← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

ولئن كان بعض كبار التابعين قد أثر عنهم ما يمكن اعتباره اشتباهًا أو جرحًا في شرعية الخلفاء بعد معاوية فإن موقفهم هذا لم يعتمده أئمة الاجتهاد من معاصريهم وممن بعدهم إلا ما كان مصدره الاعتبار السياسي كما هو الشأن في مواقف كل من الشيعة والخوارج على اختلاف بينها. فمصدر تجريح الشيعة لشرعية خلافة الأمويين هو أنهم ليسوا من سلالة رسول الله ﷺ على تفاوت بينهم في التزام هذا المصدر عمليًا على الأقل أما الخوارج فهم أشد تطرفًا في اعتبار أفضلية الإمام وأن ليس للمفضول أن يتولى الإمامة مع وجود الفاضل إلا في حالات خاصة شاذة وأن العلم بالشريعة الإسلامية المؤهلة للاجتهاد فيها شرط ضروري لصحة الإمامة وإن كان موقفهم هذا ظل نظريًا لم ينسجم معه تصرفهم في عقد الإمامة والولاء لها في جميع البيئات والعصور إلى أن انتهى وجود الإمامة عندهم عمليًا في أوائل هذا القرن. على أن هذا ليس شأننا في هذا البحث وإنما اضطرنا إلى أن نعرض له ما يترتب من أحكام على وجود إمام ليس مؤهلًا للاجتهاد وفي الشريعة الإسلامية. ذلك بأن ما أطلقنا عليه أنفًا " ولي الأمر " يشمل الإمام ومن يتولى نيابة عنه أمور المسلمين في قطر من الأقطار الخاضعة له ولاية تفويض أو ولاية تنفيذ. وبالتعبير الحديث من يكون وزيرًا له أو عاملًا أو واليًا ثم من يخولون سلطات أو صلاحيات من الوزراء والولاة والعمال في المدن والقرى والجماعات البدوية على تفاوت بين السلطات والصلاحيات التي تخول لهم تبعًا لمراتبهم في الجهاز الهرمي للدولة وهو تفاوت يترتب عنه تلقائيًا مدى ما يخول لهم شرعًا من حق التصرف الاجتهادي بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة وهذا (المدى) تضبطه وثائق التعيين والتخويل. والإمام الذي نتحدث عنه جريًا على سنن الفقهاء المتأخرين هو خليفة المسلمين

стр. 4097

عند وجوده أو الملك أو السلطان أو رئيس الجمهورية وبعبارة أشمل رئيس الدولة في التعبير الحديث. وقد ألمعنا آنفًا إلى موقفنا من وجوب وحدة الدولة الإسلامية وواقع تعدد الدول في العالم الإسلامي في الوقت الراهن وهو واقع لا سبيل إلى إغفاله أو تجاهله مهما يكن غير منسجم انسجامًا كاملًا مع مقتضيات الشرع الإسلامي لأن إغفاله وتجاهله من شأنه أن يحدث اضطرابًا خطيرًا في سير ومسار مصالح المسلمين وهذا الاضطراب أشذ خطرًا وأبعد أثرًا من أن يغفل شأنه في تقدير الأحكام الواجب تطبيقها على شؤون المجتمعات الإسلامية بحجة أن الواقع السياسي للمسلمين ليس منسجمًا مع الصيغة التي قررها الشرع الإسلامي. على حين أن اعتبار هذا الواقع في ضبط الأحكام التي يجب تطبيقها على المسلمين مجتمعات وأفرادًا لا يعني الحكم بشرعيته وإنما يعني التسليم بوجوده تسليمًا ليس معناه القبول باستمراره ولكن معناه اعتباره منطلقًا إلى التحقيق السلمي لتطوير الكيان السياسي للأمة الإسلامية إلى الصبغة الوحدوية التي يقرها ولا يقر غيرها الشرع الإسلامي وعلى هدي هذا الذي بيناه بإيجاز نقرر: ١- أن من يتولون أمور المسلمين في مختلف أقطارهم يملكون حق الانتزاع بالمصادرة أو التحديد لما يتصرف فيه الأفراد من أموال ثابتة أو منقولة في الأحوال التي يبيح الشرع فيها أو بنسبها مصادرة تلك الأموال أو تحديدها كما أو كيفًا. ٢ - أن هذا الحق غير مخول إلا لولي الأمر الملتزم - وإن نظريا - بمختلف صيغ الالتزام الدستورية باعتبار الإسلام الدين المهيمن على تشريعات الدولة والمتحكم في تقدير شرعية أو عدم شرعية كل تشريع منها سواء كان مجاله الأحوال الشخصية أو المدنية أو الجنائية. - نقول الملتزم وإن نظريا بصرًا منا بأن الالتزام التطبيقي الكامل يكاد ينعدم في هذه الأيام ولا يمكن لهذه الحال المؤلمة أن تتخذ عائقًا لأي تدبير ألجأت إليه اعتبارات صادقة موافقة للمصلحة العامة في أية دولة من الدول الإسلامية لأن اعتبارها عائقًا يحول دون تحقيق الكثير مما من شأنه تطوير أوضاع المسلمين إلى ما هو أفضل اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا تطويرًا يعلو اعتباره على كل اعتبار.

стр. 4098

إن هذا الحق لا تجوز ممارسته إلا حين تتوفر جميع البينات على توقف تحقيق المصلحة العامة للمسلمين على ممارسته وعند توفر هذه البينات يجب أن تنحصر ممارسته في الإطار الذي ترسمه وألا تتجاوزه بحال من الأحوال وأقل تجاوز لها ظلم تجب مقاومته بجميع الطرق السلمية المشروعة وإن كان لا يجوز الالتجاء في مقاومته إلى الطرق غير السلمية لأن جريمة العصيان من شأنها أن تحدث اختلالًا أو اضطرابًا في الدولة الإسلامية تنجر عنه مفسدة أشد من الظلم الذي قد يحدث من تجاوز مقتضى تلك البينات. فالمصلحة العامة توجب عدم الالتجاء إلى العصيان مهما يبلغ مدى ظلم الولاة إلا أن يصل حد منع المسلمين عن ممارسة الشعائر التعبدية كما نصت عليه السنة النبوية لا يتسع المجال لإيراد العشرات من الأحاديث الثابتة في هذا الشأن لذلك نقتصر على ثلاث أحاديث أخرجها البخاري في كتاب الأحكام قال (ج: ٩. ص: ١٠٥ و١٠٦) : حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن أبي التياح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) وقال المزي (تحفة الأشراف. ج:١. ص: ٤٣٨ و٤٣٩) : حديث: اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد. وفي حديث غندر: قال لأبي ذر: اسمع وأطع ... الحديث. خ في الصلاة (٢٠٥: ٢) عن بندار وفي الأحكام (٤: ١) عن مسدد كلاهما عن يحيى - وفي الصلاة (٢٠٧) عن محمد بن أبان عن غندر كلاهما عن شعبة عنة به. ق في الجهاد (٣٩: ٢) عن بندار وأبي بشر بكر بن خلف كلاهما عن يحيى به. حديث: لولا الهجرة لكنت أمرءًا من الأنصار ... الحديث. خ في التمني (٩ تعليقًا) تابعه أبو التياح عن أنس. وقال البخاري (نفس المرجع) : حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن الجعد عن أبي رجاء عن ابن عباس ويرويه قال: قال النبي ﷺ : ((من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية)) . وقال المزي (نفس المرجع. ج: هـ. ص: ١٩٢. ح: ٦٣١٩) في تخريج الحديث: حديث: من كره من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السلطان ... الحديث. خ في الأحكام (٤: ٢) عن سليمان بن حرب وفي الفتن (٢: ٣) عن أبي النعمان كلاهما عن حماد بن زيد وفيه الفتن (٢: ٢) عن مسدد عن عبد الوارث كلاهما عن الجعد أبي عثمان عنه به. م في المغازي (٦٦: ٧) عن حسن بن الربيع عن حماد بن زيد به. و (٦٦: ٨) عن شيبان عن عبد الوارث به

стр. 4099

وقال البخاري (نفس المرجع) : حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني نافع عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) . وقال المزي (نفس المرجع. ج: ٦. ص: ١٧٥. ح: ٨١٥٠) في تخريجه لحديث السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. خ في الأحكام (٤: ٢) وفي الجهاد (١٠٧: ا) عن مسدد - م في المغازي (٦١: ١٩) عن زهير بن حرب - ومحمد بن المثنى - ثلاثتهم عنه به. د في الجهاد (٩٦: ٣) عن مسدد به. ٤- إن ممارسة هذا الحق حين تتوفر البينات الموجبة لممارسته يجب أن تنضبط بالمجال والكيفية اللذين تتوفر البينات لوجوب ممارسته في إطارهما وليس هذا تكرارًا للجزء الأخير من الفقرة السابقة وإنما هو نوع آخر. فالذي ألمعنا إليه في الفقرة السابقة هو تجاوز الإطار في نفس المجال والكيفية أما الذي نريد إيضاحه الآن فهو تطبيق الإطار العام للبينات في غير المجال والكيفية اللذين وضع لهما. وبيان ذلك أنه حين تتوفر البينات بأن المصلحة العامة تقتضي تحديد مجال أو كيفية أو مدى تصرف إنسان فيما خول له التصرف فيه منفعة وانتفاعًا من الأموال الثابتة والمنقولة لا يجوز أن يتجاوز ولي الأمر نطاق " التحديد "، إلى " المصادرة ". فحين يتبين أن المصلحة العامة للمسلمين تقتضي أن لا تتجمع مساحات من الأرض واسعة أو مجموعة من العمارات السكنية متعددة أو مجموعة من الحيوانات التي تجب فيها الزكاة وفيرة جدًا فإن على ولي الأمر أن يمارس إعادة توزيعها ولكن مع تعويض من كانت مجتمعة تحت يده عما انتزع منه تعويضًا ليس رمزيًا كما تفعله بعض الدول اليوم وإنما هو تعويض كامل أساسه القيمة الواقعية لما انتزع منه كما هي في الأسواق الداخلية للدولة يوم انتزاعه وأي نقص من القيمة الواقعية ظلم يجب العمل على رفعه بالطرق السلمية. وهنا تبرز مسألة ذات خطر بالغ وهي المبالغ النقدية التي يمكن لولي الأمر أن ينتزعها من مدخريها إذا تبين أن المصلحة العامة للمسلمين تقتضي انتزاعها لصالح الدولة إلى السيولة النقدية أو لحاجتها إلى تدعيم قوتها العسكرية أو إلى دفع ديونها الخارجية وفي هذه الحال كيف يعوض صاحبها؟.

стр. 4100

ذلك أن العملات مهما تبلغ قوة وأيًا كانت دعائمها تظل عرضة في قيمتها للارتفاع والانخفاض طبقًا لتغير الأوضاع الاقتصادية للدولة وطبقًا للتقلبات الاقتصادية العالمية أيضًا. وإذا لم يقع تعويض النقود المنتزعة تعويضًا عاجلًا بقيمتها من الأموال الثابتة أو المتنقلة بل أعطي صبغة دين في ذمة الدولة تدفع أقساطًا أو إلى أجل مسمى بقيمته الاسمية وليس أسهما وسندات خاضعة للتقلبات في سوق القيم المالية فإن من انتزعت منه قد يصيبه الضرر إذا انخفضت العملة عند دفع أقساط الدين أو عند حلول أجل الدفع الكامل وقد يصيب الدولة الضرر عند ارتفاعها إذا كانت العملة المنتزعة ليست عملة الدولة نفسها وإنما هي عملة أجنبية معتمدة عالميًا. لذلك نعتقد أن الوضع السليم للتعويض في مثل هذه الحال يجب أن يرتبط بالعملة " المقياس " المعتبرة عالميًا فبذلك وحده يمتنع الإضرار بحق الدولة وبحق المنتزع منه. وقضية اضطراب سوق النقد وأسعار العملات ذات أبعاد خطيرة وآثار بالغة في جوانب من التشريع الإسلامي المتصل بمعاملات مثل تماثل النقد في المعاملات المؤجلة عند من يقول بأن لا ربا إلا في النسيئة والمعجلة أيضًا عند من يقول بربا الفضل ومثل سداد الديون وما شاكل ذلك بل إنها تؤثر حتى فيما تجتمع فيه الاعتبارات التعبدية الصرفة والاعتبارات المالية الصرفة أو بالأحرى ما يجتمع فيه حق الله وحق العباد مثل الزكاة في موضوع تحديد النصاب المالي لها من مختلف العملات وتحديده في الذهب والفضة بعد أن أصبح النقد اعتباريًا وزال حكم انفرادهما بالتقييم النقدي إذ لم يعودا المرجع التقييمي الوحيد للنقد الاعتباري وليس هذا مجال بحث هذه القضية إنما ألممنا بها عرضًا لعلاقتها بما يجوز انتزاعه من النقود المدخرة بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة. ثم إن اضطراب أسعار العملات لا يؤثر فيما نسميه اليوم العملات العالمية أو العملات الصعبة فحسب بل يؤثر أيضًا في العملات المحلية غير المتعامل بها في الأسواق العالمية للقيم أو تلك المتعامل بها فيها باعتبارها معترفًا بها ولكنها ليست مراجع للتقييم العالمي للعملات.

стр. 4101

وهذان النوعان من العملات المحلية أو العملات الخاصة بدولها بتعبير أوضح ينجم إشكال جدير بالملاحظة والاعتبار من انتزاع المدخرات منها انتزاع تسخير لا انتزاع مصادرة - وسيأتي تفصيل الفرق بين الانتزاعين - إذا لم يكن تعويض من انتزعت منه عاجلًا بأموال ثابتة أو منقولة غير نقدية. ذلك بأن العملة المحلية شأنها شأن العملة العالمية عرضة للاضطراب القيمي فقد ترتفع قيمتها بالقياس إلى العملات العالمية أو إلى الطاقة الشرائية المحلية لها وقد تنخفض وفي كلا الحالتين ينتج ضرر فإن ارتفعت قيمتها لحق الدولة ضرر عند الأداء لأنها تؤدي مبلغًا من المال إن يكن مماثلًا لما انتزعته من قبل من حيث العدد فهو أكثر منه باعتبار القيمة التي أصبحت لذلك العدد وإن انخفضت قيمتها كان الدائن هو المتضرر لأنه عندما تقضيه الدولة ما تدين له به كامل العدد فهي فعلًا قد دفعت المبلغ المنتزع كاملًا باعتبار العدد بيد أنها دفعته ناقصًا باعتبار القيمة الشرائية وذلك ضار عمليا بمن انتزعه منه انتزاع تسخير ما يدخره من النقد. ولا سبيل إلى تلافي هذا الضرر بأن يحتسب النقد أو الازدياد عددًا فيضاف أو يقتطع عند الأداء لأن ذلك فيه شبهة ربا وهي شبهة قوية يجب التحرج منها أيًا كان الرأي في علاقة التعامل بالنقد الاعتباري مع المعاملات الربوية. وإنما السبيل في رأينا - هو أن تعتبر قيمة النقد المنتزع عند التزامه في العملة أو العملات العالمية التي يرتبط بها عالميًا تقييم العملات وأن يسدد دينه على أساس تلك القيمة المعتبرة عند انتزاعه وليس على أساس المبلغ العددي للنقود المنتزعة وبذلك لا يلحق الضرر بالدولة لو ارتفعت قيمة تلك العملة ولا بمن انتزعت منه لو انخفضت. ومع أن ما يلحق الأفراد من الأضرار عند التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة غير ملتفت إليه عامة إذ أن المصلحة العامة يعلو اعتبارها عن أي مفسدة تتعلق بفرد معين فإن اجتناب حدوث المفسدة أولى - وقد يكون واجبًا إذا أمكن - من عدم اجتنابه اعتبارًا لرجحان المصلحة العامة.

стр. 4102

ثم إن هذه القاعدة التي قررناها تفيد المصلحة العامة كما تفيد المصلحة الفردية إذ أن احتمال خسارة الدولة تماثل احتمال خسارة الفرد في الاعتبار فلا سبيل - في أغلب الحالات - إلى التأكد من أن الخسارة ستكون على الفرد لا على الدولة من تقلبات الأسواق الدولية. على أن انتزاع المدخرات النقدية قد يكون في بعض الحالات معتمدًا فيه على المصلحة المرسلة وليس على دليل شرعي قاطع أو راجح، وبذلك يكون أساسه أقل ثباتًا وأدعى إلى التحرج من أساس ما كان معتمدًا فيه على دليل شرعي قاطع أو راجح. ويتجلى ذلك في حال لجوء الدولة إلى انتزاع الفائض من النقد في أيدي الأفراد أو مؤسسات القطاع الخاص ليس لأنها بحاجة إليه ولكن لمجرد الحد من التضخم المالي وارتفاع الأسعار الناتج عن وفرة السيولة النقدية وذلك اجتنابًا للوقوع في المحظور الذي تقع فيه الدول غير الإسلامية أو غير الملتزمة بتطبيق الشريعة الإسلامية من معالجة هذا الوضع برفع الفوائد الربوية من المعاملات. وفي هذه الحال يكون الإضرار بالفرد لو نزلت قيمة العملة المنتزعة منه أشد إيلامًا وأبرز مفسدة إذ أنه في حال الانتزاع منه لحاجة الدولة اقتصاديًا أو عسكريًا يمكن أن يعتبر نفسه في حال انخفاض قيمة العملة المنتزعة منه مسهمًا بنصيب في تحقيق مصلحة عامة يناله منها حظ. أما في حال الانتزاع لمجرد الحد من السيولة النقدية ومنع التضخم المالي المؤدي إلى ارتفاع الأسعار فإن شعور الفرد بالإسهام في تحقيق مصلحة عامة إن نقصت قيمة العملة المنتزعة منه يكون أقل وأضأل من شعوره بذلك في الحال المشار إليها آنفًا وقد لا يتأتى مثل هذا الشعور للفرد العادي وقد ينتج عن عدمه ما يجب التحرج منه من شيوع النقمة بين العامة من تصرفات الدولة شيوعًا قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه. واعتبار تباين سعر العملة وخاصة طاقتها الشرائية تجب ملاحظته - عندنا - في مجال جباية الزكاة ممن امتنع عن دفعها وتجمعت في ذمته مقادير منها بمرور الزمن.

стр. 4103

لكن هل يلاحظ هذا الاعتبار في تحديد النصاب الواجب اعتماده عند محاسبته على الزكاة المتجمعة في ذمته أم في تحديد العقوبة التي يمكن للإمام أن يعاقبه بها نكالًا له إن امتنع من أدائها؟ واضح أن كلا الوجهين ممكن التنفيذ الذي نطمئن إليه هو أن يقدر نصًا كل سنة من السنوات التي لم يؤد الزكاة فيها على حدة وأن يحاسب في واجبه المترتب عنه بسعر العملة في ذلك العام سواء انخفضت أو ارتفعت حسب ما كان عليه في سوق القيم المالية ثم للإمام بعد ذلك أن ينزل عليه العقوبة التي يراها رادعة له ويراه مستوجبًا لها لامتناعه أو لغفلته عن أداء الزكاة. ومثل هذا الاعتبار هو الصالح للاعتماد في محاسبة من يمارس المعاملات الربوية لمصادرة ما تأثله منها إذ إن عدم اعتماد هذا الاعتبار من شأنه أن يبقي له جانبًا من الفوائد الربوية التي تأثلها في حال انخفاض سعر العملة التي يحاسب بها عند محاسبته عما كانت عليه أثناء ممارسته للمعاملات الربوية أو في بعض فتراتها وعلى هذين المثالين تقاس أية حالات متشابهة لهما. ونخلص من كل ما سبق إلى أن الانتزاع المخول لولي الأمر أن يمارسه بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة يتمثل في ثلاثة أشكال: ١- المصادرة: وهي انتزاع كل ما في يد فرد أو مؤسسة خاصة من مال ثابت أو منقول ثبت أنه حاصل من طرق غير مشروعة كالغصب والاحتيال والرشوة والأجرة المحرمة والمكافأة من حاكم غير مسلم أو من حاكم مسلم غير ملتزم، لاسيما إذا كانت المكافأة من مال ليس خاصا بالدولة وإنما هو مغتصب من أفراد أو مؤسسات أو جماعات بقوة السلطان وينطبق هذا حتى على ما بيع لمن يقع انتزاعه منه سعر رمزي كما حدث كثيرًا في عدد من الأقطار الإسلامية خلال الحكم الأجنبي لها مما مارسه الحاكمون عندئذ مع عملائهم من أبناء تلك الأقطار. وكالمال الذي يتأكد أنه حصيلة ممارسات ربوية وإن كان. أساسها رأس مال حلال إذا تبين أن من يتصرف في ذلك المال قد استهلك رأس ماله في نفقاته الخاصة وأن ما يتصرف فيه الآن هو حصيلة الممارسات الربوية الصرفة كما ألمعنا منذ قريب.

стр. 4104

٢ - التسخير: وهو انتزاع حق التصرف في مال ثابت أو منقول تكون الدولة بحاجة إليه اقتصاديًا أو عسكريًا وتستحيل تحقيق تلك الحاجة بنوع من التعامل أو التعاون مع من يتصرف في ذلك المال وقد يكون هذا التسخير لوقت معين وذلك في بعض الأموال الثابتة أو المتنقلة مثل أن تكون الدولة بحاجة إلى مساكن لإيواء من أصابتهم كوارث طبيعية أو لإسكان فقراء بحاجة إلى السكن ولم يتيسر للدولة عندئذ إنشاء مساكن لهم ومثل تسخير وسائل النقل لحاجة الدولة عند الكوارث الطبيعية أو في حالة الحرب وقد يكون التسخير دائما وهذا يتمثل في تسخير المدخرات النقدية التي تكون الدولة في حاجة دائمة إليها اقتصاديًا أو عسكريًا مثل توظيف تلك المدخرات في صناعات أو مشاريع فلاحية وتجارية علمية لتيسير العمل للعاطلين أو لتنشيط صناعة الدولة أو لتطوير تقنيتها أو لتوفير صادراتها ابتغاء تحقيق الموازنة لميزان أداءاتها أو توفير الفائض في تجارتها ليتيح لها نفوذ أو هيمنة على أسواق دول غير إسلامية تمكينًا لهيبتها وتدعيما لسلطانها. وقد يكون التسخير لحاجة لا تتصل بالدولة مباشرة وإنما تتصل بالمجتمع الذي ترعاه وتضطلع بحفظ مصالحه وإقرار العدل بين أفراده ويتمثل هذا النوع في منع الاحتكار وتسعير المواد التي تتوقف عليها الحياة الضرورية - وحتى الحاجية أحيانًا - لعامة أفراد المجتمع وقد يتعين هذا التصرف في حالات استثنائية كأحوال القحط اجتنابًا لاضطرار الدولة اضطرارًا تامًا أو جزئيًا إلى استيراد ما يكفل الاستجابة لضرورات أبنائها أو في حال حروب إقليمية أو عامة تجعل الاستيراد أمرًا متعذرًا لما يكتنفه من تعرض وسائل النقل للخطر فتكون الدولة مضطرة إلى ضمان التوزيع العادل لما في أيدي أفرادها أو لما يتاح لهم استيراده من المواد والوسائل المتصلة بضرورة الناس وحاجاتهم توزيعًا يكفل حظا عادلًا من الربح لمن لديهم تلك المواد مستوردة أو متزنة لقاء ما بذلوه من جهد ويمنعهم من المغالاة في السعر استغلالًا لظروف الحاجة الطارئة ولإقبال الناس على الشراء.وقد يتعين في حالات غير استثنائية وهذا يمكن تصوره في الدول التي تأخذ بمبدأ الاقتصاد الحر إذا تواطأ التجار فيها أو الفلاحون على الاتفاق على أسعار ثابتة مبالغ في تقديرها لمواد مما ينتجون أو يستوردون وتتوقف عليها ضرورات عامة الأفراد أو حاجاتهم إذ يتعين على ولي الأمر أن يكبح جشع المستغلين ورغبتهم في الربح الوفير بأن يوفر لهم ربحًا معقولًا فيما يكفل لعامة الناس الحصول على حاجاتهم وضروراتهم بسعر عادل دون أن يتحكم فيهم المحتكرون من منتجين أو تجار.

стр. 4105

ثم إن التسخير لا ينحصر بالضرورة في المال العيني بل قد يشمل المال الاعتباري، ونعني بالمال الاعتباري الدراية التقنية والمهارة الصناعية والطاقة الإنتاجية لمختلف وسائل الإنتاج كالمصانع والأراضي الفلاحية والوسائل الإنتاجية مثل أدوات الصناعة جماعية كانت أم فردية والأيدي العاملة العادية والخبرة الفردية لأية حرفة أو مهنة يمارسها صاحبها بنفسه أو مع غيره من الفعلة كالحلاقة والحدادة والنجارة الصغيرة وحتى تنظيف الشوارع والأزقة وجمع القمامة وقيادة السيارات العامة والخاصة وشاحنات النقل والقطارات والبواخر والطائرات والمراقبة الجوية والإرشاد الملاحي في الأنهار الكبرى والمضايق وما إلى ذلك من الأعمال التي يمارسها الفرد أو الجمهور كل ذلك إذا احتاجت الدولة إليه حاجة دائمة أو عارضة وامتنع أصحابه من أدائه طمعًا منهم في أجور أعلى يعملون على تحقيقها باستغلال ظرف حاجة الدولة أو لأسباب سياسية أو غير سياسية امتناعًا من شأنه أن يلحق الضرر بسير الشؤون العامة والخاصة إذا كانت هذه الشؤون ذات علاقة بحالة الحرب أو ينتج عن تعويقها اعتلال في اقتصاد الدولة أو اختلال في مواجهة متطلبات الحياة العامة للمواطنين كتوزيع المؤونة أو جلبها أو تفريغها من البواخر والشاحنات وكضمان استمرار توزيع الماء والنور واستمرار السير العادي لوسائل النقل وما إلى ذلك مما يلحق المصلحة العامة بتعويقه ضرر يرجح ما قد يصيب الممتنعين عن الاضطلاع بواجبهم من مفاسد يمكن أن تبلغ حد الإساءة إلى مصالحهم الشخصية المادية ولكنها مهما بلغت لا توازي ما ينجر عن امتناعهم عن أداء واجبهم من الإضرار بالمصلحة العامة لاسيما إذا كانت تتصل مباشرة بسلامة الدولة عسكريًا أو باتصال نموها وتطورها اقتصاديًا اتصالًا ينتج عن الإخلال به أو تعويقه وإن لفترة قصيرة إضرار بنفوذ الدولة الخارجي أو بالتزاماتهم الدولية أو بمركزها الاقتصادي العالمي أو يحدث اضطرابًا ومصاعب في التزاماتها الداخلية. ففي جميع هذه الأحوال وما شاكلها تعلو المصلحة العامة على كل اعتبار لمصلحة أو مفسدة فردية أو متعلقة بجزء من المجتمع مثل طائفة بعينها أو أرباب مهنة أو صناعة.

стр. 4106

ويتبين من هذا أن إجبار العمال على العمل وإجبار أرباب الصناعات والمصانع والفلاحين ومن شاكلهم على الإنتاج إذا تبين أن إضرابهم يلحق بالدولة ضررًا محققًا واجب على ولي الأمر أن يمارسه بمقتضى تصرف الإمامة وأن أوامر التسخير التي يصدرها ذات صبغة شرعية واجبة التنفيذ بشرط أن يكون في تقديره لمدى الاضطرار إلى هذا التصرف صادرًا عن موازنة دقيقة وموازاة للاعتبارات السياسية والإدارية بالاعتبارات الشرعية الدينية وهذا يعني أنه يجب قبل أن يتخذ قرار التسخير في هذا المجال أن يستشير المجتهدين من الفقهاء وأن يشرح لهم ظروفها ونتائجها شرحًا واضحًا دقيقًا نزيهًا فإن اتفقوا على موقف فعليه أن ينزل عند اتفاقهم وإن اختلفوا كان له حق الترجيح لما يميزه عنهم من الخبرة التي يملكها نتيجة للممارسة المبصرة له ما قد لا يبصره غيره من الملابسات والعقبات ويشمل هذا الحكم تسخير الكفايات التقنية لجميع وسائل التسخير فلولي الأمر أن يجبر ما وجد منها داخل الدولة على العمل في جهاز الدولة نفسها إذا توقفت حاجة الدولة إليه وأن يمنعه من العمل المستقل أو في القطاع الخاص وإن كان ذلك يمنعه من أجر أعلى مما تسمح له به القوانين التنظيمية للدولة كما أن لولي الأمر أن يتخذ جميع الوسائل والتشريعات الممكنة له لإرغام ذوي الكفايات من مواطنيه على العودة إلى بلادهم والعمل في إطار الدولة ابتغاء الأجر الوفير أو إذا كان عملهم خارج الدولة يضر بها أو بالإسلام والمسلمين أو ينشًا عنه ما من شأنه نفع أعداء الدولة وخاصة إذا كانوا من غير المسلمين أو من المسلمين اسمًا ذوي الأهواء والنحل المنحرفة وإن لم يكونوا مع الدولة في حالة حرب بل وحتى إن كانوا معها في حلف أو صداقة مما تقتضيه اعتبارات سياسية متواضع عليها بين الدول ولا يعني التضامن العملي الذي لا يستقيم إلا في حال تماثل المبادئ والمناهج والأهداف. ٣ - تحديد الملكية وهو يشمل تحديد ما يمكن أن نسميه بـ" الملكية الاعتبارية" ونعني به ما شرحناه منذ قريب من تسخير الكفايات التقنية وطاقات الإنتاج على اختلافها كما يشمل تحديد الملكية المادية وهي ما دأبنا على تسميته بـ: "حق المنفعة والانتفاع".

стр. 4107

وقد سبق أن ألمعنا إلى حق ولي الأمر " بمقتضى الإمامة " اعتبارًا للمصلحة العامة في أن يمنع في تجميع المساحات الكبيرة من الأرض الفلاحية أو المهيأة للعمارة أو وسائل الصناعة الكبرى أو الصغرى أو العمارات السكنية وما شاكل ذلك في يد واحدة أو في أيد قليلة تيسرت لها الأسباب المالية لتجميعها. كما سبق أن أوضحنا أن من حق ولي الأمر بل من واجبه "بمقتضى الإمامة" اعتبارًا للمصلحة العامة، وهنا أيضًا نضيف قيامًا بتنفيذ الأحكام الشرعية الإسلامية أن يصادر كل مال ثابت أو منقول تأثله صاحبه أو أصحابه - وإن شكل مؤسسة ذات شخصية معنوية - من طرق مخالفة لما يبيحه الشرع الإسلامي. وفضلًا عن هذين النمطين من الامتلاك الذي قد يوفر لصاحبه أو أصحابه أرباحًا طائلة يعود توفيرها لهم على عدد أكبر منهم من الناس - مثل عمال الأرض وعمال المصانع - بالإجحاف بما يحرمهم من توزيع عادل لعوائد ما يبذلون من جهد أو كفاية تقنية أو مهارة صناعية أو خبرة فلاحية. هناك نوع من الملكية قد يتعين تحديده على ولي الأمر بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة وهو الملكيات الصناعية والفلاحية والعقارية الواسعة التي يكون منشأها حلالًا طيبًا ويكون أصحابها يحسنون استثماره إحسانًا يجعله ينتج أقصى طاقته الإنتاجية بيد أنهم لا ينفقون عوائدهم منه طبقًا لما رسمته الشريعة الإسلامية من طرائق وحدود نتيجة لذلك تنشًأ عن تصرفاتهم طبقة من المترفين من شأنها أن تحدث انقسامًا في المواطنين متباعد الآماد متمادي التفاوت لدرجة لا يمكن معها الاعتماد على التكييف الأخلاقي وحده لتلافي نتائجها النفسية ثم ما يسمى اليوم بالتفاوت الاجتماعي والصراع الطبقي. على حين أن ولي الأمر إذا تصرف بمقتضى الإمامة في تلك الملكيات الواسعة بإعادة التوزيع يتلافى تلك النتائج الخطرة على السلم الاجتماعي للدولة دون أن يضر بالمستوى الاقتصادي للإنتاج. ففي مثل هذه الحال وإذا رجح لدى ولي الأمر أنه إذا لم يعد توزيع تلك الملكيات سيواجه اختلالًا داخليًا خطيرًا وإذا وافقه المجتهدون من الفقهاء في تقدير ما يتوقعه من الاختلال ومعقباته له - وقد يكون واجبًا عليه - أن يعيد توزيعها وأن يعوض مالكيها عن الأقساط التي ينتزعها منهم ليوزعها على الآخرين بسعرها الحقيقي يوم انتزاعها في السوق الداخلية تعويضًا عاجلًا أو مقسطًا في الإطار الذي رسمناه آنفًا من ربط القيمة المؤجلة بسعرها من العملة أو العملات المستدل بها في أسواق القيم المالية العالمية على قيم العملات الخاصة والمؤثرة في قيم الأسهم والسندات.

стр. 4108

ذلك بأن صيانة جميع أنواع الأمن الداخلي والخارجي وحمايتها من أسباب الاعتلال والاختلال مصلحة عامة تعلو على كل اعتبار. يتحصل من كل ما سبق أن انتزاع الملك أو بالأحرى انتزاع حق المنفعة والانتفاع انتزاعًا كاملًا أو جزئيًا اعتبارًا للمصلحة العامة قد يكون واجبًا على ولي الأمر وقد يكون مندوبًا إليه تبعًا لاختلاف الحوافز والدواعي إليه والنتائج المترتبة عنه. وعمادنا في ذلك أمران: أحدهما هو ما سبق أن ألمعنا إليه أكثر من مرة أن علاقة الإنسان بما تحت يده من الأموال الثابتة والمنقولة إنما هي علاقة الخليفة بوظيفة الخلافة ومناطها تحقيق المنفعة والانتفاع باعتباره جزءًا من المجتمع الإسلامي وتحقيقهما للمجتمع الإسلامي أفرادًا وجماعات ومجتمعًا وكيانًا سياسيًا، فإذا أخل بهذه الوظيفة عن قصور أو تقصير أو انحراف عن قواعد الشرع الإسلامي فقد حقه أو بعض حقه وكان لولي الأمر - وقد يكون واجبًا عليه - بمقتضى الإمامة أن يتصرف التصرف الذي يعينه ويحدد مداه اعتبارالمصلحة العامة مقدرة بمقادير الشرع الإسلامي ومحددة بحدوده ومعالمه غير معتمدة في ذلك على اجتهاده وحده بل مستعينًا باجتهاد كل من الخبراء المتخصصين والفقهاء المجتهدين فنازلًا على حكمهم عند اتفاقهم متصرفًا باجتهاده في ترجيح أحد الآراء عند اختلافهم على أن يخالف آراءهم جميعًا وعلى أن لا يكون متأثرًا في اجتهاده بأي مؤثر خارجي من جدليات وأهواء ليست في أساسها ومصدرها على شيء من العلاقة بالإسلام وإن تراءت بعض مظاهرها غير غريبة عنه، فإن تأثر بشيء من تلك الجدليات وإن تأثرًا لم يتجاوز مجرد الإعجاب أو الاستحسان كان ذلك جارحًا في أهليته للاجتهاد يحظر عليه أن يقيم لاجتهاده أي اعتبار ويحتم عليه أن لا يعتمد إلا اجتهاد الخبراء التقنيين والفقهاء المجتهدين، فإن اختلفوا تعين عليه اعتماد ما قال به الجانب الأغلب إلا أن يكون الجانب الأقل معتمدًا على نصوص صريحة من الكتاب والسنة لا تتعارض في جوهرها مع الخبرة التقنية بينما يعتمد الجانب الأغلب على مفاهيم واجتهادات وطرائق من الأقيسة

стр. 4109

والاستحسان والاستصحاب أو تقدير المصالح المرسلة. ففي هذه الحال عليه أن يأخذ برأي الجانب المعتمد على صريح نصوص الكتاب والسنة أو نصوص أحدهما ما لم تتعارض مع مقتضيات الخبرة التقنية المجمع عليها من الخبراء التقنيين وإن تكن هذه المقتضيات مرجوحة بالقياس إلى مقتضيات أخرى تساند رأي الفقهاء المجتهدين المستندين إلى مفاهيم واجتهادات مرجحين لها على بعض النصوص. وثانيهما حديث "لا ضرر ولا ضرار". وقد روي بأسانيد مختلفة بعضها متصل وبعضها مرسل وراق لبعضهم أن يريب فيه كما راق لآخر أن ينحرف بدلالته انحرافًا عجيب الشذوذ ونؤثر أن نسوق طائفة من ألفاظه وأسانيده قبل أن نقف عند تمحيص بعض ما تقول فيه المتقولون. قال مالك (١) : "حدثني يحيى عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) . وقال الشافعي (٢) : "روى الشافعي أن مالكًا أخبره عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) . وقال أحمد (٣) : "حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره والطريق الميتاء سبعة أذرع)) .

стр. 4110

وقال أبو داود (١) : ((عن واسع بن حيان قال: كانت لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه فقال: إنك تطأ حائطي إلى عذقك فأنا أعطيك مثله في حائطك وأخرجه عني. فأبى عليه فكلم النبي ﷺ فيه فقال: يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فحزها إلى مالك واكفف عن صاحبك ما يكره فقال: ما أنا بفاعل فقال: اذهب فاخرج له مثل عذقه إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار)) . وقال ابن ماجه (٢) : "حدثنا عبد ربه بن خالد النميري أبو المغلس، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت ((أن رسول الله ﷺ قضى أن لا ضرر ولا ضرار)) . وحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) . وقال الدارقطني (٣) حدثنا محمد بن عمرو البختري، حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا الواقدي، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) . وحدثنا أحمد بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((للجار أن يضع خشبته على جدار جاره وإن كره والطريق الميتاء سبع أذرع ولا ضرر ولا إضرار)) .

стр. 4111

حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد حدثنا عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: ((لا ضرر ولا إضرار)) . وحدثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش قال: أراه قال: عن ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرورة ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه)) . وقال البيهقي (١) "أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا فضيل بن سليمان عن موسى بن عتبة بن أبي عياش، حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ((إن من قضاء رسول الله ﷺ أنه قضى أن لا ضرر ولا ضرار)) . أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو عمرو بن نجيد، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا أبو بكير، حدثنا مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) - وتعقبه البيهقي بقوله: هذا مرسل (وقد رويناه) في كتاب الصلح موصولًا -. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن وأبو محمد بن أبي حامد المقري وأبو صادق بن أبي الفوارس قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ العباس بن محمد الدوري حدثنا عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي، حدثنا عبد العزيز بن محمد الداروردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه)) .

стр. 4112

وتعقبه بقوله: تفرد به عثمان بن محمد عن الدراوردي ورواه مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) مرسلًا ". لكن علق عليه بن التركماني بقوله: لم يتفرد به - يعني عثمان بن محمد عن الداروردي بل تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي فرواه كذلك عن الدراوردي كذا أخرجه أبو عمر - يعني ابن عبد البر - في كتابيه التمهيد والاستذكار. ولم يتيسر لنا الإطلاع على الجزء الخاص بالعين مع الميم من تمهيد ابن عبد البر لأنه لم يكن قد طبع عند تحريرنا لهذا البحث وبذلنا غاية الجهد للإطلاع على النسخة الخطية أو صورة منها فلم يسعفنا الحظ. ثم قال (١) "أخبرناه أبو أحمد المهرجاني، أنبأ أبو بكر بن جعفر حدثنا محمد بن إبراهيم، أنبأ ابن بكير، أنبأ مالك فذكره. أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقري، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: ((إن من قضاء رسول الله ﷺ أنه قضى أن لا ضرر ولا ضرار)) . وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع ابن سليمان، أنبأ الشافعي أن مالكًا أخبره عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) . ونقل الطبراني عن الهيثمي في الأوسط (٢) : "وحديثًا عن جابر بن عبد الله قال: قال ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) وتعقبه بقوله: وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس.

стр. 4113

وحديثًا عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) وتعقبه بقوله: وسمر ابن أحمد بن رشدين وهو بن محمد وهو بن محمد بن الحجاج بن رشدين وقال ابن عدي: كذبوه ". قلت: لم أقف على هذا الاسم في الكامل لابن عدي. وذكر بعض المعلقين أن الحاكم أخرجه كما ذكر آخر أنه في سنن أبي داود ولم أقف عليه رغم شدة البحث في المستدرك ولا في السنن ولعل الحاكم رواه في غير المستدرك أو في غير مظانه من المستدرك وكذلك أبو داود أو لعله في بعض الروايات لسننه وقد يكون بعضهم التبست عليه "المراسيل" "بالسنن" أو أن في بعض روايات (السنن) إدراجًا لرواية " المراسيل ". ونقله المزي (١) : "عن النسائي عن محمد بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر عن عكرمة عن ابن عباس ". وذكر أن النسائي أخرجه في الأحكام (الباب: ١٧. ح: ٢) لكنا لم نجده في السنن ويظهر أنه نقله من "السنن الكبرى" إذ سبق أن نقل عنه حديثين قبل هذا ووضع المحقق أمام الحديث الأول كلمة الكبرى بين قوسين واللفظ الذي نقله المزي هو "لا ضرر ولا ضرر ". ولقد أبدأ وأعاد كل من نقدة الحديث ومقلدة الفقهاء وشذاذ المبتدعة الذين يحكمون العقل البشري في التشريع ويرجحون الأحكام العقلية على النصوص الشرعية المقطوع بها وعلى غيرها من الأدلة المعتمدة شرعًا إذا تعارضت تلك الأحكام معها.

стр. 4114

ومرد هذا الإبداء والإعادة وذلك الاضطراب والالتباس أو الانحراف إلى خطر القاعدة التي يقرها الحديث الشريف، إذ يظهر أن المتمسكين بحرفية قواعد "الجرح والتعديل " وشكلية مناهجه الذين لم تبلغهم بعض طرق الحديث حاولوا أن يغمزوا فيه بالإرسال والانقطاع دون أن يميزوا بين الطرق المرسلة أو المنقطعة والقرائن التي ترجحها أو تضعفها، ومن هؤلاء من يترجح من الاستدلال بالحديث المرسل أو يرفضه وهو موقف ليس هذا مجال مناقشته وإن كنا لا نقرة ومنهم من يؤرجح بين (المراسيل) فيأخذ بالبعض ويترك البعض حسب اجتهاده في توثيق بعض المرسلين والتحرج من غيرهم وذلك شأنه فله اجتهاده. بيد أننا نعتمد الحديث المرسل إذا أرسله تابعي ثقة أيًا كان فكيف بمن هو بمنزلة رجال مالك أو في مقام الحسن بن أبي الحسن ومن على شاكلة هؤلاء؟ ذلك بأن توثيقهم يقتضي تلقائيًا اعتماد ما وثقوا به إذ أن أصحاب "الجرح والتعديل" أنفسهم كانوا يتشددون في التوثيق أو كذلك كان الجيل الأول منهم فلا يصفون أحدًا منهم بأنه ثقة لمجرد أنه مشهود له بالصدق بل لأنه فضلًا عن ذلك ممن يرتضون دينه بل إن بعضهم يشترط أيضًا أن لا يكون ممن يعتمد على الكتابة إذ كانوا يرون أن الذين يعتمدون على الكتابة يمكن أن لا يكون سماعهم مباشرة وإنما يحدثون عن طريق النقل وهذا جارح عند هؤلاء وما من أحد من أهل "الجرح والتعديل"، يستطيع أن يغمز وإن في سريرته في أمثال الحسن بن أبي الحسن ومالك وأحمد رضوان الله عليهم جميعًا فكيف يجوز أن نتحرج من مراسيلهم لا سيما من التزم منهم بمثل ما التزم به مالك من التحرج الشديد فيما يسنده إلى رسول الله ﷺ وتنقيحه مرة بعد مرة لكتابه الجليل "الموطأ" من مآثره التي تداولتها بإجماع ألسنة النقلة ومدونات السير وتراجم الرجال. ويحيى بن عمارة المازني وابنه عمرو اللذان أسند اليهما مالك وغيره هذا الحديث روى عنهما الجماعة وممن أجمعوا على توثيقهم فلماذا يحاول البعض أن يريب في الحديث لمجرد أن يحيى لم يذكر عمن رواه من الصحابة مع أن ممن روى عنهم أبا سعيد الخدري (١) وقد رفع إليه غيره الحديث. أما نحن فنعتمد رواية مالك "المرسلة" لما يشهد لها من رواية غيره "المرسلة" أكثر مما نعتمد الرواية الموصولة وإن كنا لا نرى فيها مغمزًا.

стр. 4115

ثم إننا لا نعجب من تضعيفهم لبعض الأسانيد التي أسند بها هذا الحديث لمجرد أن من رجالها من تكلموا فيه بما لا يبلغ حد الغمز في دينه أو في حفظه عامة مع أن هذه الأسانيد تدعمها الأسانيد التي لم يغمزوا فيها إلا بالإرسال أو الانقطاع دعما نعتبره وأمثاله شهادة دامغة على صحة الحديث صحة لا يغمز فيها أن وجد بين بعض من أسندوه من قال فيه النقدة كلامًا لم يبلغ درجة الاتهام بالوضع والكذب أو بالدعوة الجاهرة إلى بدعة أو نحلة ذلك بأن المبالغة في تقصي أحوال الرجال لو طبقناها في جميع المحدثين ومنهم بعض التابعين لكان لنا مقال في نفر من كبار من وثقوه من الطبقة الأولى والثانية والثالثة من التابعين ولكنا نبرأ إلى الله من أن نجرِّح أحدًا لشيء قد يثبت عنه وقد لا يثبت مما يتصل بحياته الخاصة وسلوكه الشخصي أو برأي شخصي له لم يتخذ الدعوة إليه دأبًا ومهمة مما لا يتصل بالصدق في النقل وبالدقة والضبط لما ينقل. ومن عجب أنهم ربما لم يتحرجوا من بعض النقلة الذين عرفوا باللحن أو بعدم التدقيق في ضبط ما ينقلون واعتذروا لهم بأنهم أخطأوا في سماع بعض الألفاظ أو في قراءته من "الكتاب" أمام المؤلف أو بالإجازة أو المناولة منه واعتمادًا على هذا العذر يقبلون حديثه مع أن الخطأ في قراءة شكلة أو رواية نقطة فضلًا عن حرف قد تؤثر في المعنى وقد تغيره جوهريا وقد ينشأ عنه اختلاف في الدلالة أو قرينة المناط. مهما يكن فليس هذا مجال بسط القول في رأينا وموقفنا من بعض "مقولات " نقدة الحديث ولعلنا سنبسطه في مجال آخر نفرده له، إنما عرضنا له الآن ونحن في أواخر مراحل هذا البحث لنوضح معالم منهجنا في الاستدلال ببعض الأحاديث التي قد يلتبس استدلالنا بها على بعض مقلدة النقدة وليس خطر هؤلاء على السنة وفهمها والاستدلال بها واستنباط الأحكام منها بأقل من خطر المتفقهة المقلدة ولأمر ما كان أحمد ﵀ يفضل الأخذ بالحديث الضعيف على الأخذ بالرأي.

стр. 4116

وآخرون اتخذوا من هذا الحديث أساسًا لأقيسة فيها حتى لأوشكوا أن يبلغوا إلى تعطيل الحدود وغيرها من الأحكام المنصوص عليها لأتفه الأسباب وخطر هؤلاء هو أن النهج الذي سلكوه يجعل من هذا الحديث أداة لتعطيل حدود وأحكام يؤدي تعطيلها إلى اعتبار جوانب من التشريع الإسلامي كما لو أنها تجاوزتها الأحداث فأصبحت مجرد نمط من تاريخ التشريع وجل هؤلاء من متأخري المتفقهة المقلدة إذا لم نقل "المتفيقهة" الذين استهوتهم نزعات تظاهرت على غزو الأمة الإسلامية من يمين ويسار منشأ فلسفات بعضها عقلي مجرد وبعضها ذرائعي انتهازي وصعب على بعضهم أن يندفع معها متجردًا صراحة من الإسلام وحسن لآخرين أن يحاولوا التوفيق بينها وبين الإسلام رغبة منهم في أن لا يظهر الإسلام كما لو أنه غير قابل للتطبيق في هذا العصر فاتخذ هؤلاء وأولئك معًا هذا الحديث قاعدة لمحاولات توفيق من هؤلاء وتسويغ من أولئك بين الإسلام وتلك النزعات والجدليات إذا لم نقل تلك النزوات والنزعات فضلوا وأضلوا ومرد ضلالهم إلى أنهم لم يعايشوا السنة النبوية فضلًا عن النصوص القرآنية معايشة خالصة ووعي واستيعاب ومنهم من يرجع إلى القرآن الكريم حين يضطر إلى الرجوع إليه مهتديًا بمعاجم ألفاظه أو ببعض مؤلفات وضعها المستشرقون لتصنيف آياته الشريفة طبقًا لموضوعاتها وفاتهم أن دلالة الآية لا تتم ولا تنجلي إلا في ارتباطها بما قبلها وبما بعدها في أغلب الأحيان. ويرجع إلى السنة النبوية - إذا رجع إليها في غير كتب الفقهاء - معتمدًا على بعض المختصرات التي تعتمد في الاختصار على تجريد الحديث من السند ولم يدركوا أن الحديث المجرد من السند لا يصلح للاستدلال به لأن دلالته تعتمد على رتبة السند قوة وضعفًا كما تعتمد على المقارنة بين متونه التي يغفل أصحاب المختصرات إيرادها جميعًا مقتصرين على واحد منها وقد يكون طرفًا من حديث طويل لا يستقيم الاستدلال به إلا بفهمه في إطار الحديث كله وهذا أيضًا مجال من القول في طريقة الاستدلال بالحديث مما قعد الأصوليون بعضه وقعد المحدثون بعضه وأغفل المقلدة المتفقهة خفه ليس بسطه من شأن هذا البحث.

стр. 4117

وأخطر من كل من سبقت الإشارة إليهم ممن اضطربوا في الاستدلال بهذا الحديث أو جنحوا به ضال مضل ما كنا لنعرض له أو نقيم له وزنًا لولا أن بعض المعاصرين - نرجح أن منهم من في موقفه من الإسلام دخل - أهمهم أمره فخبوا وأوضعوا في عرض وتحليل آرائه ومن أسف أن منهم من اعتمدها. هذا الضال المضل هو سليمان بن عبد القوي الطوفي أحد الذين كتبوا في أصول الفقه وفروعه وفي التصوف في أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري ومن عجب أن ينسب أو ينتسب إلى مذهب أحمد والله يشهد أن أحمد ﵀ ومن اعتصم بمنهجه من الفقهاء والمحدثين براء منه وتدل القرائن والشواهد على أنه شيعي رافضي وهو بالشيعة الروافض أشبه. وقد كان حريًا بهذا الدعي لأهل السنة وما هو منهم أن يطويه النسيان وما كتب لولا أن فتن به بعض المعاصرين وفي طليعتهم الدكتور مصطفى زيد الذي ابدأ وأعاد في الترجمة له وتحليل مزاعمه وأباطيله ونشر جانبًا منها في كتابه " المصلحة في الشريعة الإسلامية ونجم الدين الطوفي". ومعاذ الله أن يكون الطوفي نجمًا من نجوم الدين. وكان من مزاعم هذا الضال ما تقوله حول حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) من أنه قاعدة ينطلق منها إلى ترجيح المصلحة المجردة على النص الصريح أو الإجماع إذا تعارضت معهما. وجلي أنه ما من عالم واع يدرك سرائر الفروق بين ما مرجعه إلى هداية الله وإرشاده وما مرجعه إلى إدراك العقل واجتهاده يسيغ له وعيه أن يحكم نتاج العقل المجرد وهو بعض ما خلق الله على شريعة الله اللطيف الخبير بما خلق العليم الحكيم فيما شرع الذي لا تحده الحدود الزمنية ولا المكانية ولا البيئوية. فلو كان للعقل المجرد أن يتحكم في شرع الله لكان للإنسان أن يصبح في غنى عن شرائع الله إذا بلغ مرحلة معينة من التطور العقلي وهل يقول بهذا مسلم؟ بل هل يقول بهذا عالم واع وإن كان غير مسلم؟

стр. 4118

ونحن إذ نعرض لكل هذا الذي عرضنا له في الفقرات السابقة إن نريد إلا أن نرسم المعالم الدقيقة للنهج الذي نعتمد في تقرير أن لولي الأمر بما له من حق التصرف بمقتضى الإمامة أن يتحكم كليًا أو جزئيًا اعتبارًا للمصلحة العامة فيما في أيدي الناس من الأموال الثابتة أو المنقولة في نطاق الضوابط والقيود التي أوضحناها فيما سبق بما نعتقد أن فيه كفاية التحديد والتبيان. وللمزيد من رفع الألباس التي أوقعت في المحاذير الخطرة بعض المتفيقهين المعاصرين ومن قبلهم بعض المتفقهة المقلده حول الاعتماد على حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) في تقدير وضبط العلاقة بين المصلحة والنص نقتبس كلامًا شريفًا للعلامة المحقق المعاصر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه البديع الجامع ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" (١) : " ... على أن الباحث في أمر تخالف المصلحة مع النص أن ينتبه إلى حقيقتين مهمتين: الأولى: أن المصلحة التي تخالف النص تنقسم إلى مصلحة مجردة لا شاهد لها في أصل المعتبر وهي "المرسلة" وإلى مصلحة لها شاهد معتبر وهي ما استند إلى دليل القياس. الثانية: أن التخالف بينهما إما أن يكون تخالف معارضة بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإما أن يكون تخالفًا جزئيًا بحيث يمكن الجمع بينهما بتخصيص ونحوه. فأما المصلحة التي لا شاهد لها من أصل تقاس عليه فلا يجوز اعتبارها عند مخالفة النص لها سواء كانت مخالفة كلية أو جزئية أو غيره وسواء كان النص قطعيا أو غير قطعي أجمع على هذا كافة (٢) الصحابة والتابعون وأئمة المذاهب ومثلها المصلحة القائمة على أساس القياس إذا عارضت نصا قطعيا كأية صريحة من القرآن أو سنة متواترة فهو قياس فاسد لا يؤخذ به، أجمع على ذلك أيضًا عامة المسلمين ". وعندي أن القياس يكون فاسدًا أيضًا إذا عارض نصًا راجحًا أحديًا لا سيما إذا كان مستفيض الشهرة.

стр. 4119

ثم قال: "وأما المصلحة التي لها شاهد من أصل معتبر تقاس عليه وكان بينها وبين النص تخالف يمكن إزالته من طريق التخصيص أو كان بينهما وبين النص تعارض ولكنه نص غير قطعي كخبر الآحاد ". قلت: وقد أوضحت منذ قليل رأييَّ فيه. " فالأمر في هذا خاضع لاجتهاد العالم المتثبت لأنه في حقيقته اجتهاد في توفيق النصوص مع بعضها لا في ترجيح مصلحة مجردة على نص. وكل ما استند إليه بعض الكاتبين لتجويز تقديم المصلحة المجردة على النص في بعض الحالات من اجتهادات وفتاوى الأئمة فإنما هو من هذا النوع وليس فيه أي شاهد على ما يريدون ". قلت: وقد بينا فيما سبق أن الاجتهاد في مسائل المعاملات وما شاكلها مما لا يتصل بشؤون العبادة غير المعقولة المعنى يجب أن يكون اجتهادًا جماعيا يشترك فيه الخبراء في الموضوع الذي يتصل به الاجتهاد مع الفقهاء المؤهلين للاجتهاد لأن ظروف الحياة الإنسانية أو بالأحرى الطور الذي صارت إليه الحضارة الإنسانية جعلت حياة الإنسان المادية على حال من التشعب والتعقيد يتعذر معها وقد يستحيل على الفرد الواحد مهما بلغ علمه من السعة والشمول أن يحيط بكل الدقائق والملابسات والعواقب التي يجب اعتبارها عند الاجتهاد لإصدار حكم في شأن مما يتصل بها، وهذا مظهر آخر من مظاهر رأينا في تحكم الظرفية فيما يتعين من الاجتهاد في الشؤون الحضارية المعاصرة. وقد عرض عدد من الأصوليين والفقهاء إلى الجانب الزماني من موضوع "الظرفية " وقل منهم من عرض عرضًا بوضوح للجانب البيئوي وهو في رأينا أبعد خطرًا وأعمق أثرًا من الجانب الزماني. فقد يمتد الزمان بقطر أو جماعة أحقابًا وأعصرًا ولا يكون تطورها الحضاري مواكبًا لذلك الامتداد بل قد يكون متوقفًا أو شبه متوقف فينعدم تأثير الظرفية الزمنية في تكييف أي اجتهاد يتصل بشؤونها الحياتية أو يكاد. على حين قد يسرع التطور الحضاري بأقطار أو جماعات أخرى بما يشبه مسابقة الزمن حتى لا تشبه أطوارها "الانقلابات" أو ما يقرب منها وحتى تصبح حياتها في فترات قصار شبه مقطوعة الصلة بما كانت عليه كلما أعقبت فترة غيرها.

стр. 4120

وفي مثل هذه الحال يكون للظرفية البيئوية أن تتحكم في تعيين طرق الاجتهاد وأساليبه كلما عرضت قضية أو استجد أمر يتعين معها أو معه الاجتهاد في حكمه أساسًا أو في طريقة تطبيقة الحكم عليه وفي كيفية التطبيق. وقد أبدع ابن القيم ﵀ فشفى وأعجز في بيان تأثير الظرفية - بيئوية وزمنية - في تحديد وتكييف طرائق استنباط الأحكام وتطبيقها فقال (١) وهو يشرح مسألة الطلاق الثلاث وما استحدثه عمر ﵁ من موقف بشأنها وكيف أن هذا الموقف لا ينبغي اعتباره أساسًا لا محيد عنه حين يتبين أن الأسباب المؤدية أو المناطات المعتبرة له لم تعد قائمة: "والذي ندين الله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو لا يحضره وقت الفتيا أولا يتفطن بدلالته على تلك المسألة أو يتأول تأويلًا مرجوحًا أو يقوم في ظنه عما يعارضه ولا يكون معارضًا في نفس الأمر أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه ولو قدر انتفاء ذلك كله ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه لم يكن الراوي معصومًا ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيأته حسناته وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك". ثم قال: " إذا عرفت هذا فهذه المسألة - يعنى إيقاع الطلاق الثلاث باللفظ به مرة واحدة - مما تغيرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت لما رأته الصحابة من المصلحة لأنهم رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تدفع إلا بإمضائها عليهم فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله ﷺ فاعله مفتوحًا بوجه ما، بل كانوا أشد خلق الله في المنع منه وتوعد عمر فاعله بالرجم وكانوا عاملين بالطلاق المأذون فيه وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين وشجى في حلوق المؤمنين من قبائح تشمت أعداء الدين به وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول به في سببه بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب ولا يحصرها كتاب يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح ويعدونها من أعظم الفضائح فقد قلبت من الدين رسمه وغيرت منه اسمه وضخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل وقد زعم أنه طيبها للحليل". إلى أن قال (٢) : " ... فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جمعوها ليكفوا عنه إذ أن المرأة تحرم به وأنه لا سبيل إلى عودها بالتحليل، فلما تغير الزمان وبعد العهد بالسنة وآثار القوم وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه في زمان النبي ﷺ وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل أو يقللها ويخفف شرها، إذا عرض على من وفقه الله وبصره بالهدى وفقهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ووازن بينهما تبين له التفاوت وعلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين".

стр. 4121

وواضح لكل ذي عقل بصير وإدراك سليم وذوق في شؤون الشريعة قادر على النفاذ إلى سرائرها ومكامن المناط منها أن ملاك الأمر في هذا الشأن وفي كل شأن من شؤون الاجتهاد هو اعتبار المصلحة في نطاق المعايير الشرعية سواء كانت عامة أو فردية وأن اعتبار المصلحة مرده إلى أولي الأمر ممن إليهم المرجع في تبيان الحكم إن كان مما يتصل بالفتوى أو ممن إليهم المرجع في تنفيذه وتحديد موجباته وتقدير ظروفه إن كان مما يتصل بالشؤون العامة وهذا النوع خاصة هو ما يعنينا في هذا البحث وقد أطلق عليه في العصور المتأخرة لفظ "سياسة"، أو " السياسة الشرعية " ولا نذكر أننا عثرنا على هذه العبارة في تعابير الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد الأول ولكنا نجدها آخذة في الشيوع من حوالي القرن الخامس الهجري حتى أصبحت بابًا جليلًا من أبواب الفقه، وقد عقد لها ابن القيم فصلًا جليلًا وقال فيه كلامًا شريفًا تدعو الحاجة إلى استكمال عناصر التبيان لموقفنا في هذا البحث إلى أن نقتطف منه ما يلي: قال ﵀ (١) : " في معرض العمل بالسياسية".

стр. 4122

" وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء بن عقيل وبين بعض الفقهاء فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم ولا يخلو منه إمام وقال الآخر: لا سياسية إلا ما وافق الشرع فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغلط للصحابة- لعل الصواب وتغليط للصحابة- فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير ولو لم يكن إلا تحريق للمصاحف- لعل صوابه: إلا تحريق عثمان للمصاحف – كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة وكذلك تحريق علي كرم الله وجهه الزنادق في الأخاديد ونفي عمر نصر بن حجاج. قلت – القائل ابن القيم -: هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك في معترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وجرأوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يعرف بها الحق من الباطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر بل قد بين مما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما تراد غاياتها التي هي المقاصد ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي وإلا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع ".

стр. 4123

ثم ساق أمثلة من أحكام وأقضية رسول الله ﷺ تدعم هذا الذي قرره، ثم قال: " وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة وتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل وكل ذلك تقسيم باطل بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل، كل ذلك ينقسم إلى قسمين صحيح وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبني على حرف واحد وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معرافهم وعلومهم وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجته من يبلغهم عنه ما جاء به فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه فرسالته كاملة شافية عامة لا تحوج إلى سواها ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به ". وقد التبس على بعض المعاصرين من أساتذة وأصدقاء نجلهم ونقدر صدق إخلاصهم وسلامة إصدارهم وإيرادهم فيما يتخذون من مواقف التمييز بين اعتماد الشارع للمصلحة أساسًا ومناطًا ما ورد في جزئيات الشرع من النهي عن أشياء قد يبلغ البعض منها حد المنكرات مع أنه لا مناص من إغفال اعتبارها لتحقيق بعض ما يقره مبدأ اعتبار المصلحة الأساس المهيمن والقاعدة المحكمة في تطبيق مبدأ التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة.

стр. 4124

وقد واجه الشاطبي ﵀ - وربما من بعض معاصريه مثل هذا الالتباس فأوضح في رفعه - أبدع إيضاح وأروعه وذلك دأبه - حقيقة موقف الشرع منه وكيفية مواجهته له فقال وهو يشرح القواعد المتفرعة عن أصل أن "النظر في مآلات الأشياء معتبر مقصود شرعًا " إلى آخره مما سبق أن نقلناه عنه (١) : " ومن هذا الأصل أيضًا تستمد قاعدة أخرى وهي أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية والتكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضي شرعًا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات وكثيرًا ما يلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز ولكنه غير مانع لما يؤول إليه التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض ولو اعتبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا لأدى إلى إبطال أصله وذلك غير صحيح وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكير يسمعها ويراها وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضى فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور من أصولها لأنها أصول الدين وقواعد مصالح وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمها حق الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع وما ينقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك قضايا أعيان لا حجة في مجردها حتى يعقل معناها فتصير إلى موافقة ما تقرر إن شاء الله والحاصل أنه مبني على اعتبارات مآل الأعمال فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق. والله أعلم". ولابن القيم ﵀ كلام شريف في هذا الشأن قال (٢) :

стр. 4125

" لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن بها بحسب إفضائها إلى غاياتها فوسيلة المقصر تابعة للمقصود وكلاهما مقصود ولكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له ومنعًا أن يقرب حماه ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد مناقضًا وحصل من رعيته وجنده ضد مقصودة وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه عن الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها والذريعة ما كان وسيلة أو طريقًا إلى شيء". ثم ذكر أن الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان: أحدهما، أن يكون وضعه الإفضاء إليها والثاني، أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه وساق أمثلة للقسمين ليس هذا مجالها. ثم قال: "ثمن هذا القسم - يعني الثاني - من الذرائع نوعان: أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته فها هنا أربعة أقسام. الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح يقصد بها التوصل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها.

стр. 4126

ثم قال: " فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم - يعني الرابع - أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة بقي النظر القسمين الوسط هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ ". ثم ساق تسعة وتسعين وجهًا في بيان منع القسم الثاني والثالث وهما وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوصل إلى المفسدة ووسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة ولكنها مفضية إليه غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. ثم قال (١) "وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي. والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه والثاني وسيلة إلى المقصود. والنهى نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين ". ولعل الأشواط التي قطعناها في هذا البحث قد رسمت بأبين ما يكون الرسم وأوضحه وأدقه تحديدًا لمعالم موقفنا من قضية " انتزاع الملكية للمصلحة العامة! من أنها قضية قد تكون ضرورية في هذا العصر وقد تكون حاجية وقد تكون تكميلية تعين اعتبارات المصلحة العامة صفة كل واقعة من وقائعها على هدى المعايير الشرعية وقد لا تدعو الحاجة إليها إذا كان الالتجاء إليها لمجرد مسايرة الغير ومشاكلته وقد تكون منكرًا ظلما إذا كان الداعي إليها تسليط تطبيق جدلية لا علاقة لها بالشرع الإسلامي على المسلمين وربما كانت قاعدتها مناهضة للشرائع السماوية وتسفيهها ومحاولة تدمير كياناتها وملاك التمييز بين كل واقعة وأخرى هو الصبغة المهيمنة على تصرف ولي الأمر وعلى طبيعة سياسته التشريعية والتطبيقية فإذا كان مسلما ملزمًا باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا لفكره التشريعي ومعيارًا لسلوكه لا ينحرف عنها ولا يحيد كان تصرفه بمقتضى الإمامة إذا التزم فيه اجتهادًا جماعيًا من الخبراء التقنيين والفقهاء المجتهدين ومن بصره هو بملابسات الأمر ودواعيه وعواقبه تصرفًا مشروعًا تجب الاستجابة له ولا يجوز أن يخالف أو ينكر عليه من أي كان حتى وإن كان من بعض الفقهاء والمجتهدين الذين لم يتفق معهم في الرأي ووافق على غيرهم من أقرانهم لأن المخالفة والإنكار في هذه الحال على ولي الأمر قد تؤدي إلى الفتنة أو حتى إلى مجرد التشكيك في شرعية تصرفه مما ينجم عنه اختلال أو اعتلال في وحدة الرأي والسلوك الضروريين لرسوخ الأواصر بينه وبين الرعية. ولعل من تمام الفائدة في إيجاز المجالات التي يتعين في أغلب الأحوال على ولي الأمر أن يتدخل بالتصرف كليًا أو جزئيًا فيما في أيدي الأفراد مما استخلفهم الله تعالى فيه للتصرف والتصريف ابتغاء المنفعة والانتفاع لهم وللمجتمع الإسلامي أن ننقل كلامًا شريفًا لابن تيمية أوجز فيه أغلب الدواعي والموجبات لهذا النمط من تصرف ولي الأمر. قال ﵀ (٢) :- " بذل المنافع والأموال سواء كان بطريق التعوض أو بطريق التبرع ينقسم إلى واجب ومستحب وواجبها ينقسم إلى فرض على العين وفرض على الكفاية. فأما ما يجب من التبرعات - مالًا ومنفعة - فله موضع غير هذا وجماع الواجبات المالية بلا عوض أربعة أقسام مذكورة في الحديث المأثور ((أربع من فعلهن فقد برئ من البخل: من آتى الزكاة وقرى الضيف ووصل الحرم وأعطى في النائبة)) (٣) . ولهذا كان حد البخيل من ترك هذه الأربعة في أصح القولين لأصحابنا اختاره أبو بكر وغيره ". ثم قال: " وأما الواجبات المنفعية بلا عوض فمثل تعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصر المظلوم وهي كثيرة جدًا وعامة الواجب في منافع البدن".

стр. 4127

ثم قال: " وأما المنافع المالية وهي كمن اضطر إلى منفعة مال الغير كحبل ودلو يستقي به ماء يحتاج إليه وثوب يستدفئ به من البرد ونحو ذلك فيجب بذله لكن هل يجب بذله مجانًا أو بطريق العوض كالأعيان فيه وجهان. وحجة التبرعة متعددة كقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١) ففي سنن أبي داود عن ابن مسعود قال: كنا نعده عارية القدر والدلو والفأس (٢) وكذلك إيجاب بذل منفعة الحائط للجار إذا احتاج إليه على أصلنا المتبع لسنة رسول الله ﷺ وغير ذلك من المواضع، ففي الجملة ما يجب إيتاؤه من المال أو منفغة أو منفعة البدن بلا عوض له تفصيل آخر في موضع آخر ولو كان كثير من الفقهاء مقصرين في علمه بحيث ينفون وجوب ما صرحت الشريعة بوجوبه ويعتقد الغالط منهم أن لا حق في المال سوى الزكاة أن هذا عام ولم يعلم أن الحديث المروى في الترمذي عن فاطمة أن في المال حقا سوى الزكاة (٣) ومن قال بالأول أراد الحق المالي الذي يجب بسبب المال فيكون راتبًا وإلا فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله قد أوجب إيتاء المال في غير الزكاة المفروضة في مواضع مثل الجهاد بالمال عند الحاجة والحج بالمال ونفقة الزوجة والأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم ومثل ما يجب من الكفارات من عتق وصدقة وهدي، كفارات الحج وكفارات الأيمان والقتل وغيرها وما يجب من وفاء النذور المالية إلى غير ذلك بل المال مستوعب بالحقوق الراتبة أو العارضة بسبب من العبد أو بغير سبب منه وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة". ثم قال: "ونحن نعلم قطعًا أنه إذا كان إيتاء المال أو المنفعة بلا عوض واجبًا بالشريعة في مواضع كثيرة جدا لأسباب اقتضت الإيجاب الشرعي وليس ذلك من الظلم الذي هو أخذ حق الغير بغير حق فلأن يكون إيتاء المال والمنفعة بعوض واجبًا في مواضع أولى وأحرى بل إيجاب المعاوضات أكثر من إيجاب التبرعات وأكبر فهو أوسع منه قدرًا وصفة. ولعل من استقراء الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون إليها بلا ضرر يزيد على حاجة المسلمين وجبت، فأما عند عدم الحاجة ومع حاجة رب المال الكافية لحاجة المعتاض فرب المال أولى فإن الضرر لا يزول بالضرر والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين و"ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "

стр. 4128

هذا الحديث روي عن عده طرق حتى لقد بلغ رتبة المتواتر أو كاد. وقد ارتأينا أن نقتصر على حديثين رواهما البخاري في كتاب الزكاة مع ذكر من أخرجهما غيره نقلًا عن المزي. قال البخاري (ج: ٢. ص: ١١٧) : حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول)) . وقال المزي (تحفة الإشراف. ج:.١. ص: ٦٨. ح: ١٣٣٤٠) : حديث: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول. خ في الزكاة (١٨: ١) عن عبدان عن عبد الله – س فيه (الزكاة ٦٠: ٣) عن عمرو بن بن سواد عن ابن وهب - كلاهما عنه به. وقال البخاري (نفس المرجع) : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب، حدثنا هشام عن أبيه عن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله)) . وعن وهيب قال: أخبرنا هشام عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ بهذا. وقال المزي (نفس المرجع. ج: ٣. ص: ٧٨. ح: ٣٤٣٣) : حديث: اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول ... الحديث. خ في الزكاة (١٨: ٢) عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه. روى عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وسيأتي (ح ١٤١٣١) . . ثم قال: "وبالجملة فوجوب المعاوضات من ضرورات الدنيا والدين أن الإنسان لا ينفرد بمصلحة نفسه بل لا بد له من الاستعانة ببني جنسه، فلو لم يجب على بني آدم أن يبذل هذا لهذا ما يحتاج إليه وهذا لهذا ما يحتاج إليه لفسد الناس وفسد أمر دنياهم ودينهم فلا تتم مصالحهم إلا بالمعاوضة وصلاحها بالعدل الذي أنزل الله له الكتب وبعث به الرسل ".

стр. 4129

ثم قال: " وعلى هذا فإذا احتاج المسلمون إلى الصناعات كالفلاحة والنساجة والبناية فعلى أهلها بذلها لهم بقيمتها كما عليهم بذل الأموال التي يحتاج إليها بقيمتها إذ لا فرق بين بذل الأموال وبذل المنافع بل بذل المنافع التي لا يضر بذلها أولى بالوجوب معاوضة ويكون بذل هذه فرضًا على الكفاية وقد ذكر طائفة من العلماء ومن أصحابنا وغيرهم أن أصول الصناعات كالفلاحة والحياكة والبناية فرض على الكفاية والتحقيق أنها فرض عند الحاجة إليها وأما مع الإمكان عن الاستغناء عنها فلا تجب، وهذه حكينا بيعها فإن من يوجبها بالمعاوضة لا تبرعًا فهو إيجاب صناعة بعوض لأجل الحاجة إليها وقوله عند الحاجة فإن المسلمين قد يستغنون عن الصناعة بما يجلبونه أو يجلب إليهم من طعام أو لباس والأصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكنى أمر واجب وللإمام أن يلزم بذلك ويجبر عليه ولا يكون ذلك ظلما بل إيجاب الشارع للجهاد الذي فيه المخاطرة بالنفس والمال لأجل هداية الناس في دينهم أبلغ من هذا كله فإذا كانت الشجاعة التي يحتاج المسلمون إليها والكرم الذي يحتاج المسلمون إليه واجبًا فكيف بالمعاوضة التي يحتاج المسلمون إليها ولكن أكثر الناس يفعلون هذا بحكم العادات والطباع وطاعة السلطان غير مستشعرين ما في ذلك من طاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر فيما أمر الله بطاعتهم فيه ". ثم ختم هذا الكلام القيم بقوله: " والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة". ونعتقد أنه ليس بعد كل ما أسلفناه من نقول عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وكبار أئمة الاجتهاد مجال للريب أو التردد في أن استحقاق الإنسان لخلافة الله فيما لديه من الثابت والمنقول رهن بقيامه بوظيفة الخلافة في تحقيق المنفعة والانتفاع للمجتمع الإسلامي بالتصرف فيه وتصريفه في نطاق ضوابط الشرع الإسلامي وطبقًا لمقتضياته. وفي أن من صميم واجبات ولي الأمر رعاية ذلك وحسن توجيهه بالإرشاد وبالتدخل لتصحيح سيره وتقويم مساره عند الحاجة إلى مثل هذا التدخل ثم بالتدخل لتحويل التصرف والتصريف إذا تعين تحويلهما اعتبارًا للمصلحة العامة لعجز من كان في يده أو لانحرافه عن مقتضيات الشرع الإسلامي إصراره على الانحراف.

стр. 4130

وهذا النمط الأخير من التدخل، على ولي الأمر أن يلتزم فيه بمبدأ التعويض بالمثل أو بالسعر الحقيقي في السوق الداخلية إلا إذا كان موجب التدخل هو إقامة حدود الله في مال اكتسبه صاحبه بطريقة غير مشروعة أو امتنع فيه من أداء حقوقه المشروعة وقد سبق بيان ذلك من قبل. وشهد الله لقد استفرغت الجهد في استقراء النصوص واستقصاء الاجتهادات وإعمال الفكر في الموازنة والتقدير والتمحيص وأرجو من الله الحكيم الخبير الغفور الرحيم أن لا أكون قد أخطأت الفهم أو أخطأت التقدير. " ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١) ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢) ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) .

стр. 4131

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرئيس: الحمد لله.. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد. نفتتح مستعينين بالله تعالى هذه الجلسة الصباحية والتي سيعرض فيها موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة. وقد وزعت الأبحاث في هذا الموضوع ويكون العرض من فضيلة الأستاذ محمد قاسم والمقرر هو الشيخ عبد الله محمد عبد الله. الشيخ عبد الله موجود؟ تفضل بعرض الموضوع. عرض الشيخ عبد الله محمد عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في الواقع أنا فوجئت بهذا التكريم أو التشريف لأنه لم يكن اسمي واردًا في جدول الأعمال الذي وزع علينا بالأمس ولهذا سأحاول بقدر الإمكان إضافة إلى أن بعض البحوث وزعت علينا أخيرًا في آخر النهار فسأحاول بقدر الإمكان أن أعطي إلمامًا من واقع البحوث التي وصلتنا سابقًا. والظاهر على هذه البحوث أنها تتفق من حيث المبدأ على جملة أمور ولم أر بينها تباينًا في الرأي من حيث النتيجة وإن كانت تجمع على أن الانتزاع بدون وجه حق محظور شرعًا ولا ينزع عن أحد ملكه إلا لمصلحة عامة وحاجة عامة أيضًا. وهذه البحوث أخذت في بادئ الأمر تتكلم عن المصطلحات أو مفردات العنوان " الملك والمنفعة العامة " ثم أخذت تبحث عن الحالات التي يجوز فيها نزع الملك. وهذه الحالات بعضها يصدق عليه التعريف أي أنها للمنفعة العامة وبعضها ليست لهذا الغرض وإنما لمنفعة أفراد معروفين كبيع المال جبرًا عن صاحبه لسداد ديونه وكبيع الشفيع والشريك وهكذا.

стр. 4132

فالمقصود إذن من العنوان الملك الذي ينزع لأجل منفعة عامة كإنشاء مسجد أو توسعة مسجد أو طريق أو نحو ذلك، في هذه الحالات اشتدت الحاجة واحتاج الطريق العام من تنظيمه إلى أملاك الأفراد فهنا أجاز الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم لنزع الملك ولكنهم يشددون على ضرورة ألا ينزع عن أحد ملكه إلا بعد تعويضه تعويضًا عادلًا هذا الاتفاق الفقهي القديم هو ما أخذت به القوانين والتشريعات الحديثة في مختلف البلاد لأن نزع الملك الآن أصبح له طابع خاص فإننا ننشيء مدنًا على أنقاض مدن وننشيء مدنًا كبيرة على أنقاض تلك المدن كما في بلاد الخليج. وفي المملكة التي شاهدت اتساع العمران واتساع النهضة العمرانية فيها هناك أيضًا أمر مهم يلفت النظر إليه وهو أن نزع الملك الأصلي يتم عن طريق الاتفاق بين أصحاب عقارات وبين الدولة أو السلطة في الدولة، فإذا تم هذا الاتفاق فإن الأصل أن نخضع القواعد في نزع الملك للأحكام والمعاملات من حيث الاتفاق على الثمن وطريقة الدفع للتعجيل أو التأجيل. أما إذا رفض هؤلاء البيع فهنا تقوم السلطة بما لها من قوة بانتزاع الملك وتدفع الثمن في هذه الحالة قبل الاستيلاء على العقار أو قبل طرد صاحبه أو أخذه من صاحبه. أما إذا تم الاتفاق بينهما فإنه تنطبق الاتفاقات التي تمت بينهم وهذا شيء اتفق عليه الذين كتبوا في هذا الموضوع، لم أر من خالف في ذلك. ثم إن السند الذي اتجه إليه أو استدل إليه الباحثون فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وما اتخذه سيدنا عمر ﵁ عندما وسع المسجد الحرام وكذلك عندما وسع مسجد النبي ﵊ فإن سيدنا عمر وسيدنا عثمان ﵄ قاما بنزع الأملاك ودُفع لأربابها الثمن الذي قدروه فتمثل تقريبًا القيمة الحقيقية. وأريد أن أشير إلى ناحية إلى أنه يجوز أن يكون التعويض أو المقابل أكثر من القيمة الحقيقية لأن فيه أيضًا نوعًا من التعويض عن هذا الحال كما تم في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والتابعين. وأشير أيضًا إلى نقطة ربما انفردت بها في بحثي وهو أن المقابل لا يتعين أن يكون بالنقد بل يجوز أن يكون مقايضة بان يعطي عقارًا بدل عقار أو أن يعطي عقارًا ونقدًا بدل عقاره وقد تم ذلك في أيام السلف الصالح عند توسعة المسجد النبوي وحالات أخرى. وأرجو في هذه العجالة أو هذا الإيجاز الشديد أن أكون قد أعطيت صورة عن هذا الموضوع. وشكرًا.

стр. 4133

الشيخ محمد على التسخيري: شكرًا سيدي الرئيس.. أود قبل أن أتحدث أن أهنئكم على بدء هذه الدورة وأعتذر من تأخري لظروف قاهرة. أما الحديث حول هذا الموضوع أعتقد أن المسألة تبتنى على مقدمة يجب أن نتفق عليها أو ربما كانت هذه المقدمة بعد شرحها واضحة من حيث الاتفاق. المسألة مسألة دور ولي الأمر في المجتمع ولي الأمر حسب ما يمكن أن ينتهي إليه الاستقراء عليه أن يقوم أولا بتطبيق الأحكام الأولية الإسلامية وعليه أيضًا أن يوحد الموقف في بعض الأمور كمسألة الأهلة، وعليه أيضًا أن يقوم بتوجيه الأموال العامة للصالح العام، وعليه أيضًا أن يحقق المصلحة العامة التي يمكن أن يعبر عنها بالتعبيرات الحديثة بالسير المتوازن للمجتمع أو ما يمكن أن يقال عنه كل ما يحقق للمجتمع مسيرة طبيعية في مثل هذا الجو المعين. إذا لاحظنا هذه الوظائف ولاحظنا أن هناك أحكامًا أولية ثبتت للأشياء بعناوينها الأولية كالملكية والصوم والصلاة. هذه ثبتت للأشياء بعناوينها الأولية وأن هناك أحكاما ثانوية تفرضها الضرورة كمقتضى قاعدة لا ضرر ولا حرج وأمثال ذلك. وأن هناك أحكاما يصدرها الولي يمكن أن نطلق عليها أحكامًا حكومية أو أحكامًا ولائية وما إلى ذلك ليقوم الولي بتحقيق أهدافه وواجباته كولي أمر وقائد للمجتمع. بالنسبة إلى موردنا هذا، الملكية حق مضمون في الشريعة، والناس مسلطون على أموالهم وبالعنوان الأولى الملكية لا ينتزعها مطلقًا نحتاج إذن إلى عنوان ثانوي أو مصلحة يراها الولي فيصدر في مجالها حكمًا ولائيًا في هذا المعنى. لا أرى سبيلًا إلا أن نطرح هنا قاعدة التزاحم بين الأحكام عندما تتزاحم الأحكام تارة يكون التزاحم فرديا فالفرد يعين أهمية التحكم عندما يجب عليه أن ينقذ غريقين، وأحدهما أهم من الآخر، أحدهما له أهمية كبرى ولا يستطيع إلا أن ينقذ أحدهما، ليس عليه إلا أن يقدم الأهم ويتأخر عن المهم. بالنسبة للأمور الاجتماعية الذي يحقق الأهمية أو الذي يحكم بأن الأهمية هنا موجودة وهو ولي الأمر على ضوء خبرته بالمجتمع عندما يتنافى حق الملكية مع مصلحة المجتمع المتوازن فتكون الأهمية هنا لصالح النظام وحفظ النظام وحفظ المجتمع المتوازن وولي الأمر هو الذي يحقق ذلك، هو الذي يكتشف ذلك، وهو الذي يحكم بذلك حينئذٍ يمكن تقديم الأهم على المهم وهي قاعدة وافق عليها الجميع وعرف الاستحسان أحيانًا بتقديم الأهم على المهم، وعلى هذا التعريف إذا كان هو على تعريف الاستحسان

стр. 4134

لا أتصور أن هناك مسلمًا يخالف فيه أو عاقلًا حتى يخالف في تقديم الأهم على المهم عند التزاحم. ولي الأمر هو الذي يعين الأهمية في هذا المجال طبعًا هذا المعنى لا يتنافى مع مسألة التعويض. يجب أن يعوض لأن تقديم الأهم على المهم لا تنافي له مع مسألة تعويض هؤلاء وحتى التعويض بقيمة أعلى أو التعويض بثمن مالي أو غير مالي هذا أمر آخر ولا تنافي مع التوافق تحقيق توافق معين اللهم إن هناك ظروفا استثنائية للمجتمع يلجأ فيها ولي الأمر إلى عدم التعويض عندما يرى المصلحة العامة ذلك. لا أرى مانعًا في ذلك وأعتقد أننا لو طرحنا المسألة على أساس التزاحم بين حفظ النظام العام وبين الحكم الأول لكان الحكم فيها واضحًا. وشكرًا. الرئيس: شكرًا.. في الواقع يا أصحاب الفضيلة إن هذا الموضوع يظهر أنه ليس بحاجة إلى كثير من المداولات والمناقشات لأنه في حكم المسلمات في الشريعة سواء كان من حيث النص كما ثبت عن النبي ﷺ وعن الخليفة الراشد عمر رضي الله تعالى عنه والخليفة الراشد عثمان رضي الله تعالى عنه وعدد من الولاة، وتابع العلماء على ذلك في مصنفاتهم وفي مؤلفاتهم الفقهية والحديثية، أو كان من باب طرد قاعدة الشريعة التي تفضل بها الشيخ علي، وهي تزاحم المصالح وتقديم الأهم كي تتقدم المصلحة العامة والأبحاث التي قدمت لكم هي تتفق على هذه النتيجة وهي على وفق ما قرره أهل العلم في مسألة نزع الملك للمصلحة العامة ويمكن أن يصنف في عدة ضوابط: الأول: أن الأصل حرية المالك في ملكه وأنه مسلط على ملكه لا سلطان لأحد عليه وأنه لا يسوغ انتزاع ملكه منه بغير حق. الثاني: المبدأ الثاني هو جواز نزع الملك للمصلحة العامة وأن المصلحة العامة هي التي يقدرها ولي الأمر على ضوء ما هو مقرر في كتب الشريعة. والثالث: أنه لا يجوز نزع الملك إلا بتعويض عادل مهما يلحق مع ذلك من ضوابط ثنائية. فإذا رأيتم أن يقصر بحث الموضوع لنأخذ الموضوع الذي بعده ونؤلف له لجنة من الباحثين ومن بعض أصحاب الفضيلة وندخل في الموضوع الذي بعده فهو مناسب لأني لا أرى فيه مجالًا للخلاف والنزاع طالما أنه في حكم المسلمات واللجنة بين يديها الأبحاث وستستخلص مشروع قرار أرجو أن يكون وافيًا بالمطلوب.

стр. 4135

الشيخ إبراهيم فاضل الدبو: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين. في الواقع كما تفضل السيد رئيس المجمع أن الفقهاء قد أغنوا هذا البحث ووضعوا له الضوابط الكفيلة بحماية حق الفرد وحماية حق الدولة في هذا المجال إلا أنني أضيف إلى ما ذكره فضيلة الأستاذ أنه ينبغي أن لا تنزع الملكية من شخص وتملك لشخص آخر وإنما يقيد نزع الملكية للمصلحة العامة. فلا يجوز أن ينتزع ملك زيد ويعطى لعمرو. وشكرًا. الشيخ محمد عطا السيد: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك. السيد الرئيس في جلساتنا السابقة كنا إذا اتضح الأمر بمثل هذه الصورة التي أمامنا الآن كنا نتخذ قرارًا ونصوغه ونعرضه على الأعضاء ويوافقون عليه. وأرى عدم جدوى تكوين لجنة لهذه الحالة ويمكن للرئيس أن يصوغ كما فعل في الماضي قرارا ثم نتفق عليه وننتهي من هذه المسألة. الرئيس: ما فيه مانع إذا رأيتم هذا الشيء نعمله. موافقون. مناقشة مشروع القرار الشيخ عبد الستار أبوغدة: قرار رقم ٤ بشأن انتزاع الملكية للمصلحة العامة.. بعد الإطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة. وفي ضوء ما هو مسلم في أصول الشريعة من احترام الملكية الفردية حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وإن حفظ المال أحد الضروريات الخمس التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها، وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية وعمل الصحابة ﵃ فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة، تطبيقًا لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام.
следующие страницы →