المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرئيس:
الحمد لله.. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد.
نفتتح مستعينين بالله تعالى هذه الجلسة الصباحية والتي سيعرض فيها موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة. وقد وزعت الأبحاث في هذا الموضوع ويكون العرض من فضيلة الأستاذ محمد قاسم والمقرر هو الشيخ عبد الله محمد عبد الله. الشيخ عبد الله موجود؟ تفضل بعرض الموضوع.
عرض الشيخ عبد الله محمد عبد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في الواقع أنا فوجئت بهذا التكريم أو التشريف لأنه لم يكن اسمي واردًا في جدول الأعمال الذي وزع علينا بالأمس ولهذا سأحاول بقدر الإمكان إضافة إلى أن بعض البحوث وزعت علينا أخيرًا في آخر النهار فسأحاول بقدر الإمكان أن أعطي إلمامًا من واقع البحوث التي وصلتنا سابقًا. والظاهر على هذه البحوث أنها تتفق من حيث المبدأ على جملة أمور ولم أر بينها تباينًا في الرأي من حيث النتيجة وإن كانت تجمع على أن الانتزاع بدون وجه حق محظور شرعًا ولا ينزع عن أحد ملكه إلا لمصلحة عامة وحاجة عامة أيضًا. وهذه البحوث أخذت في بادئ الأمر تتكلم عن المصطلحات أو مفردات العنوان " الملك والمنفعة العامة " ثم أخذت تبحث عن الحالات التي يجوز فيها نزع الملك. وهذه الحالات بعضها يصدق عليه التعريف أي أنها للمنفعة العامة وبعضها ليست لهذا الغرض وإنما لمنفعة أفراد معروفين كبيع المال جبرًا عن صاحبه لسداد ديونه وكبيع الشفيع والشريك وهكذا.
стр. 4132
فالمقصود إذن من العنوان الملك الذي ينزع لأجل منفعة عامة كإنشاء مسجد أو توسعة مسجد أو طريق أو نحو ذلك، في هذه الحالات اشتدت الحاجة واحتاج الطريق العام من تنظيمه إلى أملاك الأفراد فهنا أجاز الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم لنزع الملك ولكنهم يشددون على ضرورة ألا ينزع عن أحد ملكه إلا بعد تعويضه تعويضًا عادلًا هذا الاتفاق الفقهي القديم هو ما أخذت به القوانين والتشريعات الحديثة في مختلف البلاد لأن نزع الملك الآن أصبح له طابع خاص فإننا ننشيء مدنًا على أنقاض مدن وننشيء مدنًا كبيرة على أنقاض تلك المدن كما في بلاد الخليج. وفي المملكة التي شاهدت اتساع العمران واتساع النهضة العمرانية فيها هناك أيضًا أمر مهم يلفت النظر إليه وهو أن نزع الملك الأصلي يتم عن طريق الاتفاق بين أصحاب عقارات وبين الدولة أو السلطة في الدولة، فإذا تم هذا الاتفاق فإن الأصل أن نخضع القواعد في نزع الملك للأحكام والمعاملات من حيث الاتفاق على الثمن وطريقة الدفع للتعجيل أو التأجيل. أما إذا رفض هؤلاء البيع فهنا تقوم السلطة بما لها من قوة بانتزاع الملك وتدفع الثمن في هذه الحالة قبل الاستيلاء على العقار أو قبل طرد صاحبه أو أخذه من صاحبه. أما إذا تم الاتفاق بينهما فإنه تنطبق الاتفاقات التي تمت بينهم وهذا شيء اتفق عليه الذين كتبوا في هذا الموضوع، لم أر من خالف في ذلك.
ثم إن السند الذي اتجه إليه أو استدل إليه الباحثون فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وما اتخذه سيدنا عمر ﵁ عندما وسع المسجد الحرام وكذلك عندما وسع مسجد النبي ﵊ فإن سيدنا عمر وسيدنا عثمان ﵄ قاما بنزع الأملاك ودُفع لأربابها الثمن الذي قدروه فتمثل تقريبًا القيمة الحقيقية. وأريد أن أشير إلى ناحية إلى أنه يجوز أن يكون التعويض أو المقابل أكثر من القيمة الحقيقية لأن فيه أيضًا نوعًا من التعويض عن هذا الحال كما تم في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والتابعين. وأشير أيضًا إلى نقطة ربما انفردت بها في بحثي وهو أن المقابل لا يتعين أن يكون بالنقد بل يجوز أن يكون مقايضة بان يعطي عقارًا بدل عقار أو أن يعطي عقارًا ونقدًا بدل عقاره وقد تم ذلك في أيام السلف الصالح عند توسعة المسجد النبوي وحالات أخرى. وأرجو في هذه العجالة أو هذا الإيجاز الشديد أن أكون قد أعطيت صورة عن هذا الموضوع. وشكرًا.
стр. 4133
الشيخ محمد على التسخيري:
شكرًا سيدي الرئيس.. أود قبل أن أتحدث أن أهنئكم على بدء هذه الدورة وأعتذر من تأخري لظروف قاهرة. أما الحديث حول هذا الموضوع أعتقد أن المسألة تبتنى على مقدمة يجب أن نتفق عليها أو ربما كانت هذه المقدمة بعد شرحها واضحة من حيث الاتفاق. المسألة مسألة دور ولي الأمر في المجتمع ولي الأمر حسب ما يمكن أن ينتهي إليه الاستقراء عليه أن يقوم أولا بتطبيق الأحكام الأولية الإسلامية وعليه أيضًا أن يوحد الموقف في بعض الأمور كمسألة الأهلة، وعليه أيضًا أن يقوم بتوجيه الأموال العامة للصالح العام، وعليه أيضًا أن يحقق المصلحة العامة التي يمكن أن يعبر عنها بالتعبيرات الحديثة بالسير المتوازن للمجتمع أو ما يمكن أن يقال عنه كل ما يحقق للمجتمع مسيرة طبيعية في مثل هذا الجو المعين. إذا لاحظنا هذه الوظائف ولاحظنا أن هناك أحكامًا أولية ثبتت للأشياء بعناوينها الأولية كالملكية والصوم والصلاة. هذه ثبتت للأشياء بعناوينها الأولية وأن هناك أحكاما ثانوية تفرضها الضرورة كمقتضى قاعدة لا ضرر ولا حرج وأمثال ذلك. وأن هناك أحكاما يصدرها الولي يمكن أن نطلق عليها أحكامًا حكومية أو أحكامًا ولائية وما إلى ذلك ليقوم الولي بتحقيق أهدافه وواجباته كولي أمر وقائد للمجتمع. بالنسبة إلى موردنا هذا، الملكية حق مضمون في الشريعة، والناس مسلطون على أموالهم وبالعنوان الأولى الملكية لا ينتزعها مطلقًا نحتاج إذن إلى عنوان ثانوي أو مصلحة يراها الولي فيصدر في مجالها حكمًا ولائيًا في هذا المعنى.
لا أرى سبيلًا إلا أن نطرح هنا قاعدة التزاحم بين الأحكام عندما تتزاحم الأحكام تارة يكون التزاحم فرديا فالفرد يعين أهمية التحكم عندما يجب عليه أن ينقذ غريقين، وأحدهما أهم من الآخر، أحدهما له أهمية كبرى ولا يستطيع إلا أن ينقذ أحدهما، ليس عليه إلا أن يقدم الأهم ويتأخر عن المهم. بالنسبة للأمور الاجتماعية الذي يحقق الأهمية أو الذي يحكم بأن الأهمية هنا موجودة وهو ولي الأمر على ضوء خبرته بالمجتمع عندما يتنافى حق الملكية مع مصلحة المجتمع المتوازن فتكون الأهمية هنا لصالح النظام وحفظ النظام وحفظ المجتمع المتوازن وولي الأمر هو الذي يحقق ذلك، هو الذي يكتشف ذلك، وهو الذي يحكم بذلك حينئذٍ يمكن تقديم الأهم على المهم وهي قاعدة وافق عليها الجميع وعرف الاستحسان أحيانًا بتقديم الأهم على المهم، وعلى هذا التعريف إذا كان هو على تعريف الاستحسان
стр. 4134
لا أتصور أن هناك مسلمًا يخالف فيه أو عاقلًا حتى يخالف في تقديم الأهم على المهم عند التزاحم. ولي الأمر هو الذي يعين الأهمية في هذا المجال طبعًا هذا المعنى لا يتنافى مع مسألة التعويض. يجب أن يعوض لأن تقديم الأهم على المهم لا تنافي له مع مسألة تعويض هؤلاء وحتى التعويض بقيمة أعلى أو التعويض بثمن مالي أو غير مالي هذا أمر آخر ولا تنافي مع التوافق تحقيق توافق معين اللهم إن هناك ظروفا استثنائية للمجتمع يلجأ فيها ولي الأمر إلى عدم التعويض عندما يرى المصلحة العامة ذلك. لا أرى مانعًا في ذلك وأعتقد أننا لو طرحنا المسألة على أساس التزاحم بين حفظ النظام العام وبين الحكم الأول لكان الحكم فيها واضحًا. وشكرًا.
الرئيس:
شكرًا.. في الواقع يا أصحاب الفضيلة إن هذا الموضوع يظهر أنه ليس بحاجة إلى كثير من المداولات والمناقشات لأنه في حكم المسلمات في الشريعة سواء كان من حيث النص كما ثبت عن النبي ﷺ وعن الخليفة الراشد عمر رضي الله تعالى عنه والخليفة الراشد عثمان رضي الله تعالى عنه وعدد من الولاة، وتابع العلماء على ذلك في مصنفاتهم وفي مؤلفاتهم الفقهية والحديثية، أو كان من باب طرد قاعدة الشريعة التي تفضل بها الشيخ علي، وهي تزاحم المصالح وتقديم الأهم كي تتقدم المصلحة العامة والأبحاث التي قدمت لكم هي تتفق على هذه النتيجة وهي على وفق ما قرره أهل العلم في مسألة نزع الملك للمصلحة العامة ويمكن أن يصنف في عدة ضوابط:
الأول: أن الأصل حرية المالك في ملكه وأنه مسلط على ملكه لا سلطان لأحد عليه وأنه لا يسوغ انتزاع ملكه منه بغير حق.
الثاني: المبدأ الثاني هو جواز نزع الملك للمصلحة العامة وأن المصلحة العامة هي التي يقدرها ولي الأمر على ضوء ما هو مقرر في كتب الشريعة.
والثالث: أنه لا يجوز نزع الملك إلا بتعويض عادل مهما يلحق مع ذلك من ضوابط ثنائية.
فإذا رأيتم أن يقصر بحث الموضوع لنأخذ الموضوع الذي بعده ونؤلف له لجنة من الباحثين ومن بعض أصحاب الفضيلة وندخل في الموضوع الذي بعده فهو مناسب لأني لا أرى فيه مجالًا للخلاف والنزاع طالما أنه في حكم المسلمات واللجنة بين يديها الأبحاث وستستخلص مشروع قرار أرجو أن يكون وافيًا بالمطلوب.
стр. 4135
الشيخ إبراهيم فاضل الدبو:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين.
في الواقع كما تفضل السيد رئيس المجمع أن الفقهاء قد أغنوا هذا البحث ووضعوا له الضوابط الكفيلة بحماية حق الفرد وحماية حق الدولة في هذا المجال إلا أنني أضيف إلى ما ذكره فضيلة الأستاذ أنه ينبغي أن لا تنزع الملكية من شخص وتملك لشخص آخر وإنما يقيد نزع الملكية للمصلحة العامة. فلا يجوز أن ينتزع ملك زيد ويعطى لعمرو. وشكرًا.
الشيخ محمد عطا السيد:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.
السيد الرئيس في جلساتنا السابقة كنا إذا اتضح الأمر بمثل هذه الصورة التي أمامنا الآن كنا نتخذ قرارًا ونصوغه ونعرضه على الأعضاء ويوافقون عليه. وأرى عدم جدوى تكوين لجنة لهذه الحالة ويمكن للرئيس أن يصوغ كما فعل في الماضي قرارا ثم نتفق عليه وننتهي من هذه المسألة.
الرئيس:
ما فيه مانع إذا رأيتم هذا الشيء نعمله. موافقون.
مناقشة مشروع القرار
الشيخ عبد الستار أبوغدة:
قرار رقم ٤ بشأن انتزاع الملكية للمصلحة العامة.. بعد الإطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة. وفي ضوء ما هو مسلم في أصول الشريعة من احترام الملكية الفردية حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وإن حفظ المال أحد الضروريات الخمس التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها، وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية وعمل الصحابة ﵃ فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة، تطبيقًا لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام.
стр. 4136
قرر ما يلي:
أولا: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها، ولا يجوز تضييق نطاقها أو الحد منها، والمالك مسلط على ملكه وله في حدود المشروع التصرف فيه بجميع وجوهه وجميع الانتفاعات الشرعية.
ثانيًا: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلا بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية:
١-أن يكون نزع العقار بمقابل تعويض فوري عادل.
٢-أن يكون نازعه ولي الأمر أو نائبه في ذلك المجال.
٣-أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إليها ضرورة عامة أو حاجة عامة تنزل منزلتها كالمساجد والطرق والجسور.
٤-أن لا يؤول العقار المنزوع من مالكه إلى توظيفه في الاستثمار العام أو الخاص، وألا يعجل نزع ملكيته قبل الأوان.
فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها كان نزع ملكية العقار من الظلم في الأرض والغصوب التي نهى الله عنها ورسوله ﷺ . على أنه إذا صرف النظر عن استخدام العقار المنزوعة في المصلحة المشار إليها تكون أولوية استرداده لمالكه الأصلي، أو لورثته بالتعويض نفسه.
الشيخ علي المغربي:
رقم واحد في ثانيًا: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلا بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية: أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل. هذا التعويض الفوري والعادل بالنسبة لمن؟
стр. 4137
الرئيس:
هذه جيدة ولهذا قد ترون مناسبًا: بتعويض فوري عادل لا يقل عن ثمن المثل.
الشيخ علي المغربي:
هنا تختلف الجهات. فهناك من يرى كلمة العادل بالنسبة للواقع أو بالنسبة للدولة. فإذا جئنا لقطعة تراب، الدولة ترى أن قطعة التراب للمتر الواحد يساوي عشرة ريالات مثلا بالنسبة إليها ولكنه في السوق الواقعي الذي يباع به يساوي الألف. هل نعتبر ما تقدمه الدولة عدلًا أو نعتبر واقع الأمر هو العدل وهنا يكون الظلم على صاحب العقار.
الرئيس:
المهم هذه العبارة ألا تحل الإشكال إذا قلنا: مقابل تعويض فوري عادل لا يقل عن ثمن المثل بواسطة أهل الخبرة؟.
الشيخ على المغربي:
لأن أهل الخبرة في الواقع تخرجهم الدولة.
الرئيس:
هذا قرار شرعي يا شيخ ونريد أهل الخبرة على ضوء الشريعة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
أعتقد أن تنزيل الحاجة منزلة الضرورة يعني هذا التنزيل مثلًا عندنا ضرورة. بعد الإطلاع وفي ضوء وعند الأولى بعد الإطلاع آخر الفقرة.
الرئيس:
تنزيل الحاجة منزلة الضرورة.
стр. 4138
الشيخ محمد المختار السلامي:
أصوليا عندنا الحاجة حاجة والضرورة ضرورة. أما أن ينزل الحاجة منزلة الضرورة.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
قاعدة حنفية هذه والشيخ تقي يشرحها.
الشيخ محمد تقي العثماني:
الحاجة العامة.
الشيخ عبد الستار أو غدة:
أو حاجة عامة تنزل منزلة الضرورة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
يا سيدي الحاجة العامة حاجة عامة، الضروري ضروري.
الرئيس:
قد ترون لا هذا ولا هذا:
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إليها ضرورة عامة أو حاجة عامة تنزل منزلتها.
الرئيس:
هذه قاعدة يا شيخ تنزيل الحاجة منزلة الضرورة.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
نضيف العامة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
لقد قرأت بين الدفتين أول من بسط بسطا علميا هذه القواعد وهي قاعدة الضروريات والحاجيات والتحسينات وأفضل من بسطها وهو الشاطبي ولم أر تنزيل الحاجة منزلة الضرورة.
стр. 4139
الرئيس:
هل كلامكم في رقم ٣.
الشيخ محمد المختار السلامي:
فقط في الأولى.
الرئيس:
وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة. قيدناها وقلنا تنزيل الحاجة العامة.
الشيخ محمد المختار السلامي:
شكرًا، الله يحفظك، الله يبارك فيك.
الشيخ محمد هشام البرهاني:
في آخر عبارة عندما يصرف النظر عن استخدام هذا العقار ويرد إلى مالكه قد تختلف الأسعار فإذا قلنا بنفس السعر قد يكون فيه ظلم إما للمالك وإما للجهة. فلا بد أن يكون السعر الذي يعود إليه السعر الحالي لأن الزمن قد يتباعد. في آخر العبارة بالتعويض نفسه.
الشيخ محمد المختار السلامي:
بالتعويض العادل.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بالتعويض العادل. في آخر سطر رقم ١: أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل يقدره أهل الخبرة بما لا يقل عن ثمن المثل.
الشيخ خليل محي الدين الميس:
كلمة في الصياغة. إذا ممكن رقم ٣ أن يكون رقم ١ لأنا وضعنا المشروط قبل الشرط لأن رقم ٣ يكون نزع الملكية بالشروط التالية.
стр. 4140
الرئيس:
الحقيقة يظهر أن الإخوان راعوا شيئًا واحدًا وهو أن أهم هذه الشروط هو الأول فاجعلوا الأول في الواجهة للاهتمام.
الشيخ إبراهيم بشير الغويل:
سيدي في هذا الموضوع انتزاع الملكية للمصلحة العامة كل الأمور ماشية تماما إلا أنه لا يراعى أي قيد على أن هذه الملكية تكون قد اكتسبت بطرق مشروعة كما هو شريعة الله. دائمًا رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء. نحن نصون ونمنع الاعتداء على ملكية اكتسبت بطرق مشروعة وفقًا لشريعة الله.
الرئيس:
يا شيخ إبراهيم. الديباجة فيها ما شاء الله ما يغطي هذا وزيادة، ارجع إليها.
الشيخ محمد علي التسخيري:
أنا أعتقد أننا تقريبًا أطلقنا اليد إلى حد ما في الملكية الفردية فحبذا لو حذفنا عبارة جميع الانتفاعات الشرعية وأضفنا في ذيل هذه الفقرة: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها ولا يجوز تضييق نطاقها أو الحد منها والمالك مسلط على ملكه وله التصرف فيه بجميع وجوهه كل ذلك في الحدود الشرعية.
الرئيس:
والله – يا شيخ الشرعية ما تقررت في قرار مثل تكررها في هذا القرار.
الشيخ محمد علي التسخيري:
لا يجوز تضييق نطاقها. ما أكثر مجالات تضييق نطاق الملكية، على الأقل ولي الأمر يستطيع أن يمنع كثيرًا من المباحثات. فإذا حكمنا حكمًا شرعيًا في هذا المعنى اجعلوا هذا العنوان. احذفوا كل مكان حدود المشروع والانتفاعات الشرعية وأعطوا القيد لكل المقيدات. قولوا كل هذه الأمور في الأطر الشرعية.
стр. 4141
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم..
أمران. الأمر الأول هو أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسا. فإذا قلنا: شيء ملكية شرعية بمعنى أنها الملكية الحقيقية في الشرع مع أنها ملكية ونصف ملكية شرعًا.
الأمر الثاني: أنه كثيرا ما استمعت إلى قضية ولي الأمر هذا. عندنا أن ولي الأمر معزول عن غير المصلحة وأنه لا يستطيع بذاته أن يعلم كل شيء وعليه أن يستشير وإذا أمر الله رسوله ﷺ أن يشاور، فإنما ذلك سُن لكل ولي أمر أن يشاور، فليس لنا في الإسلام أن ولي الأمر هو كل شيء وأنه هو المرجع وهذا لا أريد أن أعود إليه.
الرئيس:
هل عندكم اعتراض على قرار نزع الملكية.
стр. 4142
قرار رقم (٤) د ٤/ ٠٨ /٨٨
بشأن
انتزاع الملكية للمصلحة العامة
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨- ٢٣ جمادى الآخر ١٤٠٨هـ، الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨م، بعد الإطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع " انتزاع الملك للمصلحة العامة"
وفي ضوء ما هو مسلم في أصول الشريعة، من احترام الملكية الفردية، حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وأن حفظ المال أحد الضروريات الخمس التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها، وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية وعمل الصحابة ﵃ فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة، تطبيقًا لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح وتنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام.
قرر ما يلي:
أولا: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها، ولا يجوز تضييق نطاقها أو الحد منها، والمالك مسلط على ملكه، وله في حدود المشروع التصرف فيه بجميع وجوهه وجميع الانتفاعات الشرعية.
ثانيًا: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلا بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية:
١-أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل يقدره أهل الخبرة بما لا يقل عن ثمن المثل.
٢-أن يكون نازعه ولي الأمر أو نائبه في ذلك المجال.
٣-أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إلى ضرورة عامة أو حاجة عامة تنزل منزلتها كالمساجد والطرق والجسور.
٤-أن لا يؤول العقار المنزوع من مالكه إلى توظيفه في الاستثمار العام أو الخاص، وألا يعجل نزع ملكيته قبل الأوان.
فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها كان نزع ملكية العقار من الظلم في الأرض والغصوب التي نهى الله تعالى عنها ورسوله ﷺ .
على أنه إذا صرف النظر عن استخدام العقار المنزوعة ملكيته في المصلحة المشار إليها تكون أولوية استرداده لمالكه الأصلي، أو لورثته بالتعويض العادل.
стр. 4143
سندات المقارضة
إعداد
الصديق محمد الأمين الضرير
أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون
جامعة الخرطوم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين
معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ردا على خطابكم الذي تطلبون مني فيه الكتابة عن الموضوع التالي:
سندات المقارضة:
أ - هل يكون إطفاء سندات المقارضة بقيمة اسمية أم سوقية؟
وهل يتم ذلك باستبعاد عدد معين من الأسهم الكاملة، أم يكون ذلك باستبعاد جزء من كل سهم؟
ب- وعلى الوجه الأخير هل يعتبر ربح كل سهم متناقصا مع تناقص القيمة، أم يظل ربحه كاملا حتى نهاية الإطفاء؟
أبعث إلى معاليكم بالآتي:
كنت اعتذرت في خطابي بتاريخ ٢٩ من ذي القعدة ١٤٠٧- ٢٥/ ٧/ ١٩٨٧ عن عدم تمكني من الكتابة في هذا الموضوع، لأني لم أجد المراجع الكافية، وقد تحصلت أخيرا على قانون سندات المقارضة لسنة ١٩٨١ (الأردني) .
والمذكرة التفصيلية الخاصة ببيان الوجوه الفقهية المؤيدة لإمكان قبول تعهد الحكومة بضمان سندات المقارضة المخصصة لإعمار أراضي الأوقاف التي أعدها الدكتور سامي حمود.
ومحاضرة الدكتور وليد خير الله عن سندات المقارضة مع حالة تطبيقية.
فأردت أن أشارك بهذه الورقات القليلة:
стр. 4144
الحديث عن أحكام إطفاء سندات المقارضة يتطلب الحديث أولا عن حقيقة سندات المقارضة، والمقصود بإطفائها، وهل هذه المعاملة مقبولة شرعا أم لا؟ ولا بد لمعرفة ذلك من استعراض بعض مواد قانون سندات المقارضة لسنة ١٩٨١ (الأردني) .
٢- تنص المادة الثانية من قانون سندات المقارضة على الآتي:
أ - تعني (سندات المقارضة) الوثائق المحددة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.
ب - يحصل مالكو السندات على نسبة محددة من أرباح المشروع، وتحدد هذه النسبة في نشرة إصدار السندات، ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد، كما لا تعطي مالكها الحق في المطالبة بفائدة سنوية محددة.
يفهم من هذه المادة - ومن التسمية – أن المعاملة التي تصدر السندات من أجلها هي عقد مضاربة مقيدة بمشروع معين، أرباب المال فيها هم مالكو السندات، والمضارب هو صاحب المشروع المعين الذي يطلب تقديم المال له، لاستغلاله والاشتراك في ربحه بنسبة تحدد في نشرة إصدار السندات.
٣- وذكر في المادة الثالثة الهيئات التي يسمح لها بإصدار سندات المقارضة، وأولها وزارة الأوقاف، ولعلها هي التي أصدر القانون من أجلها، يقول الدكتور سامي حمود في مذكرته ص١:
(إن سندات المقارضة تمثل الطريق الملائم لتجميع الموارد المالية المتناثرة لدى جمهور الراغبين في الاستثمار الحلال، حيث يمكن عن طريق تجميع هذه الموارد إقامة المشاريع الكبيرة، وبخاصة مشاريع الإعمار العقاري للأراضي الموقوفة، ذات المواقع التجارية الصالحة لاستثمار على هذا الأساس) اهـ. ص١.
ويفهم من هذا أن المبالغ المتحصلة من سندات المقارضة– أموال المضاربة– تستثمرها وزارة الأوقاف – المضارب – في تعمير أراضي الأوقاف، ويؤيد هذا الحالة التطبيقية التي ذكرها الدكتور وليد خير الله (لتمويل بناء على أرض وقفية بأسلوب سندات المقارضة) .
стр. 4145
٤- وجاء في المادة الرابعة من القانون ذكر الشروط التي تشترط في المشروع الذي تصدر سندات المقارضة لتمويله ومنها:
جـ- أن يدار المشروع ماليا كوحدة مستقلة بحيث تتضح في نهاية السنة المالية أرباحه المعدة لإطفاء السندات وتوزيع الأرباح حسب النسبة المقررة في نشرة الإصدار. اهـ.
واشتراط اتضاح ربح المشروع في نهاية السنة المالية شرط جيد وضروري: لأن الربح هو الذي يوزع بين رب المال والمضارب فلا بد من معرفته، ولعل هذا هو الذي جعل جمهور الفقهاء يحصرون العمل الذي يقوم به المضارب في التجارة بالبيع والشراء. فهل هذا الشرط متحقق في مشروع وزارة الأوقاف؟
الذي ظهر لي من مذكرة الدكتور سامي حمود، ومن الحالة التطبيقية التي أوردها الدكتور وليد خير الله أنه غير متحقق، فالدكتور سامي يقول في ص٢:
(وتعتمد فكرة سندات المقارضة المخصصة على التنظيم الحسابي لتمويل إنشاء الأبنية ذات المردود الاقتصادي المرتفع – نسبيا – حيث يتم تخصيص حصيلة السندات المباعة لتمويل إنشاء المبنى المعلن عنه في كل إصدار على حدة، وتكون الإيرادات الصافية (بعد تنزيل نفقات الصيانة والإدارة الخاصة بالمبني) معدة للتوزيع على النحو التالي:
٣٠ % مثلا للتوزيع على المكتتبين في السندات وذلك بصفة أرباح.
٧٠ % أيضا للتوزيع على المكتتبين في السندات ولكن بصفة مبالغ مسددة من أصل قيمة السند.
وليس هناك ما يمنع من أن يكون لوزارة الأوقاف نصيب من الربح نظير الإدارة. اهـ.
فالدكتور سامي يتحدث عن توزيه الإيرادات الصافية، ويسميها ربحا، فهل الإيراد السنوي للمشروع هو الربح الذي يوزع بين رب المال والمضارب في عقد المضاربة؟
وقول الدكتور سامي: (وليس هناك ما يمنع..إلخ) غير صحيح، فالمانع موجود، وهو أن الإيرادات قد خصمت منها نفقات الإدارة، فكيف تستحق وزارة الأوقاف نصيبا من الربح نظير الإدارة بعدما خصمت نفقاتها؟
وأما الحالة التطبيقية التي أوردها الدكتور وليد، فهي واضحة جدًا في أن الذي يوزع هو عائد الإيجارات للمشروع (انظر ص٢- ٤) .
وعائد الإيجار السنوي ليس هو الربح الذي يوزع بين رب المال والمضارب بالمفهوم الفقهي.
وسأفترض أن هذا خطأ في التطبيق، وأن الربح الحقيقي للمشروع يمكن معرفته وتوزيعه.
стр. 4146
وأنتقل بعد هذا إلى طريقة توزيع الربح.
المعروف في عقد المضاربة أن الربح يوزع بين رب المال والمضارب، وفي موضوعنا هذا ينبغي أن يوزع ربح المشروع بين مالكي السندات (أرباب المال) ووزارة الأوقاف (المضارب) ولكن القانون ومذكرة الدكتور سامي، والحالة التطبيقية التي أوردها الدكتور وليد جاءت بتوزيع غريب على عقد المضاربة، فجعلت نسبة من الربح لمالكي السندات، وجعلت النسبة الباقية لإطفاء السندات، وهذه النسبة تعطى أيضا لمالكي السندات، ولكن بصفة مبالغ مسددة من أصل قيمة السند، كما يقول الدكتور سامي، وهذا هو المراد من كلمة إطفاء السندات الواردة في القانون، وهذا يعني أن صافي إيراد المشروع السنوي، الذي سمي ربحا، يعطى كله إلى مالكي السندات بعضه سمي ربحا والبعض الآخر جعل سدادا للمبلغ الذي دفعه المكتتب، وأعطى السند مقابلة، وهذا الإجراء يحول المعاملة من عقد مضاربة إلى عقد آخر، التزمت فيه وزارة الأوقاف بأن ترد لمالك السند المبلغ المبين في السند كاملا على أقساط سنوية، وتدفع له مع كل قسط مبلغا زائدا على القسط يسمى ربحا، وهذا الالتزام موثق بكفيل هو الحكومة كما جاء في المادة (١٢) من القانون (تكفل الحكومة تسديد قيمة سندات المقارضة الاسمية الواجب إطفاؤها بالكامل في المواعيد المقررة) اهـ.
فماذا يسمى هذا العقد في الفقه الإسلامي؟
إنه عقد قرض اشترط فيه المقترض للمقرض زيادة على اقترضه منه، ووثق العقد بكفيل. وهذا وحده يكفي لإفساد هذا العقد، وإبعاده عن عقد المضاربة.
стр. 4147
٥- ومما يؤكد أن هذا العقد عقد قرض، وليس عقد مضاربة ما جاء في المادة (٢٠) من أن (الهيئة المصدرة تحل محل مالكي الأسناد المطفأة في الحصول على الأرباح المتحققة لهم) اهـ.
فهذه المادة تفيد بأن كل عائد المشروع تأخذه وزارة الأوقاف بعد أن تدفع لمالكي السندات المبالغ التي أخذتها منهم مع أرباحها السنوية، ويفهم من هذا أن المباني التي أقيمت على أرض الوقف بأموال مالكي السندات تصبح مملوكة لوزارة الأوقاف، ويؤيد هذا الفهم الدكتور سامي بقوله:
(وعندما يسترد مالكو سندات المقارضة أصل قيمة السندات التي اكتتبوا فيها، وذلك بنتيجة المبالغ الموزعة عليهم سنويا بصفة مبالغ مسددة من أصل رأس المال، فإن الملك بكامله (أي البناء المقام فوق الأرض الموقوفة) يصبح مملوكا بالكامل للوقف الإسلامي) ص٢.
إن وزارة الأوقاف لا تستطيع أن تتملك البناء المقام فوق الأرض الموقوفة إذا كانت الأموال التي صرفت فيه أموال مضاربة، لأنه يكون مملوكا لأرباب المال، ولا يمكن أن ينتقل إلى وزارة الأوقاف – المضارب – إلا بسبب ناقل الملكية.
أما إذا كانت الأموال التي صرفت في البناء قرضا مضمونا على وزارة الأوقاف فإن البناء يكون مملوكا لها من أول الأمر وليس بعد سداد القرض.
فالقول بأن البناء يصبح مملوكا للوقف بعد أن يسترد مالكو سندات المقارضة أصل قيمة السندات لا يستقيم سواء جعلنا المعاملة قرضا أو قراضا.
٦- ومما تجدر الإشارة إليه أن الدكتور سامي اعتبر في مذكرته هذه المعاملة عقد مضاربة، وأجهد نفسه في تبرير ضمان الحكومة لرأس مال المضاربة مع اعترافه بأن اشتراط العامل رد أصل رأس المال يفسد عقد المضاربة في رأي بعض الفقهاء، ويبطل الشرط ويصح العقد في رأي بعضهم (انظر ص٣ ولا يخلو كلام الدكتور سامي من اضطراب في هذه المسألة) .
وقد بنى الدكتور سامي رأيه في جواز ضمان الحكومة لأصل رأس المال على أن وزارة الأوقاف لا دخل لها في هذا الضمان (انظر ص٣ و٤) ، وهذا غير صحيح، فوزارة الأوقاف متعهدة برد رأس المال، والحكومة كفيلة بذلك، وقد نص على هذا التعهد من وزارة الأوقاف صراحة في وثيقة إصدار السندات، وهذا هو النص كما جاء في نموذج الوثيقة المرافقة لمحاضرة الدكتور وليد:
стр. 4148
وتتعهد وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية أن تدفع لمالك هذه السندات كامل قيمتها الاسمية مع الأرباح حسب الشروط المبينة على ظهره، وقد كفلت حكومة ... الوفاء الكامل للقيمة الاسمية للسندات في الموعد المحدد.اهـ.
وجاء في نشرة الإصدار الأول من سندات المقارضة المخصصة لمشروع وزارة الأوقاف ما يلي:
أ- تدفع القيمة الاسمية لمالك السند في موعد إطفائه فور تقديمه في مكاتب وكيل الدفع والحافظ الأمين.
ب- تكفل حكومة المملكة الأردنية الهاشمية كفالة غير مشروطة دفع القيمة الاسمية للسندات الواجب إطفاؤها في الموعد المحدد لاستحقاق السند.
ج- تصبح كفالة حكومة المملكة الأردنية الهاشمية واجبة التنفيذ، إذا تخلفت وزارة الأوقاف عن دفع القيمة الاسمية في الموعد المحدد، ولم تتمكن من الدفع، بموجب إخطار يوجهه إليها الحافظ الأمين مدته ثلاثون يوما.اهـ.
إن هذا التعهد من وزارة الأوقاف برد رأس المال، وكفالة الحكومة لوزارة الأوقاف، يكون مقبولا إذا كانت السندات سندات قرض، ولا وجه لقبوله إذا كانت السندات سندات قراض، إلا في حالة التعدي أو التقصير من وزارة الأوقاف على مال القراض.
٧- لا أراني بعد هذا في حاجة إلى الإجابة عن الأسئلة الموجهة إلي عن إطفاء سندات المقارضة: هل تكون بقيمة اسمية أم سوقية..؟ لأن القانون أجاب بوضوح عن هذا السؤال، وأن الإطفاء يكون بالقيمة الاسمية، فأفسد عقد المضاربة الذي بني عليه القانون، وحوله إلى عقد قرض غير مقبول شرعا.
٨- ربما يسأل سائل: هل يتغير الحكم لو كان إطفاء سندات المقارضة هذه بالقيمة السوقية؟
والجواب: هو أننا لو اعتبرنا المبلغ المبين في السند قرضا فلا محل للحديث عن القيمة السوقية، لأن القرض يقضي بمثله، ولا يجوز اشتراط قضائه بأكثر منه.
стр. 4149
وإذا اعتبرنا المبلغ المبين في السند مال مضاربة فإن هذا المال تحول إلى مبان، وهذه المباني كما قلنا مملوكة لصاحب السند، لأن أصلها مملوك له، ولا يمكن أن تنتقل ملكيتها إلى وزارة الأوقاف إلا بعقد من العقود الناقلة للملكية، والإطفاء ليس عقدا ولا سببا من أسباب نقل الملكية، فالحديث عن الإطفاء غير مفهوم، ولست أدري من أين أتى القانون بهذه الكلمة، التي لا أصل لها في الفقه الإسلامي، ولا في القانون الوضعي.
ثم إن الحديث عن القيمة الاسمية والقيمة السوقية تعبير في القانون التجاري يستعمل في الأسهم، ولا أعرف استعماله في السندات، لأن السند في القانون يمثل دينا دائما، بخلاف السهم فإنه يمثل حصة في موجودات الشركة، لها قيمة اسمية وقيمة سوقية، وقيمة حقيقية.
فالحديث عن إطفاء سندات المقارضة غير مقبول في جميع الحالات.
٩- ما البديل الشرعي إذن لسندات القرض بفائدة، الذي يحقق لوزارة الأوقاف غرضها في الحصول على أموال تعمر بها أراضي الوقف؟ البديل هو:
أ- سندات القرض الحسن الذي ينتظر المقرض فائدته في الآخرة.
قد يقال: إن الذين يقبلوا على هذا النوع من السندات قليل، وهذا صحيح، ولكنه لا يمنع من الدعوة إليه، والحث عليه، مع توفير الضمانات الكافية التي تطمئن المكتتبين في هذه السندات على استرداد حقوقهم في مواعيدها.
ب- المشاركة المتناقصة، أو المشاركة المنتهية بالتمليك. وهذه الصيغة من المعاملات معمول بها في البنوك الإسلامية، وهي شركة يعد فيها أحد الشريكين شريكه بأن يبيع له نصيبه كله أو بعضه في أي وقت يشاء بعقد ينشآنه عند إرادة البيع.
وفي مسألتنا هذه فإن وزارة الأوقاف تكون شريكا بقيمة الأرض، والجمهور يكون شريكا بما يقدمه من مال، وكل واحد من الشركاء يكون مالكا لجزء من المشروع بقدر ما دفعه من مال.
ويمكن أن يضمن العقد بندا يعد فيه الشريك وزارة الأوقاف بأن يبيع لها نصيبه كله أو بعضه برأس ماله (تولية أو إشراكا) متى رغب في شرائه، ويكون هذا الوعد ملزما للشريك، وتكون الوزارة بالخيار إن شاءت اشترت وإن شاءت تركت، ولا يتم البيع إلا بعقد جديد بتراضي الطرفين.
стр. 4150
وبهذه الطريقة تكون وزارة الأوقاف قد حققت غرضها في تعمير أرض الوقف، وإعادتها عامرة للوقف.
١٠- أما صيغة المضاربة فليست بديلا ملائما في مثل هذه الحالات، لأن تطبيق أحكام المضاربة في مشروع وزارة الأوقاف تعترضه بعض الصعوبات، منها أن الوزارة تخلط مال المضاربة بمال الوقف، ومال الوقف أرض، والأرض عرض لا يصلح مالا للمضاربة، إلا إذا بيع، وتحول إلى نقود، كما يقرر عامة الفقهاء.
ومن الصعوبات أيضا معرفة الربح الحقيقي بعد سلامة رأس مال المضاربة في آخر كل عام، ولا يصح أن يعتبر صافي الإيراد السنوي ربحا حقيقيا.
لهذا فإني أستبعد استعمال صيغة المضاربة في مشروع الوقف، وتبقى معنا: سندات القرض الحسن ويمكن أن تكون بهذا الاسم في مقابل سندات القرض بالفائدة.
والمشاركة المتناقصة أو المنتهية بالتمليك، وأستحسن أن تسمى صكوك المشاركة المتناقصة بدلا من سندات.
وفقنا الله جميعا وهدانا الصراط المستقيم.
الصديق محمد الأمين الضرير
стр. 4151
سندات المقارضة
إعداد
الدكتور رفيق يونس المصري
مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبد العزيز – جدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سندات
المقارضة
تعريف:
سندات المقارضة عبارة مؤلفة من مضاف ومضاف إليه، المضاف فيها لفظ (سندات) وهو مصطلح في القوانين والأعراف السائدة اليوم بمعنيين، الأول: سندات لأمر = سندات إذنية billets a ordre، وهي أحد أنواع الأوراق التجارية المعرفة في القوانين التجارة الوضعية (السفاتج والسندات والشيكات) ، وهذا المعنى غير مراد هنا. والمعنى الآخر هو سندات قرض = سندات مالية obligations، وهي أحد نوعي الأوراق المالية المعروفة في القوانين التجارية (الأسهم والسندات) ، وهو المعنى المراد هنا.
ويبدو أن لفظ (سندات) قد اختير بدل (الأسهم) لأن العملية تجمع بين القرض والشركة، والقرض دل عليه لفظ السندات، والشركة دل عليها لفظ المقارضة.
هذا عن المضاف في العبارة، وهو السندات، أما المضاف إليه وهو (المقارضة) فهو اصطلاح فقهي إسلامي يعني (القراض) وكلا اللفظين (القراض) و (المقارضة) فيه معنى الاشتراك، فصيغة (فعال) و (مفاعلة) مثل قتال ومقاتلة تفيد الاشتراك كما هو معلوم عند أهل اللغة. والمقارضة هي المضاربة وزنا ومعنى، وتعريفها الفقهي معروف لا حاجة لذكره هنا، وهي أحد ضروب الشركة المعروفة في الفقه الإسلامي، والتي لقيت من اهتمام الفقهاء، على اختلاف مذاهبهم، ما يزيد على ضروب الشركة الأخرى، حتى إن كتب الفقه أفردت لها كتابا أو فصلا خاصا.
وبهذا فإن لفظ (السندات) يشعر بالقرض، ولفظ (المضاربة) يشعر بالشركة، فالعملية إذن قرض مشارك في الأرباح كما سنزيده وضوحا فيما بعد.
стр. 4152
وقرض المشاركة في الأرباح ليس من الأساليب التمويلية الجديدة كما توهم البعض، ربما لعدم إطلاعهم على صيغ التمويل المعروفة في الغرب، وربما لأن العملية قدمها بعض العارفين على أنها جديدة وأصيلة. ولا أعني بهذا أن العملية إذا كان مصدرها غربيا فيجب المسارعة إلى رفضها، بل أعني أن نظامها معروف، كله أو جله، ولا حاجة للإطالة بذكره، كما لا يصح أن ننسبها إلينا نحن المسلمين على أنها من ابتكارنا، فأول شيء علمنا الإسلام هو الصدق.
تاريخ ومقارنة:
سندات المقارضة هذه شبيهة في الغرب والقوانين الوضعية بأسلوبين:
١- الأول سندات المشاركة obligations participantes، حيث تتأثر فائدتها، وربما أصلها (= رأس مالها) برقم أعمال المشروع أو نتائج المشروع من ربح أو خسارة. وتتأثر الفائدة فقط إذا كانت السندات مشاركة في الأرباح فقط دون الخسائر، ويتأثر الأصل إذا كانت مشاركة في الخسائر أيضا.
٢- الثاني قروض المشاركة prets participatifs التي أنشأها القانون الفرنسي المؤرخ في ١٣ تموز (يوليو) ١٩٧٨م، والخاص بتوجيه المدخرات لتمويل المشاريع. وإذا كانت هذه القروض مشاركة في الخسائر بالإضافة إلى الأرباح فإن أولويتها في السداد تأتي بعد أولوية الدائنين الممتازين والعاديين، ويكون لها أهمية عندئذ بالنسبة لدائني المشروع، من حيث إنها تشكل لهم ضمانة كضمانة الأموال الخاصة للمشروع أو حقوق المساهمين في شركة المساهمة (رأس المال + الاحتياطيات + الأرباح غير الموزعة) . وفي مقابل إشراكها في الخسائر وتحملها مخاطر هذه الخسائر لها الحق في المشاركة بحصة من الأرباح أعلى، في التقدير، من معدل الفائدة، وربما منحت فائدة ثابتة بالإضافة إلى حصة من الأرباح تقتطع من الربح القابل للتوزيع، قبل أي توزيع على المساهمين أو أي اقتطاع آخر من هذا الربح.
والأشخاص المانحون لهذه القروض هم الدولة والمصارف والمؤسسات المالية ومؤسسات الإقراض ذوات النظام القانوني الخاص وشركات وتعاونيات التأمين والشركات التجارية. ويجب أن تظهر بوضوح في ميزانية كل من المقرض والمقترض.
وتخضع هذه القروض لقانون ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٦٦م، المتعلق بالربا، حيث لا يجوز أن يتجاوز عائدها الثابت والمتغير المعدل الذي يحكم عليه بأنه ربا حرام في نظر القانون.
стр. 4153
وربما أطلق على هذه القروض اسم آخر، هو القروض التابعة prets subordonnes ولعل سبب هذه التسمية هو أن أصلها وفائدتها يتبعان نتائج المشروع من ربح أو خسارة. وقد لجأت البلدان الإنغلوسكسونية وهولندا، إلى هذا النوع من القروض، قبل فرنسا، للجمع بين وضعين:
١- وضع رأس المال الذي يخاطر به المساهمون في مقابل ربح متغير.
٢- ووضع رأس المال الذي يقدمه المقرضون، ويكون مضمونا بموجودات (= أصول) المشروع، ومأجورا في صورة فائدة ثابتة.
ومن الناحية الحقوقية، لا ينظر إلى هذا المقرض على أنه مساهم، إذ لا يتمتع بحق التصويت في الشركة، ويستمر في الاستفادة من أولوية يتمتع بها على موجودات المشروع. كما لا ينظر إليه على أنه مقرض أو دائن عادي، إذ ليست له المرتبة الأولى في الاستيفاء عند تصفية المشروع المدين. بل هو في مركز وسط بين ما يتمتع به المقرض من الضمان لقرضه وما يتعرض له المساهم من المخاطرة برأس ماله.
وهذه القروض تعزز القدرة المالية للمشروع حيال دائنيه العاديين، لأنها شبيهة بأموال المشروع الخاصة من بعض الجوانب، ولعل هذه غاية من غايات استخدامها في الغرب، فالمعلوم أن المنشأة لا تستطيع أن تعقد من القروض إلا في حدود معينة تتأثر بالنسبة بين الأموال الخاصة (رأس المال + الاحتياطيات + الأرباح غير الموزعة) والديون في جانب المطاليب (= الخصوم) من ميزانية المنشأة طالبة القرض (١) . وقد تم اللجوء إلى تلك القروض لدعم قدرة المشروعات المتوسطة والصغيرة على الاقتراض.
стр. 4154
وفي كتاب (القانون التجاري السعودي) يقول مؤلفه الدكتور محمد حسن الجبر (١) : (قد يشترط المقرض على المقترض الذي يريد استثمار مبلغ القرض في مشروع اقتصادي أن يحصل على نسبة معينة من الأرباح بدلا من فائدة ثابتة. وقد يصعب في هذه الحالة التمييز بين الشركة، كتقديم الحصة والمشاركة في الأرباح، ومع ذلك فالثابت أن العقد لا يعتبر شركة في هذه الحالة، نظرا لأن المقرض لا يشارك في المشروع مشاركة إيجابية، فهو يظل بمعزل عن كيفية استثمار المشروع فضلا عن أنه لا يساهم في الخسائر، وهو ما يعني أن العقد لا يعتبر شركة في هذه الحالة، لتخلف نية المشاركة لدى المقرض الذي غالبا ما يلجأ إلى هذا النوع من العقود للتهرب من تحريم الفوائد الربوية) اهـ.
ومن الواضح أن الكلام ههنا يختص بقروض تشارك في الأرباح دون الخسائر، كسندات المقارضة الأردنية.
سندات المقارضة الأردنية:
لسندات المقارضة في الأردن تطبيقان:
١- تطبيق على مستوى المصرف الإسلامي الأردني (٢) ، لجذب المدخرات واستثمارها في مشاريع مخصصة أو مشتركة.
стр. 4155
٢- وتطبيق آخر على مستوى البلدان والمؤسسات العامة ذوات الاستقلال المالي ووزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية (١) ، لاستغلال أراضي الأوقاف وإعمارها، صدر بقانون أطلق عليه (قانون سندات المقارضة) وسندات المقارضة في هذا القانون أسهم مشاركة مضمونة القيمة، أو سندات قرض مشاركة في الربح. فالأصل إذا كان مضمونا فهو قرض. وسندات المقارضة الأردنية من هذه الناحية قروض تضمن قيمتها الاسمية وزارة الأوقاف، بكفالة الدولة باعتبارها طرفا ثالثا وذلك على أساس الوعد الملزم حسب الفتوى الأردنية المتعلقة بالموضوع. وحقيقة القرض أنه مضمون، يضمن قيمته الاسمية المقترض، وهو الوزارة المذكورة، والدولة تضمن ما ضمنه المقترض.
خصائص سندات المقارضة الأردنية:
١- أنها قروض سندية (= سندات قرض) ، وليست شركة أو أسهما في شركة، من حيث اختيار تسميتها سندات لا أسهما، ومن حيث أن المادة الثانية من القانون نصت على أن (صاحب المشروع) هو الأوقاف وليس رب المال، فلو كانت هذه السندات عبارة عن (مقارضة) خالصة، لكان صاحب المشروع هو الأوقاف في حدود قيمة أرض الوقف، وأرباب المال في حدود اكتتاباتهم.
وهي أيضا قروض من حيث إنها مضمونة الأصل من قبل الوزارة، بكفالة الدولة (المادة ١٢) .
وهي قروض من حيث إنها تسدد بقيمتها الاسمية (المادة ٧- ب، والمادة ١١ و١٢) ، فلو كانت مشاركات لوجب تسديدها بقيمتها وقت السداد لأن الشركاء يملكون صافي موجودات المشروع، أي لهم حق عيني على الموجودات (٢) وما يطرأ عليها من أرباح أو خسائر رأسمالية. والظاهر أن أصحاب سندات المقارضة ليس لهم إلا حق نقدي اسمي في ذمة الطرف الآخر، وهذا مركز الدائن لا مركز الشريك.
٢- أنها قابلة للتداول في السوق المالية (المادة ١٨ و٢٠ – ب) .
٣- أنها مشاركة في الربح الصافي للمشروع، وليس في إيرادات المشروع (المادة ٢ – ب والمادة ١١) . ففيها إذن معنى الشركة بالإضافة إلى معنى القرض.
стр. 4156
هذا ونشير إلى أن المقارضة فيها ليست مقارضة مجردة، بل هي مؤلفة من مقارضة ومشاركة، لأن الطرف الآخر (الأوقاف) يشترك مع أصحاب السندات في المال المتمثل في الأرض التي يجب تقويمها نقدا لمعرفة الحصة المالية لكل طرف، وهي كذلك مضاربة لأن هناك أرباب مال لا يعلمون. ولا يستطيع أن ينكر أحد أن المضاربة نوع شركة، لأنها شركة بين طرفين، أحدهما يقدم المال والآخر يقدم العمل، وهي شركة في الربح والصافي. وشركة الأموال فقها شركة بين طرفين كل منهما يقدم المال والعمل، فهي أعمق من المضاربة لأنها شركة في المال والعمل والربح والخسارة، في حين أن المضاربة شركة في الربح فقط، حيث العامل لا يشارك في المال ولا في الخسارة المالية.
نقد:
١- بما أن سندات المقارضة فيها معنى القروض، كما بينا في (الخصائص) فإن الربح المتوقع حتى ولو لم يكن ثابتا محددا مسبقا، فإنه يعتبر فائدة ربوية محرمة، لأن تعهد المقرض بدفع أي فائدة، سواء كانت معلومة مسبقا أو غير معلومة، يعد ربا محرما، وأن عقد القرض عقد إرفاق لا يقصد من ورائه فائدة ولا ربح دنيوي. والقرض في حالة سندات المقارضة قرض بفائدة، تمثل الفائدة فيه (نسبة معينة من الربح، وتكون الفائدة هنا أمرا احتماليا، قد يتحقق إذا تحقق ربح، وقد لا يتحقق إذا انعدم الربح) (١) .
ثم إذا قبلنا كفالة الدولة لرأس مال المكتتبين، فما الذي يمنع كذلك فيما بعد من كفالتها لمستوى معين من الربح؟ وعندئذ ماذا يبقى من فرق بين سندات المقارضة وسندات القروض الربوية؟
٢- ثم إن تداول السندات قد يؤدي إلى بيعها بأكثر من قيمتها الاسمية، فهذا ربا آخر.
٣- لا اعتراض على الخصيصة الثالثة، لأن القراض من شأنه الشركة في الربح الصافي، كما هو نص القانون. لكن لو تمت الشركة في أجور كراء المكاتب والمخازن التي ستقام على أرض الوقف، فإن هذه الشركة لا تجوز (٢) .
стр. 4157
الجمع بين القرض والقراض:
إن سندات المقارضة عملية ملفقة من القرض والقراض معا فهي قرض من حيث ضمان رأس المال، وقراض من حيث الشركة في الربح والصافي. ويخطئ من يظن أن الفرق بين الربا والقراض هو مجرد استبدال الشركة في الربح بالفائدة الثابتة، فإن الفرق أكبر من هذا بكثير، كما سنبين في الفقرة التالية مباشرة.
هل يأتلف القرض والقراض معا في عقد واحد؟
١- الأصل في القرض أنه عقد مقصده إحسان المقرض إلى المقترض، فهو كما سبق أن بينا، من عقود الإرفاق. والأصل في شركة المقارضة أنها عقد مقصده تحقيق منفعة لكل شريك (تبادل المنافع بين الشركاء) . واجتماع القرض مع المقارضة فيه شبهة الربا، لأن القرض قد يتوصل فيه إلى الربا عن طريق القراض، ذلك أن القرض وحده لا يسمح في الإسلام بأي فائدة، أما القراض (أو المقارضة) فيسمح بحصة من الربح.
٢- الأصل في القرض أنه من عقود التبرعات. أما الشركة فقد أدخلها بعض الفقهاء في عقود المعاوضات، واعتبرها ابن تيمية وابن القيم وبعض الفقهاء الآخرين من عقود المشاركات، أي أصلا ثالثا مستقلا بنفسه. وهي على كل حال عقود دائرة بين النفع والضرر، فقد يتحقق ربح أو تقع خسارة.
٣- المقرض ينقل ملكية القرض إلى المقترض، الذي يصبح ضامنا بمجرد القبض.
فالقرض من عقود التمليك. أما شريك المال (رب المال في شركة القراض) فيبقى مالكا لرأس المال وحده (أو على الشيوع بمقدار حصته في رأس المال، إذا تعدد أرباب المال) وضامنا له، والعامل لا يملك من مال القراض إلا بمقدار ما يتراكم له من حصة من الربح لم يسحبها.
ففي القرض المقترض (آخذ المال) ضامن، وفي القراض المضارب (آخذ المال) أمين، ورب المال ضامن.
стр. 4158
٤- المقترض يتصرف برأس المال تصرف الأصيل (الضامن) ، لأنه مالك لرأس مال القرض. أما المضارب فيتصرف برأس المال تصرف الوكيل (الأمين) .
٥- المقترض ضامن لرأس المال، يرده بمثله لا بعينه، سواء وقع منه تعد أو تقصير أو لم يقع. أما المضارب فهو أمين على رأس المال، لا يضمن إلا في حالات التعدي والتقصير (أي حالات مخالفة شروط العقد) .
٦- المقترض إذا دفع رأس المال إلى آخر جائز لأنه ضامن. أما المضارب إذا دفع المال إلى آخر (المضارب يضارب) فهو غير جائز، ويصبح ضامنا، ما لم يأذن له رب المال.
٧- يستطيع المقرض أن يطلب رهنا أو كفالة أو ضمانا من المقترض، للاستيثاق من استرداد القرض. أما رب المال في القراض فليس له في الأصل ذلك، وإن كان يجوز له استثناء لضمان حالات التعدي والتقصير فقط. فالضمان يطلب ممن هو ضامن، ولا يطلب ممن هو أمين. هذا هو الأصل.
٨- المقرض يملك مالا موصوفا مثليا مضمونا في ذمة المقترض. أما رب المال فيملك مالا معينا قيميا، لا في ذمة المضارب، فهو مالك للمال النقدي المقدم منه للمضاربة. ثم إذا ما اشترى العامل بهذا المال النقدي سلعا وعروضا يبقى رب المال هو المالك لهذه الأصناف المالية الجديدة، وتتحول ملكيته من النقود إلى العروض.
٩- المقرض يملك مقدارا معلوما في النهاية (عند السداد) . أما رب المال فلا يملك مبلغا معلوما، لأن ماله قد يزيد بالربح، وينقص بالخسارة.
стр. 4159
١٠- المقرض يتعرض إلى خطر الإعسار، ورب المال يتعرض إلى خطر أساسي مختلف هو خطر الخسار.
١١- القرض عند جمهور الفقهاء حال، أي يستحق عند الطلب، ورأي بعضهم أنه مؤجل، أي يستحق في الأجل المضروب. أما رأس مال القراض فليس حالا ولا مؤجلا، فإذا تصرف به المضارب فلا يعود لرب المال إلا إذا نض المال (أي عاد نقودا بعد أن صار عروضا وديونا) . وقد أجاز بعضهم تأجيل (تأقيت) القراض، غير أن هذا لا يعني أكثر من توقف المضارب عن الشراء عند الأجل، والانصراف إلى تصفية الشركة، مع ما يحتاج ذلك من انتظار مبيع العروض إلى الزبائن بالأسعار المعقولة.
١٢- إذا كان القرض حالا فإن المقترض يعتبر مماطلا إذا قدر على الوفاء في أي لحظة ولم يفعل. أما في القراض فإن المضارب يمكنه التأخر في رد المال حتى ينض، ولا يعتبر هذا ظلما ولا مطلا.
١٣- المقرض لا يحق له على العموم التدخل في أعمال المقترض، حتى تلك التي تتصل بالقرض، ذلك أنه لا يستفيد من أي ربح إذا ربح العمل بالقرض، ولا يتحمل أي خسارة إذا عمل المقترض بالمال فخسر. وتتأكد رغبته في عدم التدخل بالعمل والإدارة إذا كان أيد قرضه بضمان أو رهن أو كفالة.
أما رب المال فله حق التدخل في الإدارة الداخلية (حق التصويت) ، في العلاقة بينه وبين شريكه المضارب. ولا يتدخل في الإدارة الخارجية، في علاقة الشركة بالغير. والخلاصة أن المقرض دائن لا يتدخل، ورب المال شريك يتدخل.
وبهذا فإن المساهم في شركة المساهمة عضو في الجمعية العمومية (= الهيئة العامة) وقد يكن عضوا في مجلس الإدارة. أما المقرض فليس له حق تمثيل في الإدارة.
١٤- أموال القرض بزيادتها تنقص قدرة المشروع على الاقتراض. أما حصص رأس المال فإنها تعزز القدرة المالية والمركز المالي للمشروع حيال دائنيه، فهي أموال خاصة بالمنشأة، وتشكل الضمان العام لدائنيها، بخلاف القروض فإنها أموال الغير، ومعلوم أن المشروع لا يستطيع الاقتراض إلا ضمن حدود معينة تتأثر بنسبة القروض إلى الأموال الخاصة.
١٥- القروض قابلة للاستهلاك، بخلاف حصص رأس المال. فاستهلاك القروض يعني تخلص الشركة أو المشروع من الديون المترتبة عليه، أما استهلاك الحصص فإنها تعني انخفاض رأس مال الشركة أو المشروع.
стр. 4160
١٦- حق المقرض مقدم على حق الشريك، عند تصفية المشروع أو الشركة.
١٧- كل زيادة مشروطة في عقد القرض تعتبر ربا محرما. أما الربح المشروط في عقد القراض فهو جائز، بل واجب، لكن لا يصح إلا إذا كان جزءا شائعا لا معينا، لأن تحديد مبلغ معين من الربح يمكن أن يؤدي إلى قطع الشركة، كما أنه يخل بمبدأ العدالة بين الشريكين.
على أن الفائدة الثابتة تعد أكثر انسجاما مع القرض من الشركة في الربح، لأن القرض مقدار معلوم في الذمة، وكذلك الفائدة، هي مقدار معلوم في الذمة. أما الحصة في الربح فهي مقدار غير معلوم.
١٨- الشريك شريك في الخسائر والأرباح الصافية الإيرادية والرأسمالية بلغة علم المحاسبة. والمقرض في الشرع لا يشترك في الخسائر ولا في الأرباح، لا الإيرادية ولا الرأسمالية.
النتيجة:
لدى المتأمل في هذه الفروق، وبعضها فروع لأصل واحد، بين القرض والقراض، يبدو لي أن الجمع بينهما كالجمع بين السلف والبيع المنهي عنه في السنة النبوية، ذلك أن العملية تتلخص في النتيجة بأنها قرض بمنفعة مشروطة الأساس، وإن كانت احتمالية المقدار (غير محددة) ، فهناك شرط الاتفاق على الربح، فإن الشركة وإن بدت أنها من عقود غير عقود المعاوضات، إلا أن تصنيفها في عقود المشاركات لا يبعد عنها شوب المعاوضة، باعتبارها عقودا دائرة بين النفع والضرر، فإذا ما أعفي الشريك من الخسارة صارت الشركة دائرة بين النفع وعدمه، ولا يمكن اعتبار الربح من باب حسن القضاء، لأنه مشروط في العقد، ويتحدد حسب النتائج (الربح والخسارة) ، أي بضابط موضوعي، لا حسب رغبة المقترض وإرادته (ضابط شخصي) . وبهذا فإن سندات المقارضة الأردنية إنما هي سندات قروض ومشاركة في الأرباح.
стр. 4161
وقد بدا لي بعد كتابة ما سبق أن الفقهاء بحثوا مسألة قريبة من مسألتنا، وهي القراض أو المضاربة بالدين الذي لرب المال على العامل (ضارب بما لي عليك من دين) ولم يجيزوها، ما لم يقبض رب المال الدين المستحق، فتتحول يد المضارب من يد ضمانة إلى يد أمانة، وتمتنع التهمة، لأن المدين قد يكون معسرا، أو راغبا في الاحتفاظ بمبلغ الدين، أي تأخير وفائه على أن يزيده فيه. هذا مع أن المسألة التي بحثها الفقهاء يتحول فيها الدين إلى شركة تحولا كاملا. أما مسألتنا فإن الدين يبقى فيها دينا، ويتحول إلى شركة جزئيا، بحيث يبقى دينا وشركة في آن معا. مما يجعل مسألتنا تجاريها وتباريها في الحرمة، بل عدم جوازها أولى والله أعلم. فإما قرض وإما شركة، أما قرض شركة فلا. هذا ولم تعترف بعض القوانين الوضعية بهذا القرض المشارك، بل اعتبرته شركة باطلة، هي شركة الأسد soviete leonine (١) .، لأنها شركة في الغنم دون الغرم، أي في الربح دون الخسارة. وذهبت تلك القوانين إلى أن الربح إذا تحقق (وزاد نصيب المقرض فيه على الفائدة المسموح بها قانونا، أنزل النصيب إلى الحد القانوني) (٢) . وحتى لو شارك القرض في الخسارة بالإضافة إلى أن الربح لم يجز، لما في اجتماع القرض والقراض من تعارض وتنافر كما بينا.
ثم إن النظم الاجتماعية ذوات النزعة الإنسانية تميل دائما إلى توسيع قاعدة الملكية، ملكية وسائل الإنتاج التي تتصاعد أهميتها في العالم المعاصر، وملكية العقارات والثروات الأخرى. ومن شأن سندات المقارضة أنها تميل إلى حصر الملكية في أيدي حفنة قليلة من الأثرياء، سواء أصدرتها الدولة أو القطاع الخاص، وذلك بالقوانين وما يستتبعها من نظم ولوائح تنفيذية.
ولعل الحل البديل المقبول يكون في إنشاء أسهم مقارضة يتم تداولها في السوق المالية، واستردادها بالتدريج عن طريق تخفيض قيمة السهم في حدود القانون، وربما تم ذلك باعفاء المساهم من قسط لم يطلب بعد، أو عن طريق تخفيض عدد الأسهم بإلغاء بعضها، على أساس نسبة لكل مساهم، أو بإلغائها بعد شرائها من السوق. ويوزع على كل سهم ما يخصه من ربح، ولا شك أن الحصة الكلية لمجموع هذه الأسهم من الأرباح تنخفض بانخفاض قيمتها. ومن أفضل الطرق لمحاولة ضمان قيمتها ضمانا نسبيا غير مؤكد، ولضمان توزيع ربح عليها في كل دورة، هو إنشاء صندوق احتياطي لهذا الغرض، يغذي بتبرعات أصحاب الاستحقاق من مساهمين وغيرهم، في نهاية كل دورة مالية، وعند التصفية يصرف رصيد هذا الصندوق للجهات الخيرية.
د. رفيق يونس المصري
стр. 4162
سندات المقارضة
وسندات الاستثمار
إعداد
الدكتور حسن عبد الله الأمين
رئيس وحدة الشريعة الإسلامية
بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب
بالبنك الإسلامي للتنمية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سندات المقارضة وسندات الاستثمار
هذا الموضوع خطط لدراسته، أن يوزع على أربع نقاط أساسية يتولى بحث ودراسة كل نقطة منها بعض الفقهاء والخبراء حتى تأتي الدراسة الكلية مستوفية لجميع نواحي الموضوع تفصيليا توخيا للوصول إلى أفضل النتائج، وكانت العناصر التي وزع الموضوع على أساسها كالآتي:
١- تصوير سندات المقارضة كما يمثلها الطرح الأردني لها – دراسة وتشريعا.
٢- تحديد طبيعة سندات المقارضة من الوجهة الشرعية في ضوء الطرح الأردني.
٣- إطفاء سندات المقارضة – كيفياتها التي وردت في الدراسة والقانون الأردني، وتكييفها الشرعي.
٤- ضمان رأس مال وأرباح سندات المقارضة.
كما ذكرت فقد أسندت دراسة كل عنصر أو نقطة من النقاط المذكورة إلى بعض المختصين من السادة العلماء والخبراء كما هي معروضة الآن بين يدي هذه الندوة، ولقد كانت لي متابعات سابقة في هذا الموضوع حينما عرض لأول مرة في ندوة عامة، هي الحلقة الدراسية لتثمير ممتلكات الأوقاف التي كانت باكورة نشاط قسم التدريب بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب هنا، وكان عرض هذا الموضوع حينذاك في شكل دراسة مصحوبة بحالة تطبيقية لسندات المقارضة في الأردن، قدمها الأستاذ وليد خير الله – المدير التنفيذي بالبنك المركزي الأردني – وقد كتبت تعليقا في ذلك الوقت على ما كتبه الأستاذ وليد خير الله. ثم تابعت هذا الموضوع حينما عرض مرة أخرى في الدورة الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة بعمان بدولة الأردن حينما قدم وشرحه بإفاضة الدكتور عبد السلام العبادي وكيل وزارة الأوقاف.
وها أنا أعود لمتابعة الموضوع للمرة الثالثة، والمشاركة فيه، ولكني لا أتقيد بمنهج التخصص بنقطة معينة الذي تسير عليه دراسة الموضوع في هذه الحلقة الدراسية مسايرة لحكم الألفة والاعتياد كما جرى في المرات السابقة ولعل في ذلك زيادة نفع بإذن الله تعالى.
стр. 4163
نشأة فكرة (سندات المقارضة) وتطورها
١- نصت المادة (١٩) من عقد التأسيس والنظام الداخلي للبنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار سنة ١٩٧٨م شركة مساهمة عامة محدودة نصت هذه المادة بالآتي (تصدر الشركة – بحسب الأحكام الواردة في القانون الذي تأسست بموجبه – سندات المقارضة المشتركة أو المخصصة، وذلك بالشروط والكيفية المعينة في القانون المشار إليه، وحسب ما يقرره في ذلك مجلس الإدارة) . وكانت هذه أول نشأة فكرة سندات المقارضة.
٢- وجاء تعريفها في قانون البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار رقم ١٣ سنة ١٩٧٨م، المادة الثانية منه كالآتي (سندات المقارضة الوثائق الموحدة القيمة والصادرة عن البنك بأسماء من يكتتبون فيها مقابل دفع القيمة المحررة على أساس المشاركة في نتائج الأرباح المحققة سنويا حسب الشروط الخاصة بكل إصدار على حدة.
ويجوز أن تكون هذه السندات صادرة لأغراض المقارضة المخصصة وفقا للأحكام المقررة لها في هذا القانون.
٣- وقد أعيد نص هذه المادة برقمها كما هو في قانون البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار رقم ٦٢ لسنة ١٩٨٥م.
تطور جديد للفكرة في مرحلة التشريع
٤- وحينما صدر قانون سندات المقارضة – المؤقت – لسنة ١٩٨١م جاء تعريفها به – أي سندات المقارضة – مختلفا بعض الشيء من حيث الصيغة والمحتوى عما جاء عنها بقانون البنك الإسلامي الأردني السابق واللاحق، فقد نصت المادة (٢) – أ – من هذا القانون بالآتي: تعني (سندات المقارضة) الوثائق المحددة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.
стр. 4164
هذه هي (سندات المقارضة والاستثمار) كما صوروها – أو عرفها قانون البنك الأردني سابقا ثم قانون سندات المقارضة لاحقا، وهما الوثيقتان اللتان يلتمس منهما ومن مذكاتهما الإيضاحية فهم هذا الموضوع وإبداء الرأي حوله، مع الدراسات التي سبق وأن جرت حوله.
ونلاحظ من هذا أن فكرة (سندات المقارضة للاستثمار) قد جاءت مصاحبة لنشأة البنك الإسلامي الأردني حيث جاءت الإشارة إليها في المادة ١٩ من عقد التأسيس والنظام الداخلي له، ثم عرفت بوضوح في قانونية رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨م ورقم ٦٢ لسنة ١٩٨٥، وذكر في تعريفها أن الجهة المصدرة لها هي البنك الإسلامي الأردني، ولغرضين:
١- أحدهما: على أساس المشاركة في نتائج الأرباح المتحققة سنويًا – حسب الشروط الخاصة بكل إصدار.
٢- الثاني: أن تكون هذه السندات صادرة لأغراض المقارضة المخصصة – وفقا للأحكام المقررة لها في القانون.
ولكن حينما نأتي إلى قانون (سندات المقارضة) المؤقت لسنة ١٩٨١م نجد اختلافًا واضحًا في التعريف يشمل الأغراض وجهات الإصدار، فقد اقتصر هذا القانون على غرض واحد هو المقارضة المخصصة في تعبير قانون البنك الإسلامي الأردني حيث قال: (سندات المقارضة) الوثائق المحددة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه، بقصد تنفيذ المشروع.. إلخ. وسكت عن الغرض الأول الذي ذكره قانون البنك الإسلامي الأردني والخاص، بالاستخدام العام والمطلق للأموال التي تمثل سندات المقارضة. وحدد هذا القانون الجهات التي يحق لها إصدار سندات المقارضة المخصصة بالمشروعات – في جهات ثلاثة، هي كما جاء بالمادة الثالثة منه:
أ - وزارة الأوقاف والشؤون والمقاصد الإسلامية.
ب - المؤسسات العامة ذات الاستقلال المالي.
ج- البلديات.
وبذلك صار الغرض الأول لسندات المقارضة الذي ذكره قانون البنك الإسلامي الأردني قاصرًا على هذا البنك، وليس داخلًا في أغراض قانون سندات المقارضة وعلى ذلك أصبح دور البنك الأردني الإسلامي بالنسبة لهذا الموضوع كدور سائر البنوك الإسلامية في الوقت الحاضر، التي تتلقى الأموال من أصحابها لاستخدامها في نشاطها العام وغير المخصص واقتسام عائد الربح معهم. ولا فرق حينئذ أن يكون ذلك مرتبا بطريق سندات مقارضة محددة القيمة أو غير محددة أو بطريق استلام عادي لتلك الأموال واستخدامها في الأغراض المذكورة مما يدخل في باب المضاربة الشرعية المطلقة، والتي استقر العمل بها في جميع البنوك الإسلامية دون إثارة غبار حولها.
стр. 4165
(سندات المقارضة للاستثمار) كما طرحها القانون الأردني
ننتقل الآن للكلام عن سندات المقارضة للاستثمار التي طرحها القانون الأردني المؤقت رقم ١٠ لسنة ١٩٨١م وذلك من النواحي الثلاث الآتية:
١- تحديد طبيعة هذه السندات وبيان حقيقيتها.
ب - ضمان القيمة الاسمية لهذه السندات في نهاية مدة استحقاقها عن الحكومة الأردنية.
٣- مسألة إطفاء السندات، كيفيتها وتخريجها الشرعي.
وفيهما يتعلق بالبند الأول – تحديد طبيعة سندات المقارضة ننقل النصوص القانونية التي توضح ذلك والتفسيرات الشارحة له، ممن تولوا شرح هذا القانون وتفسيره من المسؤولين الأردنيين، ونوضح رأينا على ضوء ذلك، وكما ذكرت سابقا فقد كانت أول محاولة في طرح هذا الموضوع محاضرة عن التعريف بقانون سندات المقارضة الأردني، وشرحه وبيان تطبيقاته، مرفق بها دراسة تطبيقية عملية، قدمها الأستاذ وليد خير الله، أحد كبار المسؤولين بالبنك المركزي الأردني في ندوة (إدارة وتثمير ممتلكات الأوقاف) التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية في الفترة من ٢٠/٣ – ٢/٤/١٤٠٤هـ الموافق ٢٤/١٢/١٩٨٣م – ٤/١/١٩٨٤م على أساس أن ينظر فيها على أنها أسلوب من أساليب تنمية واستثمار ممتلكات الأوقاف. ولم نطلع حينذاك على قانون سندات المقارضة الأردني، ولكن من عرض الأستاذ وليد خير الله لبعض نصوص هذا القانون في محاضرته المكتوبة والحالة التطبيقية المرفقة معها والنقاش والمداولات التي جرت حولها خرجت بحصيلة كتبتها كتعليق على تلك المحاضرة – مؤداها أن سندات المقارضة للاستثمار في القانون الأردني – كما عرضها وشرحها الأستاذ خير الله في محاضرته، ليست من نوع المضاربة أو القراض المعروف في الفقه الإسلامي، وإنما هي في حقيقتها قروض مؤجلة بفوائد مشروطة وأنها معاملة ربوية، من أجل ذلك لم تأخذ بها الحلقة الدراسية في توصياتها التي اقترحتها لأنواع أساليب تثمير ممتلكات الأوقاف.
стр. 4166
والآن أعود للنظر في الموضوع مرة أخرى من خلال نصوص قانون سندات المقارضة مباشرة بعد الحصول على نسخة منه وفي ضوء عرض جديد له قدمه الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي وكيل وزارة الأوقاف الأردنية، فهل في الأمر من جديد؟
لنرى فيما يلي:
تنص المادة (٢) من قانون سندات المقارضة على الآتي:
أ - تعني (سندات المقارضة) الوثائق المحددة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها، مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.
ب - يحصل مالكو السندات على نسبة محددة من أرباح المشروع، وتحدد هذه النسبة في نشرة إصدار السندات، ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد، كما لا تعطي صاحبها المطالبة بفائدة سنوية محددة.
ولتحديد ماهية سندات المقارضة وبيان حقيقتها لا بد أن نقرن نص المادة (٢) أعلاه بالفقرة (ب) من المادة (٧) التي تقول (يعين في نشرة الإصدار، بنك مرخص أو مؤسسة مالية، وكيلا للدفع يتولى شؤون دفع القيمة الاسمية للسندات وأرباحها بالقيم المستحقة وفي المواعيد المقررة) .
فالفقرة – أ – من المادة الثانية توضح أن الوثائق المحددة القيمة التي تمثل سندات المقارضة، هي عبارة عن صكوك – أو إيصالات، بمبالغ قدمت لصاحب مشروع بعينه لتنفيذه واستغلاله وتحقيق الربح.
стр. 4167
ونصت الفقرة (ب) من المادة المذكورة على استحقاق أصحاب تلك الأموال (نسبة من أرباح ذلك المشروع المعين، تحدد في نشرة إصدار السندات ولم توضح المادة المذكورة في فقرتها أساس استحقاق هذه الأموال الشيء من الأرباح، هل ذلك على أساس أن هذه الأموال تمثل رأسمال مشاركة في المشروع فتستحق نصيبا في الربح بهذه الصيغة؟ أم أنها أموال مضاربة، وكيف؟ فتستحق جزءا من الربح على هذا الوجه؟ أم أنها تمويل للمشروع عن طريق القرض لهذه الأموال؟. ولو أن القانون الأردني اقتصر على هذه المادة وحدها في التعريف وبيان حقيقة ماهية سندات المقارضة لكان لنا أن نبحث في كيفية ومدى انطباق مواصفات وشروط عقد القراض – المضاربة الشرعية، أو الشركة في الفقه الإسلامي عموما على سندات المقارضة التي طرحها هذا القانون، لنرى إلى أي حد يمكن أن تلتقي وتتفق هذه السندات مع أي من العقدين.
ولكن القانون في الفقرة (ب) من المادة السابعة حسم هذا الأمر بالنص على دفع القيمة الاسمية للسندات، في المواعيد المقررة، إضافة إلى أرباحها بالقيم المستحقة في تلك المواعيد المقررة.
فدفع القيمة الاسمية للسندات وفي مواعيدها المقررة يجعل منها قروضا محددة الأجل، ويجعل مما سمي بأرباحها بالقيم المستحقة، فوائد على قروض مؤجلة مشروطة عند التعاقد، وإن لم تحدد بمقادير معينة.
وينفي عنها أن تكون أموال قراض – مضاربة شرعية – أو شركة أخرى، الأمر الذي كان يتحتم معه أن تكون ممثلة لأسهم في أصل المشروع، لا قروضا تمويلية لتنفيذه.
وبناء على ما تقدم فإن النتيجة التي نصل إليها من هذا العرض والمناقشة لسندات المقارضة من خلال قانون سندات المقارضة الأردني، أن هذه السندات هي في حقيقتها نوع من التمويل عن طريق القرض المؤجل بفائدة مشروطة وإن لم تكن محددة، وتسميتها ربحا لا يغير من حقيقتها، فهي قروض بفوائد ربوية في صورتها الحالية.
стр. 4168
ضمان سندات المقارضة
أنتقل بعد ذلك لمسألة ضمان هذه السندات، فقد نصت المادة (١٢) من قانون (سندات المقارضة) الأردني بالآتي: (تكفل الحكومة تسديد قيمة سندات المقارضة الاسمية الواجب إطفاؤها بالكامل في المواعيد المقررة، وتصبح المبالغ المدفوعة لهذا السبب قرضا ممنوحا للمشروع بدون فائدة مستحق الوفاء فور الإطفاء الكامل للسندات) .
إن هذا النصيب يساير الاتجاه القائل بأن سندات المقارضة – كما يفهم من تسميتها أنها عبارة عن أموال مضاربة شرعية، وتفاديا لحرج تضمن المضارب – عامل المضاربة – المتفق على منعه بين الفقهاء، فقد جاء النص المذكور لعلاج هذه المسألة، على أساس أن هذا الضمان لأموال المضاربة جاء من جهة خارجية وليست من أحد طرفي عقد المضاربة، ومن هنا كانت صحته وجوازه شرعا.
وعلى افتراض أن (سندات المقارضة) تمثل أموال مضاربة شرعية فإن نص المادة (١٢) المذكور، لا يحقق الغرض المطلوب لضمان سندات المقارضة وأرباحها، ذلك أنها لم تقدم سوى قرض مؤجل ومستحق الوفاء فور الإطفاء الكامل للسندات تسترده من صاحب المشروع المقارض- عامل القراض. فالضمان الحقيقي يقع على كاهل عامل المضارب – الذي هو صاحب المشروع، والمضارب لا ضمان عليه، لأنه أمين فيما هو بيده من مال المضاربة عند جميع الفقهاء إلا إذا ظهر منه تعد أو تقصير فيما ائتمن عليه من مال المضاربة، ولذلك فإن الضمان الحكومي لسندات المقارضة المنصوص عليه في المادة (١٢) فقرة (ب) لا يمثل ضمان طرف ثالث لمال المضاربة ولا يرفع عبء الضمان الحقيقي عن كاهل عامل المضاربة أو يزيل الحرج الشرعي عن ضمانه لمال المضاربة في سندات المقارضة، على افتراض أنها أموال مضاربة شرعية.
стр. 4169
إطفاء السندات
والآن نصل إلى النقطة الثالثة والخاصة بإطفاء سندات المقارضة كما وردت في قانون سندات المقارضة الأردني.
وبحث هذه النقطة أيضا هو مسايرة للاتجاه القائل بأن سندات المقارضة – كما يدل على ذلك اسمها – هي أموال قراض – مضاربة شرعية – وفي ضوء هذا الاقتراض نبحث هذه النقطة، فما هو إذن إطفاء السندات؟ يقول الأستاذ وليد خير الله في رده على ملحوظاتنا على محاضرته – المشار إليها في أول هذا البحث (صورته مرفقة) يقول: (إن المراد بالإطفاء هو دفع قيمة السندات الاسمية في التواريخ التي تحددها نشرة الإصدار، بالطريقة التي توضحها هذه النشرة.. وهناك طريقتان لعملية الإطفاء:
الأولى: عن طريق تكوين مخصص يدفع مرة واحدة لجميع حملة السندات في تاريخ الاستحقاق.
والأخرى: الدفع الدوري السنوي، وفق طريقة يتفق عليها، وتنزل لقيمة المطفأ من السند من أصل قيمته الاسمية.
وقد يقول قائل: إن مسألة إطفاء السندات هذه مسألة إجرائية لا تثير غبارا ولا ينتج عن السؤال عنها والإجابة عليها سوى إدراكها وفهمها. وهذا القول صحيح بالنسبة للطريقة الأولى من طريقتي الإطفاء لكنه ليس صحيحا بالنسبة للطريقة الأخرى، لقيام استشكال حول كيفية استحقاق العائد الربحي للأسناد المطفأة تدريجيا، هل يكون ذلك كاملا للسهم، وعلى مر الأعوام التي يندرج فيها انخفاض قيمته بالإطفاء الجزئي السنوي؟ أم أن العائد الربحي يتأثر بهذا الانخفاض المتدرج لقيمة السهم، وبالتالي ينخفض هذا الربح بما يعادل انخفاض قيمة أصله – السهم؟ وعلى القول الأول، فكيف يبرر استحقاق الربح – الكامل، من الناحية الشرعية؟
стр. 4170
تداول سندات المقارضة
نصت المادة (١٨) من قانون سندات المقارضة بالآتي:
(يتم تداول سندات المقارضة في سوق عمان المالي حسب أحكام قانونه وأنظمته وتعليماته، كما يتم نقل ملكيتها حسب هذه الأحكام. لقد سبق أن أنهينا في بحث النقطة المتعلقة بتحديد طبيعة سندات المقارضة أن هذه السندات تمثل صكوكا بغرض مالي مؤجل وبفائدة هي عبارة عن نسبة من عائد المشروع الإيجاري بعد اكتماله، وتسميته هذا العائد ربحا لا يغير من هذه الحقيقة، ومعنى ذلك أن هذه السندات تمثل ديونا في ذمة صاحب المنشأة أو المشروع، ولا تمثل أسهم مشاركة، في شركة مضاربة أو غيرها وحينئذ فبيعها أو تداولها يكون بيعا لدين في الذمة ولغير من عليه الدين، بنقد حاضر وهذا لا يجوز كما هو مقرر لتخلف شرط التقابض ودخول الفضل فيه) .
البدائل الصالحة
لعل إدخال شيء من التعديل على الصورة المطروحة بها سندات المقارضة بشكلها الحالي، يؤدي قبولها وصحتها، ويحقق في الوقت نفسه الأهداف والأغراض المرجوة من إصدارها، وذلك بأن تعتبر هذه السندات أسهما في المنشأة أو المشروع، تمثل حصصا في أصل ملكيته لأصحابها سواء أكان المشروع في أرض وقفية أو غيرها، لأن الوقف يمكن إعماره ببيع جزء فيه عند اللزوم كما نص على ذلك الحنابلة والأحناف (١) وعند ذلك يمكن تداول هذه السندات ما دامت تمثل حصصا في أصل المشروع والمنشأة، ويمكن إجراء إطفائها على قاعدة الملكية المتناقصة بجزء من عائدات إيجار المشروع، أو استخداماته الاستثمارية الأخرى المشروعة.
أما مسألة ضمان هذه السندات – ضمان لأصلها – لا ريعها – أي عائداتها، فإن هذه يمكن تأمينها عن طريق شركات التأمين الإسلامية، أو إنشاء صندوق خاص لهذا الضمان، يدبر مكوسه بجزء من عائدات المشروع، شريطة ألا يكون ذلك كليا أو جزئيا من نصيب عامل المضاربة حتى لا نقع في إلزامه بالضمان من طريق آخر، أو يمكن أن يتم عن طريق طرف آخر متبرعا، ويمكن أن تفعل ذلك الحكومة على وجه التبرع لتشجيع أدوات الاستثمار.