قال أبو داود (١) :
"حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد، حدثنا واصل مولى أبي عيينة , قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي - يعني الباقر ﵇ يحدث , عن سمرة بن جندب ﵁ ((أنه كانت له عضد (٢) من نخل في حائط رجل من الأنصار , قال: ومع الرجل أهله , قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله , فيتأذى به , ويشق عليه , فطلب إليه أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , فأتى النبي ﷺ , فذكر ذلك له , فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , قال: فهبه له , ولك كذا وكذا. أمرًا رغبه فيه , فأبى , فقال: أنت مضار. فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله)) .
وقال البيهقي (٣) :
" أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا أبو الربيع , حدثنا حماد بن زيد , عن واصل مولى ابن عيينة , قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث , عن سمرة بن جندب ((أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار , قال: ومع الرجل أهله , وكان سمرة بن جندب يدخل إلى نخله , فيتأذى به ويشق عليه , فطلب إليه أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , فأتى النبي ﷺ , فذكر ذلك , فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه , فأبى , فطلب إليه أن يناقله , فأبى , قال: قال: فهبه لي , ولك كذا وكذا. أمرا رغبه فيه , فأبى , فقال: أنت مضار. فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله)) .
стр. 3992
وتعقبه البيهقي بقوله: وقد روي في معارضته ما دل على أنه لا يجبر عليه.
ثم قال:
"أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا زهير بن محمد , عن عبد الله بن محمد بن عقيل , عن جابر بن عبد الله ((أن رجلًا أتى النبي ﷺ , فقال: إن لفلان في حائطي عذقًا , وقد آذاني وشق علي مكان عذقه. فأرسل إليه نبي الله ﷺ , وقال: بعني عذقك الذي في حائط فلان. قال: لا. قال: فهبه لي. قال: لا. قال: فبعنيه بعذق في الجنة قال: لا. قال رسول الله ﷺ : ما رأيت أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام)) .
قلت: ويظهر أن قضية هذا العذق ليست نفس قضية نخلة سمرة , يدل على ذلك ما أعقب به البيهقي روايته لقصة هذا العذق مما يعين صاحبه قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد المزني، حدثنا علي بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب , عن الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب ((أن أول شيء عاتب فيه رسول الله ﷺ على أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق نخلة , فقضى رسول الله ﷺ لأبي لبابة بالعذق , فضج اليتيم واشتكى إلى رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ لأبي لبابة: هب لي هذا العذف يا أبي لبابة لكي نرده إلى اليتميم. فأبى أبو لبابة أن يهبه لرسول الله ﷺ , فقال له رسول الله ﷺ : يا أبا لبابة , أعطه هذا اليتيم ولك مثله في الجنة. فأبى أبو لبابة أن يعطيه , فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله , إن ابتعت هذا العذق فأعطيت اليتيم ألي مثله في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فانطلق الأنصاري وهو ابن الدحداحة حتى أتى أبا لبابة فقال: يا أبا لبابة , أبتاع منك هذا العذق بحديقتي , وكانت له حديقة نخل , فقال أبو لبابة: نعم. فابتاعه منه بحديقة , فلم يلبث ابن الدحداحة إلا يسيرًا حتى جاء كفار قريش يوم أحد , فخرج مع رسول الله ﷺ , فقاتلهم , فقتل شهيدًا , فقال رسول الله ﷺ : رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة)) .
стр. 3993
قلت: ولا تنافي بين القصتين , فقد كان تصرف رسول الله ﷺ في قضية سمرة تصرفًا بحق الإمامة , وسيأتي بعد قليل بيان بالظروف التي يكون فيها للإمام التصرف بحق الإمامة , وكان تصرفه ﷺ في قضية أبي لبابة تصرفًا بمقتضى النبوة , فقد قضى بحق الإمامة لأبي لبابة بالعذق , فلما تأذى منه اليتيم , لم ير أن يقضي له بحق الإمامة ما يدفع عنه الأذى ليس إصرارًا على حكمه الأول , ولكن - حسب ما يدل مصير القضية ومن كان الحل على يديه - لوحي أو مكاشفة من الله لنبيه ﷺ بما سيصير إليه أمر القضية , أو لأنه ﷺ ما زال يأمل في أبي لبابة أن يرجع عن إصراره , لذلك أمهله مليا , ولعله رآه في حالة نفسية متشنجة , فاستأنى به لعله يراجع أمره بعد أن يهدأ. ويشهد لهذا الاحتمال ما جاء في أول القصة في الرواية الثانية للبيهقي: من أن أبا لبابة خاصم يتيما له , ولعل اليتيم كان في حجره أو من قرابته , وأبو لبابة ليس من عامة الصحابة , بل من صفوتهم , فلا يبعد أن يكون رسول الله ﷺ تحرج أو أشفق من أن يصدمه بما يكره , فاستأنى به على أمل أن يفيء إلى الخير , ومهما يكن فإن قصة "العذق " لا تعارض قصة "العضد " كما حاول البيهقي أن يوهم، وقد قالوا في قصة "العضد": إن أبا جعفر بن محمد ﵇ لم يسمع من سمرة , وهذا قريب الاحتمال، فقد توفي سمرة ﵁ وما يزال أبو جعفر طفلًا أو في بداية اليفاعة من سنيه , وقريب جدًا أن لا يكون سمع منه , فيكون الحديث مرسلًا , ولكن بأي مرسل إذا لم نعمل بمراسيل أبي جعفر وأمثاله من أئمة التابعين وأفاضلهم , لا سيما أهل البيت؟!
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ من الأحكام ما يشبه قضية سمرة أو يقرب منها , من ذلك ما رواه البخاري وغيره من قصة الزبير مع رجل من الأنصار , ولفظه من البخاري (١) :
стр. 3994
"حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني ابن شهاب , عن عروة , عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه حدثه , أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج (١) الحرة التي يسقون بها النخل , فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه , فاختصما عند النبي ﷺ , فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير , ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري , فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبي ﷺ , ثم قال: اسق يا زبير , ثم احبس الماء حتى ترجع إلى الجدر. فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) .
وعلى هذا النسق - وربما استلهامًا لقصة الزبير أو استنادا إليها - جرى عمر ﵁ في حكم مماثل , روى البيهقي وغيره واللفظ للبيهقي , قال (٣) :
"أخبرنا أبو زكرياء، حدثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك , عن عمرو بن يحيى المازني , عن أبيه , أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض (٤) فأراد أن يمره في أرض لمحمد بن مسلمة محمد بن مسلمة رمز له ابن حجر في (تهذب التهذيب. ج: ٩. ص: ٤٥٤ و٤٥٥. ترجمة: ٧٣٧) بأنه روى عنه الجماعة , وترجم له بأنه محمد بن مسلمة بن سلمة بن حريش الخزرجي الأنصاري الحارثي أبو عبد الله , ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو سعيد المدني , روى عن النبي ﷺ , وعنه ابنه محمود والمسور بن مخرمة وسهل بن أبي سلمة وأبو بردة بن أبي موسى وقبيصة بن ذؤيب والأعرج وضبيعة بن حصين وعروة بن الزبير وغيرهم.
стр. 3995
ونقل عن ابن عبد البر قوله: كان من أفضل الصحابة وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف , استخلفه النبي ﷺ في بعض غزواته على المدينة , ولم يشهد الجمل ولا صفين , ونقل عن ابن سعد قوله: آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح , وعن البرقي قوله: توفي سنة اثنتين وأربعين , وعن المدائني وجماعة مات سنة ثلاث وهو ابن سبع وسبعين سنة , وقيل: سنة ست , وقيل: سنة سبع وأربعين.
قال ابن حجر: وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه أن شاميًا من أهل الأردن دخل عليه داره فقتله , وقال ابن شاهين عن ابن أبي داود: قتله أهل الشام , ولم يعين السنة , لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه ﵁ وأرضاه. فأبى محمد , فكلم فيه الضحاك (١) عمر بن الخطاب ﵁ فدعا محمد بن مسلمة , فأمره أن يخلي سبيله , فقال محمد بن مسلمة: لا. فقال عمر ﵁: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافعًا , تشرب به أولًا وآخرًا , ولا يضرك؟ فقال محمد: لا. فقال عمر ﵁: لم تمنع؟ والله ليمرن به ولو على بطنك.
وتعقبه البيهقي بقوله: هذا حديث مرسل , وبمعناه رواه أيضًا يحيى بن سعيد الأنصاري , وهو أيضًا مرسل , وقد روي في معناه حديث مرفوع.
قلت: لا يضيره الإرسال , فكل من يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني "من الثالثة "، وابنه عمرو من السادسة , ويحيى بن سعيد , سواء كان الأشدق "من الثالثة " أو القطان من كبار التاسعة , ثقات , روى عنهم الستة , فلا يغمز عندنا الإرسال فيما يرسل هؤلاء وأئمتهم الكبار.
وسنسوق مزيدًا من الأمثلة المتسقة مع هذه حين نعرض لما خوله الله الإنسان من اختصاص التصرف في المتنقل من المال.
стр. 3996
ونعتقد أنه قد وضح بما يزيل كل اشتباه والتباس ما توخيناه من إثبات الطبيعة الحقيقية لعلاقة الإنسان بما خوله الله من اختصاص التصرف فيما صار إليه بالطرق المشروعة من المال الثابت والمتنقل وطبيعة العلاقة بين تخويله "اختصاص التصرف" وبين استخلافه بذلك التخويل في تصريف ما خول إليه تصريفًا يلتزم بأمرين؛ العمل على زيادة إعمار الأرض أو - بالتعبير الحديث - التطور الحضاري , ورعاية المصلحة العامة باعتبارها المهيمنة وحدها على كل تصرف وتصريف فيما استخلف فيه , وباعتبار المصالح الخاصة لاغية وباطلة إذا تعارضت مع المصلحة العامة؛ لأنها تستحيل عندئذ مفاسد لا ينحصر ضررها وفسادها في المجال العام وحده , وإنما يصيب أول ما يصيب من يتوهم أنها مصالح خاصة له بتأثير النظرة المحدودة واللبس الحاصل من تصورها بمنظور الأنانية الضيقة.
ولا مراء في أن الشريعة الإسلامية اعترفت بالمصالح الفردية وشرعت لها ما يعصمها عند كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي أو الإنساني من عدوان وتجاوز الآخرين , بيد أنها حددت هذه الشرعية وما يترتب عنها من عصمة وصيانة بأن لا تكون هي أيضًا أداة تجاوز وعدوان منه على غيره من أفراد المجتمع أو على كيان المجتمع نفسه , فإذا تجاوزت هذه الحدود انتفت الشرعية؛ لأن المصالح العامة هي معيار كل اعتبار , والمهيمنة على كل تصرف وتصريف وتشريع. إنها بذاتها قاعدة تشريع ومعيار تشريع؛ لأنها المناط الضابط والمتحكم لمقاصد وغايات كل تشريع.
ونرى أن من أبرز ما يعكس تصرفات السلف طبقًا لهذه القاعدة ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ حين عمد إلى توسيع كل من المسجد الحرام والمسجد النبوي.
стр. 3997
قال الأزرقي (١) : أخبرني جدي - يعني أحمد بن محمد بن الوليد - قال: أخبرنا مسلم بن خالد , عن ابن جريج , قال: كان المسجد الحرام ليس عليه جدارات محاطة , إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب , غير أن بين الدور أبوابًا , يدخل منها الناس من كل نواحيه , فضاق على الناس , فاشترى عمر بن الخطاب ﵁ دورًا , فهدمها وهدم على من قرب من المسجد , وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن , وتمنع من البيع , فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة , حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارًا قصيرًا , وقال عمر: إنما نزلتم على الكعبة , فهو فناؤها , ولم تنزل الكعبة عليكم. ثم كثر الناس في زمن عثمان بن عفان ﵁ فوسع المسجد , واشترى من قوم , وأبى آخرون أن يبيعوا , فهدم عليهم , فصيحوا به , فدعاهم , فقال: إنما جرأكم علي حلمي عنكم , فقد فعل بكم عمر هذا فلم يصح به أحد , فاحتديت على مثله فصيحتم بي , ثم أمر بهم إلى الحبس , كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فتركهم.
وقال الطبري (٢) :
"وفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - اعتمر عمر , وبنى المسجد الحرام فيما زعم الواقدي , ووسع فيه , وأقام بمكة عشرين ليلة , وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا , ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها ".
وقال (٣) : "وقال الواقدي: فيها زاد عثمان في المسجد ووسعه , وابتاع من قوم وأبى آخرون , فهدم عليهم , ووضع الأثمان في بيت المال , فصيحوا بعثمان , فأمر بهم بالحبس , وقال: أتدرون ما جرأكم علي , ما جرأكم علي إلا حلمي , قد فعل هذا بكم عمر , فلم تصيحوا به , ثم كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأخرجوا ".
стр. 3998
وقال الحاكم (١) : "أخبرنا أبو جعفر بن محمد بن عبد الله البغدادي , حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن سليمان بن إبراهيم الإسكندراني بمصر، حدثنا أبو يحيى الضرير زيد بن الحسن البصري , حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم , عن أبيه , عن جده , عن عمر بن الخطاب أنه قال للعباس بن عبد المطلب ﵄: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((زد في المسجد)) ودارك قريبة من المسجد , فأعطيناها , نزدها في المسجد , وأقطع لك أوسع منها , قال: لا أفعل. قال: إذن أغلبك عليها. قال: ليس ذاك لك , فاجعل بيني وبينك من يقضي بالحق. قال: ومن هو؟ قال: حذيفة بن اليمان. قال: فجاؤوا إلى حذيفة , فقصوا عليه , قال حذيفة: عندي في هذا خبر , قال: وما ذاك؟ قال: إن داود النبي ﷺ أراد أن يزيد في بيت المقدس , وقد كان بيت قريب من المسجد ليتيم , فطلب إليه فأبى , فأراد داود أن يأخذها منه , فأوحى الله إليه أن نزه البيوت عن الظلم لبيتي. قال: فتركه , فقال العباس: فبقي شيء؟ قال: لا. قال: فدخل المسجد , فإذا بميزاب للعباس شارع في مسجد رسول الله ﷺ ليسيل ماء المطر منه في مسجد رسول الله ﷺ , فقال عمر بيده , فقلع الميزاب , فقال: هذا الميزاب لا يسيل في مسجد رسول الله ﷺ . فقال العباس: والذي بعث محمدًا بالحق , إنه هو الذي وضع الميزاب في هذا المكان , ونزعته أنت يا عمر؟ فقال عمر: ضع رجليك على عاتقي لترده إلى ما كان هذا. ففعل ذلك العباس , ثم قال العباس: قد أعطيتك الدار تزيدها في مسجد رسول الله ﷺ , فزادها عمر في المسجد , ثم قطع العباس دارًا أوسع منها بالزوراء. وتعقبه بقوله: هذا حديث كتبناه عن أبي جعفر وأبي علي الحافظ عليه , ولم يكتبه إلا بهذا الإسناد , والشيخان ﵄ لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ".
قلت: وأغفله الذهبي , فلم يدرجه في التلخيص.
стр. 3999
وقال ابن سعد (١) : "أخبرنا يزيد بن هارون , قال: أخبرنا أبو أمية بن يعلى , عن سالم أبي النضر , قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر , ضاق بهم المسجد , فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور , إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين , فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل , إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم , وقد ابتعت ما حوله من المنازل توسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين , أما حجر أمهات المؤمنين , فلا سبيل إليها , وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم. فقال العباس: ما كنت لأفعل. فقال عمر: اختر إحدى ثلاث؛ إما أن تبيعها بما شئت من بيت مال المسلمين , وإما أن أخططك (٢) حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين , وإما أن تتصدق بها على المسلمين , فتوسع بها في مسجدهم. فقال: لا , ولا واحدة منها. فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت فقال: أبي بن كعب. فانطلقا إلى أبي , فقصا عليه القصة , فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته عن النبي ﷺ ؟ فقالا: حدثنا. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله أوحى إلى داود أن ابْنِ لي بيتًا أذكر فيه. فخط له هذه الخطة , خطة بيت المقدس , فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل , فسأله داود أن يبيعه إياه , فأبي , فحدث داود بنفسه أن يأخذ منه , فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتًا أذكر فيه , فأردت أن تدخل في بيتي الغصب , وليس من شأني الغصب , وإن عقوبتك أن لا تبنيه. قال: يا رب , فمن ولدي. قال: من ولدك)) . قال: فأخذ عمر بمجامع ثياب أبي بن كعب , وقال: جئتك بشيء , فجئت بما هو أشد منه لتخرجن مما قلت فجاء يقوده حتى أدخله المسجد , فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ , فيهم أبو ذر , فقال: إني نشدت الله رجلا سمع رسول الله ﷺ يذكر حديث بيت المقدس حيث أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره. فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ . وقال آخر: أنا سمعته. وقال آخر: أنا سمعته - يعنى من رسول الله ﷺ قال: فأرسل عمر أبيا , قال: وأقبل أبي على عمر , فقال: يا عمر , أتتهمني على حديث رسول الله ﷺ . فقال عمر: يا أبا المنذر , لا والله ما اتهمتك عليه , ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ظاهرًا. قال: وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في ذلك. فقال العباس: أما إن فعلت هذا , فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم بها في مسجدهم , فأما وأنت تخاصمني , فلا. قال: فخط عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم , وبناها من بيت مال المسلمين.
стр. 4000
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل , قالا: حدثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عن يوسف بن مهران , عن ابن عباس قال: كانت للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب المسجد بالمدينة , فقال عمر: هبها لي أو بعنيها , حتى أدخلها في المسجد , فأبى. قال: فاجعل بينى وبينك رجلًا من أصحاب النبي ﷺ , فجعلا أبي بن كعب بينهما , قال: فقضى أبي على عمر. قال: فقال عمر: ما في أصحاب رسول الله ﷺ أحد أجرأ علي من أبي , قال: أو أنصح لك يا أمير المؤمنين؟ أما علمت قصة المرأة , أن داود لما بنى بيت المقدس , أدخل فيه بيت امرأة بغير إذنها , فلما بلغ حجر الرجال منع بناءه , فقال: أي رب , إذ منعتني ففي عقبي من بعدي. فلما كان بعد , قال له العباس: أليس قد قضيت لي؟ قال: بلى. قال: فهي لك قد جعلتها لله.
وقال السيوطي في الدر المنثور الدر المنثور. ج: ٤. ص: ١٦٠. قال البخاري (الصحيح. ج: ٢. ص: ١٥ و١٦) : حدثنا عمرو بن علي , قال: حدثنا أبو قتيبة , قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار , عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم , عن أبيه , ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي , فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب.
стр. 4001
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب.
حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري , قال: حدثني أبي عبد الله بن المثنى , عن ثمامة بن عبد الله بن أنس , عن أنس , أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب , فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا , وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون.
وقال (الصحيح. ج: ٤. ص: ٢٠٩) : حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي عبد الله بن المثنى , عن ثمامة بن عبد الله بن أنس , عن أنس ﵁ , أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب , فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا , وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون.
وقال ابن سعد (الطبقات. ج: ٤. ص: ٢٨ و٢٩) : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري , قال: حدثني أبي , عن ثمامة بن عبد الله , عن أنس بن مالك , أنهم كانوا إذا قحطوا على عهد عمر خرج بالعباس فاستسقى به , وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﵇ إذا قحطنا , فتسقينا , وإنما نتوسل إليك بعم نبينا ﵇ , فاسقنا.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء , قال: حدثنا عمرو بن أبي المقدام , عن يحيى بن مقلة , عن أبيه , عن موسى بن عمر , قال: أصاب الناس قحط , فخرج عمر بن الخطاب يستسقي , فأخذ بيد العباس , فاستقبل به القبلة , فقال: هذا عم نبيك ﵇ جئنا نتوسل به إليك , فاسقنا. قال: فما رجعوا حتى سقوا.
أخبرنا محمد بن عمر , قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب , عن أبيه قال: رأيت عمر آخذًا بيد العباس , فقام به , فقال: إنا نستشفع بعم رسولك ﷺ إليك. .- بعد أن نقل عن ابن سعد الروايتين السابقتين لحديث عمر مع العباس -:
стр. 4002
وأخرج عبد الرزاق في المصنف , عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: أراد عمر بن الخطاب ﵁ أن يأخذ دار العباس بن عبد المطلب , يزيد بها في المسجد , فأبى العباس ﵁ أن يعطيها إياه , فقال عمر ﵁: لآخذنها. قال: اجعل بيني وبينك أبي بن كعب , قال: نعم , فأتيا أبيا , فذكرا له، فقال أبي ﵁: أوحى الله إلى سليمان بن داود ﵇ أن يبني بيت المقدس , وكانت أرضًا لرجل , فاشترى منه الأرض , فلما أعطاه الثمن , قال: الذي أعطيتني خير أم الذي أخذت مني؟ قال: بل الذي أخذت منك , قال: فإني لا أجيز. ثم اشتراها منه بشيء أكثر من ذلك , فصنع الرجل مثل ذلك مرتين أو ثلاثًا , فاشترط عليه سليمان ﵇ أني أبتاعها منك على حكمك , , ولا تسألني أيهما خير. قال: نعم. فاشتراها بحكمه , فاحتكم اثني عشر ألف قنطار ذهبًا , فتعاظم ذلك سليمان أن يعطيه , فأوحى الله إليه إن كنت تعطيه من شيء هو لك , فأنت أعلم , وإن كنت تعطيه من رزقنا فأعطه حتى يرضى. قال: ففعل. قال: وإني أرى أن عباسًا ﵁ أحق بداره حتى يرضيه. قال العباس ﵁: فإن قضيت , فإني أجعلها صدقة على المسلمين.
وأخرج عبد الرزاق , عن زيد بن أسلم , قال: كان للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب مسجد المدينة , فقال عمر ﵁: بعنيها , وأراد عمر أن يدخلها في المسجد , فأبى العباس أن يبيعها إياه , فقال عمر ﵁: فهبها لي. فأبى , فقال عمر: فوسعها أنت في المسجد. فأبى , فقال عمر: لا بد لك من إحداهن , فأبى عليه , قال: فخذ بيني وبينك رجلًا. فأخذا أبي بن كعب , واختصما إليه , فقال أبي لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيه. فقال عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله أم سنة من رسول الله ﷺ ؟ قال أبي: بل سنة من رسول الله ﷺ . فقال عمر: وما ذاك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس , جعل كلما بنى حائطًا أصبح منهدما , فأوحى الله إليه أن في حق رجل حتى ترضيه. فتركه عمر ﵁ , فوسعها العباس ﵁ بعد ذلك في المسجد")) .
стр. 4003
قلت: حاول البعض أن يستظهر بحديث عمر والعباس هذا , لما ذهب إليه من عدم جواز الملك للمصلحة العامة , وأنه ولا بد من استرضاء المالك , فإن لم يرض , فلا سبيل إلى أحد أيا كان إلى ما يملك , وإن تعينت المصلحة العامة واستحال إنجازها بغير الحصول على ملك ذلك المتعنت , وهو استدلال خاطئ من وجوه: أحدها: أن عمر قال للعباس في رواية الحاكم حين أبى أن يبيعها أو يتصدق بها أو يعارض عليها: إذن أغلبك عليها. وقال له في إحدى الروايات التي نقلها السيوطي عن عبد الرزاق: لآخذنها. قال: فاجعل بيني وبينك أبي بن كعب. الحديث.
وفي رواية أخرى نقلها السيوطي عن عبد الرزاق لم ترد كلمة "لآخذنها"، أو "إذن أغلبك عليها"، أو ما في معناهما , وإنما وردت كلمة لا بد لك من إحداهن أي: البيع أو المعارضة أو الصدقة , ووردت على لسان العباس كلمة "خذ بيني وبينك رجلًا ". وفي هذه الرواية أن عمر هو الذي أخذ أبي بن كعب , وسنعود بعد قليل إلى هذا الاضطراب، أما الذي يعنينا الآن , فهو أن "التحكيم " جاء حسب ثلاث من هذه الروايات بعد إنذار أو ما يشبهه من عمر للعباس ﵄ بانتزاع ملكية الدار استجابة للمصلحة العامة التي تعينت بالضرورة لحاجة المسلمين , وقد كثروا إلى توسيع المسجد النبوي , وأن التحكيم كان نتيجة للتراضي بينهما , وهذا يعنى أن عمر لم يتزحزح عن مبدأ حق الإمام في انتزاع الملك للمصلحة العامة أو للضرورة , وإن رضي قبل تطبيقه بالتحكيم ما زال عند حكم الحكم احترامًا للحكم أو للعباس أو لهما معًا وللصحابة الذين شهدوا بصحة رواية أبي , أو على أمل أن يتراجع العباس عن تصلبه إذ أدرك عمر - من قبوله أو اقتراحه التحكيم أن تصلبه ذاك إنما كان مصدره إباء العباس من أن يفرض عليه أمر , وإصراره على أن لا يتأمر عليه أحد وعلى أن تكون له الكلمة العليا فيما يتصل بشؤونه الخاصة أو ما يراه متصلًا بشؤونه الخاصة، ولكي ندرك وجاهة هذا الاحتمال ينبغي أن نستحضر ما رواه أصحاب السنن من توسل عمر بالعباس في "الاستسقاء " (١) بعد لحاق الرسول صلى الله
عليه وسلم بالرفيق الأعلى باعتباره عم رسول الله ﷺ وما كان رسول الله ﷺ يحيط به العباس من إجلال وتبجيل حتى لقد احتمل زكاته وجعلها في ذمته (٢) عندما أخبروه بامتناع العباس من إخراجها مما هو مبسوط في كتب السنة والمناقب بطرق لا سبيل إلى الغمز فيها , وما كان مثل هذا التبجيل ليخفى على عمر , وما كان ليغفل عنه , وهو يواجه الخلاف بينه وبين العباس على إضافة دار العباس إلى المسجد النبوي، ثم إن العباس كان رجلًا مهيبًا (٣) قوي الاعتداد بنفسه , لا يكاد يقبل أن ترد له كلمة , ولا يكاد أحد يجرؤ على أن يردها له , وذلك مستفيض في أبواب المناقب من مدونات السنن وفضلًا عن ذلك كله , فقد درج أبو بكر وعمر ﵄ على ملاطفة بني هاشم ملاطفة استثنائية - والعباس عميدهم لسنه - راعيا لما هجس في خواطر بعضهم - ربما في خواطرهم جميعًا - من خروج الخلافة منهم , وكانوا يأملون فيها؛ لأنهم أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ لما طالبوه به غفلة منهم عن قوله ﷺ في الحديث المشهور: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)) قال البخاري (ج: ٤. ص: ٢٠٩ و٢١٠) : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب , عن الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير , عن عاثشة ﵂ , أن فاطمة ﵍ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ فيما أفاء الله على رسوله ﷺ تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك , وما بقي من خمس خيبر , فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة)) إنما يأكل آل محمد من هذا المال - يعنى مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل , وإني والله لا أغير شيئًا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ , ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ فتشهد علي , ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك , وذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ وحقهم , فتكلم فقال: والذي نفسي بيده , لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي.
أخبرني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد , حدثنا شعبة , عن واقد قال: سمعت أبي يحدث , عن ابن عمر , عن أبي بكر ﵃ قال: ارقبوا محمدا في أهل بيته.
ورواه من هذه الطريق , ومن أخرى غيره من أصحاب السنن والمؤرخين , والحديث أشهر من أن نفيض في تخريجه
стр. 4004
ثم إن عمر ما كان ليخفى عليه أمر رسول الله ﷺ بإقالة عثرات ذوي الهيئات قال أبو داود (السنن. ج: ٤. ص: ١٣٣. ح: ٤٣٧٥) : حدثنا جعفر بن مسافر ومحمد بن سليمان الأنباري , قالا: أخبرنا ابن أبي فديك , عن عبد الملك بن زيد - نسبه جعفر إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - عن محمد بن أبي بكر , عن عمرة , عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم , إلا الحدود)) .
وذكر المزي (تحفة الأشراف. ج: ١٢. ص: ٤١٣. ح: ١٧٩١٢) أن النسائي أخرجه في السنن الكبرى: حديث: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)) .
زاد ابن أبي فديك: ((إلا الحدود)) . (في الحدود ٣:٤) عن جعفر بن مسافر والأنباري , كلاهما عن ابن أبي فديك , عن عبد الملك بن زيد - نسبه جعفر إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - عن محمد بن أبي بكر به. س في الرجم (الكبرى ٢٢: ١) عن إبراهيم بن يعقوب , عن سعيد بن أبي مريم , عن عطاف بن خالد , قال: أخبرني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر , عن أبيه به.
روي عن محمد بن أبي بكر , عن أبيه , عن عمرة. وسيأتي.
وقال (تحفة الأشراف. ج: ١٢ ص: ٤٣١. ح: ١٧٩٥٦) فقال على التوالي: حديث: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)) . س في الرجم (الكبرى ٣٢: ٥) عن إبراهيم بن يعقوب , عن عبد الله بن يوسف , عن عبد الرحمن بن أبي الرجال , عن ابن أبي ذئب , عن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب , عن ابن حزم به.
عن عبد الملك بن زيد المدني , عن محمد بن أبي بكر بن حزم , عن أبيه , وزاد: ((إلا الحدود))
و (٢٣: ٦) عن يونس بن عبد الأعلى , عن معن بن عيسى , عن ابن أبي ذئب , عن عبد العزيز بن عبد الله , عن أبي بكر بن حزم به. ولم يذكر عائشة.
و (٣٢: ٤) عن هلال بن العلاء , عن عبد الله بن قعنب , عن ابن أبي ذئب , عن
عبد العزيز بن عبد الملك , عن محمد بن أبي بكر , عن أبيه به. مرسل.
و (٣:٣٢) عن محمد بن حاتم , عن سويد بن نصر , عن عبد الله بن المبارك , عن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر , عن محمد بن أبي بكر , عن أبيه , عن عمرة , عن النبي ﷺ : ((تجاوزوا عن زلة ذي الهيئة)) . وهو عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب , روى عن محمد بن أبي بكر بن حزم , عن عمرة , عن عائشة. وقد مضى - ح (١٧٩١٢) , ورواه أبو عروبة الحراني , عن إبراهيم بن أبي الوزير , عن أبي بكر بن نافع المدني , عن محمد بن عمارة , عن عمرة , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4005
وأخرجه البيهقي (السنن. ج: ٨. ص: ٢٦٧) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو طاهر الفقيه وأبو العباس أحمد بن محمد الشاذياخي في آخرين , قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، أنبأنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثني عبد الملك بن زيد , عن محمد بن أبي بكر بن حزم , عن أبيه , عن عمرة بنت عبد الرحمن , عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم , إلا حدا من حدود الله)) .
وقال (السنن. ص: ٣٣٤) على التوالي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن بالويه المزكي , قالا: حدثنا الإمام أبو الوليد حسان بن محمد القرشي , حدثنا جعفر بن محمد بن الحسين، حدثنا يحيى بن أبي يحيى , أنبأ أبو بكر بن نافع المديني , عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم , قال: قالت عمرة: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم)) .
أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن إبراهيم المهراني المزكي وأبو العباس أحمد بن محمد الشاذياخي وغيرهما , قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا محمد بن إسماعيل , عن ابن أبي فديك , حدثنا عبد الملك بن زيد , عن محمد بن أبي بكر بن حزم , عن أبيه , عن عمرة بنت عبد الرحمن , عن عاثشة أنها قالت: قال النبي ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم , إلا حدًا من حدود الله))
وكذلك رواه دحيم وأبو الطاهر بن السرح , عن ابن أبي فديك. ورواه جماعة عن ابن أبي فديك دون ذكر أبيه فيه , فالله أعلم.
والعباس في الصدارة من ذوي الهيئات بلا مراء.
من أجل ذلك كله نرى أن عدول عمر عن المصادرة إلى التحكيم ثم قبوله بالحكم إنما ينهض دليلًا لنا وليس علينا.
стр. 4006
فالمصادرة كانت هي الأساس لرأي عمر وموقفه والعدول عنها كان استثناء، ونعتقد أن العباس ﵁ إذا صحت الروايات التي نقلناها آنفًا - كان مدركًا لذلك , وكان عازمًا من أول الأمر على النتيجة التي انتهى إليها آخره , وهي أن يتصدق بداره على المسلمين، بيد أنه أراد أن يثبت لعمر أنه وإن يكن خليفة للمسلمين لا سبيل له إليه , وربما ولا إلى غيره من بنى هاشم ما دام حيًا , ثم إن عمر أثار في نفس العباس ما حمله على التصلب لما ذكر له أن حجر أمهات المؤمنين - وهي مثل دار العباس ملاصقة للمسجد - لا سبيل إليها , وما كان العباس في أنفته ومكانه المتميز عند رسول الله ﷺ ليرضى بأن يكون أدنى منزلة من أمهات المؤمنين في تقدير عمر ورعايته.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث مضطرب اضطرابًا شديدًا لفظًا وسندًا , فقد وصله الحاكم عن طريق زياد بن أسلم , لكن ما نقله السيوطي عن عبد الرزاق كان مرسلًا , سواء كان عن زيد بن أسلم نفسه , أو عن سعيد بن المسيب , وقد جهدت أن أعثر في مصنف عبد الرزاق على ما نقله عنه السيوطي , فلم أهتد إليه في مظانه من المصنف , وأخشى أن يكون السيوطي قد أغفل بعض رجال سند عبد الرزاق , وذلك اعتمادًا على بعض التصرف الذي يظهر أنه من السيوطي فيما نقله عن ابن سعد.
ومهما يكن ففي الروايات المختلفة لهذا الأثر تغاير , يعسر تدارك بعضه , فبعضها ينص على أن عمر ترك إلى العباس أن يختار حكما , فاختار أبيا على حين ينص غيره على أن عمر اختار أبيا فقبله العباس , وتأتي رواية الحاكم الموصولة , فتذكر أن الحكم كان حذيفة بن اليمان , وليس أبيا , وإن احتفظت بما نقل على لسان أبي من حديث بناء بيت المقدس. ثم إن ما ذكرته هذه الروايات وغيرها مما نقل السيوطي عن الواسطي وابن مردويه بعد حديث عمر عن قصة بناء بيت المقدس شديد الاضطراب، فبعضها يتحدث عن بيت امرأة أراد داود أن يأخذها غصبًا , وبعضها الآخر يتحدث عن أرض أغلى صاحبها ثمنها , فأراد داود أن يأخذها غصبًا. وأخرى تتحدث عن أن سبب عدم بناء داود بيت المقدس وأرجائه إلى سليمان هو أن داود بنى لنفسه بيتًا قبل أن يأخذ في بناء بيت المقدس , فعاقبه الله بالحرمان من البناء، ثم إن بعضها يذكر أن داود أو سليمان شرع في البناء , وكلما بنى حائطًا وجده قد انهدم صباح اليوم الثاني؛ لأنه كان يبني في أرض يملكها مالك لم يستأمره في شأنها , فضلًا عن أن يتم الاتفاق معه على ثمنها. فليت شعري ما هو الاضطراب إن لم يكن هذا الذي أشرنا إلى بعض منه في هذا الحديث.
стр. 4007
والثالث: أنه حتى لو لم يضطرب هذا الحديث على هذه الشاكلة , فإن في بعض من وصلوه عند الحاكم ينزل بسنده عن درجة الصحة على أيسر اعتبار , وفي روايتي ابن سعد وأستاذه الواقدي , وكفى به سببًا للنزول بالحديث عن مستوى درجة الصحة , فضلًا عن كلام في بعض رجاله أيضًا.
وقد يقال: وإذن فما فائدة إيراده في هذا البحث , وجوابنا أن الفائدة من إيراده هي أولا تبيان عدم حجيته وخطأ الذين احتجوا به، وثانيًا: تبيان أنه حتى على فرض صحة الاحتجاج به يدل بفحواه على ما نذهب إليه من تحكيم المصلحة العامة فيما قد يتراءى مصلحة خاصة , وأن اعتبارها يعلو فوق كل اعتبار غيرها , وثالثًا: تبيان الجهة التي يكون لها الاختصاص بالأصالة في تقدير المصلحة العامة وتعيينها وتحديد ظروفها ومقتضياتها , وهي ما أطلق عليه الفقهاء والأصوليون (حق الإمامة) أو (حق الإمام) , وكان لهم فيه كلام طويل , وأحيانًا متغاير , بيد أنه لم يختلفوا في جوهره , وإنما انحصر اختلافهم في تطبيقه عامة , وفيما ورد عن رسول الله ﷺ وما يعتبره بعضهم تطبيقًا لهذا الحق , بينما يعتبره آخرون من الفتوى أو من التشريع , وليس هذا مجال مناقشتهم في اعتباراتهم التطبيقية هذه , إنما عرضنا لها لبيان أن (حق الإمامة) في جوهره ليس محل خلاف معتبر ولا التفاتة شذوذ بعض المتفقهة والأثر المروي عن قصة عمر مع العباس وتوسيع الحرم النبوي , نرجح أن له أساسًا , وأن ما ألمعنا إليه آنفًا من اضطراب أسانيده وبعض ألفاظه لا ينفي أن يكون له أساس , فلا مراء في أن عمر وسع المسجد النبوي , وأدخل فيه بيوتًا كانت حوله لما كثر المسلمون في المدينة كما فعل في الحرم المكي، ولا مراء في أن عثمان فعل ذلك في الحرمين معًا , وحاج بعض الناقمين عليه فيما آخذوه به من إجباره أرباب البيوت المجاورة للمسجدين على قبول التعويض عن بيوتهم وتركها بأنه لم يخرج عن سنة سنها عمر , وأنهم استضعفوه فنقموا عليه , وكانوا يرهبون عمر , فلم يستطيعوا أن ينقموا عليه.
стр. 4008
وتصرف عمر مع العباس وعدوله عن إكراهه إلى التحكيم بينهما لا يختلف في جوهره حكما عن تصرفه مع غيره في مكة أو في المدينة مما اضطرهم اضطرارًا إلى التخلي عن بيوتهم لما تعينت المصلحة العامة في توسيع الحرمين الشريفين، ففي الموقفين تصرف بمقتضى (حق الإمامة) أو (حق الإمام) , ولا يوجد ما يلزم الإمام شرعًا بأن يكون تصرفه مع الناس على اختلاف مراتبهم ومواقعهم متماثلًا شكلًا. إنما الذي يلزم الإمام شرعًا أن يزن تصرفه معهم جميعًا متماثلًا في جوهره. أما أسلوب التصرف فموكول إلى اجتهاده ما من عاقل أو فقيه واع يستطيع أن يماري في ذلك.
ونحسب أن تصرف عمر مع العباس تصرفًا قائما على اعتبار موقعه في المجتمع الإسلامي واحترامه لمكان رسول الله ﷺ ليس غريبًا عن حالة نفسية سابقة كانت بينه وبين العباس لا نعرف أول منشئها , ولكنا نعرف أنه كانت من عهد رسول الله ﷺ حين عهد إلى عمر بجباية الصدقة.
قال أبو عبيد (١) :
"حدثنا يزيد , عن حجاج بن أرطاة , عن الحكم بن عتبة , قال: ((بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة , فأتى العباس يسأله صدقة ماله , فقال: قد عجلت لرسول الله ﷺ صدقة سنتين، فرفعه عمر إلى رسول الله ﷺ , فقال: صدق عمي , قد تعجلنا منه صدقة سنتين)) .
قال أبو عبيد: كان هشيم يزيد في إسناد هذا الحديث عن منصور , عن الحكم , عن الحسن بن مسلم: حدثت بذلك عنه ولا أحفظه منه.
وحدثونا عن إسماعيل بن زكريا , عن الحجاج بن دينار , عن الحكم بن حجية بن عدي , عن علي , عن النبي ﷺ مثل ذلك , أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين.
وقال ابن زنجويه (٢) :
стр. 4009
حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج , عن الحكم ((أن رسول الله ﷺ بعث عمر على الصدقة، فأتى العباس يسأله صدقة ماله , فقال: قد عجلت لرسول الله ﷺ صدقة سنتين. فتجهم له عمر , وأغلظ عليه , فرافعه إلى رسول الله ﷺ , فقال: صدق يا عمر , قد تعجلنا منه صدقة سنتين)) .
وأنبأ يحيى بن يحيى، أخبرنا هشيم , عن منصور , عن الحكم , عن الحسن بن مسلم قال: بعث النبي ﷺ عمر على الصدقة , فأتى على العباس يأخذ صدقة ماله، فتجهمه العباس , فأتى عمر النبي ﷺ يشكو إليه , فقال النبي ﷺ : ((يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟ إنا تعجلنا صدقة العباس العام عام الأول)) .
على أن هذا الحديث الذي رواه غيرهما أيضًا لم تخل أسانيده وألفاظه من كلام نؤثر - لتبيان رتبة الاحتجاج به وللمقارنة بينه وبين حديث آخر سندرجه بعد قليل - أن ننقل كلامًا جامعًا دقيقًا لابن حجر في تحقيقه قال (١) : "حديث علي: أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل , فرخص له.
أحمد وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث الحجاج بن دينار عن الحكم , عن حجية بن عدي , عن علي.
ورواه الترمذي من رواية إسرائيل , عن الحكم , عن حجر العدوي , عن علي , وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم , ورجح رواية منصور عن الحكم , عن الحسن بن مسلم بن يناق , عن النبي ﷺ مرسلًا , وكذا رجحه أبو داود , قال الشافعي: وروي عن النبي ﷺ أنه تسلف صدقة مال العباس قبل أن تحل , ولا أدري أثبت أم لا. قال البيهقي: وعنى بذلك هذا الحديث , ويعضده حديث أبي البختري , عن علي , أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((إنا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين)) رجاله ثقات , إلا أن فيه انقطاعًا , وفي بعض ألفاظه أن النبي قال لعمر: ((إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام أول)) رواه أبو داود الطيالسي.
стр. 4010
ثم قال:
"روي أن النبي ﷺ تسلف من العباس صدقة عامين، الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود به , وزاد: في عام. وفي إسناده محمد بن ذكوان , وهو ضعيف , ورواه البزار وابن عدي والدارقطني من حديث الحسن بن عمارة , عن الحكم , عن موسى بن طلحة , عن أبيه نحوه. والحسن متروك , وقد خالف الناس عن الحكم فيه , كما تقدم في الحديث الماضي، ورواه الدارقطني أيضًا من حديث العرزمي ومندل بن علي , عن الحكم بن مقسم , عن ابن عباس في هذه القصة , وهما ضعيفان أيضًا , والصواب: عن الحكم , عن الحسن بن مسلم بن يناق مرسلًا , كما مضى.
قلت: ورواه ابن أبي شيبة (١) وفيه انقطاع , قال: "حدثنا حفص بن غياث , عن حجاج , عن الحكم , أن رسول الله ﷺ بعث ساعيًا على الصدقة , فأتى العباس يتسلفه , فقال له العباس: إني أسلفت صدقة مالي سنتين. فأتى النبي ﷺ , فقال: صدق عمي.
لكن ابن زنجويه في روايته السابقة وصله عن علي , ووصله الدارقطني في بعض رواياته عن ابن عباس , ولم نسق هذا الحديث لتحقيقه سندًا ومتنا , وكنا سنصرف عنه النظر لولا أنهم اعتمدوه في الاحتجاج على جواز تعجيل الزكاة قبل
أوانها إذا وجد سبب وجودها , ولولا أنه لبس على البعض أمره مع حديث أهم منه , سندرجه بعد قليل.
والذي يعنينا منه الجانب النفسي الذي عبرت عنه رواية ابن زنجويه عن حجاج عن الحكم إذ جاء فيها: "فتجهم له عمر , وأغلظ عليه. وروايته الأخرى من طريق منصور , عن الحكم , عن الحسن بن مسلم , وفيها: "فتجهمه العباس " وهذه تماثل أو تقرب من رواية للدارقطني (٢) ولفظها:
стр. 4011
"حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، حدثنا إبراهيم بن محمد بن نائلة الأصبهاني، حدثنا محمد بن المغيرة، حدثنا النعمان بن عبد السلام , عن محمد بن عبيد الله , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس قال: ((بعث رسول الله ﷺ عمر ساعيًا , قال: فأتى العباس يطلب صدقة ماله , قال: فأغلظ له العباس , فخرج إلى النبي ﷺ فأخبره , قال: فقال رسول الله ﷺ : إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل)) .
حدثنا محمد بن مخلد ومحمد بن جعفر المطيري , قالا: أخبرنا أبو خراسان محمد بن أحمد بن السكن، حدثنا موسى بن داود، حدثنا مندل بن علي , عن عبيد الله , عن الحكم , وقال المطيري: عن عبيد الله بن عمر , عن الحكم , عن مقسم , عن
ابن عباس , أن رسول الله ﷺ بعث عمر على الصدقة , فرجع وهو يشكو العباس , فقال: إنه منعني صدقته. فقال رسول الله ﷺ : ((يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه , إن العباس أسلفنا صدقة عامين في عام)) كذا قال: عن عبيد الله بن عمر , وإنما أراد: محمد بن عبيد الله. والله أعلم.
حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبان، حدثنا أبو داود , عن شريك , عن إسماعيل , عن سليمان الأحول , عن أبي رافع , أن النبي ﷺ بعث عمر ساعيًا , فكان بينه وبين العباس شيء , فقال النبي ﷺ : ((أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه، إن العباس أسلفنا صدقة العام عام أول)) .
فجميع هذه الروايات تثبت أن جوا من التوتر حدث بين عمر والعباس , وأغلبها تثبت أن التجهم والإغلاظ كان من العباس , وبعضها - وفيه تحريف فيما نرجح - يثبت أنه ما كان من عمر , والمهم أنهما كانا بين الرجلين , وأن رسول الله ﷺ عذر العباس إن يكن هو المتجهم المغلظ , واعتذر لعمر أو عاتب عمر برفق إن يكن منه التجهم والإغلاظ , وبين له كيف ينبغي أن يعامل العباس , فهو عم رسول الله ﷺ , والعم صنو الأب.
стр. 4012
سيقول من يغلو في توقير الصحابة فيرفعهم نفسيا عن طبيعة البشر: إنه لا ينبغي اعتبار مثل هذه الحادثة مؤثرًا نفسيا. وجوابنا أن الصحابة رضوان الله عليهم صفوة البشر بعد الأنبياء , بيد أنهم من البشر على كل حال , ولا يبعد أن يعلق في أنفسهم بعض ما يعلق في أنفس عامة البشر من المواجد , وقد ألمعنا آنفًا إلى طبيعة العباس المتميزة بشدة الإباء والنخوة.
وقد أثرنا من قبل إلى لبس وقع فيه بعض الفقهاء وشراح الحديث فيما يحققون هذه القصة ويستنبطون منها الحكم في تعجيل الصدقة , ومرده إلى ما نحسبه قصة أخرى - إذا ثبتت القصة الأولى - وهي أصح سندًا ومتنا , رواها كل من عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والدارقطني والبيهقي , وهذه رواياتهم على التوالي:
قال عبد الرزاق (١) :
"عن ابن جريج , قال: حدثت حديثًا رفع إلى عبد الرحمن الأعرج , عن أبي هريرة , أن النبي ﷺ ندب الناس في الصدقة , فأتي فقيل: يا رسول الله , هذا أبو جهم وخالد بن الوليد وعباس ابن عم رسول الله ﷺ قد منعوا الصدقة , فقال النبي ﷺ : ((ما ينقم منا أبو جهم إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله , وأما خالد بن الوليد , فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله , وأما عباس عم رسول الله ﷺ فهي عليه ومثلها معها)) .
وقال أحمد (٢) :
"حدثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة , فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم النبي صلى الله عليه
وسلم. فقال النبي ﷺ : ((ما نقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا , فقد احتبس أدراعه في سبيل الله , وأما العباس فهو علي ومثلها. ثم قال: أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه)) .
стр. 4013
وقال البخاري (١) :
"حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب , قال: حدثنا أبو الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أمر رسول الله ﷺ بالصدقة , فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب , فقال النبي ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله , وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله , وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها)) تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه , وقال ابن إسحاق , عن أبي الزناد: هي عليه ومثلها معها. وقال ابن جريج: حدثت عن الأعرج بمثله".
وقال مسلم (٢) : "حدثني زهير بن حرب، حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة قال: ((بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة , فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا , قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله , وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر , أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)) .
وقال أبو داود (٣) :
"حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا شبابة , عن ورقاء , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة قال: ((بعث النبي ﷺ عمر بن الخطاب على الصدقة , فمنع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس. فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالدًا , فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس عم رسول الله ﷺ فهي علي ومثلها. ثم قال: أما شعرت
أن عم الرجل صنو الأب أو صنو أبيه)) .
стр. 4014
حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن زكريا , عن الحجاج بن دينار , عن الحكم , عن حجية , عن علي , أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل , فرخص له في ذلك. قال مرة: فأذن له في ذلك.
قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم , عن منصور بن زاذان , عن الحكم , عن الحسن بن مسلم , عن النبي ﷺ ، وحديث هشيم أصح.
وقال النسائي (١) : "أخبرني عمران بن بكار , قال: حدثنا علي بن عياش , قال: حدثني شعيب , قال: حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث قال: وقال عمر: ((أمر رسول الله ﷺ بصدقة , فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالدًا , قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله , وأما العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة , ومثلها معها)) .
أخبرنا أحمد بن حفص , قال: حدثني أبي , قال: حدثني إبراهيم بن طهمان , عن موسى , قال: حدثنى أبو الزناد , عن عبد الرحمن , عن أبي هريرة قال: ((أمر رسول الله ﷺ بصدقة ... )) مثله سواء.
وقال الدارقطنى (٢) : "حدثنا أحمد بن محمد بن زياد , قال: حدثنا عبد الكريم بن هيثم، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يوسف بن بكير , حدثنا ابن إسحاق , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة قال: ((أمر رسول الله ﷺ بالصدقة , فقيل له: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب , فقال رسول الله ﷺ : ما نقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد , فإنكم تظلمون خالدًا , وقد احتبس أدرعه وأعتده , وأما العباس فهي علي ومثلها معها هي له)) .
وقال البيهقي (٣) :
"أخبرنا عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن جعفر القطيعي , حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة قال: ((بعث رسول الله ﷺ عمر ﵁ على الصدقة , فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد , فإنكم تظلمون خالدًا , قد احتبس أعتده وأدرعه في سبيل الله , وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر , أما علمت أن عم الرجل صنو أبيها)) .
ذلك بأن شراح الحديث وبعض الفقهاء اعتبروا القصتين قصة واحدة , ولهذا الاعتبار وجاهة، فبينهما تماثل في معظم الوقائع , وإن اختلفتا اختلافًا بينا في بعض وقائعهما , جعلنا نرجح أنهما قصتان إذا ثبتت القصة الأولى وبرئت من التحريف أو أنهما قصة واحدة وقع فيها تحريف عند بعض الرواة لاعتبارات سياسية , فبين رواة القصة الأولى من عرف بالتشيع وأغلبهم فيهم كلام.
стр. 4015
وهذه القصة أو هذه الصيغة الثانية لقصة العباس مع عمر هي التي تعنينا بالأساس ليس لإثبات ما إذا كانت الواقعة تتصل بجباية , وهو الراجح عندنا , أو بجباية صدقة غير الزكاة , وهو ما يميل إليه البعض ممن ألمعنا إليهم آنفًا توقيرًا
للصحابة , وخاصة من كان في مقام عمر والعباس وارتفاعًا بهم عن مستوى البشرية الصرفة وما يلابسها من مكامن وجدانية , وإنما لتبيان ما تدل عليه من تصرف رسول الله ﷺ بمقتضى "حق الإمامة " أو "حق الإمام" تصرفًا دأب عمر على الاقتداء به في كثير من أحكامه وتعامله مع الأحداث دأبا حسبه بعض المتفقهة مجرد اجتهاد حتى زعم البعض أن عمر كان ربما عطل نصا قرآنيًا أو حديثًا باجتهاده , وهو زعم باطل , كان ينبغي أن يتنزه عنه من ينتسب إلى الدراسات الشرعية أو إلى دراسة آثار الخلفاء الراشدين ومن على شاكلتهم من أئمة الصحابة واستنباط الأحكام الشرعية منها استنباطًا مقصودًا لذاته أو مستهدفًا به نمط من التمييز لتطور الفكر التشريعي أو التوجيه الاجتماعي في العهد الأول من تاريخ الإسلام.
وقبل أن نأخذ في تبيان قاعدة (حق الإمامة) أو (حق الإمام) انطلاقًا من هذه الواقعة ووقائع تشاكلها , نؤثر أن ننهي إيضاحنا لما في تصرف عمر من اعتبار المصلحة العامة بتأكيد أن قبوله التحكيم بينه وبين العباس واعتماده على حكمه هو باعتباره المرجع الأعلى للقضاء , إذ هو خليفة المسلمين في تصرفه مع غير العباس في قضايا مماثلة , كان كلاهما عملًا توخى فيه المصلحة العامة , بل حفزته إليه المصلحة العامة التي رآها تعلو على كل اعتبار وإن كان احترام حقوق
وحرمة مال عم رسول الله ﷺ , بل إن تصدق العباس بداره بعد التحكيم , فيه اعتراف ضمني باعتبار المصلحة العامة , وأنها تعلو عن كل اعتبار غيرها , فقد كان أيسر للعباس لما حكم الحكم - أبي أو حذيفة - لصالحه أن يحتفظ بجواره للمسجد النبوي , وأن لا يقبل عنه بديلًا , أما إذ رضي بأن ينتقل من منزل يجاور فيه ابن أخيه رسول الله ﷺ ويستطيع أن يسمع منه أذان المؤذن ثم يتوضأ ويلحق صلاة الجماعة إلى منزل يحرمه من هاتين المزيتين وغيرهما فما من شك في أن رضاه هذا كان استجابة لما أدركه من تعين المصلحة العامة , وأن امتناعه من قبل كان لمجرد إرضاء إبائه ونخوته وإقناع عمر بأن ليس له - خلقيا - سلطان على بني هاشم عامة وما فتئت في أنفسهم موجدة من خروج الخلافة من أيديهم , وعلى عم رسول الله ﷺ خاصة , وإن يكن خليفة للمسلمين وخليفة لرسول الله ﷺ , وله حق السمع والطاعة على الجميع.
стр. 4016
١٦ - معالم قاعدة التصرف بحق الإمامة
والتصرف بحق الإمامة قاعدة بعيدة الخطر بالغة الأثر متمادية التطور والتفرع مع تمادي الحضارة في التطور والتنوع وتباين المؤثرات الاجتماعية والسياسية في طبيعة مستجدات الأحداث مع كل طور من أطوارها وكل نوع من أنواعها , ومع ذلك فلم نقف فيما بين أيدينا من مصادر السلف ومراجع المتأخرين على بحث قائم بذاته يرسم بدقة وشمول معالم هذه القاعدة ومسارها والضوابط التي يجب أن تحكمها إلا ما كان من إلماعات وإلمامات عابرة عارضة في ثنايا أبحاث الأصوليين والفقهاء وروايات المحدثين وآثار النقلة مما لو جمع ونسق جمعًا وتنسيقًا منهجيين لأمكن أن يؤلف مرجعًا يصير إليه الباحث في اجتلاء ضوابط هذه القاعدة وما تفرع أو يمكن أن يتفرع عنها من أحكام.
ولعل من أقرب ما قاله الأصوليون حول هذه القاعدة إلى تجلية بعض معالمها قول القرافي ﵀ (١) :
"اعلم أن رسول الله ﷺ هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم , فهو ﷺ إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته , وهو أعظم من كل من تولى منصبًا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة. فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه ﷺ تبليغ؛ لأن وصف الرسالة غالب عليه.
قلت: كان الأولى أن يقول: (غير أن كل تصرفه ﷺ بالتبليغ) بدلًا من قوله: (غير أن غالب ... إلخ) ؛ لأن التصرفات الأخرى التي ذكرها غير التبليغ الصرف تتضمن معنى التبليغ على اعتبار أن التبليغ لا ينحصر معناه في الإلزام , وإنما يشمل كل جوانب بيان شرع الله , بما فيه الإباحة نفسها. فتأمل.
стр. 4017
ثم قال:
"ثم تقع تصرفاته ﷺ منها ما يكون من التبليغ والفتوى إجماعًا , ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء , ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة , ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدًا , فمنهم من يغلب عليه رتبة , ومنهم من يغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته ﷺ بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة , فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة. فإن كان مأمورًا به أقدم عليه كل أحد بنفسه , وكذلك المباح وإن كان منهيًا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه , وكل ما تصرف فيه عليه بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به ﵇؛ ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك".
قلت: أليس تصرفه بوصف الإمامة "تبليغًا " بوجوب أو إباحة ذلك التصرف وما شاكله مقيدًا بأن لا يصدر إلا من الإمام أو مخصصًا الحكم فيه للإمام , ولولا أنه تبليغ على هذه الصورة لكان من خصائصه ﷺ وحده , ولا يجوز لأحد أن يقتدي به فيه وهو ما لم يقل به أحد , وما هو التبليغ إن لم يكن بيان شرع الله في تصرف ما , أو في أمر ما؟ بصرف النظر عما إذا كان عاما أو خاصًا أو مطلقًا أو مقيدًا أو مشروعًا لكل الظروف أو لظرف خاص.
ثم قال:
"وهذه هي الفروق بين القواعد الثلاث , ويتحقق ذلك بأربع مسائل: المسألة الأولى: بعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله وصرف أموال بيت المال في جهاتها وجمعها من محالها وتولية القضاة والولاة العامة وقسمة الغنائم وعقد العهود للكفار ذمة وصلحًا، هذا هو شأن الخليفة والإمام الأعظم , فمتى فعل ﷺ شيئًا من ذلك , علمنا أنه تصرف فيه ﷺ بطريق الإمامة دون غيرها , ومتى فصل ﷺ بين اثنين في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان أو نحوها بالبينات أو الأيمان والنكولات ونحوها , فنعلم أنه ﷺ إنما تصرف في ذلك بالقضاء دون الإمامة العامة وغيرها؛ لأن هذا شأن القضاء والقضاة.
стр. 4018
قلت: وهل كان الإمام إلا قاضيا؟ يقول الله في كتابه العزيز: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (١)
ويقول الله مخاطبًا رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إليك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) ، ويقول ﷻ مخاطبًا له أيضًا ومبينًا الحد الفاصل بين المسلم وغيره في الموقف من أحكامه ﷺ : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) ، ويقول جل من قائل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)
وهل كانت الإمامة في جوهرها بجميع مهامها إلا نمطًا من القضاء , وهل كان القضاء إلا مهمة تتعلق بالإمام نفسه , وله أن يكلها إلى غيره , ولكن ذمته لا تبرأ إن لم يستفرغ الجهد في اختيار من يكلها إليه , طبقًا لضوابط الأهلية للقضاء في الشريعة الإسلامية.
ثم قال:
"وكل ما تصرف فيه رسول الله ﷺ في العبادات بقوله أو بفعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني , فأجابه فيه , فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ , فهذه المواطن لا خفاء فيها , وأما مواضع الخفاء والتردد ففي بقية المسائل.
стр. 4019
المسألة الثانية: قوله ﷺ : ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له))
الحديث بهذا اللفظ مرسل , رواه مالك في الموطأ , فقال (٦٣٦. ح. ٣٢) : حدثني يحيى , عن مالك , عن هشام بن عروة , عن أبيه , أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له , وليس لعرق ظالم حق)) . قال مالك: والعرق الظالم كل ما احتفر أو أخذ أو غرس بغير حق. ورواه أبو عبيد بإسنادين , فقال (الأموال. ص: ٤٠٣. ح: ٧٠١ و٧٠٢) : حدثنى يحيى بن بكير , عن الليث بن سعد , عن عبيد الله بن أبي جعفر , عن أبي الأسود , عن عروة , عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحيا أرضًا ليست لأحد , فهو أحق بها)) قال: قال عروة: وقضى بذلك عمر بن الخطاب في خلافته.
وحدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي وأبو معاوية , كلاهما عن هشام بن عروة , عن أبيه , أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)) .
ورواه ابن زنجويه (الأموال. ج: ٢. ص: ٦٣٩. ح: ١٠٥٣) : حدثنا محمد بن يوسف , أنبأنا سفيان , عن هشام بن عروة , عن عروة قال: قال النبي ﷺ : ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)) .
وقال أبو داود (السنن. ج: ١٧٨. ح: ٣٠٧٣و ٧٤ ٣٠) : حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن سعيد بن زيد , عن النبي ﷺ قال: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)) .
حدثنا ابن السري، حدثنا عبدة , عن محمد - يعنى ابن إسحاق - عن يحيى بن عروة , عن أبيه , أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)) . وذكر مثله قال: فقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث , أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ , غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر , فقضى لصاحب الأرض بأرضه , وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. قال: فقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس , وإنها لنخل عم , حتى أخرجت منها.
وقال الترمذي (الجامع الصحيح. ج: ٣: ٦٦٢ وما بعدها. ح: ١٣٧٨) : حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، أخبرنا أيوب , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن سعيد بن زيد , عن النبي ﷺ قال: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)) . ثم قال: وفي الباب عن جابر وعمرو بن عوف المزني جد كثير وسمرة.
ثم قال (الجامع الصحيح. ح: ١٣٧٩) : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب , عن هشام بن عروة , عن وهب بن كيسان , عن جابر بن عبد الله , عن النبي ﷺ قال: ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)) ، وتعقبه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 4020
وقال البيهقي (السنن. ج: ٦. ص: ١٤٣) : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أنبأنا الحسن بن علي بن عفان , حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا محمد بن فضيل , عن ليث , عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ : ((عادي الأرض لله ولرسوله , ثم لكم من بعد، فمن أحيا شيئًا من موتان الأرض , فله رقبتها)) . وبه قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن إدريس , عن ليث , عن طاوس , عن ابن عباس قال: إن عادي الأرض لله ولرسوله ولكم من بعد , فمن أحيا شيئًا من موتان الأرض , فهو أحق به. وقد روي الحديث بألفاظ أخرى وطرق أخرى ولكنها جميعًا تدل على نفس الحكم.
اختلف العلماء ﵃ في هذا القول: هل تصرف بالفتوى , فيجوز لأحد أن يحيي أذن الإمام في ذلك الإحياء أم لا , وهو مذهب مالك والشافعي ﵄ , وهو تصرف منه ﵇ بالإمامة , فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام , وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ , وأما تفرقة مالك بين ما قرب من العمارة , فلا يحيى إلا بإذن الإمام , وبين ما بعد فيجوز بغير إذنه , فليس من هذا الذي نحن فيه , بل هو من قاعدة أخرى , وهي أن ما قرب من العمران يؤدي إلى التشاجر والفتن وإدخال الضرر , فلا بد فيه من نظر الأئمة دفعًا لذلك المتوقع , كما تقدم , وما بعد من ذلك لا يتوقع فيه شيء من ذلك , فيجوز، ومذهب مالك والشافعي في الإحياء أرجح؛ لأن الغالب في تصرفه ﷺ الفتيا والتبليغ , والقاعدة: أن الدائرة بين الغالب والنادر إضافته إلى الغالب أولى.
قلت: وقد أظهر التطور الحضاري أن ليس ثمة خلاف بين مالك والشافعي من جانب وأبي حنيفة من جانب آخر في جوهر الأمر، ولكن في شكله , ذلك بأن إلغاء المسافة أو انتقاءها وهيمنة التخطيط والتحفظ وحاجة الدولة إلى ضبط جميع أعمال الإعمار والتمييز بين ما يخصص للبناء وما يخصص للفلاحة وما يترك للرعي وما ينتظر به إلى أن تصل إليه أعمال الإعمار , كل ذلك يوضح أن فتوى رسول الله ﷺ أو بالأحرى حكمه كان بمقتضى الإمامة , وأن تفرقة مالك والشافعي بين ما قرب من العمارة وما بعد، كانت نمطًا من الإلهام الإلهي , فكأنما كشف الله لهما عما سيصير إليه أمر الإنسان وحضارته في المستقبل على حين أن حكم أبي حنيفة كان دليلًا على بعد نظره في تصور الآماد التي ينبغي اعتبارها فيما يتصل بفهم النصوص الشرعية المتعلقة بالمعاملات.
стр. 4021
ثم قال:
"المسألة الثالثة: قوله ﷺ لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح , لا يعطني وولدي ما يكفيني. فقال لها ﵇: خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف (١) اختلف العلماء في هذه المسألة وهذا التصرف منه ﷺ , هل هو بطريق الفتوى , فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به , ومشهور مذهب مالك خلافه , بل هو مذهب الشافعي , أو هو تصرف بالقضاء , فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس حقه أو حقه إذا تعذر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاض , حكى الخطابي القولين عن العلماء في هذا الحديث حجة من قال: إنه بالقضاء أنها دعوى في مال على معين , فلا يدخله إلا القضاء؛ لأن الفتاوى شأنها العموم وحجة القول بأنها فتوى ما روي أن أبا سفيان كان بالمدينة , والقضاء على الحاضرين من غير إعلام ولا سماع حجة , فتعين أنه فتوى , وهذا هو ظاهر الحديث.
المسألة الرابعة: قوله ﷺ : ((من قتل قتيلًا فله سلبه)) (٢) اختلف العلماء في هذا الحديث هل تصرف فيه ﷺ بالإمامة , فلا يستحق أحد سلب المقتول إلا أن يقول الإمام ذلك , وهو مذهب مالك خلاف أصله فيما قاله في الإحياء , وهو أن غالب تصرفه ﷺ بالفتوى , فينبغي أن يحمل على الفتيا عملا بالغالب , وسبب مخالفته لأصله أمور , منها: أن الغنيمة أصلها أن تكون للغانمين , لقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) وإخراج السلب من خلاف هذا الظاهر , ومنها أن ذلك ربما أفسد الإخلاص عند المجاهدين , فيقاتلون بهذا السلب دون نصر كلمة الإسلام.
قلت: هذا تعليل عجيب , وإلا فلماذا شرعت المغانم إن لم يكن لإذكاء الوازع الشخصي الدنيوي إلى جانب الوازع الإيماني الأخروي , وهل السلب إلا نمطًا متميزًا من الغنيمة؟
ثم قال: ومن ذلك أنه يؤدي إلى أن يقبل على من له سلب دون غيره , فيقع التخاذل في الجيش , وربما كان قليل السلب أشد نكاية على المسلمين , فلأجل هذه الأسباب ترك هذا الأصل , وعلى هذا القانون وهذه الفروق يتخرج ما يرد عليك من هذا الباب من تصرفاته ﷺ . فتأمل ذلك فهو من الأصول الشرعية.
стр. 4022
وقال ابن الشاط في تعليقه على هذا الفرق: لم يجود التعريف بهذه المسائل ولا أوضحها كل الإيضاح , والقول الذي يوضحها هو أن التصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه , وإما أن يكون بتنفيذه، فإن كان تصرفه فيه بتعريفه , فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى , وتصرفه هو الرسالة , وإلا فهو المفتي , وتصرفه هو الفتوى , وإن كان تصرفه فيه بتنفيذه , فإما أن يكون تنفيذه ذلك بفصل وقضاء وإبرام وإمضاء , وإما أن لا يكون كذلك , فإن لم يكن كذلك , فذلك هو الإمام , وتصرفه هو الإمامة , وإن كان كذلك , فذلك هو القاضي , وتصرفه هو القضاء.
قلت: ولم يحسن ابن الشاط أيضًا التحديد الدقيق لما أراد تحديده ذلك بأن تصرف رسول الله ﷺ فيما اعتبروه فتوى وفيما اعتبروه قضاء , لا فيما اعتبروه إمامة هو تبليغ أساسًا , والفرق هو إما أن يكون التصرف قوليا صرفًا أو فعليا يراد به مجرد بيان نص , وأغلب ما يكون هذا في العبادات , وهذا النوع من التصرف هو التبليغ المجرد , وإما أن يكون فصلًا بين متخاصمين , فهذا التصرف ذو صبغة قضائية , وإن يكن رسول الله ﷺ به وفيه مبلغًا وإمامًا ثم قاضيًا بصفته الرسول المبلغ الإمام , وإما أن يكون تصرفًا مما يقتضيه تنظيم أمر الناس في شأن مما يصل بالفرد أو الجماعة أو المجتمع تنظيما لا يتأتى إلا بهيبة السلطة أو قوتها , وهذا التصرف هو ما يطلق عليه التصرف بمقتضى الإمامة أو بحق الإمام , والرسول ﷺ وهو يمارسه يتصرف بصفته الرسول الإمام , ذلك بأننا إذا جردنا تصرفًا من تصرفاته ﵊ من اعتبار الرسالة مصدرًا ملحوظًا فيه , أمكن الالتباس في شأنه بالاختصاص كما ألمعنا آنفًا. فتأمل.
على أن تصرفاته في العبادة نفسها إذا لم تكن تطبيقًا لنص قرآني محكم ليس بحاجةإلى بيان - وهذا النوع قليل - ليست مجرد تبليغ , وإن تكن بطبيعتها بيانًا لمجمل النص القرآني في عبادة ما أو تشريعا ابتدائيًا مستمدة عناصره من سنن التشريع القرآني كما هو الشأن في الصلوات النوافل والسنن المؤكدة وغيرها من العبادات المسنونة للتقرب مما لم ترد فيه نصوص قرآنية خاصة , وإنما هي تصرفات تتضمن أيضًا معنى الإمامة , إذ أنه ﷺ حين يسن سنة أو يبين مجملًا أو يطبق نصًا قرآنيًا إنما يفعل ذلك بصفته الإمام الرسول الموكول إليه أمر التطبيق والبيان والاستنان.
стр. 4023
ولا يختلف موقعه في هذا المجال عن موقعه فيما يفعله أو يقضي به في مجال المعاملات أو ما يسمى اليوم بالحقوق المدنية عامة أو في مجال الأحوال الشخصية , ولا نجد مدعاة إلى أن نسوق نماذج شتى من تصرفاته ﷺ بمقتضى الإمامة , ونؤثر هذا التعبير على عبارة حق الإمامة " , أو "حق الإمام" , فقد مضى بعض منها خلال البندين السابقين , إذ نسوق الروايات المختلفة عن رافع بن خديج في المزارعة والمساقاة وخاصة أمره ﷺ لرافع أو لغيره , إذ وجده يزارع غيره في أرضه , فأمره أن يأخذ بدوره ونفقته , وأن يزرع الزرع لصاحب الأرض , وإذ نسوق نماذج من القضية المأثورة الدالة على اعتماد المصلحة العامة وإن نتج عن اعتمادها بعض الإضرار بأحد الطرفين المتقاضيين اعتبارًا لأخف الضررين وتشريعًا لقاعدة حكمية وخلقية تتمادى آثارها فتشمل المصلحة العامة في الحال والمآل , وذلك حين عرضنا لقضية سمرة بن جندب وعضيده في حائط الأنصاري , وكيف أن رسول الله ﷺ أمر بقطع عضيد سمرة حين امتنع عن البيع والمعاوضة وابتغاء الثواب في الآخرة، ثم لقضية الزبير وصاحبه الذي خاصمه على الماء يمر بأرض للزبير قبل أن يصل إليه , وكيف أن رسول الله ﷺ أمر أن يحبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم يرسل ما فضل لخصمه بعد أن تجرأ خصمه فاتهم رسول الله ﷺ بمحاباة ابن عمته.
وإذ عرضنا لحديث عمر مع العباس وخالد بن الوليد ولئن اختلفوا في أمر العباس إن كان امتناعه عن تسليم صدقته لعمر؛ لأنه أسلفها لرسول الله ﷺ لعامين بالتماس منه ﵊ لحاجة ألمت بالمسلمين أو لأنه رفض أن يسلمها لعمر لسبب آخر , وفيه أن رسول الله ﷺ تحملها عنه أو أخبر بأنه استلفها منه , وذلك ما سبق أن عرضنا له ببعض التفصيل , فإنهم في أمر خالد بن الوليد لم يجدوا مجالًا واسعًا للاختلاف , إذ لم تتغاير الروايات فيما يتصل به , فانحصر اختلافهم في تعليل موقفه وموقف رسول الله ﷺ منه وفي تأويل بعض ألفاظه ابتغاء المطابقة بين قاعدة فقهية قعدوها وجمدوا عليها وبين قضية ثابتة من فعل رسول الله ﷺ وأحد صحابته الأجلاء خلخلت لهم تلك القاعدة.
стр. 4024
فقد وقر عندهم واستقر أن الصدقة تجب في كل مال يملكه مسلم من الأموال المزكاة , إذ توفر فيه النصاب , وحال عليه الحول , إن يكن مما يشترط فيه الحول , وعز عليهم أن يضيفوا إلى هذه القاعدة استثناء يشرعه رسول الله ﷺ بمقتضى الإمامة واضح العلة واضح الصيغة واضح البيان، وهو أنه لما كانت الزكاة إنما شرعت لضمان مورد لبيت مال المسلمين يواجه به حاجات الأصناف الثمانية المذكورة في قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) فإن المال الذي يكون في يد شخص خول له , فوقفه كله في سبيل الله وإن احتفظ بالتصرف فيه ولم يسلمه لبيت مال المسلمين لا يشمله شرع الزكاة , إذ إنه كله وليس جزء منه أصبح وقفًا في سبيل الله , ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أحد الأصناف الثمانية التي عينتها الآية الكريمة مصارف للزكاة , وما أروع قوله ﷺ في أمر خالد: ((إنكم تظلمون خالدًا)) . الحديث. فليت شعري لما لم يستوقف انتباه الفقهاء وهم يبدؤون ويعيدون في محاولة التوفيق بين قاعدتهم التي قعدوها فجمدوا عليها , وبين هذا التشريع النبوي الرائع الحكيم.
ومع أن في هذه النماذج الغناء كل الغناء في التمثيل لتصرف رسول الله ﷺ بمقتضى الإمامة , فإنا نؤثر لمزيد من البيان أن نسوق تصرفين لرسول الله ﷺ في قضيتين مختلفتين وإن كان تصرفه فيهما يتوخى إقرار نفس السنة , سنة التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة؛ لأنهما يمثلان تشريعًا في مجال بعيد الخطر ومختلف عن مجالات التصرفات السابقة، فكلاهما يتصل بالمغانم وهي حق لجميع المجاهدين بصرف النظر عن اختلاف الفقهاء أيضًا في ما إذا كان استحقاقهم يتعين بمجرد أن يغنمها الجيش الإسلامي أو لا يتعين إلا حين يقسمها الإمام , فحث على القول بأن استحقاق المجاهد في الغنيمة لا يتعين إلا عند قسمتها، فلا جدال في أن مجرد غنمها يثبت فيها حقا جماعيا لجميع المجاهدين يمكن أن نسميه حقا مشتركًا أو مشاعًا ومع ذلك فقد أحدث فيه رسول الله ﷺ تشريعًا في قضيتين مختلفتين يثبت بما لا مجال فيه للجدل ما للإمام من حق التصرف في المغانم بمقتضى الإمامة حين تتعين المصلحة العامة في تصرف لا يلتزم إلزامًا دقيقًا بالحق المشترك أو المشاع في المغانم.
стр. 4025
القضية الأولى قضية سلب المقتول وحق القاتل فيه , وهي قضية تناقلها جميع أصحاب السنن ونقلة الأخبار ونعتمد فيها ما أخرجه البخاري في صحيحه.
قال (١) : حدثنا مسدد، حدثنا يوسف بن الماجشون , عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف , عن أبيه , عن جده قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر , فنظرت عن يميني وشمالي , فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما , ما تمنيت أن أكون بين أضلع منهما , فغمزني أحدهما , فقال: يا عم , هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم , ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ , والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك , فغمزني الآخر , فقال لي مثلها , فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس , فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني. فابتدراه بسيفيهما , فضرباه حتى قتلاه , ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه , فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله. سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح , وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح , قال محمد: سمع يوسف صالحًا وسمع إبراهيم أباه عبد الرحمن بن عوف.
وقال (٢) :
حدثنا عبد الله بن مسلمة , عن مالك , عن يحيى , عن ابن أفلح , عن أبي محمد مولى أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين , فلما التقينا , كانت للمسلمين جولة , فرأيت رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين , فاستدبرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه , فأقبل علي , فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت.
стр. 4026
ثم أدركه الموت , فأرسلني , فلحقت عمر بن الخطاب , فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي ﷺ فقال: ((من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)) . فقمت , فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) . فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست , ثم قال الثالثة مثله , فقمت , فقال رسول الله ﷺ : ((ما لك يا أبا قتادة؟)) فاقتصصت عليه القصة , فقال رجل: صدق يا رسول الله , وسلبه عندي , فأرضه عني. فقال أبو بكر الصديق ﵁: لا ها الله , إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ يعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : ((صدق)) فأعطاه , فبعت الدرع , فابتعت به مخرفًا في بني سلمة , فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
وقال (١) :
حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك , عن يحيى بن سعيد , عن عمر بن كثير بن أفلح , عن أبي محمد مولى أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا , كان للمسلمين جولة , فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين , فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف , فقطعت الدرع , وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت , ثم أدركه الموت , فأرسلني , فلحقت عمر , فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله , ثم رجعوا , وجلس النبي ﷺ , فقال: ((من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)) فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست , فقال النبي ﷺ : ((مثله)) قال: ثم قال النبي ﷺ مثله , فقمت , فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. قال: ثم قال النبي ﷺ مثله , فقمت , فقال: ((مالك يا أبا قتادة؟)) فأخبرته , فقال رجل: صدق , وسلبه عندي , فأرضه عني. فقال أبو بكر: لاها الله إذا , لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : ((صدق، فأعطه)) فأعطانيه , فابتعت به مخرفًا في بني سلمة , فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
стр. 4027
وقال (١) :
قال الليث: حدثني يحيى بن سعيد , عن عمر بن كثير بن أفلح , عن أبي محمد مولى أبي قتادة , أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين , نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين , وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله , فأسرعت إلى الذي يختله , فرفع يده ليضربني , وأضرب يده فقطعتها , ثم أخذني فضمني ضمًا شديدًا حتى تخوفت , ثم برك فتحلل , ودفعته ثم قتلته , وانهزم المسلمون , وانهزمت معهم , فإذا بعمر بن الخطاب في الناس , فقلت له ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : ((من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه)) ، فقمت لألتمس بينة على قتيلي , فلم أر أحدًا يشهد لي , فجلست , ثم بدا لي , فذكرت أمره لرسول الله ﷺ , فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي , فأرضه منه. فقال أبو بكر: كلا , لا يعطيه أصيبغ من قريش ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ . قال: فقام رسول الله ﷺ , فأداه إلي , فاشتريت منه خرافًا , فكان أول ما تأثلته في الإسلام.
والقضية الثانية قضية إيثار بعض المقاتلة على بعض في قسمة الغنيمة وإعادة بعض الغنيمة إلى من غلبوا من الأعداء إذا هم أفاؤوا إلى الإسلام , وهي أيضًا قضية مشهورة لدى أصحاب السنن ونقلة الأخبار، لذلك نقتصر فيها على ما أخرجه البخاري.
قال (٢) :
"حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن , قال: حدثني عمرو بن تغلب ﵁ , قال: أعطى رسول الله ﷺ قومًا ومنع آخرين , فكأنهم عتبوا عليه , فقال: إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم , وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء , منهم عمرو بن تغلب. فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم. زاد أبو عاصم عن جرير , قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب , أن رسول الله ﷺ أتى بمال أو بسبي فقسمه بهذا.
стр. 4028
وقال (١) :
"حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة , عن قتادة , عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أعطي قريشًا أتألفهم؛ لأنهم حديث عهد بجاهلية)) .
وقال (٢) :
"حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا الزهري , قال: أخبرني أنس بن مالك , أن ناسًا من الأنصار قالوا لرسول الله ﷺ حين أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال هوازن ما أفاء , فطفق يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل , فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ , يعطي قريشًا , ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم , فأرسل إلى الأنصار , فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع أحدًا معهم غيرهم، فلما اجتمعوا , جاءهم رسول الله ﷺ , فقال: ما كان حديث بلغني عنكم؟ قال له فقهاؤهم: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئًا , وأما أناس منا حديثة أسنانهم , فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله ﷺ : إني لأعطي رجالًا حديث عهدهم بكفر , أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ , فوالله ما تنقلبون به , قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: إنكم سترون بعدى أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ على الحوض. قال أنس: فلم نصبر.
وقال: (٣)
حدثنا سعيد بن عفير، حدثني ليث، حدثني عقيل , عن ابن شهاب , حدثني إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب , وزعم عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه , أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين , فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم , فقال لهم رسول الله ﷺ : معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إحدى الطائفتين , إما السبي , وإما المال.
стр. 4029
وقد كنت استأنيت بكم وكان أنظرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف , فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين , قالوا: فإنا نختار سبينا , فقام رسول الله ﷺ في المسلمين , فأثنى على الله بما هو أهله , ثم قال: أما بعد , فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين , وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم , فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل , ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن , فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس , فكلمهم عرفاؤهم , ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ , فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. هذا الذي بلغني عن سبي هوازن.
وجلي أن القضيتين تتفقان في إحداث حكم شرعي يكون استثناء لقاعدة حق المجاهدين أفرادًا أو بالاشتراك في المغانم عند غنمها , وهذا الحكم هو أن للإمام إذا تعينت عنده مصلحة عامة في إيثار فرد أو أكثر من المجاهدين أو من غيرهم من المسلمين بشيء من الغنائم , فله أن يفعل ذلك بمقتضى حق الإمامة ولا يعتبر جائرًا على ذوي الحق الأصليين في المغانم؛ لأنه تصرف اعتبارًا لمصلحة عامة تشملهم جميعًا , وتشمل معهم غيرهم , ويتمادى أثرها إلى المجتمع الإسلامي قاطبة أو إلى جانب كبير منه , وذلك ما يرجح بهذه المصلحة العامة عن بعض ما قد يتراءى "مفسدة" محدودة الأثر لما ينقص بعض النقص من حقوق الأفراد المستحقين أصلًا للمغانم.
قد يجادل بعض المشغوفين بالجدل في أن قضية هوازن وإعادة السبي إليهم إنما تمت بتصرف ناتج عن "الإقناع " وليس ناتجا عن "التحكم" , فرسول الله ﷺ حين سأله وفد هوازن أن يعيد إليهم ما أصاب من سبي وغنيمة في انتصاره عليهم وعلى ثقيف , لم يأمر المسلمين أمرًا صريحًا بأن يعيدوا إليهم ما أعادوا , وإنما جعل لهوازن أن يختاروا بين السبي والمال , فلما اختاروا السبي حث المسلمين على أن يعيدوا إليهم سبيهم , فاستجابوا له وأعادوا إليهم ما بين أيديهم , وهذا النوع من الجدل إنما يعتمد على فهم ساذج لتصرفات رسول الله يكتمو على تقصير في استحضار جميع الملابسات التشريعية السابقة أو المواكبة للتصرفات النبوية , ذلك بأن المسلمين كانوا يدركون من الخلق العظيم الذي أصفى به نبيه ﷺ ومن منهاجه في معاملتهم وتكييف سلوكهم أفرادًا وجماعة تكييفًا خلقيا أنه دأب ﷺ على اعتماد أسلوب "الإقناع" وإيثاره على أسلوب "التحكم " إلا أن يضطر اضطرارًا إلى الالتجاء إلى أسلوب "التحكم" مجابهة لعناد بعض من لا يفقهون وقلما فعل ذلك , وأنه ﷺ إذ يحث على عمل من هذا القبيل له آماده السياسية المتجاوزة للاعتبارات الفردية والمتجاوبة مع اعتبارات المصلحة العامة إنما يأمر أمرًا صاغه بأسلوب الترغيب ليتيح للمسلمين الشعور بالمشاركة في اتخاذ القرار وبالإسراع إلى الاستجابة له والمبادرة لما يريد ابتغاء الأجر من الله بطاعة الله والرسول على حين أنهم يدركون أعمق الإدراك أنهم إن لم يستجيبوا لما رغبهم فيه وحثهم عليه قد يرتكبون إثما بمخالفته وعدم الاستجابة له فهم يحفظون - أو كثير منهم يحفظون - قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) وقوله ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢) .
стр. 4030
وتدبر جيدًا قوله تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ . ولعل قصة سعيد بن المعلى حين دعاه رسول الله ﷺ وهو يصلي فلم يستجب لدعوته حتى أتم صلاته فعاتبه رسول الله ﷺ بهذه الآية الحديث رواه البخاري في تفسير سورة الفاتحة (ج: ٥. ص: ٤٦) , فقال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى , عن شعبة قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن , عن حفص بن عاصم , عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد , فدعاني رسول الله ﷺ , فلم أجبه , فقلت: يا رسول الله , إني كنت أصلي. فقال: ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟ ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد , ثم أخذ بيمينى , فلما أراد أن يخرج , قلت: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. ورواه في تفسير سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ الآي. فقال (البخاري. ص: ١٩٩) : حدثني إسحاق , قال: أخبرنا روح، حدثنا شعبة , عن خبيب، وذكر الحديث.