← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وقوله لبني إسرائيل: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ . (١) وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٣) في (سبحان) و (الروم) ، فإتيان ذي القربى حقه: صلة الرحم، والمسكين: إطعام الجائع، وابن السبيل: قرى الضيف، وفي الرقاب: فكاك العاني، واليتيم نوع من إطعام الفقير. وفي البخاري عن النبي ﷺ : ((عودوا المريض، وأطعمو االجائع، وفكوا العاني)) قال البخاري (ج: ٦. ص: ١٤٣) : حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض. وقال: (ج: ٦. ص: ١٩٥) : حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني. وقال (ج:٧. ص:٣ و٤) : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني. لكن البخاري لم ينفرد بهذا الحديث، فقد ذكره المزي في (تحفة الأشراف. ج: ٦. ص: ٤١٨) أن الحديث رواه أيضًا أبو داود والنسائي، وهذا تخريجه بنصه: حديث: (فكوا العاني وأطعموا الجائع وعودوا المريض) . خ الأطعمة (١: ١) عن محمد بن كثير. وفي النكاح (٧٢: ٢) وفي الأحكام (٢٣) عن مسدد، عن يحيى، كلاهما عن سفيان. وفي الجهاد (١٧٠: ٢) عن قتيبة، عن جرير. وفي الطب (بل في المرضى ٤: ١) عن قتيبة، عن أبي عوانة، ثلاثتهم عن منصورعنه به، ك. د في الجنائز (١١: ٢) عن محمد بن كثير به. س. في السير (الكبرى ٦٣) وفي الطب ك (الكبرى ٨: ١) عن قتيبة، عن أبي عوانة به. وفي الطب (٨: ١) عن محمود بن غيلان بن وكيع وبشر بن السري جميعًا عن سفيان به. ك حديث في رواية ابن العبد وابن داسة، وحديث محمود بن غيلان ليس في الرواية ولم يذكرهما أبو القاسم. وفي الحديث الذي أفتى به أحمد: لو صدق السائل ما أفلح من رده (٤) وقال محمد عبده (٥) عند شرحه للآية: ومشروعية البدل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لا تتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود، ولا يكون المبذول مقدارًا معينًا بالنسبة إلى ما يملك، ككونه عشرًا أو ربع العشر أو عشر العشر، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى، ووقاية الإنسان المحترم من الهلاك والتلف واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك فلا تقدير له، وقد أغفل أكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها الكتاب العزيز، لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة، فلا يكادون يبذلون شيئًا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقًا؛ لأنهم اتخذوا السؤال حرفة، وأكثرهم واجدون، ولو أقاموها لكان حال المسلمين في معايشهم خيرًا من سائر الأمم، ولكان هذا من أسباب دخول الناس في الإسلام، وتفضيله على جميع ما يتصور الباحثون من مذاهب الاشتراكيين والماليين. وقال محمد الطاهر بن عاشور (٦) بعد أن أفاض في إيضاح الجوانب اللغوية والنحوية والبيانية من نظم الآية الكريمة كعادته: الإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية؛ لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى (عنها) (٧) الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة، وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحرارًا، والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية، وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية، وهي ثقة الناس بعضهم ببعض، والصبر في جماع الفضائل وشجاعة الأمة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرًا ادعائيا للمبالغة (٨)

стр. 3852

ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم؛ لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين، ولأنهم حرموا كثيرًا من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا، وفيها أيضا تعريض بالمشركين، إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر والنبيين والكتب، وسلبوا اليتامى أموالهم ولم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وفي قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) تواضع جمهور المفسرين على تأويل هذه الآيات في إطار من المفهوم الفردي لدلالاتها وحتى أولئك الذين عرضوا لاحتمال أن يكون المقصود من المخاطبين الذين أضيفت الأموال إليهم جمعًا مجموع المسلمين أو الأمة الإسلامية كافة، كان تصورهم بهذا الاحتمال منطلقًا من اعتبار الجماعة أو الأمة الإسلامية مجرد مجموعة أفراد دون أن يلحظوا أن المجتمع الإسلامي كثيرًا ما يعتبره الشرع كيانًا متميزًا أو - حسب التعبير الحديث - شخصية معنوية ويوجه إليه الخطاب بناء على هذا الاعتبار، وإن كان من الممكن أن نلمح عند التأمل ظلالًا غير واضحة لهذا التصور عند بعضهم، وكلما تقدم الزمن وتطورت المؤثرات المعاشية والحضارية ازداد هذا التصور وضوحًا لدى من يعايشون أطوار ذلك التقدم ومراحله. وقد آثرنا أن ندرج صفايا أقوالهم وإن ابتعد معظمها عن وجهتنا وما نراه متسقًا مع ما نسميه (مناط التشريع الإسلامي في المجال المالي باعتباره مجالًا اجتماعيًا أولًا ثم فرديًا بالتبعية) صدقًا مع المنهج العلمي القاضي بعرض جميع جوانب الموضوع الذي يتناوله البحث وجميع الآراء والتصورات المحيطة به ليتسنى تقييم ما يصير إليه الباحث من نتائج على هدي من استكمال العناصر ووضوح المسار واجتلاء مرجحات الاختيار وتيسيرًا للقارئ أن يوازن ويصدر حكمه إن كان مؤهلًا للحكم دون الحاجة إلى مراجعة المصادر التي اعتمدناها إلا أن يريد التثبت أو يتوخى المزيد من الإحاطة لما قد يكون اقتصرنا في نقله على ما اعتبرناه - بتقدير علمي مجرد - الخلاصة والصفوة لرأي أو اتجاه، فاقتصرنا على نقله، وأحلنا إلى مصدره من يريد المزيد من الاستقراء.

стр. 3853

ففي آية سورة البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ الآية، يقول ابن عطية (١) الخطاب لأمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض. فأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي، لما كان كل واحد منهيًا عنه، وكما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) وقال القرطبي (٣) : الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض. ثم قال: وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيًا ومنهيًا عنه، كما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقال ابن حيان (٤) : وهذا الخطاب والنهي للمؤمنين وإضافة الأموال إلى المخاطبين، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، فالضمير الذي للخطاب يصح لكل واحد ممن حقه أن يكون منهيًا ومنهيًا عنه وآكلًا ومأكولًا منه، فخلط الضمير بهذه الصلاحية، وكما يحرم بأن يأكل، يحرم بأن يؤكل غيره. فليست الإضافة إذ ذاك للمالكين حقيقة، بل هي من باب الإضافة بالملابسة، وأجاز قوم الإضافة للمالكين. وقال ابن العربي (٥) معنى: لا يأكل بعضكم مال بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٦)

стр. 3854

المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وليسلم بعضكم على بعض، ووجه هذا الامتزاج أن أخا المسلم كنفسه في الحرمة، والدليل عليه الأثر والنظر، أما الأثر فقوله ﵇: ((مثل المسلمين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه، تداعى سائره بالحمى والسهر)) الحديث رواه الشعبي عن النعمان بن بشير. وأخرجه كل من البخاري ومسلم. وقال المزي (تحفة الأشراف. ج: ٩. ص: ٢٤. ح: ١١٦٢٧) : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ... )) الحديث. خ في الأدب (٢٧: ٤) عن أبي نعيم، عن زكرياء، عن الشعبي به. م في (الأدب ١٧: ٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن زكرياء به. و (١٧: ٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن وكيع، و (١٧: ٥) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، كلاهما عن الأعمش. و (١٧: ٣) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن مطرف، كلاهما عن الشعبي، رواه الأعمش عن خيثمة أيضًا، عن النعمان بن بشير، وقد مضى (١١٦١٨) . ورواه أحمد (المسند. ج: ٤. ص: ٢٧٠) : حدثنا يحيى بن سعيد، عن زكرياء قال: حدثنا عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) . الحديث، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكرياء، قال: سمعت عامر يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ : مثل المؤمنين ... فذكر الحديث. وقال (المسند. ص: ٢٧٤) : حدثنا يونس وسريج، قالا: حدثنا حماد، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، أن النبي ﷺ . وقال سريج في حديثه: سمعت النبي ﷺ يقول: ((مثل المؤمنين كمثل الجسد إذا تألم بعضه تداعى سائره)) . وقال ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج: ١. ص: ٢٢٨. ٢٣٣) : أخبرنا ابن قحطبة، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا عبيدة بن حميد، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مثل المؤمنين كمثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد)) .

стр. 3855

وقال الشهاب القضاعي (مسند شهاب. ص: ٢٨٣ و٢٨٤. ح: ١٣٦٦ و١٣٦٧ و١٣٦٨) : أخبرنا عبد الرحمن بن عمر البزار، أنبأنا أبو يوسف أحمد بن محمد بن الأعرابي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا بنجاب، حدثنا أبو عامر الأسعدي، حدثنا موسى بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى بعضه، تداعى سائره بالسهر والحمى)) ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الأدفوي، أخبرنا أبو الطيب أحمد بن سليمان الجريري إجازة، حدثنا أبو جعفر الطبري، حدثنا ابن حميد وأبو وكيع، قالا: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ : ((إنما مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) . أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري، أخبرنا القاضي أبو طاهر، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا جعفر بن حميد، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن عبد الملك بن عمير، عن النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم مثل الجسد إذا وجع بعضه وجع كله بالسهر والحمى)) . وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٣. ص: ٣٥٣) : أخبرنا الحسن بن بشران العدل ببغداد، أنبأنا جعفر بن محمد بن عمرو الرزاز , حدثنا محمد بن عبيد الله، حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن المنهال، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى)) . وقد رأينا نقل ألفاظ وأسانيد غير البخاري ومسلم لما في بعضها من التغاير عن بعض صيغة وزيادة ونقصًا. وأما النظر فإن رقية الجنسية تقتضيه وشفقة الآدمية تستدعيه. وقال محمد عبده (١) : الخطاب لعامة المكلفين، والمراد أن لا يأكل بعضكم مال بعض، واختار لفظ أموالكم، وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافئها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي وأخذ بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب ففي هذه الإضافة اللطيفة تعليل للنهي وبيان لحكمة الحكم كأنه قال: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل؛ لأن ذلك جناية على نفس الآكل من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه معهم من كل جناية تقع عليهم، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة. وقال محمد الطاهر بن عاشور (٢) : الضمائر في مثل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، عامة بجميع المسلمين، وفعل (ولا تأكلوا) واقع في حيز النهي، فهو عام، فأفاد ذلك نهيًا لجميع المسلمين من كل أكل وفي جميع الأموال. قلنا: هنا جمعان، جمع الآكلين، وجمع الأموال المأكولة، واذا تقابل جمعان في كلام العرب احتمل أن يكون من مقابلة كل فرد من أفراد الجمع بكل فرد من أفراد الجمع الآخر على التوزيع نحو: ركب القوم دوابهم. وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٣) ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) واحتمل أن يكون كذلك، لكن على معنى أن كل فرد يقابل بفرد غيره لا بفرد نفسه نحو قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ، واحتمل أن يكون من مقابلة كل فرد بجميع الأفراد نحو قوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ (٦) ، والتعويل في ذلك على القرائن، وقد علم أن هذين الجمعين هنا من النوع الثاني، أي: لا يأكل بعضهم مال بعض آخر بالباطل بقرينة قوله: ﴿بينكم﴾ ، لأن (بين) تقتضي توسطًا خلال طرفين، فعلم أن الطرفين آكل ومأكول منه، والمال بينهما، فلزم أن يكون الآكل غير المأكول، وإلا لما كانت فائدة لقوله: ﴿بينكم﴾ . قلت: وماذا يقول أستاذنا ﵀ في مثل قول القائل: (أجلسوا فلانًا بينكم) أو: (اقسموا هذا بينكم) ، فليس في المثالين ما يشبه آكل ومأكول منه، بل إن كلا منهما يخاطب طرفين في وضع متساو، وهذا هو المعنى الذي نرتئيه ونرتضيه في قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، فبينكم ليست قرينة التغاير الذي يعني فاعلًا ومفعولًا، وإنما هي قرينة التغاير الذي يعني التمايز والتعدد، وشتان بين التغاير في الأمرين، فليتأمل. أما في قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ففي ذلك قال القرطبي (٧) : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك: أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، التي هي قوامك بعد الله.

стр. 3856

حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي: أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، فإن المال هو قيام الناس وقوام معايشهم، يقول: كنت أنت قيم أهلك، فلا تعطي امرأتك مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك. حدثني المثني، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ، يقول الله سبحانه: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله للمعيشة فتعطيه امرأتك وبنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم وكسوتهم ورزقهم ومؤونتهم. قال: وقوله: قيامًا، يعني قوامك في معايشك. وعلى هذه الوتيرة مضى ابن جرير في نقله. وقال الزمخشري (١) : والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ . وقال القرطبي (٤) بعد أن أورد أقوالًا في تأويل الآية: ويقال: لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة. وروي عن عمر أنه قال: من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ يعني الجهالة بالأحكام، ويقال: لا تدفع إلى الكفار، ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع أو يدفع إليه مضاربة، وقال أبو موسى الأشعري ﵁: السفهاء هنا كل من يستحق الحجر. ثم قال: واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على هذا، وهم السفهاء، فقيل: أضافها إليهم؛ لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها، فنسبت إليهم اتساعًا، كقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦) وقيل: أضافها إليهم؛ لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد ومن ملك إلى ملك، أو هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم وبها قوام أمركم.

стр. 3857

وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة: إن المراد أموال المخاطبين حقيقة. قال ابن عباس: لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرًا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم، بل كن أنت الذي تنفق عليهم، فالسفهاء على هذا، هم النساء والصبيان، صغار ولد الرجل وامرأته، وهذا يخرج مع قول مجاهد وابن مالك في السفهاء. وقال الرازي (١) في الآية قولان: الأول: أنها خطاب الأولياء، فكأنه تعالى قال: يا أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم، والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ وأيضًا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها، كما قررناه، فإن قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلِمَ قال: أموالكم؟ قلنا: في الجواب وجهان: الأول أنه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنهم ملكوه، ولكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، وإنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) وقوله ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وكذلك: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم. قلت: هذا كلام أساسه صحيح، لكن النتيجة التي انتهى إليها الرازي لا سبيل إلى اعتبارها صحيحة، ولا سليمة، فاعتبار إضافة الأموال إلى المخاطبين جاءت على أساس أن المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه. وأن من ملاحظ الإضافة أنها جاءت على أساس أنها أضيفت إليهم، لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، وإنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص. هذا الاعتبار اعتبار صحيح لا سبيل إلى المماراة فيه، لكن الخلوص منها إلى أن هذه الاعتبارات حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، وأن الخطاب في الآية خطاب الأولياء خلوص لا يستقيم مع المنطق السليم إلا على أساس اعتبار الجماعة الإسلامية مجرد مجموعة أفراد وليست مجتمعًا ذا كيان معنوي متميز صالح لأن يتجه إليه الخطاب، وواضح أن هذا الأساس يناقض مبدأ الوحدة النوعية التي قام عليها توجيه الرازي لذلك التأويل.

стр. 3858

أما الاستدلال بقوله في الآية: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ فهو استدلال غير مستقيم، ذلك بأن الشراكة الاجتماعية في ملكية المال ملكية منفعة وانتفاع، وهي المناط من توجيه الخطاب إلى جمع المخاطبين، تترتب عنها تلقائيًا شراكة وظيفية، تحمل القادر تبعة التصرف طبقًا لما تقتضيه المصلحة العامة، وتخول غير القادر حق الاستفادة والانتفاع بحصته من المال الذي هو موضع الشراكة باعتباره عضوًا من المجتمع المشترك في ملكية المنفعة والانتفاع بذلك المال. ولا يتسع لنا المجال لمناقشة الرازي في استدلاله ببعض الآيات الكريمة تدعيمًا لتوجيهه ذاك، فشتان ما بين دلالة جمع المخاطبين في قوله في سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ مثلًا، وقوله في سورة البقرة: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ثم ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . ذلك بأن أمر بني إسرائيل بأن يقتلوا أنفسهم توبة مما اقترفوه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ الآية. والتنديد بهم أنهم يقتلون أنفسهم بما يسفكون من دماء بعضهم بعضًا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (١) لا سبيل إلى مشاكلتهما أو تشبيههما بوصف رسول الله ﷺ بأنه من أنفس المسلمين - على القراءة - بضم الفاء وهي الأظهر؛ لأنه وصف قائم على اعتبار وحدة المسلمين في أنفسهم وحدة خلق - بضم اللام - وشعور وإدراك ومتجه وإبراز مدى الوحدة النوعية بين ما فطر عليه ﷺ من خلق عظيم من خصائصه الحرص على المسلمين والإشفاق من أن يصيبهم عنت والرأفة والرحمة بهم باعتبارهم كيانًا جامعًا متميزًا، وباعتباره الخلاصة والصفوة لهم، منه يستمدون ما فطروا عليه وما تطبعوا به من الأخلاق والمواجد والمدارك وإبراز مدى أصالة هذه الوحدة بينه وبينهم، فهو ليس غريبًا عنهم، وهم ليسوا غرباء عنه. ولذلك جاء التعبير في الآية الكريمة بعد توجيه الخطاب إلى جمع المخاطبين بكلمة (المؤمنين) في قوله : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تمييزًا لهم عن غيرهم ممن لم تبلغ نفسه من السمو والصفاء مرتبة تؤهله للانتساب إلى المجتمع الذي يتميز بالوحدة النوعية نفسيا مع رسول الله ﷺ .

стр. 3859

فأين هذا من أمر الآثمين من بني إسرائيل بأن يقتلوا أنفسهم تكفيرًا عما اقترفوه والتنديد بالظالمين منهم بأنهم يقتلون أنفسهم بما يسفكون من دماء بعضهم بعضًا، فيقتل البريء ظلما، ويقتل أو يستحق القتل الجاني ثأرًا أو قصاصًا؟! أما الاستدلال بقوله في سورة النساء فاستدلال عجب، وأعجب منه أن يصدر من الرازي ذي العلاقة الوثقى بالفلسفة والشغف، أي أوشك أن يكون مسرفًا بها وبما تنهض عليه في عهده من طرائق المنطق الأرسطي، ذلك بأن الآية الكريمة وردت في معرض إباحة الزواج بالإماء ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) وجلي أن أي زواج لا ينعقد بحرة أو أمة إلا أن يأذن به ولي أمرها، وولي أمر الأمة مالكها، ولا سبيل إلى تصور أن أي إنسان يستطيع أن يعقد لرجل على أمة وإن كان لا يملكها بناء على أن الخطاب موجه على أساس نوع الوحدة الإنسانية، ثم إن كلمة ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وردت كثيرًا في القرآن الكريم في تشريع حقوق ملك اليمين وواجبات المالك لهم وكيف ينبغي أن يعاملوا فيما يتجاوز الواجب، ولا سبيل حتى إلى مجرد التصور أن هذا التشريع يتجه إلى المجتمع الإنساني باعتباره كيانًا متميزًا على أساس من الوحدة النوعية، ليس متجهًا إليه باعتباره مجموعة أفراد يتحمل كل فرد تبعة عمله ومسؤولية تصرفاته، إذ لو كان متجهًا إلى المجتمع ككيان متميز مأذون له بالصرف الجماعي، فكان لكل أحد مثلًا أن يعتق عبدًا أو أمة في ملك غيره نيابة عن المجتمع المأذون له بالتصرف الجماعي ككيان متميز. على حين أن توجيه الخطاب إلى المخاطبين جمعًا على أساس الوحدة النوعية للإنسان في مجتمع له كيان متميز في قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ يتسق اتساقًا كاملًا مع اعتبار شراكة الإنسان عامة والمجتمع الإسلامي خاصة في ملكية المنفعة والانتفاع بالمال وفي تحمل جميع التبعات والمسؤوليات المترتبة على التصرف فيه، فكان طبيعيًا أن يتجه الخطاب إلى المخاطبين جمعًا، إيذانًا بأن أي اختلال في التصرف يحدث من فرد منهم لا يبرئ ساحة غيره من أفراد المجتمع إن كان تصرفًا غير سليم ما قدروا على منعه أو تقويمه. فالنهي موجه إلى المجتمع الإسلامي أفرادًا ومجتمعًا توجيهًا متساويًا لا سبيل إلى ترجيح الاعتبار الفردي على الاعتبار الاجتماعي، ولا إلى ترجيح الاعتبار الاجتماعي على الاعتبار الفردي، وهذا غاية ما يسمح به المجال في هذا الشأن.

стр. 3860

ثم قال الرازي غفر الله له: القول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء، فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم، لما كان في ذلك من الإفساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها، وإذا قرب أجله فإنه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته. ثم مضى يفند هذا القول بوجوه من التفنيد، أحسبه كان في غنى عنها لو لم يلتفت إليه ولم يقم إليه وزنًا، ذلك بأنه لم يمض ذكر للآباء أو تلميح إليهم فيما سبق هذه الآية الكريمة من آيات سورة النساء، على حين أن الضمير يوجه إلى المخاطبين جمعًا من أول جملة منها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (١) وقد تواتر التوجيه إلى المخاطبين جمعًا في الأوامر والنواهي إلى هذه الآية موضوع النقاش وما بعدها إلى قوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وهي الآية السادسة والثلاثون من سورة النساء واتسق الخطاب على هذا النسق اتساقًا بديعًا يدل على وحدة الاتجاه والمقصد، ولا يدع المجال للانحراف به إلى وجهات ليست منه وليس منها في شيء مهما حاول المتفقهة المتمحلون. وقال ابن كثير (٢) : ينهى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام، فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه. ثم مضى يورد الأقوال المأثورة عن التابعين ومن بعدهم في تعيين السفهاء، ولا يخرج تعيينهم في مجموعة من هذه الأصناف التي ذكرها.

стр. 3861

وقال محمد الطاهر بن عاشور (١) : والخطاب في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ كمثل الخطاب في ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى﴾ (٢) ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ﴾ (٣) هو لعموم الناس المخاطبين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ . ثم قال: والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم، ألا ترى إلى قوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين بـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إشارة بديعة إلى أن المال الرائج بين الناس هو حق لمالكيه المختصين به في ظاهر الأمر، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعًا، لأن في حصوله منفعة للأمة كلها، لأن ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالمصلحة، فمن تلك الأموال ينفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدقون، ثم تورث عنهم إذا ماتوا، فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها، فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير والكفاف، ومتى قلت الأموال من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة، فأصبحوا في ضنك وبؤس واحتاجوا إلى قبيلة أو أمة أخرى، وذلك من ابتزاز عزهم وامتلاك بلادهم وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم. فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جمع المخاطبين ليكون لهم الحق في إقامة الأحكام التي تحفظ الثروة العامة، وهذه إشارة، لا أحسب أن حكيما من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها، وقد أبعد جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة؛ لأن الأموال في يد الأولياء وجعلوا الخطاب للأولياء خاصة، وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين؛ لأن الأموال وإن لم تكن أموالهم حقيقة، وإليه مال الزمخشري، وجماعة جعلوا الإضافة؛ لأن السفهاء من نوع المخاطبين، فكأن أموالهم أموالهم، وإليه مال فخر الدين، وقارب ابن العربي إذ قال: لأن الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد، وتخرج من ملك إلى ملك وما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن، وأجد فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقة أي لا تؤتوا - بأصحاب الأموال - أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم وهذا أبعد الوجوه، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلا الحيرة في وجه الجمع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين، وإنما وصفته بالبعد؛ لأن قائله جعله هو المقصود من الآية، ولو جعله وجهًا جائزًا يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه.

стр. 3862

ثم قال: وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحًا، وهي قوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ، فجاء في الصفة بموصول، إيماء إلى تعليل النهي وإيضاحًا لمعنى الإضافة. ثم قال: وقرأه الجمهور: قيامًا، والقيام ما به يقوم المعاش، وهو واوي أيضًا، وعلى القراءتين، فالإخبار بالأموال إخبار بالمصدر للمبالغة على قول الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار هذا عجز بيت من قصيدة طويلة للخنساء تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد، ترثي بها أخاها صخرا، ولتوضيح معنى البيت نورد أبياتًا قبلها وبعدها من القصيدة كما وردت في ديوانها ص: ٤٢ وما بعدها، وكما وردت أبيات منها في العقد الفريد. ج: ٣. ص: ٢٦٧ و٢٦٨. ولا نلتزم بإحدى الروايتين، وإنما نقيم الواحدة بالأخرى حسب ما يرشدنا الذوق السليم ومطلع القصيدة: قذى بعينيك أم بالعين عوار أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار ومنها: وما عجول على بوٍّ تطيف به لها حنينان إعلان وإسرار ترعى إذا نسيت حتى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار لا تسمن الدهر في أرض وإن ركعت فإنما هي تحنان وتسجار يوما بأوجد مني يوم فارقني صخر وللدهر إحلاء وإمرار وهي من أروع ما عرفه الشعر العربي القديم من صادق الرثاء. والمعنى أنها تقويم عظيم لأحوال الناس وقيل: قيمًا (١) جمع قيمة، أي: التي جعلها الله قيمًا، أي: أثمانًا للأشياء، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدم. قلت: من الغريب أن المعنى الذي قرره في تفسير هذه الآية من دلالاتها على الشراكة العامة في الأموال للناس باعتبار المجتمع الإسلامي كيانًا معنويًا متميزًا على أن الأموال بهذا المعنى تمثل ثروة قومية وما إلى ذلك مما فصله تفصيلًا جيدًا وإن لم يكن شاملًا لم يتسن له فيما نقلناه عنه آنفًا من تفسيره لقوله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، فشتان بتفسيره لهذه الآية وتفسيره لتلك، مع أن دلالتهما في الحقيقة واحدة، والمناط فيهما واحد، يتبينه كل من أحسن التأمل.

стр. 3863

وقد قلت: إن تأويله هذا ليس بشامل؛ لأن تبيانه للاعتبارات التي تجعل الأموال وإن كانت تحت تصرف الأفراد من مجموع الثروة القومية، لم يشمل جميع الاعتبارات والعوامل التي كنا نود لو أحاط بها، وأهمها أن وحدة الكيان الاجتماعي للمجتمع الإسلامي باعتباره كيانًا معنويًا متميزًا تقتضي وحدة الملكية جوهريا، لما يملكه أفراده من حيث إن ما يملكونه أجزاء أو عناصر لكيان ملكي واحد، كما أن المالكين لها أجزاء أو وحدات لكيان واحد، فتعدد المتصرفين وتعدد الأنصبة التي يتصرفون فيها لا يعنيان تعددًا في حقيقة الأمر لأولئك الأفراد ولا لتلك الأنصبة، وإنما يعنيان فحسب توزيعًا لمسؤولية التصرف وتبعته في شيء واحد بين أفراد يكونون وحدة، ولذلك فإساءة التصرف من فرد من الأفراد في النصيب الذي وكل إليه التصرف فيه تترتب عنها عواقب سيئة على مجموع الأنصبة التي تتكون منها الثروة القومية أو المال العام، وبرهان ذلك الأمر بالتحجير على السفيه، وإن كان قد جاوز سن الرشد ونهي غير السفيه عن التبذير وتحديد وجوه الإنفاق بحيث لا تكون إلا في ما هو مصلحة ذات مآل عام، وإن كانت في ظاهرها مصلحة فردية وتحديد طرائق الكسب والإنفاق بحيث لا يكون منها ما يضر وإن عن غير قصد بالمصلحة العامة مباشرة أو بها عن طريق الإضرار بمصلحة فرد أو أكثر؛ لأن الإضرار بمصلحة فرد أو أفراد يترتب عنه تلقائيًا الإضرار بالمصلحة العامة، وقد يتضح ذلك في بعض ما سنعرض له أثناء هذا البحث. وبرهان آخر انتبهوا له بعض الانتباه، ولكن غفلوا عن دلالته في توجيه الآية، وهو قوله : ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ إذ التعبير بـ: (في) يؤكد وحدة المرزوق فيه، ويبعد كل ادعاء بتفرقه أو تعدده، ويوضح أن الأموال التي أمروا بأن يرزقوا السفهاء فيها ويكسوهم لها كيان واحد، وإن يكن ضمنها أموال من حصة أولئك السفهاء ونصيبهم في التوزيع الوظيفي بين أفراد المجتمع الإسلامي مجموع أمواله. فالآية تؤذن بأن وظيفة السفهاء في نصيبهم من تلك الأموال قد نقص منها جانب التصرف، وبقي جانب الاستهلاك نتيجة للاستحقاق المشروع المتوقف عليه ضمان بقائهم وكرامتهم، وكان التعبير بـ: (في) بدلًا من (من) برهانًا على استحقاق السفهاء رزقهم في المال العام، سواء كانت لهم فيها حصة نتيجة إرث أو غيره مما يجعل لهم استحقاقًا وظيفيًا فيه أو لم تكن، فالمال العام حسب تعبير الآية الكريمة كله مصدر لرزق السفهاء، كما هو مصدر لرزق غيرهم، والفارق الوحيد هو أن وظيفة غيرهم تتكون من التصرف للإنماء والاستهلاك، أما وظيفة السفهاء فتنحصر في الاستهلاك لعجزهم بالسفه عن القيام بالإنماء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ .

стр. 3864

وقد نبه الحس اللغوي والبياني بعض المفسرين مثل الزمخشري والرازي إلى بعض هذا المعنى، ولكن سرعان ما قلصوا منه بتأويلاتهم القائمة على تبعيض المجتمع وتبعيض المال تبعًا له، وكان محمد الطاهر بن عاشور أقربهم إلى سداد الفهم، لولا أنه نسي في حديثه عن (في) موقعها من هذه الآية ما سبق أن قرره منذ قليل من معنى وحدة المجتمع ووحدة المال باعتباره ثروة قومية. ونقتصر على نقل كلامه، ففيه صفة ما قاله كل من الزمخشري والرازي. قال ﵀ (١) : ومعنى قوله: ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ واقع موقع الاحتراس، أي: لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرف مطلق ولكن آتاهم إياها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة، ولذلك قال فقهاؤنا: تسلم للمحجور نفقته وكسوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله، وعدل عن تعدية (ارزقوهم) و (اكسوهم) بـ: (من) إلى تعديتها بـ: (في) للدلالة على الظرفية المجازية على طريقة الاستعمال في أمثاله حين لا يقصد التبعيض الموهم للانتفاض من ذات الشيء بل يراد أن جملة الشيء ما يحصل به الفعل تارة من عينه وتارة من ثمنه وتارة من نتاجه وأن ذلك يحصل مكررًا مستمرًا. ثم قال: وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسرون هنا، فأهمل بعضهم التنبيه على وجه العدول إلى (في) ، واهتدى إليه صاحب الكشاف - قلت: والرازي بأوضح - بعض الاهتداء فقال: اجعلوها مكانًا لرزقكم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال، فقوله: لا من صلب المال. مستدرك، ولو كان كما قال لاقتضى نهيًا عن الإنفاق من صلب المال.

стр. 3865

قلت: وقولهم بأن تتجروا ... إلخ مستدرك أيضًا، ولو كان كذلك لسقط الأمر بالرزق للسفهاء من دلالة هذه الآية إذا لم يكن لهم مال حصلوا عليه من إرث أو غيره، بل كان ذووهم من الفقراء، فلم يتركوا لهم شيئًا ولا وهبهم غيرهم شيئًا تطوعًا هبة تمليك أو وقف، وإذا لاحتيج إلى دليل آخر من غير هذه الآية على وجوب القيام بهم وإنقاذهم من الخصاصة والمسغبة، ونتيجة لذلك يصبح قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ خاصًا بمن لديهم من طريق الإرث أو الاكتساب أو غيرهما من الطرق المشروعة أنصبة من المال، ويبقى الأمر برزق السفهاء معطلًا يبحث عن علة له تنيط الإلزام بالمأمورين به، وهذا اختلال في التعبير يأباه البيان المعجز لكتاب الله العزيز. ونصير في مسارنا هذا إلى الآية الرابعة التي سبق أن ألمعنا إليها، وهي قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، ولا تختلف هذه الآية في ضميريها عن آية سورة البقرة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ . ولعل ذلك هو الذي صرف جمهرة المفسرين عن الوقوف في توجيه الضمير في (أموالكم) إلى المخاطبين جمعًا اكتفاء بما سبق أن قالوه في آية سورة البقرة إلا ما كان من وقفة لمحمد الطاهر بن عاشور (١) الذي قال: والضمير المرفوع بـ: (تأكل) والضمير المضاف إليه (أموال) راجعان إلى (الذين آمنوا) وظاهر أن المرء لا يُنهى عن أكل مال نفسه ولا يسمى انتفاعه بماله أكلًا، فالمعنى لا يأكل بعضهم مال بعض) .... إلخ. قلت: سبحان الله، وكيف أن المرء لا يأكل مال نفسه، ولماذا كان الكسب والسعي وراءه إن لم يكن للأكل بمعناه العام الذي اتفقوا عليه وهو الإنفاق، ثم لعل أستاذنا ﵀ نسي ما قاله في تفسير الآية الخامسة من هذه السورة نفسها ونقلناه عنه من وحدة مال الآمة تبعًا لوحدة مجتمعها باعتباره ثروة قومية بعد أن مضى به التفسير أشواطًا في أربع وعشرين آية فراح يقول: (فالمعنى لا يأكل بعضهم مال بعض) هو أحسبه نسي أيضًا أنه حتى على أساس تبعيض المال والغفلة عن وحدة مال الأمة أو تجاهلها لا يصح تأويله هذا لأن المرء منهي عن التبذير والإسراف في إنفاق ماله نهيًا صريحًا في آيات شتى من القرآن الكريم، بل إن النهي وجه إلى المسلمين بواسطة توجيه الخطاب إلى رسول الله ﷺ وهو أبعد الناس على التبذير والإسراف لمجرد تأكيد النهي تأكيدًا لا مزيد عنه، إذ قال الله : ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢)

стр. 3866

ولا مجال للقول إن النهي هنا كان عن التبذير في الإنفاق على الآخرين، لأن الموصوفين بأنهم إخوان الشياطين هم المبذرون كافة، سواء كان تبذيرهم على أنفسهم أو على غيرهم بدليل مدحه للمؤمنين بأنهم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١) وآيات غيرها. ومن عجب أن أستاذنا ﵀ أتبع قوله الذي نقلناه آنفًا بأن شرح (الباطل) في قوله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ بأنه ضد الحق وهو ما لم يشرعه الله ولا كان من إذن ربه، والباء فيه للملابسة، أفلا يرى ﵀ أن التبذير والإسراف من الباطل؟ أو ليس الإدلاء بالمال إلى الحكام لأكل فريق من أموال الناس بالإثم كما ورد في الآية من سورة البقرة من أكل الأموال بالباطل؟ وهو يدلي الإنسان بالمال إلى الحكام لغرض باطل إذا لم يكن له في نفع توهمه، وهذا النفع لا يكون إلا ماليًا أو ما هو في معنى المال؟ وحتى لو فعل ذلك من أجل غيره أفلا يكون له من ورائه أي نفع وإن كان مجرد مصارحة أو قريبة أو ليس ذلك كله داخلًا في النهي عن أكل المال بالباطل وإذا كان الباطل جنسًا لما يقترف من الظلم أو الجور أو الخداع أو التبذير أو غير ذلك مما لم يأذن به الله؟ أفلا يكون النهى عنه دليلًا على أن الأموال المنهي أن تأكل به واحدة وحدته أي أنها من جنس واحد لانصباب النهي عنه عليها انصبابًا يشمل عمومها لا يخص منها جانبًا دون آخر. لقد أفضنا شيئًا في هذا الشأن وظاهر ليس من صميم بحثنا لأن تحريره وتحقيقه يؤديان إلى إبراز حقيقة أن الإسلام يعتبر المال مهما تعدد المتصرفون فيه والمنتفعون به مالًا عامًا في حقيقته وجوهره يشمله حكم شرعي واحد في حقيقته وجوهره ومناطه كما يعتبر المسلمين على تعدد أفرادهم وألوانهم وشعوبهم مجتمعًا واحدًا يشملهم حكم شرعي واحد في حقيقته وجوهره ومناطه، وكل إخلال بوحدة المجتمع أو بوحدة المال العام يستوجب مواجهته بما يكفل إزالته وإعادة السلامة إلى الوحدة التي جاء الإسلام لإقامتها وتدعيمها وتأكيدها وصيانتها.

стр. 3867

١٣ - المجتمع هو المالك الحق للمنفعة والانتفاع يتضح مما سبق أن المجتمع باعتباره وحدة من عناصر متكاملة متكافلة هو المالك الحق لما خول الله المسلمين والإنسان عامة من منفعة وانتفاع في هذا الكون ما كان منه طبيعيًا وما كان مكتسبًا. وتتضح من البندين التاسع والعاشر العلاقة التي أرادها الله للإنسان بما خوله الانتفاع به والاستفادة منه. ويصير بنا المسار إلى ضرورة تبيان المعالم التي حددها الشارع الحكيم الخبير لتصرف الإنسان فيما خوله من حقوق المنفعة ووسائل الانتفاع. وأول هذه المعالم تصريف المنافع المخولة له تصريفًا يفيده في خاصة نفسه وفيمن يعوله ويهتم بشأنه مباشرة، ويفيد المجتمع الذي هو جزء منه وعنصر من عناصره وأداة من أدواته. وقد أطلق الشارع على هذا التصريف كلمة (الإنفاق) فوردت في القرآن الكريم بمشتقاتها المختلفة وصيغها المتعددة من مضافة وغير مضافة ومن مضافة إلى فرد ومن مضافة إلى جماعة أربعًا وسبعين مرة منها في صيغة الأمر المضافة إلى الجمع ستة مواضع وهي صريحة في الأمر بالإنفاق وفي أن الأمر موجه إلى جماعة المسلمين. يقول الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٤) ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٥) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦)

стр. 3868

ووردت في معرض وصف المؤمنين باعتبار الإنفاق جزءًا لا يتجزأ من خصال الإيمان في سبعة مواضع من القرآن الكريم. قال الله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٣) ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤) ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥) ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٦) ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٧) ووردت في بقية المواضع (٦١ مرة) إما ترغيبًا في الإنفاق في سبيل الله، وإما تنديدًا بالذين يمسكون ولا ينفقون، وإما زجرًا وتوعدًا لهم، وفي كل ذلك بيان للمعلم الأساسي الذي شرعه الله لتصرف الإنسان فيما خوله من حقوق المنفعة ووسائل الانتفاع بما يسر له من خيرات الأرض وغيرها مما تصل إليه يده من مختلف جوانب الكون وعناصره.

стр. 3869

وتصرف الإنسان وتصريفه فيما خول من حقوق المنفعة ووسائل الانتفاع طبقًا لهذا المعلم الواضح ينضبط في إطار لا يكاد يباح له تجاوزه من اعتبار المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي حتى فيما يتصل بمصلحته الذاتية الخاصة أو بمصلحة من يعوله وترجع إليه حمايته ورعايته، فقد جاء في القرآن الكريم في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١) في آيات غيرها أشرنا إلى بعضها في البند السابق، ويتضح من هذا أن من يخرج في تصرفه أو تصريفه عن هذا الإطار يفقد حقه فيما خول له من حقوق المنفعة ووسائل الانتفاع. أما المعلم الثاني الذي شرعه الله للإنسان وتصريفه، وقد يكون الوجه للمعلم الأول، فهو خلافة الله في عمارة الأرض، فالعمل الذي يتجه به الإنسان إلى الكسب والاستغلال والاستثمار يجب أن يتم في نطاق إعمار الأرض بأن يكون عملًا مستمر الجدوى موصلًا بعمل الآخرين تتكون منه ومن غيره الأسباب المحققة لاستمرار عمارة الأرض ونمائها. يقول الله على لسان نبيه صالح ﵇ مخاطبًا قومه ثمود: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٢) كما سبق أن أوضحنا في البند الثاني ومناط اعتبار إعمار الأرض مَعلَمًا لتصرف الإنسان وتصريفه كما أراده الله وشرعه هو حفظ أسباب الطمأنينة والانتفاع والحياة الكريمة العادلة للأجيال الإنسانية المتعاقبة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وهذا يعني أن وحدة المجتمع الإسلامي خاصة ووحدة الإنسان عامة، ووحدة المنفعة والانتفاع المخولين للإنسان لا سيما المسلم لا تتعددان بتعدد الأجيال بل تستمران ما كتب الله لهذه الدنيا أن تستمر وأن حقوق الأجيال المتتالية مرتبط بعضها ببعض، فليس لأي جيل أن يزحف بحقوق الجيل الذي بعده بأن يُصرّ في صيانة وإنماء الإرث الذي صار إليه من الجيل الذي قبله أو أن يعمد إلى الاستئثار بما ورث من منافع وخيرات مبذرًا مسرفًا أو متكاسلًا قانعًا بما أنتج الأولون غير مكترث بما عليه من تبعة لمن يأتي بعد من الأبناء والأحفاد.

стр. 3870

من أجل ذلك كان الإنفاق في سبيل الله شرعًا أساسيًا، وضابطًا حاسمًا وجوهريًا لتصرف الإنسان وتصريفه فيما يسرَّ الله له من مال، وكان كل من التبذير والاكتناز جريمتين يترتب عليهما عقاب الله بمن يقترفهما أو اقترف إحداهما من الناس أفرادًا أو جماعات، بيد أن الاكتناز أشد عقوبة؛ لأنه أشد جناية على المتعايشين من أبناء المجتمع، فهو لا يحرمهم فحسب من المال المكتنز وفوائده بأن يسلبهم حق الانتفاع به، وإنما يحرمهم أيضًا وسيلة تعينهم على المزيد من العمل الإعماري الذي تمتد جدواه إلى الأجيال المقبلة. يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١) ولكي يتجلى المعنى الشرعي لكل من (الإنفاق) و (الاكتناز) نورد ما ورد بشأن كل منهما في مصادر اللغة ومصادر التفسير. فمادة نفق وهي ثلاثي (أنفق) مدارها (الرواج) ولا يكاد يخرج استعمال (النفاق) عما يتصل (بالرواج) كما أن (الإنفاق) ومشتقاته لا يكاد يخرج عن معنى (الترويج) وما يتصل به. يقول ابن منظور (٢) ونفق البيع نفاقًا: راج، ونفقت السلعة تنفق نفاقًا، بالفتح: غلت ورغب فيها، وأنفقها هو ونفَّقها. وفي الحديث: ((المنفِّق سلعته بالحلف الكاذب)) ، المنفق بالتشديد: من النفاق وهو ضد الكساد، ومنه الحديث: ((اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة)) ، أي هي مَظِنَّةٌ لنفاقها وموضع له. وفي الحديث عن ابن عباس: ((لا ينفق بعضكم بعضًا)) أي لا يقصد أن ينفق سلعته على جهة النجش، فإنه بزيادته فيها يرغب السامع فيكون قوله سببًا لابتياعها ومنفقًا لها. وقول ابن الأثير (٣) وفيه - أي الحديث -: ((المنفق سلعته بالحلف الكاذب)) المنفق بالتشديد من النفاق، وهو ضد الكساد. ويقال: نفقت السلعة فهي نافقة، وأنفقتها ونفقتها، إذا جعلتها نافقة. وفي الحديث: ((اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة)) ، أي هي مظنَّة لنفاقها وموضع له.

стр. 3871

ويقول الراغب (١) نفق الشيء مضى ونفد. ينفق إما بالبيع نحو: نفق البيع نفاقًا، ومنه: نفق الأيم ونفق القوم إذا أنفق سوقهم، وإما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقًا، وإما بالفناء نحو: نفقت الدراهم تنفق وأنفقتها، والإنفاق قد يكون في المال وفي غيره وقد يكون واجبًا وتطوعًا. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٣) وقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٤) وقال ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٥) وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ (٦) إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (٧) أي: الإقتار يقال: نفق فلان إذا نفق ماله فأقتر، والإنفاق هنا كالإملاق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٨) والنفقة اسم لما ينفق قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ (٩) وقال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ (١٠) والنفق: الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (١١) ، ومنه نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق: وهو الدخول إلى الشرع من باب والخروج من باب، وعلى ذلك نبه من قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١٢) أي الخارجون من الشرع. ويخرج المفسرون عامة عن هذه المعاني التي تناقلها اللغويون وإن اختلفوا - منذ عهد الصحابة والتابعين - في تأويل آيات وردت فيها كلما (أنفق) أو إحدى مشتقاتها لذلك نقتصر على ما ارتأينا فيه تلخيصًا دقيقًا وشاملًا لأقوالهم تلك ومزيدًا من الإيضاح أو جديدًا من الفقه. يقول الرازي (١٣) في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١٤) أصل الإنفاق إخراج المال من اليد، ومنه: نفق البيع نفاقًا إذا كثر المشترون له، ونفقت الدابة إذ ماتت أي: خرجت روحها، ونافقا الفأرة لأنها تخرج منها ومنه النفق في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (١٥)

стр. 3872

ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) فوائد أحدها: أدخل (من) التبعيضية صيانة لهم وكفى - لعل فيه خطأ مطبعيا صوابه: وكف - عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أعلم كأنه قال: ويخصون بعض المال بالتصدق به، وثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية الإنفاق الواجب والإنفاق المندوب. والإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة , وهي قوله في آية الكنز ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) قلت: في هذا التأويل نظر وسيأتي بعد قليل مزيد من البيان في شأنه. ثم قال: وثانيها: الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته. وثالثها: الإنفاق في الجهاد. وأما الإنفاق المندوب فهو أيضًا إنفاق لقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٣) قلت: لا يسلم له هذا التأويل، بل الأمر في هذه الآية للوجوب؛ لأنه جاء في مواجهة قول المنافقين الذي ذكره الله قبل هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٤) ، والذين كانوا عند رسول الله يومئذ هم المهاجرون ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٥) والإنفاق عليهم كان يومئذ واجبًا متعينًا على كل من له فضل من وسائل العيش، ولم يكن مندوبًا إليه فحسب وقد نعرض لشيء من ذلك في مكانه من هذا البحث إن شاء الله. ثم قال: فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية؛ لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح. قلت: يغفر الله للرازي، فليس ما في الآية مجرد مدح، وإنما هي تبيان للشروط والأوصاف التي لا يكمل الإيمان، ولا يكون مدعيه مؤمنًا حقا إلا بها وذلك ما يدل عليه وليس فيه دلالة على غيره دلالة لفظية غير قابلة للتأويل سياق الآية بما قبلها وما بعدها، فليتأمل.

стр. 3873

وأورد ابن العربي في أحكام القرآن (١) عندما عرض لهذه الآية خمسة أوجه لتأويل الإنفاق، أهمها الوجه الرابع أن الإنفاق: وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما عدا الزكاة. ونقول: أهمها لأن الأوجه الأخرى التي أوردها وإن نقل بعضها عن بعض الصحابة أو التابعين لا تثبت عند التأمل والتمحيص وليس نقلها عمن أوثرت عنهم كافيًا لجعلها وجيهة وقد ذكرها غيره من المفسرين ومنهم الرازي فيما سبق وأشار إليها محمد الطاهر بن عاشور في عرضه البديع لوجوه تأويل الآية (٢) قال ﵀: مسألة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بدل عزيز على النفس في مرضاة الله لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجا إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الأعمال من ذلك التزام آثاره في الغيبية الدالة عليه ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٣) ومن ذلك ملازمة فعل الصلوات، لأنها دليل عن تذكر المؤمن من آمن به. ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالًا لأمر الله بذلك. قلت: تأمل جيدًا قوله: امتثالًا لأمر الله بذلك. ثم قال: والإنفاق إعطاء الرزق فيما يعود بالمنفعة على النفس والأهل والعيال ومن يرغب في صلته أو التقرب لله بالنفع له من طعام أو لباس وأريد به هنا بثه في نفع الفقراء وأهل الحاجة وتسديد نوائب المسلمين بقرينة المدح واقترانه بالإيمان والصلاة، فلا شك أنه هنا خصلة من خصلة الإيمان الكامل، وما هو إلا الإنفاق في سبيل الخير والمصالح العامة، إذ لا يمدح أحد بإنفاقه على نفسه وعياله إذ ذلك مما تدعوا إليه الجبلة فلا يعتني الدين بالتحريض عليه، فمن الإنفاق ما هو واجب وهو حق على صاحب الرزق للقرابة والمحاويج من الأمة ونوائب الأمة كتجهيز الجيوش كالزكاة وبعضه محدد وبعضه تفوضه المصلحة الشرعية الضرورية أو الحاجية ... إلخ.

стр. 3874

وقبل أن نمضي فيما نحن بسبيله من تبيان مدى شمول وتحكم معلم الإنفاق في المجال العام من مجموع المال العام أو الثروة القومية سواء ما خول الأفراد حق المنفعة والانتفاع فيه وما كان هذا الحق خاصا بالسلطة العامة نقف مليًا عند كلمة متصلة بالإنفاق اتصالًا وثيقًا؛ لأنها ضده أو عكسه، وهي كلمة (كنز) ومشتقاتها. وقد وردت في القرآن الكريم تسع مرات (١) والآية التي تعنينا في هذا المجال من الآيات التسع هي قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٢) ، لكن قبل أن نقف عندها والتزامًا بالسنن الذي رسمناه لهذا البحث نتبين حدود اللغويين وآثار المفسرين في معنى كلمة (كنز) . يقول ابن منظور (٣) كنز: الكنز اسم للمال إذا أحرز في وعاء ولم يحرز فيه، وقيل: الكنز المال المدفون، وجمعه كنوز، كنزه يكنزه كنزًا واكتنزه، ويقال: كنزت البر في الجراب فاكتنز. قال - يعني شمر -: وتسمي العرب كل كثير مجموع يتنافس فيه كنزًا. وفي الحديث: ((ألا أعلمك كنزًا من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله)) ، وفي رواية: ((لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)) أي: أجرها مدخر لقائلها والمتصف بها كما يدخر الكنز، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٤) وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يذهب كسرى فلا كسرى بعده، ويذهب قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)) . الليث: يقال: كنز الإنسان مالا يكنزه، وكنزت السقاء إذا ملأته. ابن عباس في قوله تعالى في الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ (٥)

стр. 3875

وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز (١) وفي الحديث: ((: كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز)) ، الكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب عليه، لم يبق كنزًا وإن كان مكنوزًا، وهو حكم شرعي تجوز فيه عن الأصل. وفي حديث أبي ذر ﵁: ((بشر الكنازين برضف من جنهم)) (٢) فهم جمع كناز، وهو المبالغ في كنز الذهب والفضة وادخارهما وترك إنفاقهما في أبواب البر. واكتنز الشيء: اجتمع وامتلأ. ويقول ابن الأثير (٣) : الكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض فإذا خرج منه الواجب عليه، لم يبق كنزًا وإن كان مكنوزًا، وهو حكم شرعي تجوز فيه من الأصل، ومنه حديث أبي ذر: ((بشر الكنازين برضف من جنهم)) (٤) وهم جمع كناز، وهم المبالغ في جمع الذهب والفضة وادخارهما وترك إنفاقهما في أبواب البر. الكناز: المجتمع اللحم القويه وكل مجتمع مكتنز. ويقول الراغب (٥) الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه وأصله من كنزت التمر في الوعاء وزمن الكناز وقت ما يكنز فيه التمر وناقة كناز مكتنزة اللحم، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ، أي: يدخرونها، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ وقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ (٦) أي مال عظيم. وقوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قيل: كان صحيفة علم.

стр. 3876

هذه صفوة ما قاله اللغويون ومن التزم نهجهم واقتصر عليه من المفسرين والفقهاء. أما أهل التأويل فإليك صفوة آرائهم. قال الطبري في تأويل الآية (١) يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . يقول: بشر الكثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم يوم القيامة موجع من الله، واختلف أهل العلم في معنى الكنز، فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته، قالوا: وعنى بقول: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يؤدون زكاتها، ذكر من قال ذلك. حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن ابن عمر قال: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا، وكل ما لم تؤد زكاته فهو الكنز الذي ذكر في القرآن، يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفونًا. حدثنا الحسين بن جنيد، قال: حدثنا سعيد بن مسلمة، قال: حدثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: كل ما أديت منه الزكاة فليس بكنز، وإن كان مدفونًا، وكل ما لم تؤد منه الزكاة وإن لم يكن مدفونًا، فهو كنز (٢) حدثني أبو السائب، قال: حدثنا يحيى بن فضيل، عن يحيى بن سعيد عن نافع، عن ابن عمر قال: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا في الأرض وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه (٣) حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي وجرير، عن الأعمش، عن عطية، عن ابن عمر قال: ما أديت زكاته فليس بكنز (٤) قال: حدثنا أبي عن العمري عن نافع عن ابن عمر قال: ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا (٥) قال: حدثنا جرير عن الشيباني عن عكرمة قال: ما أديت زكاته فليس بكنز.

стр. 3877

حدثنا محمد بن حسين قال: حدثنا أحمد بن الفضل قال: حدثنا أسباط عن السدي قال: أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهؤلاء أهل القبلة والكنز ما لم تؤد زكاته وإن كان على ظهر الأرض وإن قل وإن كان كثيرًا وأديت زكاته فليس بكنز. حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر قال: قلت لعامر: مال على رف بين السماء والأرض لا تؤدى زكاته أهو كنز؟ قال: يكوى به يوم القيامة. وقال آخرون: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أديت منه الزكاة أم لم تؤد. ذكر من قال ذلك. حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي رحمة الله عليه قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك فهو كنز. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي مثله. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الشعبي قال: أخبرني أبو حصين عن جعدة بن هبيرة عن علي رحمة الله عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة وما فوقها كنز. وقال آخرون: الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه، ذكر من قال ذلك. حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن أنس عن عبد الواحد أنه سمع أبا مجيب (١) قال: كان نعل سيف أبي هريرة من فضة، فنهاه عنها أبو ذر، وقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها)) (٢)

стр. 3878

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن منصور عن الأعمش وعمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي ﷺ : ((تبًا للذهب والفضة)) ، يقولها ثلاثا. قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله، أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال: ((لسانا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجة تعين أحدكم على دينه)) (١) حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا إسرائيل عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان بمثله. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن عمرو بن مرة، عن منصور بن أبي الجعد قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال المهاجرون: أي المال نتخذ؟ قال: اسألوا النبي ﷺ ، قال: فأدركته على بعير، فقلت: يا رسول الله، إن المهاجرين قالوا: أي المال نتخذ؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه)) (٢) حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أسامة قال: توفي رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ : ((كية)) ، ثم توفي آخر، فوجد في مئزره ديناران، فقال رسول الله ﷺ : ((كيتان)) (٣) حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن صدي بن عجلان أبي أمامة قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ : ((كية)) ثم توفي آخر، فوجد في مئزره ديناران، فقال رسول الله ﷺ : ((كيتان)) (٤) حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن ثوبان قال: كنا في سفر ونحن نسير مع رسول الله ﷺ ، قال المهاجرون: لو وددنا أن علمنا أي المال خير فنتخذه، إذ نزل في الذهب والفضة ما نزل، فقال عمر: إن شئتم سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا: أجل، فانطلق فتبعته أوضع على بعيري، فقال: يا رسول الله، إن المهاجرين لما أنزل الله في الذهب والفضة ما أنزل قالوا: لو وددنا أنا علمنا أي المال خير فنتخذه، قال: ((نعم ليتخذ أحدكم لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على إيمانه)) (٥)

стр. 3879

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر، أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مال لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة، وذلك أن الله أوجب في خمس أواق من الورق على لسان رسوله ربع عشرها، وفي عشرين مثقالًا من الذهب مثل ذلك ربع عشرها، فإذا كان ذلك فرض الله في الذهب والفضة على لسان رسوله، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوف الألوف لو كان وإن أديت زكاته من الكنوز التي أوعد الله عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من ربع العشر؛ لأن ما كان فرضا إخراج جميعه من المال وحرام اتخاذه، فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه، وفرض عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتطهر منه رده إلى صاحبه، فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعد الله لم يكن اللازم فيه ربع عشره، بل كان اللازم الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصب مال رده إلى ربه. وبعد فإن فيما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: قال معمر: أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس، ثم يرى سبيله بين الناس وإن كانت إبلا إلا بُطح لها بقاع قرقر، تطؤه بأخفافها، حسبته قال: وتعضه بأفواهها، يرد أولاها على أخراها حتى يقضى بين الناس، ثم يرى سبيله، وإن كانت غنمًا مثل ذلك، إلا أنها تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها (١) وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها، فالدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤد الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها، وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاص، لما قال ابن عباس. وذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يقول: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة (٢)

стр. 3880

يعني بقوله: خاصة وعامة، هي خاصة من المسلمين فيمن لم يؤد زكاة ماله منهم، وعامة في أهل الكتاب؛ لأنهم كفار، لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا، يدل على صحة ما قلنا قول ابن عباس ما حدثني المثنى، قال: حدثني عبد الله قال: حدثني معاوية عن عبد الله ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إلى قوله ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ قال: هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، قال: وكل مال لا تؤدى زكاته على ظهر الأرض أو في بطنها، فهو كنز، وكل مال تؤدى زكاته، فليس بكنز، كان على ظهر الأرض أو في بطنها (١) حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد: في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ . قال: الكنز ما كنز عن طاعة الله وفريضته وذلك الكنز وقال: إنما فرضت الزكاة والصلاة جميعًا لم يفرق بينهما. ثم قال: وقد كان بعض الصحابة يقول: هي عامة في كل كنز غير أنها خاصة في أهل الكتاب وإياهم عنى الله بها ذكر من قال ذلك. حدثني أبو حصين، حدثنا عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا حصين، عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فلقيت أبا ذر، فقلت: يا أبا ذر، ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: كنت بالشام، فقرأت بهذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب قال: قلت: إنها فينا وفيهم، قال: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ: أن أقبل إليَّ. قال: فأقبلت، فلما قدمت المدينة ركبني الناس، كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تنح قريبًا، قلت: والله لن أدع ما كنت أقول (٢) حدثنا أبو كريب وأبو السائب وابن وكيع، قالوا: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررنا بالربذة ثم ذكر عن أبي ذر نحوه (٣) حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أشعث وهشام، عن أبي بشر قال: قال أبو ذر: خرجت إلى الشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال معاوية: إنها لأهل الكتاب، فقال: إنها لفينا وفيهم.

стр. 3881

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر قال: قلت له: ما أنزل منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: فقال: فنزلت في أهل الكتاب فقلت: نزلت فينا وفيهم. ثم ذكر حديث هشيم عن حصين (١) وقال الشافعي (٢) قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، فأبان أن في الفضة زكاة، وقول الله ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني والله أعلم في سبيله التي فرض من الزكاة وغيرها، فأما دفن المال فضرب من إحرازه، وإذا حل إحرازه بشيء حل بالدفن وغيره. وقال الجصاص (٣) بعد أن روى طرفًا مما رواه الطبري ونقلناه عنه من آثار الصحابة والتابعين في تأويل الآية: روي عنه ﷺ : ((من سأل عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم)) فقلنا: وما غناه يا رسول الله؟ قال: أن يكون عند أهله ما يغذيهم ويعشيهم هذا الحديث متواتر روي من طرق متعددة عن عدد من الصحابة ولئن تكلموا في بعض مسنديه، فإن كلامهم لا ينزل بالحديث عن درجة المتواتر، بل إن من تكلموا فيهم وثقهم البعض وغمز فيهم آخرون غمزًا لا نرى الاعتداد به. وهذه طرقه وأسانيده متوالية حسب ترتيب مخرجيها عندنا. قال ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف. ج: ٣. ص: ١٨٠) : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه كان خدوشًا أو كدوحًا في وجهه)) قيل: يا رسول الله، وما غناؤه؟ قال: ((خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب)) .

стр. 3882

وقال (الكتاب المصنف. ص: ٢٠٨ و٢٠٩) : حدثنا ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس تكثرًا، فإنما يسأل جمرة، فليستقل منه أو ليستكثر)) . حدثنا ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن حبشي السلولي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل الناس ليثري به ماله، فإنه خموش في وجهه ورضف من جهنم، يأكله يوم القيامة)) وذلك في حجة الوداع. وقال أحمد (الساعاتي الفتح الرباني: ج ٩. ص: ٩٠ ح:١٣١) حدثنا وكيع حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خدوشًا أو كدوشًا في وجهه. قالوا يا رسول الله، ما غناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب)) . وقال (الفتح الرباني. ج ٩. ص: ٩٣. ح: ١٣٧) : حدثني محمد بن يحيى بن أبي سمينة، حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا حسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عصام بن أبي ضمرة، عن علي – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم. قالوا: ما ظهر غنى قال: عشاء ليلة)) . وقال (الفتح الرباني ج٩ ص: ٩٤ ح: ١٣٨) حدثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأله من غير فقر، فكأنما يأكل الجمر)) . قال: (الفتح الرباني. ج ٩. ص: ٩٤. ح: ١٣٩) : حدثنا علي بن عبد الله، حدثني الوليد بن مسلم، حدثني عبد الله بن يزيد بن جابر، قال: حدثني ربيعة بن يزيد، حدثني أبو كبشة السلولي، أنه سمع سهل بن الحنظلية الأنصاري ﵁ – صاحب رسول الله ﷺ ، ((أن عيينة والأقرع سألا رسول الله ﷺ شيئا، فأمر معاوية أن يكتب به لهما، ففعل، وختمها رسول الله ﷺ ، وأمر بدفعه إليهما، فأما عيينة فقال: ما فيه؟ قال: فيه الذي أمرت به. فقبله وعقده في عمامته، وكان أحكم الرجلين، وأما الأقرع فقال: أحمل صحيفة لا أدري ما فيها صحيفة المتلمس، فأخبر معاوية رسول الله ﷺ بقولهما، وخرج رسول الله ﷺ في حاجة، فمر ببعير مناخ في باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال: أين هو صاحب هذا البعير؟ فابتغي، فلم يوجد، فقال رسول الله ﷺ : اتقوا الله في هذه البهائم، ثم اركبوها صحاحًا واركبوها سمانًا - كالمتسخط آنفًا - إنه من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من نار جهنم. قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ما يغذيه أو يعشيه))

стр. 3883

وقال (الفتح الرباني. ج ٩.ص: ٩٦. ح: ١٤٠) : حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عبد الملك بن عثمان، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: ((من سأل مسألة وهو عنها غني، كانت شيئًا في وجهه يوم القيامة)) . وقال (الفتح الرباني. ح: ١٤١ و١٤٣) : حدثنا وكيع، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن بن عمران، عن حصين – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة. حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن أبي زرعة، عن أبي هريرة – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل منه أو ليستكثر)) . وقال ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج:٥. ص:١٦٦. ح: ٣٣٨٢) : أخبرنا أبو عروبة، قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحراني، قال: حدثنا يحيى بن السكن، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عمر بن الخطاب: قال النبي ﷺ : ((من سأل الناس ليثري ماله، فإنما هو رضف من النار يتلهبه، من شاء فليقل، ومن شاء فليكثر)) . وقال (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان. ج٥.ص: ١٦٦ و١٦٧.ح: ٣٣٨٤ و٣٣٨٥) : أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس من أموالهم، فإنما سأل جمرًا، فليستقل منه أو ليستكثر)) .

стр. 3884

أخبرنا محمد بن مكرم البرتي ببغداد، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن جابر قال: حدثني ربيعة بن يزيد، قال: حدثني أبو كبشة السلولي، أنه سمع سهل بن الحنظلية صاحب رسول الله ﷺ ، ((أن الأقرع وعيينة سألا رسول الله ﷺ ، فأمر معاوية أن يكتب به لهما، وختمها رسول الله ﷺ ، وأمر بدفعه إليهما، فأما عيينة فقال: ما فيه؟ فقال: فيه الذي أمرت به، فقبله وعقده في عمامته، وكان أحلم الرجلين، وأما الأقرع فقال: أحمل صحيفة لا أدري مافيها كصحيفة المتلمس، فأخبر معاوية رسول الله ﷺ بقوله وخرج رسول الله ﷺ في حاجته، فمر ببعير مناخ على باب المسجد في أول النهار، ثم مر به في آخر النهار وهو في مكانه، فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فابتغي فلم يوجد، فقال: اتقوا الله في هذه البهائم، اركبوها صحاحًا، أو كلوها سمانًا. كالمتسخط آنفًا إنه من سأل شيئًا وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ما يغذيه أو يعشيه.)) وقال مسلم (الصحيح على هامش شرح النووي ج: ٧.ص: ١٣٠) : حدثنا أبو كريب وواصل بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر)) . وقال الترمذي (الجامع الصحيح. ج: ٣.ص: ٤٠ و٤١. ح: ٦٥٠ و٦٥١) : حدثنا قتيبة وعلي بن حجر - قال قتيبة: حدثنا شريك، وقال علي: أخبرنا شريك، والمعنى واحد - عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح. قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب)) . وتعقبه بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، ثم قال: حديث ابن مسعود حديث حسن، وقد تكلم حميد في شعبة بن جبير من أجل هذا الحديث.

стр. 3885

حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير بهذا الحديث، فقال له عبد الله بن عثمان صاحب شعبة: أو غير حكيم حدث بهذا الحديث؟ فقال له سفيان: وما لحكيم لا يحدث عن شعبة؟ قال: نعم، قال سفيان: سمعت زيدًا يحدث بهذا، عن محمد، عن عبد الرحمن بن يزيد. وقال أبو داود (السنن. ج: ص: ١١٦. ح: ١٦٣٦) : حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خدوش أو حموش أو كدوح في وجهه. فقيل: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال: خمسون درهمًا وما قيمتها من الذهب)) . قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير. فقال سفيان: فقد حدثناه زيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال أبو داود (السنن. ح: ١٦٢٩ و١٦٣٠) : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا مسكين، حدثنا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، حدثنا سهيل بن الحنظلية، قال: ((أتى رسول الله ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فأمر لهما بما سألا، فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي ﷺ مكانه، فقال: يا محمد، أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس، فأخبر معاوية بقوله رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار. وقال النفيلي في موضع آخر: " من جمر جهنم ". فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ وقال النفيلي في موضع آخر: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: قدر ما يغذيه ويعشيه. وقال النفيلي في موضع آخر: " أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم ")) . وكان حدثنا به مختصرًا على هذه الألفاظ التي ذكرت، حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد الله – يعني ابن عمر بن غانم – عن عبد الرحمن بن زياد، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي، أنه سمع زياد بن الحرث الصدائي، قال: ((أتيت رسول الله ﷺ ، فبايعته ... فذكر حديثًا طويلًا، قال: فأتاه رجل، فقال: أعطني من الصدقة؟ فقال له رسول الله ﷺ : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك)) . وقال النسائي (السنن. ج: ٥.ص: ٩٧) : أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن حيكم بن جبير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: ((قال رسول الله ﷺ : من سأل وله ما يغنيه، جاءت خدوشًا أو كدوحًا في وجهه يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، ماذا يغنيه، أو ماذا أغناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب)) . قال سفيان: وسمعت زيدًا يحدث، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال ابن ماجه (السنن. ج: ١. ص٥٨٩. ح: ١٨٣٨) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمر جهنم، فليستقل أو ليكثر)) .

стр. 3886

وقال (السنن. ح: ١٨٤٠) : حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خموشًا أو خدوشًا أو كدوحًا في وجهه، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب)) . قال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: قد حدثناه زيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال الدارمي (السنن. ج: ١.ص: ٣٨٧) : أخبرنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا يزيد - هو ابن زريع - حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: ((من سأل الناس مسألة وهو عنها غني، كانت شيئًا في وجهه)) . وقال الدراقطني (السنن: ج:٢. ص: ١٢١. ح: ١ و٢ و٤ و٥ و٦) : حدثنا القاسم بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثني الحسين بن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، أن النبي ﷺ قال: ((من سأل مسألة عن ظهر غني استكثر بها من رضف جهنم. قالوا: يا رسول الله، وما ظهر الغني؟ قال: عشاء ليلة)) . وتعقبه بقوله: عمرو بن خالد متروك. حدثنا عثمان بن جعفر بن اللبان، حدثنا محمد بن إبراهيم النبيرة، حدثنا محمد بن إسماعيل الجعفري، حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم عن عبد الرحمن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((من سأل الناس عن ظهر غنى جاء يوم القيامة في وجهه خموش أو خدوش قيل: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب)) . وتعقبه بقوله: ابن أسلم ضعيف. حدثنا أبو هريرة الأنطاكي، حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحيم بن بكر بن فضيل، حدثنا محمد بن مصعد، حدثنا حماد بن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: ((سمعت النبي ﷺ يقول: من سأل الناس وهو غني، جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش. فقيل: يا رسول الله، ما غناه؟ قال: أربعون درهمًا أو قيمتها ذهبًا)) . حدثنا الحسن بن إسماعيل، حدثنا أبو هشام. وحدثنا محمد بن القاسم، حدثنا أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ نحوه. وقال: " خمسون درهمًا". وتعقبه بقوله: الأول وهم، قوله: عن أبي إسحاق. وإنما هو حكيم بن حبير، وهو ضعيف، تركه شعبة وغيره.

стр. 3887

قرئ عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - وأنا أسمع - حدثكم إسحاق بن إسرائيل أبو يعقوب المروزي، حدثني شريك بن عبد الله بن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ((ما سأل وله غنى، جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش أو خموش. قيل: وما غناه يا رسول الله؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب)) . وتعقبه بقوله: حكيم بن جبير متروك. وقال الطحاوي (شرح معاني الآثار. ج: ٢.ص: ٤٩و٢٠) : حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا مخول بن إبراهيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل من غير فقر، فإنه يأكل الجمر)) . حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل فذكر مثله. ثم قال: حدثنا الحسين بن نصر، قال: حدثنا الفريابي. وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم. قالا جميعًا: عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن زيد النخعي، عن أبيه، عن ابن مسعود – ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شينا أو كدوحًا أو خدوشًا في وجهه يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب)) . حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا يحيى بن آدم. قال: حدثنا سفيان فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: (كدوحًا في جهه) ، ولم يشك، وزاد: (فقيل لسفيان: لو كان غير حكيم. قال: حدثناه زيد، عن محمد بن عبد الرحمن، عن يزيد مثله.)

стр. 3888

حدثنا أبو بشر الرقي، قال: حدثنا ابن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حدثنا ربيعة بن يزيد، عن كبشة السلولي، قال: حدثنا أبو حنظلة السلولي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل الناس عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم. قلت: يا رسول الله، وما ظهر غنى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغذيهم أو يعشيهم)) . حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا أبو عمرو الحوطي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن مردويه، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت شينا في وجهه يوم القيامة)) . ثم قال: حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس تكثرًا، فإنما هو جمر، فليستقل أو ليستكثر)) . وقال الطبراني (المعجم الكبير. ج: ٤. ص: ١٤ و١٥. ح: ٣٥٠٥) : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبي، حدثنا أبو حمزة، عن الشعبي، عن حبشي بن جنادة السلولي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل الناس في غير مصيبة حاجته، فكأنما يلتقم الرضفة)) . وقال (المعجم الكبير: ح: ٣٥٠٦ و٣٥٠٧ و٣٥٠٨) : حدثنا محمد بن النضر الأزدي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل من غير فقر، فكأنما يأكل الجمرة)) ، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب. وحدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إبراهيم بن عمرو البجلي. وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني. قالوا: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل من غير فقر، فإنما يأكل من جمرة)) . حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا موسى بن الحسين أبو الحسين السلولي، حدثنا غصن بن حماد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل من غير فقر، فكأنما يأكل جمرًا)) . وقال (المعجم الكبير. ج: ١٠. ص: ١٥٩. ح: ١٠١٩٩) : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا نصر بن ناب، عن الحجاج، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : ((من سأل مسألة وهو عنها غني، جاءت يوم القيامة كدوحًا في وجهه، لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهمًا أو عرضها ذهبًا)) . وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٤. ص: ١٧٤) : أخبرني أبو الحسن بن بشران العدل ببغداد، أنبأ أبو الحسن أحمد بن إسحاق الطيبي، حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي المقري، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي صاحب رسول الله ﷺ يحدث، قال: أتيت رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث، إلى أن قال: ثم أتاه آخر، فقال: يا نبي الله، أعطني. وقال النبي ﷺ : ((من سأل الناس عن ظهر غنى، فصداع في الرأس، وداء في البطن. فقال السائل: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله ﷺ : إن الله عز جل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك، أو أعطيناك حقك)) . وكان ذلك في وقت شدة الحاجة ووجوب المواساة من بعضها (١) لبعض". ثم دافع عن القول بأن الآية لا تعني وجوب الخروج من كل ما يملكه المسلم من الذهب والفضة مستدلا بوجوب الزكاة فيهما. ثم قال: " إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو الجائع المضطر، والعاري المضطر، أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه". واستدل على هذا بحديث فاطمة بنت قيس الذي نقلناه ووقفنا عنده منذ حين. ثم قال: " وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد به ولا ينفقون منها فحذف " من " وهو يريدها، وقد بينها بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) فأمر بأخذ بعض المال لا جميعه، وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول (٣) إذ جائز أن يكون مراده: لا ينفقون منها.

стр. 3889

قلت: يفند بهذا القول ما روي عن عمر بن عبد العزيز، أن آية الكنز منسوخة بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وكان من بين نقله من التأويلات. وقال ابن العربي (١) " وقد اختلف فيه - يعني في الكنز- على سبعة أقوال: الأول: أنه المجموع من المال على كل حال. الثاني: أنه المجموع من النقدين، يعني الذهب والفضة. الثالث: أنه المجموع منهما ما لم يكن حليًا. الرابع: أنه المجموع منهما دفينًا. الخامس: أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته. السادس: أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق. السابع: أنه المجموع ما لم ينفق ويهلك في ذات الله ". ثم قال: " وقد قال بعض الناس: إن ما زاد على أربعة آلاف كنز، وعزوه إلى علي، وليس بشيء يذكر لبطلانه (٢) ، أما أنه ثبت عن النبي ﷺ قال: ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا. وأشار بيده يفرقها)) (٣) قال أبو ذر: الأكثرون أصحاب عشرة آلاف، يريد أن الأكثرين مالًا هم الأقلون يوم القيامة ثوابًا، إلا من فرقه في سبيل الله. قلت – ابن العربي هو القائل -: وهذا بيان لضمان الرتبة بقلة الصدقة، لا لوجوب التفرقة بجميع المال ما عدا الصدقة الواجبة". ثم استظهر بحديث ثوبان (٤) الذي نقلناه آنفًا. ثم قال: " فجعل النبي ﷺ هذا جوابًا لمن علم رغبته في المال، فرده إلى منفعة المال لما فيه من الفراغ وعدم الاشتغال ".

стр. 3890

قلت: جرى ابن العربي في هذا على مذهبه الخاص به، من أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأن كل نفقة أخرى لا تعدو أن تكون مندوبًا إليها، وله تأويله، بيد أن استدلاله من التهافت والضعف، بحيث نعجب منه أن ركن إليه، ذلك بأن حديث ثوبان فيه وعيد، وليس مجرد ترتيب لأصناف من يثابون أو تبيان لرتبهم، يظاهرنا في هذا الفهم ما سبق أن نقلناه وما سننقله بعد من أحاديث وآثار تثبت أن حديث ثوبان أبعد شيء من أن يكون دليلًا على عدم وجوب الإنفاق على من أدى زكاة ماله إذا تعين أمر أو ظرف يقتضي من القادر الإنفاق. وقال القرطبي (١) عند شرحه لهذه الآية: " واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته، هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم: نعم، رواه أبو الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي – ﵁ – قال علي: أربعة آلاف فما فوقها نفقة، وما كثر فهو كنز، وإن أديت زكاته. (٢) ولا يصح. وقال قوم: ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه، فليس بكنز، قال ابن عمر:ما أدي زكاته، فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته، فهو كنز، وإن كان فوق الأرض. (٣) ومثله عن جابر وهو الصحيح، وروى البخاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني بشدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ )) (٤) وفيه أيضًا عن أبي ذر قال: انتهيت إليه- يعني النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده - أو الذي لا إله غيره، أو كما حلف - ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين الناس)) (٥) فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا ".
следующие страницы →