← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

حدثني المثنى، قال: حدثنى الحجاج بن المنهال الأنماطي، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي سلمة، عن أبيه ((أن رسول الله ﷺ قال: تصدقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، إن عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما إلى الله، وألفين لعيالي، قال: فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت، فقال لرجل من الأنصار: وإن عندي صاعين من تمر؛ صاعًا لربي، وصاعًا لعيالي. قال: فلمز المنافقون، وقالوا: ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياء. وقالوا: أو لم يكن الله غنيًا عن صاع هذا؟ فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ )) الآية (١) حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال: أصاب الناس جهد شديد، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يتصدقوا، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك له فيما أمسك. فقال المنافقون: ما فعل عبد الرحمن هذا إلا رياء وسمعة، قال: وجاء رجل بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسي بصاعين، انطلقت بصاع منهما إلى أهلي، وجئت بصاع من تمر. فقال المنافقون: إن الله غني عن صاع هذا، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن إسحاق ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (٣) , وكان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف دينار، وعاصم بن عدي أخو بني عجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغب في الصدقة، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف، فتصدق بأربعة آلاف درهم (٤) ، وقام عاصم بن عدي فتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما، وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو أبي أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل.

стр. 3957

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل، قال أبو النعمان: كنا نعمل، قال: فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، قال: وجاء رجل فتصدق بصاع تمر، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١) . حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، قال: حدثنا خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه قال: بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب به إلى رسول الله ﷺ ، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: انثره في الصدقة، فسخر المنافقون منه، وقالوا: لقد كان الله غنيًا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآيتين. (٢) . حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا الجريري، عن أبي السليل، قال: وقف على الحي رجل، فقال: حدثني أبي أو عمي، قال: شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول: من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة؟ قال: وعلي عمامة لي، قال: فنزعت لونًا أو لونين لأتصدق بهما، قال: ثم أدركني ما يدرك ابن آدم، فعصبت بها رأسي، قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلًا أقصر قامة ولا أشد سوادًا ولا أذم لعيني منه، يقود ناقة، لا أرى بالبقيع أحسن منها ولا أجمل منها، قال: صدقة هي يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فدونكها، فألقى بخطامها أو بزمامها. قال: فلمزه رجل جالس، فقال: والله إنه ليتصدق بها ولهي خير منه، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقال: بل هو خير منك ومنها. يقول ذلك نبينا ﷺ . حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، يقول: الذي تصدق بصاع التمر، فلمزه المنافقون أبو خيثمة الأنصاري

стр. 3958

حدثني المثنى، قال: حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العباداني، قال: حدثني عامر بن يساف اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. فقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياء وسمعة، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع فلان، فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١) يعني عبد الرحمن بن عوف ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) يعني صاحب الصاع ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) . حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أمر النبي ﷺ المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرحمن قد جاء بأربعة آلاف، فقال: هذا مالي أقرضه الله، وقد بقي لي مثله. فقال له: بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. فقال المنافقون: ما أعطى إلا رياء، وما أعطى صاحب الصاع إلا رياء، إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا، وما يصنع الله بصاع من شيء. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . (٤) قال: أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتصدقوا، فقام عمر بن الخطاب فألقى مالًا وافرًا، فأخذ نصفه، قال: فجئت أحمل مالًا كثيرًا، فقال له رجل من المنافقين: ترائي يا عمر؟ فقال عمر: أرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا. قال: ورجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فأجر نفسه ليجر الجرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعًا لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان، فذلك قول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ . هذا الأنصاري ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)

стр. 3959

وقال البخاري (١) : " حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود – ﵁ – قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل، فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء، وجاء رجل، فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) . وقال (٣) : " حدثني بشر بن خالد أبو محمد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: لما أمرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية " (٤) . وقال مسلم: " حدثني يحيى بن معين، حدثنا غندر، حدثنا شعبة. وحدثنيه بشر بن خالد واللفظ له، أخبرنا محمد - يعني ابن جعفر - عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: أمرنا بالصدقة، قال: نحامل، قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقته، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ، ولم يلفظ بشر بالمطوعين. وحدثنا محمد بن بشار، حدثني سعيد بن الربيع. وحدثنيه إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو داود، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد. وفي حديث سعيد بن الربيع قال: كنا نحامل على ظهورنا ".

стр. 3960

قلت: ارتأيت أن أسوق كل هذه الأسانيد من مصادر مختلفة دون أن أتقصى جميع مواردها لغناء ما اكتفيت به منها إثارًا لاطلاع من قد ينظر في هذا البحث على مجموعة صالحة من ألفاظ هذا الحديث وأسانيده، قد نجعله يطمئن إلى ما انتهى إليه رأينا من تحديد دلالة لفظ " الصدقات " و" الصدقة " في مختلف مواقعه من القرآن الكريم، ذلك بأن هذه الروايات المتعددة والمختلفة الألفاظ والأسانيد اتفقت على شيء واحد على الأقل، هو أن " الصدقات " في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (١) لا يمكن حصر دلالتها على الركن الثالث من أركان الدين، إذ إن الظرف الذي وقعت فيه حادثة المطوعين والذين لا يجدون إلا جهدهم ليس هو ظرف جباية الزكاة وإن اختلفوا في تعيينه. فقال البعض: إنه ظرف تجهيز لغزو، وقال الأكثرون: إنه ظرف جهد أصاب الناس، فأشفق منه رسول الله ﷺ على من أجهدهم، وحرض الناس على الصدقة، وأيا كان فهو ليس ظرف جباية الزكاة، وإن وهم بعض الرواة، فحسبه ظرف جباية الزكاة، وهو وهم ظاهر البطلان، فالمتطوع بأربعة آلاف درهم أو بمائة أوقية ذهبًا أيا كان، سواء كان عبد الرحمن بن عوف أو غيره أو كانوا أكثر من واحد تعدد منهم هذا النوع من التطوع، لا يمكن اعتبار ما جاء به متطوعًا زكاة ما يملك من ورق أو ذهب؛ لأنه لو كان كذلك، لكان مجموع ما يملك ستين ومائة ألف دينارًا أو درهمًا أو أربعة آلاف أوقية ذهبًا، وهذا ما لم يقل به أحد، ولا يمكن أن يتصور في ذلك العهد رأس مال يملكه فرد واحد، كذلك الصاع ونصف الصاع الذي جاء به أبو عقيل أو غيره من ﴿لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) ، لا يمكن أن يكون زكاة؛ لأن الروايات مجمعة على أن صاحب الصاع ونصف الصاع كان يحامل أو آجر نفسه؛ ليحصل على صاعين من تمر، ترك لأهله صاعًا يتبلغون به، وتصدق بالصاع، وإذا اعتبرنا أنه نصاب الزكاة في التمر خمسة أوسق، فإن مقدار ما يصرف منه زكاة، ويجب على صاحبه أن يأتي به رسول الله ﷺ ثلاثين صاعًا إن كان نخله لا يعتمد على السقي، أو خمسة عشر صاعًا إن كان يعتمد عليه، ومن هذا يتضح أن من زعم أن الحادث الذي نزلت بسببه الآية كانت له صلة بالزكاة كان واهمًا، أو كان من رووا عنه واهمين. نخلص من هذا كله إلى أن كلمة الصدقة مفردة أو جمعًا في مختلف مواقعها من سورة التوبة لا سبيل إلا حصر دلالتها في الزكاة، ومعنى ذلك أن رسول الله صل حين أمر بأن يأخذ الصدقة من ﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا﴾ (٣) وبأن يصلي عليهم، إنما كان ذلك الأمر تشريعًا مستقلًا عن تشريع الزكاة، أنه نمط من العقاب لمن أمسك عن الإنفاق في سبيل الله ساعة حاجة المسلمين إلى الإنفاق، أما عند الخروج للجهاد، وإما قبل ذلك، ولمجرد الاستعداد له يعاقبه ولي الأمر بأن يأخذ صدقة من ماله، ولم يُر في الآية الكريمة تحديد للمبلغ الذي يأخذه ولي الأمر، وإنما ترك لاجتهاده الذي تأثر بالوضع المالي للمعاقب وبمدى حاجة المسلمين في الظرف الذي أمسك فيه صاحب المال ذلك عن الإنفاق، وهذا تشريع يثبت أن في المال حقا غير الزكاة تمامًا، كما يثبت ذلك قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية (٤) . وقوله ﷻ : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية (٥) .

стр. 3961

ونتيجة أخرى نستخلصها من وقفتنا هذه عند كلمة " الصدقة " مفردة وجمعًا ومواقعها من سورة التوبة، وهي أن قوله في تعيين مصارف الصدقات الثمانية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (١) . ليس خاصا بمصارف الزكاة الركن الثالث من أركان الدين، وإنما هو شامل لجميع الصدقات ومصارفها، مانع لصرفها في غير تلك المصارف الثمانية. ويتراءى لنا أن بعض المناط في قوله في آخر هذه الآية: ﴿وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢) يشير إلى ذلك، فما كانت الزكاة وحدها مصدرًا يكفل حاجات الأصناف الثمانية، وخاصة ما هو من حاجات الجهاد استعدادًا له وإنفاقًا فيه، ثم إن قوله في آخر هذه الآية: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ نص صريح – في رأينا – على أن في المال حقا غير الزكاة، بدليل أن هذه الجملة لا يمكن أن تكون إلا بيانا للحكم الشرعي الذي نزلت الآية الكريمة لإقراره وتبيانه، وكان استهلالها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ الآية (٣) . ولأمر ما جاءت كلمة " الصدقات" جمعًا لم تأت مفردة، وذلك ما ألمعنا إليه آنفًا من أن الحرف الواحد بل الشكلة والنقطة لا يمكن أن ترد في الكلمة القرآنية إلا لمزيد من المعنى أو لتكييف له أو تحديد، وما من أحد يستطيع أن يزعم ذلك. ونحسب أننا قد أتينا على الكفاية والغناء من الأدلة الحاسمة على أن الزكاة ليست هي كل حق الله في المال، ففيه حقوق غيرها، وعلى أن كلمة " الزكاة " وكلمة " الصدقة " معرفتين أو منكرتين أو جاءت إحداهما مفردة أو جمعًا، لا يمكن حصر دلالتها على الركن الثالث من أركان الدين إلا بقرينة لفظية أو حالية أو محلية أو غيرها من القرائن المعتمدة في الاستدلال، فإذا تقدمت القرينة كانت الكلمة شاملة للحقوق المختلفة في المال، ومنها الركن الثالث من أركان الدين. وقد نعرض إلى أدلة أخرى فيما يستقبلنا من بنود هذا البحث.

стр. 3962

١٤- في المال حق سوى الزكاة نخلص إلى القول مما تقدم أن في المال حقًا سوى الزكاة، وأن هذا الحق يختلف عن الزكاة في أن مقداره غير محدد، وإنما تحدده ظروف وطاقات الناس وأوضاعهم المالية، وأن زمانه غير معين، وإنما تعينه الأحداث والتطورات وما قد يختلف على المجتمع الإسلامي أو جماعة محدودة من المسلمين مشتركة في أوضاعها الحياتية من ملابسات وتطورات وظروف تتصل بالتطور الحضاري أو بمقتضيات الأمن الداخلي أو الخارجي سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، وأن أداء هذا الحق أو القيام به يعني " الإنفاق "، وسنتبين فيما بعد وجوه الإنفاق المطلوب وطرائقه، فليس هو بالضرورة وفي جميع الأوقات والظروف التخلي عن المال المنفق بصورة نهائية، إذ قد يكون شيئًا آخر غير ذلك وقد يعود على المنفق نفسه بالخير الآجل في دنياه فضلًا عن أخراه مما سيأتي بيانه في غير هذا الموضع. حسبنا الآن أن نتبين حقيقة أبرزتها الأدلة القرآنية والسنية التي سقناها فيما سبق على أن الإنفاق الواجب على المكلف ليس منحصرًا في الزكاة، وهذه الحقيقة – وقد سبق أن لفتنا إليها أكثر من مرة – أن ما خوله الله للإنسان من حق الانتفاع بالأرض وما يخرج منها وما يدب عليها من دابة وما يمكن أن تصل إليه يده من جوانب الكون الأخرى مما علت أو سفلت محكوم بالوظيفة التي خلقه الله للقيام بها، وهي خلافته في الأرض خلافة من وظائفها عمله في عمارة الأرض. وبدهي أن خلافة الله تعني التزام العدل في جميع التصرفات، وأن التزام العدل يعني اعتبار مصلحة الجميع قبل مصلحة الفرد إذا تغايرت المصلحتان وقبل أن تتغاير في حقيقة الأمر، إذ هما متكاملتان عند التقدير السليم والنظر العميق البعيد. كما أن عمارة الأرض تقتضى تضافر الجميع على إنجازها واستمرارها وتطويرها وصيانتها كل بحسب ما آتاه الله وفطره عليه من كفاية وفهم واستعداد وعلم، تضافرًا يلتزم باعتبار مصلحة الجميع. وليس مصلحة الجميع، وليس مصلحة الفرد منطلقًا وهدفًا في آن واحد، إذ إن اعتبارها منطلقًا يترتب عليه التوزيع العادل المتساوي لما تطلبه العمارة من الجهد وما تقتضيه من التعاون الصادق الخالص من شوائب الأنانية والمخاتلة والخداع والتغيير.

стр. 3963

في حين أن اعتبارها هدفًا يترتب عنها تلقائيا تجانس المشاعر والتقديرات تجانسًا ينعكس على تكافل الجهود وتكاملها؛ لأن شعور العامل بأن عمله يشمله ويشمل غيره كما أنه مشمول بعدم غيره ينأى به عن كل ما من شأنه أن يحفزه إلى التقصير وإلى المداورة والتهرب، بل ومحاولة الموازنة بين عمله وعمل غيره، فالجميع مدرك مستيقن وهو يبذل ما يبذل من جهد، بأنه إنما يعمل لمصلحته باعتبارها جزءًا من مصلحة غيره. لذلك كان هدف الشارع من الشريعة تحقيق المصلحة العامة وكفالتها وصيانتها من كل ما قد يضر بها أو ينال منها، بل إن الفقهاء الموفقين - وأقول الموفقين عمدًا - أثبتوا بما لا مجال فيه للمراء، أن الشارع اعتبر المصلحة العامة حتى فيما يختص بالعبادات، وإن كانت غير معقولة المعنى، كما يقول جمهور. ولعل من أكثرهم توفيقًا في بيان موقع رعاية المصلحة العامة من الشرع الإسلامي أبا إسحاق الشاطبي ﵀ لذلك نسوق فقرات من أقواله في هذا الشأن قبل أن نمضي فيما نحن بسبيله من تبيان طبيعة المصلحة العامة التي تتعلق بها حقوق في المال غير الزكاة. قال ﵀ (١) : " ... إن وضع الشرائع، إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا. وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، وكما اضطر - أي: الرازي - في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية، أثبت على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام الخاصة". ثم قال: " والمعتمد إنما هو أنَّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢)

стр. 3964

وبعد أن ساق أمثلة أخرى من القرآن الكريم والحديث الشريف قال: "وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد. ثم قال (١) : "تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية. فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت، لم تجر مصالح الدين على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والخسران المبين ". قلت: تأمل جيدًا قوله: " (إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت وحياة ". ثم قال (٢) : ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. وقد قالوا: إنها مراعاة في كل علية، وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع، دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة ". ثم قال (٣) : وأما التحسينات فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق ". وسنعود إلى الشاطبي، لكنا قبل ذلك ننقل أقوالًا لغيره، منها ما يتسق مع أقواله، ومنها ما لا يتغاير معها، وإن لم يلتزم نفس منهجه في التفكير والاستنباط على أنه يقرر القاعدة نفسها التي قررها هو.

стр. 3965

قال ابن قيم الجوزية (١) : وقع بسبب الجهل غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ ، أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصورن وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطي العالم، رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. وقال الآمدي (٢) : "المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين بالنسبة إلى العبد لتعالي الرب تعالى عن الضرر والانتفاع ". ثم قال: "وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة، فذلك إما أن يكون في الدنيا وإما أن يكون في الآخرة، فإن كان في الدنيا، فشرع الحكم إما أن يكون مفضيًا إلى تحصيل أصل المقصود ابتداء أو دوامًا أو تكميلًا.

стр. 3966

وقال الآمدي (١) : "وهو بصدد إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة". وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد، أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الإجماع والمعقول. أما الإجماع فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجود، كما قالت المعتزلة، أو بحكم الاتفاق والواقع من غير وجوب، كقول أصحابنا: وأما المعقول فهو أن الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه إما أن يكون واجبًا أو لا يكون واجبًا. فإن كان واجبًا فلم يخل من المقصود، وإن لم يكن واجبًا ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود لازمًا من فعله ظنا. فإذا كان المقصود لازمًا في صنعه، فالأحكام من صنعه، فكانت لغرض ومقصود. والغرض إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى أو إلى العباد، ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع، ولأنه على خلاف الإجماع، فلم يبق سوى الثاني. وأيضًا فإن الأحكام مما جاء به الرسول، فكانت رحمة للعالمين، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) فلو دخلت الأحكام من حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة، بل نقمة، لكون التكليف بها محض تعب ونصب، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣) فلو كان شرع الأحكام في حق العباد لا لحكمة، لكانت نقمة لا رحمة، لما سبق، وأيضًا قوله ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) (٤) ، فلو كان التكليف بالأحكام لا حكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررًا محضًا، وكان ذلك بسبب الإسلام وهو خلاف النص. وإذا أثبت أن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعًا مستلتزمًا لأمر مصلحي، فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما لم يظهر لنا، لا يمكن أن يكون الغرض، ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم تعبدًا، وهو خلاف الأصل، لما سبق تقريره، فلم يبق إلا أن يكون مشروعًا لما ظهر، فإذا كان ذلك مظنونًا، فيجب العمل به؛ لأن الظن واجب الاتباع في الشرع ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام الشرعية.

стр. 3967

وقال الرازي (١) : في معرض شرحه (بيان علية الوصف بالمناسبة) : "الناس ذكروا في تعريف مناسب شيئين: الأول: أنه الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاء، وقد يعبر عن "التحصيل بجلب المنفعة، وعن الإبقاء بدفع المضرة؛ لأن ما قصد إبقاؤه، فإزالته مضرة، وإبقاؤه دفع للمضرة. ثم هذا التحصيل والإبقاء قد يكون مطردًا، وقد يكون مظنونًا، وعلى التقديرين، فإما أن يكون دينيا أو دنيويا، والمنفعة عبارة عن اللذة أو ما يكون طريقًا إليه، والمضرة عبارة عن الألم أو ما يكون طريقًا إليه، واللذة قيل في حدها: إنها إدراك الملائم، والألم: إدراك المنافي، والصواب عندي أنه لا يجوز تحديدهما؛ لأنهما من أظهر ما يجده الحي من نفسه ويدرك بالضرورة التفرقة بين كل واحد منهما أو بينهما وبين غيرهما، وما كان كذلك يتعذر تعريفه بما هو أظهر منه. الثاني: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، فإنه يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة. أي: الجمع بينهما في سلك متلائم، وهذه الجبة تناسب هذه العمامة، أي: الجمع بينهما متلائم. والتعريف الأول قول من يعلل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح، والتعريف الثاني قول من يأباه. ثم قال (٢) : كون المناسب مناسبًا إما أن يكون لمصلحة تتعلق بالدنيا أو لمصلحة تتعلق بالآخرة. أما القسم الأول فهو على ثلاثة أقسام؛ لأن رعاية تلك المصلحة إما أن تكون في محل الضرورة، أو في محل الحاجة، أما التي في محل الضرورة فهي التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الحسنة، وهي حفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل.

стр. 3968

ثم قال (١) : "المسألة الثالثة في أن المناسبة لا تبطل بالمعارضة، والدليل عليه أن كون الوصف مناسبًا، إنما يكون لكونه مشتملًا على جلب منفعة أو دفع مضرة، وذلك لا يبطل بالمعارضة. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فيدل عليه وجوب الأول، أن المناسبتين المتعارضتين إما أن تكونا متساويتين، أو إحداهما أرجح من الأخرى، فإن كان الأول، لم يكن بطلان إحداهما بالأخرى أولى من العكس، فإما أن تبطل كل واحدة منهما بالأخرى، وهو محال؛ لأن المقتضي لعدم كل واحدة وجود الأخرى والعلة، ولا بد وأن تكون حاصلة مع المعلوم. فلو كان كل واحدة منهما مؤثرة في عدم الأخرى، لزم أن تكونا موجودتين حال كونهما معدومتين، وذلك محال. وإما أن لا تبطل إحداهما بالأخرى عند التعارض وذلك هو المطلوب، وأما إن كانت إحدى المناسبتين أقوى فههنا لا يلزم التفاسد أيضًا؛ لأنه لو لزم التفاسد لكان لما بينهما من المنافاة، لكنا تبينا في القسم الأول أنه لا منافاة بينهما؛ لأنهما اجتمعا وإذا زالت المنافاة لم يلزم من وجود أحدهما عدم الآخر. الثاني: أن المفسدة الراجحة إذا كانت معارضة بمصلحة مرجوحة، فإما أن ينتفي شيء من الراجح لأجل المرجوح، أو لا ينتفي، والأول باطل، والثاني أيضًا باطل؛ لأن القدر الذي يندفع من المفسدة بالمصلحة يكون مساويًا لتلك المصلحة، فيعود التقسيم الأول في ذينك التقديرين المتساويين في أنه ليس اندفاع أحدهما بالآخر أولى من العكس. فإما أن يندفع كل واحد منهما بالآخر، وهو محال، أو لا يندفع واحد منها بالآخر، وهو المطلوب. وأيضًا ليس اندفاع بعض أجزاء الطرف الراجح بالطرف المرجوح وبقاء بعضه أولى من اندفاع ما فرض باقيًا وبقاء ما فرض زائلًا؛ لأن تلك الأجزاء متساوية في الحقيقة ". ثم قال: (وعن ذلك نقول: المصلحة والمفسدة إما أن يتساويا، أو تكون إحداهما راجحة على الأخرى، فعلى تقدير التساوي يندفع كل واحد منهما بالآخر، فلا تبقى لا مصلحة ولا مفسدة، فوجب أن لا يترتب عليها لا مدح ولا ذم، وقد فرضنا ترتبهما عليها. هذا خلف.

стр. 3969

وإن كانت إحدى الجهتين راجحة كانت المرجوحة معدومة، فيكون الحاصل إما المدح وحده أو الذم وحده، وقد فرضنا حصولهما معًا. هذا خلف. ثم قال: "العقلاء يقولون في فعل معين الإتيان به في مصلحة في حقي لولا ما فيه من المفسدة الفلانية ولولا صحة اجتماع وجهي المفسدة والمصلحة وإلا لما صح هذا الكلام ". ثم قال "في إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على العلية: "المناسبة تفيد ظن العلية، والظن واجب العمل به، بيان الأول من وجهين: الأول: أن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد، وهذه مصلحة، فيحصل ظن أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة، فهذه مقدمات ثلاث لا بد من إثباتها بالدليل. أما المقدمة الأولى فالدليل عليها وجوه: أحدها: أن الله تعالى خصص الواقعة المعينة بالحكم المعين لمرجح أو لا لمرجح، والقسم الثاني باطل، وإلا لزم ترجيح أحد الطرفين على الآخر، لا لمرجح، فثبت القسم الأول، وذلك المرجح إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى، أو إلى العبد، والأول باطل بإجماع المسلمين، فتعين الثاني، وهو أنه تعالى إنما شرع الأحكام لأمر عائد إلى العبد. والعائد إلى العبد إما أن يكون مصلحة للعبد أو مفسدته، أو ما لا يكون لا مصلحته ولا مفسدته، والقسم الثاني والثالث باطل باتفاق العقلاء، فتعين الأول فتعين الأول، فثبت أنه تعالى إنما شرع الأحكام لمصالح العباد. وثانيها: أنه تعالى حكيم بإجماع المسلمين، والحكيم لا يفعل إلا لمصلحة، فإن من يفعل لا لمصلحة يكون عابثًا، والعبث على الله محال للنص والإجماع والمعقول. أما النص فقوله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (١) ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطلًا﴾ (٢) ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣) وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على أنه تعالى ليس بعابث، وأما المعقول فهو أن العبث سفه، والسفه صفة نقص، والنقص على الله تعالى محال.

стр. 3970

فثبت أنه لا بد من مصلحة، وتلك المصلحة يمتنع عودها إلى الله تعالى كما بينا، فلا بد من عودها إلى العبد، فثبت أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد. وثالثها: أن الله تعالى خلق الآدمي مشرفًا مكرمًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ (١) ومن كرم أحدًا ثم سعى في تحصيل مطلوبه كان ذلك السعي ملائمًا لأفعال العقلاء مستحسنًا فيما بينهم، فإذا ظن كون المكلف مكرمًا يقتضى أن الله تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة له. ورابعها: أن الله تعالى خلق الآدميين للعبادة لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) والحكيم إذا أمر عبده بشيء، فلابد وأن يزيح عذره وعلته، ويسعى في تحصيل منافعه ودفع المضار عنه، فيصير فارغ البال، ليتمكن من الاشتغال بأداء ما أمره به، والاجتناب عما نهاه عنه، فكونه مكلفًا يقتضي ظن أن الله تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة له. وخامسها: النصوص الدالة على أن مصالح الخلق ودفع المضار عنهم مطلوب الشرع. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤) وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٥) وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمُ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧) ، وقال ﵇: ((بعثت بالحنيفية السهلة السمحة)) قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ١١. ص: ٢٩٢. ح: ٢٠٥٧٤) أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، قال: سُئل النبي ﷺ : أي الدين أفضل؟ قال: ((الحنيفية السمحة)) . وقال أحمد (المسند. ج: ١. ص: ٢٢٦) : حدثنى يزيد، قال: أنبأنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: ((الحنيفية السمحة)) .

стр. 3971

وقال (المسند. ج: ٥. ص: ٢٦٦) : حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى من الدنيا، ثم قال: وإني أتيت نبي الله ﷺ ، فذكرت ذلك، فإن أذن لي فعلت، وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله، مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتنى نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا، قال: فقال النبي ﷺ : ((إنما لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغدوة وروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة)) . وقال (المسند. ج: ٦. ص: ١٧٧ و٢٣٣) : حدثنا سليمان بن داود , قال: حدثنا عبد الرحمن , عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: ((لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة.)) وحدثنا سليمان بن داود، أنبأنا ابن أبي الزناد , عن أبي الزناد قال: قيل لي: إن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: ((لتعلم يهود أن في ديننا فسحة , إني أرسلت بحنيفية سمحة)) وأورده البخاري تعليقا في باب "الدين يسر " من (كتاب الإيمان. ج: ١. ص: ١٥) وقال ابن حجر: (في تعليق التعليق. ج: ٢. ص: ٤٠ وما بعدها) : أخبرنا عبد الله بن عمر الحلاوي , أنبأنا أحمد بن محمد حنفجلة , أنبأنا عبد اللطيف الحراني , أنبأنا أبو محمد بن صاعد , أنبأنا أبو القاسم الكاتب , أنبأنا الحسن بن علي المذهب , أنبأنا أبو بكر بن مالك , حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد , حدثني أبي , حدثنا يزيد بن هارون , أنبأنا محمد بن إسحاق , عن داود بن الحصين , عن عكرمة , عن ابن عباس قال: ((قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة)) . ورواه البخاري في كتابه الأدب المفرد عن صدقة بن الفضل , عن يزيد بن هارون. وهكذا رواه عبد الأعلى وعبد الرحمن بن مغراء وعلي بن مجاهد وغيرهم , عن محمد بن إسحاق , ولم أره من حديثه إلا معنعنا , وله شاهد من مرسل صحيح الإسناد , قال ابن سعد في الطبقات: أنبأ عارم بن الفضل , حدثنا حماد بن زيد , حدثنا معاوية بن عياش الجرمي , عن أبي قلابة. فذكره في قصة. وله شاهد آخر صحيح مرسل أيضا , رواه أبو اليمان في نسخته , عن شعيب , عن الزهري , عن عمر بن عبد العزيز , عن أبيه , ((عن النبي ﷺ أنه سئل عن الدين , أيه أفضل؟ فقال: الحنيفية السمحة)) . أنبئته عن غير واحد , منهم أبو الربيع بن قدامة , عن إبراهيم بن محمود الأزجي , أنبأنا عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي , أنبأنا هبة الله بن أحمد , أنبأنا أبو القاسم بن بشران , أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان , حدثنا عبد الكريم بن الهيثم حدثنا أبو اليمان به.

стр. 3972

ورواه البزار في مسنده من حديث عمر بن عبد العزيز , عن أبيه , عن جده , وفي إسناده عبد العزيز بن أبان , وهو متروك , ولم يخرج الحديث عن كونه مرسلا؛ لأن مروان جد عمر بن عبد العزيز لا يصح له صحبة ولا سماع , وله شاهد آخر مرسل , قال عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا ابن أبي رواد , عن محمد بن واسع , عن النبي ﷺ . قلت: إن ابن حجر لديه نسخة من مصنف عبد الرزاق تختلف عن التي بين أيدينا , فقد سبق أن نقلنا الحديث عن عبد الرزاق في هذا التعليق بسند مختلف. فتأمل. وكذلك سبق أن نقلنا عن أحمد الحديث الذي نقله ابن حجر بعد حديث عبد الرزاق ضمن ما نقلناه من مسند أحمد. ثم قال: وفي الباب عن أبي بن كعب وجابر وابن عمر وأبي إمامة وأبي هريرة وأحمد بن عبد الله الخزاعي وغيرهم. وقال الطبراني (المعجم الكبير. ج: ١١ ص: ٢٢٧. ح: ١١٥٧١) : حدثنا أحمد بن داود المكي , حدثنا أحمد بن عمر الرازي , حدثنا عبد الرحمن بن مغراء , عن محمد بن إسحاق , عن داود بن الحصين , عن عكرمة , عن ابن عباس قال: ((قيل: يا رسول الله , أي الإسلام أفضل؟ قال: "حنيفية سمحة.)) وقال: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) (١) . وسادسها: أنه وصف نفسه بكونه رؤوفًا رحيما بعباده , وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢) , فلو شرع ما لا يكون للعبد فيه مصلحة , لم يكن ذلك رأفة ورحمة. وقال ابن قدامة المقدسي (٣) "متى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها , فقيل: إن المناسبة تنتفي، فإن تحصيل المصلحة على وجه يتضمن فوات مثلها أو أكبر منها , ليس من شأن العقلاء , لعدم الفائدة على تقدير التساوي وكثرة الضرر على تقدير الرجحان , فلا يكون مناسبًا , إذ المناسب إذا عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول , فيعلم أن الشارع لم يرد بالحكم تحصيلًا للمصلحة في ضمن الوصف المعين , وهذا غير صحيح , فإن المناسب المتضمن للمصلحة , والمصلحة أمر حقيقي لا ينعدم بمعارض , إذ ينتظم من العاقل أن يقول: لي مصلحة في كذا , يصدني عنه ما فيه من الضرر من وجه آخر , وقد أخبر الله تعالى أن في الخمر والميسر منافع للناس , وأن إثمهما أكبر من نفعهما.

стр. 3973

فلم ينف منافعهما مع رجحان إثمهما , والمصلحة جلب المنفعة أو دفع المضرة , ولو أفردنا النظر إليها غلب على الظن ثبوت الحكم من أجلها , وإنما يختل ذلك الظن مع النظر إلى المفسدة اللازمة من اعتبار الوصف الآخر , فيكون هذا معارضًا , إذ هذا حال كل دليل له معارض , ثم ثبوت الحكم مع وجود المعارض لا يعد بعيدًا , ونظيره ما لو ظفر الملك بجاسوس لعدوه , فإنه يتعارض في النظر اقتضاءان؛ أحدهما: قتله دفعًا لضرره , والثاني: الاحسان إليه استمالة له لتكشيف حال عدوه , فسلوكه إحدى الطريقين لا يعد عبثًا , بل يعد جريًا على موجب العقل , ولذلك ورد الشرع بالأحكام المختلفة في الفعل الواحد نظرًا إلى الجهات المختلفة , كالصلاة في الدار المغصوبة , فإنها سبب للثواب من حيث إنها صلاة , وللعقاب من حيث إنها غصب , نظرًا إلى المصلحة والمفسدة , مع أنه لا يخلو إما أن يتساويا , أو يرجح أحدهما , فعلى تقدير التساوي لا تبقى المصلحة مصلحة , ولا المفسدة مفسدة , فيلزم انتفاء الصحة والحرمة , وعلى تقدير رجحان المصلحة يلزم انتفاء الحرمة , وعلى تقدير رجحان المفسدة يلزم انتفاء الصحة , فلا يجتمع الحكمان معًا , ومع ذلك اجتمعا , فدلا على بطلان ما ذكروا. ثم قدرنا توقف المناسبة على رجحان المصلحة , فدليل الرجحان أنا لم نجد في محل الوفاق مناسبًا سوى ما ذكرناه , فلو قدرنا الرجحان , يكون الحكم ثابتًا معقولًا , وعلى تقدير عدمه يكون تعبدًا , واحتمال التعبد أبعد وأندر , فيكون احتمال الرجحان أظهر. ومثال ذلك تعليلنا وجوب القصاص على المشتركين في القتل بحكمة الردع والزجر , كي لا يفضي إسقاطه إلى فتح باب الدماء , فيعارض الخصم بضرر إيجاب القتل الكامل على من لا يصدر منه ذلك , فيكون جوابه ما ذكرناه , والله أعلم ". وبعد هذا الكلام الشريف الذي أوضح به كل من الرازي وابن قدامة - على اختلاف طريقتيهما في التبيان والإيضاح - ما قد يعترض من شبهات يلتبس تمييز الحكم منها على أغلب المتفقهة - لا سيما المقلدة - حين يتراءى شكل من شبهة التعارض بين المصلحة والمفسدة وعسر المراجحة بينهما , وانتهيا معًا إلى تقرير مبدأ استفاض بين الأصوليين وإن لم يوفق أغلبهم إلى مثل ما وفقا إليه من تبيان وتحليل وتعليل , وهو أن جلب المصلحة مقدم على درء المفسدة.

стр. 3974

نعود إلى الشاطبي ﵀ وهو يتميز عنهما - أو بالأحرى عن الرازي , فابن قدامة ليس ببعيد عنه في المنهاج - بأنه لا يوغل في منطقة الحجاج والبرهنة , وإنما يريدها ميسرة بينة , تتجاوب معها العقول والمدارك دون الحاجة إلى جهد يوغلها فيه افتعال المقدمات وابتغاء النتائج , أو بعبارة أدق وأوجز "فلسفة التعقيد التي كثيرًا ما تؤدي بأمثال الرازي يغفر الله له إلى مفازات من التعقيد إن لم تستعسر على العقول غير المهيأة , فلا أقل من أن تثقل عليها ونسوق كلام الشاطبي متتاليًا دون تعقيب , إذ سوف نقف عقب هذا الاستدلال بكلام السلف وقواعدهم موقفًا مستطيلًا لتبيان مدى علاقة تكييف تصرف الإنسان فيما خوله الله من مال بمقتضيات هذه القواعد التي بسطها أئمة أصول الفقه ومهدنا لها - قبل أن نسوق نصوصهم - بما سقناه من نصوص الكتاب والسنة , وفي وقفتنا تلك سنتوجها أيضًا بنصوص أخرى. قال الشاطبي ﵀ (١) : في معرض بيان (أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها , فلا يصح اشتراطها عند ذلك) . "وكذلك الجهاد مع ولاة الجور , قال العلماء بجوازه، قال مالك: لو ترك ذلك لكان ضارا على المسلمين , فالجهاد ضروري , والوالي فيه ضروري , والعدالة فيه مكملة للضرورة , والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال لم يعتبر , لذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي ﷺ . قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ٥. ص: ٢٧٨ إلى ٢٨٠ ح: ٩٦٠٧ إلى ٩٦١٩) : عن معمر , عن الزهري , عن محمود بن الربيع , أن أبا أيوب الأنصاري غزا مع يزيد بن معاوية الغزوة التي مات فيها. وعن معمر , عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان أبو أيوب الأنصاري يغزو مع يزيد بن معاوية , فمرض وهو معه , فدخل عليه يزيد يعوده , فقال له: حاجتك؟ قال: إذا أنا مت فسر بي في أرض العدو ما استطعت , ثم ادفني. قال: فلما مات , سار به حتى أوغل في أرض الروم يوما أو بعض يوم , ثم نزل فدفنه.

стр. 3975

وعن معمر , عن أيوب , عن أبي حمزة الضبعي , قال: قلت لابن عباس: إنا نغزو مع هؤلاء الأمراء , فإنهم يقاتلون على طلب الدنيا , قال: فقاتل أنت على نصيبك من الآخرة. وعن الثوري , عن جابر قال: سألت الشعبي عن الغزو عن أصحاب الديوان أفضل أو التطوع؟ قال: بل أصحاب الديوان، المتطوع متى شاء رجع. وعن ابن التيمي , عن كهمس , قال: قلت للحسن: نغزو مع الأمراء فما يطلعون على أمرهم، غير أنا نسالم إذا سالموا , ونحارب إذا حاربوا. قال: قاتل مع المسلمين عدوهم. وقال ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف. ج: ١٢. ص: ٤٤٩ إلى ٤٥١ , الأثر: ١٥٢٢١ إلى ١٥٢٣١) : حدثنا حفص بن غياث , عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يغزون زمان الحجاج: عبد الرحمن بن يزيد , وأبو سنان وأبو جحيفة، حدثنا عبدة , عن الأعمش , قال: سمعتهم يذكرون أن عبد الرحمن بن يزيد كان يغزو الخوارج في زمان الحجاج يقاتلهم. حدثنا عبدة بن سليمان , عن الأعمش , عن إبراهيم , أنه غزا في زمان الحجاج، حدثنا وكيع , قال: حدثنا مثنى بن سعيد , عن أبي حمزة قال: سألت ابن عباس عن الغزو مع الأمراء وقد أحدثوا. فقال: تقاتل على نصيبك من الآخرة , ويقاتلون عل نصيبهم من الدنيا. حدثنا وكيع , قال: حدثنا حماد بن زيد , عن الجعد أبي عثمان , عن سليمان اليشكري , عن جابر قال: قلت له: أغزو أهل الضلالة مع السلطان؟ قال: اغز , فإنما عليك ما حملت , وعليهم ما حملوا. حدثنا غندر، عن الفزاري، عن هشام، عن الحسن وابن سيرين سُئلا عن الغزو مع أئمة السوء، فقالا: لك شرفه وأجره وفضله، وعليهم إثمهم. حدثنا وكيع، قال: حدثنا مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، قال: قلت لأبي: يا أبة، في إمارة الحجاج أتغزو؟ قال: يا بنى، لقد أدركت أقوامًا أشد بُغضًا منكم للحجاج، وكانوا لا يدعون الجهاد على حال، ولو كان رأي الناس في الجهاد مثل رأيك ما أرى الإتاوة، يعنى الخراج. حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: ذكر له أن أقوامًا يقولون: لا جهاد، فقال: هذا شيء عرض به الشيطان. حدثنا وكيع، قال: حدثنا الربيع بن الصبيح، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: سألت ابن عمر عن الغزو مع أئمة الجور وقد أحدثوا، فقال: اغزوا. حدثنا أحمد بن عبد الله، عن زائدة، عن ليث، قال: كان مجاهد يغزو مع بني مروان، وكان عطاء لا يرى بأسًا. حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: خرج على الناس بعث زمن الحجاج , فخرج فيه عبد الرحمن بن يزيد. وترجم البخاري في صحيحه (ج: ٣. ص: ٢١٥) بحديث لم يسنده , فقال: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر. وأسند بعض الترجمة حديث: الخيول معقود في نواصيها الخير. لكن روى الحديث أبو داود (السنن. ج: ٣. ص: ١٨. ح: ٢٥٣٢) , فقال: حدثنا سعيد بن منصور , حدثنا أبو معاوية , حدثنا جعفر بن برقان , عن يزيد بن أبي نشبة , عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله , ولا تكفره بذنب , ولا تخرجه من الإسلام بعمل , والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل , والإيمان بالأقدار)) .

стр. 3976

وقال في نفس المعنى ولكن بعبارة أخرى (ح: ٢٥٣٣) : حدثنا أحمد بن صالح , حدثنا ابن وهب , حدثني معاوية بن صالح , عن العلاء بن الحرث , عن مكحول , عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير , برا كان أو فاجرًا , والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم , برا كان أو فاجرًا , وإن عمل الكبائر)) . وقال ابن ماجه (السنن. ج: ٢. ص: ٤٨٨. ح: ١٥٢٥) : حدثنا أحمد بن يوسف السلمي , حدثنا مسلم بن إبراهيم , حدثنا الحارث بن نبهان , حدثنا عتبة بن يقظان , عن أبي سعيد , عن مكحول , عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا على كل ميت , وجاهدوا مع كل أمير)) . وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٣. ص: ١٢١) : أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة , حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن صالح , حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح , عن العلاء بن الحارث , عن مكحول , عن أبن هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير , برا كان أو فاجرًا , والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم , برا كان أو فاجرًا , وإن عمل الكبائر , والصلاة واجبة على كل مسلم , برا كان أو فاجرًا , وإن عمل الكبائر)) . ثم قال (١) : " المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية والتحسينية , فلو اختل الضروري بإطلاق , لاختل باختلاله بإطلاق , ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضروري بإطلاق , نعم قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق اختلال الحاجي بوجه ما، وقد يلزم من اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما، فلذلك إذا حوفظ على الضروري , فينبغي المحافظة على الحاجي , وإذا حوفظ على الحاجي , فينبغي أن يحافظ على التحسيني , فثبت أن التحسيني يخدم الحاجي , وأن الحاجي يخدم الضروري , وأن الضروري هو المطلوب ". ثم قال: "وبيان الأول أن مصالح الدين والدنيا مبنية على الأمور الخمسة المذكورة فيما تقدم، فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدنيوي مبنيا عليها , بمعنى إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود - أعني ما هو خاص بالمكلفين والتكليف - وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك، فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى , ولو عدم المكلف لعدم من يتبين , ولو عدم العقل لارتفع التدين , ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء , ولو عدم المال لم يبق عيش - وأعني بالمال ما يقع عليه ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه ويستوي في ذلك الطعام والشراب واللباس على اختلافها وما يؤدي إليها من جميع المتمولات - فلو ارتفع في ذلك لم يكن بقاء , وهذا كله معلوم , ولا يرتاب فيه من عرف ترتيب أحوال الدنيا وأنها زاد للآخرة. ثم قال (٢) : "المصالح المبثوثة في هذه الدار ينظر فيها من جهتين؛ من جهة مواقع الوجود , ومن جهة تعلق الخطاب الشرعي بها، فأما النظر الأول فإن المصالح الدنيوية - من حيث هي موجودة هنا - لا يتخلص كونها مصالح محضة". ثم قال: "كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود , إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات، ويدلك على هذا ما هو الأصل , وذلك أن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبيلين , فمن رام استخلاص جملة فيها , لم يقدر على ذلك". ثم قال: "فإذا كان كذلك , فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب , فإذا كان الغالب جهة المصلحة , فهي المصلحة المفهومة عرفًا , وإذا غلبت الجهة الأخرى , فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب , ويقال فيه: إنه مصلحة , وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب منه , ويقال: إنه مفسدة على ما جرت به العادة في مثله".

стр. 3977

ثم قال: "هذا وجه النظر في المصلحة الدنيوية والمفسدة الدنيوية من حيث مواقع الوجود في الأعمال العادية، وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب بها شرعا , فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد , فهي المقصودة شرعًا , ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل , وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست مقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه , وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد , فرفعها هو المقصود شرعًا , ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسب ما يشهد له كل عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو لذة , فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل , بل المقصود ما غلب في المحل , وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي , كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر. فالحاصل من ذلك أن المصالح المعتبرة شرعًا أو المفاسد المعتبرة شرعًا , هي خالصة غير منسوبة بشيء من المفاسد لا قليلًا ولا كثيرًا , وإن توهم أنها مشوبة , فليست في الحقيقة الشرعية كذلك؛ لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة إنما المراد بها ما يجري في الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة , وهذا المقدار هو الذي قيل: إنه غير مقصود للشارع في شرعية الأحكام ". ثم قال (١) . "وأما إذا كانت المصلحة أو المفسدة خارجة عن حكم الاعتياد بحيث لو انفردت لكانت مقصودة لاعتبار الشارع , ففي ذلك نظر ". ثم قال: "فلا يخلو إما أن تتساوى الجهتان , أو تترجح إحداهما على الأخرى، فإن تساوتا فلا حكم من جهة المكلف بأحد الطرفين دون الآخر إذا ظهر التساوي بمقتضى الأدلة , ولعل هذا غير واقع في الشريعة ".

стр. 3978

ثم قال: "وأما إن ترجحت إحدى الجهتين، على الأخرى فيمكن أن يقال: إن قصد الشارع "غير " (١) متعلق بالجهة الأخرى , إذ لو كان متعلقًا بالجهة الأخرى لما صح الترجيح ولا كان الحكم , كما إذا تساوت الجهتان فيجب الوقف , وذلك غير صحيح مع وجود الترجيح". وقال الشاطبي أيضًا (٢) : "مقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لا تختص بباب دون باب , ولا بمحل دون محل , ولا بمحل وفاق دون محل خلاف , وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقًا في كليات الشريعة وجزئياتها". ومن الدليل على ذلك ما تقدم في الاستدلال على مطلق المصالح , وأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد , ولو اختصت لم تكن موضوعة للمصالح على الإطلاق , لكن البرهان قام على ذلك , فدل على أن المصالح فيها غير مختصة ". ثم قال (٣) : "جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونًا فيه على ضربين: أحدها: أن لا يلزم منه إضرار للغير , والثاني: أن يلزم منه ذلك، وهذا الثاني ضربان؛ أحدهما: أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار , كالمرخص في سلعته قصدًا لطلب معاشه وصَحِبه قصد الإضرار بالغير , والثاني: أن لا يقصد إضرارًا بأحد، وهو قسمان؛ أحدهما: أن يكون الأضرار عاما , كتلقي السلع وبيع الحاضر للبادي , والامتناع من بيع داره أو فدانه , وقد اضطر إليه الناس لمسجد جامع أو غيره. والثاني: أن يكون خاصا , وهو نوعان؛ أحدهما: أن يلحق الجالب أو الدافع بمنعه من ذلك ضرر , فهو محتاج إلى فعله , كالدافع عن نفسه مظلمة , يعلم أنها تقع بغيره أو يسبق إلى شراء طعام أو ما يحتاج إليه أو إلى صيد أو إلى حطب أو ماء أو غيره عالمًا إذا جازه استضر غيره بعدمه , ولو أخذ من يده استضر. والثاني: أن لا يلحقه بذلك ضرر , وهو على ثلاثة أنواع: أحدها: ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعيا , أعني القطع العادي , كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه بلا بد، وشبه ذلك. والثاني: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرًا كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه , وأكل الأغذية التي غالبها أن لا تضر أحدًا , وما أشبه ذلك.

стр. 3979

والثالث: ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا نادرًا , وهو على وجهين؛ أحدهما: أن يكون غالبًا , كبيع السلاح من أهل الحرب , والعنب من الخمار , وما يغش به ممن شأنه الغش ونحو ذلك. والثاني: أن يكون كثيرًا لا غالبًا , كمسائل بيوع الآجال , فهذه ثمانية أقسام. فأما الأول فباق على أصله من الإذن , ولا إشكال فيه , ولا حاجة إلى الاستدلال عليه؛ لثبوت الدليل على الإذن ابتداء. وأما الثاني فلا إشكال في منع القصد إلى الإضرار من حيث هو إضرار لثبوت الدليل على أن لا ضرر ولا إضرار في الإسلام , لكن يبقى النظر في هذا العمل الذي اجتمع فيه قصد نفع النفس وقصد إضرار الغير , هل يمنع منه فيصير غير مأذون به , أم يبقى على حكمه الأصلي من الإذن , ويكون عليه إثم ما أفسد؟ هذا مما يتصور فيه الخلاف على الجملة , وهو جار على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة , ومع ذلك فيحتمل في الاجتهاد تفصيلًا , وهو أنه إما أن يكون إذا رفع ذلك العمل وانتقل إلى وجه آخر في استجلاب تلك المصلحة أو درء تلك المفسدة , حصل له ما أراد أولا , فإن كان كذلك , فلا إشكال في منعه منه؛ لأنه لا يقصد ذلك الوجه لأجل الإضرار , فلينتقل عنه , ولا ضرر عليه , كما يمنع من ذلك الفعل إذا لم يقصد غير الإضرار , وإن لم يكن له محيص عن تلك الجهة التي ينظر منها الغير , فحق الجالب أو الدافع مقدم , وهو ممنوع من قصد الإضرار , ولا يقال: إن هذا تكليف بما لا يطاق , فإنه إنما كلف بنفي قصد الإضرار , وهو داخل تحت الكسب , لا بنفي الإضرار بعينه. وأما الثالث - ويعني به أن يكون الإضرار عامًا - فلا يخلو أن يلزم من منعه الإضرار به , بحيث لا ينجبر أولا، فإن لزم , قدم حقه على الإطلاق على تنازع يضعف مدركه من مسألة الترس التي فرضها الأصوليون , إذا تترس الكفار بمسلم , وعلم أن الترس إذا لم يقتل استوصل أهل الإسلام , وإن أمكن انجبار الإضرار ورفعه جملة , فاعتبار الضرر العام أولى , فيمنع الجالب أولًا الدافع مما هم به؛ لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة بدليل النهي عن تلقي السلع وعن بيع الحاضر للبادي واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة , وقد زادوا في مسجد رسول الله ﷺ من غيره مما ومتى رضي أهله وما لا، وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص , ولكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة.

стр. 3980

وقال الشاطبي (١) : "لما أثبتت الشريعة على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينات , وكانت هذه الوجوه مثبوثة في أبواب الشريعة وأدلتها غير مختصة بمحل دون محل , ولا باب دون باب , ولا قاعدة دون قاعدة , كان النظر الشرعي فيها أيضًا عامًا لا يختص بجزئية دون أخرى , لأنها كليات تقضي على كل جزئي تحتها , وسواء علينا أكان جزئيًا إضافيا أم حقيقيا , إذ ليس فوق هذه الكليات كل تنتهي إليه , بل هي أصول الشريعة , وقد تمت , فلا يصح أن يفقد بعضها حتى يفتقر إلى قياسها بإثبات أو غيره , فهي الكافية في مصالح الخلق عمومًا وخصوصًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) وفي الحديث: ((تركتكم على الجادة)) (٤) وقوله: ((لا يهلك على الله إلا هالك)) قال أحمد في (المسند. ج:١. ص: ٢٧٩) : حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان , حدثنا الجعد أبو عثمان , عن أبي رجاء العطاردي , عن ابن عباس , عن رسول الله ﷺ فيما روى عن ربه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربك ﵎ رحيم , من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة , فإن عملها كتبت له عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة , ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة , فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله تعالى , ولا يهلك على الله إلا هالك)) . وقال مسلم (على هاش شرح النووي. ج: ٢. ص: ١٤٩ و١٥٠) : حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث , عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي , عن ابن عباس , عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات , ثم بين ذلك , فمن هم بحسنة فلم يعملها , كتبها الله عنده حسنة كاملة , وإن هم بها فعملها , كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة , وإن هم بسيئة فلم يعملها , كتبها الله عنده حسنة كاملة , وإن هم بها فعملها , كتبها الله سيئة واحدة)) .

стр. 3981

وقال الدارمي (السنن. ج: ٢. ص: ٣٢١) : حدثنا عفان , حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا الجعد أبو عثمان , قال: سمعت أبا رجاء العطاردي , قال: سمعت ابن عباس , عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: ((قال رسول الله ﷺ : إن ربكم رحيم , من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة , فإن عملها كتبت عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة , ومن هم بسيئة فلم يعملها , كتبت له حسنة , فإن عملها كتبت واحدة أو يمحوها , ولا يهلك على الله إلا هالك)) . ونحو ذلك من الأدلة على تمام الأمر وإيضاح السبيل. وإذا كان كذلك , وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة فما تحتها مستمدة من تلك الأصول الكلية - شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات - فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس , إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كليتها، فمن أخذ بنص مثلًا في جزئي معرضًا على كليه , فقد أخطأ , وكما أن من أخذ بالجزئي معرضًا عن كليه , فهو مخطئ , كذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئيه. وقد آثرنا أن نسوق كل هذه النصوص وفي بعضها طول , وبعضها يتضمن في ثناياه ما لا يتصل بموضوعنا مباشرة , لنضع بين يدي من قد يتفضل بالاطلاع على هذا البحث وتمحيصه ما نحسبه من النصوص يغنيه عن الاضطرار إلى مراجعة مصادر مما رجعنا إليه أو على شاكلتها استبانة أو تأكدًا من سلامة النقل أو استقامة الاحتجاج أو شمول الاعتبار لمختلف الاتجاهات والمدارس الأصولية والفقهية فيما نقلناه واعتمدناه , ونحن نتلمس في مسيرتنا ما يتراءى لنا صراطا مستقيما إلى استبانة الحق وتجليته من أهواء وأوهام تداولته بطرائق شتى , فجللته بألوان من الارتياء والتأويل والتوجيه نحسبها - إن لم نكن مخطئين - جنحت عن القصد , وأوغلت في الجنوح. ذلك بأن موضوع "انتزاع الملك للمصلحة العامة"على ضوء التشريع الإسلامي اضطربت فيه آراء من تناولوه بالدراسة والبحث , فأنكره البعض , ورأوه ضربًا من الاعتداء على حرمة أموال الناس التي ثبت في السنة والكتاب عظمتها من الاعتداء والتنديد على من تجاوز فيها حدود الله والوعيد له بأشد العقاب، ونحن والمسلمون كافة مع هؤلاء فيما حاولوا الاستناد إليه من النصوص والأحكام التي هي من بدهيات التشريع الإسلامي , ولكنا نختلف معهم , وننكر عليهم فيما خلصوا إليه من الرأي وركنوا إليه من الحكم واعتمدوا عليه من طرائق التشريع.

стр. 3982

على حين أقره الآخرون على اختلاف بينهم في مدى وطرائق الإقرار , بيد أنهم - حسب ما انتهى إليه علمنا - اتففوا على اعتبار إقراره منطلقًا من قاعدة " المصلحة المرسلة " ومضى كل فريق يتسقط الحجج , ويلتقط النصوص تأكيدًا لما ذهب إليه من اعتبار "المصلحة المرسلة " هي القاعدة الوحيدة المحكمة في هذا الشأن. ونحن نتفق مع هؤلاء في أن (المصلحة) هي منطلق الحكم في هذا المجال , بيد أننا نختلف معهم في طبيعة هذه المصلحة , فهي عندنا ليست " المصلحة المرسلة " وإنما هي " المصلحة العامة " التي هي مناط التشريع الإسلامي ومن أبرز أنواع المناط في جميع مجالاته وخاصة المعاملات. وشتان بين اعتبار "المصلحة المرسلة " واعتبار "المصلحة العامة " قاعدة في الحكم , إذ إن اعتبار "المصلحة المرسلة" يعني أن الحكم مجرد اجتهاد , والحكم الاجتهادي هو عندنا أضعف الأحكام , حتى وإن اعتمد على القياس الصحيح السليم , فكيف إذا اعتمد على مجرد اعتبار "المصلحة المرسلة ". أما اعتبار المصلحة العامة هي القاعدة , بصفتها مناط التشريع , فمرده ليس إلى "الاجتهاد المجرد" , وإنما إلى الفهم القائم على الاستقراء والاستقصاء للنصوص والآثار , ثم اجتلائها وتقييمها في نطاق ظروفها وملابساتها ودون إغفال ما قد يتراءى للبعض بين بعض النصوص والآثار من تغاير أو تناقض أو اضطراب أو ضعف , ودون إغفال أيضًا لتمحيص هذا الذي يتراءى لهؤلاء تمحيصًا ينأى عن التقليد , ولا يعتمد إلا على اعتبار الدلالات الدقيقة والأسباب المجردة عند تقدير كل عنصر من تلك العناصر (التعارض , والتغاير , والتناقض , والاضطراب والضعف) . وواضح وضوحًا لا مجال للمراء فيه أن الحكم الذي يثبت بنص من الكتاب أو السنة - فكيف إذا كان بنص منهما معًا - باعتباره من مشمولات دلالته أو مناطه أو هما معًا , أقوى وأرسخ وألزم بمراحل بعيدة من ذلك الذي يثبت أو يراد إثباته بمجرد اجتهاد منطلق من تقدير شخصي مهما استفرغ فيه من جهد لقاعدة " المصالح المرسلة " ومدى التطابق بينها وبين الأمر الذي يراد الحكم فيه اعتمادًا عليها.

стр. 3983

١٥ - حق التصرف بمقتضى المصلحة العامة على أن المصير إلى تحرير الحكم الشرعي في "انتزاع الملك للمصلحة العامة " يستلزم تحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان وما تحت يده من ثابت ومتنقل. وقد ألمعنا إلى رأينا في هذا الشأن إلماما عارضًا حين وقفنا عند دلالة اللام في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) وأوضحنا اعتمادنا القول بأنها للاختصاص ليست للملك , كما رأى الجمهور , واستظهرنا هنالك بآثار بعض المفسرين , ونريد أن نعود إلى الوقوف عند معنى اللام؛ لأن تحديده بدقة هو المنطلق الأساسي - في تقديرنا - إلى تحديد الحكم الذي نحن بسبيل البحث فيه , ووقفتنا هذه ترتكز على ثلاث ركائز؛ الأولى: قوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) , وقوله في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٣) والثانية: حديث زيد بن أسلم , عن أبيه , وقد سبق أن نقلناه عن أبي عبيدة وجاء فيه قول عمر ﵃ جميعًا , " قال أسلم: فسمعت رجلًا من بني ثعلبة يقول له: يا أمير المؤمنين , حميت بلادنا , قاتلنا عليها في الجاهلية , وأسلمنا عليها في الإسلام. يرددها عليه مرارًا , وعمر واضع رأسه إليه , ثم إنه رفع رأسه إليه , ثم قال: البلاد بلاد الله , ويحمي النعم مال الله , يحمل عليها في سبيل الله. والثالث: معنى ذكره الأصوليون للام الإضافة , وهو "التصرف" , وننقله عن أبي الوليد الباجي ﵀ فقد أحسن التعبير عنه والتمثيل له قال (٤) : "فأما لام الإضافة فلها خمسة مواضع: الملك , والسبب , والفعل , والاختصاص , واليد والتصرف". ثم قال: وأما اليد والتصرف فنحو قولك: المال للوصي , بمعنى أن له فيه اليد والتصرف. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٥) فأضاف المال إلى الأوصياء لما كان لهم من القيام عليها والتصرف للأيتام فيها".

стр. 3984

قلت: ومن هذا القبيل دلالة اللام في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) فهي عندي لـ"اختصاص" التصرف تمامًا كما هي في الآية السالفة التي استدل بها الباجي لإبراز معنى التصرف فيها، يعضد ذلك جواب عمر لأخي بني ثعلبة حين حاجه بقوله: بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام , إذ إن عمر لم يجبه بصيغة تحتفظ بإضافة البلاد والأرض إلى بني ثعلبة الذين قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام , إنما حاجهم بقوله: البلاد بلاد الله , ويحمي النعم مال الله. الحديث. وما من شك في أن عمر ﵁ عدل عن إضافة الأرض إلى بني ثعلبة , فصرف إضافتها إلى الله عن عمد ولهدف قاصد , بل ولحكم ثابت عنده دل عليه قوله: البلاد بلاد الله , , ويحمي النعم مال الله. ولست أجد نصًا أوثق من هذا يفرق بين "الملكية" و" التصرف" , ذلك بأن المالك هو الأحق , بل صاحب الحق الوحيد فيما يملك إذا تعينت الحاجة إلى "تخصصه " أو "تخصص" ما يتصل به مباشرة بحق المنفعة و"الانتفاع" , وأن من قد يكون خول لها "التصرف" أو جعل له "الاختصاص " في ذلك الملك كله أو بعضه , إنما يكون ذلك الذي خول له أو جعل حين لا تتعين الحاجة إلى أن يستقل المالك أو غيره ممن هو أوثق منه صلة وأولى بالتخويل والتخصيص. فإذا تعينت كان تعينها ناسخًا لأي تخويل أو "تخصيص" أيا كان المخول له "المخصص" , ولسنا نرى لعدول عمر عن إضافة البلاد إلى بني ثعلبة وصرف إضافتها إلى الله وتعليل ذلك الصرف بأن النعم الذي يحمل عليه مال الله , دلالة غير الإصداع بهذا الحكم الحازم الحاسم الذي لا يقبل أي مراء أو تأويل. ولا سبيل إلى القول بأن هشام بن سعد المدني راوي هذا الأثر عن زيد بن أسلم وصفه البعض بأنه "قد يهم" , فأطراف من الحديث وردت بطرق أخرى , وهشام بن سعد روى عنه مسلم والأربعة , ولم يغمز في دينه , والحديث من الشهرة بحيث كان حريا بأن يثير جدلًا بين التابعين من طبقة هشام ومن دونها ومن فوقها لو كان فيه ما رآه المحدثون جديرًا بالجرح أو الريب.

стр. 3985

ثم إن قول عمر هذا ليس بدعًا من عمر , وإنما هو تطبيق لاستمرار حكم كان من عهد موسى ﵇ وحكاه القرآن الكريم عنه في قول الله ﷻ على لسانه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ (١) , فهي ليست لأحد , وهو يورثها من يشاء من عباده , وهؤلاء الذين يشاء - أو اقتضت حكمته وجرى سننه - أن يورثها لهم من عباده , هم الذين أشار إليهم موسى ﵇ نفسه في قوله في الآية التالية لهذه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) , فهو يعدهم بالاستخلاف وينبههم إلى أن الاستخلاف ليس وضعًا مكتسبًا اكتسابًا أبديًا لهم , وإنما هو ابتلاء أو امتحان يظهر الله تعالى به صلاحهم أو عدم صلاحهم له إذ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ . ونظيره قوله في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) , فهي إذن سنة الله في خلقه , يستخلف على الأرض من يشاء من عباده ما أحسنوا خلافته عليها , لا فرق بين مسلم وغير مسلم , وينتزعها منهم إذا أفسدوا , فلم يحسنوا خلافته عليها , لا فرق أيضًا بين مسلم وغير مسلم , وهو لا ينذرهم بانتزاعها فحسب , وإنما ينذرهم بالعقاب على الإفساد , ويبشرهم بالرحمة لمن أناب إليه , وتاب بعد أن أفسد، فالعلاقة بين الإنسان وما خول له من ثابت ومتنقل هي خلافة الله في تصريفه والتصرف فيه , وهي مستمرة ما أحسن القيام بواجبات الخلافة , فزائلة عمن أساء إلى غيره ممن لم يسئ , وقد يكون أصلح , وذلك عندي - ولا شيء غيره , وإن تجمهر المفسرون على غيره - تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٤) , ذلك بأن هذه الآية الكريمة وردت بعد مجموعة من أخبار الأولين أمم وأنبياء ورسل , امتحنوا بألوان من الابتلاء من سراء وضراء , وكان لهم تأثير في تطور الحياة في الأرض , وفيهم داود وسليمان اللذين كانا ملكين , وفيهم زكريا الذي كانت ضراعته إلى الله أن يهبه وريثًا , وبعد حكاية أخبار هذه الأمم وهؤلاء الأنبياء والرسل جاء قوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٥)

стр. 3986

وواضح أن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ , يعني: التمييز بين الإيمان والعمل من الصالحات , وهو نفس التمييز الوارد في قوله في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١) ويعني أيضًا من هم "الصالحون " في قوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٢) , ومن عجب أن يذهب المفسرون في تأويل هذه الآية كل مذهب إلا التأويل الصحيح , فإنهم أهملوه أو غفلوا عنه، ذلك بأن كلمة "الصلاح" وما اشتق منها وقر في أذهانهم وأفهامهم أنها لا تعني في القرآن والحديث إلا الصلاح المؤدي إلى نعيم الآخرة حتى حين ترد في معرض ضبط وتنظيم شؤون الدنيا , وهذا الذي وقر في أذهانهم جعلهم يتكلفون التأويلات لما يكون تأويله ظاهرًا , بل ثابتًا من القرآن الكريم نفسه ومن نسبة الله في كونه، فليس الصلاح الذي معناه التقوى مؤهلًا لصاحبه وحده لأن يكون خليفة الله في الأرض يوكل إليه أمر أعمارها وتطويرها لصالح الناس كافة , إنما الصلاح المؤهل لهذه المهمة هو الكفاية للقيام بها بما تقتضيه مسؤولية خلافة الله ومهمتها , وقد لفت الله الانتباه إلى الحكمة من هذه السنة التي استنها للكون بتعقيبه على الآية الآنفة الذكر بقوله ﷻ : ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (٣) , فجاءت العبارة مسوقة على التذكير في المضاف إليه وصفته، فلم يقل ﷻ : للقوم العابدين. بالتعريف , ومع ذلك اضطرب المفسرون في تأويل هذه الآية واحتاروا اضطرابهم واحتيارهم في تأويل سابقتها , وذهبوا في كل مذهب إلا المذهب الصحيح القويم , وهو أن الصالحين الذين كتب الله في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثونها , هم قوم عابدون , وعبد في هذه الآية ليس من العبادة في دلالتها الشرعية , وإنما هو من أصل دلالتها اللغوية , وهي الذلة والألم الذي يتشكل في بعض حالاته غضبًا , وقد عرفت العرب استعمال كلمة التعبيد بمعنى التذليل , كما عرفت استعمال كلمة عبد - بكسر الباء الموحدة - بمعنى غضب , وقد شاع في ألسنة الناس وصف الطريق السوية بأنها معبدة (٤) .

стр. 3987

ومن عجب أن المفسرين لم يلتفتوا إلى تجرد قوم عابدين من أداة التعريف , فلو أريد بهم القوم العابدون الذين هم الصالحون في رأيهم لما كان لتجريد قوم عابدين من أداة التعريف معنى واضح , ومعاذ الله أن يكون في القرآن تعبير ليس مقصودًا لذاته , وليست صيغته مرادة في دلالته , والمعنى - والله أعلم - أن البشارة بأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون وجهت بلاغًا لقوم يعانون من الذل معاناة تفعم نفوسهم ألمًا حتى لا يتحول الألم فيها إلى نمط من الغضب على الحياة لما يعانون من الذلة والهوان , فهي بشارة وجهت إليهم "بلاغًا " لتعيد إليهم الأمل وتدعوهم إلى الاستعداد بابتغاء المؤهلات التي تجعلهم صالحين لخلافة الله في الأرض بأعمارها مؤهلين لإرثها بصلاحهم له. ونعتقد أن مما يشهد لرأينا هذا , ما وصف به إبراهيم وبنوه من أنهم كانوا عابدين في قوله : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ , فهم موصوفون في هذه الآية الكريمة بالتذلل والخضوع لله وبأنهم أوحي إليهم فعل الخيرات , أي: أنهم يفعلون الخيرات بإلهام من الله وتوفيق , وهذه الخيرات ليست هي العبادات غير المعقولة المعنى والتي تضبط العلاقة بين العبد وربه , وإنما هي شيء يتجاوز مجرد التعبد , كانوا يفعلونه بوحي من الله متقربين إلى الله بالاستذلال له , فهم له عابدون , على أن كلمة عابدين في هذه الآية ليست وصفًا لنكرة , وإنما هي وصف لمعرفة , فهي تختلف صيغة عن كلمة عابدين في الآية السابقة , ومع ذلك فلا تبعد عنها في جوهر معناها , وإن اختلفتا وجهة دلال باختلاف المساق , وهذه من روائع الإعجاز القرآني. وقد وردت كلمة (صلح) ومشتقاتها في القرآن الكريم دالة على غير العبادة والالتزام بها , وإن كان مدلولها داخلًا بالنية عند استحضارها في مضمون العبادة. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أو إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ﴾ (٢) ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٤) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (٥) ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (٦) ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧) ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (٨) ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٩) ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١٠) . ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١١)

стр. 3988

وما نحسب مفسرًا أو متأولًا مستقيم النظر في دلالة الآي مستحضرًا لمواقعها ومساقها ومناسباتها يسيغ لنفسه أن يزعم أن واحدة من هذه الآيات إنما تعني بكلمة " صلح " ومشتقاتها ما يتصل بالتعبد غير المعقول المعنى لله . فالموعودون بالمغفرة والرحمة ممن استزلهم الشيطان بالقذف إن هم تابوا وأصلحوا , ليس إصلاحهم بالضرورة شاملًا للقيام بجميع العبادات المأمور بها؛ لأن إفسادهم الذي استوجبوا من أجله العقاب في الدنيا والحرمان من قبول شهادتهم والوصف بالفسق , إنما هو رمي المحصنات , وبدهي أن الإصلاح المطلوب منهم ليتأهلوا للمغفرة والرحمة هو أن يكذبوا أنفسهم ويشيعوا تبرئة المحصنات مما قذفوهن به إشاعة تشمل مدى ما أشاعوه من قذف , واللذان أُمِر المسلمون بالإعراض عنهما والكف عن إيذائهما لما أتياه من الفاحشة إن تابا وأصلحا , يراد بإصلاحهما الإقلاع عن إتيان الفاحشة , إذ هي الفساد الذي من أجله أمر المسلمون بإيذائها. هذان مثلان من دلالة كلمة "صلح " ومشتقاتها في الآيات التي سقناها براهين على أن القرآن الكريم استعمل هذه الكلمة في مواضع شتى ليس بمعنى التقوى , كما توهم المفسرون في كثير من الآيات , ولكن بمعنى إزالة الفساد المتصل بإحداث الخلل في المجتمع , سواء كان الخلل في المال أو في الأنساب أو في غيرهما مما يتصل بالحياة الاجتماعية أو بمعنى الإسهام في عمارة الأرض وتطوير الحياة البشرية عليها أو ما نسميه اليوم بالإنماء الاقتصادي وتطوير الحضارة , وهذان الأمران؛ الإقلاع عن الفساد , والإسهام في التطوير الحضاري، هما الصلاح المؤهل لخلافة الله في الأرض وإرثها الذي هو إرث التصرف فيها وتصريف نتاجها. ولعلنا قد أوضحنا بما فيه الغناء كل الغناء ما نذهب إليه من أن علاقة الإنسان بما خول له في الأرض وفي الكون من " الثابت " و" المتنقل " هي الاختصاص في التصرف , وهي ما سماه الله بالخلافة حين جعل الإنسان خليفة له في الأرض , وأهلية الإنسان لهذه الخلافة هي التي لم يتبينها الملائكة حين توجسوا من استخلاف الله له , فقالوا إذ قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١) ﴿: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ﴾ (٢)

стр. 3989

وهذا الاختصاص والتصرف أو هذه الكيفية لفهم علاقة الإنسان بالأرض وخلافته عليها هي التي عبر عنها عمر بقوله: البلاد بلاد الله. الحديث. ومع أن ما سقناه من الأدلة على ما ذهبنا إليه من معنى اللام المضافة في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) الآية , أنه لاختصاص التصرف ومن أن هذا الاختصاص والتصرف لا يناط بالإنسان المسلم وحده , وإن كان يؤثر عن غيره إذا تساوى مع غيره أو فضل عنه , وإنما يناط بكل من كان أصلح لممارسته , فإنا نرى للمزيد من التأكيد والإيضاح أن نسوق آيات أخرى من كتاب الله العزيز , لا سبيل أن يزعم أحد عند تأويلها أن اللام فيها للملك , ولا سبيل إلى اعتبار اللام فيها لغير الاختصاص والتصرف. قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) . وقد يتيسر للمفسرين الذين يحبون أن يحصروا دلالة اللام المضافة في الملك أن يزعموا أنها كذلك في إضافة الرزق والفلك , بل وقد يزعمون أنها كذلك أيضًا في الأنهار , ولكن هل يستطيعون أنها كذلك في الشمس والقمر وفي الليل والنهار حتى مع استحضار ما وصل إليه العلم التجريبي الحديث من قدرة الإنسان على استعمال أشعة الشمس كوسيلة من وسائل استنباط الطاقة المتجددة. وعلى هذه الوتيرة جاء قوله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤) وقوله ﷻ ﴿: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ﴾ (٥)

стр. 3990

وما نحسب أحدًا يستطيع أن يزعم للإنسان أي نوع من أنواع الملكية للشمس والقمر والنجوم والبحر وجميع ما في السماوات وما في الأرض وإن طاب لبعض أن يتبجحوا بالقول: "إن الإنسان سيد هذا الكون " , وأغلب هؤلاء إن لم يكونوا جميعًا من الملاحدة أو ممن في إيمانهم دخل. ولا جرم أن علاقة الإنسان بما تصل إليه يده من هذا الكون تنحصر في خلافة الله في التصرف والتصريف وتنضبط باعتبار المصلحة العامة حتى فيما يتراءى له كما لو كان منحصرًا في المصلحة الخاصة في جميع ممارساته , ذلك بأن الفرد لا يملك استقلالا كاملا بمعنى انفصالا مطلقا عن إخوانه كأفراد في المجتمع , ولا عن كيان المجتمع كهيكل متميز فيما قد يتراءى له أنه ذاتي صرف , إذ إن أدنى إغفال - فضلًا عن تجاوز متعمد - لاعتبار مقتضيات المصلحة العامة لا مناص من أن يحدث خللًا فيها بما ينطلق منه من الاعتماد على متطلبات الأنانية الصرفة , وهو خلل كثيرًا ما يتحول إلى فساد هادم , آية ذلك أن الغني حين يتجاهل حقوق الآخرين فيما بين يديه من مال فينفقه مبذرًا مسرفًا , لا محيص من أن ينعكس تصرفه المنحرف على مصالح غيره انعكاسًا ماديا واجتماعيًا وخلقيًا , وذلك بعض ما يمكن استلهامه من قوله : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (١) . ومن التنديد المتكرر في آيات شتى من القرآن الكريم بالترف والمترفين , بل إن القرآن الكريم أوضح عاقبة التبذير بجلاء في نص لا يقبل التأويل , وهو قول الله الحكيم الخبير: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٢) وأخرى ما جاء به الشرع من وجوب الحجر على السفيه إذا صار إليه مال بإرث أو هبة من مثل قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣) , بل إن الشرع الإسلامي جاء بحرمان المعتدي على حقوق غيره حرمانًا كاملًا مما كان مخولًا له اختصاص التصرف فيه , وذلك عقابًا له على الاعتداء ودرءًا لانتشار الطبيعة العدوانية والتصرفات التي لا تراعي حقوق الآخرين. ولعل أبرز مثل وأصرحه لهذا الإجراء ما وقع لسمرة بن جندب.

стр. 3991

قال أبو داود (١) : "حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد، حدثنا واصل مولى أبي عيينة , قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي - يعني الباقر ﵇ يحدث , عن سمرة بن جندب ﵁ ((أنه كانت له عضد (٢) من نخل في حائط رجل من الأنصار , قال: ومع الرجل أهله , قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله , فيتأذى به , ويشق عليه , فطلب إليه أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , فأتى النبي ﷺ , فذكر ذلك له , فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , قال: فهبه له , ولك كذا وكذا. أمرًا رغبه فيه , فأبى , فقال: أنت مضار. فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله)) . وقال البيهقي (٣) : " أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا أبو الربيع , حدثنا حماد بن زيد , عن واصل مولى ابن عيينة , قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث , عن سمرة بن جندب ((أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار , قال: ومع الرجل أهله , وكان سمرة بن جندب يدخل إلى نخله , فيتأذى به ويشق عليه , فطلب إليه أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , فأتى النبي ﷺ , فذكر ذلك , فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , قال: قال: فهبه لي , ولك كذا وكذا. أمرا رغبه فيه , فأبى , فقال: أنت مضار. فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله)) .

стр. 3992

وتعقبه البيهقي بقوله: وقد روي في معارضته ما دل على أنه لا يجبر عليه. ثم قال: "أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا زهير بن محمد , عن عبد الله بن محمد بن عقيل , عن جابر بن عبد الله ((أن رجلًا أتى النبي ﷺ , فقال: إن لفلان في حائطي عذقًا , وقد آذاني وشق علي مكان عذقه. فأرسل إليه نبي الله ﷺ , وقال: بعني عذقك الذي في حائط فلان. قال: لا. قال: فهبه لي. قال: لا. قال: فبعنيه بعذق في الجنة قال: لا. قال رسول الله ﷺ : ما رأيت أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام)) . قلت: ويظهر أن قضية هذا العذق ليست نفس قضية نخلة سمرة , يدل على ذلك ما أعقب به البيهقي روايته لقصة هذا العذق مما يعين صاحبه قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد المزني، حدثنا علي بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب , عن الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب ((أن أول شيء عاتب فيه رسول الله ﷺ على أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق نخلة , فقضى رسول الله ﷺ لأبي لبابة بالعذق , فضج اليتيم واشتكى إلى رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ لأبي لبابة: هب لي هذا العذف يا أبي لبابة لكي نرده إلى اليتميم. فأبى أبو لبابة أن يهبه لرسول الله ﷺ , فقال له رسول الله ﷺ : يا أبا لبابة , أعطه هذا اليتيم ولك مثله في الجنة. فأبى أبو لبابة أن يعطيه , فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله , إن ابتعت هذا العذق فأعطيت اليتيم ألي مثله في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فانطلق الأنصاري وهو ابن الدحداحة حتى أتى أبا لبابة فقال: يا أبا لبابة , أبتاع منك هذا العذق بحديقتي , وكانت له حديقة نخل , فقال أبو لبابة: نعم. فابتاعه منه بحديقة , فلم يلبث ابن الدحداحة إلا يسيرًا حتى جاء كفار قريش يوم أحد , فخرج مع رسول الله ﷺ , فقاتلهم , فقتل شهيدًا , فقال رسول الله ﷺ : رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة)) .

стр. 3993

قلت: ولا تنافي بين القصتين , فقد كان تصرف رسول الله ﷺ في قضية سمرة تصرفًا بحق الإمامة , وسيأتي بعد قليل بيان بالظروف التي يكون فيها للإمام التصرف بحق الإمامة , وكان تصرفه ﷺ في قضية أبي لبابة تصرفًا بمقتضى النبوة , فقد قضى بحق الإمامة لأبي لبابة بالعذق , فلما تأذى منه اليتيم , لم ير أن يقضي له بحق الإمامة ما يدفع عنه الأذى ليس إصرارًا على حكمه الأول , ولكن - حسب ما يدل مصير القضية ومن كان الحل على يديه - لوحي أو مكاشفة من الله لنبيه ﷺ بما سيصير إليه أمر القضية , أو لأنه ﷺ ما زال يأمل في أبي لبابة أن يرجع عن إصراره , لذلك أمهله مليا , ولعله رآه في حالة نفسية متشنجة , فاستأنى به لعله يراجع أمره بعد أن يهدأ. ويشهد لهذا الاحتمال ما جاء في أول القصة في الرواية الثانية للبيهقي: من أن أبا لبابة خاصم يتيما له , ولعل اليتيم كان في حجره أو من قرابته , وأبو لبابة ليس من عامة الصحابة , بل من صفوتهم , فلا يبعد أن يكون رسول الله ﷺ تحرج أو أشفق من أن يصدمه بما يكره , فاستأنى به على أمل أن يفيء إلى الخير , ومهما يكن فإن قصة "العذق " لا تعارض قصة "العضد " كما حاول البيهقي أن يوهم، وقد قالوا في قصة "العضد": إن أبا جعفر بن محمد ﵇ لم يسمع من سمرة , وهذا قريب الاحتمال، فقد توفي سمرة ﵁ وما يزال أبو جعفر طفلًا أو في بداية اليفاعة من سنيه , وقريب جدًا أن لا يكون سمع منه , فيكون الحديث مرسلًا , ولكن بأي مرسل إذا لم نعمل بمراسيل أبي جعفر وأمثاله من أئمة التابعين وأفاضلهم , لا سيما أهل البيت؟! وقد ثبت عن رسول الله ﷺ من الأحكام ما يشبه قضية سمرة أو يقرب منها , من ذلك ما رواه البخاري وغيره من قصة الزبير مع رجل من الأنصار , ولفظه من البخاري (١) :

стр. 3994

"حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني ابن شهاب , عن عروة , عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه حدثه , أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج (١) الحرة التي يسقون بها النخل , فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه , فاختصما عند النبي ﷺ , فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير , ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري , فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبي ﷺ , ثم قال: اسق يا زبير , ثم احبس الماء حتى ترجع إلى الجدر. فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) . وعلى هذا النسق - وربما استلهامًا لقصة الزبير أو استنادا إليها - جرى عمر ﵁ في حكم مماثل , روى البيهقي وغيره واللفظ للبيهقي , قال (٣) : "أخبرنا أبو زكرياء، حدثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك , عن عمرو بن يحيى المازني , عن أبيه , أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض (٤) فأراد أن يمره في أرض لمحمد بن مسلمة محمد بن مسلمة رمز له ابن حجر في (تهذب التهذيب. ج: ٩. ص: ٤٥٤ و٤٥٥. ترجمة: ٧٣٧) بأنه روى عنه الجماعة , وترجم له بأنه محمد بن مسلمة بن سلمة بن حريش الخزرجي الأنصاري الحارثي أبو عبد الله , ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو سعيد المدني , روى عن النبي ﷺ , وعنه ابنه محمود والمسور بن مخرمة وسهل بن أبي سلمة وأبو بردة بن أبي موسى وقبيصة بن ذؤيب والأعرج وضبيعة بن حصين وعروة بن الزبير وغيرهم.

стр. 3995

ونقل عن ابن عبد البر قوله: كان من أفضل الصحابة وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف , استخلفه النبي ﷺ في بعض غزواته على المدينة , ولم يشهد الجمل ولا صفين , ونقل عن ابن سعد قوله: آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح , وعن البرقي قوله: توفي سنة اثنتين وأربعين , وعن المدائني وجماعة مات سنة ثلاث وهو ابن سبع وسبعين سنة , وقيل: سنة ست , وقيل: سنة سبع وأربعين. قال ابن حجر: وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه أن شاميًا من أهل الأردن دخل عليه داره فقتله , وقال ابن شاهين عن ابن أبي داود: قتله أهل الشام , ولم يعين السنة , لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه ﵁ وأرضاه. فأبى محمد , فكلم فيه الضحاك (١) عمر بن الخطاب ﵁ فدعا محمد بن مسلمة , فأمره أن يخلي سبيله , فقال محمد بن مسلمة: لا. فقال عمر ﵁: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافعًا , تشرب به أولًا وآخرًا , ولا يضرك؟ فقال محمد: لا. فقال عمر ﵁: لم تمنع؟ والله ليمرن به ولو على بطنك. وتعقبه البيهقي بقوله: هذا حديث مرسل , وبمعناه رواه أيضًا يحيى بن سعيد الأنصاري , وهو أيضًا مرسل , وقد روي في معناه حديث مرفوع. قلت: لا يضيره الإرسال , فكل من يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني "من الثالثة "، وابنه عمرو من السادسة , ويحيى بن سعيد , سواء كان الأشدق "من الثالثة " أو القطان من كبار التاسعة , ثقات , روى عنهم الستة , فلا يغمز عندنا الإرسال فيما يرسل هؤلاء وأئمتهم الكبار. وسنسوق مزيدًا من الأمثلة المتسقة مع هذه حين نعرض لما خوله الله الإنسان من اختصاص التصرف في المتنقل من المال.
следующие страницы →