"وأيضًا فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقًا عليه , بل قد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة أقوال , فذهب القاضي وطائفة من الأصوليين إلى رده , وأن المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل , وذهب مالك إلى اعتبار ذلك , وبنى الأحكام عليه على الإطلاق , وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذي لم يستند إلى أصل صحيح , لكن بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة , هذا ما حكى الإمام الجويني , وذهب الغزالي إلى أن المناسب إذا وقع في رتبة التحسين والتزيين , لم يعتبر حتى يشهد له أصل معين , وإذا وقع في رتبة الضروري , فسبيله إلى قبوله , لكن بشرط قال: ولا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد , واختلف قوله في الرتبة المتوسطة , وهي رتبة الحاجي , فرده في المستصفى وهو آخر قوليه , وقبله في شفاء الغليل كما قبل ما قبله. وإذا اعتبر من الغزالي اختلاف قوله , فالأقوال خمسة.
وقال ابن قدامة (١) :
"الرابع من الأصول المختلفة فيها الاستصلاح وهي اتباع المصالح المرسلة , والمصلحة هي جلب المنفعة أو دفع المضرة , وهي على ثلاثة؛ أقسام قسم شهد الشرع باعتبارها , فهذا هو القياس وهو اقتباس الحكم من معقول النص , أو الإجماع.
القسم الثاني: ما شهد ببطلانه كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملك , إذ العتق سهل عليه , فلا ينزجر والكفارة وضعت للزجر , فهذا لا خلاف في بطلانه , لمخالفته النص - قلت: بل في ذلك خلاف باعتبار المناط - وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع - قلت: وماذا يمنع إذا أصبح ذلك ضروريًا , وكفل تحقيق المناط؟!
الثالث: ما لم يشهد له إبطال ولا اعتبار معين، وهذا على ثلاثة ضروب أحدها: ما يقع في مرتبة الحاجات كتسليط الولي على تزويج الصغيرة , فذلك لا ضرورة إليه , لكنه محتاج إليه لتحصيل الكفء خيفة من الفوات واستقبالًا للصلاح المنتظر في المآل.
стр. 4062
الضرب الثاني: ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية حسن المناهج في العبادة والمعاملات كاعتبار الولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد لكونه مشعرًا بتوقان نفسها إلى الرجال , فلا يليق ذلك بالمروءة , ففوض ذلك إلى الولي , حملًا للخلق على أحسن المناهج , ولو أمكن تعليل ذلك بقصور رأي المرأة في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظاهر , لكان من الضرب الأول , ولكن لا يصح ذلك في سلب عبادتها. قلت: هذه العبارة غير واضحة , فهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل، فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي , ولما احتجنا إلى بعثة الرسل , ولكن العامي يساوي العالم في ذلك , فإن كل واحد يعرف مصلحة نفسه. الضرب الثالث: ما يقع في رتبة الضروريات , وهي ما عرف من الشارع الالتفات إليها , وهي خمس: أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسبهم ومالهم. ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى البدع صيانة لدينهم وقضاؤه بالقصاص , إذ به حفظ النفوس وإيجابه حد الشرب , إذ به حفظ العقول , وإيجابه حد الزنا حفظًا للنسل والأنساب , وإيجابه زجر السارق حفظًا للأموال , وتفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل , فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة , لأنا قد علمنا أن ذلك من مقاصد الشرع , وكون هذه المعالم مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات , فيسمى ذلك مصلحة مرسلة , ولا نسميه قياسًا؛ لأن القياس لا يرجع إلى أصل معين والصحيح أن ذلك ليس بحجة؛ لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق , ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ الردع والزجر. قلت: لكن شرع ما يشاكلها في المحارب لما استحق منه المبالغة في الردع والزجر , إذ أباح للإمام تقطيع يده ورجله من خلاف. فتأمل.
ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر. قلت: لكن حد السرقة من نص قرآني وقطع اليد شبيه بالمثلة، أما حد الخمر فبالنسبة لذلك ضوعف في عهد عمر وما بعده زجرًا لجرأة الناس واستخفافهم بالحد المسنون , فإذا أثبت حكما لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم كان وضعًا للشرع بالرأي وحكما بالعقل المجرد كما حكي أن مالكًا قال: يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين. ولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم بهذا الطريق فلا يشرع مثله ".
стр. 4063
قلت: هذا كلام ابن قدامة , وهو حنبلي , وما نريد أن ندخل معه في جدل , لا سيما حول ما نقل عن مالك من قتل الثلث لإصلاح الثلثين. فمجال الجدل في ذلك بعيد متشعب , وليس من شأننا في هذا البحث أن نريد إلا أن نحاجه في صلب المسألة , مسألة المصلحة المرسلة , وموقف أحد منها بما ننقله من ابن القيم الحنبلي أيضًا. (١) وهو ينقل نبذًا من كلامه في السياسة الشرعية , قال في رواية المروزي وابن منصور:
والمخنث ينفى؛ لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له , وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله , وإن خاف به عليهم حبسه , وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان أو أكل شيئًا نحو هذا: أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث.
ثم قال:
"ونص الإمام أحمد ﵁ فيمن طاعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس على السلطان أن يعفو عنه , بل يعاقبه ويستتيبه , فإن تاب , وألا أعاد العقوبة.
ثم قال:
قالوا: وهذا كل من وجب عليه حق فامتنع , فإنه يضرب حتى يؤديه , وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور.
وبعد أن أورد فتاوى للشافعي تدل على أخذه بهذا النسق من الحكم , وإن تراءى أنه أبعد الناس عن الأخذ به (٢) قال:
"وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب , وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة , والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة , وهذا باب واسع.
стр. 4064
وليس من شأننا في هذا المجال أن نوغل في استقصاء خلافاتهم وأقوالهم ومواقفهم حول (المصالح المرسلة) وهي في أغلبها أقوال وآراء ومواقف شكلية , إذ قلما نعثر وقد لا نعثر على قول أو رأي أو موقف موضوعي , إنما شأننا أن نثبت وجود خلاف وأن نبرز ملامحه تمييزًا لما بين الاستناد في الحكم في حدث أو حال على أساس المصالح المرسلة " والاستناد على أساس المصلحة باعتبارها مناطًا شرعيا , ولا جدال في أن الاستناد إلى سند ليس مثارًا للخلاف أو هو مما اطمأن إليه الجمهور أولى وأرجح بكثير من الاستناد إلى سند اختلفوا فيه اختلافًا عريضًا وإن يكن في جوهره مجرد اختلاف شكلي.
على أن اعتبار المصلحة أساسًا للحكم في موضوع هذا البحث لا يتعين إلا في بعض ما يطبق عليه من أحداث وأحوال أما في غيرها , فإن الحكم فيه يرتكز أساسًا على نص شرعي , منه ما هو من القرآن , ومنه ما هو من السنة , ومنه ما هو من عمل أئمة الصحابة وفي طليعتهم عمر ﵁ ولئن اختلفوا في حجية عمل الصحابة , فإنا نشعر بأن عمل عمر لا يجوز الاختلاف في حجيته؛ لأن الصحابة كانوا يستقبلونه باعتباره تصرفًا بمقتضى الإمامة , وأغلبه لم ينكره أحد منهم والقليل الذي كان لبعضهم موقف منه مثل عدول عمر عن توزيع أراضي السواد على المسلمين إلى وقفها ليستمر ريعها إلى الأجيال المقبلة منهم وموقف أنس وبعض الصحابة من ذلك , سانده الجمهور مساندة استمرت في عهد عثمان وعلي دون أن تستمر المعارضة له , فصار بذلك كغيره مما لم يعارضه أحد من عمله غير مرتكز على اجتهاد عمر فحسب , وهو وحده حجة حاسمة عندنا , وإنما تحول إلى إجماع سكوتي من غير أولي الأمر وتطبيقي من أولي الأمر , إذ واصل العمل به عثمان وعلي , بل احتج ببعضه عثمان على خصومه , إذ نقموا عليه أشياء مما فعل عمر مثلها مثل التصرف لتوسيع المسجد النبوي في بيوت المجاورين له , ولم ينكر عليه أحد من الصحابة , وخاصة من أهل الفتيا صحة ما احتج به.
وعلى قاعدة اعتبار المصلحة مناطًا لتشريع واعتبار انطباقها على أي تصرف في حدث أو حال مستمر أو مستجد تطبيقًا للشرع الذي كان مناطه المصلحة في حكمه في القضية المشاكلة أو الراجحة المماثلة واعتبار الأخذ بهذا الأساس مقدمًا على الآخذ بمبدأ " المصالح المرسلة " في الحكم فيما يستجد من الأحداث والأحوال ثم على قاعدة اعتبار حق الإمام في التصرف بمقتضى المصلحة العامة، نأخذ في تقرير ما خلص إليه بحثنا في موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة.
стр. 4065
١٨ - خلافة الإنسان وظيفة وليست ملكًا في الأرض
لا مراء في أن الإنسان إنما يحوز ما يستطيع حيازته من الأرض وما عليها وما في باطنها وفي غيرها مما استطاعت يده أن تطول إليه من عناصر الكون وأشيائه ابتغاء لمصلحة يراها قائمة أو ينشد تحقيقها، فلولا المصلحة لما أعنت نفسه بالحيازة وما يترتب عليها من الصيانة والرعاية والحماية بما يقتضيه كل ذلك من جهد العمل وخطير التعرض لألوان شتى من المتاعب والمشاق.
بيد أن الحيازة أيا كان مصدرها إرثًا أو هبة أو نمطًا من التعاقد أو استيلاء بالقوة أو استيلاء بالسبق (إحياء الموات) ليست وحدها "المؤهل " له للحصول شرعًا على حق المنفعة والانتفاع، فبصرف النظر عن الحيازة غير المشروعة أساسًا مثل التي تأتي بالغصب والسرقة والاحتيال وما إلى ذلك مما لا تبيحه الشرائع السماوية والوضعية , فإن الحيازة المشروعة قد تسوغ صاحبها - نظريًا - حق المنفعة والانتفاع في حين أنه علميًا قد يسلب هذا الحق لأسباب ترجح في اعتبار مصلحته الخاصة أو في اعتبار المصلحة العامة أو في اعتبار مصلحة خاصة لغيره ما يترتب عن مجرد الحيازة المشروعة من التسويغ النظري لحق المنفعة والانتفاع.
فمن المسلم به في الشرائع السماوية والوضعية الحجر على السفيه مثلا , ولا جدال في أن السفيه نظريا له حق المنفعة والانتفاع بما صارت إليه حيازته بطريقة مشروعة , بيد أنه - علميًا - غير مسوغ له أن يمارس هذا الحق لافتقاره إلى أهلية الممارسة , كذلك شأن القاصر الذي لم يبلغ الرشد والعاجز الذي فقد القدرة على الممارسة السليمة لحق المنفعة والانتفاع لمعوق كالشيخوخة البالغة حد الاختلاط والمرض والسجن والأسر وما شاكل ذلك.
فوضح أنه لا بد من التمييز بين الأهلية لاستحقاق المنفعة والانتفاع , وبين الأهلية لممارسة هذا الحق , وهو تمييز ضروري وأساسي لتكييف وتعيين الظروف والحالات والأسباب التي يصبح تدخل الغير بالتصرف أو التصريف فيما يحوزه إنسان ما بطريقة شرعية اعتبارًا لما تقتضيه مصلحته أو مصلحة لغيره ترجح مصلحته أو المصلحة العامة.
стр. 4066
ويتجلى هذا التمييز باستحضار ما سبق أن قررناه بأدلة من الكتاب والسنة وأثار السلف من أن الطبيعة الحق للعلاقة بين الإنسان وما يسوغ له - أو يستطيع - أن يحوزه من الثابت والمنقول , إنما هي الخلافة عن الله تعالى في عمارة الأرض عمارة تهيئ له وللبشر كافة وللمسلمين خاصة أسباب الحياة الآمنة المطمئنة المتمتعة بكل ما أمكن تيسيره - في نطاق ما يبيحه الشرع - من الطيبات الموفرة لألوان السعادة والبهجة والحبور.
وبما أن الخلافة وظيفة اجتماعية في جوهرها وسياسية واقتصادية في منهجها , فإن أي إخلال بمقتضياتها يترتب عنه تلقائيا وبدهيا إما زوالها وإما تحديد مداها بحيث ينحصر فيما لا يتناوله الإخلال.
وضوابط الشريعة في الشؤون المدنية وخاصة المعاملات وفي الشؤون السياسية وهي تشمل كل ما يتصل بأمن الدولة الإسلامية داخليا وخارجيا وكفالة الرفاهية والاستقرار والتطور المستمر لها وفي الأحوال الشخصية وفي بعض أنواع الشعائر التعبدية , إذ تتكامل طقوس التعبد الصرف وأنواع من التصرفات المالية كالزكاة والحج حدود لا يكمل مؤهل الإنسان لحق التصرف والتصريف فيما يحوزه إلا بالاحترام المطلق وبالرعاية الكاملة لها وأي تجاوز لها يسلبه تلقائيًا الحق الكامل في التصرف والتصريف إما كليا أو جزئيا.
وليس تجاوز هذه الحدود أو بعضها منحصرًا في ممارسة تصرف مما يعتبره الشرع ظلما أو اعتداء على الغير بصورة مباشرة فحسب , بل قد يكون في عدم ممارسة التصرف الذي يعتبره الشرع واجبًا بالتعيين أو بالكفاية بدافع الرفض أو الامتناع.
стр. 4067
وبيان ذلك:
أ- أن مانع الزكاة مثلًا معتد على ضابط من الضوابط التي ترسم له حدود التصرف والتصريف فيما تحوزه مما تجب فيه الزكاة , وبذلك يكون قد اقترف ما يبيح لغيره ممن له الحق شرعًا أن يتدخل ليمارس تصرفًا فيما يحوزه هو , يقيم به شريعة الله , ويؤدي للمستحقين في الزكاة الممنوعة , سواء كانوا أفرادًا أو بيت مال المسلمين ما لهم من حق فيما يحوزه ذلك المانع لها.
ب- والممارس للمعاملات الربوية معتد اقترف مما يخول لغير ممن له الحق في أن يردعه ويزجره وينتزع منه ما زاد عن رأس ماله ليرده إلى من أخذ منه بطريقة ربوية إن كان قد اضطر إلى ذلك اضطرارًا أو يعود به على الفقراء وعلى بيت مال المسلمين إن كان الطرفان قد أقدما باختيارهما على ممارسة المعاملة الربوية.
ج- والمحتكر الذي يجحف في السعر فيما يكون الناس مضطرين إليه من وسائل عيشهم ومرافقه مثل المواد الغذائية والمساكن المعدة للإيجار معتد سلب نفسه حق التصرف المطلق في النطاق المشروع فيما يحوزه وهي الأسباب لغيره ممن له الحق في منع الاحتكار وردع المحتكر وإقرار العدل بين الناس في تعاملهم وتعايشهم.
د- والمدين الممتنع عن الوفاء وهو قادر عليه أو العاجز عنه لإفلاسه معتد أوجد بتصرفه الأسباب والوسائل لمن له الحق في أن يجبره على الأداء إن كان قادرًا ممتنعًا أو يحجر عليه ويبيع ما يملك نيابة عنه للقيام بأداء دينه جزئيًا أو كليًا.
هـ- والممتنع عن الإنفاق المتعين لإنماء اقتصاد الدولة الإسلامية أو لتسليحها أو لكفاية أية حاجة من حاجاتها معتد باقترافها من شأنه العمل على إضعاف الدولة الإسلامية والإساءة نتيجة لذلك إلى المسلمين مجتمعًا وأفرادًا وللمسؤول عن شؤون الدولة الإسلامية أن يوقف عدوانه عند حده بأن يمارس نيابة عنه انتزاع حصته من الإنفاق المطلوب.
стр. 4068
والإنفاق في المجال العام لا يعني بالضرورة "الإعطاء" , بل قد يعني "الترويج" وهو إخراج الأموال من خزائنها وتشغيلها إذا احتاج إليها اقتصاد الدولة , سواء لتنمية صناعتها أو لإيجاد فرص العمل وتحقيق السلم الاجتماعي لأفرادها أو لتجميع طاقة مالية تحتاج إليها للتمكين لهيبتها السياسية بتقوية عملتها أو بتوسيع نفوذها بواسطة سياسة القروض والمساعدات وغير ذلك من الممارسات المالية التي تتوخى منها الدول ضمان وتقوية مركزها السياسي وتأثيرها في المجتمع الدولي.
هذه الأمثلة وما شاكلها مسوغات وأحيانًا موجبات للسلب الكلي أو الجزئي لحق التصرف والتصريف ممن لم يحترم ضوابطها فيما يحوزه أيا كان سبيله إلى حيازته؛ لأن حماية الغير عن الظلم وإن برعاية ما يبدو كما لو كان مصلحة خاصة لذلك الغير , هو في حقيقته من المصلحة العامة؛ لأن حماية الأفراد أو الجماعات من الظلم , وصيانة حقوق الآخرين من الضياع من صميم إقامة العدل الذي هو جوهر المصلحة العامة , ولأن حفظ مصالح الدولة الإسلامية وإن كانت حاجية أو تحسينية من صميم المصلحة العامة , فالدولة إنما هي الكيان الذي انصهرت فيه وتبوتقت وتكافلت وتكاملت جميع المصالح الذاتية الحق للأفراد الذين تتألف منهم , ثم هي الجهاز الأمثل لضمان وتنظيم جميع الممارسات الهادفة إلى استمرار عمارة الأرض وتصوره كما وكيفًا وأمدا.
وصيانة حقوق الآخرين ورعاية مقتضيات العدل بين الناس والحرص على استمرار نمو الدولة الإسلامية وازدهارها وتطورها ماديًا وسياسيًا واجتماعيًا ضوابط لمدلول الخلافة عن الله في الأرض واختلال ضابط منها يرتب عنه تلقائيًا انعدام جانب من مدلولها , وتنتج عنه تبعة على من كان تصرفه سببًا في ذلك الاختلال وتبعة على من يملك شرعًا الحق في منع ذلك الاختلال.
وجلي من الأشواط التي قطعناها في هذا البحث أن استخلاف الله للإنسان على الثابت والمنقول مما تصل إليه يداه بالطرق المشروعة ليس "تمليكًا " وأن الإنسان ليس "مالكًا " لما في يده من ثابت أو منقول بالمعنى الذي عرفه التشريع الوضعي إلى ما قبل عصر الاشتراكية الملكية، وعرفه الفقهاء المسلمون لها حين قسمها هؤلاء وأولئك إلى قسمين: "ملكية الرقبة " , و"ملكية المنفعةأو الانتفاع ".
стр. 4069
وقد سبق أن نقلنا عن القرافي (١) رأي المازري - رحمهما الله - من أن الملك الحق لله وحده , وأن الإنسان إنما يملك المنفعة والانتفاع , وورد هذا الرأي في بعض قولنا عن غيره أيضًا وهو مما نعتمده , ولا نعتمد غيره , ولا يتسق غيره مع وصف الله في القرآن بأنه (رب العالمين) و (مالك الملك) وما إلى ذلك من الأوصاف التي تؤكد أن الملك الحق لله وحده ومع وصف وظيفة الإنسان في القرآن الكريم بأن الله جعله خليفة في الأرض لينظر كيف يعمل , وأن الله يرث الأرض من يشاء من عباده الصالحين.
وبما أن الخلافة وظيفة في رأينا وفي رأي الموفقين من السلف وهو ما يدل عليه مناط التشريع في شؤون المعاملات وما يتصل بها من التشريعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وبما أن الوظيفة لا تعني الملكية , وإنما تعني التكليف بمهمة محددة تترتب عن التقصير في أدائها تبعات أيسرها انعدام الأهلية للبقاء في الوظيفة أو لممارسة بعض مهامها.
وبما أن الوظيفة يقصد بها أداء نفع عام أو لجماعة معينة أو لمنطقة معينة.
فإن الفشل أيا كان سببه في القيام بالوظيفة التي هي الهدف من الخلافة ليستوجب تلقائيًا إما فقد الوظيفة كلها وذلك يعني لفقد الخلافة وإما انحصارها في نطاق أضيق وإحالة جانب منها إلى الغير ممن له القدرة أو الاستحقاق على
القيام به وهذا يعني بلغة واضحة انتزاع "التخويل " المترتب عن "الخلافة" له كليًا أو جزئيًا وتحويله أو تحويل جانب منه إلى غيره ممن هو أقدر وأصلح لكفايته أو لرعايته بضوابط الشريعة أو لموقعه من المجتمع.
стр. 4070
١٩ - الشرعية هي المدار الوحيد لكل تصرف وتصريف في الأرض
إذا تبين أن الإنسان "موظف " بـ "الخلافة " في الأرض لتصريف إلى ما صار إليه من " الثابت والمنقول" بالطرق المشروعة والتصرف فيها طبقًا للطرق المشروعة أيضًا وليس "مالكًا" بالمعنى الذي عرف به "الملك " عند المتفقهة المقلدة
وعند واضعي التشريعات الوضعية وضح - بالضرورة – أن " الشرعية" هي المدار الوحيد لكل تصرف وتصريف في الأرض ما عليها يمارسه الإنسان حاكما أو محكومًا فإذا انتفت "الشرعية " من أي تصرف أو تصريف زالت عمن
يمارسه واستحال وضعه باعتباره موظفًا بالخلافة إلى وضع يتعين النظر في كيفية إعادته إلى "الشرعية" أو إعادة "الشرعية" إليه أو رفعها عنه نهائيا.
وبيان ذلك أن التصرف في "المال" وظيفة اجتماعية حظ الفرد منها يصلح حاله ويحفظ وجوده ويؤهله أن يكون عنصرًا مفيدًا صالحًا في مجتمعه فهو إذًا داخل في إطار المعنى الاجتماعي لوظيفته فإذا تجاوز حدود وظيفته بأن أغفل
المعنى الاجتماعي لها أو لم يغفله ولكن تعدى في ممارسته لها مقتضيات العدالة وهي أساس سلامة المجتمع فقد الأهلية، كليًا أو جزئيا للاستمرار فيها وتعين على ولي الأمر إما
تصحيح سيره وتقويم مساره وإما إقصاؤه إذا فقد المؤهل كليًا.
وطبقًا لهذه القاعدة يتحدد موقف ولي الأمر من حماية الدلالة الاجتماعية لوظيفة الإنسان بالخلافة في الأرض في رصد تصرفات من بأيديهم أموال من الثابت والمنقول ومراقبتها والحرص على أن تكون
بجميع أنماطها وفي جميع أحوالها وأطوارها ملتزمة بالمعنى الاجتماعي لوظيفة الإنسان الخليفة في الأرض وعليه اتخاذ جميع الوسائل الضرورية لمنع الانحراف بوظيفة الخلافة عن مقاصدها الاجتماعية، ونعني بالمقاصد الاجتماعية ما يشمل
رعاية مصالح الناس أفرادًا وكيانًا "دولة! عاجلًا في معاشهم وآجلًا في مواكبتهم لما يقتضيه التطور الحضاري من النماء الاقتصادي واستمرار القوة المانعة لكل مطمع أو مطمح عدائي وذلك بكيفية متصلة مطردة لا يعتريها أي شيء من
شأنه تعويق مسارها أو الإبطاء به إلا أن يكون مما هو من التصرفات القدرية خارجًا عن قدرة الإنسان واختياره.
стр. 4071
ومن هذه القاعدة باعتبارها مناطًا لتشريع الزكاة انطلق - في ما نظن - أبو بكر ﵁ في قتاله لمانعي الزكاة وإن منعوها عقالًا مما كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ كما هو المشهور
من قوله.
بل وإبرازا لهذه المناط ضاعف رسول الله ﷺ الزكاة عقابًا لمن منعها قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ٤. ص: ١٨. ح: ٦٨٢٤) : عن معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في كل أربعين من الإبل السائمة ابنة لبون فمن أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن كتمها فإنا لآخذوها وشطر ماله عزمة، من عزائم ربك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) . وقال أحمد (المسند. ج: ٥. ص: ٢ و٤) : حدثنا إسماعيل بن علية عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت نبي الله ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين بنت لبون لا تفرق إبل عن حسابها فمن أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا جل وعز لا يحل لآل محمد منها شيء)) . وحدثنا يحي بن سعيد، حدثنا بهز، حدثني أبي عن جدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ﵎ لا يحل لآل محمد منها شيء)) . وقال ابن زنجوية (الأموال. ج: ٢. ص: ٨٣٣. ح: ١٤٤٣) حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، أنبأنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء)) .وقال (نفس المرجع. ص: ٨٦٨. ح: ١٥٣٤) : حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون ولا يفرق إبل عن حسابها من أعطى مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء)) . وقال أبو داود (السنن. ج: ٢. ص: ١٠١. ح: ١٥٧٥) : حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا بهز بن حكيم. وحدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو أسامة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ((في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ولا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا - قال أبو العلاء (مؤتجرًا بها) - فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله
عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء)) .
стр. 4072
وقال النسائي (السنن. ج: ٥. ص: ٢٥) : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر قال: سمعت بهز بن حكيم يحدث عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة من كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا له أجرها ومن منعها فإنا آخذها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء)) . وقال (نفس المرجع. ص: ١٥) : أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى قال: حدثنا بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن أباها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لأل محمد منها شيء)) . وقال الحاكم (المستدرك.: ١. ص: ٣٧٧ و٣٧٨) : حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا بهز بن حكيم وأخبرنا حمد بن سلمان، حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابن لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا تحل لآل محمد منها بشيء)) . وتعقبه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد على ما قدمنا ذكره في تصحيح هذه الصحيفة ولم يخرجاه. وأورده الذهبي في التلخيص ولم يعقب عليه بشيء. وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٤. ص: ١٠٥) : أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار، أنبأ أحمد بن إسماعيل الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق.، أنبأ معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في كل أربعين من الإبل السائمة ابنة لبون من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن كتمها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربك لا يحل لمحمد ولا لآل محمد)) .وتعقبه بقوله: كذلك رواه جماعة عن بهز بن حكيم وقال أكثرهم: عزمة من عزمات ربنا. ثم قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو.
стр. 4073
حدثنا أبو العاص محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: ولا يثبت أهل العلم بالحديث أن تؤخذ الصدقة وشطر الإبل الغالي لصدقته ولو ثبت قلنا به. وتعقب قول الشافعي هذا بقوله: هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن فأما البخاري ومسلم - رحمهما الله - فإنهما لم يخرجاه جريًا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه فلم يخرجا حديثه في الصحيح وقد كان ضعيف الغرامة على من سرق في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخًا واستدل الشافعي على نسخه بحديث ابن البراء بن عازب فيما أفسدت ناقته فلم ينقل عن النبي ﷺ في تلك القصة أنه أضعف الغرامة بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط فيحتمل أن يكون هذا من ذاك. والله أعلم. وتعقب السيوطي - وهو شافعي كالبيهقي - حديث النسائي من طريق يحيى الذي أدرجناه آنفًا فقال: قال في النهاية: قال الحربي: غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو وشطر ماله أن يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا. وقال الخطابي في قول الحربي: لا أعرف ذا الوجه وقيل: معناه أن الحق مستوفى منه غير متروك وإن تلف شطر ماله كرجل كان له ألف شاة فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف وهو شطر ماله الباقي وهذا أيضًا بعيد لأنه قال: إنا آخذوه وشطر ماله وقيل: إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ كقوله في التمر المعلق من خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة وكقوله في ضالة الإبل المكتوبة غرامها ومثلها معها وكان عمر يحكم به فغرّم حاطبًا ضعف ثمن ناقة المزني لما سرقها رقيقها ونحروها وله في الحديث نظائر وقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا وعمل به وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله أخذت وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه واستدل بهذا
الحديث وقال في الجديد: لا يؤخذ إلا الزكاة لا غير. وجعل هذا الحديث منسوخًا وقال: كان ذلك حيث كانت العقوبة في المال ثم نسخت ومذهب عامة الفقهاء أن لا واجب على متلف شيء أكثر من مثله أو قيمته.
стр. 4074
انتهى كلام السيوطي. قلت: إن تعجب فعجب رجوع الشافعي عن القول بتغريم كاتم الزكاة بعد أن قال به وقياس الفقهاء كتمان الزكاة بعموم إتلاف الغير دون تمييز بين إتلاف متعمد يقصد به النكاية بصاحب المال وبين إتلاف
غير متعمد أو متعمد ولكن بدون نية النكاية وإنما هو الاضطرار كقضية رقيق حاطب وناقة المزني وأعجب من هذا كله فرارهم كدأب كثير من المتفقهة المقلدة إلى دعوة النسخ مع أن الآية الكريمة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ من آخر ما نزل ومع أن عمر ﵁ غرم حاطبًا ثمن ناقة المزني مضاعفًا لأنه أجاع رقيقه حتى ألجأه الجوع إلى العدوان على مال الغير فكيف تستقيم دعوى النسخ مع هذه الحقائق؟ ولماذا رجع الشافعي يغفر الله له عن القول بعقوبة كاتم الصدقة إلا أن يكون رأى رأي البخاري ومسلم في عدم اعتماد الحديث لا يعرف إلا من راو واحد وهو رأي قد تكون له وجاهته في ضبط شروط الإخراج لمدون أو مؤلف في السنة ولكنا لا نعرف له وجهًا وجيهًا لمن يقول بالعمل بحديث الآحاد وهو ما يأخذ به الجمهور ويكاد يعتبر عدم الأخذ به شذوذًا فتأمل. وشرعت العقوبات المالية على من لم يسهم في الإنفاق في الجهاد كما سبق أن ذكرنا غير مرة.
ونعتقد أن من تتبع أقضية رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده وخاصة عمر في الشؤون المالية يتضح له بما يرفع عنه كل لبس ما سبق تقريره من أن الضابط الشرعي الذي يحكم " المؤهل" للوظيفة بالخلافة في الأرض وما عليها من ثابت ومنقول هو دلالتها الاجتماعية أو ما يطلق عليه المصلحة العامة.
والمصير الذي لا مصير غيره من هذا المنطلق هو أن واجب ولي الأمر إذا تعينت المصلحة العامة أن يسلب كليًا أو جزئيًا وظيفة الخلافة في الثابت أو المنقول من كل من كان تصرفه غير ملتزم بها.
стр. 4075
ولا سبيل إلى حصر الموجبات على ولي الأمر أن يتخذ هذا الإجراء بيد أننا سبق أن سقنا أمثلة من منع الزكاة والإمساك عن الإنفاق في الجهاد أو له بإمداد الدولة بالمال الذي تكون بحاجة إليه لتطوير قوتها أو صيانتها إرهابًا لأعداء الله وأعداء المسلمين والتعامل مع الآخرين بطريقة من شأنها الإخلال بالسلم الاجتماعي مثل إرهاق العمال أو اضطهادهم أو عدم إنصافهم في الأجور ومثل إجحاف العمال في مطالبهم بما يتجاوز حقوقهم العادلة أو ضرارهم لمن يعملون عندهم لاعتبارات لا علاقة لها بالعمل كالاعتبارات السياسية ومثل محاولة أرباب الصنائع والمصانع ومختلف وسائل الإنتاج استغلال ظروف خاصة حدثت للمجتمع أو للدولة من أجل الحصول على مكاسب إضافية ليست مما يقتضيه العدل، ومثل اندفاع التجار جشعًا إلى استغلال حاجة الناس إلى ما بين أيديهم من ثابت أو منقول برفع أسعارها ورفض تقديمها بالسعر العادل أن يخفض أسعارها عن مستواها العادل ضرارًا لغيرهم ممن يعود عليهم الخفض والخسارة وربما بالإفلاس لمجرد إقصائه من السوق أو لسبب آخر لا يمت إلى العدالة أو الرفق في حقيقته بصلة ومثل ادخار مالكي النقود نقودهم في الخزائن أو المصارف إما بغرض منع التعامل بها إلا بالطرق الربوية وإما بغرض اكتنازها فحسب لاسيما حين تكون الدولة أو المجتمع بحاجة إلى السيولة النقدية إما لتوفير العمل للعاطلين
وإما لتحقيق الموازنة بين الصادرات والواردات وإما لأداء ديون مترتبة على الدولة اضطرها إليه! سبب مشروع وإما لتدعيم عملة الدولة لتحتفظ بقيمتها أو لتزداد قوتها إذا كان في ازدياد قوتها مصلحة اقتصادية.
وفي جميع هذه الحالات وما شاكلها يتعين على ولي الأمر أن يتخذ طبقًا للتصرف بمقتضى الإمامة واعتبار المصلحة العامة جميع الإجراءات التشريعية على هدي القواعد العامة للشريعة الإسلامية لتحقيق ما تقتضيه المصلحة العامة أو يستوجبه الحفاظ على ضوابط الشريعة الإسلامية في المعاملات وغيرها مما يتصل بقواعد الإسلام أو بالمصالح العامة.
ومن هذه الإجراءات محاسبة مانعي الزكاة والذين لم يؤدوها! وإن لم يقصد بعدم أدائها إلى منعها عن كل ما تجمع في ذمتهم منها وأخذه بالقوة إن امتنعوا عن أدائه ولو اقتضى ذلك مصادرة جميع ما يملكون إذا استغرقتها ديون الزكاة.
стр. 4076
ومنها محاسبة من يتعامل مع المصارف أو مباشرة بالطرق الربوبة على ما تجمع لديهم من الفوائد الربوية وأخذه منهم بجميع الوسائل ومنها مصادرة الأموال كلها إذا تبين أنها جميعًا فوائد ربوية ووضح أن رؤوس أموالهم استهلكوها في نفقاتهم الخاصة وأن كل مدخراتهم مجرد فوائد ربوية.
ومنها مصادرة كل ثابت أو منقول صار إلى من يتصرف فيه بطريقة غير مشروعة وحتى بطريقة "مشبوهة" وإن اتخذت صبغة المشروع مثل من يثبت لولي الأمر أنه حاز ما بيده من ثابت أو منقول نتيجة للتعاون مع حكم أو جهاز غير إسلامي عند احتلاله لبلد إسلامي إما في شكل أجور أو في شكل تسهيلات إدارية أو قانونية مكنته من حيازة ما تأثله من ثابت أو منقول لأن ذلك مال حرام ومصير المال الحرام إلى ولي الأمر ينفقه
في المصالح العامة.
ومنها تسخير الأموال المدخرة لتوظيفها في تحقيق مصلحة عامة مثل الزيادة في الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وما شاكل ذلك إذا امتنع أصحابها عن ترويجها اختياريًا في السبيل التي يرى ولي الأمر أنها بحاجة إليها لأن ذلك في رأينا من
"الكنز " الذي أنذر الله صاحبه بالنكال في الدنيا والآخرة ولأن ترويج المدخرات المالية فيما يحقق المصلحة العامة هو عين الإنفاق في سبيل الله وليس هذا الإنفاق محصورًا في انتزاع المال المكتنز من صاحبه انتزاعا كاملًا بل قد يتحقق في انتزاع التصرف فيه من صاحبه وقيام الدولة بدلًا منه بالتصرف فيه على أن يبقى حق المنفعة والانتفاع به لصاحبه في إطار ما تقتضيه الوظيفة الاجتماعية بالخلافة وذلك بناء على القاعدة التي سبق أن أوضحناها من أن الحق الشرعي للإنسان فيما يحوزه من الثابت والمنقول ينحصر في حق المنفعة والانتفاع في نطاق المصلحة العامة.
стр. 4077
ومنها إعادة توزيع الأموال الثابتة كالأرض والعقارات إذ تجمعت بعامل توفر النقد أو غيره في أيد محدودة حرم منها عامة أفراد المجتمع وكانوا بحاجة إليها أو كان المستحوذون عليها مستغلين لها بصورة تضر بجمهور أفراد المجتمع أو كانوا مقصرين في استغلالها بحيث لا يستغلونها استغلالًا كاملًا ولا يستفيد المجتمع اقتصاديًا وماليًا بما تستطيع تلك العقارات إنتاجه من عوائد يضر عدم توفرها بتلك المصالح.
ومنها إجبار من تكون لهم أموال خارج الدولة الإسلامية التي يقيمون فيها بعامل تهريب النقود أو تهريب الخبرات ابتغاء استغلالها خارج تلك الدولة وإن كان في دولة إسلامية أخرى- إذا قلنا بجواز تعدد الدول الإسلامية أو إذا سلمنا بالأمر الواقع وإن لم ندن لله بشرعيته وهذا هو موقفنا - لمجرد أن ما يعود عليهم من استغلالها خارجها لاسيما إذا كانت الدولة التي يقيمون فيها ويدينون لها بالولاء بحاجة إلى تلك الأموال أو الخبرات لتدعيم تطورها الاقتصادي أو قوتها العسكرية التي تتوخى من تدعيمها إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين أو لتحقيق أمنها الداخلي بتوفير الأسباب الكفيلة بإقرار السلم الاجتماعي على اختلافه.
ولا يلجأ إلى "الإجبار" إلا إذا امتنع أصحابها من إعادتها باختيارهم ويشمل "الإجبار" المدخرات من النقود والممتلكات من العقارات إذ تلجأ الدولة إلى بيعها عليهم كما يشمل إجبار الخبراء على العودة إلى بلادهم واتخاذ جميع الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك لاسيما إذا كانوا ممن تفتقر الدولة إلى خبرتهم لما لهم من الاختصاص في أنماط من التقنية المتطورة أو في فروع من العلم التجريبي أو النظري بحيث تضطر الدولة إلى جلب خبراء أجانب عنها لتوفير حاجتها من تلك
الاختصاصات إذا لم تجبرهم على العودة إلى بلادهم ذلك بأن "الخبرة " و" الاختصاص " مما يعتبر بمثابة "المال" لما ينتج عنه عند استغلاله فضلًا عن أنهما مما يتعلق به الواجب العيني على كل فرد من بذل الجهد في تدعيم الدولة الإسلامية التي ينتمي إليها ومن الإنفاق في سبيل تدعيمها ما كانت بحاجة من أبنائها إلى الجهد والإنفاق.
стр. 4078
ومنها مصادرة كل مال أو خبرة أو اختصاص ليست الدولة بحاجة إليه ولكنه يستعمل خارجها أو من داخلها استعمالًا يفيد مباشرة أو بطريقة غير مباشرة أعداء الله وأعداء المسلمين أو دولة إسلامية انتسابًا ولكنها غير ملتزمة وإن زعمت الالتزام لاسيما إذا كانت حربًا على السنة النبوية ومناهجها انطلاقًا من بعض الأهواء والبدع التي كانت السبب فيما عرفته الدولة الإسلامية من الفتن وما أصابها من تفرق وشتات ويشمل هذا النوع كل طائفة أو نحلة تتخذ من النيل من الخلفاء الراشدين أو من بعضهم قاعدة لوجودها وجدليتها ذلك بأن أي مال يستعمل في تدعيم هذا النوع من الاتجاهات يندرج في مضمون حرب الله ورسوله والسعي في الأرض فسادًا وعلى الدولة الإسلامية الملتزمة بالسنة النبوية أن تصادره إذ أن صاحبه لم يعد يملكه أو بالأحرى فقد حق خلافة الله في التصرف فيه بالمنفعة والانتفاع لما استعمله فيما يحارب الله ويفسد في الأرض.
لكن إذا ثبت أنه لم يكن قاصدًا إلى حرب الله والإفساد في الأرض وإنما أساء الفهم وأساء التأويل يعاد إليه ما صودر منه على أن يستعمله داخل دولته المسلمة الملتزمة بالسنة النبوية البعيدة عن البدع والأهواء المنحرفة.
ومنها انتزاع حق التصرف والتصريف ممن لا يحسن إنفاق ماله بما يعيث فيه فسادًا بالتبذير والإسراف أشرًا وبطرا ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (١) لأن هذا التصرف من شأنه - أولًا -: أن يسرع بالفناء فيما بين يديه من مال فيصبح أو يصبح ورثته من بعده عالة على المجتمع و ثانيًا -: أن يكون سببًا في إشاعة نمط من التصرف الفاسد بين من يشهدونه من ذويه خاصة ومن غيره من الدهماء والعوام الذين تستخفهم المظاهر فلا يحسنون التمييز بين ما هو خير وما هو شر وقد يكون ذلك سببًا في إشاعة الحسد في قلوبهم وفي دفعهم إلى تصرفات غير صالحة وقد يكون سببًا في تزيين ذلك السلوك الفاسد لبعض من يملكون مثله أو قريبًا منه ما ييسر لهم مشاكلته أو مقاربته فيترتب عن ذلك شيوع الأخلاق الفاسدة في المترفين والفقراء على السواء.
وهذا النمط من الناس الأشرين البطرين يدخلون أساسًا في قوله :
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٢) من واجب ولي الأمر المسلم التحجير عليهم واستعمال ما يملكون نظريًا فيه حق المنفعة والانتفاع استعمالًا صالحًا يكفل نماءه ويصونه من الضياع ويفيد صاحبه ومجتمعه الإفادة التي تقتضيها الوظيفة الاجتماعية المعنية بخلافة الإنسان في الأرض على أن ينفق عليه بالمعروف.
стр. 4079
هذه بعض الوجوه التي تجعل من المتعين على ولي الأمر المسلم أن يتدخل بسلطان الشرع الإسلامي لتصحيح مسار المال كوسيلة لإسعاد المجتمع الإسلامي وإعزازه وإنماء مقوماته الاقتصادية وتدعيم ركائزه وأركانه السياسية وتحقيق سيادته على العالم وتأمينه داخلًا وخارجًا "من كل ما يحدث فيه اختلالًا أو اعتلالًا ولا أحسب أحدًا يستطيع أن يزعم أن هنالك مصلحة تعلو أو تسامت هذه المصلحة أو أن هنالك تكليفًا يسبق أو يواكب هذا التكليف لولي الأمر المسلم فيما ولي من أجل رعايته وتحقيقه من أمور المسلمين.
ولا نكران أن تدخل ولي الأمر في هذه الوجوه وما شاكلها من شأنه أن يحدث ألمًا لمن يكون هذا التدخل سلبًا أو تحديدًا لحقه في التصرف والتصريف فيما خوله الله نظريًا حق التصرف فيه وتصريفه من الثابت والمنقول باعتباره واحدًا من البشر الذين وكل الله إليهم خلافته في الأرض بيد أن ما يصيبه من الألم ويعتبره - وقد يعتبره مثله جمهرة من مقلدة المتفقهة - مفسدة لا يجوز إغفالها ليس بشيء في الاعتبار الشرعي عند موازنته بما توخاه وفي الأمر المسلم بتدخله من تحقيق المصلحة العامة فلا توجد مصلحة لا يحتمل أن تصاحبها مفسدة وإنما المعيار الذي لا معيار غيره هو التأكد من أيهما الراجح المصلحة أم المفسدة؟ وحتى لو تراءى - بادي الرأي - أنهما سواء في الموازنة فإن المرجح الحاسم الذي يعتبر إبرامًا لا ينقض هو النظر إلى المال والتأكد من مدى تطابقه وتجانسه مع مقتضيات الشرع الإسلامي نصوصًا أو مناطًا.
وفي هذا المجال يقول الشاطبي ﵀ (١) :
" النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة من المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون ذلك الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب أو مفسدة تدرأ ولكن له مال على خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع مفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذ أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المولد إلا أنه عذب المذاق محبوب الغب جار على مقاصد الشريعة.
стр. 4080
والدليل على صحته أمور أحدها: أن التكاليف - كما تقدم - مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم وأما الدنيوية فإن الأعمال - إذا تأملتها - مقدمات لنتائج المصالح فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع والمسببات هي مآلات الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب وهو معنى النظر في المآلات) .
ثم قال:
والثاني: إن مآلات الأعمال إما أن تكون معتبرة شرعًا أو غير معتبرة فإن اعتبرت فهو المطلوب وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود تلك الأعمال وذلك غير صحيح لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد ولا مصلحة تتوقع مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد وأيضًا فإن ذلك يؤدي إلى أن لا تتطلب مصلحة بفعل مشروع ولا تتوقع مفسدة بفعل ممنوع وهو خلاف وضع الشريعة كما سبق.
والثالث: الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٤) وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٥) وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٦) وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٧)
وأما في المسألة على الخصوص فكثير، فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه ((أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) ورد هذا اللفظ في قضيتين: الأولى تتصل بعبد الله بن أبي بن سلول وحولها قال أحمد (المسند ج: ٣. ص: ٣٩٢ و٣٩٣) : حدثنا حسين بن محمد، حدثنا سفيان يعني ابن عيينة عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة قال: يرون أنها غزوة بنى المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فسمع ذلك النبي ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ فقيل: رجل من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها فتنة قال جابر وكان المهاجرون حين قدموا المدينة أقل من الأنصار، ثم إن المهاجرين كثروا فبلغ ذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسمع ذلك عمر فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أضرب هذا المنافق فقال النبي ﷺ : يا عمر دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
стр. 4081
وقال البخاري (ج: ٤. ص: ١٦٠) : حدثنا محمد، أخبرنا. مخلد بن يزبد، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: غزونا مع النبي ﷺ وقد ثاب معه ناس من المهاجربن حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريًا فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية ثم قال: ما شأنهم فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال: قال النبي ﷺ : دعوها، فإنها خبيثة وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا تقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي ﷺ : لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه. ثم قال (نفس المرجع. ج: ٦. ص: ٦٥ و٦٦) : حدثنا علي، حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في غزاة قال سفيان مرة في جيش: فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ﷺ ، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه
стр. 4082
وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد، قال سفيان فحفظته من عمرو فقال عمرو: سمعت جابرًا؛ كنا مع النبي ﷺ . وقال مسلم (على هامش شرح النووي. ج: ١٦. ص١٣٨) : حدثنا أبو بكر بن أي شيبة وزهير بن حرب وأحمد بن عبدة الضبي وابن أبي عمر "واللفظ لابن أبي شيبة " قال ابن عبدة: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول: كنا مع النبي ﷺ في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله ﷺ : ما بال دعوى الجاهلية قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها، فإنها منتنة، فسمعها عبد الله بن أبي بن سلول فقال: لقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعنى أضرب عنق هذا المنافق فقال: دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وقال التزمذي (الجامع الصحيح. ج: ٥. ص: ٤١٧و٨ ١ ٤.ح: ٥ ١ ٣٣) : حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا في غزاة قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فسمع ذلك النبي ﷺ ، فقال: ما بال دعوى الجاهلية، قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : دعوها؛ فإنها منتنة، فسمع ذلك عبد الله بن أبي بن سلول. فقال: أوقد فعلوها، والله (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي ﷺ : دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وقال غير عمر، فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز، ففعل. وقال البيهقي (السنن الكبرى. ج: ٩.: ص: ٣٢) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن عبد الله الكعبي، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأ علي بن المديني، حدثنا سفيان قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: كنا في غزاة وقال سفيان مرة أخرى: كنا في جيش
فكسع - أي ضربه من خلف - رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال - هنا سقطٌ، صوابه ما سبق
стр. 4083
أن نقلناه عن البخاري وغيره؛ -: دعوها؛ فإنها منتنة، فسمع ذلك عند رسول الله ﷺ وهنا سقط أيضًا كالسابق - فقال: قد فعلوها، أما والله (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهنا سقط أيضًا كسابقيه – دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه قال: وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد.
والقضية الثانية ما كان من بعض المنافقين في قسمة غنائم غزوة حنين وقد اختلفت الرواية في شأنها من الذي استأذن رسول الله ﷺ في قتل المنافق الذي حاد رسول الله ﷺ يومئذ فورد في بعضها أنه عمر وورد في أخرى أنه خالد ويبدو لي أن نسبها إلى خالد أقرب إلى المنطق بأن القضية الأولى كان بطلها عمر وما أراه إلا قد اعتبر بها أما الثانية فمعقول جدًا أن يكون بطلها خالدا وإنما التبس على بعض الرواة شأن القضيتين فنسبوا الثانية إلى عمر كما نسبوا الأولى وهذه طائفة من الروايات المختلفة في شأنها. قال أحمد (المسند. ج: ٣. ص: ٣٥٤ و٣٥٥) : حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لما قسم رسول الله ﷺ غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة قام رجل من بني تميم فقال: اعدل يا محمد فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أعدل، قال: فقال عمر: يا رسول الله، ألا أقوم فأقتل هذا المنافق؟ قال: قال معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمدًا يقتل أصحابه ثم قال النبي ﷺ : إن هذا وأصحابًا له يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق المرماة من الرمية قال معاذ قال لي أبو الزبير فعرضت هذا الحديث على الزهري فما خالفني
إلا أنه قال: النضي قلت القدح فقال ألست برجل عربي.
وقال (نفس المرجع. ص: ٥٦) : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم قسمًا إذ جاء ابن ذي الخويصرة التميمي فقال: "اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل فقال عمر بن الخطاب: أتأذن لي فيه فأضرب عنقه فقال النبي ﷺ : دعه؛ فإن له أصحابًا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ينظر في نضيته فلا يوجد فيه شيء، ينظر في رصافة فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم منهم رجل أسود في إحدى يديه أو قال: إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون إلى حين فترة من الناس فنزلت فيهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
стр. 4084
قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن عليًا حين قتله وأنا معه جيئ بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله ﷺ . وقال (نفس المرجع. ص: ٦٥ و٣٥٣) : حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة والضحاك المشرفي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم يقسم مالًا إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال: يا محمد اعدل فوالله ما عدلت منذ اليوم، فقال النبي ﷺ : والله لا تجدون بعدي أعدل عليكم مني، ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله، أتأذن لي فأضرب عنقه؟ فقال: لا، إن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر صاحبه إلى فوقه فلا يرى شيئًا، آيتهم رجل إحدى يديه كالبضعة، أو كثدي المرأة، يخرجون على فرقتين من الناس يقتلهم أولى الطائفتين بالله، قال أبو سيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأني شهدت عليًا حين قتلهم فالتمس في القتلى فوجد على النعت الذي نعت رسول الله ﷺ ، حدثنا حسن بن موسى، أنبأنا أبو شهاب عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: قال جئت مع رسول الله ﷺ عام الجعرانة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس فقال رجل: يا رسول الله، اعدل فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أقتل هذا المنافق فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية.
وقال البخاري (الصحيح. ج: ٤. ص: ٧٨ ١ و٧٩ ١) : حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بنى تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله أتأذن لي فأضرب عنقه؟ فقال: دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه، فلا يوجد فيه شيء، قد يسبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أومثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس.
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعت.
وقال مسلم (على هامش شرح النووي ج: ٧. ص: ١٥٩ إلى ١٦٧) : حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس فقال: يا محمد اعدل قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: معاذ الله؛ أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي،إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية.
وحدثنا محمد بن المثنى حدثتا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله. وحدثنا أبو بكير ابن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنى قرة بن خالد، حدثنى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يقسم مغانم، وساق الحديث، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بنى كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إنما فعلت ذلك لأتألفهم)) فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين
стр. 4085
محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد قال: فقال رسول الله ﷺ : ((فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا يأمنوني)) قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله "يرون أنه خالد بن
الوليد " فقال رسول الله ﷺ : ((إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) .
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع، حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة في أديم مقروط لم تحصل من ترابها قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله اتق الله فقال: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال: ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا؛ لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فقال: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد قال: وعلقمة بن علاثة ولم يذكر عامر بن الطفيل؛ وقال ناتئ الجبهة ولم يقل ناشز وزاد؛ فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، قال: ثم أدبر فقام إليه خالد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، فقال: إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لينًا رطبًا وقال: قال عمارة: حسبته قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.
حدثنا ابن نمير، حدثنا ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد وقال بين أربعة نفر زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل وقال: ناشز الجبهة كرواية عبد الواحد وقال: ((إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم)) ولم يقل لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.
حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يخرج في هذه الأمة "ولم يقل: منها" قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء)) .
حدثني أبو الطاهر، أخبرنا أبو عبد الله ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري. وحدثني حرملة بن يحي وأحمد بن عبد الرحمن الفهري قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يوسف عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك الهمداني أن أبا سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل قال رسول الله ﷺ : ((ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل)) . فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله ﷺ : دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء "وهو القدح " ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد في شيء سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
وقال الطبراني (المعجم الكبير. ج: ٢. ص: ١٧٥. ح: ١٧٥٣) : حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج.
стр. 4086
حدثنا يحيى بن بكير، حدثني ابن وهب عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر قال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة، رسول الله ﷺ
يقبضها للناس ويعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله اعدل قال: ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فلأقتل هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية. وقال ابن ماجه (السنن. ج:١. ص:٢١. ح: ١٧٢) : حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان بن عيينة. عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم، وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال: ويلك من يعدل بعدي إذا لم أعدل فقال عمر: دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ إن هذا في أصحاب أو أصحاب له يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
قلت: ورد ذكر ذي الخويصرة في عدة روايات لهذه القصة وذو الخويصرة هذا يقال إنه حرقص بن زهير أحد صدور الخوارج الذي قتل في النهروان ويظهر أن ابن حجر لم يتأكد لديه هذا القول فقد قال وهو ينقله عن ابن عبد البر (الإصابة. ج:١. ص: ٣٢٠ ترجمة: ١٦٦١) "وزعم أبو عمر أنه ذو الخويصرة التميمي رأس الخوارج المقتول بالنهروان" ثم أورد أخبارًا تشكك في صحبة حرقص بن زهير ثم قال وهو يترجم لذي الخويصرة (نفس المرجع. ص: ٤٨٥. ترجمة: ٢٤٥٠) : التميمي ذكره ابن الأثير في الصحابة مستدركًا على من قبله ولم يورد في ترجمته سوى ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم ذات يوم قسمًا فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم: يا رسول الله اعدل فقال: من يعدل إذا لم أعدل. الحديث. وأخرجه من طريق تفسير الثعلبي ثم من طريق تفسير عبد الرزاق كذلك، لكن قال فيه: إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي وهو حرقص بن زهير فذكره.
ثم قال ابن حجر: ووقع في موضع آخر في البخاري قال عبد الله بن ذي الخويصرة وعندي في ذكره في الصحابة وقفة. انتهى كلام ابن حجر.
وهذا الشك في صحبة ذي الخويصرة وصحبة حرقص بن زهير وهل هما رجل واحد أم اثنان واختلاف الرواة في تعيين الرجل الذي قال لرسول الله ﷺ : اعدل. الحديث. نستخلص منه العبر الآتية:
الأولى: أن اختلافهم في التعيين إذا لم يترتب عنه حكم لا يعتبر اضطرابًا في الحديث.
الثانية: أن إطلاق الصحابي على كل من رأى الرسول! أو حتى على كل من شهد منه مشهدًا (ذا لم يثبت استمراره في العيش مع رسول الله ﷺ أو تردده عليه إذا كان يقطن بعيدًا عن المدينة إطلاق يجب التحري فيه إذ يترتب عن قبوله القول بعد التهم جميعًا ومن شأن هذا القول أن يحدث حرجًا في اعتبار أمثال ذي الخويصرة هذا - إن ثبت أنه صاحب المقولة - صحابيًا ولا سيما وقد ذكرت بعض الرواة أن رسول الله ﷺ قال: إنه سيدخل النار أو كما قال، فكيف يعتبر عدلًا وهو ما لا مناص منه إن عددناه في الصحابة. الثالثة: إن الخوارج في جميع مصادرهم لتترجم الرجال وتاريخ وقائعهم، ويذكرون حرقص بن زهير كأحد الإمامين الأولين لهم، وهذا يعني أنه يتحمل جانبًا من مسؤولية قيادة الفتنة بين المسلمين، وقد نجد عذرًا فيمن التبس عليهم الأمر فاشتركوا مع معاوية في وقعة صفين، أو مع من واجه عليًا - رضي الله
عنه - في وقعة الجمل، فالأمر في ذلك لا يعدو نطاق الاجتهاد والترجيح في موقع الحق بين المتخاصمين، وفي كلا معسكري الخصام الصحابة الأجلاء، ولكن الذين واجهوا عليًا في النهروان من الصعب اعتبارهم معذورين بالاجتهاد.
فالمعسكران غير متكافئين فيمن اشتركا فيهما ومعسكر النهروان أبعد شيء عن أن يقارب معسكر علي في نوعية المشتركين أو في عدد الصحابة الذين ضمهم فإذا كان حرقص بن زهير هو ذو الخويصرة وإن أثبت أن ذا الخويصرة هو صاحب المقولة وأنه هو الذي جاء فيه ما ورد من نبوءة رسول الله ﷺ ومن سيتجيش معه أفلا يكون ذلك رادعًا للقائلين بأن صفة صحابي تشمل كل من أدرك رسول الله ﷺ أو كل من روى عنه، وإن حديثًا واحدًا؟ الواقع أن إطلاق لفظ صحابي بحاجة إلى كثير من التأمل والتحرير. وقوله: لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم يكاد لا يخلو مسند من مساند السنة أو مصدر من مصادر التاريخ الإسلامي من حديث من الأحاديث الواردة في هذا المعنى ولا يترتب عنه حكم متجدد إلا ما كان من اعتبار الحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم المعجمة - من الكعبة أو ليس منها وهو أمر طال فيه الخلاف وليس هذا مقام تحريره لذلك نقتصر في تخريج الحديث الذي أشار إليه الشاطبي ﵀ على ما رواه عبد الرزاق وهو أقدم من الشيخين رحمهما الله - إذ لا نجد حاجة إلى استقراء روايات غيره.
стр. 4087
قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ٥. ص: ١٠٢ و١٠٤. ح: ٩١٠٦) : في حديث طويل رواه عن معمر عن عبد الله - يعنى ابن عثمان بن خثيم - عن أبي الطفيل فذكر حريقها في زمان ابن الزبير فقال ابن الزبير: إن عائشة أخبرتني أن النبي ﷺ قال: لولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة فإنهم تركوها سبعة أذرع في الحجر ضاقت بهم النفقة والخشب. وقال (نفس المرجع. ص: ٢٧ ١ و٢٨ ١.ح: ٠ ٥ ١ ٩ و١ ٥ ١ ٩) : عن ابن جريج قال سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قال وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك في خلافته فقال عبد الملك: ما أظن أبا حبيب سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها قال: وكان الحارث مصدقا لا يكذب قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا من بنيان البيت وإني لولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه من بعدي فهلم لأريك ما تركوا منه فأراها قريبًا من سبعة أذرع. هذا حديث عبد الله بن عبيد وزاد عليه الوليد بن عطاء قال: قال النبي ﷺ : وجعلت له بابين موضوعين في الأرض شرقيًا وغربيًا وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: لا. قال:! تعززا لأن لا يدخلوها إلا من أرادوا فإن الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه حتى يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال نعم فنكت بعصاه ساعة ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل.
عن معمر عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: ((الم تري أن قومك استقصروا عن قواعد إبراهيم؟)) قالت: أفلا ترده يا رسول الله على قواعد إبراهيم؟ قال: ((إن قومك حديثو عهد بكفر، أو أنهم حديثون بكفر)) . بمقتضى هذا أفتى مالك الأمير حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له: لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله، هذا معنى الكلام دون لفظه قال القاضي عياض (ترتيب المدارك. ج: ٢. ص: ١٠٥ و١٠٦) : قال بعضهم: لما قدم الرشيد المدينة وقال آخر: بعض الخلفاء أراد أن ينقض منبر النبي ﷺ ويزيد فيه فقال لمالك: ما ترى؟ فقال: ما أرى. فغضب وقال: قد زاد فيه معاوية. فقال مالك: إن المنبر إذ ذاك كان صلبًا فلست آمن إن نقضته إن تذهب البركة منه وفي رواية: أن يتهافت فيتشاءم الناس منك ويقولون: زال على يده أثر من آثار رسول الله ﷺ . فقال: أحسن الله جزاءك فترك ما كان نواه. قال: وشاور المهدي مالكًا في ثلاثة أشياء في الكعبة في أن ينقضها ويردها على ما كانت عليه
فأشار عليه أن لا يفعل، وفي المنبر أن ينقضه ويرده على ما كان عليه؛ وذلك حين أراد أن يرد المنابر كلها صغارًا على منبر النبي ﷺ ، فقال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان يعني التي زادها معاوية
وأخشى إن نقضته أن يخرب وينكسر ولولا ذلك لرأيت أن ترده إلى حالته الأولى وشاوره في نافع بن أبي نعيم القارئ أن يقدمه للصلاة. فأشار عليه ألا يفعل وقال: هو إمام أخاف أن يكون منه شيء في الغفلة فيحكى عنه. وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه حتى يتم بوله وقال: لا تزرموه (١) وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص مما في هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة أو ممنوعًا لكن يترك النهى عنه لما في ذلك من المصلحة وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها فإن غالبها تذزع بفعل جائز إلى عمل غير جائز فالأصل على المشروعية لكن مآله غير مشروع والأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج كلها فإن غالبها سماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرفق المشروع ولا معنى للإطناب بذكرها وكثرتها واشتهارها قال ابن العربي: حين أخذ في تقرير هذه المسألة اختلف الناس بزعمهم فيها وهي متفق عليها بين العلماء فافهموها وادخروها".
стр. 4088
وواضح أن تقدير المآل لكل تصرف في هذا المجال يعتمد على كفاية ولي الأمر وأهليته للاجتهاد فليست الأحوال والأوضاع سواء وقد أشرنا من قبل إلى ما أطلقنا عليه اسم "الظرفية " وهو يشمل تغاير الأزمنة والبيئات وتغاير تأثيرها في الأحوال والأحداث وتكييفها لها تبعًا لتغايرها وجانب كبير من تقدير هذا الأمر يعتمد على كفاية ولي الأمر وأهليته للاجتهاد ولا سبيل إلى اعتبار ما قد يقوله بعض المقلدة المتفقهة ممن تجمدوا على ظواهر ألفاظ الأصوليين وقواعدهم من أن ولي الأمر الذي يكون إليه الحكم في تحديد أو تحويل ممارسة التصرف والتصريف في المال يجب أن يكون ضليعًا في العلوم الشرعية واللغوية مستوفيًا شروط الأهلية للاجتهاد لأن هذا النمط من الاجتهاد الذي نكله إلى ولي الأمر ولا مناص من أن يوكل إليه لأنه من صميم مهامه وتبعاته ليس هو استنباط الحكم الشرعي وإنما هو إدراك مناط الحكم الشرعي وتقدير الموجبات لتطبيقه اعتبارًا لمناطه من الأحوال والأحداث والظروف في هذا المجال يقول الشاطبي ﵀ (١) :
" قد يتعلق الاجتهاد بتحقيق المناط فلا يفتقر في ذلك إلى العلم بمقاصد الشارع كما أنه لا يفتقر فيه إلى معرفة علم العربية لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه وإنما يفتقر فيه إلى العلم بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصدت المعرفة به فلا بد أن يكون المجتهد عارفًا ومجتهدًا من تلك الجهة التي ينظر فيها يتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى كالمحدث العارف بأصول الأسانيد وطرقها وصحيحها من سقيمها وما يحتج به من متونها مما لا يحتج. فهذا يعتبر اجتهاده فيما هو عارف به كان عالمًا بالعربية أم لا. وكذلك القارئ في تأدية وجوه القراءات والصانع في معرفة عيوب الصناعات والطبيب في العلم بالأدواء والعيوب وعرفاء الأسواق في معرفة قيم السلع ومداخل العيوب فيها والعاد في صحة القسمة والماسح في تقدير الأراضين ونحوها، كل هذا وما أشبهه يعرف به مناط الحكم الشرعي غير مضطر إلى العلم بالعربية ولا العلم بمقاصد الشريعة وإن كان اجتماع ذلك كمالًا في المجتهد. والدليل على ذلك ما تقدم من أنه لو كان لازمًا - أي أن يكون مجتهدًا في كل علم يتعلق به الاجتهاد أي تعلق كان (المعلق الشيخ عبد الله دراز) - لم يوجد مجتهد إلا في الندرة بل هو محال عادة وإن وجد فعلى جهة خرق العادة) .
стр. 4089
ثم قال:" وأيضًا إن لزم في هذا الاجتهاد العلم بمقاصد الشارع لزم في كل علم وصناعة أن لا تعرف إلا بعد المعرفة بذلك إذ فرض من لزوم العلم بها العلم بمقاصد الشارع وذلك باطل فما أدى إليه مثله فقد حصلت العلوم ووجدت من الجهال بالشريعة والعربية ومن الكفار المنكرين للشريعة. ووجه ثالث: أن العلماء لم يزالوا مقلدين في هذه الأمور من ليس من الفقهاء وإنما اعتبروا أهل المعرفة بما قلدوا فيه خاصة وهو التقليد في تحقيق المناط فالحاصل أنه إنما يلزم في هذا الاجتهاد المعرفة بمقاصد المجتهد فيه كما أنه في الأوليين - وهما الاجتهاد من النصوص ومن المعاني (المعلق) - كذلك فالاجتهاد في الاستنباط من الألفاظ الشرعية يلزم فيه المعرفة بمقاصد تلك الألفاظ من الوجه الذي يتعلق به الحكم لا من وجه آخر وهو ظاهر".
ولا يعني اعتمادنا هذه القاعدة التي أحسن الشاطبي ﵀ صياغتها وإيضاحها كما هو دأبه في جل ما يصوغ ويوضح - والكمال لله وحده - أننا نبيح لولي الأمر أن يتصرف دون الاعتماد على حكم الشريعة الإسلامية بل بمجرد رأيه الشخصي. فذلك إنما يعني أننا نبيح له أن يحكم بهواه ونعوذ بالله من أن نبيح الحكم بالهوى.
وإنما نعتمد هذه القاعدة على اعتبار أنه " المختص"، بتقدير الأوضاع والأحوال التي يواجهها بحكم ما عليه من مهام وتبعات واختصاصه هذا لا يعطيه حرية التصرف المطلقة كما أن عدم اختصاصه - إذا لم يكن مختصا في الشريعة الإسلامية- لا يجرده من حرية التصرف وإنما يؤهله اختصاصه لأن يكون تقديره محل اعتبار واستنادًا لمن يجب أن يكون بجانبه ومستشارًا له من المختصين في الشريعة الإسلامية وعدم اختصاصه في الشريعة أو عدم أهليته للاجتهاد فيها وإن كان بصيرًا بها بصرًا لا يؤهله للاجتهاد يوجب عليه قبل أن يقدم على تنفيذ ما يرى بتقديره أنه عادل أو ضروري أن يعود إلى مشورة ذوي الاختصاص في الشريعة الإسلامية. كما أن ذوي الاختصاص هؤلاء يجب عليهم أن يعتمدوا فيها يشيرون به عليه إلى جانب الحكم الشرعي المجرد نصا واستنباطًا ما يبسطه لهم من تقديره والعوامل التي صدر عنها فيه.
стр. 4090
على أنه إذا اختلف من يرجع إليهم لابتغاء حكم الشريعة في مشورتهم له وكان قادرًا على استيعاب الأدلة التي أوضحها له كل فريق من المختلفين وعلى الوعي بالمقاصد التي يرمى إليها كل دليل وعلى التمييز والترجيح المجردين من الهوى ومن التأثر بكل نزعة أو جدلية خارجة عن نطاق الشريعة الإسلامية بين الأدلة المعروضة عليه من المختلفين وما يرمي إليه كل دليل من مناط وعلى اكتشاف الدليل والوجه والمناط والأنسب لما وقر في رأيه عند تقدير الحادث أو الحال موضوع الاجتهاد كان عليه أن يتحمل تبعته أمام الله وأن يعتمد على ما رجح لديه ووقر في نفسه أنه الحق والعدل تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (١) .
فليس ولي الأمر عندنا - والله أعلم - ملزمًا بما يسمى اليوم "رأي الأغلبية" وإنما هو ملزم بما يترجح عنده - إذا لم يتأكد فكيف إذا تأكد - أنه الحق والعدل لأن الذي يمارس أمور الناس قد يعرف من خفاياها وقد يستطيع أن يكتنه من سرائرها ويدرك من ملابساتها ويستشرف من معقباتها ما لا يستطيعه غيره ممن يشهدون تلك الأمور من بعيد أو من قريب دون أن يمارسوها بأنفسهم مما يبلغ خبرة بها أو بالبعض منها. فالخبرة النظرية وحدها لا تكفي لاستكناه السرائر وإدراك الملابسات واستشراف المعقبات وهذا في ما نفهم - والله أعلم - بعض السر في أن الله لم يأمر نبيه ﵊ وتبعًا منه ولي أمر المسلمين من بعده أن يلتزم باتباع مشورة من يستشيرهم وهو ما يدل عليه قوله : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ ومعناه - والله أعلم بأسرار كتابه العزيز - إذا تأكد لديك أو ترجح رأي أو حكم بعدما أشار عليك من استشرت وليس ضروريا أن يكون هو نفس ما أشار به عليك فتوكل على الله فالعزم هنا هو الشعور الذي ينتج عن التأكد والرجحان إذ أن المسؤول الأول والأخير هو ولي الأمر وهو إذا اجتهد بعد أن أحسن التقدير واستشار المؤهلين للمشورة من ذوي الاختصاص في الأمر المجتهد فيه شرعًا أو موضوعًا مأجور أجرًا مضاعفًا إن أصاب وأجرًا واحدًا إن أخطأ ما لم يكن للهوى أو لأي مؤثر غير الاعتبارات الشرعية ومقتضيات المصلحة العامة تأثير في اجتهاده.
стр. 4091
ذلك بأن نتائج أي اجتهاد لا يمكن أن تكون قطعية وغاية أمرها - مهما وضحت أدلتها وتضافرت على تركيزها وتركينها القرائن والشواهد والقواعد - أن تكون راجحة رجحًا قد يتراءى شبيهًا بالتأكد بيد أنه - رغم ذلك - ليس له أن يتجاوز درجة الرجحان إنها حصيلة جهد البشر غير المعصوم ومصدرها خبرة المجتهد بالأمر الذي يجتهد فيه طبيعة وظروفًا ومآلًا، وبصره بصرًا عميقًا شاملًا بمصادر الاعتبار الشرعي في الحكم في ذلك الأمر نصوصًا محكمة أو مفاهيم أو آثارًا أو أقيسة أو ما إليها كالاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة.
ولا سبيل في الاجتهاد إلى الاكتفاء بأحد العنصرين، عنصر الخبرة وعنصر البصر الشرعي أو "الفقه"، إذ أن عنصر الخبرة وحده قد يجلو ويشخص المصادر والموارد والمنافع والمفاسد كما تتراءى للعقل البشري، والعقل البشري مهما حاول أن يتجرد للعدل الصرف ويتنزه عن الهوى ويأتي له الخلوص إلى الرشد الحق إلا أن يستهدي بأنوار الوحي لأن قدرته على التنزه محدودة وبصره بحقائق العدل والحق محدود أيضًا فلا مناص له من الاستعانة بهدي الوحي أي بالشرائع المتنزلة لفظًا أو إلهامًا (الكتاب والسنة) وبما سبق السلف إلى استنباطه منها موضوعًا أو منهجًا.
إذ إن استنباط السلف - عليهم رحمة الله - صحابة كانوا أو تابعين قد يكون غير قابل للتأثر "بالظرفية" لأنه متصل بما لا يؤثر فيه تغاير الأزمنة والبيئات وجل ما يكون هذا النوع في العبادات غير المعقولة المعنى وفيما يتصل بشعارها خاصة وقد يكون قابلًا للتأثر "بالظرفية" إذا كان يتصل بالعادات والمعاملات والجوانب الخاضعة لمؤثرات التطور والتغير البيئوي والزمني أو ما نسميه بالتطور الحضاري من حياة البشر. وهذا النوع من الاستنباط - فهمًا كان أو اجتهادًا - لا سبيل إلى الالتزام به موضوعًا إذا تغاير مع ظروف زمنية أو بيئوية كما أنه لا سبيل إلى إغفاله منهجًا وإن تعذر أو استحال الالتزام به موضوعًا.
فالحياة المادية البشرية في هذا العصر تكاد لا تتشابه في معظم عاداتها وأدواتها وممارساتها مع حياة السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن ظهرت الثورة البخارية في الصناعة ثم الثورات الأخرى المتفرعة عنها، والتي لا يزال
تفرعها مطردًا.
стр. 4092
والالتزام باستنباطاتهم موضوعًا لا مناص من أن يعطل إما حياة المسلمين من مواكبة التطور وإن التزامهم بالإسلام وشرائعه وإن التزموا بعقائده إذا هم آثروا مواكبة التطور انسجامًا مع طبيعة الحياة ومقتضياتها ومن الحرب على الإسلام أن يحاول أحد أو تحاول طائفة اضطرار المسلمين إلى هذا الاختيار بحجة ضرورة الالتزام موضوعًا بسلوك السلف واجتهاداتهم ونمط حياتهم إذ إن هذه المحاولة ستقضي على الالتزام بالإسلام شريعة وربما عقيدة أيضًا فليس في طاقة فرد أو مجتمع أن يعاكس تطور الحياة.
على حين أن الكلمة القرآنية والجملة القرآنية - القرآن هو الأساس لكل تشريع إسلامي حتى ما كان منه سنيًا – يتجلى الإعجاز الإلهي فيها بتجانسها مع البصائر والأفهام في كل ظرف زمني أو بيئوي وفي كل طور حضاري حتى لا يكاد القارئ البصير ببعض التدبر - فكيف بالتدبر المتعمق المستأني - أن يظن أن الآية يقرأها إنما نزلت للحظته تلك وأن نزولها في زمن سابق لم يكن لهداية ذلك الزمن وإنما كان ليتعبد بتلاوتها من كانوا أحياء فيه ولتتداولها الأجيال إلى لحظته تلك. وما من شك في أن كل قارئ بصير موفق في جميع الأزمنة والظروف والبيئات منذ نزل القرآن الكريم كان يجد مثل هذا الشعور وهو يتلو آيات الله البينات وهذا - والله أعلم بسرائر كتابه ولطائف إعجازه - من أقوى الأدلة وأوثق البيانات على أن محمدًا ﵊ كان خاتم الأنبياء وأن القرآن كان خاتم الكتب المنزلة ومهيمنًا عليها وكان ويظل ما بقيت الأرض والسماوات الوشيجة الواشجة بين السماء هداية وبين الأرض اهتداء.
وهذا الوعي بالطبيعة التطورية للتصور البشري للدلالة القرآنية المواكبة لطبيعة التطورية للتأثر البشري بالتطور الحضاري هو الذي جعلنا نقسم الاعتبار لاجتهاد السلف إلى موضوعي ومنهجي. ونتيجة لهذا الاعتبار أصبح اليوم من المتعين ضروريًا أن لا ينفرد الفقيه ولا الخبير بالاجتهاد أو بتعيين الحكم وإن بمجرد الفهم لنص من النصوص في أي حادث وفي أي حال وفي أية قضية مما يتصل بالحياة المادية للبشر ونعني بالحياة المادية ما ليس من الحياة الروحية الصرفة كالعبادات غير المعقولة المعنى ولا من الحياة الذاتية غير المتغيرة كمعظم ما يتصل بشؤون النكاح والطلاق وما شاكلهما من الأحوال الشخصية.
стр. 4093
ذلك بأنه لا سبيل إلى تحكيم الفقيه وحده أو الخبير وحده في شأن من شؤون الاقتصاد مثلًا واعتبار حكم هذا أو ذاك مما يرتضيه الشرع أو لا يتناقض معه وإن تراءى أوثق بالشرع أو أوثق بالمصلحة.
فالظروف التي نشًأ فيها الفقه الإسلامي وتطور كانت طرائق المعاملات ذات الطابع الاقتصادي لا تكاد تتشابه مع ظروف معاملاتنا اليوم شكلًا ولا موضوعًا، كان الاقتصاد يومئذ فرديًا صرفًا وكان النقد عينيًا صرفًا ويكاد التعامل بالمقايضة لا يختلف عن التعامل بالنقد فكلا التعاملين يقوم على نمط من التقييم وكان مدار الكسب الجهد الفردي ومجال التجارة الجهد الفردي فإن اشترك اثنان أو ثلاثة أو أكثر فلفترة محدودة في بضاعة محدودة لزمن محدود. فالبنية الاقتصادية إذن كانت بنية فردية صرفة، كذلك كانت الصناعة فليست أكثر من عمل فرد في يعتمد على خبرة فردية مصدرها في أغلب شأنها ما يكتسب من التجربة
الفردية ومداها في كل شأنها ما تستطيع قوة الفرد أن تنتج فأين هذا من شأن اقتصادنا اليوم وقد أصبح كيانات جبارة ليس الفرد فيها إلا كلولب صغير من اللوالب التي تضبط بها أجزاء المصنع ولا وجود فيها لعينية النقد وإنما هو قطع اعتبارية من الورق أو المعدن ويكاد لا يكون لها أساس يمكن لمسه أو تشخيصه وإنما هو مجموعة اعتبارات (الطاقة الإنتاجية ومدخرات العملة الصعبة ومدخرات الذهب ومدخرات الأرض من المعادن المعتبرة) فكيف يحاول من يحاول أن يحكم طرائق الممارسة التي ضبط لها الفقهاء أحكامًا مما استنبطوه من النصوص القرآنية أو السنية لعهودهم تلك في أوضاعنا الراهنة هذه؟
إنه لا مناص من أن يشترك الخبير والفقيه في الاجتهاد بل وأن يتعاونا على إعادة قراءة النصوص وفهمها من جديد. فبدون ذلك لن يكون للإسلام بقاء ولن يتاح له أن يستعيد هيمنته هاديًا وموجهًا وضابطًا على الأمة الإسلامية فضلًا عن أن يجتذب إليه الأمم والنحل الأخرى.
واعتبارًا لكل هذا قررنا بأن الحكم في الظروف التي يتعين فيها تدخل ولي الأمر في ما خول للإنسان من حق الانتفاع والمنفعة والتصرف والتصريف إذا تعين التدخل فيه يجب أن يعتمد على اجتهاد مزدوج من كل من الفقيه والخبير لا ينفرد به أحدهما ولكن لولى الأمر - لاسيما إذا كان خبيرًا - حق الموازنة والترجيح واتخاذ القرار.
стр. 4094
لكن الالتزام بمناهج السلف في الاجتهاد قل أن يمكن التخلي عنه لأصول مناهجهم المستمدة من استقراء الطرائق والأساليب القرآنية والسنية في التعبير والتعليل والدلالة والإيماء وهي ضوابط لسبل فهم الشريعة والاستنباط منها، لا تتخلف أو قل ما تتخلف فإن تخلفت فليس التخلف منها وإنما هو من مدى فهم وتميز من استنبطوها ورسموا قواعدها ومعالمها ولا تتأثر بمؤثر خارجي أو قل ما تتأثر فإن تأثرت فليست هي المتأثرة ولكن العقول التي استنبطتها ورسمت معالمها وقواعدها لم تستطع أن تبلغ مداها من الارتفاع عن المؤثرات فقصرت وهي تضبط قواعدها وترسم معالمها عن أن تجعل عملها الاجتهادي متجردًا عن طبيعتها الفانية متجانسًا مع الطبيعة الأبدية لطرائق الكتاب والسنة في التعبير والتعليل والدلالة والإيماء.
لذلك لا سبيل إلى التخلي عن المنهاج الاجتهادي للسلف إلا أن يتعين قصوره عن المدى الأبدي الشامل لينابيعه الأولى من الكتاب والسنة وذلك قليل، بل نادر يكاد لا يكون له وجود.
ونحسب أن هذا الاعتبار اعتبار ازدواجية الاجتهاد في الشؤون غير التعبدية وما على شاكلتها هو الحكم الفيصل في إخلاف الزمن الذي اضطرب فيه الفقهاء والمقلدة حول جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل.
فجمهرة المتخلفين - إن لم يكونوا جميعًا - اعتمدوا البصر بالشريعة بصرًا مؤهلًا للاجتهاد شرطًا من شروط الأهلية للإمامة على تفاوت بينهم في الالتزام بهذا الشرط لاعتبار صحتها أو في اعتباره شرطًا ترجيحًا.
بيد أن استقراء مواقف أئمة الاجتهاد الأول ممن اعتمدوا أئمة المذاهب السنية أو لم يعتمدوا ولكنهم وثقوا في مجال الدراية والرواية وفي طليعتهم نفر من التابعين يدمغ أسباب هذا الاختلاف وحججه ويثبت مما لا يدع مجالًا للارتياب والمراء أنهم كانوا يدينون بصحة الإمامة لمن عاصروهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين من معاوية إلى هارون ثم المعتصم والواثق وما منهم من شكك في وجوب الطاعة لهم ما لم يأمروا بمنكرٍ.
стр. 4095
فقد كان نفر من صغار الصحابة الذين تصدروا للفتيا من عهد الخليفتين الراشدين أو بعدهما وجمهرة من الطبقة الأولى والثانية من التابعين يدينون بالولاء لمعاوية وابنه يزيد ولمروان وابنه عبد الملك. ودرج التابعون على هذا المنوال بعدهم وكان مالك ﵀ يدين بالولاء للمنصور والهادي والمهدي وهارون ويقبل جوائزهم ويخاطبهم بإمارة المؤمنين (١) وكان
الشافعي يدخل على الرشيد ويحضر مجلسه (٢) ويصيب من جوائزه. كذلك كان أبو حنيفة وصاحباة (٣) بل إن أبا يوسف كان قاضي قضاة الرشيد وله وضع كتاب الخراج. ومن أجل الحظوة عنده كان ما كان بينه وبين محمد بن الحسن (٤) .
وكان أحمد يدين بالولاء للمعتصم حتى بعد أن امتحن بأمر منه ويدين به للواثق بعد المعتصم بل إنه لما علم بفتح عمورية غفر للمعتصم ما امتحن به بأمر منه (٥) . ومن قبل هؤلاء كان بعض أئمة الحديث الكبار ومن أبرزهم سفيان بن عيينة (٦) يدخل على العباسيين وينال جوائزهم وكان قبل هؤلاء أيضًا جمهور من التابعين ومن أبرزهم الحسن البصري (٧) يقبلون جوائز الأمويين ويدينون لهم بالولاء.
стр. 4096
ولئن كان بعض كبار التابعين قد أثر عنهم ما يمكن اعتباره اشتباهًا أو جرحًا في شرعية الخلفاء بعد معاوية فإن موقفهم هذا لم يعتمده أئمة الاجتهاد من معاصريهم وممن بعدهم إلا ما كان مصدره الاعتبار السياسي كما هو الشأن في مواقف كل من الشيعة والخوارج على اختلاف بينها. فمصدر تجريح الشيعة لشرعية خلافة الأمويين هو أنهم ليسوا من سلالة رسول الله ﷺ على تفاوت بينهم في التزام هذا المصدر عمليًا على الأقل أما الخوارج فهم أشد تطرفًا في اعتبار أفضلية الإمام وأن ليس للمفضول أن يتولى الإمامة مع وجود الفاضل إلا في حالات خاصة شاذة وأن العلم بالشريعة الإسلامية المؤهلة للاجتهاد فيها شرط ضروري لصحة الإمامة وإن كان موقفهم هذا ظل نظريًا لم ينسجم معه تصرفهم في عقد الإمامة والولاء لها في جميع البيئات والعصور إلى أن انتهى وجود الإمامة عندهم عمليًا في أوائل هذا القرن.
على أن هذا ليس شأننا في هذا البحث وإنما اضطرنا إلى أن نعرض له ما يترتب من أحكام على وجود إمام ليس مؤهلًا للاجتهاد وفي الشريعة الإسلامية.
ذلك بأن ما أطلقنا عليه أنفًا " ولي الأمر " يشمل الإمام ومن يتولى نيابة عنه أمور المسلمين في قطر من الأقطار الخاضعة له ولاية تفويض أو ولاية تنفيذ. وبالتعبير الحديث من يكون وزيرًا له أو عاملًا أو واليًا ثم من يخولون سلطات أو صلاحيات من الوزراء والولاة والعمال في المدن والقرى والجماعات البدوية على تفاوت بين السلطات والصلاحيات التي تخول لهم تبعًا لمراتبهم في الجهاز الهرمي للدولة وهو تفاوت يترتب عنه تلقائيًا مدى ما يخول لهم شرعًا من حق التصرف الاجتهادي بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة وهذا (المدى) تضبطه وثائق التعيين والتخويل.
والإمام الذي نتحدث عنه جريًا على سنن الفقهاء المتأخرين هو خليفة المسلمين
стр. 4097
عند وجوده أو الملك أو السلطان أو رئيس الجمهورية وبعبارة أشمل رئيس الدولة في التعبير الحديث. وقد ألمعنا آنفًا إلى موقفنا من وجوب وحدة الدولة الإسلامية وواقع تعدد الدول في العالم الإسلامي في الوقت الراهن وهو واقع لا سبيل إلى إغفاله أو تجاهله مهما يكن غير منسجم انسجامًا كاملًا مع مقتضيات الشرع الإسلامي لأن إغفاله وتجاهله من شأنه أن يحدث اضطرابًا خطيرًا في سير ومسار مصالح المسلمين وهذا الاضطراب أشذ خطرًا وأبعد أثرًا من أن يغفل شأنه في تقدير الأحكام الواجب تطبيقها على شؤون المجتمعات الإسلامية بحجة أن الواقع السياسي للمسلمين ليس منسجمًا مع الصيغة التي قررها الشرع الإسلامي.
على حين أن اعتبار هذا الواقع في ضبط الأحكام التي يجب تطبيقها على المسلمين مجتمعات وأفرادًا لا يعني الحكم بشرعيته وإنما يعني التسليم بوجوده تسليمًا ليس معناه القبول باستمراره ولكن معناه اعتباره منطلقًا إلى التحقيق السلمي لتطوير الكيان السياسي للأمة الإسلامية إلى الصبغة الوحدوية التي يقرها ولا يقر غيرها الشرع الإسلامي وعلى هدي هذا الذي بيناه بإيجاز نقرر:
١- أن من يتولون أمور المسلمين في مختلف أقطارهم يملكون حق الانتزاع بالمصادرة أو التحديد لما يتصرف فيه الأفراد من أموال ثابتة أو منقولة في الأحوال التي يبيح الشرع فيها أو بنسبها مصادرة تلك الأموال أو تحديدها كما أو كيفًا.
٢ - أن هذا الحق غير مخول إلا لولي الأمر الملتزم - وإن نظريا - بمختلف صيغ الالتزام الدستورية باعتبار الإسلام الدين المهيمن على تشريعات الدولة والمتحكم في تقدير شرعية أو عدم شرعية كل تشريع منها سواء كان مجاله الأحوال الشخصية أو المدنية أو الجنائية.
- نقول الملتزم وإن نظريا بصرًا منا بأن الالتزام التطبيقي الكامل يكاد ينعدم في هذه الأيام ولا يمكن لهذه الحال المؤلمة أن تتخذ عائقًا لأي تدبير ألجأت إليه اعتبارات صادقة موافقة للمصلحة العامة في أية دولة من الدول الإسلامية لأن اعتبارها عائقًا يحول دون تحقيق الكثير مما من شأنه تطوير أوضاع المسلمين إلى ما هو أفضل اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا تطويرًا يعلو اعتباره على كل اعتبار.
стр. 4098
إن هذا الحق لا تجوز ممارسته إلا حين تتوفر جميع البينات على توقف تحقيق المصلحة العامة للمسلمين على ممارسته وعند توفر هذه البينات يجب أن تنحصر ممارسته في الإطار الذي ترسمه وألا تتجاوزه بحال من الأحوال وأقل تجاوز لها ظلم تجب مقاومته بجميع الطرق السلمية المشروعة وإن كان لا يجوز الالتجاء في مقاومته إلى الطرق غير السلمية لأن جريمة العصيان من شأنها أن تحدث اختلالًا أو اضطرابًا في الدولة الإسلامية تنجر عنه مفسدة أشد من الظلم الذي قد يحدث من تجاوز مقتضى تلك البينات. فالمصلحة العامة توجب عدم الالتجاء إلى العصيان مهما يبلغ مدى ظلم الولاة إلا أن يصل حد منع المسلمين عن ممارسة الشعائر التعبدية كما نصت عليه السنة النبوية
لا يتسع المجال لإيراد العشرات من الأحاديث الثابتة في هذا الشأن لذلك نقتصر على ثلاث أحاديث أخرجها البخاري في كتاب الأحكام قال (ج: ٩. ص: ١٠٥ و١٠٦) : حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن أبي التياح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) وقال المزي (تحفة الأشراف. ج:١. ص: ٤٣٨ و٤٣٩) : حديث: اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد. وفي حديث غندر: قال لأبي ذر: اسمع وأطع ... الحديث. خ في الصلاة (٢٠٥: ٢) عن بندار وفي الأحكام (٤: ١) عن مسدد كلاهما عن يحيى - وفي الصلاة (٢٠٧) عن محمد بن أبان عن غندر كلاهما عن شعبة عنة به. ق في الجهاد (٣٩: ٢) عن بندار وأبي بشر بكر بن خلف كلاهما عن يحيى به. حديث: لولا الهجرة لكنت أمرءًا من الأنصار ... الحديث. خ في التمني (٩ تعليقًا) تابعه أبو التياح عن أنس.
وقال البخاري (نفس المرجع) : حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن الجعد عن أبي رجاء عن ابن عباس ويرويه قال: قال النبي ﷺ : ((من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية)) . وقال المزي (نفس المرجع. ج: هـ. ص: ١٩٢. ح: ٦٣١٩) في تخريج الحديث: حديث: من كره من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السلطان ... الحديث. خ في الأحكام (٤: ٢) عن سليمان بن حرب وفي الفتن (٢: ٣) عن أبي النعمان كلاهما عن حماد بن زيد وفيه الفتن (٢: ٢) عن مسدد عن عبد الوارث كلاهما عن الجعد أبي عثمان عنه به. م في المغازي (٦٦: ٧) عن حسن بن الربيع عن حماد بن زيد به. و (٦٦: ٨) عن شيبان عن عبد الوارث به
стр. 4099
وقال البخاري (نفس المرجع) : حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني نافع عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) . وقال المزي (نفس المرجع. ج: ٦. ص: ١٧٥. ح: ٨١٥٠) في تخريجه لحديث السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. خ في الأحكام (٤: ٢) وفي الجهاد (١٠٧: ا) عن مسدد - م في المغازي (٦١: ١٩) عن زهير بن حرب - ومحمد بن المثنى - ثلاثتهم عنه به. د في الجهاد (٩٦: ٣) عن مسدد به.
٤- إن ممارسة هذا الحق حين تتوفر البينات الموجبة لممارسته يجب أن تنضبط بالمجال والكيفية اللذين تتوفر البينات لوجوب ممارسته في إطارهما وليس هذا تكرارًا للجزء الأخير من الفقرة السابقة وإنما هو نوع آخر. فالذي ألمعنا إليه في الفقرة السابقة هو تجاوز الإطار في نفس المجال والكيفية أما الذي نريد إيضاحه الآن فهو تطبيق الإطار العام للبينات في غير المجال والكيفية اللذين وضع لهما.
وبيان ذلك أنه حين تتوفر البينات بأن المصلحة العامة تقتضي تحديد مجال أو كيفية أو مدى تصرف إنسان فيما خول له التصرف فيه منفعة وانتفاعًا من الأموال الثابتة والمنقولة لا يجوز أن يتجاوز ولي الأمر نطاق " التحديد "، إلى " المصادرة ".
فحين يتبين أن المصلحة العامة للمسلمين تقتضي أن لا تتجمع مساحات من الأرض واسعة أو مجموعة من العمارات السكنية متعددة أو مجموعة من الحيوانات التي تجب فيها الزكاة وفيرة جدًا فإن على ولي الأمر أن يمارس إعادة توزيعها ولكن مع تعويض من كانت مجتمعة تحت يده عما انتزع منه تعويضًا ليس رمزيًا كما تفعله بعض الدول اليوم وإنما هو تعويض كامل أساسه القيمة الواقعية لما انتزع منه كما هي في الأسواق الداخلية للدولة يوم انتزاعه وأي نقص من القيمة الواقعية ظلم يجب العمل على رفعه بالطرق السلمية.
وهنا تبرز مسألة ذات خطر بالغ وهي المبالغ النقدية التي يمكن لولي الأمر أن ينتزعها من مدخريها إذا تبين أن المصلحة العامة للمسلمين تقتضي انتزاعها لصالح الدولة إلى السيولة النقدية أو لحاجتها إلى تدعيم قوتها العسكرية أو إلى دفع ديونها الخارجية وفي هذه الحال كيف يعوض صاحبها؟.
стр. 4100
ذلك أن العملات مهما تبلغ قوة وأيًا كانت دعائمها تظل عرضة في قيمتها للارتفاع والانخفاض طبقًا لتغير الأوضاع الاقتصادية للدولة وطبقًا للتقلبات الاقتصادية العالمية أيضًا. وإذا لم يقع تعويض النقود المنتزعة تعويضًا عاجلًا بقيمتها من الأموال الثابتة أو المتنقلة بل أعطي صبغة دين في ذمة الدولة تدفع أقساطًا أو إلى أجل مسمى بقيمته الاسمية وليس أسهما وسندات خاضعة للتقلبات في سوق القيم المالية فإن من انتزعت منه قد يصيبه الضرر إذا انخفضت العملة عند دفع أقساط الدين أو عند حلول أجل الدفع الكامل وقد يصيب الدولة الضرر عند ارتفاعها إذا كانت العملة المنتزعة ليست عملة الدولة نفسها وإنما هي عملة أجنبية معتمدة عالميًا.
لذلك نعتقد أن الوضع السليم للتعويض في مثل هذه الحال يجب أن يرتبط بالعملة " المقياس " المعتبرة عالميًا فبذلك وحده يمتنع الإضرار بحق الدولة وبحق المنتزع منه. وقضية اضطراب سوق النقد وأسعار العملات ذات أبعاد خطيرة وآثار بالغة في جوانب من التشريع الإسلامي المتصل بمعاملات مثل تماثل النقد في المعاملات المؤجلة عند من يقول بأن لا ربا إلا في النسيئة والمعجلة أيضًا عند من يقول بربا الفضل ومثل سداد الديون وما شاكل ذلك بل إنها تؤثر حتى فيما تجتمع فيه الاعتبارات التعبدية الصرفة والاعتبارات المالية الصرفة أو بالأحرى ما يجتمع فيه حق الله وحق العباد
مثل الزكاة في موضوع تحديد النصاب المالي لها من مختلف العملات وتحديده في الذهب والفضة بعد أن أصبح النقد اعتباريًا وزال حكم انفرادهما بالتقييم النقدي إذ لم يعودا المرجع التقييمي الوحيد للنقد الاعتباري وليس هذا مجال بحث هذه القضية إنما ألممنا بها عرضًا لعلاقتها بما يجوز انتزاعه من النقود المدخرة بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة.
ثم إن اضطراب أسعار العملات لا يؤثر فيما نسميه اليوم العملات العالمية أو العملات الصعبة فحسب بل يؤثر أيضًا في العملات المحلية غير المتعامل بها في الأسواق العالمية للقيم أو تلك المتعامل بها فيها باعتبارها معترفًا بها ولكنها ليست مراجع للتقييم العالمي للعملات.