هذا يعني أن أبا حاتم لا يبالغ في تضعيفه , وأحسبه أدرك حوافز تضعيفه عند من سبقوه من النقدة , فتحرج من مسايرتهم. ونقل الذهبي في المغني (٢) قول أبي حاتم هذا , واستهل به , ثم أتبعه بقول أحمد: متروك الحديث. وروي في الميزان (٣) كلام أحمد ثم كلام الدارقطني ثم كلام أبي حاتم ثم كلام البخاري ثم كلام النسائي، ثم أسند إليه أحاديث على عادته فيمن ترجم لهم.

стр. 3821

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (١) - بعد أن ذكر ما قاله النقدة الأولون ونقلناه سابقًا -: قال الترمذي: قد تكلم فيه قبل حفظه. وقال في موضع آخر: ضعفه بعض أهل العلم. قلت: تأمل جيدا قوله: ضعفه بعض أهل العلم. ثم نقل عن الحاكم أبي أحمد قوله: حديثه ليس بالقائم , وعن الخطيب قوله: لا تقوم به حجة. قلت: هذا غير مستغرب من الخطيب ﵀ فموقفه من أهل الرأي معروف. ثم قال: وقال يعقوب بن سفيان: ليس بمتروك الحديث , ولا هو حجة , وقال الساجي: ليس بذاك. هذه جملة صالحة , وأعتقد أنها شاملة لما قالوه عن أبي حمزة , وليس في أشدها ما يمكن أن يعتبر إيماء بتكذيبه. وأوضحها يفهم منه انقباضهم عنه لعلاقته بإبراهيم وانقباض بعضهم لما وصفوه به من الوهم والخطأ. لكن ما رواه بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي وإن لم يرق عن مستوى الأثر لتابعي جليل , يدل اتفاقه في الحكم واللفظ مع حديث أبي حمزة عن طريق الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﷺ على أنهما من نبع واحد، وقد لا تنطبق عليه شروط المتابعة كما أرادها المحدثون , لكن تصحيح الترمذي له واستظهار ابن عبد البر به مساندة أو استشهادًا لحديث أبي حمزة المرفوع , يوحي بأن الإمامين الجليلين يعتبران ما رواه إسماعيل بن سالم وبيان بن بشر البجلي يرقى إلى مستوى حديثٍ , وليس مجرد أثر، وبذلك يصبح مع حديث أبي حمزة المرفوع صراحة حجة يعتمد عليها , ويرتكن إليها في الحكم بأن في المال حقًا غير الزكاة. على أن هذا الذي نقل عن الشعبي لم يكن مذهبًا للشعبي وحده , وإنما كان مذهبًا لعدد من معاصريه. قال ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف (٢) حدثنا حفص , عن الأعمش , عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أموالهم حقًا سوى الزكاة. حدثنا وكيع , عن سفيان , عن منصور وابن أبي نجيح , عن مجاهد ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣) قال: سوى الزكاة.

стр. 3822

حدثنا معاذ قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة أبو يونس , قال: حدثنا رباح , عن عبيدة , عن قزعة قال: قلت لابن عمر: إن لي مالًا فما تأمرني؟ إلى من أدفع زكاته؟ قال: ادفعها إلى ولي القوم - يعني الأمراء - ولكن في مالك حق سوى ذاك يا قزعة. حدثنا ابن علية , عن ابن أبي حيان قال: حدثني مزاحم بن زفر , قال: كنت جالسًا عند عطاء , فأتاه أعرابي , فسأله: إن لي إبلًا , فهل عليَّ فيها حق بعد الصدقة؟ قال: نعم. ثم قال: حدثنا عبد الأعلى , عن هشام , عن الحسن قال: في المال حق سوى الزكاة. ونقل ابن عبد البر في التمهيد (١) ثم قال: حدثنا خلف بن القاسم , قال: حدثنا الحسن بن رشيق , قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن زفر القاضي بمصر , قال: حدثنا محمد بن روح بن يزيد , قال: حدثنا عبد الملك قريب الأصمعي , قال: حدثنا المبارك بن فضالة , وقال: سمعت الحسن يحدث , عن قيس بن عاصم المنقري - وكان ممن عزل عن البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه لما قدم على رسول الله ﷺ يعني في وفد بني تميم سنة تسع فأسلم - قال: ((هذا سيد أهل الوبر)) , قال: قلت: يا رسول الله , ما خير المال؟ - يعني الإبل وكان ينصرف إليه المال عند العرب البدو - قال: ((نعم المال الأربعون , والأكثر الستون , وويل لأصحاب المئين , إلا من أدى حق الله في رسلها ونجدتها - يعني في الشدة والرخاء - وأفقر ظهرها , وأطرق فحلها , ومنح غزيرها , ونحر سمينها , فأطعم القانع والمعتر)) - وترك تمام الحديث. ثم قال ابن عبد البر: فقد جعل رسول الله ﷺ في الماشية حقا سوى الزكاة , وهذا بيّن في حديث جابر أيضًا. حدثنا سعيد بن نصر. حدثنا قاسم بن أصبغ. حدثنا ابن وضاح. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة , قال: حدثنا يعلى بن عبيد , عن عبد الملك بن أبي سليمان , عن أبي الزبير , عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها , إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر - أي: بمستوى واسع أملس من الأرض - تطؤه ذات الظلف بظلفها , وتنطحه ذات القرن بقرنها , ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن. قالوا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: إطراق فحلها , وإعارة دلوها , ومنحها وحلبها على الماء وحملٌ عليها في سبيل الله)) .

стр. 3823

وقبل أن نستأنف متابعة آراء أئمة التفسير من السلف والمحدثين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية. وبعض آيات على شاكلتها، ننقل عن ابن حزم (١) كلامًا شريفًا أوجز فيه - إيجازًا محيطًا - آراء ومواقف الصحابة والتابعين من الحقوق الواجبة في المال غير الزكاة ومحاجة أنكروها , قال ﵀: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم , ويجبرهم السلطان على ذلك - تأمل جيدًا قوله: ويجبرهم السلطان على ذلك - إن لم تقم الزكوات بضم ولا في سائر أموال المسلمين بهم - هذه العبارة غير واضحة - فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك , وبه سكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) فأوجب تعالى حق المساكين وابن السبيل وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين وذي القربى والمساكين والجار وما ملكت اليمين , والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا , ومنعه إساءة ولا شك. وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٤) فقارن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) قال عبد الرزاق (المصنف ج: ١١. ص ٢٩٨. ح: ٢٠٥٨٩) : أخبرنا معمر , عن الزهري قال: حدثني أبو سلمة , عن أبي هريرة أن النبى ﷺ قبل الحسن بن علي والأقرع بن حابس التميمي جالس , فقال الأقرع: يا رسول الله , إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم إنسانًا قط. قال: فنظر إليه رسول الله ﷺ , فقال: ((إن من لا يرحم لا يرحم)) . وقال أحمد (ج: ٢. ص: ٢٢٨) : أخبرنا هشيم عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله ﷺ , فرآه يقبل حسنًا أو حسينًا , فقال له: لا تقبله يا رسول الله , لقد ولد لي عشرة ما قبلت أحدًا منهم , فقال رسول الله ﷺ : ((إن من لا يرحم لا يرحم)) .

стр. 3824

وقال (المصنف ج: ٨ ص: ٢٤١) : حدثنا سفيان , عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة أبصر النبي ﷺ الأقرع يقبل حسنًا , فقال: لي عشرة من الولد , ما قبلت أحدًا منهم. فقال له: ((من لا يرحم لا يرحم)) . وقال (المصنف. ص: ٢٦٩) : حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا معمر , عن الزهري. حدثني أبو سلمة , عن أبي هريرة , أن رسول الله ﷺ قبل الحسين بن علي ﵄ والأقرع ابن حابس التميمي جالس , وقال الأقرع: يا رسول الله , إن لي عشرة من الولد ما قبلت إنسانًا منهم قط , قال: فنظر إليه رسول الله ﷺ , فقال: ((إن من لا يرحم لا يرحم)) . وقال (المصنف ص: ٥١٤) : حدثنا محمد بن أبي حفصة , عن ابن شهاب , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , أن رسول الله ﷺ كان يقبل الحسن بن علي ﵄ فقال الأقرع ابن حابس: إن لي عشرة من الولد , ما قبلت أحدًا منهم. فقال النبي ﷺ : ((من لا يرحم لا يرحم)) . وقال (المصنف. ج: ٤. ص: ٣٥٨) : حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة , عن سماك بن حرب , عن عبيد الله بن جرير قال: أتيت رسول الله ﷺ , فقلت: أبايعك على الإسلام , فقبض يده , فقال: ((النصح لكل مسلم ثم قال رسول الله ﷺ : من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) . وقال (المصنف. ص: ٣٦٠) : حدثنا يزيد. حدثنا إسماعيل بن أبي خالد , عن قيس بن أبي حازم قال: قال جرير: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) . وقال (المصنف. ص: ٣٦١) : حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق قال: كان جرير بن عبد لله في بعث بأرمينيا قال: فأصابتهم مخمصة ومجاعة , قال: فكتب جرير إلى معاوية: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من لم يرحم الناس لا يرحمه الله ) قال: فأرسل إليه فأتاه , فقال: أنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فأقفلهم ومتعهم. قال أبو إسحاق: وكان أبي في ذلك الجيش , فجاء بقطيفة مما متعه معاوية. وقال (المصنف. ص: ٣٦٢) : حدثنا أبو معاوية وهو الضرير. حدثنا الأعمش , عن زيد بن وهب , عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) .

стр. 3825

وقال (المصنف ٨ ص: ٣٦٥) : حدثنا أبو أحمد , حدثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن أبيه جرير , قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) . وقال (المصنف ص ٣٦٦) : حدثنا روح. حدثنا شعبة قال: سمعت سماك بن حرب قال: سمعت عبد الله بن عمير قال: وكان قائد الأعشى في الجاهلية يحدث , عن جرير قال: أتيت النبي ﷺ , فقلت: أبايعك على الإسلام , قال: فقبض يده , وقال: ((النصح لكل مسلم)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((إنه من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) . حدثنا يحيى بن آدم , حدثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن عبد الله بن جرير , عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) . وقال البخاري (الجامع الصحيح. ج: ٧. ص: ٧٨) : حدثنا عمرو بن حفص , حدثنا أبي. حدثنا الأعمش قال: حدثني زيد بن وهب , قال: سمعت جرير بن عبد الله , عن النبي ﷺ قال: ((من لا يرحم لا يرحم)) . وقال (الجامع الصحيح. ج: ٨ ص: ١٦٥) : حدثنا محمد. أخبرنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن زيد ابن وهب وأبي ظبيان , عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) . وقال مسلم (الصحيح على هامش شرح النووي. ج: ١٥. ص: ٧٦ و٧٧) : حدثني عمرو الناقد وابن أبي عمر جميعًا , عن سفيان , قال عمرو: حدثنا سفيان بن عيينة , عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل الحسن , فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم , فقال النبي ﷺ : ((إنه من لا يرحم لا يرحم)) . حدثنا عبد بن حميد. أخبرنا عبد الرزاق , أخبرنا معمر , عن الزهري، حدثني أبو سلمة , عن أبي هريرة , عن النبي ﷺ ... مثله. وحدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم , كلاهما عن جرير. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم , قالا: أخبرنا عيسى بن يونس. وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء. حدثنا أبو معاوية. وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص – يعني ابن غياث - كلهم عن زيد ابن وهب وأبي ظبيان , عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) . وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وكيع وعبد الله بن نمير , عن إسماعيل , عن قيس , عن جرير , عن النبي ﷺ . وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر وأحمد بن عبيدة , قالوا: حدثنا سفيان , عن عمرو , عن نافع بن جبير , عن جرير , عن النبي ﷺ بمثل حديث الأعمش.

стр. 3826

وقال الترمذي (ج: ٤. ص ٣١٨. ح: ١٩١١) : حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن أبي عبد الرحمن , قالا: حدثنا سفيان , عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة قال: أبصر الأقرع بن حابس النبي ﷺ وهو يقبل الحسن , قال ابن أبي عمر: الحسين والحسن , فقال: إن لي من الولد عشرة ما قبلت أحدًا منهم. فقال رسول الله ﷺ : ((إنه لا يرحم من لا يرحم)) . وتعقبه بقوله: وفي الباب عن أنس وعائشة. ثم قال: وهذا حديث حسن صحيح. وقال الترمذي (ص: ٣٢٣. ح: ١٩٢٣) : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد , عن إسماعيل بن أبي خالد , حدثنا قيس. حدثنا جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) . وتعقبه بقوله: هذا حديث حسن صحيح , وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وأبى سعيد وابن عمير وأبي هريرة وعبد الله بن عمر. وقال أبو داود (السنن. ج. ص: ٣٥٥. ح ٥٣١٨) : حدثنا مسدد , حدثنا سفيان , عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ وهو يقبل حسينا , فقال: إن لي عشرة من الولد ما فعلت هذا بواحد منهم , فقال رسول الله ﷺ : ((من لا يرحم لا يرحم)) . وقال ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج: ١. ص: ٣٤١ ح: ٤٥٨) : أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي , قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم , قال: أنبأنا سفيان , عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة قال: أبصر حابس بن الأقرع التميمي النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن بن علي , فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم , فقال النبي ﷺ : ((من لا يرحم لا يرحم)) . وقال (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج: ٧. ص: ٤٤٥. ح: ٥٥٦٧) : أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة , قال: حدثنا بن أبي السري , قال: حدثنا عبد الرزاق , قال: حدثنا معمر , عن أبي هريرة , وأورد الحديث الذي نقلنا آنفًا عن عبد الرزاق. وقال (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: ج: ا. ص: ٣٤٣. ح: ٤٦٤) : أخبرنا أبو عروبة , قال: أخبرنا أحمد ابن المقدم العجلي , قال: حدثنا خالد بن الحارث , قال: حدثنا شعبة , قال: حدثنا سليمان , قال: سمعت أبا ظبيان قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) . وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٨. ص: ١٦١) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو , قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب. حدثنا أحمد بن عبد الجبار. حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن أبي ظبيان وزيد بن وهب , عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ فال: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) . ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعًا عريانًا ضائعًا فلم يغثه فما رحمه بلا شك.

стр. 3827

وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم وقيس بن أبي حازم وأبي ظبيان وزيد بن وهب نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدني، ذكر ابن حجر (تهذيب التهذيب ج: ١٠. ص: ٤٠٤ ترجمة: ٧٢٧) أنه روى , عن أبيه والعباس بن عبد المطلب والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ورافع بن خديج وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعاثشة وأم سلمة وجملة غيرهم من الصحابة , وعنه عروة بن الزبير والزهري وحبيب بن أبي ثابت وأبو الزبير وعمرو بن دينار وآخرون. وثقه كل من العجلي وأبي زرعة وابن خراش وابن حبان , وقال: إنه كان من خيار الناس , وكان يحج ماشيا وناقته تقاد , وذكروه أصحاب زيد بن ثابت الذين كانوا يأخذون عنه ويفتون بفتواه. توفي ﵀ قيل: في خلافة سليمان بن عبد الملك، وعن ابن أبي الزناد: سنة تسع وتسعين. قيس بن أبي حازم: قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٨. ص: ٣٨٦ ترجمة: ٦٨٩) واسمه - يعني أبا حازم - حصين بن عوف , ويقال: عوف بن عبد الحارث بن عوف البجلي الأخمس أبو عبد الله الكوفي , أدرك الجاهلية , ورحل إلى النبي ﷺ يبايعه , فقبض وهو في الطريق , وأبوه له صحبة , ويقال: إن لقيس رؤية لم يثبت. وروى عن أبيه وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف. وقيل: لم يسمع منه , وأبي عبيدة وبلال مولى أبي بكر ومعاذ وخالد بن الوليد وابن مسعود وطائفة غيرهم من الصحابة , وأرسل عن ابن رواحة , روى عنه طائفة من التابعين , منهم الأعمش. قال ابن عيينة: ما كان بالكوفة أحد أروى عن أصحاب رسول الله ﷺ من قيس. وقال الآجري عن أبي داود: أجود التابعين إسنادا قيس بن أبي حازم , روى عنه تسعة من العشرة , ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف، ويقال: إنه ليس أحد من التابعين جمع أن روى عن العشرة مثله إلا عبد الرحمن بن عوف , فإنا لا نعلمه روى عنه شيئًا. ثم قد روى بعد العشرة عن جماعة من الصحابة وكبرائهم , وهو متقن الرواية , ومع ذلك تكلم فيه بعضهم , فمنهم من اشتد عليه , وزعم أن له مناكير , ومنهم من كان أخف حدة , فوصف بعض أحاديثه بالغرائب , ويظهر أن مرد ذلك إلى نفر من الكوفين , فقد قالوا: إنه كان يحمل على علي , والمشهور أنه كان يقدم عثمان , ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه , ولكن ابن خراش وهو كوفي جليل قال: ليس في التابعين أحد روى عن العشرة إلا قيس بن حازم وفضله ابن معين عن الزهري , ويقال: إنه عاش حتى تجاوز المائة بسنين كثيرة , ويقال: إنه اختلط بآخرة , واختلفوا في تاريخ وفاته ما بين سنتي أربع وثمانين وأربع وتسعين.

стр. 3828

أبو ظبيان حصين بن جندب بن الحارث الجنبي (بفتح الميم وسكون النون ثم موحدة) الكوفي، قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٢. ص: ٣٧٩ وما بعدها. ترجمة: ٦٤٥) , روى عن عمر وعلي وابن مسعود وسلمان وأسامة بن زيد وعمار وحذيفة وأبي موسى وابن عباس وابن عمر وعائشة وغيرهم من الصحابة ومن التابعين عن علقمة وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم , وعنه ابنه قابوس وأبو إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل والأعثر وآخرون , وثقه كل من أبي معين والعجلي وأبي زرعة والنسائي والدارقطنى. توفي حوالى سنة تسع وثمانين أو تسعين. زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي , قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٣. ص: ٤٢٧. ترجمة: ٧٨١) : رحل إلى النبي ﷺ , فقبض وهو في الطريق. وروى عن عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وحذيفة وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم , وعنه أبو إسحاق السبيعي وإسماعيل بن أبي خالد والحكم بن عتيبة والأعمش ومنصور وجماعة آخرون. قال الأعمش لزهير: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد , فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه، ووثقه ابن معين وابن خراش، وذكر ابن سعد أنه توفي بولاية الحجاج بعد الجماجم. وقال أبو بكر بن منجويه: سنة ست وتسعين , وكذلك ابن حبان في الثقات، ﵀ رحمة واسعة. وجرير بن عبد الله بن جابر البجلي القسرى أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله اليماني , قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٢. ص: ٧٣. ترجمة: ١١٥) روى عن النبي ﷺ وعن عمر ومعاوية , وعنه أولاده المنذر وعبيد الله وأيوب وإبراهيم وابن ابنه أبو زرعة بن عمرو , وأنس وأبو وائل وزيد بن وهب وابن علاقة والشعبي وأبو ظبيان وغيرهم، أسلم في السنة التي لحق فيها رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى , ونزل الكوفة، ثم انتقل منها إلى قرقيسيا فنزلها , وقال: لا أقيم ببلدة يشتم فيها عثمان. وقال جرير: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت , ولا رآني إلا تبسم. رواه الشيخان وغيرهم , وكان جميلًا. وقال له عمر بن الخطاب: نعم السيد كنت في الجاهلية , ونعم السيد أنت في الإسلام، وقيل: مات سنة إحدى وخمسين وقيل غير ذلك، ﵁ وأرضاه. , عن جرير بن عبد الله , عن رسول الله ﷺ .

стр. 3829

وروى أيضًا معناه الزهري عن أبي سلمة , عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وحدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد. حدثنا إبراهيم بن أحمد. حدثنا الفربري. حدثنا البخاري. حدثنا موسى بن إسماعيل - هو التبوذكي - حدثنا المعتمر - هو ابن سليمان - عن أبيه. حدثنا أبو عثمان النهدي , أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حدثه ((أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء , وأن رسول الله ﷺ قال: من كان عنده طعام اثنين فيذهب بثالث , ومن عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس)) قال مالك (الموطأ. ص: ٨٠٢. ح: ٨١) عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة , أن رسول الله ﷺ قال: ((طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) . وقال أحمد (ج: ٢. ص: ٢٤٤ و٤٠٧) : حدثنا سفيان , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة , عن النبي ﷺ : ((طعام الاثنين كافي الثلاثة , وطعام الثلاثة يكفي الأربعة , إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا , فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش والدواب تتقحم فيها , فأنا آخذ بحجزكم , وأنتم تواقعون فيها , ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنيانا , فأحسنه وأكمله وأجمله , فجعل الناس يطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانًا أحسن من هذا , إلا هذه الثلمة فأنا تلك الثلمة)) . وقيل لسفيان: من يذكر هذا؟ فقال: أبو الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة. حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عمن سمع أبا هريرة , أن رسول الله ﷺ قال: ((طعام واحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة)) . وقال أحمد (ج: ٣. ص: ٣٠١ و٣١٥ و٣٨٢) : حدثنا سفيان وعبد الرحمن , عن سفيان , عن أبي الزبير , عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) .

стр. 3830

وحدثنا أبو معاوية. حدثنا الأعمش , عن أبي سفيان , عن جابر قال: قال رسول الله: ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة)) . وحدثنا روح , حدثنا ابن جريج. أخبرني أبو الزبير , أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) . وقال ابن حبان (الثقات. ج: ٧. ص: ٣١١ ح: ٥٢١٤) : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى , قال: حدثنا عمرو بن علي بن بحر , قال: حدثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال: أخبرني أبو الزبير , قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ((طعام الواحد يكفى الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) . وقال البخاري (الجامع الصحيح. ج: ٦. ص: ٢٠٠) : حدثنا عبد الله بن يوسف. أخبرنا مالك. وحدثنا إسماعيل. حدثنى مالك , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الاثنين كافي الثلاثة , وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) . وقال مسلم (على هامش شرحه للنووي. ج: ١٤. ص: ٢٢ و٢٣) : حدثنا يحيى بن يحيى , قال: قرأت على مالك , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الاثنين كافي الثلاثة , وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) . حدثنا إسحاق بن إبراهيم. أخبرنا روح بن عبادة. وحدثني يحيى بن حبيب. حدثنا روح. حدثنا ابن جريج , أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) . وفي رواية إسحاق قال رسول الله ﷺ : لم يذكر سمعت. حدثنى ابن نمير. حدثنا أبي. حدثنا سفيان. وحدثنى محمد بن المثنى. حدثنا عبد الرحمن بن سفيان , عن جابر , عن النبي ﷺ بمثل حديث ابن جريج. وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة أبو كريب , وإسحاق بن إبراهيم. قال أبو بكر وأبو كريب: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن أبي سفيان , عن جابر قال: قال رسول الله: ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة)) . حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة , قالا: حدثنا جرير , عن الأعمش , عن أبي سفيان , عن جابر , عن النبي ﷺ قال: ((طعام الرجل يكفي الرجلين , وطعام الرجلين يكفي أربعة , وطعام أربعة يكفي ثمانية)) .

стр. 3831

وقال الترمذي (الجامع الصحيح. ج: ٤. ص: ٢٦٧. ح: ١٨٢٠) : حدثنا الأنصاري. حدثنا معن. حدثنا مالك. وحدثنا قتيبة , عن مالك , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((طعام الاثنين كافي الثلاثة , وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) . وتعقبه بقوله: وفي الباب عن جابر وابن عمر. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح , روى جابر وابن عمر , عن النبي ﷺ قال: ((طعام الواحد يكفى الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) . وحدثنا محمد بن بشار. حدثنا محمد بن مهدي , عن سفيان , عن الأعمش , عن أبي سفيان , عن جابر , عن النبي ﷺ بهذا. وقال ابن ماجه (السنن. ج: ٢. ص: ١٠٨٤. ح: ٣٢٥٤ و٣٢٥٥) : حدثنا محمد بن عبد الله الرقي. حدثنا يحيى بن زياد الأسدي. أنبأنا ابن جريج. أنبأنا أبو الزبير , عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) . حدثنا الحسن بن علي الخلال. حدثنا الحسن بن موسي , حدثنا سعيد بن زيد. حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير , قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر , عن أبيه , عن جده عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن طعام الواحد يكفي الاثنين , وإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة , وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة)) . وقال الدارمي (السنن. ج: ٢. ص: ١٠٠) : أخبرنا أبو عاصم , عن ابن جريج , عن أبي الزبير , عن جابر , عن النبي ﷺ : ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة , وطعام الأربعة بكفي الثمانية)) . وقال الطبراني (المعجم الكبير ج: ٧. ص: ٢٢٩. ح: ٦٩٥٨ و٦٩٦٣) : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري. حدثنا إبراهيم بن الوليد , عن محمد الأبلي. حدثنا أبي , حدثنا مبارك بن فضالة , عن الحسن , عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الواحد يكفي الاثنين , وطعام الاثنين يكفي الأربعة)) . حدثنا عبد الله بن أحمد. حدثنا أيوب بن محمد الوزان , حدثنا فهير يحيى بن زياد – نظن أنه سقطت بين كلمة (فهير) وكلمة (يحيى بن زياد) كلمة هي (حدثنا) أو (أخبرنا) أو ما شاكلها – حدثنا ابن جريج. حدثنا أبو بكر , عن الحسن , عن سمرة , عن النبي ﷺ قال: ((طعام الاثنين كافي الأربعة , وطعام الأربعة كافي الثمانية)) . وقال (المعجم الكبير. ج: ١٠. ص ١٢٦. ح ١٠٠٩٢) : حدثنا جعفر بن أحمد السامي الكوفي، حدثنا أبو كريب، حدثنا مختار بن غسان، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة)) .

стр. 3832

وقال (المعجم الكبير. ج ١٢. ص:٣٢٠. ح: ١٣٢٣٦) : حدثنا الحسن بن علي الفسوي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، اجتمعوا ولا تتفرقوا عنه)) . قلت: لقد رأيت أن أتتبع هذا الحديث بما يشبه الاستقراء لأسانيده وألفاظه دون اعتبار لتضعيفهم بعض المسندين، إذ إن الأسانيد والألفاظ على اختلافها وتباين رتبها يشهد بعضها لعبض، فلا مجال لمتابعتهم في تضعيف من ضعفوه، أو للتوقف عند كلامهم فيمن تكلموا فيه، فالحديث ثابت، وأكاد أجزم بأنه متواتر، وبعض من ضعفوه من مسنديه قد لا نتابعهم على تضعيفهم ولكن ليس هذا مجال مناقشة ذلك. أو كما قال، فهذا هو نفس قولنا. ومن طريق الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)) قال البخاري (الجامع الصحيح. ج: ٣. ص: ٩٨) : حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن سالمًا أخبره، أن عبد الله بن عمر – ﵄ – أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)) . وقال (الجامع الصحيح ج: ٨. ص: ٥٩) : حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن سالمًا أخبره، أن عبد الله بن عمر – ﵄ – أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)) . وقال مسلم (الصحيح على هامش شرحه للنووي. ج: ٩ ص: ١٩٩) : حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر)) . وقال مسلم (الصحيح على هامش شرحه للنووي. ج: ١٦. ص ١٢٠ و١٢١) : حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود – يعني ابن قيس – عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) .

стр. 3833

وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة - وهو ابن زيد - أنه سمع أبا سعيد مولى عبد الله بن عامر ابن كريز يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ ، فذكر نحو حديث داود. زاد ونقص، ومما زاد فيه: ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأشار بأصابعه إلى صدره)) . وقال الترمذي (الجامع الصحيح. ج: ٤. ص: ٣٤ و٣٥. ح: ٤٢٦) : حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة.)) وتعقبه بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال أحمد (المسند. ج: ٤. ص: ٧٩) : حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا إسرئيل بن يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج الناس أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلى عنه، فأتينا رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: ((أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت المسلم أخو المسلم)) ، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا الوليد بن القاسم وأسود بن عامر، قالا: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال أبو داود (السنن. ج: ٣. ص: ٢٢٤. ح: ٣٢٥٦) : حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، قال: ((صدقت المسلم أخو المسلم)) . وقال (السنن. ج: ٤. ص: ٢٧٣. ح: ٤٨٩٣) : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه، فإن الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة)) . وقال ابن ماجه (السنن. ج:١. ص: ٦٨٥. ح: ٢١١٩) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل. وحدثنا يحيى بن حكيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج الناس، أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي، فقال: ((صدقت المسلم أخو المسلم)) .

стр. 3834

وقال (السنن. ج: ٢. ص: ٧٥٥. ح: ٢٢٤٦) : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي: سمعت يحيى بن أيوب يحدث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيّنه له)) . وقال الطبراني (المعجم الكبير. ج: ٧. ص: ٨٩. ح: ٦٤٦٤ و٦٤٦٥) : حدثنا حفص بن عمر الرقي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي، فقال: ((صدقت المسلم أخو المسلم)) ، حدثنا فضيل بن محمد الملطي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد النبي ﷺ ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنه أخي، فخلوا سبيله، فأتينا النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ((صدقت المسلم أخو المسلم)) . وقال (المعجم الكبير. ج: ١٧. ص: ٣١٦ و٣١٧. الأحاديث: ٨٧٣ و٨٧٦ و٨٧٧) : حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن أخو المؤمن، لا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر، ولا يخطب على خطبته حتى يذر)) . حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم)) . حدثنا أحمد بن زهير التستري، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي. عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم إن باع من أخيه شيئًا فيه عيب إلا يبينه له)) .

стр. 3835

وقال الشهاب القضاعي (مسند شهاب. ج: ١. ص: ١٣٢ و١٣٣. ح: ١٦٨ و١٦٩) : أخبرنا عبد الرحمن بن عمر النجيبي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا إبراهيم الحربي، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه)) ، أنبأنا أبو الحسن علي بن موسى السمسار بدمشق، حدثنا أبو زيد محمد بن أحمد المروزي، أنبأنا محمد بن يوسف الفربري، أنبأنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا يحيى بن بكير.، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن سالمًا أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة)) . من تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته - فقد أسلمه. حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا أحمد بن فتح، حدثنا عبد الوهاب بن عيسى، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن علي، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) قال مسلم (الصحيح على هامش شرح النووي. ج: ١٢. ص: ٢٣) : حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ ، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) .

стр. 3836

وقال أبو داود (السنن. ج: ص: ١٢٥ و١٢٦. ح: ١٦٦٣) : حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر، إذ جاء رجل على ناقة له، فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان عنده فضل ظهر، فليعد به عل من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) . وقال ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج: ٧. ص: ٣٩٢. ح: ٥٣٩٥) : أخبرنا أبو يعلى، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ ، إذ جاء رجل على راحلته، قال: فجعل يضرب يمينًا وشمالًا، فقال النبي ﷺ : ((من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد، فليعد به على من لا زاد. ذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل)) . وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٤. ص: ١٨٢) : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، حدثنا أبو عبد الله محمد بن نصر الإمام وأحمد بن النضر بن عبد الوهاب أبو الفضل. قالا: حدثنا شيبان بن أبي شيبة الأيلي، حدثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يضرب يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان معه فضل من ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) . وهذا إجماع الصحابة ﵃ يخبر بذلك أبو سعيد، وبكل ما في هذا الخبر نقول: ومن طريق أبي موسى، عن النبي ﷺ : ((أطعموا الجائع وفكوا العاني)) . والنصوص من القرآن والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدا.

стр. 3837

وروينا عن طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن ثابت، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين. قال ابن زنجويه (الأموال. ج: ٢. ص: ٧٨٩. الأثر: ١٣٦٤) : حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال عمر بن الخطاب: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول الأغنياء، فقسمتها في فقراء المهاجرين. قلت: يقتضي المنهاج الذي التزمناه في هذه التعاليق أن نقف عند تخريج الأثر، بيد أننا نجد أنفسنا في موقف يضطرنا إلى أن نخرج قليلًا عن هذا المنهاج، ذلك بأن محقق كتاب الأموال لابن زنجويه (شاكر ذيب فياض) حاول - كدأبه في كثير من مرويات ابن زنجويه - أن يبرز نفسه من نقده الحديث والآثار، فقال بعد أن أورد كلام ابن حزم في المحلى الذي أثبتناه في الأصل: (لكن حبيب بن أبي ثابت مدلس، يروي بالعنعنة، وهو من مدلسي الرتبة الثالثة، كما في طبقة المدلسين ١٣، وهي مرتبة من لم يحتج الأئمة بحديثهم، إلا إذا صرحوا بالسماع) . انتهى كلامه. ويظهر أن الرجل يحب أن ينطلق من ظواهر بعض أبجديات قواعد النقدة إلى مقعد الحكم على الأئمة، وهو منطلق عسير (مرتقى صعب) ، كان حريا أن يتحرج منه على الأقل توقيرًا لأئمة مكنهم علمهم المحيط المستوعب الواعي بقواعد الجرح والتعديل وضوابطه وطرائق استعمال تلك القواعد وموجباته وبالرجال وطبقاتهم ومقاماتهم من أمثال الذهبي والمزي إلى أن كان يحسب نفسه في طبقتهم، وذلك احتساب نشفق عليه من عواقبه. قال الذهبي ﵀ وهو يترجم لحبيب (سير أعلام النبلاء. ج: ٥. ص: ٢٨٨. ترجمة: ١٣٧) ماملخصه: الإمام الحافظ فقيه الكوفة أبو يحيى القرشي الأسدي مولاهم، حدث عن ابن عمر وابن عباس وأم سلمة، وقيل: لم يسمع منهما، وحكيم بن حزام، وقيل: لم يسمع منه، وأنس بن مالك وزيد بن أرقم وأبي وائل وزيد بن وهب وعاصم بن ضمرة وأبي الطفيل وأبي عبد الرحمن السلمي وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص وذر الهمداني وأبي صالح ذكوان والسائب بن فروخ وطاوس وأبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم ونافع بن جبير وكريب وعروة في المستحاضة، وقيل: بل هو عروة المزني، وكان من أئمة العلم، روى عنه عطاء بن أبي رباح وحصين ومنصور والأعمش وأبو حصين وأبو الزبير وطائفة من الكبار وابن جريج وحاتم بن أبي صغيرة ومسعر وعبد العزيز بن سياه وشعبة والثوري والمسعودي وقيس بن الربيع وحمزة الزيات وخلق.

стр. 3838

قال ابن المدينى: له نحو مائتي حديث، وقال أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش: كان بالكوفة ثلاثة، ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحماد، كانوا من أصحاب الفتيا، ولم يكن أحد بالكوفة إلا يذل لحبيب، وقال أحمد العجلي: كوفي تابعي ثقة، كان مفتي الكوفة قبل حماد بن أبي سليمان، وقال ابن المبارك، عن سفيان: حدثنا حبيب، عن أبي يحيى القتات، قال: قدمت الطائف مع حبيب بن أبي ثابت، فكأنما قدم عليهم نبي، وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى: ثقة حجة، فقيل ليحيى: حبيب ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين، ثم قال: أظن يحيى يريد منكرين، حديث ((تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير)) وحديث ((القبلة للصائم)) . قلت: الحديث الأول أخرجه الدارقطنى والبيهقي والطحاوي وغيرهم. أما الحديث الثاني وصوابه: ((ترك الوضوء من القبلة)) - فقد رواه أبو داود والنسائي والترمذي والبيهقي والدارقطني. ثم قال الذهبي: وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، لم يسمع من أم سلمة. ثم ذكر كلامهم حول سماعه من بعض الصحابة. ثم نقل عن أبي بكر بن عياش ومحمد بن عبد الله بن نمير والبخاري أنه مات سنة تسع عشرة ومائة، وروى عن ابن سعد، عن الهيثم، عن يحيى بن سلمة، عن كهيل، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة في ولاية يوسف بن عمر، ثم قال: كان من أبناء الثمانين، وهو ثقة بلا تردد، وقد تناكد الدولابي، فذكره في الضعفاء له، لمجرد قول ابن عون فيه: (كان أعور) ، وإنما هذا نعت لبصره، لا جرح له. ثم قال: قال زافر بن سليمان، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: من وضع جبينه لله، فقد برئ من الكبر. وقال أبو بكر بن عياش: رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجدًا، فلو رأيته قلت: ميت. يعني من طول السجود، قلت: وإني لأستحيي أن أستشهد بهذا الحشد الكبير من أقوال المترجمين ورجال الطبقات ونقدة الرجال في إمام مثل حبيب بن أبي ثابت، بيد أني أنقل قول المزي ﵀ (تهذب الكمال. ج: ٥ ص: ٣٥٨ وما بعدها. ترجمة: ١٠٧٩) بعد أن ترجم له بما يشبه ترجمة الذهبي مؤكدًا ما رمز به في صدر الترجمة: روى له الجماعة. وقول ابن عدي ﵀ (ج: ٢ ص: ٨١٣ وما بعدها) بعد أن ترجم له، وأسند إليه أحاديث: (وحبيب بن أبي ثابت هو أشهر وأكثر حديثًا من أن أحتاج إلى أن أذكر من حديثه شيئًا، وإنما ذكرت هذا المقدار من رواية الثوري وشعبة عنه، وهو بشهرته مستغنى عن أن أذكر من أخباره أكثر من هذا، وقد حدث عنه الأئمة مثل الأعمش والثوري وشعبة وغيرهم، وهو ثقة حجة، كما قاله ابن معين، ولعل ليس في الكوفيين كبير أحد مثله لشهرته وصحة حديثه، وهو في أئمتهم يجمع حديثه) .

стр. 3839

قلت: فهل بقي لمتحذلق أن يحاول التعريف بنفسه أو الظهور بظهور الناقد المجرح بالغمز فيما يرويه حبيب بعد مثل هذا القول من أئمة نقد الحديث والجرح والتعديل أمثال ابن عدي وابن معين والمزي والذهبي الذين أكدوا أنه حجة، ومعنى أنه حجة أنه مصدق فيما يرويه محتج بما يسنده، أيا كانت صيغة الإسناد، ومع ذلك يقول حضرة المعلق المحترم: (لكن حبيب بن أبي ثابت مدلس يروي بالعنعنة، وهو من مدلسي المرتبة الثالثة كما في طبقة المدلسين ١٣ وهي مرتبة من لم يحتج الأئمة بحديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع) . ولو نشاء لوقفنا معه عند مقولاتهم في صيغة العنعنة وفي التدليس وطبقة المدلسين، نوضح له طبيعة تلك المقولات، وكيف ينبغي تطبيقها حتى ولو سلمت لهم. بيد أننا نشفق عليه من هذا الموقف، إلا أن يلهمه الله التوفيق، فيزداد من العلم الواعي المدرك لحقائق المقولات غير الواقف عند ظواهرها، ويومئذ إذا مد الله في العمر والتقينا على عمل، قد يكون لنا معه موقف. ولمن شاء الاستزادة من الاطلاع على ما ترجموا به لحبيب بن أبي ثابت أن يرجع إلى تعليق أخينا العلامة الدكتور بشار عواد معروف على ترجمته التي أشرنا إليها آنفًا في تهذيب المزي، فقد استقصى أو أوشك أن يستقصي مصادر ترجمته ومراجعها زاده الله توفيقًا. وهذا إسناد في غاية الصحة والجلالة. ومن طريق سعيد بن منصور، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الثقفي، عن محمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن علي بن أبي طالب، أنه سمع عليّ بن أبي طالب يقول: إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه. (١) وعن ابن عمر أنه قال: في مالك حق سوى الزكاة. اختلفت الروايات عن ابن عمر، وأشهرها أنه يرى أن المال الذي أديت زكاته ليس بكنز، لكن روي عنه ما يشبه في ظاهره أن يكون مغايرًا لهذا الرأي مثل أثر ابن حزم موضوع التعليق، والحديث الذي رواه ابن أبي شيبة، وهو يشبهه قال: (الكتاب المصنف. ج: ٣. ص: ١٩١) : حدثنا معاذ، قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة أبو يونس، قال: حدثنا رباح، عن عبيدة، عن قزعة قال: قلت لابن عمر: إن لي مالًا، فما تأمرني إلى من أدفع زكاته؟ قال: ادفعها إلى ولي القوم - يعني الأمراء - ولكن في مالك حق سوى الزكاة يا قزعة.

стр. 3840

بيد أن التأمل في الروايتين عنه بوعي واستجلاء لمناطهما يهدي إلى أن ابن عمر ﵁ يفرق بين اعتبار المال كنزًا وما أديت زكاته، ليس بكنز عنده، وبين القول بوجوب حقوق في المال ليست ثابتة في زمان أو محددة بمقدار، وإنما توجبها ظروف وأحداث وتعينها وتضع حدودها في نطاق اعتبار طاقة كل أحد من المسلمين، فالفارق بين الأمرين أن الزكاة تجب عند توفر نصاب معين وحلول وقت معين، كوقت الحصاد، أو دوران الحول. أما الحقوق الطارئة التي توجبها ظروف وتعين مقادرها مع اعتبار طاقة الفرد، فوجوبها لا يتوقف على توفر نصاب معين أو حلول وقت معين ثابت، ومقدارها لا يتحدد بحد معين ثابت، وإنما يتغير ويتفاوت طبقًا للظرف الموجب لها ولحال من وجبت عليه، وبهذا يتضح أنه فيما نسب إلى ابن عمر تغاير في جوهره، وإن تراءى كذلك في ظاهره. فتأمل. وعن عائشة أم المؤمنين والحسن بن علي وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع، فقد وجب حقك وقال ابن زنجويه (الأموال. ج: ٣. ص: ١١٣٣. الأثر: ٢١٠٤ و٢١٠٥) : أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: جاء رجل إلى الحسن بن علي ﵇ يسأله، فقال: إن كنت تسأل في فقر مدقع أو غرم موجع أو دم مفظع، فقد وجب حقك. قال: ما أسألك في شيء من هؤلاء. قال: فلا حق لك. فأتى ابن عمر فسأله، فقال له مثل ذلك. وحدثنا علي بن الحسن، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حبال بن رفيدة التميمي، أن الحسن بن علي ﵇ أتاه سائل، فقال: إن كنت تسأل عن غرم مفظع أو فقر مدقع أو دم موجع، فقد وجب حقك. قلت: تكلم بعضهم في أسانيد هذا الأثر، فغمزوا واحدًا منها بالانقطاع، وآخر بضعف بعض رواته، ولست أريد أن أقف عند مغامزهم، إن أريد إلا أن أوضح وهمًا وقع للذهبي ﵀ في الميزان (ج: ١. ص: ٤٤٨. ترجمة: ١٦٨٠) في ترجمة حبال بن رفيدة، إذ قال: لا يعرف. قال البستي: فيه نظر. انتهى كلام الذهبي، ﵀. على حين أن حبال ترجم له ابن حبان في الثقات (ج: ٤. ص: ١٩٣) ، فقال: حبال بن رفيدة التميمي يروي عن الحسن، هو الحبال بن أبي الحبال، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وترجم له الرازي في الجرح والتعديل (ج: ٣. ص: ٣١٥. ترجمة: ١٤٠٥) فقال: حبال بن رفيدة كوفي، روى عن الحسن بن علي ومسروق، روى عنه أبو إسحاق ويونس بن أبي إسحاق ويحيى بن عبد الله الجابر سمعت أبي يقول ذلك.

стр. 3841

ثم قال: ذكر أبي، عن أبي إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: حبال بن رفيدة ثقة. انتهى كلام الرازي. قلت: لكن لم أجد له ذكرًا في تاريخ ابن معين. فليحرر. وقال ابن زنجويه (الأموال. ج: ٣. ص: ١١٣٣. الأثر: ٢١٠٦) : أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا ابن ثوبان، حدثني من سمع الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس يسأله، فقال له ابن عباس: إن كنت تسأل في دم مفظع أو غرم مثقل أو فقر مجهد، حلت لك المسألة. ثم أتى ابن عمر فسأله، فقال له مثل ذلك. قلت: ولم نقف على ذكر لعائشة ﵂ في مثل هذا الأثر، إلا ما جاء في كلام ابن حزم، وأحسبه وقف عليه، حيث لم أهتد إليه. وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاث مائة من الصحابة ﵃ أن زادهم فني، فأمرهم أبو عبيدة، فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم أيامًا على السواء. وروى مالك في الموطأ (ص: ٨٠٣) عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله أنه قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة، قال: وأنا فيهم، قال: فخرجنا، حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودين من تمر، قال: فكان يقوتناه كل يوم قليلًا، حتى فني، ولم تصبنا منه إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تفي تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حيث فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبتا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما، ولم تصبهما. وقد روى هذا الحديث كل من البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود في مواضع مختلفة من كتبهم، لا نرى ما يدعو إلى نقل أسانيدهم كلها؛ لأن ذلك يطيل التعليق في غير طائل، حسبنا أن نشير إليها نقلًا عن المزي في (تحفة الأشراف. ج: ٢. ص: ٣٨٥) ، ففي ذلك إرشاد لمن يريد استقراءها، قال ﵀: بعث النبي ﷺ بعثًا قبل الساحل، وأمر عليهم أبا عبيدة، وهم ثلاثماثة ... الحديث. (خ) في الشركة (١: ١) ، عن عبد الله بن يوسف. وفي المغازي (٦٦: ١) عن إسماعيل بن أويس، كلاهما عن مالك. وفي الجهاد (١٢٣) عن صدقة بن الفضل، عن عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، كلاهما عنه به. و (٤: ٥) عن محمد بن حاتم، عن ابن مهدي، عن مالك به. و (٤: ٦) عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير عنه به. في الزهد (٩٩: ٥) ، عن هناد بن السري، عن عبدة به. وقال: حسن صحيح. س في الصيد (٣٥: ٢) وفي السير (في الكبرى) ، عن محمد بن آدم، عن عبدة به.

стр. 3842

و (في الكبرى) عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك به. ق في الزهد (١٢: ٥) ، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبدة به. وبعضهم يزيد على بعض الحديث. ووقع في بعض النسخ المتأخرة من ت: عن هشام بن عروة عن (أبيه) ، عن وهب بن كيسان. وهو وهم. وفي عدة من الأصول العتيقة: عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، ليس فيه (عن أبيه) ، وهو الصواب، كما في رواية الباقين. وقد رواه أيضًا جميع مدوني السير، مثل ابن هشام، وأورده الذهبي مختصرًا في (سير أعلام النبلاء. ج: ١. ص: ٢٠. ترجمة: ١) . وأحال المعلق على سيرة ابن هشام (ج: ٢. ص: ٦٣٢، ٦٣٣) . فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة ﵃ لا مخالف لهم منهم. وصح أن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقولون: في المال حق سوى الزكاة. وما نعلم من أحد منهم خلافا في هذا إلا عن الضحاك بن مزاحم، فإنه قال: نسخت الزكاة كل حق في المال. وما رواية الضحاك حجة قال ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف. ج: ٣. ص: ١٨٦) : حدثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقال أبو عبيد (الأموال. ص: ٤٩٩. الأثر: ٩٣٠) : حدثنا مروان بن معاوية، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقال ابن زنجويه (الأموال. ج: ٢. ص: ٧٩٢) : أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: نسخت الزكاة كل شيء في القرآن من الصدقة. أما قول ابن حزم يغفر الله له: (وما رواية الضحاك حجة فكيف رأيه؟) ، فإنما هو من بعض نزواته، وما أكثرها، يغفر الله له، ولئن كان بعضها مقبولًا، فإن منها ما كنا نود أن لو تحرج منه، فهو لا يتسق مع مثله من صدور العلماء والأئمة في التحقيق والاجتهاد، ولكن (جل من لعب فيه) ، ذلك بأن الضحاك بن مزاحم الهلالي ﵀ أحد الصدور الأجلاء تكلموا في روايته، عن ابن عباس، واضطربت الرواية عنه في أنه رآه أو لم يره، وإنما يروي حديثه تدليسًا إذا أخذه عن سعيد بن جبير، ولكن ذلك لا يغمز في علمه وورعه، ولا ينزل به على أن يكون حجة. قال الذهبي ﵀ (سير أعلام النبلاء. ج: ٤. ص: ٥٩٨. ترجمة: ٢٣٨) : الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو محمد، وقيل: أبو القاسم صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه، وهو صدوق في نفسه. ثم قال: حدث عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر وأنس بن مالك وعن الأسود وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس وطائفة، وبعضهم يقول: لم يلق ابن عباس، والله أعلم.

стр. 3843

حدث عنه عمارة بن أبي حفصة وأبو سعد البقال وجويبر بن سعيد ومقاتل وعلي بن الحكم وأبو روق عطية وأبو جنب الكلبي يحيى بن أبي حية ونهشل بن سعيد وعمرو بن الرماح وعبد العزيز بن أبي الرواد وقرة بن خالد وآخرون. وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وحديثه في السنن، لا في الصحيحين. وقد ضعفه يحيى بن سعيد، وقيل: كان يدلس، وقيل: كان فقيه مكتب كبير إلى الغاية، فيه ثلاثة آلاف صبي، فكان يركب حمارًا، ويدور على الصبيان، وله باع كبير في التفسير والقصص. قال سفيان الثوري: كان الضحاك يعلم ولا يأخذ أجرًا. ثم ذكر الروايات المختلفة عنه حول رؤيته لابن عباس. ونقل قول القطان: الضحاك عندنا ضعيف. وذكر ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٤. ص: ٤٥٣. ترجمة: ٧٨٤) أن البخاري علق عنه في كتاب اللعان عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ . وفي تفسير سورة الرحمن. ونقل عن أبي نعيم قوله: مات سنة خمس ومائة، كما نقل توثيق العجلي والدارقطني له. قلت: ورجل من هذا الطراز من كبار التابعين لا ينبغي لامرئ أيا كان ومهما يبلغ من العلم والاجتهاد والرأي أن يتقول فيه إلا خيرًا، فما الذي يبقى لطالب العلم وطالب الحق من أسباب إلى ما يطلب إذا سمحنا لأنفسنا بالغمز في هؤلاء الأقطاب، ومرة أخرى يغفر الله لابن حزم. فكيف رأيه؟!. والعجب أن المحتج بهذا أول مخالف له، فيرى في المال حقوقًا سوى الزكاة، منها النفقات على الأبوين المحتاجين، وعلى الزوجة وعلى الرقيق، وعلى الحيوان والديون، فظهر تناقضهم. فإن قيل: فقد رويتم عن ابن أبي شيبة: حدثنا أبو الأحوص، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: من أدى زكاة ماله، فليس عليه جناح أن لا يتصدق (١)

стр. 3844

ومن طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ نسختها العشر ونصف العشر قال ابن أبي شيبة: (الكتاب المصنف. ج: ٣. ص: ١٨٦) : حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ نسختها العشر ونصف العشر. وقال ابن زنجويه (الأموال. ج: ٢. ص: ٤٩٤ الأثر: ١٣٧٥) : حدثنا يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ - سورة الأنعام الآية رقم (١٤١) - قال: العشر ونصف العشر. وقال أبو يوسف (الخراج. ص: ٥٦) : حدثنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن عبد الله بن عباس في قول الله : ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: العشر ونصف العشر. وقال يحيى بن آدم (الخراج. ص: ١٢٣. الأثر: ٣٩٨) : حدثنا معاوية، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: العشر ونصف العشر. وقال الطبري (جامع البيان. ج: ٨. ص: ٤٣) : حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: نسخها العشر ونصف العشر. وقال البيهقي (ج: ٤. ص: ١٣٢) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن أبي عمرو، وقالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: العشر ونصف العشر. كان ابن حزم يغفر الله له، له أن يتخير كلمة أدنى إلى اللياقة من كلمة (ساقطة) في وصف رواية مقسم، لأن مقسم روى عنه البخاري والأربعة، وإن تكلم فيه البعض على أن كلامهم لم يبلغ درجة (الإسقاط) ، وغاية أمره ما نقله ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ١٠. ص: ١٨٨ وما بعدها. ترجمة: ٥٠٧) عن الساجي من قوله: (تكلم الناس في بعض رواياته، ومن ارتياب البعض أو إنكارهم في سماعه عن بعض الصحابة مثل أمهات المؤمنين أم سلمة وميمونة وعائشة، وقد ضعفه بعضهم؛ لأنه كان يقرأ من كتاب، أو على حد تعبيرهم في (مصحف) ، وكان ذلك يومئذ عندهم مغمزًا. وكان الأولى لابن حزم أن يقف عند سماع الحكم عن مقسم، فقد شككوا في معظم سماعه منه، حتى قال أحمد: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وأما غير ذلك فأخذها من كتاب.

стр. 3845

وشكك شعبة أيضًا في بعض سماعات الحكم من مقسم. على أن الحكم روى عنه الجماعة، وكان من أوعية العلم، فلا ضير عليه أن يكون أخذ شيئًا من حديث مقسم من كتاب ثبت لديه أن ما ورد فيه عن مقسم صحيح، وقد يكون ناوله مقسم نفسه ذلك الكتاب، ويغفر الله لابن حزم، فلو ذهبنا مع تشكيكه وتشنجاته في بعض ما يروى وما ينقد، لفاتنا علم كثير. ثم إن مقسمًا لم ينفرد برواية هذا الأثر عن ابن عباس، بل رواه عنه أيضًا الحكم مباشرة من غير وساطة مقسم. قال يحيى بن آدم (الخراج. ص: ١٢٤. الأثر: ٣٩٧) : حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن الحكم، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: نسختها العشر ونصف العشر. قلت لحفص في ما يختلف فيه المعنى، فسكت، قلت له: فسمعته يذكر فيه مقسم؟ قال: لا. ومع أننا لا نذهب في تأويل هذه الآية مذهب ابن عباس مما رواه الحكم مباشرة أو بواسطة مقسم، فإننا نتحرج أشد التحرج من أن نغمز في رواية الحكم أو مقسم لمجرد أن نعضد رأينا بالتشكيك فيما روى من غير رأينا، وإن كان ابن عباس، فابن عباس حبر الأمة ومن أكابر علماء الصحابة وعلى أقصى درجات الجلال والوقار، بيد أن رأيه مهما يبلغ إجلالنا وتوقيرنا له رأي بشر ما لم يأثره عن رسول الله ﷺ ، وحسبنا ذلك لنقول له: لك رأيك، بيد أننا لسنا ملزمين به، أما كان هذا الموقف أولى بابن حزم؟ يغفر الله لنا وله. فإن رواية مقسم ساقطة لضعفه وليس فيها - لو صحت - خلاف لقولنا.

стр. 3846

وأما رواية عكرمة، فإنما هي أن لا يتصدق تطوعًا، وهذا صحيح. وأما القيام بالمجهود، ففرض ودين، وليس صدقة تطوع. ويقولون: من عطش فخاف الموت، ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده، وأن يقاتل عليه. فأي فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش وبين ما منعوه منه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع أو العري؟! وهذا خلاف الإجماع والقرآن والسنن والقياس. ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة أو لحم خنزير وهو يجد طعامًا فيه فضل عن صاحبه أو لذمي، لأن فرضًا على صاحب الطعام إطعام الجائع، فإذا كان ذلك كذلك، فليس بمضطر إلى الميتة، ولا إلى لحم الخنزير، وبالله تعالى التوفيق. وله أن يقاتل على ذلك، فإن قتل، فعلى قاتله القود، وإن قتل المانع، فإلى لعنة الله؛ لأنه منع حقا، وهو طائفة باغية، قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) وما يمنع الحق باغ على أخيه الذي له الحق، وبهذا قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانع الزكاة، وبالله تعالى التوفيق. قلت: لم أقف في هذا الشأن على تحقيق جامع شامل مثل هذا الذي دَبَّجه ابن حزم ﵀ لذلك نقلته بكامله، وإن يكن على بعض الطول، وأحسبه يغني عن أي تحقيق آخر لأي فقيه غير ابن حزم، كذلك ننطلق منه إلى استئناف ما كنا بصدده من اقتباس آراء وروايات أئمة التفسير. وقال ابن عطية (٢) وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية، هذه كلها حقوق في المال سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: هي الزكاة. ثم قال بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ . وذكر الزكاة هنا دليل على أن ما تقدم ليس الزكاة المفروضة. وقال القرطبي (٣) قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ . استدل به من قال: إن في المال حقا سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح، لما أخرجه الدارقطني (٤) عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن في المال حقا غير الزكاة)) .

стр. 3847

ثم تلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وأخرجه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله: وهو أصح. قلت - القائل القرطبي -: والحديث وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في هذه الآية نفسها من قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ ، فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك دليل على أن المراد بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كاد يكون تكرارًا، والله أعلم، واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة، فإنه يجب صرف المال إليها، قال مالك ﵀: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم (١) وهذا إجماع أيضًا، وهو يقوي ما اخترناه، والموفق الإله. وقال ابن حيان الأندلسي (٢) بعد أن ذكر أقوال بعض المفسرين في تأويل هذه الآية وضعفها: وقيل: هو حق واجب غير الزكاة. قال الشعبي: (إن في المال حقا سوى الزكاة) وتلا هذه الآية، وقيل: رفع الحاجات الضرورية مثل إطعام الطعام للمضطر. فأما ما روي على أن الزكاة نسخت كل حق، فيحمل على الحقوق المقدرة، أما ما لا يكون مقدرًا، فغير منسوخ، فدليل وجوب التصدق عند الضروري ووجوب النفقة على الأقارب وعلى المملوك، وذلك كله غير مقدر. وقال الرازي (٣) في معرض تفسير هذه الآية: (المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء، فقال قوم: إنها الزكاة. وهذا ضعيف؛ وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ . ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا، فثبت أن المراد به غير الزكاة، ثم إنه لا يخلو إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات، لا جائز أن يكون من التطوعات؛ لأنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . وقف التقوى عليه، ولو كان ذلك ندبًا، لما وقف التقوى عليه.

стр. 3848

فثبت أن هذا الإيتاء وإن كان غير الزكاة، إلا أنه من الواجبات، ثم فيه قولان: القول الأول: أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية، مثل إطعام المضطر، ومما يدل على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول. أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره طاو إلى جنبه)) (١) وروي عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقًا سوى الزكاة، ثم تلت: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ . وحكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته، فهل عليه شيء سواه؟ فقال: نعم، يصل القرابة، ويعطي السائل، ثم تلا هذه الآية. وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة، ولم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهرًا، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب. واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي ﵁ أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق (٢) والجواب من وجوه: الأول: أنه معارض بما روي أنه ﵊ قال: ((في المال حقوق سوى الزكاة)) (٣) وقول الرسول ﷺ أولى من قول علي. والثاني: أجمعت على أنه إذا حضر المضطر، فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال. الثالث: المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة، أما الذي لا يكون مقدرًا، فإنه غير منسوخ، بدليل أنه يلزم التصدق عن الضرورة، ويلزم النفقة على الأقارب وعلى المملوك، وذلك غير مقدر، فإن قيل: هب أنه صح هذا التأويل، ولكن ما الحكمة في هذا الترتيب؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى قدم الأولى فالأولى؛ لأن الفقير إذا كان قريبًا، فهو أولى بالصدقة من غيره، من حيث إنه يكون ذلك جامعًا بين الصلة والصدقة، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه، وذلك يستحق به الإرث ويحجر بسببه على المالك في الوصية حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٤) الآية.

стр. 3849

وإن كانت تلك الوصية قد صدرت منسوخة عند بعضهم، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى، ثم أتبعه تعالى باليتامى؛ لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب، فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين؛ لأن الحاجة قد تشتد بهم، ثم ذكر ابن السبيل، إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله، ثم ذكر السائلين وفي الرقاب؛ لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره. ثانيها: أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه الفُرق تقوى وتضعف، فرتب تعالى ذكر هذه الفُرُق على هذا الوجه؛ لأن علمه بشدة حاجة من يقرب إليه أقرب، ثم بحاجة الأيتام، ثم بحاجة المساكين، ثم على هذا النسق. وثالثها: أن ذا القربى مسكين وله صفة زائدة تخصه؛ لأن شدة الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى ثم باليتامى، وأخر المساكين؛ لأن الغمّ الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب من الغم الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلها، فأما ابن السبيل فقد يكون غنيا وقد تشتد حاجته في الوقت، والسائل قد يكون غنيا ويظهر شدة الحاجة، وأخر المكاتب؛ لأن إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة. والقول الثاني: لأن المراد بإيتاء المال ما روي عنه ﵊ عند ذكره الإبل، قال: ((إن فيها حقا هو إطراق فحلها وإعارة دلوها)) (١) وهذا بعيد؛ لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والمكاتب. القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجبًا، ثم إنه صار منسوخًا بالزكاة، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة. وقال ابن تيمية (٢) في معرض بيان قاعدة (أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوباتهم على ترك المحرمات، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوباتهم على فعل المحرمات) .

стр. 3850

وذكر لبيان ذلك وجوهًا، وعند شرح الوجه الحادي والعشرين منها قال: وقد قال الله تعالى في أكبر سورة في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) إلى آخرها، فوصف المتقين بفعل المأمور به من الإيمإن والعمل الصالح من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . وهذه الآية عظيمة وجليلة القدر من أعظم آي القرآن وأجمعه لأمر الدين، وقد روي أن النبي ﷺ سئل عن خصال الإيمان فنزلت. وفي الترمذي عن فاطمة بنت قيس عنه ﷺ أنه قال: ((إن في المال حقا سوى الزكاة)) وقرأ هذه الآية، وقد دلت على أمور: أحدها: أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون، وعامة فعل هذه الأمور مأمور به. الثاني: أنه أخبر أن هذه الأمور هي البر وأهله هم الصادقون، يعني في قوله: (آمنا) ، وعامتها أمور وجودية هي أفعال مأمور بها، فعلم أن المأمور به أدخلوا في البر والتقوى والإيمان من عدم المنهي عنه وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٢) , وقال: ﴿أم نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (٤) وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٥) ، وهذه الخصال المذكورة في الآية قد دلت على وجوبها؛ لأنه أخبر بأن أهلها هم الذين سبقوا في قولهم وهم المتقون، والصدق واجب، والإيمان واجب بإيجاب حقوق سوى الزكاة، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٦)

стр. 3851

وقوله لبني إسرائيل: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ . (١) وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٣) في (سبحان) و (الروم) ، فإتيان ذي القربى حقه: صلة الرحم، والمسكين: إطعام الجائع، وابن السبيل: قرى الضيف، وفي الرقاب: فكاك العاني، واليتيم نوع من إطعام الفقير. وفي البخاري عن النبي ﷺ : ((عودوا المريض، وأطعمو االجائع، وفكوا العاني)) قال البخاري (ج: ٦. ص: ١٤٣) : حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض. وقال: (ج: ٦. ص: ١٩٥) : حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني. وقال (ج:٧. ص:٣ و٤) : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني. لكن البخاري لم ينفرد بهذا الحديث، فقد ذكره المزي في (تحفة الأشراف. ج: ٦. ص: ٤١٨) أن الحديث رواه أيضًا أبو داود والنسائي، وهذا تخريجه بنصه: حديث: (فكوا العاني وأطعموا الجائع وعودوا المريض) . خ الأطعمة (١: ١) عن محمد بن كثير. وفي النكاح (٧٢: ٢) وفي الأحكام (٢٣) عن مسدد، عن يحيى، كلاهما عن سفيان. وفي الجهاد (١٧٠: ٢) عن قتيبة، عن جرير. وفي الطب (بل في المرضى ٤: ١) عن قتيبة، عن أبي عوانة، ثلاثتهم عن منصورعنه به، ك. د في الجنائز (١١: ٢) عن محمد بن كثير به. س. في السير (الكبرى ٦٣) وفي الطب ك (الكبرى ٨: ١) عن قتيبة، عن أبي عوانة به. وفي الطب (٨: ١) عن محمود بن غيلان بن وكيع وبشر بن السري جميعًا عن سفيان به. ك حديث في رواية ابن العبد وابن داسة، وحديث محمود بن غيلان ليس في الرواية ولم يذكرهما أبو القاسم. وفي الحديث الذي أفتى به أحمد: لو صدق السائل ما أفلح من رده (٤) وقال محمد عبده (٥) عند شرحه للآية: ومشروعية البدل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لا تتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود، ولا يكون المبذول مقدارًا معينًا بالنسبة إلى ما يملك، ككونه عشرًا أو ربع العشر أو عشر العشر، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى، ووقاية الإنسان المحترم من الهلاك والتلف واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك فلا تقدير له، وقد أغفل أكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها الكتاب العزيز، لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة، فلا يكادون يبذلون شيئًا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقًا؛ لأنهم اتخذوا السؤال حرفة، وأكثرهم واجدون، ولو أقاموها لكان حال المسلمين في معايشهم خيرًا من سائر الأمم، ولكان هذا من أسباب دخول الناس في الإسلام، وتفضيله على جميع ما يتصور الباحثون من مذاهب الاشتراكيين والماليين. وقال محمد الطاهر بن عاشور (٦) بعد أن أفاض في إيضاح الجوانب اللغوية والنحوية والبيانية من نظم الآية الكريمة كعادته: الإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية؛ لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى (عنها) (٧) الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة، وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحرارًا، والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية، وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية، وهي ثقة الناس بعضهم ببعض، والصبر في جماع الفضائل وشجاعة الأمة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرًا ادعائيا للمبالغة (٨)

стр. 3852

ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم؛ لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين، ولأنهم حرموا كثيرًا من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا، وفيها أيضا تعريض بالمشركين، إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر والنبيين والكتب، وسلبوا اليتامى أموالهم ولم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وفي قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) تواضع جمهور المفسرين على تأويل هذه الآيات في إطار من المفهوم الفردي لدلالاتها وحتى أولئك الذين عرضوا لاحتمال أن يكون المقصود من المخاطبين الذين أضيفت الأموال إليهم جمعًا مجموع المسلمين أو الأمة الإسلامية كافة، كان تصورهم بهذا الاحتمال منطلقًا من اعتبار الجماعة أو الأمة الإسلامية مجرد مجموعة أفراد دون أن يلحظوا أن المجتمع الإسلامي كثيرًا ما يعتبره الشرع كيانًا متميزًا أو - حسب التعبير الحديث - شخصية معنوية ويوجه إليه الخطاب بناء على هذا الاعتبار، وإن كان من الممكن أن نلمح عند التأمل ظلالًا غير واضحة لهذا التصور عند بعضهم، وكلما تقدم الزمن وتطورت المؤثرات المعاشية والحضارية ازداد هذا التصور وضوحًا لدى من يعايشون أطوار ذلك التقدم ومراحله. وقد آثرنا أن ندرج صفايا أقوالهم وإن ابتعد معظمها عن وجهتنا وما نراه متسقًا مع ما نسميه (مناط التشريع الإسلامي في المجال المالي باعتباره مجالًا اجتماعيًا أولًا ثم فرديًا بالتبعية) صدقًا مع المنهج العلمي القاضي بعرض جميع جوانب الموضوع الذي يتناوله البحث وجميع الآراء والتصورات المحيطة به ليتسنى تقييم ما يصير إليه الباحث من نتائج على هدي من استكمال العناصر ووضوح المسار واجتلاء مرجحات الاختيار وتيسيرًا للقارئ أن يوازن ويصدر حكمه إن كان مؤهلًا للحكم دون الحاجة إلى مراجعة المصادر التي اعتمدناها إلا أن يريد التثبت أو يتوخى المزيد من الإحاطة لما قد يكون اقتصرنا في نقله على ما اعتبرناه - بتقدير علمي مجرد - الخلاصة والصفوة لرأي أو اتجاه، فاقتصرنا على نقله، وأحلنا إلى مصدره من يريد المزيد من الاستقراء.

стр. 3853

ففي آية سورة البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ الآية، يقول ابن عطية (١) الخطاب لأمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض. فأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي، لما كان كل واحد منهيًا عنه، وكما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) وقال القرطبي (٣) : الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض. ثم قال: وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيًا ومنهيًا عنه، كما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقال ابن حيان (٤) : وهذا الخطاب والنهي للمؤمنين وإضافة الأموال إلى المخاطبين، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، فالضمير الذي للخطاب يصح لكل واحد ممن حقه أن يكون منهيًا ومنهيًا عنه وآكلًا ومأكولًا منه، فخلط الضمير بهذه الصلاحية، وكما يحرم بأن يأكل، يحرم بأن يؤكل غيره. فليست الإضافة إذ ذاك للمالكين حقيقة، بل هي من باب الإضافة بالملابسة، وأجاز قوم الإضافة للمالكين. وقال ابن العربي (٥) معنى: لا يأكل بعضكم مال بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٦)

стр. 3854

المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وليسلم بعضكم على بعض، ووجه هذا الامتزاج أن أخا المسلم كنفسه في الحرمة، والدليل عليه الأثر والنظر، أما الأثر فقوله ﵇: ((مثل المسلمين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه، تداعى سائره بالحمى والسهر)) الحديث رواه الشعبي عن النعمان بن بشير. وأخرجه كل من البخاري ومسلم. وقال المزي (تحفة الأشراف. ج: ٩. ص: ٢٤. ح: ١١٦٢٧) : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ... )) الحديث. خ في الأدب (٢٧: ٤) عن أبي نعيم، عن زكرياء، عن الشعبي به. م في (الأدب ١٧: ٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن زكرياء به. و (١٧: ٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن وكيع، و (١٧: ٥) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، كلاهما عن الأعمش. و (١٧: ٣) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن مطرف، كلاهما عن الشعبي، رواه الأعمش عن خيثمة أيضًا، عن النعمان بن بشير، وقد مضى (١١٦١٨) . ورواه أحمد (المسند. ج: ٤. ص: ٢٧٠) : حدثنا يحيى بن سعيد، عن زكرياء قال: حدثنا عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) . الحديث، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكرياء، قال: سمعت عامر يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ : مثل المؤمنين ... فذكر الحديث. وقال (المسند. ص: ٢٧٤) : حدثنا يونس وسريج، قالا: حدثنا حماد، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، أن النبي ﷺ . وقال سريج في حديثه: سمعت النبي ﷺ يقول: ((مثل المؤمنين كمثل الجسد إذا تألم بعضه تداعى سائره)) . وقال ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج: ١. ص: ٢٢٨. ٢٣٣) : أخبرنا ابن قحطبة، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا عبيدة بن حميد، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مثل المؤمنين كمثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد)) .

стр. 3855

وقال الشهاب القضاعي (مسند شهاب. ص: ٢٨٣ و٢٨٤. ح: ١٣٦٦ و١٣٦٧ و١٣٦٨) : أخبرنا عبد الرحمن بن عمر البزار، أنبأنا أبو يوسف أحمد بن محمد بن الأعرابي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا بنجاب، حدثنا أبو عامر الأسعدي، حدثنا موسى بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى بعضه، تداعى سائره بالسهر والحمى)) ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الأدفوي، أخبرنا أبو الطيب أحمد بن سليمان الجريري إجازة، حدثنا أبو جعفر الطبري، حدثنا ابن حميد وأبو وكيع، قالا: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ : ((إنما مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) . أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري، أخبرنا القاضي أبو طاهر، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا جعفر بن حميد، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن عبد الملك بن عمير، عن النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم مثل الجسد إذا وجع بعضه وجع كله بالسهر والحمى)) . وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٣. ص: ٣٥٣) : أخبرنا الحسن بن بشران العدل ببغداد، أنبأنا جعفر بن محمد بن عمرو الرزاز , حدثنا محمد بن عبيد الله، حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن المنهال، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى)) . وقد رأينا نقل ألفاظ وأسانيد غير البخاري ومسلم لما في بعضها من التغاير عن بعض صيغة وزيادة ونقصًا. وأما النظر فإن رقية الجنسية تقتضيه وشفقة الآدمية تستدعيه. وقال محمد عبده (١) : الخطاب لعامة المكلفين، والمراد أن لا يأكل بعضكم مال بعض، واختار لفظ أموالكم، وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافئها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي وأخذ بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب ففي هذه الإضافة اللطيفة تعليل للنهي وبيان لحكمة الحكم كأنه قال: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل؛ لأن ذلك جناية على نفس الآكل من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه معهم من كل جناية تقع عليهم، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة. وقال محمد الطاهر بن عاشور (٢) : الضمائر في مثل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، عامة بجميع المسلمين، وفعل (ولا تأكلوا) واقع في حيز النهي، فهو عام، فأفاد ذلك نهيًا لجميع المسلمين من كل أكل وفي جميع الأموال. قلنا: هنا جمعان، جمع الآكلين، وجمع الأموال المأكولة، واذا تقابل جمعان في كلام العرب احتمل أن يكون من مقابلة كل فرد من أفراد الجمع بكل فرد من أفراد الجمع الآخر على التوزيع نحو: ركب القوم دوابهم. وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٣) ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) واحتمل أن يكون كذلك، لكن على معنى أن كل فرد يقابل بفرد غيره لا بفرد نفسه نحو قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ، واحتمل أن يكون من مقابلة كل فرد بجميع الأفراد نحو قوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ (٦) ، والتعويل في ذلك على القرائن، وقد علم أن هذين الجمعين هنا من النوع الثاني، أي: لا يأكل بعضهم مال بعض آخر بالباطل بقرينة قوله: ﴿بينكم﴾ ، لأن (بين) تقتضي توسطًا خلال طرفين، فعلم أن الطرفين آكل ومأكول منه، والمال بينهما، فلزم أن يكون الآكل غير المأكول، وإلا لما كانت فائدة لقوله: ﴿بينكم﴾ . قلت: وماذا يقول أستاذنا ﵀ في مثل قول القائل: (أجلسوا فلانًا بينكم) أو: (اقسموا هذا بينكم) ، فليس في المثالين ما يشبه آكل ومأكول منه، بل إن كلا منهما يخاطب طرفين في وضع متساو، وهذا هو المعنى الذي نرتئيه ونرتضيه في قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، فبينكم ليست قرينة التغاير الذي يعني فاعلًا ومفعولًا، وإنما هي قرينة التغاير الذي يعني التمايز والتعدد، وشتان بين التغاير في الأمرين، فليتأمل. أما في قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ففي ذلك قال القرطبي (٧) : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك: أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، التي هي قوامك بعد الله.
следующие страницы →