عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي ثم ضرب بيده على صدره.
وهذه المياسم التي لفتنا إليها باعتبارها العناصر المكونة لقصة أبي ذر موقفه، يكملها ما رواه ابن سعد (١) فقال: "أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن الحسن بن عبيد الله، عن رياح بن الحارث، عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي، ثم ضرب بيده إلى صدره.
وما من شك في أن صلابة أبي ذر وصراحته وشدة التزامه بكل ما سمعه من رسول الله ﷺ أو فهمه من كتاب الله وبالنضال المستميت في سبيل صيانة التراث النبوي العملي والتشريعي من التحريف والانحراف يكون الركن الركين الذي يعصم تفسيره لآية "الكنز " وفهمه لما في المال حق سوى الزكاة من كل محاولة لتوهيمه أو اعتبار موقفه متطرفًا على حد التعبير الحديث، فليس في شريعة الله تطرف واعتدال، إنما هو الالتزام أو الانحراف، وقد تجيئ الرخصة، ولكن الظروف الخاصة هي التي تسوغها وتحيط بها، فإذا انتفت الظروف ارتفعت الرخصة وأبو ذر لم يكن يجهل ذلك، بدليل أنه لم يجهر بقوله ولم يبرز بنضاله طيلة أيام عمر وعلي، بل وحتى من أيام أبي بكر، وكانت الأموال قد أخذت تستكثر في أيدي المسلمين، ذلك بأن المسلمين يومئذ كانت الدنيا تقبل عليهم، وكانوا يتقبلونها، ولكن مقبلين على الآخرة يتعاملون بها ومعها في نطاق شرع الله وخلق القرآن، فلما صار الأمر إلى بني أمية وشيعتهم، استغلوا ضعف عثمان وإسماحه ﵀ فجردوا العمل السياسي من الالتزام الديني، ونتج عن ذلك انحراف عامة الناس وأكثرهم من مسلمة الفتوح الذين لم يعايشوا أنوار النبوة عن الخلق الإسلامي الذي هو النبع الأصيل لمناط التشريع انحرافًا أخذ في بادئ أمره يعمد إلى التأويل يعتمده، وما أكثر ما كان التأويل تحريفًا للمعنى أو للمناط، ثم تطور أمره حتى أصبح نمطًا من عدم الاكتراث بالنص، قد يتقنع بأنماط من الترخيص، لا سيما حين أخذ يعم التقليد، ويفشو الوضع ويضؤل الاعتصام بالنص الثابت والأثر الصحيح والفهم الصريح، وتلك ظاهرة تصحب دائما طول الأمد بعهد النبوة ثم من بعده بعهود اليقظة والانبعاث وصيحات التلبية والتحذير.
стр. 3922
على أن التزام أبي ذر بما وعاه عن رسول الله صلى الله عليه وسل في تأثل المال واكتنازه وما ينجر عنه من تبعات كان سلوكًا قبل أن يكون دعوة، ومن أروع صوره ما رواه ابن سعد والذهبي.
قال ابن سعد (١) : "أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذر، أنه رآه في نمرة مؤتزرًا بها قائما يصلي، فقلت: يا أبا ذر، أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته علي. قلت: فقد رأيت عليك منذ أيام ثوبين. قال: يابن أخي أعطيتهما لمن هو أحوج مني. قلت: والله إنك لمحتاج إليهما. قال: اللهم غفرًا، إنك لمعظم للدنيا، أليس ترى علي هذه البردة ولي أخرى للمسجد ولي أعنز نحلبها، ولي أحمرة نحمل عليها ميرتنا، وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عمار الذهبي، عن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه، فأبى أبو ذر أن يأخذ، وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها، وأعنز نحلبها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة من كسوتنا، وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل.
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن يزيد الأسلمي، قال: حدثني عيسى بن عميلة الفزاري، قال: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له، فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، وقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصره وقرب إليهم تمرًا وهو يسير، ثم تعذر إليهم، وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال: وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئًا.
أخبرنا محمد بن عمر، عن موسى بن عبيدة، قال: حدثني عبد الله بن خراش الكعبي، قال: وجدت أبا ذر في مظلة شعر بالربذة تحته امرأة سحماء، فقلت: يا أبا ذر تتزوج سحماء؟ قال: أتزوج من تضعني، أحب إلي ممن ترفعني، ما زال لي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا.
стр. 3923
أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنفة، ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلق. قال: فقال: ألا ترون ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، ألا وإن خليلي عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأت عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا قرة بن خالد، حدثنا عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: كسي أبو ذر بردين، فاتزر بأحدهما، وارتدى بشملة، وكسى أحدهما غلامه، ثم خرج على القوم، فقالوا: لو كنت لبستهما جميعًا كان أجمل. قال: أجل، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تكسون.
وقال الذهبي (١) : "وعن أم طلق قالت: دخلت على أبي ذر، فرأيته شاعثًا شاحبًا، بيده صوف، قد جعل عودين وهو يغزل بهما، فلم أر في بيته شيئًا، فناولته شيئًا من دقيق وسويق، فقال لي: أما ثوابك، فعلى الله.
وقد يقال: ما بال أبي ذر آثر النفي أو الاعتزال إلى الربذة عن الاستمرار في النضال من أجل دعوته ومواجهة ما قد يجره عليه نضاله من متاعب أو من تضحيات إن كان ملتزمًا فواثقًا بما يدعو إليه ويرويه عن رسول الله ﷺ ، فمن أوكد خصائص الالتزام والوثوق الاستهانة بالمتاعب والتضحيات في سبيل ما كان به الالتزام والوثوق.
والجواب عن هذا من أبي ذر نفسه، فقد تلقى من رسول الله ﷺ أمرًا لم يكن ليتجاوزه، ليس بأدنى وجوبا أو تأكدًا من الأمر الذي التزم به ووثق فيما يتصل بالمال، وهو يتصل هذه المرة بالسياسة أو بعلاقة الرعية بالراعي والمسلمين بمن يؤمر عليهم، فقد كان أبو ذر ينزع إلى أن يستل سيفه ويقاتل به كل من يقف في وجهه إلى أن ينتصر أو يستشهد، ولكن رسول الله ﷺ أمره بغير ذلك حين أفضى إليه بنزعته تلك، ولنستمع إليه فيما روى عنه كل من أحمد وابن سعد وابن ماجه.
стр. 3924
قال أحمد في مسنده (١) : (حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: ((أوصاني خليلي ﵇ بثلاث: اسمع وأطع ولو لعبد مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، وإذا وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة)) .
حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثنا قتادة، حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، قال: لما قدم أبو ذر على عثمان من الشام، فقال: ((أمرني خليلي ﷺ بثلاث: اسمع وأطع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرتك فأصبهم منها بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة)) .
وقال ابن سعد (٢) : "أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، قال: حدثنا رجل من أصحاب الأجر، عن شيخين من بني ثعلبة - رجل وامرأته - قالا: نزلنا الربذة، فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية، فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاستأذناه أن نغسل رأسه، فأذن لنا، واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك، إذ أتاه نفر من أهل العراق - حسبته قال: من أهل الكوفة - فقالوا: يا أبا ذر، فعزل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لنا راية؟ فلنكمل برجال ما شئت. فقال: يا أهل الإسلام، لا تعرضوا علي ذاكم، ولا تذلوا السلطان، فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو أطول جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق - أو قال: ما بين المشرق والمغرب - لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي. ".
стр. 3925
وقال ابن ماجه في سننه (١) :
"حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، أنه انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة، فإذا عبد يؤمهم، فقيل: هذا أبو ذر، فذهب يتأخر، فقال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيا مجدع الأطراف.
وقد روي عن أبي ذر ما قد يوهم أنه يتعارض مع تفسيره للكنز لما جاء فيه من لفظ " الزكاة" الذي قد ينصرف إلى الزكاة المفروضة، وقد يكون تبيانًا أو تأويلًا للروايات الأخرى الناهية عن الكنز والاستكثار عامة، وتلك التي وردت فيها كلمة "حق" بدلًا من كلمة "الزكاة ".
فقد روى كل من أحمد وابن زنجويه ومسلم والنسائي والبيهقي وجميعهم عن طريق المعرور بن سويد ما ننقله على التوالي:
قال أحمد (٢) :
"حدثنا محمد بن عبيد وابن نمير المعني، قالا: حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: ((أتيت رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة، قال: هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون، فأخذني غم، وجعلت أتنفس، قال: قلت: هذا شر حدث في. قال: قلت: من هم، فداك أبي وأمي؟ قال: الأكثرون إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا، وقليل ما هم، ما من رجل يموت ويترك غنما أو إبلًا أو بقرًا لم يؤد زكاته، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمن حتى تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس، ثم تعود أولاها على أخراها)) وقال ابن نمير: كلما نفذت أخراها عادت إليه أولاها.
стр. 3926
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني مقبلًا قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. فقلت: ما لي، لعلي أنزل في شيء، من هم فداك أبي وأمي؟ قال: الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا، فحثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله، قال: ثم قال: والذي نفسي بيده، لا بموت أحد منكم فيدع إبلًا وبقرًا وغنما لم يؤد زكاتها، إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما نفدت أخراها عليه، أعيدت أولاها حتى يقضى بين الناس.
وقال ابن زنجويه (١) :
"أخبرنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: ((أتيت رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت، قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. مرتين، وقال: فأخذني غم، وجعلت أتنفس، وقلت: هذا شيء حدث في. قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: الأكثرون، إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا - عن يمينه وعن يساره وعن خلفه - وقليل ما هم، ما من رجل يموت فيترك غنما أو إبلًا أو بقرًا لم يؤد زكاتها إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمن حتى تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس، ثم تعود أولاها على أخراها)) .
وقال مسلم (٢) :
"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: ((أتيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت، فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا - من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله - وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس)) .
حدثني أبو كريب، حدثني محمد بن العلاء، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور، عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة ... فذكر نحو حديث وكيع، غير أنه قال: والذي نفسي بيده، ما على الأرض رجل يموت فيدع إبلًا أو بقرًا أو غنما لن يؤدي زكاتها.
стр. 3927
قال النسائي (١) :
" وأخبرنا هناد بن السري في حديثه، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: ((جئت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني مقبلًا قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. قلت: ما لي، لعلي أنزل في شيء. قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا. حثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يموت رجل فيدع أبلا أو بقرًا لم يؤد زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كلما نفدت أخراها أعيدت أولاها حتى يقضى بين الناس)) .
وقال البيهقي (٢) :
أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنبأنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك، حدثنا محمد بن عبيد الله بن يزيد المنادي، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، حدثنا الأعمش. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي عزرة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر ﵁ قال: ((انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت، فقلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: هم الأكثرون، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا - أربع مرات - وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس)) . لفظ حديث وكيع رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أيى شيبة، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
ومثل هذا الذي روي عن أبي ذر مما يتراءى للنظرة الساذجة متناقضًا روي عن أبي هريرة، فقد جاء عنه الوعيد لمن لم يؤد حق الله في ماله والتنديد به، كما جاء عنه الوعيد لمن لم يؤد زكاة ماله والتنديد به، والكلمتان كلتاهما وردتا في أحاديث متشابهة الأسانيد متشابهة الألفاظ، والبعض منها لا يختلف الواحد عن الآخر إلا بورود كلمة (الزكاة) في أحدهم، وكلمة (الحق) أو (حق الله) في الآخر تمامًا، كما رأينا فيما روي عن أبي ذر مما قد يبدو متناقضًا، وقبل أن نأخذ في تجلية الحقيقة التي تزيح وهم التناقض بين هذه الأحاديث، ندرج ما روي عن أبي هريرة.
стр. 3928
فالأحاديث التي ورد فيها ذكر الزكاة رواها كل من مالك وأحمد وأبي عبيد وابن زنجويه والبخاري والبيهقي وجميعها عن طريق أبي صالح السمان.
قال مالك (١) :
"عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أنه كان يقول: من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطلبه حتى يمكنه، يقول له: أنا كنزك.
وتعقبه ابن عبد البر (٢) :
هذا الحديث أيضًا موقوف في الموطأ غير مرفوع، وقد أسنده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أيضًا، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
والإسناد الأول رواه عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وهو عندي خطأ منه في الإسناد. والله أعلم.
وقال أحمد (٣) : حدثنا حصن، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته، مثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية)) .
حدثنا قتيبة، حدثنا بشر بن سعد، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعًا أقرع ذا زبيبتين، يتبع صاحبه وهو يتعوذ منه، ولا يزال يتبعه حتى يلقمه أصبعه)) .
стр. 3929
حدثنا عفان، حدثنا وهيب، عن خالد البصري، قال: حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا جيئ به يوم القيامة وبكنزه، فيحمى عليه صفائح في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا جيئ به يوم القيامة وبإبله كأوفر ما
كانت عليه، فيبطح لها بقاع قرقر، كلما مضى أخراها، رد عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وأما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها، إلا جيئ به
يوم القيامة كأوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار)) . الحديث.
وقال أبو عبيد (١) :
"وحدثنا سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال: حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا يؤتى به وبكنزه يوم القيامة أوفر ما كان، فيضرب صفائح، ثم يحمى عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جبينه وجنبه وظهره، كلما بردت صفيحة أحميت، حتى يقضي الله بين خلقه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله من الجنة أو من النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا يؤتى به وبإبله يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، ثم تستن عليه وتخبطه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما انقضى آخرها عطف عليه أولها، حتى يقضي الله ﵎ بين خلقه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله من الجنة أو النار)) . ثم ذكر في الغنم والبقر مثل ذلك.
وقال ابن زنجويه (٢) :
стр. 3930
" حدثني ابن أبي أويس، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به وبماله، فأحمي عليه صفائح من نار جهنم، فيكوى بها جبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (١) ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا أتي به يوم القيامة وبإبله على أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتستن عليه، كلما مضى عليه آخرها، رد عليه أولها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة، ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أتي به وبغنمه على أوفر ما كانت، فينبطح لها بقاع قرقر، فتستن عليه، كلما مر عليه آخرها رد عليه أولها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره مائة ألف سنة (٢) مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى جنة، وإما إلى نار)) .
وقال البخاري في صحيحه (٣) :
(حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالًا، فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزميه - يعني بشدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ )) .
وحدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن - هو ابن عبد الله بن دينار - عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالًا، فلم يؤد زكاته، مثل له ماله شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزميه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية)) .
وقال البيهقي (٤) :
"أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن موسى الرازي ببخارى، أنبأ محمد بن أيوب، أنبأ علي بن المديني، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ((: من آتاه الله مالًا، فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعنى شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية)) .
وتعقبه البيهقي بقوله:
رواه البخاري في الصحيح عن علي بن المديني، ورواه مالك عن عبد الله بن دينار موقوفًا.
стр. 3931
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن يعقوب بن يوسف، حدثني أبي ويحيى بن منصور الهروي، قالا: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، تسير عليه، كلما مضى أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها، إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله على عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا. قالوا: فالخيل يا رسول الله؟ قال: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. أو قال: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة. قال سهيل: أنا أشك. الحديث)) .
أما تلك التي وردت فيها كلمة "حق"، بدلًا من كلمة " الزكاة"، فقد رواها كل من أحمد وابن زنجويه والبخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي من طرق مختلفة، اثنتان عن السمان، وواحدة عن عطاء، وأخرى عن الأعرج، وأخرى عن زيد بن أسلم، وأخرى عن العلاء بن عبد الرحمن، وأربعة عن أبي عمرو (أو أبي عمر) الغداني، وأخرى عن كل من شعيب العقيلي ويحيى بن أبي كثير، وهي على التوالي:
قال أحمد (١) :
стр. 3932
"حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي عمر الغداني، قال: كنت عند أبي هريرة جالسًا، فمر رجل من بني عامر بن صعصعة، فقيل له: هذا أكثر عامري مالًا، فقال أبو هريرة: ردوه إلي. فردوه عليه، فقال: نبئت أنك ذو مال كثير. قال العامري: إي والله، إن لي مائة حمرًا ومائة أدمًا. حتى عد من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل. فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلاف النعم. يردد ذلك عليه، حتى جعل لون العامري يتغير أو يتلون، فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كانت له إبل لا يعطي حقها - فذكر مثل الحديث المتقدم - ثم قال: واذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكبره وأسمنه وأشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه فيه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، إذا جاوزته أخراها، أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس حتى يرى سبيله، وإذا كان له غنم - فذكر نحو الحديث المتقدم - ثم قال: قال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي اللبن، وتطرق الفحل.
ثم أسند حديث أبي هريرة هذا بلفظ مختلف، فقال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه، إلا جعله الله يوم القيامة يحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها، إلا جاءت يوم القيامة أوفى ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مضت أخراها، ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأخفافها، كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار)) .
وقال ابن زنجوبه (١) :
أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، ثم كوي بها جبهته وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها، ومن حقها حلبها يوم ورودها، إلا أتي به يوم القيامة لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، ثم بطح لها بقاع قرقر، ووطأته بأخفافها، وعضته بأفواهها، كلما مر عليه آخرها كر عليه أولها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة، ثم بطح لها بقاع قرقر، ليس فيها عضباء ولا عقصاء ولا جلحاء، تطؤه بأظلفها، وتنطحه بقرونها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كلما مر عليه أولها كر عليه آخرها حتى يقضي الله بين الناس، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار)) .
стр. 3933
وقال البخاري في صحيحه (١) :
"حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : ((تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، قال: ومن حقها أن تحلب على الماء، قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت)) .
وقال أبو داود (٢) :
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة يحمى عليه في نار جهنم، فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، إما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها في قرقر، فتنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها، إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، تطؤه بأخفافها، كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار)) .
وحدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه. قال في قصة الإبل بعد قوله: لا يؤدي حقها، قال: ومن حقها حلبها يوم ورودها.
حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغداني، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ نحو هذه القصة، فقال له - يعني لأبي هريرة -: فما حق الإبل؟ قال: تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتطرق الفحل، وتسقي اللبن.
стр. 3934
وقال النسائي (١) :
"أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، عن أبي عمرو الغداني، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أيما رجل كانت له إبل، لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، قالوا: يا رسول الله، ما نجدتها ورسلها؟ قال: في عسرها ويسرها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وأشره، يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأخفافها، إذا جاءت أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله، وأيما رجل كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة أغذ ما كانت وأسمنه وأشره، يبطح لها بقاع قرقر، فتنطحه كل ذات قرن بقرنها، وتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله، وأيما رجل كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وأشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله)) .
قال ابن ماجه (٢) : حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((تأتي الإبل التي لم تعط الحق منها، فتطأ صاحبها بأخفافها، وتأتي البقر والغنم تطأ صاحبها بأظلافها وتنطحه بقرونها، ويأتي الكنز شجاعًا أقرع، فيلقى صاحبه يوم القيامة، فيفر منه صاحبه مرتين، ثم يستقبله، فيفر، فيقول: ما لي ولك. فيقول: أنا كنزك، أنا كنزك، فيتقيه بيده، فيلقمها)) .
стр. 3935
وقال الحاكم (١) :
"حدثنا علي بن حماد العدل، حدثنا أبو المثنى العنبري، حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني عامر بن شعيب العقيلي (٢) ، أن أباه أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : ((عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال، وأما أول ثلاثة يدخلون النار: فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فجور)) .
وتعقبه بقوله: عامر بن شعيب العقيلي شيخ من أهل المدينة مستقيم الحديث، وهذا أصل في هذا الباب، تفرد به يحيى بن أبي كثير، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
وقال البيهقي (٣) :
"أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عامر العقيلي، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار؛ فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد أدى حق الله ونصح لسيده، وفقير متعفف ذو عيال. وأما أول ثلاثة يدخلون النار: فسلطان متسلط، وذو ثروة من المال لم يعط حق ماله، وفقير فجور)) .
ويشهد لكلمة "حق" فيما روي عن كل من أبي ذر وأبي هريرة ما رواه كل من أحمد وأبي عبيد والدارمي عن جابر من طريق كل من أبي الزبير وطاوس.
стр. 3936
قال أحمد (١) :
"حدثنا محمد بن بكر وعبد الرزاق، قالا: حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها - ثم ذكر نحو حديث أبي هريرة في الابل والبقر والغنم - ثم قال: ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه، فاغرًا فاه، فإذا رآه فر منه، فيناديه ربه: خذ كنزك الذي خبأته، فأنا عنه أغنى منك، فإذا رأى أنه لا بد له منه، سلك يده في فيه فقضمها قضم الفحل))
قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير، قال: يارسول الله. قال عبد الرزاق في حديثه: قال رجل: يا رسول الله ما حق الإبل؟ قال: حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل الله. قال عبد الرزاق فيها كلها: وقعد لها. وقال عبد الرزاق فيه: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول. ثم سأل جابر الأنصاري عن ذلك، فقال مثل قول عبيد بن عمير.
وقال أبو عبيد (٢) :
"حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها، إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط، وقعد لها بقاع قرقر، تستن عليه بقوائمها وأخفافها، ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر، تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها، ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها، إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، ليس فيها جماء ولا منكسر جناحها، ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه، إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع، يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه، فيناديه ربه: خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه أغنى منك، فإذا رأى أنه لا بد منه، سلك يده في فيه، فيقضمه قضم الفحل)) .
وحدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه ذكر هذا الحديث أو نحوه، قال: فقيل له: ما حقها؟ قال: فذكر أربعًا، قال ابن طاوس: لا أعرف بأيهن بدأ، قال: تحلب على العطن، وتحمل على راحلتها، وتنحر سمينها، وتمنح
لقوحها.
وحدثنا عمر بن طارق، عن عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد قال: سئل عطاء بن أبي رباح عن مثل ذلك، فحدث عن أبي هريرة أنه قال: نعم المال ثلاثون، تمنح منيحتها، وتنحر سمينها، ويحمل على نجيبتها.
وقال الدارمي (٣) : "أخبرنا سهل بن عبيد، حدثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال النبي ﷺ : ((ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات ظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن، قالوا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها وحلبها على الماء، ويحمل عليها في سبيل الله.))
стр. 3937
حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها، إلا جاء يوم القيامة أكثر ما كانت قط، وأقعد لها بقاع قرقر، استنوا عليه بقوائمها وأخفافها، ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها، إلا جاء يوم القيامة أكثر ما كانت، وأقعد لها بقاع قرقر، تنطحه بقرونها، وتطؤه بقوائمها، ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها، إلا جاء يوم القيامة أكثر ما كانت، أقعد لها بقاع قرقر، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، ليس فيه جماء ولا مكسور قرنها، ولا صاحب كنز ولا يفعل فيه حقه، إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع، يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه، فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته. قال: فأنا عنه غني، فإذا رأى أنه لا بد منه، سلك يده في فمه، فيقضمها قضم الفحل)) .
قال: وقال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال: قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل؟ قال: حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها
ومنحتها، وحمل عليها في سبيل الله.
وكذلك اختلفت روايتهم عن ابن مسعود.
فروي النسائي (١) :
"أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا ابن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من رجل له مال، لا يؤدي حق ماله إلا جعل له طوقا في عنقه شجاع أقرع، وهو يفر منه، وهو يتبعه، ثم قرأ مصداقه من كتاب الله ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ))
وقال ابن ماجه (٢) : حدثنا محمد بن أبي عمر المدني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن أعين وجامع بن أبي راشد، سمعنا شقيق بن سلمة يخبر، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع حتى يطوق عنقه، ثم يقرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله تعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية ")) .
стр. 3938
وقال البيهقي (١) : "أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن وأبو زكريا بن أبي إسحاق وغيرهما، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ سفيان بن عيينة، سمع جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين، سمعا أبا وائل يخبر، عن عبد الله بن مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، يفر منه، وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ )) (٢) .
كما يشهد لروايات (حق) بدلًا من (زكاة) - ولكن بالدلالة لا باللفظ - ما رواه كل من أحمد، عن بهز بن حكيم، وأبي عبيد، عن عطاء وأبي داود، عن واسع بن حبان، وعن عبيد بن عمير.
قال أحمد (٣) :
"حدثنا يزيد، أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يأتي رجل مولاه، فيسأله من فضل هو عنده فيمنعه، إلا دعي له يوم القيامة شجاعًا يتلمظ فضله الذي منعه)) .
وفي رواية: ((ما من مولى يأتي مولى له، فيسأله من فضل عنده فيمنعه، إلا جعله الله تعالى عليه شجاعًا ينهسه قبل القضاء)) .
وقال أبو عبيد (٤) :
"حدثنا عمرو بن طارق، عن عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد، قال: سئل عطاء بن أبي رباح عن مثل ذلك - أي: عن حق الله في الإبل - فحدث عن أبي هريرة أنه قال: نعم المال الثلاثون، تمنح منيحتها، وتنحر سمينتها، ويحمل على نجيبتها".
وقال أبو داود (٥) :
"حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير قال: قال رجل: يارسول الله، ما حق الابل؟ فذكر نحوه - أي: نحو ما ورد في حديث تقدم لأبي داود من طريق أبي صالح السمان - زاد: وإعارة دلوها.
стр. 3939
وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين.
وحدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: ((بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر، إذ جاء رجل على ناقة له، فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : من كان له فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له. حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل)) .
قلت: من الصعب المراجحة بشكل يطمئن إليه القلب بين أسانيد هذه الأحاديث المختلفة، فحديث المعرور بن سويد أخرجه كل من مسلم وابن زنجويه وأحمد والنسائي والبيهقي عن طريق الأعمش عن أبي الزبير، وفيه كلمة (زكاة) بدل كلمة (حق) . ونظرا لتعدد الأسانيد، فلا نجد مدعاة لاعتباره ما تكلم به في بعض من الرواة عن الأعمش أو من بعدهم، كذلك حديث أبي هريرة الذي وردت فيه كلمة (زكاة) بدلًا من كلمة (حق) ، رواه مالك، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان موقوفا، ووصله ابن عبد البر، كما وصله أحمد عن طريق عبد الرحمن ابنه، وفيه بعض الكلام قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٦. ص: ٢٠٦ وما بعدها ترجمة: ٤١٩) بعد أن ترجم له وذكر بعضًا ممن روى عنهم وممن رووا عنه، قال الدوري عن ابن معين: في حديثه عندي ضعف، وقد حدث عنه يحيى القطان، وحسبه أن يحدث عنه يحيى، وقال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن يحدث عنه بشيء قط، وقال أبو حاتم: فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن عدي: وبعض ما يرويه منك لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. ثم قال ابن حجر: وقال السلامي عن الدارقطني: خالف فيه البخاري الناس، وليس بمتروك. وقال الحاكم عن الدار قطنى: إنما حدث بأحاديث يسيرة. وقال أبو القاسم البغوي: هو صالح الحديث. وقال الحربى: غيره أوثق منه. وقال ابن خلفون: سئل عنه ابن المديني، فقال: صدوق. قلت: لكن رغم ذلك رمز له ابن حجر بأنه روى عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، وطبعًا نقل ذلك ابن حجر عن أستاذه المزي، فإن يكن هؤلاء يروون جميعًا عن الضعفاء فإلى من نسند التوثيق؟!
стр. 3940
ورواه كل من أحمد وأبي عبيد وابن زنجويه والبيهقي عن أبي صالح من طريق ابنه سهيل، وفيه كلام قال ابن حجر (تهذيب التهذيب: ج: ٤. ص: ٢٦٣. ترجمة: ٤٥٣) ورمز بأنه روى عنه الجماعة: سهيل بن أبي صالح، واسمه ذكوان السمان أبو يزيد المدني، روى عن أبيه وسعيد بن المسيب والحارث بن مخلد الأنصاري وأبي الحباب وسعيد بن يسار وعبد الله بن دينار وعطاء بن يزيد الليثي والنعمان بن عياش والأعمش وربيعة وآخرين ذكرهم عنه، وربيعة والأعمش ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وشعبة والفزاري وابن جريج والسفيانين وجماعة ذكر منهم طائفة.
ثم قال ابن عيينة: كنا نعد سهيلًا لينا في الحديث، وقال حرب عن أحمد: ما يصلح حديثه. وقال أبو طالب عن أحمد: قال يحيى بن سعيد ومحمد - يعنى ابن عمرو -: أحب إلينا، وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم. وقال الدوري عن ابن معين: سهيل ابن أبي صالح والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: سهيل أشبه وأشهر - يعني من العلاء - وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو أحب إلي من العلاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لسهيل نسخ، وقد روى عنه الأئمة وحدث عن أبيه وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل عل تمييزه كونه ميز ما سمع من أبيه وما سمع من غير أبيه، وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار، وروى له البخاري مقرونًا بغيره. قال ابن حجر: وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السلمي: سألت الدارقطنى: لم ترك البخاري حديث سهيل في كتاب الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذر، فقد كان النسائي إذا مر بحديث سهيل قال: سهيل والله خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، مات في ولاية أبي جعفر، وكذا أرخه ابن سعد، وقال: كان سهيل ثقة كثير الحديث، وأرخه ابن قانع سنة ثمان وثلاثين - أي: بعد المائة - وذكر البخاري في تاريخه، قال: كان لسهيل أخ، فمات، فوجد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث، وذكر ابن أبي خيثمة في حديثه عن يحيى قال: لم يزل أهل الحديث يتقون حديثه، وذكر العقيلي عن يحيى أنه قال: هو صويلح، وفيه لين. وقال الحاكم في باب من عيب على مسلم إخراج حديثه: سهيل أحد أركان الحديث، وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد، وقد روى عنه مالك، وهو الحكم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق: إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره، فذهب بعض حديثه. انتهى مع بعض التلخيص. .
стр. 3941
أما حديث أبي هريرة الذي وردت فيه كلمة (زكاة) ، فقد رواه كل من أحمد وأبي داود عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه. على حين رواه كل من أحمد والنسائي عن طريق أبي عمر الغداني.
ورواه أبو داود أيضًا عن طريق زيد بن أسلم، عن أبي صالح. ورواه البخاري عن طريق الأعرج. ورواه ابن ماجه عن طريق العلاء بن عبد الرحمن قال ابن حجر (تهذيب التهذيب. ج: ٨. ص: ١٨٦. ترجمة: ٣٣٥) ورمز بأنه روى عنه مسلم والأربعة: العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أبو شبل المدني مولى الحرقة - بضم المهملة وفتح الراء - من جهينة يروي عن أبيه وابن عمر وأنس وأبي السائب مولى بن هشام بن زهرة وآخرين، ذكر بعضًا منهم، وعنه ابن شبيل وابن جريج ومالك وشعبة والسفيانان وآخرون ذكر بعضًا منهم. ثم قال: قال أبو عبد الله، عن أحمد، عن أبيه: ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء، وفضله عن سهيل وعن محمد بن عمرو، وقال الدوري عن ابن معين: وليس حديثه بحجة، وهو وسهيل قريب من السواء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه، وقال أبو زرعة: ليس هو بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح، روى عنه الثقات، ولكنه أنكر من حديثه أشياء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: وللعلاء نسخ يرويها عنه الثقات، وما أرى به بأسًا. وذكره ابن حبان في الثقات، وتوفي في أول خلافة أبي جعفر، ونقل ابن حجر عن أبي داود قوله: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان، يعنى حديث: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء وابنه كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس. قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف، يعني بالنسبة إليه. يعنى لما قال: أوثق. خشي أنه يظن أنه يشاركه في هذه الصفة، وقال: إنه ضعيف. وقال البخاري: قال علي: أراه مات سنة ثلاث وثلاثين، وقال ابن الأثير: مات سنة تسع وثلاثين، وقال الخليلي: مدني مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بالحديث. وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث. الرقي، ورواه الحاكم والبيهقي عن طريق عامر بن شعيب العقيلي، عن أبيه.
стр. 3942
وروى حديث جابر، ووردت فيه كلمة (حق) بدلًا من كلمة (زكاة) كل من أحمد وأبي عبيد وابن عبد البر عن طريق أبي الزبير، ورواه أبو عبيد أيضًا عن ابن طاوس عنه، وعن عبد الملك بن سليمان عنه، كذلك رواه الدارمي عنه من طريق عبد الملك. وروى النسائي حديث ابن مسعود وفيه كلمة (حق) بدلًا من كلمة (زكاة) عن طريق أبي وائل، على حين رواه كل من ابن ماجه والبيهقي عن طريق وائل أيضًا
, ولكن جاءت فيه كلمة (زكاة) بدلًا من كلمة (حق) ، فالمعنى: هذا الاختلاف في رواياتهم، لاجتلاء ذلك نقرر أولًا حقيقة لا مناص من الانطلاق من تقريرها، وهي أن بعض هذه الروايات كانت بالمعنى، وبعضها باللفظ، ولا سبيل إلى الجزم أيها كانت باللفظ، إنما السبيل الوحيدة التي يمكن الاطمئنان إليها هي الجمع بين الروايتين باعتبار أننا لا نستطيع ترجيح الواحدة عن الأخرى، وإن يكن مجموع أسانيد الروايات بكلمة (حق) - لا سيما إذا أضيفت الروايات عن أبي ذر - ترجح تلك التي وردت فيها كلمة (زكاة) بدلًا من كلمة (حق) رجحانًا لا يمكن اعتماده علميًا لاعتبار أنها أصح، وأنها الأولى، بأن تكون الرواية اللفظية.
والجمع بينهما إنما يتأتى من التأكد من المعنى المقصود من كلمة (زكاة) عند من وردت في روايته، ويظهر أن أغلب من أثر عنهم تفسير قوله تعالى: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٣) اعتمدوا اعتبار كلمة " زكاة" مرادفة لكلمة " الزكاة، بـ (أل) التعريفية والتي استعملها الشارع للحق المعين زمانه ونصابه ومصادره والمطلق عليه. هذا اللفظ المعرف بأل والمقرون بالصلاة في معظم ما ورد ذكره في القرآن الكريم والذي هو الركن الثالث من أركان الاسلام الخمس. ولذلك جاء ما أثر عنهم من التأويل والتفسير والاستنباط متأرجحًا بين دعوى نسخ بعض هذه الآيات بآيات الزكاة، وبين القول بأنها جميعًا تؤكد آيات الزكاة وتنذر مانعي الزكاة بما أعد لهم يوم القيامة من نكال، وقل في المفسرين وشراح الحديث من فرق بين هذه الآيات وآيات الزكاة دون أن يعتبر هذه الآيات منسوخة بآيات الزكاة.
стр. 3943
ولم أقف على من فكر منهم في أن يفصل بين دلالة لفظ (زكاة) غير معرف بأل ودلالته معرفًا بها، على حين أن التفرقة بين الدلالتين هي مكمن السر والمناط، لذلك لم نجد مناصًا من العودة إلى أصل كلمة (زكا) .
قال ابن الأثير (١) :"زكا " قد تكرر في الحديث ذكر الزكاة والتزكية، وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث، وزنها فعلة، كالصدقة، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل، وتطلق على العين، وهي الطائفة من المال المزكى بها، وعلى المعنى وهو التزكية. ومن جانب هذا البيان أتى من ظلم نفسه بالطعن على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٢) ذاهبًا إلى العين، وإنما المراد المعنى الذي هو التزكية، فالزكاة طهرة للأموال، وزكاة الفطر طهرة للأبدان، وفي حديث زينب: "كان اسمها برة، فغيره وقال: تزكي نفسها ". زكى الرجل نفسه إذا وصفها وأثنى عليها، وفي حديث الباقر أنه قال: "زكاة الأرض يبسها ". يعني طهارتها من النجاسة، كالبول وأشباهه بأن يجف ويذهب أثره. وفي حديث معاوية أنه قدم المدينة بمال، فسأل عن الحسن بن علي، فقيل: إنه بمكة، فأزكى المال ومضى، فلحق الحسن، فقال: قدمت بمال، فلما بلغني شخوصك أزكيته، وها هو ذا، كأنه يريد أوعيته مما تقدم، هكذا فسره أبو موسى ".
وقال ابن منظور (٣) :
" (زكا) الزكاء ممدود النماء والربح، زكا يزكو زكاة وزكوا. وفي حديث علي كرم الله وجهه قال: المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، فاستعار له الزكاء، وإن لم يك ذا جرم، وقد زكاه الله وأزكاه والزكاء: ما أخرجه الله من الثمر، وأرض زكية: طيبة سمينة، حكاه أبو حنيفة - يعني الدينوري في زكا، والزرع يزكو زكاء ممدود؛ أي: نما، وأزكاه الله، وكل شيء يزداد وينمى فهو يزكو زكاء، وتقول: هذ الأمر لا يزكو بفلان زكاء، أي: لا يليق به وأنشد:
والمال يزكو بك مستكثرًا يختال قد أشرق للناظر
стр. 3944
ابن الأنباري: في قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ (١) ومعناه: وفعلنا ذلك رحمة لأبويه وتزكية له، قال الأزهري: أقام الاسم مقام المصدر الحقيقي، والزكاة: الصلاح. ورجل نقي زكي؛ أي: زاك من قوم أتقياء أزكياء، وقد زكا زكاء وزكوا وزَكِي وتزكى، وزكاه الله، وزكى نفسه تزكية: مدحها.
ثم قال: والزكاة زكاة المال معروفة، وهو تطهيره، والفعل زكى يزكي تزكية، إذا أذى عن ماله زكاته.
غيره - أي: غير ابن الأنباري -: الزكاة ما أخرجته من مالك لتطهره به، وقد زكى المال، وقوله تعالى ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) قالوا: تطهرهم بها. قال أبو علي: الزكاة صفوة الشيء، وزكاه إذا أخذ زكاته، وتزكى، أي: تصدق. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٣) قال بعضهم: الذين هم للزكاة مؤدون. وقال آخرون: الذين هم للعمل الصالح فاعلون. وقال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (٤) أي: خيرًا منه عملًا صالحًا. وقال الفراء: زكاة صلاحا، وكذلك قوله : ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ (٥) قال: صلاحا، أبو زيد النحوي في قوله : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) .
وقوله: ﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ﴾ فمن قرأ ما زكا فمعناه: ما صلح منكم، ومن قرأ: ما زكى، فمعناه: ما أصلح، ولكن الله يزكي من يشاء، أي: يصلح، وقيل لما يخرج من المال للمساكين من حقوقهم: زكاة؛ لأنه تطهير للمال وتثمير وإصلاح ونماء كل ذلك قيل ".
إذا وضح في الأذهان المعنى اللغوي لكلمة (زكاة) بل والمعنى الذي فهم من المعنى الحديثي لها في أكثر من مساق، يحسن أن نتدبر أن كلمة "الزكاة" وردت في القرآن الكريم معرفة بـ (أل) التعريف تسعًا وعشرين مرة، منها سبع مرات في آيات تعرض إما لبني إسرائيل، وإما لبعض الأنبياء، واثنتان وعشرون مرة خاصة بالمسلمين، وأغلبها مدنية، ويبلغ مجموع ما ورد في القرآن من كلمة (زكا) ومشتقاتها تسعًا وخمسين مرة، منها ثلاثون مرة لا تختص بالزكاة المفروضة (الركن الثالث من أركان الدين) وإن شملها بعضها مع غيرها، مما تدل عليه كلمة (زكا) بمعنى النماء أو الطهر أو البركة أو غيرها مما سبق أن نقلناه عن اللغويين.
стр. 3945
وينبغي أن يلاحظ أن كلمة (زكاة) بدون (أل) أي: نكرة، وردت في القرآن الكريم ثلاث مرات، مرة واحدة تتعلق بالمسلمين، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾
(١) ومرتين تتصلان بغير المسلمين: إحداهما في قصة ذي القرنين، وهي قوله تعالى على لسانه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (٢) . والثانية تتصل بنبي الله يحيى ﵇، وهي قوله في وصفه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ (٣) ، وفي جميعها لا مجال لدعوى أن كلمة (زكاة) تشتمل دلالتها على (الزكاة) بمعنى الركن الثالث من أركان الدين. وإنما دلالتها تتراوح بين البركة والطهر والنماء، وهذا ينفي نفيًا حاسما أن تكون كلمة (زكاة) بدون أداة التعريف (أل) قد استعملها الشارع حقيقة شرعية في الركن الثالث من أركان الدين. أما إذا كانت معرفة بأل، فيمكن الدعوى بأن الشارع استعملها حقيقة شرعية فيه، وهذا يعني أنها إذا وردت غير معرفة بأل، سواء كانت (نكرة) أو (معرفة) عرفتها الإضافة، كما هو الشأن في الروايات التي ذكرت (زكاة ماله) بدلا من (حقه) ، أو ما شاكل ذلك في الأحاديث المروية عن أبي ذر وأبي هريرة وغيرهما، والتي سبق أن نقلناها، فلا سبيل إلى القول بأنها تعني الزكاة المفروضة إلا بدليل، وهذا الدليل الذي يعينها بأنها الزكاة المفروضة لا وجود له في تلك الروايات لفظا أو مفهوما أو سياقا، وعلى من زعم وجوده البرهان، بل إن كلمة الزكاة - معرفة بأل - نفسها، يرى بعض المفسرين أنها ليست "حقيقة شرعية " أطلقها الشارع الحكيم ﷻ على الركن الثالث من أركان الدين، فقد وردت في القرآن الكريم في رأيهم معبرة عن غير هذا الركن أو بالأحرى معبرة عن أحد معانيها اللغوية التي تشرك في التعبير عنها، ومن مجموعها جاء إطلاقها على الركن الثالث من أركان الدين ومن هؤلاء المفسرين الراغب الأصبهاني، ويحسن أن ننقل مجموع ما قاله في كلمة (زكا) ومشتقاتها، فذلك أجلى لرأيه ومنطلقه في تأويله قال (٤) : (زكا) أصل الزكاة النمو الحاصل من تزكية الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. يقال: زكا الزرع يزكو إذا حصل منه نمو وبركة، وقوله تعالى: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ (٥) إشارة إلى ما يكون حلالًا لا يستوخم عقباه، ومنه الزكاة لما يخرج الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة أو تزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات أو هما جميعًا، فإن الخيرين موجودان فيها. وقرن الله تعالى الزكاة بالصلاة في القرآن الكريم لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٦)
стр. 3946
وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبًا لذلك نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (١) ، وتارة ينسب إلى الله تعالى لكونه فاعلًا لذلك في الحقيقة نحو قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ، وتارة إلى النبي لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم، نحو قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) ، وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ (٤) , وتارة إلى العبادات التي هي آلة في ذلك، نحو قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ (٥) , وقوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (٦) أي: مزكى بالخلقة، وذلك عن طريق ما ذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالمًا وطاهر الخلق، لا بالتعلم والممارسة، بل بتوفيق إلهي كما يكون لجل الأنبياء والمرسلين، ويجوز أن يكون تسميته بالزكي لما يكون عليه في الاستقبال، لا في الحال، والمعنى: سيتزكى. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾
(٧) أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله، أو ليزكوا أنفسهم، والمعنيان واحد، وليس قوله: "للزكاة" مفعولًا لقوله: "فاعلون "، بل اللام فيه للعلة والقصد. وتزكية الإنسان نفسه ضربان؛ أحدهما بالفعل، وهو محمود، وإليه قصد بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٨) ، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٩) .
والثاني بالقول: كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١٠) ، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلًا وشرعًا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقًا؟ قال: مدح الرجل نفسه ".
стр. 3947
ونحسب أن الراغب بقوله هذا، جمع فأوعى، وشرح فأغنى، إذ أوضح طبيعة العلاقة بين إطلاق الزكاة على الركن الثالث من أركان الدين واستعمال هذا اللفظ نفسه معرفًا أو غير معرف أو ما اشتق منه في غير ما يتصل مباشرة بذلك الركن، إذ أنه في جميع استعمالاته يدور حول معانيه المختلفة التي يدل عنها بطريق الاشتراك، وهي النماء والطهر المعنويان والحسيان، ثم المدح المذموم منه والمحمود، وما يتفرع عنها من التنمية والمباركة والتطهير، فوضح من كل ذلك ومما تقدم من كلام اللغويين أن استعمال عبارة: " زكاة ماله " في بعض الروايات و: " حقه " وما شاكل ذلك في روايات أخرى للأحاديث المتصلة بالمال وما يجب على العبد في التصرف فيه، ليس منحصر الدلالة على ما له علاقة بالركن الثالث من أركان الدين، بل يشمله ويتجاوزه إلى غيره من التصرفات المندوب إليها، مثل الإحسان إلى ذوي الأرحام والصدقة على الفقراء والمساكين والواجبة لطارئ ظرفي، مثل نفقات الجهاد ونفقات الاستعداد له وغير ذلك مما سنوضحه في موضعه من هذا البحث.
ولعل ما أوضحناه ينهض برهانًا حاسمًا على بطلان دعوى نسخ بعض الآيات المتصلة بالكنز أو الصدقة بآيات الزكاة، وهو ما تعلق به بعض المفسرين كعادتهم، إذ يأرزون إلى دعوى النسخ، كلما تراءى لهم ما يحسبونه تعارضًا بين بعض الآيات أو بعض الأحاديث أو بين آيات وأحاديث.
كما أنه برهان حاسم على أن كلمة (زكاة) معرفة وغير معرفة ومشتقاتها، لا تنصرف في مواردها من القرآن الكريم إلى الركن الثالث من أركان الدين إلا أن تصرفها قرينة من لفظ أوسياق، وهو ما يبطل ما ذهب بعضهم إلى زعمه من أن قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) يراد فيها بلكمة ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وبكلمة (صدقة) ما له علاقة بالزكاة الركن الثالث من أركان الدين، وهو تأويل عجب من قائله، وأعجب منه أنهم جمهرة، وفيهم صدور في التفسير، ذلك بأن الآية من آيات سورة التوبة، وهي كما يقول محمد الطاهر بن عاشور (٢) :
" آخر السور نزولًا عند الجميع نزلت بعد سورة الفتح في قول جابر بن زيد في السورة الرابعة عشرة بعد المائة في عداد نزول سور القرآن ".
ثم قال:
" والجمهور أنها نزلت دفعة واحدة، فتكون مثل سورة الأنعام من السور الطوال، وفسر كثير من المفسرين بعض آيات هذه السورة لما يقتضي أنها نزلت أوزاعًا في أوقات متباعدة ".
стр. 3948
ثم قال:
" والذي يغلب على الظن أنه ثلاث عشرة آية من أولها إلى قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) نزلت متتابعة ".
ثم قال:
" وهذا ما اتفقت عليه الروايات، وقد قيل: إن ثلاث آيات منها أولها إلى قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢) أذن بها يوم الموسم، وقيل: أربعين آية من أولها إلى قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) أذن بها في الموسم ". ثم قال:
" فالجمع بينهما يغلب الظن بأن أربعين آية نزلت متتابعة على نزول جميع السورة دفعة واحدة، ليس ببعيد عن الصحة ".
قلت: وهذا ما نرجحه لما تدل عليه الآيات الأربعون من معان وأحكام مما يتعين إعلانه في ذلك الموسم، ومنها آية الكنز، وهي الرابعة والثلاثون، ولأن الآية الأخيرة من الأربعين تتصل بقصة الهجرة، وفيها أكبر إعجاز وتحد لمشركي مكة وتعجيز لكل أحد يمكن أنه ما يزال يفكر في مواصلة تحدي رسول الله ﷺ وبعثته.
ثم قال الشيخ ابن عاشور:
" اتفقت الروايات على أن النبي ﷺ لما قفل من غزوة تبوك في رمضان سنة تسع، عقد العزم على أن يحج في شهر ذي الحجة من عامه، ولكنه كره " عن اجتهاد أو بوحي من الله " مخالطة المشركين في الحج معه وسماع تلبيتهم التي تتضمن الاشتراك؛ أي: قولهم في التلبية: " لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك ". وطوافهم عراة، وكان بينه وبين المشركين عهد، لم يزل عاملًا لم ينقض. والمعنى أن مقام الرسالة يربأ من أن يسمع منكرًا من الكفر ولا يغيره بيده؛ لأن ذلك أقوى الإيمان، فأمسك عن الحج تلك السنة، وأمر أبا بكر على أن يحج بالمسلمين، وأمره أن يخبر المشركين بأن لا يحج بعد عامه ذلك مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
стр. 3949
ثم قال:
" فافتتحت السورة بتحديد مدة العهود التي بين النبي ﷺ وبين المشركين وما يتبع ذلك من حالة حرب وأمن، وفي خلال مدة الحرب مدة تمكينهم من تلقي دعوة الدين وسماع القرآن، وأتبع بأحكام الوفاء والنكث وموالاتهم ومنع المشركين من دخول المسجد الحرام وحضور مناسك الحج وإبطال مناصب الجاهلية التي كانوا يعتزون بأنهم أهلها وإعلان حالة الحرب بين المسلمين وبينهم، وإعلان الحرب على أهل الكتاب من العرب حتى يعطوا الجزية، وأنهم ليسوا بعيدًا من أهل الشرك، وأن الجميع لا تنفعهم قوتهم ولا أموالهم وحرمة الأشهر الحرم وضبط السنة الشرعية وإبطال النسيئ الذي كان عند الجاهلية وتحريض المسلمين على المبادرة بالإجابة إلى النفير للقتال في سبيل الله ونصر النبي ﷺ ، وأن الله ناصر نبيه وناصر الذين ينصرونه وتذكيرهم بنصر الله ورسوله يوم حنين وبنصره إذ أنجاه الله من كيد المشركين بما هيأ له من الهجرة إلى المدينة والإشارة بالتجهيز إلى غزوة تبوك وذم المنافقين والمعتذرين والمستأذنين في التخلف بلا عذر وصفات أهل النفاق من جبن وبخل وحرص على أخذ الصدقات مع أنهم ليسوا يستحقونها، وذكر أذاهم الرسول ﷺ بالقول وأيمانهم الكاذبة وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف وكذبهم في وعودهم وسخريتهم بضعفاء المؤمنين وأمرهم بضرب الجزية على أهل الكتاب ومذمة ما أدخله الأحبار والرهبان في دينهم من العقائد الباطلة ومن التكالب على الأموال، وأمر الله بجهاد الكفار والمنافقين، ونهى المؤمنين عن الاستعانة بهم في جهادهم والاستغفار لهم، ونهى نبيه ﷺ من الصلاة على موتاهم، وضرب المثل بالأمم الماضية، وذكر الذين اتخذوا مسجد الضرار عن سوء نية وفضل مسجد قباء ومسجد الرسول بالمدينة، وانتقل إلى وصف حالة الأعراب من محسنهم ومسيئهم ومهاجرهم ومتخلفهم، وقوبلت صفات أهل الكفر والنفاق بأضدادها صفات المسلمين، وذكر ما أعد لهم من الخير، وذكر في خلال ذلك فضل أبي بكر وفضل المهاجرين والأنصال والتحريض على الصدقة والتوبة والعمل الصالح والجهاد، وأنهم فرض على الكفاية، والتذكير بنصر الله على المؤمنين يوم حنين على بأسهم والتنويه لغزوة تبوك وجيشها والذين تاب الله عليهم من المتخلفين عنها والامتنان على المسلمين بأن أرسل فيهم رسولًا منهم جعله على صفات فيها كل خير لهم، وشرع الزكاة ومصارفها والأمر بالتفقه في الدين ونشر دعوة الدين ".
стр. 3950
وقد نقلنا هذا الكلام على طوله – وإن حذفنا منه جملًا – ارتأينا أنها لا تتصل بموضوعنا؛ لأنه يرسم صورة دقيقة للأفق النفسي والمجال التشريعي والمدى الظرفي لهذه السورة الجليلة التي زعم البعض يغفر الله لهم أن آية أو أكثر منها نسخت بآيات نزلت قبلها. فهل هنالك أعجب من هذا الزعم؟ ! ذلك بأن الزكاة شرعت في القرآن المكي وأكد شرعها في القرآن المدني، وغاية ما ورد في شأنها وليس خاصًا بها في رأينا كما سنبينه من بعد تعيين مصارفها وبيان المستحقين لها، فلا يعقل أن يكون تشريع الزكاة ناسخًا لما جاء في آخر سورة نزلت من القرآن قبيل لحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، وتكاد أغراضها كلها تنحصر في تعيين وتبيان طبيعة العلاقة بين المسلمين بعضهم ببعض باعتبارهم كيانًا دوليًا ومجتمعًا متكاملًا متكافلًا وبينهم وبين غيرهم من الأمم على اختلاف مللها ونحلها ومواقعها بناء على ذلك الاعتبار.
ومن هذا المنطلق كان الشيخ ابن عاشور – ﵀ – أكثر توفيقًا من غيره وأعمق فهمًا وأوضح بيانًا وهو يشرح قوله تعالى في هذه السورة الجليلة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) الآية، فقال: " لما كان من شرط التوبة – قلت: إذ نزلت في من وصفتهم آية قبلها بأنهم ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) - تدارك ما يمكن تداركه مما فات، وكان التخلف عن الغزو مشتملًا على أمرين، هما عدم المشاركة في الجهاد، وعدم إنفاق المال في الجهاد، جاء في هذه الآية إرشاد لطريق تداركهم ما يمكن تداركه مما فات، وهو نفع المسلمين بالمال والإنفاق العظيم على غزوة تبوك استنفد المال المعد لنوائب المسلمين، فإذا أخذ من المتخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حل بمال المسلمين. والتاء في (تطهرهم) تحتمل أن تكون تاء الخطاب، نظرًا لقوله: (خذ) ، وأن تكون تاء الغائبة عائدة إلى الصدقة، وأيا ما كان فالآية دالة على أن الصدقة تطهر وتزكي، والتزكية جعل الشيء زكيًا، أي: كثير الخيرات، فقوله: (تطهرهم) إشارة إلى مقام التخلية من السيئات، وقوله: (وتزكيهم) إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات، ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية، فالمعنى أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم.
стр. 3951
قلت: وأضيف إلى هذا أن الآية قاعدة تشريعية جليلة لأمر لست أدري كيف أغفله المفسرون والفقهاء أو غفلوا عنه؟! هي أمر ولي الأمر لمعاقبة من يقترف عملًا يترتب عنه ضرر يصيب المسلمين عامة أو بعضهم، لا سيما إذا كان متصلًا بالمال العام أو بمال لجماعة منهم بعقوبة مالية تعوض، إما تعويضًا كاملًا أو رمزيًا، ما يترتب من الضرر على الإثم الذي اقترفه، فليت شعري إن لم يكن مما تدل عليه الآية هذا التشريع، فما هو المناط منها إذن؟ قد يقال: إن الأمر بأخذ الصدقة من أموالهم لا يبلغ درجة الإيجاب، وإنما هو ندب، إذ جاء بعده ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) بيد أن مثل هذا القول على درجة من السذاجة كان يمكن أن تحفز إلى إغفاله، لولا أنه قد يوهم بعض المتفقهة، ذلك بأن (تعليل الأخذ من الأموال) بأنه سبب للتطهر والتزكية ينهض دليلًا على وجوبه لوجوب أن يتطهر المسلم ويتزكى، ولأن وجوب ذلك آكد لمن اقترف إثمًا تجاوز أثره، خاصة نفسه، وأصاب غيره من المؤمنين جماعة أو مجتمعًا ذا كيان. أما الصلاة التي أمر بها ولي الأمر أو هي خاصة بالرسول الله ﷺ على ذلك المسلم التائب، فالغرض منها أن تحدث سكينة في قلبه، ولذلك جاء ذكر النتيجة المرجوة منها مسبوقًا بأن التأكيدية والفاصلة بينها وبين جملة الأمر بالصلاة، بخلاف بيان مناط الأمر بأخذ الأموال الذي جاء غير مفصول بينه وبين ذلك الأمر بأي فاصل، حتى لكأنه يشكل جملة واحدة، وإن لم يعتبره النحاة كذلك، تبيانًا لكون التطهير والتزكية هي كفاء ما يؤخذ من أموال التائب. على حين أن الصلاة هي شيء يشبه (الجائزة) فهي تنتج سكينة نفسية من شأنها أن تعيد الطمأنينة إلى قلب المؤمن، وهذه الصلاة – وهي مجرد دعاء – عمل معنوي بحت ونتيجته أيضًا معنوية بحتة على حين أن أخذ الأموال عمل مادي، وكفاؤه (الزكاة) ، شيء مشترك بين النماء والبكرة والطهارة والمدح، فهو أمشاج من ماديات ومعنويات.
ومن عجب أن يزعم عدد من المفسرين والمتفقهة أن الصدقة المأمور بأخذها في هذه الآية هي الزكاة التي هي الركن الثالث من أركان الدين، ولسنا ندري ما شأن الزكاة في هذا المجال؟!.
стр. 3952
فالذين جاء الأمر بأخذ الصدقة منهم أثموا بالتخلف عن غزوة تبوك وعدم الإنفاق عليها، ولم يأثموا بمنع الزكاة، فلماذا يكون قبول توبتهم متعلقًا بأمر لم يفعلوه ولم يأثموا فيه، ولو مضينا مع هؤلاء في قولهم، لوجب تلقائيًا أن نذهب إلى أن هؤلاء المتخلفين كأنهم أثموا أيضًا في صلاتهم، أو كأن رسول الله ﷺ أمر بأن يجعلهم أمامه، وأن يصلي عليهم صلاة لعلها تشبه صلاة الجنازة أو قريبًا منها، وهذا ما لم يقل به أحد، ولا يمكن أن يقول به عاقل، ولو قال به أحد لرد عليه بما ورد في الحديث الشريف من أن رسول الله ﷺ كان يقول أحيانًا عندما يتلقى صدقة – وليس زكاة – من أحد من المسلمين: ((اللهم صل على فلان))
قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ٤. ص: ٥٨. ح ٦٩٥٧) : عن عبد الله بن كثير، عن شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة، قال: اللهم صل عليهم. قال: فأتاه أبي بصدقة، فقال: اللهم صلى على أبي أوفى)) .
وذكر المزي (تحفة الأشراف. ج: ٤. ص ٢٨٧) أن كلا من البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه أخرجوا حديثًا بهذا المعنى، فقال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم صلى على آل فلان ... الحديث. ومنهم من زاد فيه: وكان أبي من أصحاب الشجرة خ في الزكاة (٦٤) ، عن حفص بن عمر. وفي المغازي (٣٦: ١٨) عن آدم. وفي الدعوات (١٩: ٢) عن مسلم بن إبراهيم. و (٣٣: ١) سليمان بن حرب. فرقهما م في الزكاة (٥٥: ١) عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، أربعتهم عن وكيع. و (٥٥: ١) عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه. و (٥٠: ٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن إدريس. د فيه (الزكاة ٧) عن حفص بن عمرو وأبي الوليد. س فيه (الزكاة ١٣) عن عمر بن يزيد، عن بهز بن أسد. ق فيه (الزكاة ٨: ١) عن علي بن محمد، عن وكيع، تسعتهم عن شعبة عنه. ومن أن بعض الرواية ذكر كلمة زكاة بدل كلمة صدقة، فإن ذلك لا يحملنا على الجزم بأن كلمة زكاة هي لفظ عبد الله بن أوفى، فاختلافهم في اللفظ برهان على أنهم أو بعضًا منهم رووه بالمعنى، وليس ما يرجح أن تكون إحدى الروايتين هي اللفظ، ثم إن كلمة زكاة ما لم تدخل عليها (أل) لا سبيل إلى الدعوى بأنها بالضرورة الزكاة المفروضة، كما أوضحنا ذلك في الأصل، وقد أخرجه هذا الحديث فضلًا عمن ذكرنا المفسرون بالمأثور مثل الطبري وأبي حاتم والسيوطي في تفسير الآية موضوع البحث فلتراجع.
стр. 3953
على أن كلمة (الصدقة) لم يقل أحد: إنها تختص بـ: (الزكاة) الركن الثالث من أركان الدين، وقد تكرر ورودها في سورة التوبة، وهي كما ذكرنا آنفًا سورة تتضمن التشريع لما يتصل بالجهاد ممارسته والاستعداد له، وهذا برهان ما بعده من برهان على أن الصدقة في هذه الآية الكريمة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ليست هي الزكاة.
على أن المفسرين الذين وقفنا على آثارهم – ولا نستثني أحدًا – تواضعوا على اعتبار كلمة (الصدقة) و (الصدقات) أغلب ما يكون سريانها على الزكاة، لا سيما في سورة التوبة، وقد سبق أن أوضحنا ظروفها وملابساتها التي لا سبيل إلى تجاهلها عند تفسير آياتها واجتلاء ما تتضمنه من الأحكام، ومن العجب المذهل أنهم لم يعنوا بالالتفات إلى أمر نحسبه أساسيا في صرف كلمة (الصدقة) و (الصدقات) إلى المعنى المراد منها، ذلك أنها وردت في ثلاث آيات كريمة، منها سورة التوبة جمعًا، ووردت إفرادًا في غيرها في نفس السورة وفي سور أخرى، يقول الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١) ثم يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢) ويقول: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) والذي نجزم به ولا نحسبه قابلًا لأي جدل أو مراء أن استعمال صيغة الجمع لا يمكن أن يكون مرادفًا لاستعمال صيغة الإفراد، وأن كل حرف في القرآن بل وكل نقطة وشكلة له ولها حظ أساسي من تبيان وتكييف الحكم أو الدلالة على ما أريد من الكلمة أو الآية الدالة عليها.
ولا سبيل إلى دعوى أن كلمة الصدقات جاءت جمعًا للدلالة على تنوع موارد الزكاة (الإبل والغنم والثمار والورق والذهب) وما إلى ذلك، إذ إن هذه الدعوى إن أمكن الالتفات إليها في تأويله تعالى لتعيين مصارف الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٤) فما الذي يسوغ الالتفات إليها في تأويل قوله ﷻ في التنديد على المنافقين وتبيان ألوان من تصرفاتهم الظاهرة والباطنة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٥) إذ إن الجمع في هذا المقام لا معنى له، ضرورة أن اللمز كان في توزيع الصدقة أيا كان نوعها، ولم يكن مصروفًا إلى الصدقات باختلاف أنواعها في ذاتها ومهما اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، وإن كان في ذي الخويصرة التميمي (حرقوص بن زهير أول إمام للخورج) أو في أبي الجواظ، وكلاهما من المنافقين (٦) فإنهم لن يستطيعوا أن يجزموا بأن المال الذي كان يقسمه رسول الله ﷺ حين لمزوا في قسمته، ففضحهم الله في هذه الآية، كان مال الزكاة، وآية ذلك أنه ما من أحد منهم زعم أن الصدقات في قوله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٧) هي أيضًا الزكاة، وأن اللمز الذي قارفه المفضوحون كان في الأنصبة التي أداها من وجبت عليهم الزكاة، ذلك أولًا: لأن بقية الآية تدمغ بالبطلان مثل هذا الزعم لو حدث، إذ كان وصفًا للمتطوعين الملموزين بأنهم (لا يجدون إلا جهدهم) ، وثانيًا: لأن سبب النزول الذي ذكره المفسرون لهذه الآية يدحض دحضًا حاسمًا كل ادعاء بأن الصدقات فيها يراد بها الزكاة.
стр. 3954
يقول الطبري (١) :
" وذكر أن المعنى بقوله: ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي الأنصاري وأن المعنى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف.
ذكر من قال ذلك
حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من بذهب إلى النبي ﷺ ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء. وقالوا: إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع.
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ خرج على الناس يومًا، فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من أحوجهم بمن من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر، بت ليلتي أجر بالجرير الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال، وقالوا: والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعان بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف رجل من قريش من بني زهرة قال لرسول الله ﷺ : هل بقي من أحد من أهل هذه الصدقات؟ فقال: لا. فقال عبد الرحمن بن عوف: إن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب: أمجنون أنت؟ فقال: ليس بي جنون. فقال: أتعلم ما قلت؟ قال: نعم مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت. وكره المنافقون، فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء. وهم كاذبون، إنما كان به متطوعًا. فأنزل الله عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بصاع من التمر فقال الله في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (٢) .
стр. 3955
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شبل بن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف، فلمزه المنافقون، وقالوا: راءى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ قال رجل من الأنصار: آجر نفسه بصاع من تمر، لم يكن له غيره، فجاء به، فلمزوه، وقالوا: كان الله غنيًا عن هذا.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (١) . قال: أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، فتقرب به إلى الله، فلمزه المنافقون، فقالوا: ما أعطى ذلك إلا رياء وسمعة، فأقبل رجل من المسلمين يقال له: حبحاب أبو عقيل، فقال: يا نبي الله، بت أجر الجرير على صاعين من تمر، أما صاع فأمسكه لأهلي، وأما صاع فها هو ذا. فقال المنافقون: والله، إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله، وكان ماله ثمانية ألف دينار، فتصدق بأربعة آلاف دينار، فقال ناس من المنافقين: إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء، فقال الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) ، وكان لرجل صاعان من تمر، فجاء بأحدهما، فقال ناس من المنافقين: إن كان الله عن صاع هذا لغنيا، فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون منهم، فقال الله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) .
стр. 3956
حدثني المثنى، قال: حدثنى الحجاج بن المنهال الأنماطي، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي سلمة، عن أبيه ((أن رسول الله ﷺ قال: تصدقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، إن عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما إلى الله، وألفين لعيالي، قال: فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت، فقال لرجل من الأنصار: وإن عندي صاعين من تمر؛ صاعًا لربي، وصاعًا لعيالي. قال: فلمز المنافقون، وقالوا: ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياء. وقالوا: أو لم يكن الله غنيًا عن صاع هذا؟ فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ )) الآية (١)
حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال: أصاب الناس جهد شديد، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يتصدقوا، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك له فيما أمسك. فقال المنافقون: ما فعل عبد الرحمن هذا إلا رياء وسمعة، قال: وجاء رجل بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسي بصاعين، انطلقت بصاع منهما إلى أهلي، وجئت بصاع من تمر. فقال المنافقون: إن الله غني عن صاع هذا، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن إسحاق ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (٣) , وكان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف دينار، وعاصم بن عدي أخو بني عجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغب في الصدقة، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف، فتصدق بأربعة آلاف درهم (٤) ، وقام عاصم بن عدي فتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما، وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو أبي أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل.
стр. 3957
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل، قال أبو النعمان: كنا نعمل، قال: فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، قال: وجاء رجل فتصدق بصاع تمر، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١) .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، قال: حدثنا خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه قال: بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب به إلى رسول الله ﷺ ، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: انثره في الصدقة، فسخر المنافقون منه، وقالوا: لقد كان الله غنيًا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآيتين. (٢) .
حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا الجريري، عن أبي السليل، قال: وقف على الحي رجل، فقال: حدثني أبي أو عمي، قال: شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول: من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة؟ قال: وعلي عمامة لي، قال: فنزعت لونًا أو لونين لأتصدق بهما، قال: ثم أدركني ما يدرك ابن آدم، فعصبت بها رأسي، قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلًا أقصر قامة ولا أشد سوادًا ولا أذم لعيني منه، يقود ناقة، لا أرى بالبقيع أحسن منها ولا أجمل منها، قال: صدقة هي يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فدونكها، فألقى بخطامها أو بزمامها. قال: فلمزه رجل جالس، فقال: والله إنه ليتصدق بها ولهي خير منه، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقال: بل هو خير منك ومنها. يقول ذلك نبينا ﷺ .
حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، يقول: الذي تصدق بصاع التمر، فلمزه المنافقون أبو خيثمة الأنصاري
стр. 3958
حدثني المثنى، قال: حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العباداني، قال: حدثني عامر بن يساف اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. فقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياء وسمعة، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع فلان، فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١) يعني عبد الرحمن بن عوف ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) يعني صاحب الصاع ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) .
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أمر النبي ﷺ المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرحمن قد جاء بأربعة آلاف، فقال: هذا مالي أقرضه الله، وقد بقي لي مثله. فقال له: بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. فقال المنافقون: ما أعطى إلا رياء، وما أعطى صاحب الصاع إلا رياء، إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا، وما يصنع الله بصاع من شيء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . (٤) قال: أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتصدقوا، فقام عمر بن الخطاب فألقى مالًا وافرًا، فأخذ نصفه، قال: فجئت أحمل مالًا كثيرًا، فقال له رجل من المنافقين: ترائي يا عمر؟ فقال عمر: أرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا. قال: ورجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فأجر نفسه ليجر الجرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعًا لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان، فذلك قول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ . هذا الأنصاري ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)
стр. 3959
وقال البخاري (١) : " حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود – ﵁ – قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل، فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء، وجاء رجل، فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) .
وقال (٣) : " حدثني بشر بن خالد أبو محمد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: لما أمرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية " (٤) .
وقال مسلم: " حدثني يحيى بن معين، حدثنا غندر، حدثنا شعبة.
وحدثنيه بشر بن خالد واللفظ له، أخبرنا محمد - يعني ابن جعفر - عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: أمرنا بالصدقة، قال: نحامل، قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقته، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ، ولم يلفظ بشر بالمطوعين.
وحدثنا محمد بن بشار، حدثني سعيد بن الربيع.
وحدثنيه إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو داود، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد. وفي حديث سعيد بن الربيع قال: كنا نحامل على ظهورنا ".
стр. 3960
قلت: ارتأيت أن أسوق كل هذه الأسانيد من مصادر مختلفة دون أن أتقصى جميع مواردها لغناء ما اكتفيت به منها إثارًا لاطلاع من قد ينظر في هذا البحث على مجموعة صالحة من ألفاظ هذا الحديث وأسانيده، قد نجعله يطمئن إلى ما انتهى إليه رأينا من تحديد دلالة لفظ " الصدقات " و" الصدقة " في مختلف مواقعه من القرآن الكريم، ذلك بأن هذه الروايات المتعددة والمختلفة الألفاظ والأسانيد اتفقت على شيء واحد على الأقل، هو أن " الصدقات " في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (١) لا يمكن حصر دلالتها على الركن الثالث من أركان الدين، إذ إن الظرف الذي وقعت فيه حادثة المطوعين والذين لا يجدون إلا جهدهم ليس هو ظرف جباية الزكاة وإن اختلفوا في تعيينه. فقال البعض: إنه ظرف تجهيز لغزو، وقال الأكثرون: إنه ظرف جهد أصاب الناس، فأشفق منه رسول الله ﷺ على من أجهدهم، وحرض الناس على الصدقة، وأيا كان فهو ليس ظرف جباية الزكاة، وإن وهم بعض الرواة، فحسبه ظرف جباية الزكاة، وهو وهم ظاهر البطلان، فالمتطوع بأربعة آلاف درهم أو بمائة أوقية ذهبًا أيا كان، سواء كان عبد الرحمن بن عوف أو غيره أو كانوا أكثر من واحد تعدد منهم هذا النوع من التطوع، لا يمكن اعتبار ما جاء به متطوعًا زكاة ما يملك من ورق أو ذهب؛ لأنه لو كان كذلك، لكان مجموع ما يملك ستين ومائة ألف دينارًا أو درهمًا أو أربعة آلاف أوقية ذهبًا، وهذا ما لم يقل به أحد، ولا يمكن أن يتصور في ذلك العهد رأس مال يملكه فرد واحد، كذلك الصاع ونصف الصاع الذي جاء به أبو عقيل أو غيره من ﴿لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) ، لا يمكن أن يكون زكاة؛ لأن الروايات مجمعة على أن صاحب الصاع ونصف الصاع كان يحامل أو آجر نفسه؛ ليحصل على صاعين من تمر، ترك لأهله صاعًا يتبلغون به، وتصدق بالصاع، وإذا اعتبرنا أنه نصاب الزكاة في التمر خمسة أوسق، فإن مقدار ما يصرف منه زكاة، ويجب على صاحبه أن يأتي به رسول الله ﷺ ثلاثين صاعًا إن كان نخله لا يعتمد على السقي، أو خمسة عشر صاعًا إن كان يعتمد عليه، ومن هذا يتضح أن من زعم أن الحادث الذي نزلت بسببه الآية كانت له صلة بالزكاة كان واهمًا، أو كان من رووا عنه واهمين.
نخلص من هذا كله إلى أن كلمة الصدقة مفردة أو جمعًا في مختلف مواقعها من سورة التوبة لا سبيل إلا حصر دلالتها في الزكاة، ومعنى ذلك أن رسول الله صل حين أمر بأن يأخذ الصدقة من ﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا﴾ (٣) وبأن يصلي عليهم، إنما كان ذلك الأمر تشريعًا مستقلًا عن تشريع الزكاة، أنه نمط من العقاب لمن أمسك عن الإنفاق في سبيل الله ساعة حاجة المسلمين إلى الإنفاق، أما عند الخروج للجهاد، وإما قبل ذلك، ولمجرد الاستعداد له يعاقبه ولي الأمر بأن يأخذ صدقة من ماله، ولم يُر في الآية الكريمة تحديد للمبلغ الذي يأخذه ولي الأمر، وإنما ترك لاجتهاده الذي تأثر بالوضع المالي للمعاقب وبمدى حاجة المسلمين في الظرف الذي أمسك فيه صاحب المال ذلك عن الإنفاق، وهذا تشريع يثبت أن في المال حقا غير الزكاة تمامًا، كما يثبت ذلك قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية (٤) . وقوله ﷻ : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية (٥) .