وقال (السنن. ح: ١٨٤٠) : حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خموشًا أو خدوشًا أو كدوحًا في وجهه، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب)) . قال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: قد حدثناه زيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
وقال الدارمي (السنن. ج: ١.ص: ٣٨٧) : أخبرنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا يزيد - هو ابن زريع - حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: ((من سأل الناس مسألة وهو عنها غني، كانت شيئًا في وجهه)) .
وقال الدراقطني (السنن: ج:٢. ص: ١٢١. ح: ١ و٢ و٤ و٥ و٦) : حدثنا القاسم بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثني الحسين بن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، أن النبي ﷺ قال: ((من سأل مسألة عن ظهر غني استكثر بها من رضف جهنم. قالوا: يا رسول الله، وما ظهر الغني؟ قال: عشاء ليلة)) . وتعقبه بقوله: عمرو بن خالد متروك.
حدثنا عثمان بن جعفر بن اللبان، حدثنا محمد بن إبراهيم النبيرة، حدثنا محمد بن إسماعيل الجعفري، حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم عن عبد الرحمن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((من سأل الناس عن ظهر غنى جاء يوم القيامة في وجهه خموش أو خدوش قيل: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب)) . وتعقبه بقوله: ابن أسلم ضعيف.
حدثنا أبو هريرة الأنطاكي، حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحيم بن بكر بن فضيل، حدثنا محمد بن مصعد، حدثنا حماد بن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: ((سمعت النبي ﷺ يقول: من سأل الناس وهو غني، جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش. فقيل: يا رسول الله، ما غناه؟ قال: أربعون درهمًا أو قيمتها ذهبًا)) .
حدثنا الحسن بن إسماعيل، حدثنا أبو هشام. وحدثنا محمد بن القاسم، حدثنا أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ نحوه. وقال: " خمسون درهمًا". وتعقبه بقوله: الأول وهم، قوله: عن أبي إسحاق. وإنما هو حكيم بن حبير، وهو ضعيف، تركه شعبة وغيره.
стр. 3887
قرئ عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - وأنا أسمع - حدثكم إسحاق بن إسرائيل أبو يعقوب المروزي، حدثني شريك بن عبد الله بن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ((ما سأل وله غنى، جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش أو خموش. قيل: وما غناه يا رسول الله؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب)) . وتعقبه بقوله: حكيم بن جبير متروك.
وقال الطحاوي (شرح معاني الآثار. ج: ٢.ص: ٤٩و٢٠) : حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا مخول بن إبراهيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل من غير فقر، فإنه يأكل الجمر)) .
حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل فذكر مثله. ثم قال: حدثنا الحسين بن نصر، قال: حدثنا الفريابي. وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم. قالا جميعًا: عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن زيد النخعي، عن أبيه، عن ابن مسعود – ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شينا أو كدوحًا أو خدوشًا في وجهه يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب)) .
حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا يحيى بن آدم. قال: حدثنا سفيان فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: (كدوحًا في جهه) ، ولم يشك، وزاد: (فقيل لسفيان: لو كان غير حكيم. قال: حدثناه زيد، عن محمد بن عبد الرحمن، عن يزيد مثله.)
стр. 3888
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: حدثنا ابن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حدثنا ربيعة بن يزيد، عن كبشة السلولي، قال: حدثنا أبو حنظلة السلولي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل الناس عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم. قلت: يا رسول الله، وما ظهر غنى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغذيهم أو يعشيهم)) .
حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا أبو عمرو الحوطي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن مردويه، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت شينا في وجهه يوم القيامة)) .
ثم قال: حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس تكثرًا، فإنما هو جمر، فليستقل أو ليستكثر)) .
وقال الطبراني (المعجم الكبير. ج: ٤. ص: ١٤ و١٥. ح: ٣٥٠٥) : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبي، حدثنا أبو حمزة، عن الشعبي، عن حبشي بن جنادة السلولي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل الناس في غير مصيبة حاجته، فكأنما يلتقم الرضفة)) .
وقال (المعجم الكبير: ح: ٣٥٠٦ و٣٥٠٧ و٣٥٠٨) : حدثنا محمد بن النضر الأزدي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سأل من غير فقر، فكأنما يأكل الجمرة)) ، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب. وحدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إبراهيم بن عمرو البجلي. وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني. قالوا: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل من غير فقر، فإنما يأكل من جمرة)) .
حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا موسى بن الحسين أبو الحسين السلولي، حدثنا غصن بن حماد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل من غير فقر، فكأنما يأكل جمرًا)) .
وقال (المعجم الكبير. ج: ١٠. ص: ١٥٩. ح: ١٠١٩٩) : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا نصر بن ناب، عن الحجاج، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : ((من سأل مسألة وهو عنها غني، جاءت يوم القيامة كدوحًا في وجهه، لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهمًا أو عرضها ذهبًا)) .
وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٤. ص: ١٧٤) : أخبرني أبو الحسن بن بشران العدل ببغداد، أنبأ أبو الحسن أحمد بن إسحاق الطيبي، حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي المقري، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي صاحب رسول الله ﷺ يحدث، قال: أتيت رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث، إلى أن قال: ثم أتاه آخر، فقال: يا نبي الله، أعطني. وقال النبي ﷺ : ((من سأل الناس عن ظهر غنى، فصداع في الرأس، وداء في البطن. فقال السائل: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله ﷺ : إن الله عز جل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك، أو أعطيناك حقك)) .
وكان ذلك في وقت شدة الحاجة ووجوب المواساة من بعضها (١) لبعض".
ثم دافع عن القول بأن الآية لا تعني وجوب الخروج من كل ما يملكه المسلم من الذهب والفضة مستدلا بوجوب الزكاة فيهما.
ثم قال: " إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو الجائع المضطر، والعاري المضطر، أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه".
واستدل على هذا بحديث فاطمة بنت قيس الذي نقلناه ووقفنا عنده منذ حين.
ثم قال:
" وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد به ولا ينفقون منها فحذف " من " وهو يريدها، وقد بينها بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) فأمر بأخذ بعض المال لا جميعه، وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول (٣) إذ جائز أن يكون مراده: لا ينفقون منها.
стр. 3889
قلت: يفند بهذا القول ما روي عن عمر بن عبد العزيز، أن آية الكنز منسوخة بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وكان من بين نقله من التأويلات.
وقال ابن العربي (١)
" وقد اختلف فيه - يعني في الكنز- على سبعة أقوال:
الأول: أنه المجموع من المال على كل حال.
الثاني: أنه المجموع من النقدين، يعني الذهب والفضة.
الثالث: أنه المجموع منهما ما لم يكن حليًا.
الرابع: أنه المجموع منهما دفينًا.
الخامس: أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته.
السادس: أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق.
السابع: أنه المجموع ما لم ينفق ويهلك في ذات الله ".
ثم قال:
" وقد قال بعض الناس: إن ما زاد على أربعة آلاف كنز، وعزوه إلى علي، وليس بشيء يذكر لبطلانه (٢) ، أما أنه ثبت عن النبي ﷺ قال: ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا. وأشار بيده يفرقها)) (٣) قال أبو ذر: الأكثرون أصحاب عشرة آلاف، يريد أن الأكثرين مالًا هم الأقلون يوم القيامة ثوابًا، إلا من فرقه في سبيل الله.
قلت – ابن العربي هو القائل -: وهذا بيان لضمان الرتبة بقلة الصدقة، لا لوجوب التفرقة بجميع المال ما عدا الصدقة الواجبة".
ثم استظهر بحديث ثوبان (٤) الذي نقلناه آنفًا.
ثم قال:
" فجعل النبي ﷺ هذا جوابًا لمن علم رغبته في المال، فرده إلى منفعة المال لما فيه من الفراغ وعدم الاشتغال ".
стр. 3890
قلت: جرى ابن العربي في هذا على مذهبه الخاص به، من أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأن كل نفقة أخرى لا تعدو أن تكون مندوبًا إليها، وله تأويله، بيد أن استدلاله من التهافت والضعف، بحيث نعجب منه أن ركن إليه، ذلك بأن حديث ثوبان فيه وعيد، وليس مجرد ترتيب لأصناف من يثابون أو تبيان لرتبهم، يظاهرنا في هذا الفهم ما سبق أن نقلناه وما سننقله بعد من أحاديث وآثار تثبت أن حديث ثوبان أبعد شيء من أن يكون دليلًا على عدم وجوب الإنفاق على من أدى زكاة ماله إذا تعين أمر أو ظرف يقتضي من القادر الإنفاق.
وقال القرطبي (١) عند شرحه لهذه الآية: " واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته، هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم: نعم، رواه أبو الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي – ﵁ – قال علي: أربعة آلاف فما فوقها نفقة، وما كثر فهو كنز، وإن أديت زكاته. (٢) ولا يصح. وقال قوم: ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه، فليس بكنز، قال ابن عمر:ما أدي زكاته، فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته، فهو كنز، وإن كان فوق الأرض. (٣) ومثله عن جابر وهو الصحيح، وروى البخاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني بشدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ )) (٤) وفيه أيضًا عن أبي ذر قال: انتهيت إليه- يعني النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده - أو الذي لا إله غيره، أو كما حلف - ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين الناس)) (٥) فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا ".
стр. 3891
قلت: لا دليل فيهما؛ لأن الوعيد في آية الكنز يختلف عن الوعيد في الحديثين، أما استشهاد رسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (١) فهو دليل على عمومها للزكاة وغيره، وليس دليلًا على معنى آية الكنز، ونوع العذاب الذي أوعد به الكانزون، وشتان بين الشجاع الأقرع وتطويقه وأخذه بهلزمتي مانع الزكاة وبين ما أوعد به الكانز ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
ثم قال: " وقد بين ابن عمر في صحيح البخاري هذا لمعنى، قال له أعرابي: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاته، فويل له، فإنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال ".
قلت: سنبين من بعد أن هذا وهم من ابن عمر إن صح عنه حين نحدد الزمن الذي نزلت فيه سورة التوبة والزمن الذي فرضت فيه الزكاة، وبَيَّن رسول الله ﷺ أنصبتها.
ثم قال:
" وقيل: الكنز ما فضل عن الحاجة، روي عن أبي ذر، وهو ما نقل من مذهبه، وهو من شدائده وممن تفرد به ﵁، ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله ﷺ عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الحوائج هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز إدخار الذهب والفضة في مثل هذا الوقت، فلما فتح الله على المسلمين ووسع عليهم، أوجب ﷺ في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارًا نصف دينار، ولم يوجب الكل، واعتبر مدة الاستنماء، وكان ذلك منه بيانًا ﷺ ".
стр. 3892
قلت: هذا يتجه لو لم تكن سورة التوبة نزلت سنة تسع، وكان جلها متصلًا بغزوة تبوك، وظروفها وبعضها ممهدًا لها، وسنة تسع كانت بعد فتح مكة بعام كامل، وفتح مكة تتويج للفتوحات الإسلامية في العهد النبوي ولم يكن المسلمون يومئذٍ – ومنهم المهاجرون – في مثل الخصاصة التي يحاول أن يدعيها صاحب هذا القول، إلا أن يكون قد التبس عليه التاريخ.
ثم قال:
" وقيل: الكنز ما لم تؤد منه الحقوق العارضة، كفك الأسير، وإطعام الجائع".
وقال الرازي (١) بعد أن استعرض التأويلات المأثورة: " القول الأول، وانتهى إلى قول ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز: هو المال الذي ما أخرج " عنه". (٢) ما وجب إخراجه " عنه " (٣) ، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات وما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة (٤) وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات، فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلًا في الوعيد.
القول الثاني: المال الكثير إذا جمع فهو المذموم، سواء أديت زكاته أو لم تؤد، ثم ذكر أن أصحاب هذا القول احتجوا أولًا بعموم هذا الآية، وقال: ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية، فلا يصار إليه بدليل منفصل.
والثاني: ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : ((تبًا للذهب والفضة. قالها ثلاثًا، فقالوا له: أي مال نتخذ؟ قال: لسانًا ذاكرًا وقلبًا خاشعًا وزوجة تعين أحدكم على دينه)) (٥) وقال ﵇: ((من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها)) (٦) .
وتوفي رجل، فوجد في مئزره دينار، فقال ﵇: كية. وتوفي آخر، فوجد في مئزرة ديناران، فقال ﵊: كيتان.
والثالث ما روي عن الصحابة في هذا الباب، فقال علي: كل ما زاد عن أربعة آلاف فهو كنز، أديت منه الزكاة أم لم تؤد (٧) .
وعن أبي هريرة: كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز.
стр. 3893
وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن التعسير قال ابن منظور (لسان العرب ج: ٤. ص: ٥٦٥ و٥٦٦) : والعسير: الناقة التي لن تحمل سنتها، والعسيرة: الناقة التي اعتاطت فلم تحمل عامها، وفي التهذيب بغيرها، وقال الليث: العسير: الناقة التي اعتاطت فلم تحمل سنتها، وقد أعسرت وعسرت. ثم قال: والعسير من الإبل عند العرب التي اعتسرت فلم تركب، ولم تكن ذللت قبل ذلك ولا رضت، وكذا فسره الأصمعي، وكذلك قال ابن السكيت: العسير: الناقة التي ركبت قبل تذليلها، وعسرت الناقة تعسر عسرًا وعسرانًا وهي عاسر وعسير رفعت ذنبها في عدوها. قلت: يظهر لي أن في عبارة الرازي تصحيفًا مطبعيا صوابه: " العير " إذ لا يوجد في السياق ما يرجح كلمة " العسير" وإن استعملت في بعض حالات الإبل والنوق. فتأمل.
ولم نقف على تخريج لهذا الأثر، لكنه يشبه كلام أبي ذر، وقد تقدم، وكانا صديقين على سن متشابه في التفكير والسلوك، وإن كان أبو الدرداء أحصف عقلًا وأهدأ نفسًا وألطف معاملة ﵄ وأرضاهما. تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع، ويقول: جاء القطار يحمل النار، وبشر الكنازين بكي في الجباه والجنوب والظهور والبطون
والرابع: أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه، فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته، ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعًا من ظهور حكمته ومانعًا من وصول إحسان الله إلى عباده.
واعلم أن الطريق الحق أن يقال: الأولى لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع، فالأول محمول على التقوى، والثاني على ظاهر التقوى، أما بيان أن الأولى الاحتراز من طلب المال الكثير فبوجوه:
стр. 3894
الوجه الأول: أن الإنسان إذا أحب شيئًا فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر، كان حبه له أشد وميله أقوى، فالإنسان إذا كان فقيرًا، فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال، وكأنه غافل عن تلك اللذة، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة، فصار ميله أشد، فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر، وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب، وضرره شديد، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس، وأيضًا قد بينا أنه كلما كان المال أكثر، كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنه الطلب ويزول الحرص.
لقد كان الإنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد، أما كما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر، كان الضرر الناشئ من الحرص أكبر، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال:
رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولًا
والوجه الثاني: أن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشقى وأصعب، فيبقى الإنسان طيلة عمره تارة في طلب التحصيل، وأخرى في تعب الحفظ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل، وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات، وذلك هو الخسران المبين.
الوجه الثالث: أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان كما قال : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ (١) والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقعه في الخسران والخذلان.
وقال محمد الطاهر بن عاشور (٢) عند شرحه لهذه الآية: " فالموصول - يعني في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ الآية - مراد به قوم معهودون يعرفون أنهم المراد من الوعيد ويعرفهم المسلمون، ولذلك لم يثبت أن النبي ﷺ أنب قومًا بأعيانهم.
ومعنى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ انتفاء الإنفاق الواجب وهو الصدقات الواجبة والنفقات الواجبة إما وجوبًا مستمرًا كالزكاة، وإما وجوبًا عارضًا كالنفقة في الحج الواجب والنفقة في نوائب المسلمين مما يدعو الناس إليه ولاة العدل. والضمير المؤنث في قوله: ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾ عائد إلى الذهب والفضة، والوعيد منوط بالكنز وعدم الإنفاق، فليس الكنز وحده بمتوعد، وليست الآية في معرض أحكام ادخار المال وفي معرض إيجاب الإنفاق، ولا هي في تعيين سبيل البر المعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال، ولا داعي إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تؤد زكاته حين وجوبها، ولا إلى تأويل الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة، ولا إلى تأويل سبيل الله بالصدقات الواجبة؛ لأنه ليس المراد باسم الموصول العموم، بل أريد به العهد، فلا حاجة إلى ادعاء أنها نسختها آية وجوب
الزكاة، فإن وجوب الزكاة سابق على وقت نزول هذه الآية ".
стр. 3895
ثم نقل من الموطأ قول ابن عمر: إن الكنز هو ما لم تؤد زكاته. وحديث أبي هريرة عن المال الذي لم تؤد زكاته وأخذه بلهزمتي صاحبه يوم القيامة، وهو يقول: أنا مالك أنا كنزك.
وقد ذكرناهما آنفًا.
ثم قال:
" فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه، فهو بعض الكنز المذموم في الكتاب والسنة، وليس كل كنز مذمومًا، وشذ أبو ذر فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع أحوال الكنز وعلى عموم الإنفاق، وحمل ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على وجوه البر، فقال بتحريم كنز المال، وكأنه تأول ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ على معنى ما يسمى عطف التفسير أي: على معنى العطف لمجرد القرن بين اللفظين، فكان أبو ذر بالشام ينهى الناس عن الكنز، ويقول: وبشر الكناز بمكاوٍ من النار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فقال له معاوية وهو أمير الشام في خلافة عثمان: إنما نزلت الآية في أهل الكتاب، فقال أبو ذر: نزلت فيهم وفينا. واشتد قول أبي ذر على الناس ورأوه قولًا لم يقله أحد في زمان رسول الله ﷺ وصاحبيه، فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذر الفتنة في المدينة، فاعتزلها وسكن الربذة، وثبت على قوله".
قلت: أبدأ الناس وأعادوا وخبوا وأوضعوا حول أبي ذر- ﵀ – وحديثه أو أحاديثه، وليس شأننا في هذا المجال استقراء ما روي عن أبي ذر في شأن الكنز، إنما شأننا استجلاء المقاصد من مجموع حديث أبي ذر مع معاوية وعثمان وروايته عن رسول الله ﷺ ، وأول ما ينبغي الوقوف عنده وهو أساسي في تقديرنا، هو أن أبا ذر ﵁ كان ممن يفتي في عهد رسول الله ﷺ ، وكان من أوعية العلم، فقد ذكره ابن سعد في طبقاته (فيمن ذكر من أهل العلم والفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ (١) ، وروى في شأنه أثرًا لعلي ﵁ فضلًا عن أثرين آخرين.
стр. 3896
فقال: أخبرنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود قال: قال ابن جريج ورجل من زاذان، قالا: سئل علي ﵁ عن أبي ذر فقال: وعى علما عجز فيه، وكان شحيحًا حريصًا، شحيحًا على دينه حريصًا على العلم، وكان يكثر السؤال، فيعطي ويمنع، أما إنه ملئ له في وعاء حتى امتلأ، فلم يدروا ما يريد بقوله: (وعى علما عجز فيه) أعَجَزَ عن كشف ما عنده من العلم، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي ﷺ ؟
أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا أبو عمرو - يعني الأوزاعي -، حدثني مرثد - أو ابن مرثد - عن أبيه قال: جلست إلى أبي ذر الغفاري، إذ وقف عليه رجل، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا - يظهر أنه يقصد بأمير المؤمنين عثمان - فقال أبو ذر: والله لو وضعتم الصمصامة على هذه، وأشار إلى حلقه، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ لأنفذتها قبل أن يكون ذلك.
وأخبرنا وكيع بن الجراح، عن فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا. ".
وما نريد أن نستقرأ ما أثر عن علم أبي ذر وفضله، حسبنا هذا الذي رواه ابن سعد موصولًا بأسانيد ما فيها من يمكن الغمز فيه لنتبين المركز العلمي لأبي ذر، هذا الذي تناولته الألسن إجلالًا من بعض وتشهيرًا من آخر.
وحديثه عن الكنز أو تأويله لآية الكنز تعبيرًا عن موقف تجاهله البعض وجهده، أو غفل عنه آخرون من وضع حدث في ظل معاوية، وأخذ يستشري ويستفحل منذ عهد عثمان، وما من أحد يزعم أو يستطيع أن يزعم أن أبا ذر كظم حديثه في صدره أو جمجمه ولم يبينه منذ عهد أبي بكر وطوال عهد عمر وصدرًا من عهد عثمان ﵃ أجمعين خوفًا من أحد أو مجاملة له، وكان ينبغي للذين تناولوه بالإجلال أو بالتشهير أن يتدبروا الظرف الذي أخذ فيه أبو ذر يجهر بدعوته ويشتد على معاوية، اضطر معاوية أن يشكوه إلى عثمان واضطر عثمان إلى أن يستجلبه إليه، ثم يأمره أو يأذن له على اختلاف الروايات بالخروج من المدينة وسكنى الربذة على أن يختلف إلى المدينة أحيانًا، لئلا يرجع أعرابيا، والإسلام ينهى من تحضر أن يرجع بدويًا.
стр. 3897
وقد سبق أن ذكرنا أثناء حديثنا عن رافع بن خديج، أن صلة ما كانت بين الصحابيين الجليلين رافع وأبي ذر على تفاوت بينهما في السن وتباين في المحتد والمنشأ، تمثلت في موقف كان لهما من عثمان لبث فيه أبو ذر شديدًا صامدًا صلبًا مجابهًا، وقمع فيه رافع بالجهر الهادئ المسالم بما يريانه معًا أو يقترب أحدهما من الآخر في شأنه رؤية ورأيًا، وكلاهما أحدث موقفه لحاجة وصخبًا بين معاصريه من أهل الفتيا وغيرهم، اقتصر رافع في موقفه على ما يتصل بالأرض وإيجارها، واختص أبو ذر في موقفه على ما يتصل بالأموال المنقولة مباشرة وكنزها في أغلب أحواله وإن تناول العقار أيضًا في بعضها، وكان منطلق رافع عما حدث به هو وجابر وأبو هريرة وغيرهم من نهى رسول الله ﷺ عن إيجار الأرض على حين كان منطلق أبي ذر آية الكنز، وكلا الرجلين كان يقاوم - كل على طريقته - ظاهرة برزت منذرة بشر مستطير منذ أواخر عهد عثمان والذي لفت منها رافعًا ومن على شاكلته هو استحواذ القادرين ماليا على الأرض واستغلالها استحواذًا لم يحرم الفقراء فحسب، وإنما استغل ما فيهم من طاقة وخبرة استغلالًا يبقي على ضعف الفقير وينهك جهده فيما يكدس في خزائن القادر ثمرة ذلك الجهد وما صحبه من خبرة ودربة تكديسًا قوامه عرق الفقير الضعيف.
أما الذي لفت أبا ذر وخاصة حين ذهب إلى الشام، فهو ما أخذ يتكدس ويكتنز في أيدي المحظوظين عامة سواء منهم الفلاحون والتجار وأرباب الحرف وغيرهم ممن يستثمرون أموالهم، وطبيعي أن هؤلاء لم يكونوا جمهرة المسلمين، وإنما كانوا طائفة منهم، إن تكن وفيرة فليست الغالبة عددًا على كل حال.
وكان قد صحب هذا التكدس والاكتناز بذخ وترف أخذا يتطوران إلى نوع من البطر تجلى في تداول آنية الذهب والفضة، وطبعًا كان تداولها للاستعمال وحتى وإن يكن للزينة فهو نمط من الأشر والبطر نهى عنه رسول الله ﷺ نهيًا صريحًا حاسما لا مجال فيه لأي تأويل، وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد ناقش معاوية وبالأحرى جادله جدالًا لا يخلو من حدة في نمط من التعامل أباحه معاوية وأنكره عليه صفوة الصحابة، وهو البيع والشراء في آنية الذهب والفضة بالنقد، أي بالدينار والدرهم، وليس هذا مجال تفصيل القول في هذا الشأن، حسبنا أن نشير إليه كمظهر من المظاهر التي اضطرت أبي ذر ﵁ أن يشتد في الإنكار على معاوية بالذات وهو يتأول الوعيد الذي نزل في الكانزين بأنه غير موجه إلى المسلمين، وإنما هو موجه إلى أهل الكتاب تأولًا على غرابته ليس بغريب عن المقولة العجب الأخرى التي تقولها البعض، يغفر الله لهم، من أن آية الكنز نسختها آية الزكاة.
стр. 3898
وكان أبو ذر وهو الذي صحب رسول الله ﷺ أغلب سنوات الهجرة إذ أسلم من قبلها، فأعاده رسول الله ﷺ إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام خليقًا بأن ينكر أشد الإنكار على معاوية مواقفه المريبة تلك والتي نشأ عنها نمط من التكيف الطبقي في المجتمع الإسلامي عامة وفي الشام خاصة، إذ إن تصرف معاوية في الشام كان نمطًا أخذ يقتدي به بعض عمال عثمان من بني أمية وشيعتهم وذيولهم على أقطار أخرى مما شملته الفتوحات الإسلامية، ذلك بأن أبا ذر أخذ يدرك بعمق إيمانه وغزارة علمه وصلابته في دينه وشدة تمسكه بسنة رسول الله ﷺ ما يتهدد المجتمع الإسلامي من التخلي عن قاعدة المؤاخاة التي شرعها القرآن أساسًا لبناء المجتمع الإسلامي، وطبقها رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة، إذ آخى بين المهاجرين والأنصار، والتحول إلى سلوك لا يؤدي ولا يمكن أن يؤدي إلا إلى صراع طبقي يهدم الكيان الإسلامي من داخله ويهيئه للمتربصين به لقمة سائغة فضلًا عن أن طبيعة الترف والبزخ حين تهيمن على الناس تصرفهم صرفًا كاملًا حاسما عن الخلق الإسلامي الرضي المستلهم لطبيعة الأخوة الإسلامية والمساواة بين المسلمين والتضحية في سبيل المصلحة العامة لهم إلى خلق الجشع والأثرة واللهف وراء المال من طرق شرعية بادئ الأمر، ثم من غيرها بالتأويل المنحرف لنصوص الشريعة، ثم بالاستهتار وعدم المبالاة، ثم بالاستحلال، وهي مراحل من الانحراف لا محيص من أن تؤدي الواحدة منها إلى الأخرى، فكان أبو ذر بما جهر وإصراره على ما أصر ثم إيثاره العزلة نمطًا من النضال، بل من الجهاد، اختاره أبو ذر، ووقف له حياته حتى لحق بربه راضيًا مرضيًا، ولم يكن شذوذًا كما يطيب للبعض أن يقول، وإنما هو صمود على الحق وثبات في الدعوة إليه، وصيانة معالمه وقواعده.
وآية ذلك أن النتيجة التي نتجت عن تأويلات المتأولين لآية الكنز ومنهم بعض التابعين - يغفر الله لهم - كانت استمرار المجتمع الإسلامي انطلاقًا من سنن معاوية في الابتعاد السريع المريع عن السنن الذي كان عليه في عهد رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده وأراد علي ﵀ أن يعيده إليه، فعاقه المنشقون، ثم عاجله قدر الله، وأراد عمر بن عبد العزيز ﵀ أن يعيده إليه، فعاجله قدره أيضًا، ولا أحسبه بمستطيع لو طال عمره، فقد فات الأوان.
стр. 3899
والذي يعنينا من كل هذا هو أن تأويل أبي ذر لآية الكنز كان هو التأويل الصحيح الوحيد الذي تشهد له ظروف سورة التوبة كلها، كما تشهد له الوقائع التي حفلت بها تلك الظروف.
وقبل أن نعرض تلك الظروف نرى - تيسيرًا لاستكمال الصورة لدى القارئ - أن ندرج صفوة مما روي عن أبي ذر في تأويل آية الكنز ولم يورده الطبري أو أورده بسند مختلف، ذلك بأن أبا ذر لم يكن متأولًا بالمعنى اللغوي لكلمة التأويل، وإنما كان مفسرًا تفسيرًا يأثره عن رسول الله ﷺ في صيغ إن لم تكن جميعًا متصلة بالآية اتصال تفسير، فإنها متصلة بحكمها اتصال بيان، وما من أحد يماري في أن السنة مبينة للقرآن، وقد آثرنا إدراج ما اصطفيناه من حديث أبي ذر حول الكنز بمختلف أسانيده وألفاظه على تماثل بعضها وتشاكل معانيها ودلالاتها ودون أن نعرض لما عرض له نقدة الحديث من تجريح بعض النقلة لإتاحة الفرصة لمن قد يطلع على هذا البحث أن يحيط بمختلف ما أثر عن أبي ذر في هذا الشأن وأن يتدبر دلالات ألفاظه ويتبين أن اختلافها لا يعني تغايرًا بين معانيها ودلالاتها، وإنما يعني أحيانًا اختلافًا بين بعض الرواة بالمعنى واختلافًا بين ظروف تحدث أبي ذر بما يأثره عن رسول الله ﷺ في هذا الأمر، ذلك بأنه كان شغل أبي ذر في الشام وفي المدينة وفي مكة وفي الربذة وأينما حل وارتحل منذ نذر نفسه لمناهضة الكنازين في أواسط عهد عثمان عندما ارتحل إلى الشام ثم أعيد منه واعتزل اختيارًا أو طاعة لأمر عثمان في الربذة على ما ذكرته الروايات التي سندرجها بعد قليل.
ولأن كلام النقدة في بعض النقلة لا نراه ذا أثر جدير بالاعتبار في تقييم الحديث نفسه، فما من سند تكلموا في بعض رجاله إلا وشهدت لحديثه أسانيد وأحاديث أخرى، لا سبيل إلى الغمز فيها، وهذا يجعل كلامه في بعض النقلة غير مؤثر في دلالة الحديث أو الحكم المستفاد منه، لا سيما أن من تكلموا فيهم لم يصمهم أحد بوصمة الوضع أو ما يشاكله، وإنما اقتصروا في نقدهم على التضعيف اعتمادًا على أن بعضهم اختلط بآخرة، وأن غيره سيئ الحفظ وأوصاف على هذه الشاكلة.
وحول آية الكنز ووعيد رسول الله ﷺ للكانزين والمدخرين، روى كل من أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان وابن سعد والبخاري ومسلم والذهبي بأسانيد مختلفة ما ندرجه على التوالي:
стр. 3900
قال أحمد في مسنده (١) : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، حدثنا عبد الله بن يزيد بن الأقنع الباهلي، حدثنا الأحنف بن قيس قال: كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه، قال: قلت: من أنت؟ قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ . قال: قلت: لم يفر الناس؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله ﷺ .
وحدثنا عفان، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا خليد العصري قال أبو جري: أين لقيت خليدا؟ قال: لا أدري، عن الأحنف بن قيس، قال: كنت قاعدًا مع أناس من قريش، إذ جاء أبو ذر حتى كان قريبًا منهم حتى قال: (ليبشر الكنازون بكي من قبل ظهورهم يخرج من قبل بطونهم، وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم. قال: ثم تنحى فقعد، قال: قلت: من هذا؟ قال: أبو ذر. فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تنادي به؟ قال: ما قلت لهم شيئًا إلا شيئا سمعوه من نبيهم ﷺ ، قال: قلت له: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه، فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه.
وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن عبد الله ابن يزيد بن خال الأقنع، عن الأحنف بن قيس قال: بينما أنا في حلقة، إذ جاء أبو ذر، فجعلوا يفرون منه، فقلت: لم يفر منك الناس؟ قال: إني أنهاهم عن الكنز الذي ينهاهم عنه رسول الله ﷺ ".
وقال ابن أبي شيبة (٢) : حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن عبد الله بن الأقنع الباهلي، عن الأحنف بن قيس قال: كنت جالسًا بمجلس في المدينة، فأقبل رجل لا ترى حلقة إلا فروا منه، حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها، فثبت وفروا، فقلت: من أنت؟ قال: أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، قال: فقلت: ما يفر الناس منك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز. قال: قلت: إن أعطياتنا قد بلغت وارتفعت، فنخاف علينا منها. قال: أما اليوم فلا، ولكنها يوشك أن تكون أثمان دينكم، فدعوهم وإياها.
وحدثنا ابن إدريس، عن حصين بن زيد بن وهب، قال: مررنا على أبي ذر بالربذة، فسألنا عن منزله، قال: كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
فقال معاوية: إنها في أهل الكتاب. فقلنا: إنها لفينا وفيهم.
стр. 3901
وحدثنا زيد بن حباب، قال: حدثني موسى بن عبيدة، قال: حدثني عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ أو حبيبي يقول: ((في الإبل صدقتها، من جمع دينارًا أو درهمًا أو تبرًا أو فضة، ولا يعده لغريم، ولا ينفقه في سبيل الله، فهو كي يكوى به يوم القيامة)) . ".
وقال ابن حبان (١) :
"أخبرنا عمران بن محمد الهمداني، قال: حدثنا مؤمل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة وفيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، فقام عليهم، فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليهم في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه. فوضعوا رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: وأدبر، فأتبعته حتى جلس إلى سارية، فقال: ما رأيت هؤلاء لا يعقلون، إن خليلي أبا القاسم دعاني، فقال: يا أبا ذر. أجبته، قال: أترى أحدا؟ قال: فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظنه يبعثني لحاجة له، فقلت: أراه. فقال: ما يسرني أن لي مثله ذهبًا أنفقه كله غير ثلاثة دنانير. ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا، قال: قلت: مالك ولإخوانك قريش، قال: لا وربك لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم في ديني حتى ألحق بالله ورسوله ﷺ ".
وقال ابن سعد (٢) :
"أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر، قال: فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، قال: وقلت: نزلت فينا وفيهم، قال: فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب يشكوني إلى عثمان أن أقدم المدينة، فقدمت المدينة، وكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك، قال: فذكر ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت أنحيت فكنت قريبًا، فذلك أنزلني هذا المنزل، ولو أمر علي حبشي لسمعت وأطعت.
وأخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو كعب صاحب الجريري، قال: حدثنا أبو الأصفر، عن الأحنف بن قيس قال: أتيت المدينة، ثم أتيت الشام فجمعت، فإذا رجل لا ينتهي إلى سارية إلا فر أهلها يصلي ويخفف صلاته قال: فجلست إليه، فقلت له: يا أبا عبد الله من أنت؟ قال لي: أنا أبو ذر. فقلت: وأنت من أنت؟ فقال لي: أنا الأحنف بن قيس، قال: قم عني لا أعدك بشر. فقلت له: كيف تعدني بشر؟ قال: إن هذا - يعني معاوية - نادى مناديه ألا يجالسني أحد ".
وقال البخاري (٣)
(حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال: حدثنا أبي، حدثنا الجريري، حدثنا أبو العلاء بن الشخير، أن الأحنف بن قيس حدثهم، قال: جلست إلى ملأ من قريش، فجلس رجل خشن الثياب والشعر والهيأة، حتى قام عليهم وسلم، فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع في حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمتي ثديه، يتزلزل، ثم ولى، فجلس إلى سارية، وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو، فقلت له: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي. قلت: قال: إنهم لا يعقلون شيئًا، قال لي خليلي: قال: قلت: من خليلك؟ قال: النبي ﷺ : ((يا أبا ذر أتبصر أحدا؟)) قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار وأنا أرى أن رسول الله ﷺ يرسلني في حاجة له، قال: قلت: نعم. قال: ((ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا والله لا أسألهم ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله ) .
стр. 3902
وحدثنا علي، سمع هشيمًا، أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر ﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمَّروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت. ".
وقال مسلم في صحيحه: (١) حدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه في جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض - بضم النون وإسكان الغين المعجمة وبعده ضاد معجمة وهو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف ويقال له: الناغض - كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل، قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: فأدبر وأتبعته، حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، ((إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته، فقال: أترى أحدا؟ فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له. فقلت: أراه. فقال: ما يسرني أن لي مثله ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير)) . ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا، قال: قلت: مالك ولإخوتك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم، قال: لا وربكم، لا أسألهم عن دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله.
стр. 3903
وحدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا أبو الأشهب، قال: حدثنا خليد العصري، عن الأحنف بن قيس قال: كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر وهو يقول: بشر الكنازين بكي ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم. قال: ثم تنحى فقعد، ثم قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال: فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئًا قد سمعته من نبيهم ﷺ قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه، فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه".
وقال الذهبي (١) : "موسى بن عبيدة، حدثنا عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قدم أبو ذر من الشام، فدخل المسجد وأنا جالس، فسلم علينا، وأتى سارية، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم قرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ، واجتمع الناس عليه، فقالوا: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: ((في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته، من جمع دينارًا أو تبرًا أو فضة لا يعده لغريم، ولا ينفقه في سبيل الله كوي به)) قلت: يا أبا ذر، انظر ما تخبر عن رسول الله ﷺ ، فإن هذه الأموال قد فشت، قال: من أنت يا بن أخي؟ فانتسبت له، فقال: قد عرفت نسبك الأكبر، ما تقرأ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
وتعقبه الذهبي بقوله: ضعف، وروى عنه الثقات."
ولم يكن موقف أبي ذر من "الكنز " هذا الذي تصوره الأحاديث السالفة موقف متأول وإنما كان موقفًا يأثره عن رسول الله ﷺ ليس في تفسير آية الكنز وحدها، ولكن في تشريع عام حاسم، عبر عنه أحيانًا بـ:"العهد " من رسول الله ﷺ كما توضحه الأحاديث التي ننقلها على التوالي عن كل من أحمد وابن سعد ومسلم والطبراني والذهبي.
قال أحمد في مسنده (٢) : (حدثنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة، عن سعيد بن الحرث، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: ((ما يسرني أن لي أحدًا ذهبًا أموت يوم أموت وعندي منه دينار أو نصف دينار إلا أن أرصده لغريم)) .
стр. 3904
حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا سالم - يعني ابن أبي حفصة - عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي ذر. وأبي منصور، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر أي جبل هذا؟ قال: قلت: أحد يا رسول الله. قال: والذي نفسي بيده، ما يسرني أنه لي ذهبًا قطعًا أنفقه في سبيل الله، أدع منه قيراطًا. قال: قلت: قنطارًا يا رسول الله. قال: قيراطًا. قالها ثلاث مرات ثم قال: يا أبا ذر، إنما أقول الذي أقل، ولا أقول الذي هو أكثر)) .
وحدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: ((كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة ونحن ننظر إلى أحد، فقال: يا أبا ذر. قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ما أحب أن أحدًا ذاك عندي ذهبًا أمسي ثالثة وعندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا. وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: يا أبا ذر، إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا. وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره، قال. ثم مشينا، وقال: يا أبا ذر، كما أنت حتى آتيك، قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطًا وصوتًا، قال: فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له. قال: فهممت أن أتبعه ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك. فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: ذاك جبريل ﵇ أتاني، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قال: قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق)) .
وحدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه، ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه قال: ففضل معها سبع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال: فقلت: لو ادخرته لحاجة تنوبك أو لضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله .
وحدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل، فذكر الحديث، فاتبعته حتى جلس إلى سارية، فقال: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: ((إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني، فقال: يا أبا ذر. فأجبته، فقال: هل ترى أحدا؟ فنظرت ما علا من الشمس، وأنا أظنه يبعثني في حاجة، فقلت: أراه. قال: ما يسرني أن لي مثله ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير)) .
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت سويد بن الحرث قال: سمعت أبا ذر قال: ((قال رسول الله ﷺ : ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا - قال شعبة: أو قال: ما أحب أن لي أحدًا ذهبًا - أدع منه يوم أموت دينارًا أو نصف دينار إلا لغريم)) .
стр. 3905
حدثنا يزيد، أنبأنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، سمع أبا ذر قال: إن خليلي ﷺ عهد إلي: ((أيما ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو كي على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله إفراغًا)) .
حدثنا يزيد، أنبأنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسين، عن عبد الله بن الصامت قال: كنت مع أبي ذر، وقد خرج عطاؤه ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه - وقال مرة: نقضيى - قال: ففضل معه فضل، قال: أحسبه سبع، قال: فأمرها أن تشتري بها فلوسًا، قلت: يا أبا ذر لو ادخرته للحاجة تنوبك وللضيف يأتيك. فقال: إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه يوم القيامة حتى يفرغه إفراغًا في سبيل الله.
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت سويد بن الحرث قال: سمعت أبا ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا - قال شعبة أو قال: ما أحب
أن لي أحدًا ذهبًا - أدع منه يوم أموت دينارًا أو نصف دينار إلا لغريم.)) .
وقال ابن سعد: (١)
(أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام، قال: أخبرنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه، ومعه جارية له قال: فجعلت تقضي حوائجه، قال: ففضل معها سبع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال: لو ادخرته للحاجة تنوبك أو للضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إلي أن أي مال ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرقه في سبيل الله.
أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، فكان إذا أخذ عطاءه، دعا خادمه فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه له، ثم اشترى فلوسًا بما بقي، وقال: إنه ليس من وعاء ذهبًا أو فضة يوكى عليه، إلا وهو يتلظى على صاحبه. ".
стр. 3906
وقال مسلم في صحيحه (١) :
"حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبو كريب كلهم عن أبي معاوية، قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أحد، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر. قال: قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ما أحب أن أحدا ذاك ذهب أمسي ثالثة عندي منه دينار، إلا دينارا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا. حثًا بين يديه، وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شماله، ثم مشينا فقال: يا أبا ذر. قال: قلت: لبيك يا رسول الله. قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا. مثل ما صنع في المرة الأولى، قال: ثم مشينا، قال: يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك. قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: سمعت لغطًا، وسمعت صوتًا، قال: فقلت: لعل رسول الله ﷺ ... قال: فهممت أن أتبعه، فقال: فذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك. قال: فانتظرته، فلما جاء ذكرت له الذي سمعت، قال: فقال: ذاك جبريل أتاني، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة. قال: قلت: وإن زني وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق.
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عبد العزيز - وهو ابن رفيع - عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: ((خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت، فرآني فقال: من هذا؟ فقلت: أبو ذر جعلني الله فداك. قال: يا أبا ذر، تَعَالَهْ. قال: فمشيت معه ساعة، فقال: إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا فنفع به يمينه وشماله وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرًا. قال: فمشيت معه ساعة، فقال: اجلس ههنا. قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: اجلس ههنا حتى أرجع إليك. قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني، فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: وإن سرق وإن زنى. فلما جاء لم أصبر، فقلت: يا نبي الله، جعلني الله فداك، من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا. قال: ذلك جبريل عرض في جانب من الحرة قال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله دخل الجنة. فقلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر)) .
стр. 3907
وقال الطبراني (١) : حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: ((إن خليلي ﷺ عهد إلي أنه أيما ذهب أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه حتى ينفقه في سبيل الله)) .
حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه، حدثنا مستلم بن سعيد، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عبد الله بن الصامت، أن أبا ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أوكى على ذهب أو فضة ولم ينفقه في سبيل الله كان جمرًا يوم القيامة يكوى به)) .
وقال الذهبي (٢) : وروى همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: ((إن خليلي ﷺ عهد إلي أيما ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى ينفقه في سبيل الله ) .
على أن في قصة أبي ذر ﵁ جانبًا لم نقف على من أعاره الاهتمام الذي يستحقه، مع أن اعتباره أساسي في تحديد مدى دلالتها وتعيين دلالاتها، وما نحسب تفسير آية الكنز خاصة وتبيان موقف أبي ذر من الأغنياء عامة يستقيم نهج الاهتداء إليهما دون اعتباره.
ذلك بأن رسول الله كان قد أنبأ أبا ذر بما سيحدث له، ورسم له النهج الذي عليه أن يسلكه عندما يحدث ما أنبأه به، ولو قد كان أبو ذر سيتخذ موقفًا غير مسلم يحدث له بسببه ما أنبأه به رسول الله ﷺ يحذره منه ونهاه عنه كما نهاه عن سبيل كان سيسلكها لولا أنه صارحه بها فحذره منها ورسم له غيرها وذلك ما توضحه الأحاديث التي رواها كل من أحمد وابن سعد وندرجها فيما يلي: قال أحمد في مسنده (٣) :
стр. 3908
"حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن الأسود الدؤلي، عن عمه، عن أبي ذر قال: أتاني نبي الله ﷺ وأنا نائم في مسجد المدينة، فضربني برجله، فقال: ألا أراك نائما فيه؟ قال: قلت: يا نبي الله غلبتني عيني. قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: آتي الشام الأرض المقدسة المباركة. قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: ما أصنع يا نبي الله، أضرب بسيفي. وقال النبي ﷺ : ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدًا تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك.
حدثنا يزيد، حدثنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: ((جعل رسول الله ﷺ يتلو علي هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ حتى فرغ من الآية، ثم قال: يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم. قال: فجعل يتلو بها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر، كيف تصنع إذا خرجت من المدينة؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة أنطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة. قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ قال: قلت إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة. قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ قال: قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال: أو خير من ذلك. قال: أو خير من ذلك. قال: تسمع وتطيع وإن كان عبدًا حبشيا)) .
قال عبد الله بن أحمد في زوائده:
حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن أبي حصين، عن شهر بن حوشب قال الذهبي في ترجمته (سير أعلام النبلاء. ج: ٤. ص: ٣٧٢. وما بعدها ترجمة: ١٥١) : - ورمز بأنه أخرج له الأربعة ومسلم مقرونًا - أبو سعيد الأشعري الشامي مولى الصحابية أسماء بنت يزيد الأنصارية كان من كبار علماء التابعين حدث عن مولاته أسماء وعن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأم سلمة وأبي سعيد الخدري وعدة، وقرأ القرآن على ابن عباس، ويرسل عن بلال وأبي ذر وسلمان وطائفة، حدث عنه قتادة ومعاوية بن قرة والحكم بن عتيبة وآخرون - ذكر بعضهم الذهبي -.وذكر أن مسلما والنسائي كنياه أبا سعيد، ونقل عن حنظلة أنه روى عن شهر قوله: عرضت القرآن على ابن عباس سبع مرات. وروي عن أحمد بن حنبل قوله: شهر ثقة ما أحسن حديثه. وقوله في رواية أخرى: ليس به بأس. وعن الترمذي قوله: قال محمد - يعني البخاري -: شهر حسن الحديث وقوي أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون، ثم إنه روى عن رجل عنه.
стр. 3909
وعن العجلي ثقة، وعن يحيى بن معين ثبت، وعن أبي زرعة وغيره لا بأس به، وعن النسائي لا بأس به، وعن النسائي ليس بالقوي، وعن ابن عدي لا يحتج به، وعن ابن معين في رواية أخرى ثقة، وعن ابن عون قال: إن شهرًا تركوه. وعن
صالح بن محمد جزرة قدم شهر على الحجاج، فحدث بالعراق، ولم يوقف منه على كذب، وكان رجلًا ينسك، وعن الفلاس كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عن شهر، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. ثم قال: وروى يحيى بن أبي بكير الكرماني، عن أبيه قال: كان شهر بن حوشب على بيت المال، فأخذ خريطة فيها دراهم فقيل له:
لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا أشهر
أخذت بها شيئًا طفيفًا وبعته من ابن جرير إن هذا هو الغدر
وتعقب الذهبي هذه الرواية بقوله: إسنادها منقطع، ولعلها وقعت وتاب منها، أو أخذها متأولًا أن له في بيت مال المسلمين حقا. نسأل الله الصفح. فأما رواية يحيى القطان عن عباد بن منصور، قال: حججت مع شهر بن حوشب فسرق عيبتي، فما أدري ما أقول. قلت: هذا كلام الذهبي.
ثم ساق له أثرًا يتناقض مع هاتين التهمتين، فقال: ومن مليح قول شهر من ركب مشهورًا من الدواب وليس مشهورًا من الثياب، أعرض الله عنه وإن كان كريمًا.
وروي عن أبي بشير الدولابي وأبي إسحاق السعدي قوله: شهر لا يشبه حديثه حديث الناس كأنه مولع بزمام ناقة رسول الله ﷺ . وروى أخبارًا عن شعبة على أنه تركه.
وروى الذهبي آثارًا وأحاديث استنكروها عن شهر، فقال: فهذا ما استنكر عن شهر في ساعة روايته، وما ذلك بالمنكر جدا.
قلت: إلا أثرًا مما رواه الذهبي لا نستطيع أن نتقبله إلا أن يكون قد رواه "حكاية وليس رواية يوثقها، وهو ما نقل الذهبي وغيره عن سيار بن حاتم من قوله: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة لا يضحك. قلت: إلى هنا لا غرابة. ثم أنشد يقول:
تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح
قلت: ما من شك في أن هذا الشعر مفتعل منحول، وفيه إقواء، ولا مسوغ لما تمحلوه لتقويم إعرابه بحيث يبرأ من الإقواء.
стр. 3910
ثم إن آدم وإن يكن يعرف الأسماء كلها، لم يكن يعرف هذه العربية عربية الحجازيين ومن على شاكلتهم، فلو كان يعرفها لتوارثها عنه أبناؤه والأجيال التي تعاقبت بعده، فبرأت لغتهم مما نجده في الحفريات من كلام يشبه الأعجمية، وما صلته بالعربية إلا من نطق الأحرف. فتأمل.
وقد ترجم لشهر عدد من مدوني تاريخ العصر الأول والثاني للهجرة وتراجم الرجال ونقدة الحديث. ﵀ رحمة واسعة.
عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر قال: كنت أخدم النبي ﷺ ، ثم آتي المسجد إذا أنا فرغت من عملي، فأضطجع فيه، فأتاني النبي ﷺ يومًا وأنا مضطجع، فغمزني برجله، فاستويت جالسًا، فقال لي: يا أبا ذر، كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ فقلت: أرجع إلى مسجد رسول الله وإلى بيتي. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت؟ فقلت: إذا آخذ بسيفي فأضرب به من يخرجني. فجعل النبي ﷺ يده على منكبي، فقال: غفرًا يا أبا ذر - ثلاثًا - بل تنقاد معهم حين قادوك، وتنساق معهم حين ساقوك، ولو عبدًا أسود. قال أبو ذر: فلما نفيت إلى الربذة، أقيمت الصلاة، فتقدم رجل أسود كان فيها على نعم الصدقة، فلما رآني أخذ يرجع ليقدمني، فقلت: كما أنت بل أنقاد إلى أمر رسول الله ﷺ .
حدثنا هاشم، قال: حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا شهر، قال: حدثتني أسماء بنت يزيد، ((أن أبا ذر الغفاري كان يخدم النبي ﷺ ، فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد، فكان هو بيته يضطجع فيه، فدخل النبي ﷺ ليلة، فوجد أبا ذر نائما منجدلًا في المسجد، فنكته النبي ﷺ برجله حتى استوى جالسًا، فقال له رسول الله ﷺ : ألا أراك نائما؟ قال أبو ذر: يا رسول الله، فأين أنام؟ هل لي من بيت غيره؟ فجلس النبي ﷺ فقال له: كيف أنت إذا أخرجوك منه؟ قال: إذن ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء، فأكون رجلًا من أهلها. قال له: كيف أنت إذا أخرجوك من الشام؟ قال: إذن أرجع إليه فيكون هو بيتي ومنزلي. قال له: كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية؟ قال: إذن آخذ سيفي، فأقاتل عني حتى أموت. قال: فكشر إليه رسول الله ﷺ فأثبته بيده، قال: أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك، حتى تلقاني وأنت على ذلك)) .
قال ابن سعد (١) : أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: ((إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها - ونحا بيده نحو الشام، ولا أرى أمراءك يدعونك - قال: يا رسول الله، أفلا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: لا. قال: فما تأمرني؟ قال: اسمع وأطع ولو لعبد حبشي. قال: فلما كان ذلك، خرج إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام، فبعث إليه عثمان، فقدم عليه، ثم بعثوا أهله من بعده، فوجدوا كيسًا أو شيئًا، فظنوا أنها دراهم، فقالوا: ما شاء الله، فإذا هي فلوس، فلما قدم المدينة قال له عثمان: كن تغدو عليك وتروح اللقاح. قال: لا حاجة لي في دنياكم، ثم قال: ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة. فأذن له، فخرج إلى الربذة، وقد أقيمت الصلاة وعليها عبد لعثمان حبشي، فتأخر، فقال أبو ذر: تقدم فصل، فإني أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي، فأنت عبد حبشي ")) .
وقد التزم أبو ذر التزامًا دقيقًا بسلوك النهج الذي رسمه له رسول الله ﷺ لا يريم أيا كانت الأطوار التي توالت عليه حتى لقي الله، كما تصوره تصويرًا بديعًا الأحاديث التي رواها كل من أحمد وابن سعد والطيالسي وابن زنجويه والذهبي وندرجها على التوالي: قال أحمد في مسنده (٢) : حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا عبد الله بن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، قال: سمعت عبد الله بن مالك الزيادي يحدث، عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان بن عفان - رضي
الله عنه - فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان ﵁: يا كعب، إن عبد الرحمن بن عوف ترك مالًا، فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله، فلا بأس عليه.
стр. 3911
فرفع أبو ذر عصاه، فضرب كعبا، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبًا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواق، أنشدك الله يا عثمان أسمعته؟ ثلاث مرات قال: نعم.
وقال ابن سعد (١) : أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا جعفر أبو البرقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان السلمي، قال: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر مبتسما، فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت. وأمره عثمان أن يخرج إلى الربذة.
وأخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكيلابي، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: حدثنا عبد الله بن الصامت، قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يدخل عليه منه أحد، قال: وتخوفنا عثمان عليه، قال: فانتهى إليه، فسلم عليه، قال: ثم بدأه بشيء إلا قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركتهم، لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي قتب لأخذت بهما حتى أموت، قال: ثم استأذنه إلى الربذة، فقال: نعم، نأذن لك، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة، فتصيب من رسلها، فقال: فنادى أبو ذر دونكم معاشر قريش دنياكم فاعدموها، لا حاجة لنا فيها، قال: فما نراه بشيء، قال: فانطلق وانطلقت معه حتى قدمنا الربذة، قال: فصادفنا مولى لعثمان غلاما حبشيًا يؤمهم، فنودي بالصلاة، فقال: فلما رأى أبا ذر نكص، فأومأ إليه أبو ذر تقدم فصل، فصلى خلفه أبو ذر.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده (٢)
حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو عمران، سمع عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: لما قدم أبو ذر على عثمان من الشام، قال: يا أمير المؤمنين، أتحسب أني من قوم - والله ما أنا منهم ولا أدركتهم - يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه (٣) سيماهم التحليق، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت ما ملكتني رجلاي، ولو وثقتني بعرجون في قدمي ما حللته حتى تكون أنت الذي تحلني.
стр. 3912
وقال ابن زنجويه (١) : "أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، قال: سمعت عبد الله بن الصامت قال: قدم أبو ذر على عثمان بن عفان من الشام، فقال: افتح الباب حتى يدخل الناس، أتحسبني من قوم، أحسبه قال: يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يعودون حتى يعود السهم على فوقه هم شر الخلق والخليقة (٢) ، والله لو أمرتني أن أقعد لما قمت أبدًا، ولو أمرتني أن أقوم لقمت ما ملكتني رجلاي، ولو ربطتني على البعير لم أطلق نفسي حتى تكون أنت الذي أطلقتني. قال: ثم استأذنه أن يأتي الربذة، فأتاها، فإذا عبد يؤمهم، فقالوا: أبو ذر أبو ذر. فنكص العبد، فقيل له: تقدم. فقال: إن خليلي أوصاني بثلاث: أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل بيت من جيرتك فأصبهم منها بمعروف، وأن تصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركت الإمام وقد صلى، كنت قد أحرزت صلاتك، وإن لا، فهي لك نافلة.
وقال الذهبي (٣) : "حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: دخلت مع أبي ذر على عثمان، فلما دخل حسر على رأسه، وقال: والله ما أنا منهم يا أمير المؤمنين - يريد الخوارج، قال ابن شوذب: سيماهم الحلق - قال له عثمان: صدقت يا أبا ذر، إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة، قال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي إلى الربذة، قال: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح. قال: لا حاجة لي في ذلك، يكفي أبا ذر صريمته (٤) فلما خرج، قال: دونكم معاشر قريش، دنياكم فاعلموها (٥) قال: ودخل عليه وهو يقسم وعبد الرحمن بن عوف بين يديه وعنده كعب، فأقبل عثمان على كعب، فقال: يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه ويصل الرحم؟ قال كعب: إني لأرجو له، فغضب ورفع عليه العصا، وقال: ما تدري يابن اليهودية، ليودن صاحب هذا المال لو كان عقارب في الدنيا تلسع السوداء من قلبه.
стр. 3913
السري بن يحيى، حدثنا غزوان أبو حاتم، قال: بينما أبو ذر عند باب عثمان ليؤذن له، إذ مر به رجل من قريش، فقال: يا أبا ذر، ما مجلسك ههنا؟ قال: يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا، فدخل الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال أبي ذر على الباب، فأذن له، فجاء حتى جلس ناحية، وميراث عبد الرحمن يقسم، فقال عبد الرحمن لكعب: أرأيت المال إذا أدي زكاته، هل يخشى على صاحبه فيه تبعة؟
قال: لا. فقام أبو ذر فضربه بعصا بين أذنيه، ثم قال: يابن اليهودية، تزعم أن ليس عليه حق في ماله إذا آتى زكاته، والله يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) ويقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٢) ، فجعل يذكر نحو هذا من القرآن، فقال عثمان للقرشي: إنما نكره أن نأذن لأبي ذر من أجل ما ترى.
وروي عن ابن عباس قال: كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية (٣) فكان يحب الوحدة، فدخل على عثمان وعنده كعب. الحديث. وفيه: فشج كعبًا، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال: يا أبا ذر، اتق الله واكفف يدك ولسانك.
موسى بن عبيدة رمز له ابن حجر في (تهذيب التهذيب: ج: ١٠. ص: ٢٥٦. ترجمة: ٦٣٦) بأنه أخرج له الترمذي وابن ماجه، وقال في ترجمته: ابن النشيط بن عمرو بن الحارث الربذي أبو عبد العزيز المدني، روى عن أخويه عبد الله ومحمد وعبد الله بن دينار وإياس بن سلمة بن الأكوع، وذكر آخرين غيرهم، وعنه ابن أخيه بكار بن عبد الله والثوري وعبد الله بن المبارك والدراوردي ووكيع وآخرون، ذكر بعضًا منهم، ونقل عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، كنا نتقي حديث موسى بن عبيدة تلك الأيام، ثم كان بمكة، فلم نأته. وقال يحيى: أحدث عن شريك أحسن إلي منه، وقال عمرو بن علي: ذكرت ليحيى حديث موسى عن عمر بن الحكم سمع سعدًا في الصلاة في مسجد المدينة، فأنكر يحيى بأن يكون عمر سمع سعدًا، ولم يرض موسى بن عبيدة، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تحل الرواية عندي عنه، قلت - القائل الجوزجاني -: فإن شعبة روى عنه، فقال: لو بان شعبة ما بان لغيره ما روى عنه، وقال محمد بن إسحاق الصائغ عن أحمد: لا تحل الرواية عنه، وقال أحمد بن الحسن الترمذي عن أحمد: لا يكتب حديث أربعة: موسى بن عبيدة وإسحاق بن أبي قرة وجويبر وعبد الرحمن بن زياد. وقال البخاري: قال أحمد: ليس حديثه عندي بشيء، وحمل عليه. ثم ساق ابن حجر روايات أخرى، عن أحمد في موسى على هذه الشاكلة، لكن يروي بعد ذلك عن الدروي قوله: قلت لأحمد: ما تقول في ابن إسحاق ومولى بن عبيدة؟ فقال: أما ابن إسحاق فهو رجل يكتب عنه هذه الأحاديث، كأنه يعني المغازي. وأما موسى فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث منكرة، وأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا، وضم عباس علي يديه، وقال أحمد، عن ابن معين: موسى بن عبيدة ليس بالكذوب، ولكنه روى عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير. وروي عن ابن معين تضعيفه وعن أبي زرعة ليس بقوي الأحاديث، وعن أبي حاتم منكر الحديث، وعن البخاري قوله: لم أخرج عن موسى بن عبيدة ولا أحدث عنه، وعن أبي داود أحاديثه مستوية إلا عن عبد الله بن دينار، وعن الترمذي يضعف، وعن النسائي ضعيف وليس بثقة، وعن ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وليس بحجة، وعن يعقوب بن شيبة صدوق ضعيف الحديث جدا ومن الناس من لا يكتب حديثه لدهائه وضعفه وكثرة اختلاطه، وكان من أهل الصدق، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين، وعن زيد بن الحباب: شممنا من قبره رائحة المسك لما مات، ولم يكن بالربذة مسك ولا عنبر. قال زيد: وكان بيته ليس فيه إلا الخصاف، وفي البيت رمل وحصى. توفي سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.
وقال أبو بكر البزار: موسى بن عبيدة رجل مقيد وليس بالحافظ، وأحسب أن ما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال الساجي: منكر الحديث، وكان رجلًا صالحًا عندهم، وكان القطان لا يحدث عنه، وقد حدث عنه وكيع، وقال: ثقة، وقد حدث عن عبد الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها، قال: وقيل ليحيى بن معين: إن موسى يحدث عن الزهري أحاديث، قال: إنها مناولة، قيل: إنه يحدث عن أبي حازم عن أبي هريرة، ولم يسمع من أبي حازم هي من كتاب صار إليه، وضعفه ابن قانع وابن حبان. انتهى كلام الحافظ ملخصًا.
قلت: من تمحيص كلامهم هذا يتضح أنهم أخذوا عنه سوء الحفظ والاعتماد على الكتابة والتحديث عن مناولة أو كتاب، ولعله لم يكن يصرح بذلك، والرواية عن عبد الله بن دينار، ولكن أحدا - على ما نعلم - لم يغمزه في دينه ولا في عقيدته، اتبعناهم في منهجهم هذا، فضعفنا الحديث، ولو كانت له شواهد لضاع علينا علم كثير، ونحسب أن هذا المنهج هو الذي هيأ للقياسيين المناخ للترويج لأقيستهم والعدول عن السنة إلى الرأي، يغفر الله لنا ولهم.:
стр. 3914
أخبرنا ابن نفيع (١) , عن ابن عباس قال: استأذن أبو ذر على عثمان فتغافلوا عنه ساعة، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا أبو ذر بالباب، قال: ائذن له إن شئت أن تؤذينا وتبرح بنا، فأذنت له، فجلس على سرير مرمول (٢) فرجف به السرير وكان عظيما طويلًا، فقال عثمان: أما إنك لزاعم أنك خير من أبي بكر وعمر. قال: ما قلت؟ قال: إني أنزع عليك بالبينة، قال: والله ما أدري ما بينتك وما تأتي به؟! وقد علمت ما قلت قال: فكيف إذا ما قلت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أحبكم إلي وأقربكم مني الذي يلحق بي على العهد الذي عهدته عليه)) وكلكم أصاب من الدنيا، وأنا على ما عهدته عليه، وعلى الله تمام النعمة، وسأله عن أشياء، فأخبره بالذي يعلمه، فأمر أن يرتحل إلى الشام فيلحق بمعاوية، فكان يحدث بالشام، فاستهوى قلوب الرجال، فكان معاوية ينكر بعض شأن رعيته، وكان يقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، ولا تبر ولا فضة، إلا شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم، وأن معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل، فأنفقها، فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله فقال: اذهب إلى أبي ذر، فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإني أخطأت. قال: يا بني، قل له: يقول لك أبو ذر: والله ما أصبح عندنا منه دينار، ولكن أنظرنا ثلاثًا حتى نجمع لك دنانيرك، فلما رأى معاوية أن قوله صدق فعله، كتب إلى عثمان: أما بعد، فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله، فابعث إلى أبي ذر بأنه قد وغل صدور الناس، فكتب إليه عثمان: أقدم علي. فقدم.
عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية، عن زيد بن خالد الجهني قال: كنت عند عثمان، إذ جاء أبو ذر، فلما رآه عثمان قال: مرحبا وأهلا بأخي، فقال أبو ذر: أهلا ومرحبًا بأخي، لقد أغلظت علينا في العزيمة، والله إن عزمت علي لحبوت ما استطعت، إني خرجت مع رسول الله ﷺ نحو حائط بني فلان، فقال لي: ((ويحك بعدي. فبكيت، فقلت: يا رسول الله، وإني لباق بعدك؟ قال: نعم، فإذا رأيت البناء على سلع فالحق بالمغرب أرض قضاعة)) قال عثمان: أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عنك جهال الناس.
стр. 3915
وكانت قناعة أبي ذر بأنه دقيق الالتزام بما أمره به رسول الله ﷺ ، قد تبلورت عنده، فأصبحت موقفًا سياسيا واجتماعيا ذا صبغة دينية، صمد عليه بقية حياته، ويتمثل هذا الموقف في التزامه بطاعة الأمير حتى وإن يكن مجرد إمام في الصلاة، فالإمارة عنده هي الاطلاع بمسؤولية جماعية أيا كانت هذه المسؤولية.
كما يتمثل في تكييف علاقاته ومعاملاته مع رفاقه من صحابة رسول الله ﷺ ، فهو يقيم ويحدد طبيعة علاقته بكل واحد منهم وتعامله معه بنوع العلاقة التي بين ذلك الواحد والقائمين على الحكم في ذلك العهد، ومع أنه كان يخاطب عثمان بأخيه كما مر آنفًا في حديث زيد بن خالد الجهني، ربما اعتبارًا لأن عثمان من المبشرين بالجنة، وأنه زوج اثنتين من بنات رسول الله ﷺ ، وأنه خليفة بويع بيعة شرعية، فقد رفض أن يكون أخًا لأبي موسى الأشعري لمجرد أنه قبل ولاية لعثمان.
فقد روى ابن سعد (١) : "أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن الحسين المعلم، عن أبي بريدة قال: لما قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر، فجعل أبو موسى يلزمه، وكان الأشعري خفيف اللحم قصيرًا، وكان أبو ذر رجلًا أسود كث الشعر، فجعل الأشعري يلزمه، ويقول أبو ذر: إليك عني، ويقول الأشعري: مرحبا بأخي، ويدفعه أبو ذر، ويقول: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل، قال: ثم لقي أبا هريرة، فالتزمه وقال: مرحبا بأخي، فقال أبو ذر: إليك عني، هل كنت عملت لهؤلاء؟ قال: نعم. قال: هل تطاولت في البناء أو اتخذت زرعًا أو ماشية قال: لا. أنت أخي، أنت أخي.
على حين أخذ على أبي الدرداء أنه بنى بيتًا، إذ رأى في مجرد بناء بيت إقبالًا على الدنيا لا ينبغي لمثل أبي الدرداء.
قال الذهبي (٢) : " قال ثابت البناني: بنى أبو الدرداء مسكنًا، فمر عليه أبو ذر، وقال: ما هذا، أتعمر دارًا أذن الله بخرابها؛ لأن تكون رأيتك تتمرغ في عذرة أحب إلي من أن أكون رأيتك فيما رأيتك فيه.
стр. 3916
وما من أحد يستطيع أن يغمز في شيء مما نقل من مواقف أبي ذر، ولم يكن أحد يستطيع ذلك في عهده، ما أكثر من كانوا يترصدونه ويرتقبون أن يجدوا له مغمزًا، لولا أنه في عاصم من كل متربص ومرتقب بما شهد له رسول الله ﷺ من الصدق الذي ليس بعده صدق شهادات تناقلها الصحابة ونقلها عنه معاصروه ثم من جاؤوا بعده من النقلة يثبتها إثباتًا لا سبيل إلى الغمز فيه، وإن تقول بعض النقدة في بعض الأسانيد لما يشهد لها من أسانيد أخرى لا سبيل إلى تجريحها ما وراه كل من أحمد وابن سعد وابن حبان والترمذي وابن ماجه والحاكم والذهبي.
قال أحمد (١) : " حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غنم، أنه زار أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، فأمر بحماره فأوكف، فقال أبو الدرداء: لا أراني إلا متعبك، فأمر بحماره فاسرج، فسارا على حماريهما، فلقيا رجلا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرجل ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر الناس، ثم إن الرجل قال: وخبر آخر كرهت أن أخبركماه أراكما تكرهانه، فقال أبو الدرداء: فلعل أبا ذر نفي. قال: نعم والله. فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبًا من عشر مرات، ثم قال أبو الدرداء ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ (٢) - كما قيل لأصحاب الناقة - اللهم إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه، اللهم إن اتهموه فإني لا أتهمه، اللهم إن استغشوه فإني لا استغشه، فإن رسول الله ﷺ كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدًا، ويسر إليه حين لا يسر لأحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أظلت
الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)) .
وقال ابن سعد (٣) : "أخبرنا عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا الأعمش، عن عثمان بن نمير، عن أبي حرب بن الأسود الدؤلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر)) .
стр. 3917
أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أبو أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر)) أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا سلام بن مسكين، قال: حدثنا مالك بن دينار، أن النبي ﷺ قال: ((أيكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا. فقال له النبي ﷺ : صدقت. ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر)) .
أخبرني سليمان بن حرب والحسن بن موسى، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)) .
أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: حدثنا أبو حرة، عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)) .
أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عراك بن مالك يقول: قال أبو ذر: إني أقربكم مجلسًا من رسول الله ﷺ يوم القيامة، وذلك أني سمعته يقول ﷺ : ((أقربكم مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيأة ما تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث منها بشيء غيري)) .
وقال ابن حبان (١) : "أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة، حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا النضر بن محمد اليمامي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ ((: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق منك يا أبا ذر)) .
стр. 3918
وأخبرنا محمد بن نصر بن نوفل بمرو، حدثنا أبو داود السنجي سليمان بن معبد، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل عن مالك بن مرثد قال: قال أبو ذر: قال لي رسول الله ﷺ : ((ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذر شبيه عيسى ابن مريم. على نبينا وعليه السلام، قال: فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا نبي الله أفتعرف ذلك له؟ قال: نعم، فاعرفوه له)) .
وقال الترمذي (١) : "حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن عثمان بن نمير - هو أبو اليقظان - عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر)) .
قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي ذر.
قال: وهذا حديث حسن.
وحدثنا العباس العنبري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة عن عمار، حدثنا أبو زميل - هو سماك بن الوليد الحنفي - عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى ابن مريم ﵇، فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله، أفتعرف ذلك له؟ قال: نعم فاعرفوه له)) .
قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روى بعضهم هذا الحديث، فقال: ((أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى ابن مريم ﵇) .
وقال ابن ماجه (٢) :
стр. 3919
"حدثنا علي بن محمد، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا الأعمش، عن عثمان بن نمير، عن أبي حرب بن الأسود الدؤلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر)) .
وقال الحاكم (١) : أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم المزني، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل، عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى ابن مريم، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، فتعرف ذلك له؟ قال: نعم فاعرفوه له)) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقد روي عن عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء. أما حديث عبد الله بن عمرو فحدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا أبو يحيى الحماني، عن الأعمش، وأخبرني أبو بكر بن محمد الصيرفي، حدثنا أبو قلابة، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن سليمان الأعمش، عن عثمان بن قيس البجلي، عن أبي حرب الدؤلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على رجل أصدق لهجة من أبي ذر)) .
وأما حديث أبي الدرداء فحدثناه الشيخ أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)) . وقال الذهبي (٢) : "الأعمش عن عثمان بن عمير، عن أبي حرب، عن أبي الأسود، سمعت عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر)) .
سلام بن مسكين، أخبرنا مالك بن دينار، أن النبي ﷺ قال: ((أيكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليه؟ قال أبو ذر: أنا. وقال النبي ﷺ : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، ومن سره أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى أبي ذر)) .
стр. 3920
ولم يكن أبو ذر مجرد سامع ينقل ما سمع، فيقال فيه: إنه قد لا يكون واعيًا بما ينقل أو فقيهًا لما قال أو بصيرًا بما سمع، وإنما كان عالمًا جليلًا أفتى في عهد أبي بكر وعمر وأصر على الفتيا في عهد عثمان وإن منعه عثمان أو بعض ولاته أو تقول على عثمان بعض أنصاره بمنعه، وذلك ما تشهد به الآثار التي رواها كل من ابن سعد والذهبي مما ندرجه فيما يلي:
قال ابن سعد (١) : "أخبرنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو حرب بن الأسود، عن أبي الأسود، قال ابن جريج: ورجل من زاذان قالا: سئل علي عن أبي ذر وقال: وعى علما عجز فيه، وكان شحيحًا حريصًا، شحيحًا على دينه، حريصًا على العلم، وكان يكثر السؤال فيعطي ويمنع، أما إنه قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ. فلم يدروا ما يريد بقوله: (وعى علما عجز فيه) . أعجز عن كشف ما عنده من العلم، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي ﷺ .
وقال الذهبي (٢) :
" البابلي، أخبرنا الأوزاعي، حدثني مرثد أبو كثير، عن أبيه، عن أبي ذر، أن رجلًا أتاه، فقال: إن مصدقي عثمان ﵁ ازدادوا علينا أنغيب عليهم بقدر ما ازدادوا علينا؟ فقال: لا، وقف مالك، وقل: ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلًا فردوه، فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة. قال: وعلى رأسي فتى من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ قال: أرقيب أنت علي، فوالذي نفسي بيده لو وضعتم الصمصامة في هذه - وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
الأوزاعي، حدثني أبو كثير، عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه، فقال: أرقيب أنت علي، لو وضعتم
الصمصامة على هذه - وأشار بيده إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
стр. 3921
عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي ثم ضرب بيده على صدره.
وهذه المياسم التي لفتنا إليها باعتبارها العناصر المكونة لقصة أبي ذر موقفه، يكملها ما رواه ابن سعد (١) فقال: "أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن الحسن بن عبيد الله، عن رياح بن الحارث، عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي، ثم ضرب بيده إلى صدره.
وما من شك في أن صلابة أبي ذر وصراحته وشدة التزامه بكل ما سمعه من رسول الله ﷺ أو فهمه من كتاب الله وبالنضال المستميت في سبيل صيانة التراث النبوي العملي والتشريعي من التحريف والانحراف يكون الركن الركين الذي يعصم تفسيره لآية "الكنز " وفهمه لما في المال حق سوى الزكاة من كل محاولة لتوهيمه أو اعتبار موقفه متطرفًا على حد التعبير الحديث، فليس في شريعة الله تطرف واعتدال، إنما هو الالتزام أو الانحراف، وقد تجيئ الرخصة، ولكن الظروف الخاصة هي التي تسوغها وتحيط بها، فإذا انتفت الظروف ارتفعت الرخصة وأبو ذر لم يكن يجهل ذلك، بدليل أنه لم يجهر بقوله ولم يبرز بنضاله طيلة أيام عمر وعلي، بل وحتى من أيام أبي بكر، وكانت الأموال قد أخذت تستكثر في أيدي المسلمين، ذلك بأن المسلمين يومئذ كانت الدنيا تقبل عليهم، وكانوا يتقبلونها، ولكن مقبلين على الآخرة يتعاملون بها ومعها في نطاق شرع الله وخلق القرآن، فلما صار الأمر إلى بني أمية وشيعتهم، استغلوا ضعف عثمان وإسماحه ﵀ فجردوا العمل السياسي من الالتزام الديني، ونتج عن ذلك انحراف عامة الناس وأكثرهم من مسلمة الفتوح الذين لم يعايشوا أنوار النبوة عن الخلق الإسلامي الذي هو النبع الأصيل لمناط التشريع انحرافًا أخذ في بادئ أمره يعمد إلى التأويل يعتمده، وما أكثر ما كان التأويل تحريفًا للمعنى أو للمناط، ثم تطور أمره حتى أصبح نمطًا من عدم الاكتراث بالنص، قد يتقنع بأنماط من الترخيص، لا سيما حين أخذ يعم التقليد، ويفشو الوضع ويضؤل الاعتصام بالنص الثابت والأثر الصحيح والفهم الصريح، وتلك ظاهرة تصحب دائما طول الأمد بعهد النبوة ثم من بعده بعهود اليقظة والانبعاث وصيحات التلبية والتحذير.
стр. 3922
على أن التزام أبي ذر بما وعاه عن رسول الله صلى الله عليه وسل في تأثل المال واكتنازه وما ينجر عنه من تبعات كان سلوكًا قبل أن يكون دعوة، ومن أروع صوره ما رواه ابن سعد والذهبي.
قال ابن سعد (١) : "أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذر، أنه رآه في نمرة مؤتزرًا بها قائما يصلي، فقلت: يا أبا ذر، أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته علي. قلت: فقد رأيت عليك منذ أيام ثوبين. قال: يابن أخي أعطيتهما لمن هو أحوج مني. قلت: والله إنك لمحتاج إليهما. قال: اللهم غفرًا، إنك لمعظم للدنيا، أليس ترى علي هذه البردة ولي أخرى للمسجد ولي أعنز نحلبها، ولي أحمرة نحمل عليها ميرتنا، وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عمار الذهبي، عن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه، فأبى أبو ذر أن يأخذ، وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها، وأعنز نحلبها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة من كسوتنا، وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل.
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن يزيد الأسلمي، قال: حدثني عيسى بن عميلة الفزاري، قال: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له، فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، وقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصره وقرب إليهم تمرًا وهو يسير، ثم تعذر إليهم، وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال: وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئًا.
أخبرنا محمد بن عمر، عن موسى بن عبيدة، قال: حدثني عبد الله بن خراش الكعبي، قال: وجدت أبا ذر في مظلة شعر بالربذة تحته امرأة سحماء، فقلت: يا أبا ذر تتزوج سحماء؟ قال: أتزوج من تضعني، أحب إلي ممن ترفعني، ما زال لي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا.
стр. 3923
أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنفة، ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلق. قال: فقال: ألا ترون ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، ألا وإن خليلي عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأت عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا قرة بن خالد، حدثنا عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: كسي أبو ذر بردين، فاتزر بأحدهما، وارتدى بشملة، وكسى أحدهما غلامه، ثم خرج على القوم، فقالوا: لو كنت لبستهما جميعًا كان أجمل. قال: أجل، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تكسون.
وقال الذهبي (١) : "وعن أم طلق قالت: دخلت على أبي ذر، فرأيته شاعثًا شاحبًا، بيده صوف، قد جعل عودين وهو يغزل بهما، فلم أر في بيته شيئًا، فناولته شيئًا من دقيق وسويق، فقال لي: أما ثوابك، فعلى الله.
وقد يقال: ما بال أبي ذر آثر النفي أو الاعتزال إلى الربذة عن الاستمرار في النضال من أجل دعوته ومواجهة ما قد يجره عليه نضاله من متاعب أو من تضحيات إن كان ملتزمًا فواثقًا بما يدعو إليه ويرويه عن رسول الله ﷺ ، فمن أوكد خصائص الالتزام والوثوق الاستهانة بالمتاعب والتضحيات في سبيل ما كان به الالتزام والوثوق.
والجواب عن هذا من أبي ذر نفسه، فقد تلقى من رسول الله ﷺ أمرًا لم يكن ليتجاوزه، ليس بأدنى وجوبا أو تأكدًا من الأمر الذي التزم به ووثق فيما يتصل بالمال، وهو يتصل هذه المرة بالسياسة أو بعلاقة الرعية بالراعي والمسلمين بمن يؤمر عليهم، فقد كان أبو ذر ينزع إلى أن يستل سيفه ويقاتل به كل من يقف في وجهه إلى أن ينتصر أو يستشهد، ولكن رسول الله ﷺ أمره بغير ذلك حين أفضى إليه بنزعته تلك، ولنستمع إليه فيما روى عنه كل من أحمد وابن سعد وابن ماجه.
стр. 3924
قال أحمد في مسنده (١) : (حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: ((أوصاني خليلي ﵇ بثلاث: اسمع وأطع ولو لعبد مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، وإذا وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة)) .
حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثنا قتادة، حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، قال: لما قدم أبو ذر على عثمان من الشام، فقال: ((أمرني خليلي ﷺ بثلاث: اسمع وأطع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرتك فأصبهم منها بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة)) .
وقال ابن سعد (٢) : "أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، قال: حدثنا رجل من أصحاب الأجر، عن شيخين من بني ثعلبة - رجل وامرأته - قالا: نزلنا الربذة، فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية، فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاستأذناه أن نغسل رأسه، فأذن لنا، واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك، إذ أتاه نفر من أهل العراق - حسبته قال: من أهل الكوفة - فقالوا: يا أبا ذر، فعزل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لنا راية؟ فلنكمل برجال ما شئت. فقال: يا أهل الإسلام، لا تعرضوا علي ذاكم، ولا تذلوا السلطان، فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو أطول جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق - أو قال: ما بين المشرق والمغرب - لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي. ".
стр. 3925
وقال ابن ماجه في سننه (١) :
"حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، أنه انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة، فإذا عبد يؤمهم، فقيل: هذا أبو ذر، فذهب يتأخر، فقال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيا مجدع الأطراف.
وقد روي عن أبي ذر ما قد يوهم أنه يتعارض مع تفسيره للكنز لما جاء فيه من لفظ " الزكاة" الذي قد ينصرف إلى الزكاة المفروضة، وقد يكون تبيانًا أو تأويلًا للروايات الأخرى الناهية عن الكنز والاستكثار عامة، وتلك التي وردت فيها كلمة "حق" بدلًا من كلمة "الزكاة ".
فقد روى كل من أحمد وابن زنجويه ومسلم والنسائي والبيهقي وجميعهم عن طريق المعرور بن سويد ما ننقله على التوالي:
قال أحمد (٢) :
"حدثنا محمد بن عبيد وابن نمير المعني، قالا: حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: ((أتيت رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة، قال: هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون، فأخذني غم، وجعلت أتنفس، قال: قلت: هذا شر حدث في. قال: قلت: من هم، فداك أبي وأمي؟ قال: الأكثرون إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا، وقليل ما هم، ما من رجل يموت ويترك غنما أو إبلًا أو بقرًا لم يؤد زكاته، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمن حتى تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس، ثم تعود أولاها على أخراها)) وقال ابن نمير: كلما نفذت أخراها عادت إليه أولاها.