ثم أدركه الموت , فأرسلني , فلحقت عمر بن الخطاب , فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي ﷺ فقال: ((من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)) . فقمت , فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) . فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست , ثم قال الثالثة مثله , فقمت , فقال رسول الله ﷺ : ((ما لك يا أبا قتادة؟)) فاقتصصت عليه القصة , فقال رجل: صدق يا رسول الله , وسلبه عندي , فأرضه عني. فقال أبو بكر الصديق ﵁: لا ها الله , إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ يعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : ((صدق)) فأعطاه , فبعت الدرع , فابتعت به مخرفًا في بني سلمة , فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
وقال (١) :
حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك , عن يحيى بن سعيد , عن عمر بن كثير بن أفلح , عن أبي محمد مولى أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا , كان للمسلمين جولة , فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين , فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف , فقطعت الدرع , وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت , ثم أدركه الموت , فأرسلني , فلحقت عمر , فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله , ثم رجعوا , وجلس النبي ﷺ , فقال: ((من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)) فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست , فقال النبي ﷺ : ((مثله)) قال: ثم قال النبي ﷺ مثله , فقمت , فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. قال: ثم قال النبي ﷺ مثله , فقمت , فقال: ((مالك يا أبا قتادة؟)) فأخبرته , فقال رجل: صدق , وسلبه عندي , فأرضه عني. فقال أبو بكر: لاها الله إذا , لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : ((صدق، فأعطه)) فأعطانيه , فابتعت به مخرفًا في بني سلمة , فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
стр. 4027
وقال (١) :
قال الليث: حدثني يحيى بن سعيد , عن عمر بن كثير بن أفلح , عن أبي محمد مولى أبي قتادة , أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين , نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين , وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله , فأسرعت إلى الذي يختله , فرفع يده ليضربني , وأضرب يده فقطعتها , ثم أخذني فضمني ضمًا شديدًا حتى تخوفت , ثم برك فتحلل , ودفعته ثم قتلته , وانهزم المسلمون , وانهزمت معهم , فإذا بعمر بن الخطاب في الناس , فقلت له ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : ((من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه)) ، فقمت لألتمس بينة على قتيلي , فلم أر أحدًا يشهد لي , فجلست , ثم بدا لي , فذكرت أمره لرسول الله ﷺ , فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي , فأرضه منه. فقال أبو بكر: كلا , لا يعطيه أصيبغ من قريش ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ . قال: فقام رسول الله ﷺ , فأداه إلي , فاشتريت منه خرافًا , فكان أول ما تأثلته في الإسلام.
والقضية الثانية قضية إيثار بعض المقاتلة على بعض في قسمة الغنيمة وإعادة بعض الغنيمة إلى من غلبوا من الأعداء إذا هم أفاؤوا إلى الإسلام , وهي أيضًا قضية مشهورة لدى أصحاب السنن ونقلة الأخبار، لذلك نقتصر فيها على ما أخرجه البخاري.
قال (٢) :
"حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن , قال: حدثني عمرو بن تغلب ﵁ , قال: أعطى رسول الله ﷺ قومًا ومنع آخرين , فكأنهم عتبوا عليه , فقال: إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم , وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء , منهم عمرو بن تغلب. فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم. زاد أبو عاصم عن جرير , قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب , أن رسول الله ﷺ أتى بمال أو بسبي فقسمه بهذا.
стр. 4028
وقال (١) :
"حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة , عن قتادة , عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أعطي قريشًا أتألفهم؛ لأنهم حديث عهد بجاهلية)) .
وقال (٢) :
"حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا الزهري , قال: أخبرني أنس بن مالك , أن ناسًا من الأنصار قالوا لرسول الله ﷺ حين أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال هوازن ما أفاء , فطفق يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل , فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ , يعطي قريشًا , ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم , فأرسل إلى الأنصار , فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع أحدًا معهم غيرهم، فلما اجتمعوا , جاءهم رسول الله ﷺ , فقال: ما كان حديث بلغني عنكم؟ قال له فقهاؤهم: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئًا , وأما أناس منا حديثة أسنانهم , فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله ﷺ : إني لأعطي رجالًا حديث عهدهم بكفر , أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ , فوالله ما تنقلبون به , قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: إنكم سترون بعدى أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ على الحوض. قال أنس: فلم نصبر.
وقال: (٣)
حدثنا سعيد بن عفير، حدثني ليث، حدثني عقيل , عن ابن شهاب , حدثني إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب , وزعم عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه , أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين , فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم , فقال لهم رسول الله ﷺ : معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إحدى الطائفتين , إما السبي , وإما المال.
стр. 4029
وقد كنت استأنيت بكم وكان أنظرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف , فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين , قالوا: فإنا نختار سبينا , فقام رسول الله ﷺ في المسلمين , فأثنى على الله بما هو أهله , ثم قال: أما بعد , فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين , وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم , فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل , ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن , فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس , فكلمهم عرفاؤهم , ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ , فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. هذا الذي بلغني عن سبي هوازن.
وجلي أن القضيتين تتفقان في إحداث حكم شرعي يكون استثناء لقاعدة حق المجاهدين أفرادًا أو بالاشتراك في المغانم عند غنمها , وهذا الحكم هو أن للإمام إذا تعينت عنده مصلحة عامة في إيثار فرد أو أكثر من المجاهدين أو من غيرهم من المسلمين بشيء من الغنائم , فله أن يفعل ذلك بمقتضى حق الإمامة ولا يعتبر جائرًا على ذوي الحق الأصليين في المغانم؛ لأنه تصرف اعتبارًا لمصلحة عامة تشملهم جميعًا , وتشمل معهم غيرهم , ويتمادى أثرها إلى المجتمع الإسلامي قاطبة أو إلى جانب كبير منه , وذلك ما يرجح بهذه المصلحة العامة عن بعض ما قد يتراءى "مفسدة" محدودة الأثر لما ينقص بعض النقص من حقوق الأفراد المستحقين أصلًا للمغانم.
قد يجادل بعض المشغوفين بالجدل في أن قضية هوازن وإعادة السبي إليهم إنما تمت بتصرف ناتج عن "الإقناع " وليس ناتجا عن "التحكم" , فرسول الله ﷺ حين سأله وفد هوازن أن يعيد إليهم ما أصاب من سبي وغنيمة في انتصاره عليهم وعلى ثقيف , لم يأمر المسلمين أمرًا صريحًا بأن يعيدوا إليهم ما أعادوا , وإنما جعل لهوازن أن يختاروا بين السبي والمال , فلما اختاروا السبي حث المسلمين على أن يعيدوا إليهم سبيهم , فاستجابوا له وأعادوا إليهم ما بين أيديهم , وهذا النوع من الجدل إنما يعتمد على فهم ساذج لتصرفات رسول الله يكتمو على تقصير في استحضار جميع الملابسات التشريعية السابقة أو المواكبة للتصرفات النبوية , ذلك بأن المسلمين كانوا يدركون من الخلق العظيم الذي أصفى به نبيه ﷺ ومن منهاجه في معاملتهم وتكييف سلوكهم أفرادًا وجماعة تكييفًا خلقيا أنه دأب ﷺ على اعتماد أسلوب "الإقناع" وإيثاره على أسلوب "التحكم " إلا أن يضطر اضطرارًا إلى الالتجاء إلى أسلوب "التحكم" مجابهة لعناد بعض من لا يفقهون وقلما فعل ذلك , وأنه ﷺ إذ يحث على عمل من هذا القبيل له آماده السياسية المتجاوزة للاعتبارات الفردية والمتجاوبة مع اعتبارات المصلحة العامة إنما يأمر أمرًا صاغه بأسلوب الترغيب ليتيح للمسلمين الشعور بالمشاركة في اتخاذ القرار وبالإسراع إلى الاستجابة له والمبادرة لما يريد ابتغاء الأجر من الله بطاعة الله والرسول على حين أنهم يدركون أعمق الإدراك أنهم إن لم يستجيبوا لما رغبهم فيه وحثهم عليه قد يرتكبون إثما بمخالفته وعدم الاستجابة له فهم يحفظون - أو كثير منهم يحفظون - قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) وقوله ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢) .
стр. 4030
وتدبر جيدًا قوله تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ . ولعل قصة سعيد بن المعلى حين دعاه رسول الله ﷺ وهو يصلي فلم يستجب لدعوته حتى أتم صلاته فعاتبه رسول الله ﷺ بهذه الآية الحديث رواه البخاري في تفسير سورة الفاتحة (ج: ٥. ص: ٤٦) , فقال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى , عن شعبة قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن , عن حفص بن عاصم , عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد , فدعاني رسول الله ﷺ , فلم أجبه , فقلت: يا رسول الله , إني كنت أصلي. فقال: ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟ ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد , ثم أخذ بيمينى , فلما أراد أن يخرج , قلت: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. ورواه في تفسير سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ الآي. فقال (البخاري. ص: ١٩٩) : حدثني إسحاق , قال: أخبرنا روح، حدثنا شعبة , عن خبيب، وذكر الحديث.
стр. 4031
وقال ابن حجر (فتح الباري. ج: ٨. ص: ١١٩ و١٢٠) في شرحه للحديث الأول وبعد أن ذكر اختلافهم في اسم أبي سعيد: هنا (تنبيهان) ويتعلقان بإسناد هذا الحديث؛ أحدهما نسب إلى الغزالي والفخر الرازي وتبعه البيضاوي , هذه القصة لأبي سعيد الخدري , وهو وهم , وإنما هو أبو سعيد بن المعلى.
ثانيهما: روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ , عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد , فزاد في إسناده: عن أبي سعيد بن المعلى , عن أبي بن كعب. والذي في الصحيح أصح , والواقدي شديد الضعف إذا انفرد , فكيف إذا خالف , وشيخه مجهول , وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث , فإن مالكًا أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر , فيه ذكر أبي بن كعب , فقال: عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبي سعيد مولى عامر , أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب. ومن الرواة عن مالك قال: عن أبي سعيد , عن أبي بن كعب , أن النبي ﷺ ناداه. وكذا أخرجه الحاكم , ووهم ابن الأثير حيث ظن أن أبا سعيد شيخ العلاء هو أبو سعيد بن المعلى , فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفاسهم مدني , وذلك تابعي مكي من موالي قريش , وقد اختلف فيه على العلاء , أخرجه الترمذي عن طريق الدراوردي , والنسائي عن طريق روح بن القاسم , وأحمد عن طريق عبد الرحمن بن إبراهيم , وابن خزيمة عن طريق حفص بن ميسرة , كلهم عن العلاء , عن أبيه , عن أبي سعيد , عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج النبي ﷺ على أبي بن كعب ... فذكر الحديث.
وأخرجه الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر , والحاكم من طريق شعبة , كلاهما عن العلاء مثله. لكنه قال: عن أبي هريرة ﵁. ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة , وقد أخرجه الحاكم أيضًا عن طريق الأعرج , عن أبي هريرة , أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب. وهو مما يقوي ما رجحه الترمذي , وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى , ويتعين المصير إلى ذلك , لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما كما بينه. كانت وقعت قبل غزوة حنين وأنها تنوقلت بين المسلمين , فوعوها واتعظوا بها , مهما يكن فما من شك في أنهم لو لم يعيدوا فيما بين أيديهم من سبي طوعًا لاستعاده منهم رسول الله ﷺ "بالتحكم"؛ لأنه ﷺ وعد هوازن بأحد أمرين؛ إما السبي , وإما المال , وما كان ليخلف وعده , وهو حين وعدهم كان يتصرف بمقتضى الإمامة، وحين أصدر أمره إلى المسلمين في صيغة ترغيب كان يتصرف بمقتضى الإمامة أيضًا وإن تلطف في الصيغة.
стр. 4032
وقد يجادل البعض بأن تصرفه ﷺ في هذه القضية وفي قضية إيثار بعض المجاهدين على بعض عند توزيع الغنائم في غزوة حنين إنما كان تطبيقًا لمبدأ تأليف , ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ , وهذا فهم له وجاهته , ولكن حق ﴿الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ إنما جاء به النص فيما يتعلق بالصدقات , لا فيما يتعلق بالغنائم , ثم إن الذين آثرهم رسول الله ﷺ بحصص أوفر من الغنائم ليسوا جميعًا ممن تنطبق عليهم صفة ﴿الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ , بل قد لا يكون من تنطبق عليهم هذه الصفة , عدا بعض الأفراد , ثم إن رسول الله ﷺ حين ترضى الأنصار وقد ساء بعضهم أن يؤثر عليهم بعضهم في الغنائم لم يتعلل في استرضائهم بتأليف القلوب ممن آثرهم صراحة وإن أمكن فهم ذلك احتمالًا مما قاله
في استرضائهم , وإنما تعلل في استرضائهم صراحة بالموازنة بين خلاقين؛ خلاق من يعود إلى رحله بالمغانم من الشاة والجمال , وخلاق من يعود برحله إلى رسول الله , وشتان بين الخلاقين.
على أن هذه الشبهة وما شاكلها مما قد يثيره المجادلون لا مجال لها في قضية كل من أبي قتادة ومعاذ بن عمرو بن الجموح , فما من أحد يستطيع أن يزعم بأن هذين الصحابيين الجليلين يمكن الغمز فيهما بأنهما من ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ , ولا بأن رسول الله ﷺ حين أعطى سلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح وحين أعطى أبا قتادة سلب قتيله , كان يتألف أحدهما أو يتألفهما معًا , وإن يكن الاحتمال وجيهًا أنه ﷺ كان بعمله ذاك يحفز أبطال المسلمين , لا سيما الشباب إلى المزيد من الاستبسال في مواجهة الأعداء , على أن لهاتين القضيتين دلالة بالغة الأثر , وهي أن قضية معاذ بن عمرو بن الجموح كانت في غزوة بدر أولى غزوات رسول الله ﷺ , وقضية أبي قتادة كانت في حنين أخرى غزواته ﵊ , وفي كلتا القضيتين تصرف بمقتضى الإمامة، وهذا يعني أن قاعدة التصرف بمقتضى الإمامة قاعدة مكينة استمرت من فعل رسول الله ﷺ طيلة عهده النير الميمون , فليس لأحد أن يجادل فيها.
стр. 4033
وتصرفه ﷺ طبقًا لهذه القاعدة أو بالأحرى تشريعه لهذه القاعدة شمل قضايا فردية صرفة , وإن تكن ذات أثر في تكييف التشريع العام، كما شمل قضايا ظاهرة الصبغة الاجتماعية وإن كان تطبيقها متصلًا بأفراد , وقد سبق أن وقفنا مرتين عند قضية عضيد سمرة بن جندب وقضية الزبير وصاحبه الذي خاصمه على الماء , ونؤثر أن نورد قصتين أخريين تشبهان هاتين , ولكن لهما تأثيرهما في مجالين مختلفين:
الأولى: ما رواه البخاري وغيره من قول رسول الله ﷺ : ((وهل ترك لنا عقيل من رباع)) .
والثانية: ما رواه البخاري وغيره أيضًا من إذنه ﷺ لهند زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله كفايتها وكفاية ولدها.
قال البخاري (١) :
"حدثنا أصبغ , قال: أخبرني ابن وهب , عن يونس , عن ابن شهاب , عن علي بن الحسين , عن عمرو بن عثمان , عن أسامة بن زيد ﵁ أنه قال: يا رسول الله , أين تنزل بدارك بمكة؟ فقال: ((وهل ترك عقيل من رباع أو دور)) ؟ وكان عقيل ورث أبا طالب , هو وطالب , ولم يرث جعفر ولا علي ﵄ شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين , وكان عقيل وطالب كافرين , فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا يرث المؤمن الكافر. قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) .
стр. 4034
وقال (١) : حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان , عن هشام , عن أبيه , عن عائشة , أن هندًا قالت للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح , وأحتاج أن آخذ من ماله. قال النبي ﷺ : ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) .
وسواء كان قوله ﷺ : ((وهل ترك لنا عقيل من رباع)) عند فتح مكة أو في حجة الوداع أو فيهما معًا , فالقصة متعددة على اختلاف بين الرواة والنقلة , بسطه ابن حجر في الفتح , فإن الذي يعنينا هو أنه ﷺ قعد شرعه , لولا تقعيده لها لكان موضوعها مجال خلاف واسع بين المسلمين , وهي أن الكافر حين يسلم، يسلم على ما في يده ما أصاب في حال الكفر , وإن كان من مال استحقه المسلمون، وبيان ذلك أن إرث رسول الله ﷺ جده عبد المطلب وإرث علي وجعفر ﵄ من أبيهما أبي طالب استحوذ عليه عقيل أخوهما ﵁ قبل أن يسلم , ولم يسأله رسول الله ﷺ رده بعد أن أسلم , وإنما أقره عليه , واعتل بإقراره عليه أنه لم يعد يملك رباعا في مكة ينزل فيها , فقد استحوذ عقيل على رباعه , وجلي أنه لو لم يكن لرسول الله ﷺ حق في تركة جده عبد المطلب؛ لأن أباه توفي وعبد المطلب حي , وأن أعمامه الأحياء هم وحدهم لهم الحق في إرثه , وكان لعلي أو لجعفر حق في تركة أبيهما أبي طالب في إرثه لعبد المطلب يشمله حكم رسول الله ﷺ بحق عقيل فيما استحوذ عليه لنزل فيه رسول الله ﷺ .
ثم أنه ﷺ حصر الاستحواذ على رباعه في عقيل والعباس وغيره من ورثة عبد المطلب قد أصابوا أنصبتهم من إرثه ما في ذلك شك , فوضح أن عقيلًا استحوذ هو وحده على رباع رسول الله ﷺ , ومع أن شراح الحديث ورواته لم يذكروا شيئا عن طبيعة هذه الرباع , فإنا نشعر بأنها قد لا تكون مجرد حصته من إرث جده عبد المطلب , بل يمكن أن يكون منها إرثه من خديجة ﵂ وأن عقيلًا لم يستحوذ استنادًا إلى حق الإرث فحسب , وإنما كان استحواذه جريًا على سنن المصادرة التي استنتها قريش في أموال المهاجرين من المسلمين , فكان قول رسول الله ﷺ : ((وهل ترك لنا عقيل من رباع)) تشريعًا بمقتضى الإمامة لقاعدة أن الكافر إذا أسلم يظل له ما أسلم عليه من مال , وليس للمسلم الذي كان صاحب ذلك المال أن يطالبه به , ولذلك اعتبرنا هذا الحديث الشريف قاعدة تشريعية متميزة من القواعد الناتجة عن التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة , فلو أن رسول الله ﷺ لم يشرعها لانفتح باب يعسر إغلاقه , وقد يكون مستحيلًا من الجدل والخصام بين المسلمين السابقين وبين أولئك اللاحقين قد يعوق عملية الإسماح للمسلمين اللاحقين في مجتمع المسلمين السابقين , وواضح أن هذه المصلحة تعلو على اعتبار المصلحة الفردية لأولئك الذين صودرت أموالهم نتيجة لهجرتهم. وهي فضلًا عن ذلك تشريع يمنع بمقتضاه من تخلى للمسلمين عن شيء من ماله في سبيل الله أن يستعيده وإن أمكنته استعادته , ومن هذا القبيل الكراهة للمصدق أن يشتري صدقته إن وجدها تباع , ولمن وهب عتادًا لمجاهد ليجاهد به في سبيل الله أن يشتريه إذا وجده في السوق يباع.
أما قضية هند وأبي سفيان فلها مجال آخر من التشريع وإن تكن انطلقت من قاعدة التصرف بمقتضى الإمامة , فالإذن لزوجة البخيل المقتر على زوجه وولده أن تأخذ من ماله كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف دون استئذان زوجها وحتى بالرغم من امتناعه يثبت أولًا: الحق في العيش الكفاف للزوجة والولد في مال القادر البخيل.
وثانيًا: أولوية هذا الحق وأسبقيته لواجب المحافظة على مال الزوج باعتباره أمانة لا يحل للزوجة أن تتصرف فيه إلا بإذنه.
وثالثًا: إثبات الحق لصاحب الحق المغتصب أو الممنوع منه أن يأخذه إذا وجده أو أمكنه الحصول عليه بأية وسيلة.
ورابعًا: إقرار مبدأ دقيق خطير , هو أن ما خوله الله من تصرف فيما بين يديه من ما ليس مخولا له تخويلًا مطلقًا غير مقيد , وإنما هو مخول له تخويلًا محدودا بأن ينتفع به وينفع غيره , فإذا تجاوز هذا الحد بأن اختص به نفسه وحرم غيره أو حرم نفسه وحرم غيره بخلًا وأمكن لغيره الشريك فيه بحكم الشرع أن ينال منه نصيبه بمعروف , فله ذلك غير آثم , إنما الإثم على ذلك الذي حاول أن يمنعه حقه أنانية أو بخلًا.
стр. 4035
هذه بعض الأحكام التي شرعها رسول الله ﷺ بقضية هند وأبي سفيان , وهي من الفيوض الكريمة للتصرف بمقتضى الإمامة اعتبارا للمصلحة العامة , وما أكثر ما أصاب المسلمون من فيوض سنة رسول الله ﷺ من خير عميم.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم - لا سما أهل الفتيا - وأولو الأمر منهم يدركون ذلك أعمق الإدراك من فعل رسول الله ﷺ بوعيهم لمناط ما يشرع قولًا وفعلًا , ولو قد مضينا في استقصاء مداركهم هذه بأسانيدها لملأنا مجلدات.
حسبنا أن نقف عند نماذج منها مما انتهجه عمر خلال سني خلافته، فما نعلم في تاريخ التشريع الإسلامي في العهد الأول بعد رسول الله ﷺ مثل عمر وعيًا بحقائق التشريع وتجلية لخباياه وسرائره على حرص شديد منه أن لا ينحرف عن صاحبيه قيد أنملة، ولسنا نغفل الصديق ﵁ ونحسبه لو مد الله في عمره سيكون مثل عمر وإن بأسلوب مختلف في التطبيق والتنفيذ لاختلاف طبيعة الرجلين الجليلين في التعامل مع الناس والأشياء والأحداث , وآية ذلك موقفه ﵁ من مانعي الزكاة والعمل على حفظ القرآن من التلاشي والاندثار بالأمر بجمعه بعد محنة القراء في اليمامة , وكلا الأمرين مشهوران , لسنا بحاجة فيهما إلى بيان أو إسناد.
أما الفاروق ﵁ فقد شاء الله أن تطول خلافته هونا , فاستطاع أن يكمل بيان التشريع الإسلامي وتجلية مناطه ومغازيه وإيضاح معالم النهج الذي يتعين سلوكه في تطبيقه حتى لا يعسر على الفقيه الواعي أن يجد حدثًا مما يستجد في حياة الناس على اختلاف أطوار حضارتهم وأنماط بيئاتهم ليس للحكم فيه أو لتكييف مواجهته أساس من عمل عمر أو قوله إن لم يكن له أساس من فعل رسول الله أو قوله , وليس في القرآن الكريم نص صريح يتصل به.
стр. 4036
ونحسب أن حياة عمر العامة هي المرجع الغني الأصيل بعد سنة رسول الله ﷺ لالتماس حكم الشريعة الإسلامية فيما لم يأت فيه نص في القرآن الكريم.
ولو مضينا في استقصاء النماذج - أقول: النماذج , وليس الكل - لما يصل بموضوعنا (الحكم بمقتضى الإمامة) من حياة عمر العملية والقولية العامة , لكان علينا أن نضع مجلدًا خاصا بنصوصها وأسانيدها ومقاصدها وما يستنبط منها , وكم نود أن يمد الله لنا في العمر ويمنحنا من الجهد ويهبنا من التوفيق ما يتيح لنا التفرغ لهذا العمل بعد أن نفرغ من عمل نرسم له الآن معالمه , وهو المنهاج النبوي في السياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية.
لذلك نحاول أن ندرج كما اتفق وتيسر لنا - ولا نقول: أن نصطفي , فحياة عمر كلها صفوة الصفايا - بعض النماذج لتصرفاته التشريعية بمقتضى الإمامة ﵁ وأرضاه.
روى عبد الرزاق (١) :
عن الثوري وابن جريج , عن يحيى بن سعيد , عن مسلم بن جندب.
وروى ابن حزم (٢) نقلًا عن عبد الرزاق حديث مسلم بن جندب هذا , وننقله عنه؛ لأن النسخة المطبوعة من مصنف عبد الرزاق سقطت منها كلمة أو كلمتان , بينما رواية ابن حزم وافية.
قال مسلم بن جندب: قدم المدينة طعام , فخرج أهل السوق إليه , فابتاعوه , فقال لهم عمر: أفي سوقنا هذا تتجرون؟ أشركوا الناس , أو اخرجوا فاشتروا , ثم ائتوا فبيعوا.
وقال مالك (٣) : إنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: لا حكرة في سوقنا , لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا , فيحتكرون علينا , ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف , فذلك ضيف عمر , فليبع كيف شاء الله , وليمسك كيف شاء الله.
стр. 4037
ووصله البيهقي فقال (١) :
أخبرنا عبد الله الحافظ أبو سعيد بن أبي عمرو , قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان , حدثنا عبد الله بن وهب , عن سليمان بن بلال , عن إسماعيل بن إبراهيم , عن عبد الرحمن بن أبي ربيعة , عن أبيه , أن عمر بن الخطاب خرج إلى السوق , فرأى ناسًا يحتكرون بفضل أذهابهم , فقال عمر: لا , ولا نعمة عين , يأتينا الله بالرزق حتى إذا نزل بسوقنا قام أقوام , فاحتكروا بفضل أذهابهم عن الأرملة والمسكين , إذا خرج الجلاب باعوا على نحو ما يريدون من التحكم , ولكن أيما جالب جلب يحمله على عمود كبده في الشتاء والصيف حتى ينزل سوقنا , فذلك ضيف لعمر , فليبع كيف شاء الله , وليمسك كيف شاء الله.
وقال عبد الرزاق (٢) :
أخبرنا ابن جريج ومحمد بن مسلم , عن عمرو بن دينار , قال: قال عمر بن الخطاب: من باع في سوقنا , فنحن له ضامنون , ولا يبيع في سوقنا محتكر.
أخبرنا معمر أنه بلغه , أن عمر برجل يبيع طعامًا قد نقص سعره , فقال: اخرج من سوقنا , وبع كيف شئت ".
ووصله البيهقي فقال (٣) :
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن , قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , أنبأ ابن وهب، أخبرني مالك , عن يونس بن يوسف , عن سعيد بن المسيب قال: مر عمر بن الخطاب ﵁ على حاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق , فقال له عمر ﵁: إما أن تزيد في السعر , وإما أن ترفع من سوقنا.
стр. 4038
وتعقبه البيقهي بقوله:
فهذا مختصر، وتمامه فيما روى الشافعي عن الدراوردي , عن داود بن صالح التمار , عن القاسم بن محمد , عن عمر ﵁ , أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب , فسأله عن سعرهما , فسعر له مدين لكل درهم , فقال له عمر ﵁: لقد حدثت ببعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا وهم يعتبرون بسعرك , فإما أن ترفع في السعر , وإما إن تدخل زبيبك للبيت تبيعه كيف شئت , فلما رجع عمر حسب نفسه , ثم أتى حاطبًا في داره فقال له: إن الذي قلت ليس بعزمة مني , ولا قضاء , إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد , فحيث شئت فبع , وكيف شئت فبع.
وقال عبد الرزاق:
أخبرنا مالك , عن يونس , عن يوسف , عن ابن المسيب , أن عمر بن الخطاب مر على حاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له في السوق , فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر , وإما أن ترفع عن سوقنا.
أخبر ابن جريج , عن عمرو بن شعيب , قال: وجد عمر بن الخطاب ابن أبي بلتعة يبيع الزبيب بالمدينة , فقال: كيف تبيع يا حاطب؟ فقال: مدين. فقال: تبتاعون بأبوابنا وأفنيتنا وأسواقنا , تقطعون في رقابنا , ثم تبيعون كيف شئتم، بع صاعًا , وإلا فلا تبع في سوقنا , وإلا فسيروا في الأرض واجلبوا , ثم بيعوا كيف شئتم.
وروى مالك في الموطأ (١) :
عن يونس بن يوسف , عن سعيد بن المسيب , أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له في السوق , فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر , وإما أن ترفع عن سوقنا.
قلت: انفرد الشافعي إذا ثبت ما نقل عنه البيهقي بما زاده في روايته لقصة حاطب , من أن عمر راجع نفسه , فعاد إليه وأذن له في البيع كيف شاء , وعلى فرض صحة هذه الزيادة - والزيادة من الثقة مقبولة , فكيف إذا كانت من إمام
كالشافعي ﵀ فإن عمر فعل ذلك في رأينا والله أعلم إكرامًا لحاطب؛ لأنه بدري , وللبدريين مقام متميز بين الصحابة , فضلًا عن سائر المسلمين.
стр. 4039
قال أبو عبيد (١) :
"وأما ما جاء في ترك القسم , فإن هشيم بن بشير حدثنا , قال: أخبرنا العوام بن حوشب , عن إبراهيم التميمي , قال: لما افتتح المسلمون السواد , قال عمر: اقسمه بيننا , فإنا افتتحناه عنوة. قال: فأبى , وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه , قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم , وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أرضيهم الطسق (٢) ولم يقسم بينهم.
وحدثني سعيد بن أبي سليمان , عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، حدثنا الماجشون , قال: قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا , وخذ خمسها. فقال عمر: لا , هذا عين المال , ولكن أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين. فقال بلال وأصحابه: أقسمها بيننا. فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه. قال: فما حال الحول ومنهم حي يطرف.
قال عبد العزيز بن سلمة: وأخبرني زيد بن أسلم , قال: قال عمر: تريدون أن يأتي آخر الناس وليس لهم شيء.
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي , عن مالك بن أنس , عن زيد بن أسلم , عن أبيه قال: سمعت عمر قال: لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلا قسمتها.
حدثنا ابن أبي مريم , عن ابن لهيعة قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب عمن سمع عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما افتتحت مصر بغير عهد , قام الزبير فقال: يا عمرو بن العاص اقسمنها. فقال عمرو: لا أقسمها. فقال الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر. فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إلى عمر , فكتب إليه: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة.
حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة , عن زيد بن أبي حبيب , أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح العراق , أما بعد فقد بلغني كتابك أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين , واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين , فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعده شيء.
стр. 4040
حدثنا إسماعيل بن جعفر , عن إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن حارثة بن مضرب , عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين , فأمر أن يحصر , فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين , فشاور في ذلك , فقال له علي بن أبي طالب: دعهم يكونوا مادة للمسلمين. فتركهم وبعث إليهم عثمان بن حنيف , فوضع عليهم ثمانية وأربعين , وأربعة وعشرين , واثني عشر (١)
حدثنا هشام بن عمار الدمشقي , عن يحيى بن حمزة , قال: حدثني تميم بن عطية المعلي , قال: أخبرني عبد الله بن أبي قيس أو عبد الله بن قيس الهمداني - شك أبو عبيد (٢) قال: قدم عمر الجابية , فأراد قسم الأرض بين المسلمين , فقال له معاذ: والله إذن ليكون ما تكره , إنك إن قسمتها صار الربع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون , فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة , ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئًا , فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم.
قال هشام: وحدثني الوليد بن مسلم , عن تميم بن عطية , عن عبد الله بن أبي قيس - أو ابن قيس - (٣) أنه سمع عمر يكلم الناس في قسم الأرض , ثم ذكر كلام معاذ إياه , قال: فصار عمر إلى قول معاذ.
وقال ابن زنجوية (٤) :
стр. 4041
حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأ محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم , عن أبيه , أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أنا والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا (١) ليس لهم شيء ما فتحت في قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر ولم أتركها خزانة لهم يقسمونها.
قال البخاري (٢) : حدثنا صدقة، أخبرنا عبد الرحمن , عن مالك , عن زيد بن أسلم , عن أبيه قال: قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر.
وقال البخاري (٣) : حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر , قال: أخبرني زيد , عن أبيه , أنه سمع عمر بن الخطاب ﵄ يقول: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر , ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.
حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن مهدي , عن مالك بن أنس , عن زيد بن أسلم , عن أبيه , عن عمر ﵁ قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر.
ونقل الحافظ في الفتح (٤) : عن الدارقطني عن غرائب مالك من طريق معن بن عيسى عن مالك بسند الحديث السابق , عن عمر قال: لئن بقيت إلى الحول لألحقن أسفل الناس بأعلاهما. لكن روى أحمد في مسنده (٥) :
стр. 4042
"عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو , قال: حدثنا هشام - يعني ابن سعد - عن زيد بن أسلم , عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا يفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
وواضح أن بين هذا الأثر والآثار السابقة له عن عمر ما يشبه أن يكون عمر قد رجع عن احتباس الأرض المفتوحة عنوة وقفا لبيت مال المسلمين , ترجع عوائده على الأجيال المتعاقبة إلى قسمتها بين الفاتحين , وقد اعتمد ابن حزم في المحلى (١) هذه الرواية , فاستظهر بها لما ذهب إليه في هذا الشأن، بيد أننا نرتاب في صحتها متنا لما بين بعض ألفاظها وألفاظ الروايات الأخرى من شبه يوحي بأن فيما اختلفت فيه عن الروايات الأخرى وهما، وقد عرف هشام بن سعد بأنه صدوق , ولكن له أوهام (٢) . وسيأتي عن عمر من التصرفات ما يعضد ما ذهبنا إليه في هذا الشأن على أن احتباس الأرض المفتوحة عنوة أو الرجوع عن احتباسها لو ثبت كلاهما يعضد ما نستظهر به من أعمال عمر على اعتبار التصرف بمقتضى الإمامة طبقًا للمصلحة العامة قاعدة شرعية ثابتة تضبط تصرفات أولي الأمر , وتحكم ما قد تتغاير فيه المصلحتان العامة والخاصة.
قال يحيى بن آدم (٣) :
"حدثنا قيس بن الربيع , عن رجل من بني أسد , عن أبيه قال: أصفى حذيفة أرض كسرى وأرض آل كسرى ومن كان كسرى أصفى أرضه , وأرض من قتل , ومن هرب , والآجام ومغيض الماء.
قلت: كان حذيفة عاملًا لعمر.
وقال:
"حدثنا عبد الله بن المبارك , عن عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل , قال: حدثني عبد الملك بن أبي حرة , عن أبيه قال: أصفى عمر بن الخطاب ﵁ هذا السواد عشرة أصناف , أصفى أرض من قتل في الحرب , ومن هرب من المسلمين , وكل أرض لكسرى , وكل أرض كانت لأحد من أهله , وكل مغيض , وكل دبر بريد , قال: ونسيت أربعًا , قال: وكان خراج ما أصفى سبعة آلاف ألف , فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان , فأخذ كل قوم ما يليهم.
стр. 4043
حدثنا عبد السلام بن حرب , عن عبد الله بن الوليد المزني , عن رجل من بني أسد , قال: لم أدرك بالكوفة أحدًا كان أعلم بالسواد منه , قال: بلغت غلة الصوافي على عهد عمر بن الخطاب ﵁ أربعة آلاف ألف , وهي التي يقال لها: صوافي الأسنان اليوم , قلت: وما الصوافي؟ قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ أصفى كل أرض كانت لكسرى أو لآل كسرى أو رجل قتل في الحرب أو رجل لحق بأهل الحرب أو مغيض ماء أو دبر بريد , قال: وخصلتين ذكرهما ولم أحفظهما. وفي حديث قيس: والآجام , ومن كان كسرى أصفى أرضه.
وقال أبو عبيد (١) .
"حدثنا معاذ بن معاذ وأزهر السمان , كلاهما عن ابن عون , فأما أزهر فقال: عن عمر بن يحيى الزرقي , وأما معاذ فقال: عن الزرقي ولم يسمه , قال: أقطع أبو بكر طلحة بن عبيد الله أرضًا , وكتب له بها كتابًا , وأشهد له ناسًا فيهم عمر قال: فأتى عمر طلحة بالكتاب , فقال: اختم على هذا. قال: لا أختم , أهذا كله لك دون الناس؟ قال: فرجع طلحة مغضبًا إلى أبي بكر. فقال: والله ما أدري أنت الخليفة أم عمر؟ قال: لا بل عمر , ولكنه أبى.
وقال ابن زنجويه (٢) :
حدثنا النضر، أخبرنا ابن عون، أنبأنا رجل من بني زريق , أن أبا بكر ﵁ أقطع طلحة أرضًا , وكتب له بها كتابًا , وأشهد فيه ناسًا , وأشهد عمر فيمن أشهد , قال: فأتاه بالكتاب , وقال: اختم هذا. قال: لا , لم؟ أكل المسلمين أعطى مثل ما أعطاك؟ قال: فخرج وهو غضبان حتى دخل على أبي بكر , فقال: ما أدري أنت الخليفة أم عمر؟ قال: لا , بل عمر , لكنه أبى ذلك.
стр. 4044
قلت: تكلموا في عمر بن يحيى الزرقي , وقال عنه ابن معين: ليس بشيء (١) ثم إنهم قالوا: إن حديثه عن أبي بكر وعمر مرسل , ومع ذلك فهو يتسق مع تصرفات عمر التي سيأتي بعض منها , وقد روى ابن زنجويه هذا الحديث عن أبي عبيد بالسند السابق (٢) .
وقال أبو عبيد (٣) : حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي , عن محمد بن شعيب بن شابور , عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر , أن أبا بكر أقطع لعيينة بن حصن قطيعة , وكتب له بها كتابًا , فقال طلحة أو غيره: وإنا نرى هذا الرجل سيكون من هذا الأمر بسبيل - يعني عمر - فلو أقرأته كتابك فأتى عيينة عمر , فأقرأه كتابه , ثم ذكر مثل حديث ابن عون - يعني المتقدم في شأن طلحة - وزاد فيه: أنه بصق في الكتاب ومحاه , قال: فسأل عيينة أبا بكر أن يجدد له كتابًا , فقال: لا , والله لا أجدد شيئًا رده عمر.
ورواه البيهقي بأطول ولفظه (٤) :
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنبأ عبد الله بن درستويه، حدثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا المحارب , عن حجاج بن دينار الواسطي , عن ابن سيرين , عن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ﵁ فقالا: يا خليفة رسول الله ﷺ , إن عندنا أرضًا سبخة , ليس فيها كلأ ولا منفعة , فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نزرعها ونحرثها ... فذكر الحديث في الإقطاع وإشهاد عمر ﵁ عليه ومحوه إياه , فقال عمر ﵁: إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما , والإسلام يومئذ قليل , وإن الله أعز الإسلام , فاذهبا فاجهدا جهدكما , لا أرعى الله عليكما إن رعيتما.
стр. 4045
ونقله السيوطي (١) عن ابن أبي حاتم بمثل لفظ البيهقي فقال: وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني , قال: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر , فقالا: يا خليفة رسول الله ﷺ , إن عندنا أرضًا سبخة , ليس فيها كلأ ولا ماء ولا منفعة , فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها أو نزرعها , أو لعل الله أن ينفع بها. فأقطعهما إياها , وكتب لهما بذلك كتابًا وأشهد لهما , فانطلقا إلى عمر ليشهداه على ما فيه , فلما قرآ على عمر ما في الكتاب , تناوله من أيديهما , فتفل فيه فمحاه , فتذمرا وقالا له مقالة سيئة , فقال عمر: إن رسول الله ﷺ كان يتألفهما , والإسلام يومئذ قليل , وإن الله قد أعز الإسلام , فاذهبا فاجهدا جهدكما , لا أرعى الله عليكما إن رعيتما.
قلت: كان عيينة بن حصن ممن تألفهم رسول الله ﷺ من بني فزارة , وكان الأقرع بن حابس ممن تألفهم من بني نصر.
وقال الطبري (٢) :
"حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا هشيم , قال: حدثنا عبد الرحمن بن يحيى , عن حبان بن أبي جبلة , قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأتاه عيينة بن حصن: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ , وتعقبه بقوله: أي ليس اليوم مؤلفة.
وقال عبد الرزاق (٣) :
عن ابن جريج قال: حدثني هشام بن عروة , عن عروة , أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أخبره , عن أبيه قال: توفي حاطب وترك أعبدًا , منهم من يمنعه من ستة آلاف يعملون في مال لحاطب بشمران , فأرسل إلي عمر ذات يوم ظهرًا وهم عنده , فقال: هؤلاء أعبدك سرقوا , وقد وجب عليهم ما وجب على السارق , وانتحروا ناقة لرجل من مزينة واعترفوا بها ومعهم المزني , فأمر عمر أن تقطع أيديهم , ثم أرسل وراءه , فرده ثم قال لعبد الرحمن بن حاطب: أما والله لولا أن أظن أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم يجد ما حرم الله عليه يأكله لقطعت أيديهم , ولكن والله إذ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال للمتولي: كم ثمنها؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة. قال: أعطه ثمانمائة.
стр. 4046
وعن معمر , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب , أن غلمة لأبيه عبد الرحمن بن حاطب سرقوا بعيرًا فانتحروه , فوجد عندهم جلده ورأسه , فرفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب , فأمر بقطعهم , فمكثوا ساعة وما نرى إلا أن قد فرض من قطعهم , ثم قال عمر: علي بهم , ثم قال لعبد الرحمن: والله لأني أراك تستعملهم وتسيء إليهم حتى لو وجدوا ما حرم الله لا حل لهم , ثم قال لصاحب البعير: كم كنت تعطي لبعيرك؟ قال: أربعمائة. قال لعبد الرحمن: قم فاعزم لهم ثمانمائة درهم.
وقال البيهقي (١) : أخبرنا أبو زكرياء بن أبي إسحاق وأبو سعيد بن أبي عمرو , قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب , أنبأ جعفر بن عون، حدثنا هشام بن عروة , عن أبيه , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أصاب غلمان لحاطب بن أبي بلتعة بالعالية ناقة لرجل من مزينة , فانتحروها واعترفوا بها , فأرسل إليه عمر , فذكر ذلك له , وقال: هؤلاء أعبدك قد سرقوا وانتحروا ناقة رجل من مزينة , واعترفوا بها. فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم , ثم أرسل بعدما ذهب فدعاه , وقال: لولا أني أظن أنكم تجيعونهم حتى إن أحدهم أتى ما حرم الله , لقطعت أيديهم , ولكن والله لئن تركتهم لأغرمنك فيهم غرامة توجعك. فقال: كم ثمنها للمزني؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة. قال: فأعطه ثمانمائة.
وقال ابن حجر (٢) : وقال البخاري في التاريخ الصغير: حدثنا محمد بن العلاء , وقال الحاملي في أماليه: حدثنا مروان بن عبد الله - واللفظ له – قالا: حدثنا عبد الرحمن بن حميد المحاربي، حدثنا حجاج بن دينار , عن أبي عثمان , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة بن عمرو قال: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن إلى أبي بكر الصديق رضي
الله عنه فقال (٣) : يا خليفة رسول الله , إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة , فإن رأيت أن تقطعناها. فأجابهما , وكتب لهما , وأشهد القوم , وعمر ليس فيهم , فانطلقا إلى عمر يشهداه فيه , فتناول الكتاب وتفل فيه ومحاه , فتذمرا له , وقالا له مقالة سيئة , فقال: إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما , والإسلام يومئذ قليل , وأن الله قد أعز الإسلام , اذهبا فاجهدا على جهدكما , لا رعى الله عليكما إن رعيتما. فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران , فقالا: ما ندري والله أنت الخليفة أو عمر؟ فقال: لا , بل هو لو كان شاء. فجاء عمر وهو مغضب , فوقف على أبي بكر , فقال: أخبرني عن هذا الذي أقطعتهما أرضا هي لك خاصة أو للمسلمين؟ قال: بل للمسلمين عامة. قال: فما حملك على أن تخص بها هذين؟ قال: استشرت الذين حولي فأشاروا علي بذلك , وقد قلت لك: إنك أقوى على هذا مني.
وقال ابن زنجويه (٤) : حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة , عن ابن أبي حبيب , عن ابن أخي عمرو بن الصعق أنه كتب إلى عمر بن الخطاب بأبيات من شعر لما كثر عمال عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عنه:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة فأنت أمين الله في المال والأمر
فلا تدعن أهل الرساتيق والجزى يشيعون مال الله في الأدم الوفر
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه وأرسل إلى عمرو وأرسل إلى بسر
ولا تنسين النافعين كليهما وصهر بني غزوان عندك ذو وفر
ولا تدعوني للشهادة إنني أغيب ولكني أرى عجب الدهر
من الخيل كالغزلان والبيض كالدمى وما ليس ينسى من قدام ومن ستر
ومن غيظة مكنونة في صيانها ومن طي أستار معصفرة حمر
فقاسمهم أهلي فداؤك إنهم سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر
إذا التاجر الطائي جاء بفأرة من المسك راحت في مفارقهم تجري
تبيع إذا باعوا وتغزو إذا غزوا فأنى لهم مال ولسنا بذي وفير.
стр. 4047
وكان عمر بن الخطاب إذا استعمل عاملًا فاستكثر ماله , بعث إليه , فأخذ بشطر ماله.
قال أبو عبيد: وأخبرنا معاذ بن معاذ , عن ابن عون , عن ابن سيرين قال: لما قدم أبو هريرة من البحرين , قال له عمر: يا عدو الله وعدو كتابه , أسرقت مال الله؟ قال: لست عدو الله ولا عدو كتابه , ولكني عدو من عاداهما , ولم أسرق مال الله. قال: فقال: من أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قال: خيلي تناسلت , وعطائي تلاحق , وسهامي تلاحقت. فقبضها منه , قال أبو هريرة: فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين.
وروى عبد الرزاق هذا الأثر فقال (١) : عن معمر , عن أيوب , عن ابن سيرين , أن عمر بن الخطاب استعمل أبا هريرة على البحرين , فقدم بعشرة آلاف , فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه. قال أبو هريرة: لست عدو الله ولا عدو كتابه , ولكني عدو من عاداهما. قال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل لي تناتجت , وغلة رقيق لي , وأعطية تتابعت علي. فنظروه , فوجدوه كما قال. قال: فلما كان بعد ذلك , دعاه عمر يستعمله فأبى أن يعمل له , فقال: أتكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرًا منك يوسف؟ قال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي , وأنا أبو هريرة ابن أميمة أخشى ثلاثًا واثنتين , قال له عمر: أفلا قلت خمسًا؟ قال: لا , أخشى أن أقول بغير علم , وأقضي بغير حلم , ويضرب ظهري , وينتزع مالي ويشتم عرضي.
стр. 4048
وقال ابن سعد (١) :
أخبرنا عمرو بن الهيثم , قال: حدثنا أبو هلال , عن محمد بن سيرين , عن أبي هريرة قال: كنت عاملًا بالبحرين , فقدمت على عمر بن الخطاب , فقال: عدوا لله وللإسلام - أو قال: عدوًا لله ولكتابه - سرقت مال الله. قلت: لا , ولكني عدو من عاداهما , خيل لي تناتجت , وسهام لي اجتمعت. وأخذ مني عشرة آلاف , قال: ثم أرسل إلي بعد آن: ألا تعمل؟ قلت: لا. قال: لم أليس قد عمل يوسف؟ قلت: يوسف نبي ابن نبي , وأخشى من عملكم ثلاثًا واثنتين , قال: أفلا تقول خمسًا؟ قال: لا، أخاف أن يشتم عرضي ويؤخذ مالي ويضرب ظهري , وأخاف أن أقول بغير علم , وأقضي بغير حلم.
أخبرنا هوذة بن خليفة وعبد الوهاب بن عطاء ويحيى بن خليف بن عقبة وبكار بن محمد , قالوا: حدثنا ابن عون , عن محمد بن سيرين , عن أبي هريرة قال لي عمر: يا عدو الله وعدو كتابه , أسرقت مال الله؟ قال: فقلت: ما أنا بعدو الله , ولا بعدو كتابه , ولكني عدو من عاداهما , ولا سرقت مال الله. قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين , خيلي تناسلت , وسهامي تلاحقت , وعطائي تلاحق. قال: فأمر بها أمير المؤمنين , فقبضت. قال: فكان أبو هريرة يقول: اللهم اغفر لأمير المؤمنين.
أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى , قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله , أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة يا أبا هريرة؟ قال: بعثتني وأنا كاره , ونزعتني وقد أحببتها , وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين , فقال: أظلمت أحدًا؟ قال: لا، قال: أخذت شيئًا بغير حقه؟ قال: لا، قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفًا. قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك وخذه , واجعل الآخر في بيت المال.
وقال أبو عبيد (٢) :
حدثنا عبد الله بن صالح , عن الليث بن سعد , عن يحيى بن سعيد , أن عمرو بن الصعق لما نظر إلى أموال العمال تكثر , استكثر ذلك , فكتب إلى عمر بن الخطاب بأبيات شعر قد ذكرها عبد الله بن صالح عن الليث في حديثه , قال: فبعث عمر إلى عماله وفيهم سعد وأبو هريرة , فشاطرهم أموالهم.
стр. 4049
وحدثنا معاذ , عن ابن عون , عن ابن سيرين قال: لما قدم أبو هريرة من البحرين , قال له عمر: يا عدو الله وعدو كتابه , أسرقت مال الله؟ قال: لست بعدو الله ولا بعدو كتابه , ولكن عدو من عاداهما , ولم أسرق مال الله. قال: فمن أين اجتمعت إليك عشرة آلاف درهم؟ قال: خيلي تناسلت , وعطائي تلاحق , وسهامي تلاحقت. فقبضها منه، قال أبو هريرة: فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين.
وحدثنا يعقوب بن إسحاق , عن زيد بن إبراهيم التستري , عن ابن سيرين , عن أبي هريرة مثل ذلك , وزاد فيه قال: قال أبو هريرة: ثم قال لي عمر بعد ذلك: ألا تعمل؟ قلت: لا. قال: لم أليس قد عمل من هو خير منك يوسف؟ فقلت: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي , وأنا ابن أميمة , وأخشى ثلاثًا واثنتين , قال: فهلا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم , وأحكم بغير حلم - وقال: أقول بغير حلم وأحكم بغير علم , قال: الشك من ابن سيرين - وأخشى أن يضرب ظهري , ويشتم عرضي , وينزع مالي.
وقال ابن زنجوية (١) :
"أنبأ بكر بن بكار، أنبأ أبو حرة، حدثنا محمد , قال: قال عمر لأبي هريرة: يا عدو الله وعدو كتابه , خنت مال الله؟ قال: ما خنت مال الله , وما أنا بعدو الله ولا عدو كتابه , ولكن عدو من عاداهما , سهامي اجتمعت , وخيلي تناسلت. قال: فغرمه اثني عشر ألف درهم , فلما دخل الصلاة , قال: اللهم اغفر لعمر.
حدثنا محاضر بن مجالد بن سعيد , عن عامر الشعبي قال: قال عمر لأناس من أصحاب محمد: يا معشر أصحاب محمد , إذا تخلفتم عن الأمر بمن أستعين أو من أبعث؟ قال أبو هريرة: فأمرني على البحرين , قال: فأتاه بثلاثمائة ألف درهم , فقال عمر: ما رأيت مالًا قط أكثر من هذا , ما في هذا إلا دعوة مظلوم أو مال يتيم؟ قال أبو هريرة: بئس المرء أنا إن كان المهنأ لك , وإن كانت لي المؤنة , ولكن والله ما ألوت أن أطيب. فقال عمر: لله الحمد. فقال أبو هريرة: والله لا أرجع. فقال له: لم يا أبا هريرة؟ قال: لأني أخاف اثنتين - أظنه قال: فيما بيني وبين الله - أخاف بيني وبين الله: أن أقول بغير حكم , وأقضي بغير حق , وأخاف ثلاثًا فيما بيني وبينك: أن أصيب شيئًا فلا تحله لي , وأتعقب من مال فلا تعقبه لي , وإن حدثتك فلا تصدقني.
стр. 4050
وقال أبو يوسف (١) :
"حدثني المجالد بن سعيد , عن عامر , عن المحرر بن أبي هريرة , عن أبيه , أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إذا لم تعينوني فمن يعينني؟ قالوا: نحن نعينك. فقال: يا أبا هريرة أنت البحرين وهجر , ائت العام. قال: فذهبت فجئته في آخر السنة بغرارتين فيهما خمسمائة ألف , فقال له عمر ﵁: ما رأيت مالًا مجتمعًا قط أكثر من هذا , فيه دعوة مظلوم أو مال يتيم أو أرملة , قال: قلت: لا والله بئس والله الرجل أنا , إذًا إن ذهبت أنت بالمهنأ , وأنا أذهب بالمؤنة.
قال الطبري (٢) : كتب إلي السري , عن شعيب , عن سيف , عن أبي المجالد وأبي عثمان والربيع وأبي حارثة , قالوا: ولما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الطائفة , انتزعه رجال , فانتجع خالدًا رجال من أهل الآفاق , فكان الأشعث بن قيس (٣) ممن انتجع خالدًا بقنسرين , فأجازه خالد بعشرة آلاف , وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، كتب إليه من العراق بخروج من خرج , ومن الشام بجائزة من أجيز فيها , فدعا البريد , وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدًا ويعقله بعمامته وينزع منه قلنسوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث , أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها , فقد أقر بخيانة , وإن زعم أنها من ماله , فقد أسرف واعزله على كل حال , واضمم إليك عمله , فكتب أبو عبيدة إلى خالد , فقدم عليه , ثم جمع الناس , وجلس على المنبر , فقام البريد وقال: يا خالد , أمن مالك أوجزت بعشرة آلاف أو من إصابة؟
стр. 4051
فلم يجبه حتى أكثر عليه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئًا , فقام بلال إليه , فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا. ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته , وقال: ما تقول؟ أمن مالك أم من إصابة؟ قال: لا , بل من مالي , فأطلقه وأعاد قلنسوته , ثم عممه بيده , ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا , ونفخم ونخدم موالينا , قال: وأقام خالد متحيرًا لا يدري أمعزول أم غير معزول , وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمر أن يقدم , ظن الذي كان , فكتب إليه بالإقبال , فأتى خالد أبا عبيدة , فقال: رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت كتمتني أمرًا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم , فقال أبو عبيدة: إني ما كنت والله لأروعك ما وجدت لذلك بدا , وقد علمت أن ذلك يروعك , قال: فرجع خالد إلى قنسرين فخطب أهل عمله وودعهم وتحمل , ثم أقبل إلى حمص فخاطبهم وودعهم , ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر فشكاه , وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين , والله إنك في أمري غير مجمل يا عمر. فقال عمر: من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفًا فلك , فقوم عمر عروضه , فخرجت إليه عشرون ألفًا , فأدخلها بيت المال , ثم قال: يا خالد , والله إنك علي لكريم , وإنك إلي لحبيب , ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
كتب إلي السري عن شعيب , عن سيف , عن عبد الله بن مستورد , عن أبيه , عن عدي بن سهيل قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدًا عن سخطة ولا خيانة , ولكن الناس فتنوا به , فخفت أن يتوكلوا عليه ويبتلوا به , فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع , وألا يكونوا بعرض فتنة.
كتب إلى السري عن شعيب , عن سيف , عن مبشر , عن سالم قال: لما قدم خالد على عمر قال عمر متمثلًا:
صنعت فلم يصنع كصنعك صانع وما يصنع الأقوام فالله صانع.
فأغرمه شيئًا , ثم عوضه , وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب , ليعذره عندهم وليبصرهم.
وقال الذهبي (١) :
стр. 4052
"الأصمعي , عن ابن عون , عن ابن سيرين , أن خالد بن الوليد دخل وعليه قميص حرير , فقال عمر: ما هذا؟ قال: وما بأسه , قد لبسه ابن عوف. قال: وأنت مثله (١) عزمت على من في البيت إلا أخذ كل واحد منه قطعة فمزقوه.
وقبل هذا روى الذهبي ما نقلناه عن الطبري في عزل عمر لخالد , ولم ينسبه إلى الطبري , وإنما قال (٢) :
"ومن كتاب سيف عن رجاله قال: كان عمر لا يخفى عليه شيء من عمله , وإن خالدًا أجاز الأشعث بعشرة آلاف، فدعا البريد وكتب إلى أبي عبيدة أن تقيم خالدًا وتعقله بعمامته , وتنزع قلنسوته حتى يعلمك من أين أجاز الأشعث , أمن مال الله أم من ماله؟ فإن زعم أنه من إصابة أصابها , فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله , ففعل ذلك , فقدم خالد على عمر فشكاه , وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين وبالله , يا عمر إنك في أمري غير مجمل. فقال عمر: من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفًا فلك , تقوم عروضه , قال: فخرجت عليه عشرون ألفًا , فأدخلها بيت المال. ثم قال: يا خالد , والله إنك لكريم علي , إنك لحبيب إلي، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
وقال عبد الرزاق (٣) :
عن معمر , عن أيوب , عن ابن سيرين , أن رجلًا دخل على عمر بن الخطاب وعليه ثوب "ملالا " - لعله ملألأ منصوب على الحال مخففة فيه الهمزة على مذهب من لا ينطق بالهمزة , أي: صبغ صباغة أحدثت فيه لمعانًا - فأمر به عمر , فمزق عليه , فتطاير في أيدي الناس , فقال عمر: أحسبه حريرًا.
وقصة عمر مع قصر سعد بن أبي وقاص في الكوفة مما استفاض ذكره بين الناس , وصفوتها مما رواه الطبري (٤) من حديث ابن إسحاق:
стр. 4053
"وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه , فكانت غوغاؤهم تمنع سعدًا. الحديث. فلما بني - يعني قصر سعد - ادعى الناس عليه ما لم يقل , وقالوا: قال سعد: سكن عني الصويت. وبلغ عمر ذلك , وأن الناس يسمونه قصر سعد , فدعا محمد بن مسلمة فسرحه إلى الكوفة , وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه , ثم ارجع عودك على بدئك , فخرج حتى قدم الكوفة , فاشترى حطبًا , ثم أتى به القصر , فأحرق الباب , وأتي سعد , فأخبر الخبر , فقال: هذا رسول أرسل لهذا الشأن , وبعث لينظر من هو , فإذا هو محمد بن مسلمة , فأرسل إليه رسولًا بأن ادخل , فخرج إليه سعد , فأراده على الدخول والنزول , فأبى , وعرض عليه نفقة , فلم يأخذ ودفع كتاب عمر إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرًا اتخذته حصنًا ويسمى قصر سعد , وجعلت بينك وبين الناس بابًا , فليس بقصرك , ولكنه قصر الخبال , انزل منه منزلًا مما يلي بيوت الأموال , وأغلقه , ولا تجعل على القصر بابًا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت , فحلف له سعد ما قال الذي قالوا - يعني: سكن عني الصويت - ورجع محمد بن مسلمة من فوره حتى إذا دنا من المدينة فني زاده , فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر , فقدم على عمر وقد سنق - أي: بشم - فأخبره خبره كله , فقال: فهلا قبلت من سعد. قال: لو أردت ذلك كتبت لي به أو أذنت لي فيه. فقال عمر: إن أكمل الرجال رأيًا من إذا لم يكن عهد من صاحبه , عمل بالحزم أو قال به ولم يتكل , وأخبره بيمين سعد وقوله , فصدق سعدًا , وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني.
ونحسب أن هذه النماذج - وأمثالها كثير في تصرفات عمر ﵁ تدمغ كل من يحاول أن يرتاب أو يريب أو يلبس على الناس في شأن التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة.
فمنع عمر " الاحتكار " حتى في غير وقت حاجة الناس , بل لمجرد الاحتكار , سواء كان ضارا بالمستهلك بإغلاء السعر أو ضارا بالتاجر بإنقاص السعر عن المتواضع عليه في السوق تواضعًا غير احتكاري عمل من صميم التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة , سواء كانت المصلحة اقتضتها حماية التاجر أو المستهلك , فالمصلحة العامة ليست أداة حماية طبقة دون أخرى , أو صنف من الناس دون صنف , ولا هي قاعدة يتصرف الإمام اعتبارًا لها في حال دون حال , وإنما هي قاعدة ثابتة أصيلة يلتزمها الإمام في تصرفاته , وإن اضطره التزامها إلى تأويل نص أو وقف العمل به , كما فعل عمر ما هو مستفيض الشهرة عنه , ليس بحاجة إلى نقل مسند من وقفه العمل بقطع يد السارق في عام الرمادة اعتبارًا لحال الناس وما هم عليه يومئذ من الخصاصة التي تضطر البعض منهم إلى تصرفات لو طبق فيها الحكم المنصوص عليه في الكتاب أو في السنة لأوسعهم نكالًا , وإذا فقد يدفعهم إلى العصيان , وهو أشد وأسوأ عاقبة من مجرد التجاوز اضطرارًا لما حظرته النصوص وأوجبت عليه العقوبة في الأحوال العادية.
стр. 4054
ومثل ما فعله في عام الرمادة إحجامه عن قطع أيدي أعبد لحاطب بن أبي بلتعة - وتقدم إسناد خبره - تقديرًا للظرف الذي دفعهم إلى الاعتداء على مال الغير على أن في هذه الحادثة حكما آخر رسخ قاعدة كنا عرضنا إذ وقفنا عند قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) وهي قاعدة تسليط العقوبة المالية في بعض الحالات التي تقتضى العقاب , ذلك بأن عمر غرم حاطبا قيمة الجمل الذي نحره أعبده مضاعفة , وهذا يعني أن للإمام أن يعاقب من ثبتت عليه جناية مالية أو لها علاقة بالمال , سواء اقترفها بنفسه أو كان السبب في اقترافها بأكثر مما أضاعت جنايته , وله تقدير هذا "الأكثر" حسب ما يراه اجتهاده رادعًا للجاني ومرضيا للمجني عليه وزاجرًا عن الجناية نفسها , ويتراءى لنا أن تغريم عمر حاطبا تلك الغرامة كان يريد به أن يشيع خبره في الناس , فيمتنعوا عن إجاعة من يعولونهم ويدركوا أن الغرامة على الجناية المالية لا تنحصر بالضرورة عن تعويض ما تلف بسببها , بل إن تقديرها يرجع إلى نظر الإمام وأدناه العوض المجرد. وبذلك يكون تغريم عمر لحاطب تطبيقًا لقاعدة المصلحة العامة وتصرف الإمام بمقتضاها لما توخاه من جعل حاطب عبرة لغيره من الناس، وربما من تشريع هذه القاعدة سنة يتبعها من قد يصير إليه بعده أمر الناس.
وموقف عمر من عيينة بن حصن وإقطاع أبي بكر له قد يراه البعض عجبًا , ومن يدري فقد يتخذه الرافض - أو لعلهم اتخذوه , فليس بين أيدينا ما نرجع إليه من مصادرهم - مغمزًا في عمر، إذ يرون فيه عصيانًا صريحًا وإهانة لا تحتمل لأبي بكر , وهو الخليفة يومئذ , فالنظرة الساذجة تعتبر تفل عمر على وثيقة إقطاع أبي بكر لعيينة ومحوه إياها بيده أكثر من مجرد استخفاف لولي الأمر الأعلى، على حين أنه في عمقه عمل جليل من عمر لا يقصد به مجرد إنكار أن يستمر العمل بمداراة (المؤلفة قلوبهم) , وقد أصبح الإسلام عزيزًا يتحدى كل من تسول له نفسه التمرد أو حتى مجرد الفتنة , وإنما يقصد به - وربما أساسًا - أن يضع قاعدة جليلة , هي أن تصرف الإمام نفسه إذا كان مخالفًا للمصلحة العامة يفقد جلاله ووقاره , ويصبح مجردًا من كل احترام؛ لأن المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
стр. 4055
ونحسب أن أبا بكر قد فقه ذلك ووعاه , إذ رفض تجديد الوثيقة حين طلب إليه تجديدها , وآية ذلك أنه اتخذ نفس الموقف من طلحة كما اتخذ عمر منه نفس الموقف، وليس طلحة من المؤلفة قلوبهم , بل هو من صدور الصحابة , وكان أحد السبعة الذين جعل عمر الخلافة بينهم , وكان من أقرب المقربين إلى رسول الله ﷺ ، ورغم كل ذلك فعل عمر بوثيقة أبي بكر له بالإقطاع مثل ما فعل بوثيقة الإقطاع لعيينة من أبي بكر. ولا عبرة عندنا بمن حاول التشكيك في قضية طلحة , إذ كبر عليه أن يفعل عمر ما فعل بطلحة , فوهم وأوهم بأنها قضية عيينة مستندًا إلى رواية أن طلحة هو الذي نصح عيينة بأن يشهد عمر , وهو وهم عجب ساذج , إذ أن نصيحة طلحة كانت عن تجربة , فقد خبر بنفسه فعل عمر , فلما حضر إقطاع أبي بكر لعيينة نصحه أن يشهد عمر صدورًا عن تجربة سابقة له واختبارًا لموقف عمر إن كان سيختلف موقفه من عيينة عنه معه , ولكن مواقف عمر لا تختلف لسبب بسيط عميق , هو أنه – ﵁ كان في جميع تصرفاته يصدر عن قاعدة أصيلة في وعيه هي أن المصلحة العامة تعلو عن الأشخاص والمقامات وعن كل اعتبار غيرها.
يدل على ذلك موقفه من خالد بن الوليد وأبي هريرة، فما من أحد يستطيع أن يتوهم - مجرد الوهم - أن عمر صدر في تصرفه مع خالد ومع أبي هريرة عن اتهام لأحدهما أو حتى عن مجرد اشتباه , ولكنه قدر أن الناس قد يقولون – والمتربصون والمترصدون للقيل والقال كثير -: إن عمر يغض الطرف عن تصرفات عماله , وإن عمال عمر يتأثلون الأموال في عملهم , وآية ذلك أبيات عمر أو أخيه - على اختلاف الروايات - تشي بالعمل إلى عمر , وتستعديه عليهم بما يشبه التحدي أو الامتحان. وأخرى أن عمر عرض على أبي هريرة أن يعود إلى العمل , فرفض أبو هريرة , وأثنى على خالد بعد أن انتزع منه ما انتزع , فقال له: يا خالد , والله إنك لكريم علي , وإنك لحبيب إلي , ولن تعاتبنى بعد اليوم على شيء.
стр. 4056
ومرة أخرى لا عبرة بمن حاول التشكيك في قصة عمر مع خالد بحجة أن نقدة الحديث ضعفوا سيفًا , وأن في رجال قصته كما نقلها الطبري عن سيف ونقلها الذهبي عنه أيضًا جهالة , فالقصة مستفيضة , ووصم نقدة الحديث نقلة الأخبار بالضعف ليس بمسلم لهم , إذ لو سلمنا لهم به لالتبس علينا معظم تاريخ القرن الأول وما بعده مما لم يكن يبلغنا لولا ابن إسحاق والواقدي وسيف ومن على شاكلتهم. ثم إن سيفًا لم يصموه بمثل ما وصموا به مالك بن إسحاق , وليس هذا مجال التحقيق والتحرير في موقف رجال الحديث من نقلة الأخبار.
وثالثة أن عمر حين نعي له خالد , صرح بما يؤكد ما ذهبنا إليه من تأويل قصته معه.
قال الذهبي (١)
" الواقدي: حدثنا عمر بن عبد الله بن رباح , عن خالد بن رباح، سمع ثعلبة بن أبي مالك يقول:. رأيت عمر بقباء , وإذا حجاج من الشام قال: من القوم؟ قالوا: من اليمن ممن نزل حمص ويوم رحلنا منها مات خالد بن الوليد , فاسترجع مرارًا , ونكس , وأكثر الترحم عليه وقال: كان والله سدادًا لنحر العدو وميمون النقيبة، فقال له علي: فلم عزلته؟ قال: عزلته لبذله المال لأهل الشرف وذوي اللسان. قال: فكنت عزلته عن المال وكنت تركته على الجند. قال: لم يكن ليرضى. قال: فهلا بلوته.
ومرة أخرى حاول البعض التشكيك في هذه الرواية بما وصم به بعض نقدة الحديث الواقدي , وقد سبق جوابنا لهم، ونريد أن نقف مليا عند شهادة عمر لخالد كما وردت في هذه الرواية بأنه إنما عزله لبذله المال لأهل الشرف وذوي اللسان، كان خالد عاملًا لعمر على حمص وما يليها , فكان يتصرف تصرف الإمام في منطقة عمله , والذين سكنوا الشام بعد فتحها أوشاب من الناس مختلفة طبائعهم وخلائقهم اختلافهم أصولًا وسابقة في الإسلام ووعيًا بشريعته وخلقه، وخالد يعلم أن رسول الله ﷺ كان ربما أعطى شاعرًا أو داعية ليقطع لسانه أي ليكف أذاه عن المسلمين , وربما أعطى شريفًا في قومه ليتألفه والذين عرفوا (بالمؤلفة قلوبهم) هم أنماط من هؤلاء والشام حديثة عهد بالفتح , ولا تزال ثغورها ميادين حرب , والمصلحة العامة تقتضى أن يتخذ المسؤول فيها كل وسيلة يراها تعصم "الدواخل" والثغور عن كل تأثير "لمواجد" أو "قالات" يمكن أن تنتج بلبالا في الدهماء , اعتبارًا لهذه المصلحة أعطى خالد ما أعطى للأشعث بن قيس , وربما أعطى غيره من ذوي المقامات في قومهم , وربما أعطى بعض الشعراء أو الدعاة.
стр. 4057
ونحسب أن عمر إنما وجد على خالد من قضية الأشعث بن قيس بالذات , فالرجل كان من "المؤلفة قلوبهم" ثم ارتد , ثم عاد وأسلم , وعمر يرى أن المسلمين في عهده لا ينبغي أن يقيموا وزنًا لمثل هذا الذي لا يمكن أن يستقر على حال , ورحم الله خالدًا أحسبه حين أعطى الأشعث , كان يحاول أن يحمله على الاستقرار على الإسلام , وأن يأمن اضطرابه , وأن يتألف به قومه. ورحم الله عمر لقد كان رأيه في الأشعث شديدًا , فليت خالد تركه فاضطرب فانكشف أمره للمسلمين قبل أن يكون ما كان في صفين يوم خب الأشعث وأوضع , وكان من أسباب الفتنة وعناصرها.
ومهما يكن فكلا الرجلين كان يتصرف "بمقتضى الإمامة " اعتبارًا للمصلحة العامة لا يرتاب في ذلك إلا من ينقصه الوعي والفقه والتوفيق.
ولم يكن عمر يلتزم اعتبار المصلحة العامة في تصرفاته بمقتضى الإمامة إذا كانت متصلة بشؤون المال العام أو بما يؤثر فيه فحسب , وإنما كان يلتزمه أيضًا فيما يتصل بشؤون السياسة والتوجيه الاجتماعي والفردي , من ذلك تمزيقه قميص خالد الحريري , وأمره بتمزيق قميص رجل دخل عليه , وكان "ملألأ " فظنه من حرير، والقميصان ملك لصاحبيهما , ولو وقف عمر عند ظواهر النصوص , لأقر بخلعهما , ولكنه نظر إلى أبعد من الظواهر , فخالد من صدور المسلمين , وكان قائد الجانب من الجند وعاملًا على ناحية من البلاد المفتوحة. أما الرجل الذي لم يسم فما أحسبه كان يجرؤ على أن يدخل على عمر في هيأته "اللامعة " تلك لو لم يكن من (ذوي الهيئات) ، لذلك رأى عمر أن يجعل من كليهما عبرة يتناقلها الناس ويتعظون بها، فزلة "ذوي الهيئات" والمقامات إذا لم تحسم بطريقة لها جهارة ودوي يصك آذان العامة , قد يتخذها البعض مسوغًا لسلوك يقدمون عليه , وقد يتخذها آخرون مادة للقيل والقال.
стр. 4058
وحسما لهذا وذاك تجاوز عمر ظاهر النصوص واعتمدنا قاعدة التصرف بمقتضى المصلحة العامة , فرزأها في قميصيهما ابتغاء أن يشيع خبر ما فعل , وأن يتردد شيوعه بين الناس , فيزدجر المترصدون للاحتذاء , ويحرص المتربصون للغمز واللمز وترتكز قاعدة سياسية واجتماعية مفادها تأكيد حظر لبس الحرير إلا لضرورة مثل التي أباح رسول الله ﷺ من أجلها لعبد الرحمن بن عوف أن يلبسه وتطبيق حكم الحظر على الناس جميعًا وإن اختلفت مواقعهم ومقاماتهم بأسلوب واحد لا يتأثر باختلاف المواقع والمقامات , فتتأكد بذلك سنة المساواة بين الناس في الحكم وتطبيق الحكم.
وتحريق باب قصر سعد عمل سياسي بعيد المدى عميق الأثر , فعمر أعلم الناس بأنه لو كتب إلى سعد مجرد كتاب يأمره أن يهدم القصر , لا أن يخلع بابه فحسب , لما وضع سعد الكتاب من يده قبل أن يكون قد شرع في هدم القصر.
ولكن "أقاويل " بلغت عمر , فخشي على دولة المسلمين أن تنتشر فيها "قالات " تخدش ثقة العامة في قادتها وصدور أئمتها , وما من شك في أن الناس جميعًا - أو جمهرة منهم على الأقل , لا سيما أهل الكوفة وكانوا جندًا لسعد في فارس - قد سمعوا أنه من المبشرين بالجنة , وعلموا مكانته من رسول الله ﷺ والقالة فيه تشيع الريبة فيمن لا يزالون من الإسلام على رخاوة، ومن يدري فالعهد بالنفاق غير بعيد وإن مضت أعوام على لحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى , والاحتمال قوي بأن لا يزال في الناس منافقون دخلوا الإسلام رهبة من السيف أو رغبة في الكيد والفسق. وإذا فقد يجدون من قصر سعد - وقد بني على نمط قصور الأكاسرة كما تقول الروايات - ومن إغلاق سعد بابه على الغوغاء الذين يصطخبون عند بابه بتجارتهم , إذ كانت السوق بجانب القصر , والمسجد مادة للارتياب في مدلول العدل والمساواة في الإسلام أو للدس والوقيعة بين عامة المسلمين وصدور أئمتهم , فكان لزامًا أن يقضى على مثل هذا الاحتمال بعمل حاسم صاخب تتناقله الألسنة , ويتخذ منه الناس حديث مجلسهم , ويعتبر به غير سعد من العمال , وقل فيهم أو استحال من يسامت سعدًا موقعًا ومقامًا وعمق دين. ولا ريب عندنا في أن عمر قد ارتأى ذلك , وأبعد منه مدى وأعمق أثرًا وأبلغ اعتبارًا حين أمر محمد بن مسلمة بإحراق باب قصر سعد دون أن يطرقه أو ينذره , ولم يكن يقصد سعدًا بأمره , وإنما كان يقصد غيره من العمال , ويقصد عامة الناس.
стр. 4059
وآية ذلك أنه عتب على محمد بن مسلمة إن لم يقبل النفقة التي عرضها عليه سعد ليبرهن على أنه لم يكن غاضبًا على سعد حين أصدر أمره ذاك , وأنه جعل سعدًا أحد السبعة الذين رشحهم للخلافة , ونصح للخليفة بعده إن لم يكن سعدًا أن يستعين بسعد , وتبرأ من أن يكون عزله عن عمله بالكوفة اشتباهًا في خيانته أو كفاءته.
وقد نلتقي مع عمر وتصرفاته التشريعية البديعة فيما نستقبل من هذا البحث , فهو كاشف أسرار قاعدة (التصرف بمقتضى الإمامة) اعتبارًا للمصلحة العامة والمعلن بعمله أنها أهم مناطق للتشريع الإسلامي في المعاملات وغيرها مما يتصل بحياة البشر , بل وحتى في بعض شعائر العبادات.
١٧ - المصلحة العامة مناط للتشريع
قال ابن منظور (١) :
" المصلحة: الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح. والاستصلاح: نقيض الاستفساد ".
وقال (٢) :
" المفسدة خلاف المصلحة. والاستفساد خلاف الاستصلاح , وقالوا: هذا الأمر مفسدة لكذا، أي: فيه فساد، قال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للعقل أي مفسده
وفي الخبر: أن عبد الملك بن مروان أشرف على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر , فغاظه ذلك، فقال: إيها عن ذكر عمر , فإنه إزراء على الولاة مفسدة للرعية.
وقد اشتبه على كثير من المتفقهة المقلدة من المحدثين ومن سبقهم بعد عصور الرواية والاجتهاد الأولى التمييز بين عموم لفظ " المصالح " وخصوص لفظ " المصالح المرسلة " , فخيل إليهم أنهما شيء واحد , وانطلقوا من هذا " الخيال " ينسبون أحكامًا مقررة أو يصدرون اجتهادات لبعض ما استجد من الأحداث والأحوال , وبذلك وقعوا في مزالق , أيسرها أن بعض الأحكام الثابتة بدلالة نص نقلي من فعل أو قول تخيلوها من " المصالح المرسلة ".
стр. 4060
ومن هذا الالتباس ما حسبه بعض المحدثين من أن التصرف بمقتضى الإمامة فيما خوله الله للإنسان من وظائف المنفعة والانتفاع بالأرض وما عليها وما تصل إليه يده من هذا الكون الفسيح , ينظر فيه على أساس " المصالح المرسلة " وأن ما فعله عمر – ﵁ – أو غيره مما يتصل بهذا الشأن , إنما هو صادر من قاعدة " المصالح المرسلة ".
ومن قبل هؤلاء مضى بعد المبتدعة من دراويش الصوفية وأدعياء التصوف إلى اعتبار بدعمهم صادرة من المصالح المرسلة، أو مشاكلة لها (١) .
ولو قد تدبروا لاستبان لهم الفرق البعيد العميق بين عموم " المصلحة العامة " وخصوص "المصالح المرسلة". فهذه من تلك , ما في ذلك شك عند من اعتبرها سندًا يمكن للمجتهد أن يعتمده عند انعدام النص وعدم توافر مؤهلات القياس الجلي في بعض ما يستجد من الأحداث والأحوال , أو هي من القياس الخفي عند الذين لم يعتمدوها سندًا مستقلًا وضبطوها بضوابط نسلكها فيما هو من القياس الخفي , وليس هذا مجال مناقشة هؤلاء وأولئك , وإن كنا نميل إلى تمييزها عن مختلف أنواع القياس , وإن أشبهت بعضًا منها واعتبارها سندًا مستقلًا ليس تقليدًا لمالك – ﵀ – ولكن اقتناعًا بما اعتمده عليه في هذا الشأن.
على أن "المصالح المرسلة" يتضمن اسمها ما يميزها من عموم "المصالح" , بل إن اعتبارها سندًا مصدره التسليم بأن "المصالح " مناط شرعي واجب الملاحظة والاعتبار عند فهم النصوص الشرعية وتعليلها واستكناه حكمتها.
وما وجد سبيل إلى تحكيم نص قولي أو فعلي من النصوص المسلم بتحكيمها عند أئمة السلف والأصوليين , فلا يسوغ لأي أحد أن يعدل عن تحكيم النص إلى ابتغاء سند غيره عند الحكم في حادث استجد أو في حال طرأت حتى وإن لم يكن لذلك الحادث أو لتلك الحال شبه بحادث أو حال صدر فيه أو فيها حكم بنص فعلي أو قولي أو بمقتضى نص فعلي أو قولي.
ذلك بأن المصالح باعتبارها مناطًا شرعيًا لا خلاف فيها بين الجمهور إلا ما كان من الرازي ومن على شاكلته من العقلانيين (٢) على حين أن (المصلحة المرسلة) كانت وما تزال موضع خلاف يقول الشاطبي (٣) :
стр. 4061
"وأيضًا فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقًا عليه , بل قد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة أقوال , فذهب القاضي وطائفة من الأصوليين إلى رده , وأن المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل , وذهب مالك إلى اعتبار ذلك , وبنى الأحكام عليه على الإطلاق , وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذي لم يستند إلى أصل صحيح , لكن بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة , هذا ما حكى الإمام الجويني , وذهب الغزالي إلى أن المناسب إذا وقع في رتبة التحسين والتزيين , لم يعتبر حتى يشهد له أصل معين , وإذا وقع في رتبة الضروري , فسبيله إلى قبوله , لكن بشرط قال: ولا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد , واختلف قوله في الرتبة المتوسطة , وهي رتبة الحاجي , فرده في المستصفى وهو آخر قوليه , وقبله في شفاء الغليل كما قبل ما قبله. وإذا اعتبر من الغزالي اختلاف قوله , فالأقوال خمسة.
وقال ابن قدامة (١) :
"الرابع من الأصول المختلفة فيها الاستصلاح وهي اتباع المصالح المرسلة , والمصلحة هي جلب المنفعة أو دفع المضرة , وهي على ثلاثة؛ أقسام قسم شهد الشرع باعتبارها , فهذا هو القياس وهو اقتباس الحكم من معقول النص , أو الإجماع.
القسم الثاني: ما شهد ببطلانه كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملك , إذ العتق سهل عليه , فلا ينزجر والكفارة وضعت للزجر , فهذا لا خلاف في بطلانه , لمخالفته النص - قلت: بل في ذلك خلاف باعتبار المناط - وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع - قلت: وماذا يمنع إذا أصبح ذلك ضروريًا , وكفل تحقيق المناط؟!
الثالث: ما لم يشهد له إبطال ولا اعتبار معين، وهذا على ثلاثة ضروب أحدها: ما يقع في مرتبة الحاجات كتسليط الولي على تزويج الصغيرة , فذلك لا ضرورة إليه , لكنه محتاج إليه لتحصيل الكفء خيفة من الفوات واستقبالًا للصلاح المنتظر في المآل.
стр. 4062
الضرب الثاني: ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية حسن المناهج في العبادة والمعاملات كاعتبار الولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد لكونه مشعرًا بتوقان نفسها إلى الرجال , فلا يليق ذلك بالمروءة , ففوض ذلك إلى الولي , حملًا للخلق على أحسن المناهج , ولو أمكن تعليل ذلك بقصور رأي المرأة في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظاهر , لكان من الضرب الأول , ولكن لا يصح ذلك في سلب عبادتها. قلت: هذه العبارة غير واضحة , فهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل، فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي , ولما احتجنا إلى بعثة الرسل , ولكن العامي يساوي العالم في ذلك , فإن كل واحد يعرف مصلحة نفسه. الضرب الثالث: ما يقع في رتبة الضروريات , وهي ما عرف من الشارع الالتفات إليها , وهي خمس: أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسبهم ومالهم. ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى البدع صيانة لدينهم وقضاؤه بالقصاص , إذ به حفظ النفوس وإيجابه حد الشرب , إذ به حفظ العقول , وإيجابه حد الزنا حفظًا للنسل والأنساب , وإيجابه زجر السارق حفظًا للأموال , وتفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل , فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة , لأنا قد علمنا أن ذلك من مقاصد الشرع , وكون هذه المعالم مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات , فيسمى ذلك مصلحة مرسلة , ولا نسميه قياسًا؛ لأن القياس لا يرجع إلى أصل معين والصحيح أن ذلك ليس بحجة؛ لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق , ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ الردع والزجر. قلت: لكن شرع ما يشاكلها في المحارب لما استحق منه المبالغة في الردع والزجر , إذ أباح للإمام تقطيع يده ورجله من خلاف. فتأمل.
ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر. قلت: لكن حد السرقة من نص قرآني وقطع اليد شبيه بالمثلة، أما حد الخمر فبالنسبة لذلك ضوعف في عهد عمر وما بعده زجرًا لجرأة الناس واستخفافهم بالحد المسنون , فإذا أثبت حكما لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم كان وضعًا للشرع بالرأي وحكما بالعقل المجرد كما حكي أن مالكًا قال: يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين. ولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم بهذا الطريق فلا يشرع مثله ".
стр. 4063
قلت: هذا كلام ابن قدامة , وهو حنبلي , وما نريد أن ندخل معه في جدل , لا سيما حول ما نقل عن مالك من قتل الثلث لإصلاح الثلثين. فمجال الجدل في ذلك بعيد متشعب , وليس من شأننا في هذا البحث أن نريد إلا أن نحاجه في صلب المسألة , مسألة المصلحة المرسلة , وموقف أحد منها بما ننقله من ابن القيم الحنبلي أيضًا. (١) وهو ينقل نبذًا من كلامه في السياسة الشرعية , قال في رواية المروزي وابن منصور:
والمخنث ينفى؛ لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له , وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله , وإن خاف به عليهم حبسه , وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان أو أكل شيئًا نحو هذا: أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث.
ثم قال:
"ونص الإمام أحمد ﵁ فيمن طاعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس على السلطان أن يعفو عنه , بل يعاقبه ويستتيبه , فإن تاب , وألا أعاد العقوبة.
ثم قال:
قالوا: وهذا كل من وجب عليه حق فامتنع , فإنه يضرب حتى يؤديه , وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور.
وبعد أن أورد فتاوى للشافعي تدل على أخذه بهذا النسق من الحكم , وإن تراءى أنه أبعد الناس عن الأخذ به (٢) قال:
"وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب , وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة , والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة , وهذا باب واسع.
стр. 4064
وليس من شأننا في هذا المجال أن نوغل في استقصاء خلافاتهم وأقوالهم ومواقفهم حول (المصالح المرسلة) وهي في أغلبها أقوال وآراء ومواقف شكلية , إذ قلما نعثر وقد لا نعثر على قول أو رأي أو موقف موضوعي , إنما شأننا أن نثبت وجود خلاف وأن نبرز ملامحه تمييزًا لما بين الاستناد في الحكم في حدث أو حال على أساس المصالح المرسلة " والاستناد على أساس المصلحة باعتبارها مناطًا شرعيا , ولا جدال في أن الاستناد إلى سند ليس مثارًا للخلاف أو هو مما اطمأن إليه الجمهور أولى وأرجح بكثير من الاستناد إلى سند اختلفوا فيه اختلافًا عريضًا وإن يكن في جوهره مجرد اختلاف شكلي.
على أن اعتبار المصلحة أساسًا للحكم في موضوع هذا البحث لا يتعين إلا في بعض ما يطبق عليه من أحداث وأحوال أما في غيرها , فإن الحكم فيه يرتكز أساسًا على نص شرعي , منه ما هو من القرآن , ومنه ما هو من السنة , ومنه ما هو من عمل أئمة الصحابة وفي طليعتهم عمر ﵁ ولئن اختلفوا في حجية عمل الصحابة , فإنا نشعر بأن عمل عمر لا يجوز الاختلاف في حجيته؛ لأن الصحابة كانوا يستقبلونه باعتباره تصرفًا بمقتضى الإمامة , وأغلبه لم ينكره أحد منهم والقليل الذي كان لبعضهم موقف منه مثل عدول عمر عن توزيع أراضي السواد على المسلمين إلى وقفها ليستمر ريعها إلى الأجيال المقبلة منهم وموقف أنس وبعض الصحابة من ذلك , سانده الجمهور مساندة استمرت في عهد عثمان وعلي دون أن تستمر المعارضة له , فصار بذلك كغيره مما لم يعارضه أحد من عمله غير مرتكز على اجتهاد عمر فحسب , وهو وحده حجة حاسمة عندنا , وإنما تحول إلى إجماع سكوتي من غير أولي الأمر وتطبيقي من أولي الأمر , إذ واصل العمل به عثمان وعلي , بل احتج ببعضه عثمان على خصومه , إذ نقموا عليه أشياء مما فعل عمر مثلها مثل التصرف لتوسيع المسجد النبوي في بيوت المجاورين له , ولم ينكر عليه أحد من الصحابة , وخاصة من أهل الفتيا صحة ما احتج به.
وعلى قاعدة اعتبار المصلحة مناطًا لتشريع واعتبار انطباقها على أي تصرف في حدث أو حال مستمر أو مستجد تطبيقًا للشرع الذي كان مناطه المصلحة في حكمه في القضية المشاكلة أو الراجحة المماثلة واعتبار الأخذ بهذا الأساس مقدمًا على الآخذ بمبدأ " المصالح المرسلة " في الحكم فيما يستجد من الأحداث والأحوال ثم على قاعدة اعتبار حق الإمام في التصرف بمقتضى المصلحة العامة، نأخذ في تقرير ما خلص إليه بحثنا في موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة.
стр. 4065
١٨ - خلافة الإنسان وظيفة وليست ملكًا في الأرض
لا مراء في أن الإنسان إنما يحوز ما يستطيع حيازته من الأرض وما عليها وما في باطنها وفي غيرها مما استطاعت يده أن تطول إليه من عناصر الكون وأشيائه ابتغاء لمصلحة يراها قائمة أو ينشد تحقيقها، فلولا المصلحة لما أعنت نفسه بالحيازة وما يترتب عليها من الصيانة والرعاية والحماية بما يقتضيه كل ذلك من جهد العمل وخطير التعرض لألوان شتى من المتاعب والمشاق.
بيد أن الحيازة أيا كان مصدرها إرثًا أو هبة أو نمطًا من التعاقد أو استيلاء بالقوة أو استيلاء بالسبق (إحياء الموات) ليست وحدها "المؤهل " له للحصول شرعًا على حق المنفعة والانتفاع، فبصرف النظر عن الحيازة غير المشروعة أساسًا مثل التي تأتي بالغصب والسرقة والاحتيال وما إلى ذلك مما لا تبيحه الشرائع السماوية والوضعية , فإن الحيازة المشروعة قد تسوغ صاحبها - نظريًا - حق المنفعة والانتفاع في حين أنه علميًا قد يسلب هذا الحق لأسباب ترجح في اعتبار مصلحته الخاصة أو في اعتبار المصلحة العامة أو في اعتبار مصلحة خاصة لغيره ما يترتب عن مجرد الحيازة المشروعة من التسويغ النظري لحق المنفعة والانتفاع.
فمن المسلم به في الشرائع السماوية والوضعية الحجر على السفيه مثلا , ولا جدال في أن السفيه نظريا له حق المنفعة والانتفاع بما صارت إليه حيازته بطريقة مشروعة , بيد أنه - علميًا - غير مسوغ له أن يمارس هذا الحق لافتقاره إلى أهلية الممارسة , كذلك شأن القاصر الذي لم يبلغ الرشد والعاجز الذي فقد القدرة على الممارسة السليمة لحق المنفعة والانتفاع لمعوق كالشيخوخة البالغة حد الاختلاط والمرض والسجن والأسر وما شاكل ذلك.
فوضح أنه لا بد من التمييز بين الأهلية لاستحقاق المنفعة والانتفاع , وبين الأهلية لممارسة هذا الحق , وهو تمييز ضروري وأساسي لتكييف وتعيين الظروف والحالات والأسباب التي يصبح تدخل الغير بالتصرف أو التصريف فيما يحوزه إنسان ما بطريقة شرعية اعتبارًا لما تقتضيه مصلحته أو مصلحة لغيره ترجح مصلحته أو المصلحة العامة.