والآن أعود للنظر في الموضوع مرة أخرى من خلال نصوص قانون سندات المقارضة مباشرة بعد الحصول على نسخة منه وفي ضوء عرض جديد له قدمه الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي وكيل وزارة الأوقاف الأردنية، فهل في الأمر من جديد؟
لنرى فيما يلي:
تنص المادة (٢) من قانون سندات المقارضة على الآتي:
أ - تعني (سندات المقارضة) الوثائق المحددة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها، مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.
ب - يحصل مالكو السندات على نسبة محددة من أرباح المشروع، وتحدد هذه النسبة في نشرة إصدار السندات، ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد، كما لا تعطي صاحبها المطالبة بفائدة سنوية محددة.
ولتحديد ماهية سندات المقارضة وبيان حقيقتها لا بد أن نقرن نص المادة (٢) أعلاه بالفقرة (ب) من المادة (٧) التي تقول (يعين في نشرة الإصدار، بنك مرخص أو مؤسسة مالية، وكيلا للدفع يتولى شؤون دفع القيمة الاسمية للسندات وأرباحها بالقيم المستحقة وفي المواعيد المقررة) .
فالفقرة – أ – من المادة الثانية توضح أن الوثائق المحددة القيمة التي تمثل سندات المقارضة، هي عبارة عن صكوك – أو إيصالات، بمبالغ قدمت لصاحب مشروع بعينه لتنفيذه واستغلاله وتحقيق الربح.
стр. 4167
ونصت الفقرة (ب) من المادة المذكورة على استحقاق أصحاب تلك الأموال (نسبة من أرباح ذلك المشروع المعين، تحدد في نشرة إصدار السندات ولم توضح المادة المذكورة في فقرتها أساس استحقاق هذه الأموال الشيء من الأرباح، هل ذلك على أساس أن هذه الأموال تمثل رأسمال مشاركة في المشروع فتستحق نصيبا في الربح بهذه الصيغة؟ أم أنها أموال مضاربة، وكيف؟ فتستحق جزءا من الربح على هذا الوجه؟ أم أنها تمويل للمشروع عن طريق القرض لهذه الأموال؟. ولو أن القانون الأردني اقتصر على هذه المادة وحدها في التعريف وبيان حقيقة ماهية سندات المقارضة لكان لنا أن نبحث في كيفية ومدى انطباق مواصفات وشروط عقد القراض – المضاربة الشرعية، أو الشركة في الفقه الإسلامي عموما على سندات المقارضة التي طرحها هذا القانون، لنرى إلى أي حد يمكن أن تلتقي وتتفق هذه السندات مع أي من العقدين.
ولكن القانون في الفقرة (ب) من المادة السابعة حسم هذا الأمر بالنص على دفع القيمة الاسمية للسندات، في المواعيد المقررة، إضافة إلى أرباحها بالقيم المستحقة في تلك المواعيد المقررة.
فدفع القيمة الاسمية للسندات وفي مواعيدها المقررة يجعل منها قروضا محددة الأجل، ويجعل مما سمي بأرباحها بالقيم المستحقة، فوائد على قروض مؤجلة مشروطة عند التعاقد، وإن لم تحدد بمقادير معينة.
وينفي عنها أن تكون أموال قراض – مضاربة شرعية – أو شركة أخرى، الأمر الذي كان يتحتم معه أن تكون ممثلة لأسهم في أصل المشروع، لا قروضا تمويلية لتنفيذه.
وبناء على ما تقدم فإن النتيجة التي نصل إليها من هذا العرض والمناقشة لسندات المقارضة من خلال قانون سندات المقارضة الأردني، أن هذه السندات هي في حقيقتها نوع من التمويل عن طريق القرض المؤجل بفائدة مشروطة وإن لم تكن محددة، وتسميتها ربحا لا يغير من حقيقتها، فهي قروض بفوائد ربوية في صورتها الحالية.
стр. 4168
ضمان سندات المقارضة
أنتقل بعد ذلك لمسألة ضمان هذه السندات، فقد نصت المادة (١٢) من قانون (سندات المقارضة) الأردني بالآتي: (تكفل الحكومة تسديد قيمة سندات المقارضة الاسمية الواجب إطفاؤها بالكامل في المواعيد المقررة، وتصبح المبالغ المدفوعة لهذا السبب قرضا ممنوحا للمشروع بدون فائدة مستحق الوفاء فور الإطفاء الكامل للسندات) .
إن هذا النصيب يساير الاتجاه القائل بأن سندات المقارضة – كما يفهم من تسميتها أنها عبارة عن أموال مضاربة شرعية، وتفاديا لحرج تضمن المضارب – عامل المضاربة – المتفق على منعه بين الفقهاء، فقد جاء النص المذكور لعلاج هذه المسألة، على أساس أن هذا الضمان لأموال المضاربة جاء من جهة خارجية وليست من أحد طرفي عقد المضاربة، ومن هنا كانت صحته وجوازه شرعا.
وعلى افتراض أن (سندات المقارضة) تمثل أموال مضاربة شرعية فإن نص المادة (١٢) المذكور، لا يحقق الغرض المطلوب لضمان سندات المقارضة وأرباحها، ذلك أنها لم تقدم سوى قرض مؤجل ومستحق الوفاء فور الإطفاء الكامل للسندات تسترده من صاحب المشروع المقارض- عامل القراض. فالضمان الحقيقي يقع على كاهل عامل المضارب – الذي هو صاحب المشروع، والمضارب لا ضمان عليه، لأنه أمين فيما هو بيده من مال المضاربة عند جميع الفقهاء إلا إذا ظهر منه تعد أو تقصير فيما ائتمن عليه من مال المضاربة، ولذلك فإن الضمان الحكومي لسندات المقارضة المنصوص عليه في المادة (١٢) فقرة (ب) لا يمثل ضمان طرف ثالث لمال المضاربة ولا يرفع عبء الضمان الحقيقي عن كاهل عامل المضاربة أو يزيل الحرج الشرعي عن ضمانه لمال المضاربة في سندات المقارضة، على افتراض أنها أموال مضاربة شرعية.
стр. 4169
إطفاء السندات
والآن نصل إلى النقطة الثالثة والخاصة بإطفاء سندات المقارضة كما وردت في قانون سندات المقارضة الأردني.
وبحث هذه النقطة أيضا هو مسايرة للاتجاه القائل بأن سندات المقارضة – كما يدل على ذلك اسمها – هي أموال قراض – مضاربة شرعية – وفي ضوء هذا الاقتراض نبحث هذه النقطة، فما هو إذن إطفاء السندات؟ يقول الأستاذ وليد خير الله في رده على ملحوظاتنا على محاضرته – المشار إليها في أول هذا البحث (صورته مرفقة) يقول: (إن المراد بالإطفاء هو دفع قيمة السندات الاسمية في التواريخ التي تحددها نشرة الإصدار، بالطريقة التي توضحها هذه النشرة.. وهناك طريقتان لعملية الإطفاء:
الأولى: عن طريق تكوين مخصص يدفع مرة واحدة لجميع حملة السندات في تاريخ الاستحقاق.
والأخرى: الدفع الدوري السنوي، وفق طريقة يتفق عليها، وتنزل لقيمة المطفأ من السند من أصل قيمته الاسمية.
وقد يقول قائل: إن مسألة إطفاء السندات هذه مسألة إجرائية لا تثير غبارا ولا ينتج عن السؤال عنها والإجابة عليها سوى إدراكها وفهمها. وهذا القول صحيح بالنسبة للطريقة الأولى من طريقتي الإطفاء لكنه ليس صحيحا بالنسبة للطريقة الأخرى، لقيام استشكال حول كيفية استحقاق العائد الربحي للأسناد المطفأة تدريجيا، هل يكون ذلك كاملا للسهم، وعلى مر الأعوام التي يندرج فيها انخفاض قيمته بالإطفاء الجزئي السنوي؟ أم أن العائد الربحي يتأثر بهذا الانخفاض المتدرج لقيمة السهم، وبالتالي ينخفض هذا الربح بما يعادل انخفاض قيمة أصله – السهم؟ وعلى القول الأول، فكيف يبرر استحقاق الربح – الكامل، من الناحية الشرعية؟
стр. 4170
تداول سندات المقارضة
نصت المادة (١٨) من قانون سندات المقارضة بالآتي:
(يتم تداول سندات المقارضة في سوق عمان المالي حسب أحكام قانونه وأنظمته وتعليماته، كما يتم نقل ملكيتها حسب هذه الأحكام. لقد سبق أن أنهينا في بحث النقطة المتعلقة بتحديد طبيعة سندات المقارضة أن هذه السندات تمثل صكوكا بغرض مالي مؤجل وبفائدة هي عبارة عن نسبة من عائد المشروع الإيجاري بعد اكتماله، وتسميته هذا العائد ربحا لا يغير من هذه الحقيقة، ومعنى ذلك أن هذه السندات تمثل ديونا في ذمة صاحب المنشأة أو المشروع، ولا تمثل أسهم مشاركة، في شركة مضاربة أو غيرها وحينئذ فبيعها أو تداولها يكون بيعا لدين في الذمة ولغير من عليه الدين، بنقد حاضر وهذا لا يجوز كما هو مقرر لتخلف شرط التقابض ودخول الفضل فيه) .
البدائل الصالحة
لعل إدخال شيء من التعديل على الصورة المطروحة بها سندات المقارضة بشكلها الحالي، يؤدي قبولها وصحتها، ويحقق في الوقت نفسه الأهداف والأغراض المرجوة من إصدارها، وذلك بأن تعتبر هذه السندات أسهما في المنشأة أو المشروع، تمثل حصصا في أصل ملكيته لأصحابها سواء أكان المشروع في أرض وقفية أو غيرها، لأن الوقف يمكن إعماره ببيع جزء فيه عند اللزوم كما نص على ذلك الحنابلة والأحناف (١) وعند ذلك يمكن تداول هذه السندات ما دامت تمثل حصصا في أصل المشروع والمنشأة، ويمكن إجراء إطفائها على قاعدة الملكية المتناقصة بجزء من عائدات إيجار المشروع، أو استخداماته الاستثمارية الأخرى المشروعة.
أما مسألة ضمان هذه السندات – ضمان لأصلها – لا ريعها – أي عائداتها، فإن هذه يمكن تأمينها عن طريق شركات التأمين الإسلامية، أو إنشاء صندوق خاص لهذا الضمان، يدبر مكوسه بجزء من عائدات المشروع، شريطة ألا يكون ذلك كليا أو جزئيا من نصيب عامل المضاربة حتى لا نقع في إلزامه بالضمان من طريق آخر، أو يمكن أن يتم عن طريق طرف آخر متبرعا، ويمكن أن تفعل ذلك الحكومة على وجه التبرع لتشجيع أدوات الاستثمار.
стр. 4171
.
مشروع شهادات الاستثمار المخصصة بالبنك الإسلامي للتنمية
لعل بعض المقترحات والتدابير التي أشرنا إليها، هو ما فعله مشروع شهادات الاستثمار المخصصة بالبنك الإسلامي للتنمية حيث نصت المادة التاسعة من المشروع صراحة على أن يكون دور البنك في استخدامه لمتحصلات الأوراق التي يصدرها هو دور المضاربة وبذلك قطعت أن العلاقة تقوم على أساس القراض – المضاربة الشرعية، وأكدت ذلك في المادة (٧) من المشروع التي نصت على أن للورقة المالية في حد ذاتها ممثلة لحصة مالية شائعة في مجموع صافي موجودات المشروع.
وفي المادة (١٤) اقترحت إنشاء صندوق للتأمين التعاوني، لتغطية مخاطر الاستثمار، وفي المادة (١٥) المخصصة لكيفية توزيع الربح في نهاية فترة الاستثمار أشارت في الفقرة (ج) للنسبة التي تخصص من الربح لصندوق تأمين مخاطر الاستثمار.
وهكذا جاء هذا المشروع منسجما مع أحكام فقه المضاربة الشرعية ومتجنبا لما يوقع في أي مخالفة أو محظور.
ويمكن لسندات المقارضة الأردنية أن تأخذ بهذا المسلك دون الوقوع فيما يعطل الأهداف والأغراض المتوخاة من هذا الموضوع.
والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الدكتور حسن عبد الله الأمين
стр. 4172
حول محاضرة
سندات المقارضة
للأستاذ وليد خير الله
تعريف سندات المقارضة:
ليس من المعروف في اللغة اشتقاق اللفظ من غير مادته المأخوذ منها سواء أكان من لفظ لمادة أخرى، والشيء السليم أن يؤخذ من منطوق اللفظ المشتق منه – وهو القراض – هنا بمعنى القطع وليتسق ذلك مع هذا الاسترسال في شرح معناه.
كما أنه كان من الميسور تسميته بسندات (المضاربة) وبيان الاشتقاق وشرح معنى هذه التسمية بسهولة، دون أي لبس.
ومن الحالة التطبيقية صفحة (٢) بدل الخلو من مالك العقار لا يجوز لعدم العوض المقابل، ولكن يجوز للمستأجر الذي يتخلى عن مصلحته في استعمال العقار للمستأجر الجديد، لأنه في هذه يمثل بدل المنفعة – وهي مال عند الجمهور.
صفحة (٢) يلاحظ أنه لم يوضح المراد بالإطفاء للسندات هل هو شراء عدد منها بالكامل سنويا بحيث تتناقص سنويا إلى أن تنتهي ملكيتها كلها إلى الجهة المصدرة، أم أن المراد بالإطفاء نقص قيمة السندات تدريجيًا سنويًا إلى أن تنقضي قيمتها بالكلية لصالح الجهة المصدرة؟.
وعلى كلا الحالتين فكيف تظل أرباح جملة السندات ثابتة من السنة الثالثة إلى نهاية مدتها في السنة السادسة، مع تناقص عددها في الحالة الأولى، أو قيمتها في الحالة الثانية وبالتالي كيف يجوز شرعا؟
صفحة (٣) السطر قبل الأخير من المحاضرة: المحاضر يقصر مشاركة سندات المقارضة على ريع المشروع الناتج من إيجار المشروع بعد اكتماله، ولا يجعل لها حق المشاركة في ذات المشروع ويسمى حامل هذا السند مقرضا صراحة.
وفي صفحة (٤) حيث يقول وهو بصدد تعداد الأسباب الموجبة لاستقلال المشروع: (أن تكون للمقرض شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة عن شخصية الصفة المصدرة ومذمتها) .
стр. 4173
وفي صفحة (٦) من المحاضرة أن من ضمن ما تحويه نشرة إصدار سندات المقارضة (تحديد فترة السماح اللازمة لتنفيذ المشروع) كأنما هناك قرض بفائدة يشتمل على فترة سماح. وهذا ما تفيده هذه النصوص، بل تفيده مجموع المحاضرة كلها، ويؤيده ما جاء في صفحة (٤) من الحالة التطبيقية لتمويل بناء أرض وقفية المرفقة مع هذه المحاضرة حيث جعلت قيمة السهم الاسمية عند الإطفاء ثابتة كما هي عند طرح السندات للبيع بعد مضي عدة سنوات عليها وبعد قيام المشروع وإدارة عوائد تزيد قيمتها على القيمة الاسمية للأسهم ومع فعل التضخم الذي يقلل من القيمة الاسمية التي كانت محددة للسند عند الطرح.
كل ذلك يجعل هذه السندات بعيدة كل البعد عن اسم المشاركة ويحتم أنها قروض مؤجلة بفائدة هي عبارة عن نسبة مئوية من العائد الإيجاري للمشروع والسند ما هو إلا عبارة عن صك بتوثيق مبلغ القرض المؤجل، والخلاصة من هذا أن سندات المقارضة كما شرحها المحاضر وطبقها في الحالة التطبيقية ما هي إلا قروض مؤجلة بفائدة.
هذا ما خرجنا به من المحاضرة والنموذج التطبيقي لها، وليس بين أيدينا القانون الكامل لسندات المقارضة. لذلك فهذا حكم على المحاضرة ونموذجا وليس حكما على القانون الذي لم نطلع على نصوصه بعد. وحبذا لو أرفق المحاضر نسخة من نص ذلك القانون مع محاضرته، إذن لأبرأ ذمته وأنصف القانون.
د. حسن عبد الله الأمين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4174
البنك المركزي الأردني
التاريخ: ٤/٦/١٩٨٤م
الموافق ٤رمضان ١٤٠٤هـ الرقم:.......
سعادة الدكتور نفزت يالسنتاس المحترم - جدة
تحية طيبة وبعد:
تلقيت بمزيد الاحترام والتقدير رسالتكم التي تحمل الرقم (٩٨٧) المؤرخة في ٢٢/٥/١٩٨٤، والمتعلقة بالملاحظات التي أبداها المراجع حول محاضرة سندات المقارضة.
إنني أشكر لكم اهتمامكم واهتمام المعهد بنشر ما دار في ندوة تثمير الأوقاف، معربا عن تقديري لكل من يسهم بهذا الجهد الخير آملًا أن أكون قد وفقت في توضيح بعض الردود حول الملاحظات المثارة.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
المدير التنفيذي
في البنك المركزي الأردني
وليد خير الله
стр. 4175
فيما يتعلق بتعريف سندات المقارضة، فأرجو أن أوضح أن قانون سندات المقارضة رقم ١٠ لسنة ١٩٨١ كان عنوان المحاضرة التي ألقيتها وقد صدر القانون وهو يحمل هذا الاسم. وكان مجال التعريف به في مقدمة المحاضرة للتدليل على التسمية ومرادفاتها مع الإشارة إلى معنى القراض أما فقه هذه التسمية وتفاصيل ماهيتها فقد تركته كما بينت إلى ذوي الاختصاص لأن الأمر فيه اجتهاد كبير.
إن جواز أو عدم جواز استحقاق المالك لبدل الخلو مسألة لم ترد في معرض الحديث عن إيرادات المشروع في الحالة التطبيقية وإنما الأمر الذي يعني هنا استحقاق المشاركين في تمويل المشروع وهم حملة الإسناد (إذ لا يوجد مالكين) لإيرادات بدل الخلو في المسألة المطروحة (إعمار الأرض الوقفية) فهذا أمر الأفضل تركه للمستشارين الشرعيين. أما ذكر (بدل الخلو) فكان لا بد منه إذ إنه أمر مالي تنظيمي ولا يجوز تجاهل وجوده.
إن المراد بالإطفاء هو دفع قيمة السندات الاسمية في التواريخ التي تحددها نشرة الإصدار وبالطريقة التي توضحها هذه النشرة. ولقد أوضحت نشرة الإصدار المرفقة وبالحالة التطبيقية صورة الأمر المبحوث عنه. ولقد بينت أن ريع المشروع يقسم عند تحققه إلى قسمين، قسم يوزع على حملة الإسناد على شكل أرباح وبالنسبة المعلنة، وقسم آخر يستعمل لدفع قيمة السندات الأصلية أو ما يسمى بالإطفاء. وهناك طريقتان لعملية الإطفاء الأولى عن طريق تكوين مخصص يدفع مرة واحدة لجميع حملة السندات في تاريخ الاستحقاق، والأخرى الدفع الدوري السنوي وفق طريقة يتفق عليها وتنزل القيمة المطفأة من السند من أصل قيمته الاسمية. ومن الطبيعي أن تكون نسبة الأرباح في المراحل الأخيرة لحملة السندات عالية إذ إن ريع المشروع في مراحله الأولى قليل جدا بل ربما تكون هناك خسارة في البداية لعدم وجود ريع – إلى أن يكتمل استثمار المشروع وتحقيق الريع. ولكن النسبة التراكمية في النهاية تبدو معقولة على سبيل المعدل.
إن الحالة المبحوث عنها في سندات المقارضة هي أرض وقفية وهي غير قابلة للتمليك من أية جهة ولكنها قابلة للاستثمار، وإن تقديم الأرض والمشروع المقام عليها مستقل تمام الاستقلال عن الهيئة المصدرة (وزارة الأوقاف) لهذه السندات والتي من حصيلتها سيمول المشروع.
стр. 4176
فالممولون في هذه الحالة لهم حق في ريع المشروع وليس برقبته وإن هلك المشروع فيهلك على ذمة الممولين، أما الأرض الوقفية فهي باقية. ويختلف الحال بحسب طبيعة المشروع الصادرة لتمويله سندات المقارضة فما يقال عن الوقف لا يقال في مجال آخر.
إن (المشروع) في الحالة المبحوث عنها هو المقترض وليس لفظ (المقرض) كما جاء في الملاحظات وعليه فإن استعمال لفظ المقترض للدلالة على تلقي المال من طرف آخر وهم حملة السندات الممولين، وهذا لفظ فني معروف في مثل هذه الأمور حتى إنه يطلق على الوديعة المودعة من قبل شخص في أي بنك بأنها قرض حتى ولو كانت بدون فوائد إطلاقا وإن البنك هو المقترض مع أنه ليس كذلك.
أما التخريج الوارد في وجود فترة السماح وكأن الأمر يحتمل وجود قرض وفوائد، فأرجو الرجوع إلى نشرة الإصدار المرفقة مع الحالة التطبيقية والتي تعرف فترة السماح (صفحة ٥) والتي تقول: (تعتبر الفترة الواقعة بين تاريخ إصدار السندات وبدء توزيع الأرباح فترة سماح لازمة لتنفيذ المشروع) وأظن أن هذا واضح وضروري لتنظيم التعامل وإعلام المشاركين متى تتحقق أرباحهم فلربما يمضي وقت ليس بالقصير حتى يبدأ المشروع بتحقيق أرباح بعد اكتماله بعدة سنوات.
وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت في توضيح ما أثير من تساؤلات حول محاضرة سندات المقارضة، كما أرجو المعذرة تثبيت حقيقة وهي أنني كنت قد أرسلت عدة نسخ من قانون سندات المقارضة مرفقة مع المحاضرة لتقوم سكرتارية المعهد بتصويرها وتوزيعها على المشاركين. مشيرا بهذه المناسبة إلى أن القانون كان محاولة تشريعية لتحقيق السير في مبدأ وليس ادعاء بالإحاطة والكمال، كما أنه خطوة نحو التحرك والتطور وقبول التجربة والخطأ مسترشدين بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ مستجبين دائما لاتباع ما أمر به الرحمن الرحيم.
стр. 4177
سندات المقارضة
إعداد
القاضي محمد تقي عثماني
قاضي القسم الشرعي
بالمحكمة العليا بباكستان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سندات المقارضة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فإن الموضوع المفوض إلي في هذه الندوة، وإن كان يختص بإطفاء سندات المقارضة فحسب، ولكنه يجب للدخول في هذا الموضوع أن نعرف حقيقة سندات المقارضة، وضرورتها، وتكييفها الفقهي، حتى يتضح لنا معنى إطفاء هذه السندات، وما يجب له من طريق مشروع وفق الشريعة الإسلامية.
وإن فكرة سندات المقارضة إنما ظهرت لإيجاد بديل شرعي لسندات القرض الربوية التي تصدرها البنوك أو الشركات التجارية في الاقتصاد المعاصر اليوم، فلنبدأ بمعرفة حقيقتها:
سندات القروض:
إن سندات القروض صكوك تمثل قروضا تحصل عليها الشركة من عامة الناس على أساس الفائدة الربوية المحددة، وتكون هذه الصكوك في التعامل المعاصر قابلة للتداول، وغير قابلة للتجزئة.
وإنما تضطر الشركات في بعض الأحيان إلى إصدار هذه السندات لأنها قد تحتاج في أثناء مزاولة أعمالها إلى مبالغ أكثر مما حصلت عليه من طريق إصدار الأسهم، لتزيد من قدراتها على إنجاز مشاريعها، والتوسع فيها، أو لتواجه أزمة مالية طرأت عليها. ولا ترغب الشركة في عرض اكتتاب بأسهم جديدة على الجمهور، لئلا تتضاءل أنصبة الشركاء، فتضطر إلى أن تقترض هذه المبالغ ممن يمكن الاقتراض منه.
стр. 4178
وفي جانب آخر، تكون عند كثير من الناس مبالغ أفرزوها من حاجاتهم اليومية، ورصدوها لحاجاتهم المتوقعة في المستقبل. وأن هذه المبالغ تكون مودعة في بيوت أصحابها، أو في حسابهم الجاري في البنوك، فلا يمكن أن تستغل هذه المبالغ لصالح الإنتاج الوطني، إلا بأن تدفع إلى المنتجين أو التجار قرضا، فيستعملونها في أعمالهم الإنتاجية أو التجارية. ولكن أصحاب الأموال ينفرون من إقراضها خشية أن لا يجدوها عندما تعرض لهم الحاجات التي رصدوا هذه المبالغ من أجلها.
فجاءت فكرة إصدار سندات القروض تشجيعا لأصحاب الأموال في القرض، وإزالة لمخاوفهم، وذلك بطريقين:
الأول: بإطماع أصحاب الأموال بتحديد فائدة ربوية على هذه القروض.
والثاني: يجعل هذه السندات محلا للتداول، بأن حاملها كلما أراد أن يحصل على سيولة، جاز له أن يبيعها في السوق المفتوحة بقيمتها السوقية التي تزيد في الغالب عن قيمتها الاسمية.
وبهذا استطاع النظام الاقتصادي المعاصر أن يستخدم أموال الناس المودعة في بيوتهم لعملية الإنتاج والاستثمار.
ولكن هذا الطريق مبني على أساس القرض الربوي الذي لا تبيحه الشريعة الإسلامية في حال من الأحوال، وفيه من المفاسد الشرعية والاقتصادية ما ليس هذا محل لبسطها.
ومن هنا أراد بعض المسلمين في البلاد الإسلامية أن يأتوا ببديل لهذه السندات في شكل (سندات المقارضة) والمقارضة أو القراض عقد معروف في الفقه الإسلامي يسلم فيه رب المال أمواله إلى عامل يستثمرها بطريق التجارة، ويكون الربح الناتج من هذه التجارة بينهما بالنسبة المتفق عليها. وإن هذا العقد يسمى (مضاربة) أيضا.
فالفكرة الأساسية وراء سندات المقارضة أن يحدث عقد المضاربة بين حامل هذه السندات ومصدرها، فلا يستحق صاحب السند فائدة محددة، وإنما يستحق نسبة معينة من الربح إن أثمرت التجارة ربحا.
وقد أصدرت عدة بلاد إسلامية قوانين خاصة بالنسبة لهذه السندات، فنريد في هذا البحث أن ندرس هذه القوانين، وما شرعت لها من خطة عملية، ليمكن لنا البت في حكمها الشرعي. ثم نأتي باقتراح خطة عملية في ضوء الشريعة الإسلامية.
وبين يدينا في هذا الوقت مشروع للقانون – وهو قانون سندات المقارضة رقم ١٠ لسنة ١٩٨١م الذي أصدرته المملكة الأردنية الهاشمية.
стр. 4179
القانون الأردني:
القانون الأردني، فعلى ما شرحه الدكتور عبد السلام العبادي في دراسته المعروضة على مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة بعمان، يتلخص في نقاط تالية:
١- إن (سندات المقارضة) هي الوثائق المحدودة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه، بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.
٢- يحصل مالكو السندات على نسبة محدودة من أرباح المشروع، وتحدد هذه النسبة في نشرة إصدار السندات، ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد، كما لا تعطي مالكها الحق في المطالبة بفائدة سنوية محددة.
٣- المعهود في المضاربة المعهودة في الفقه الإسلامي، أن المضاربة إذا أردت أرباحا فإنها توزع عند نهاية كل فترة على كل من رب المال والعامل حسب النسبة المتفق عليها في العقد، ولكن القانون الأردني لسندات المقارضة يصرح بأن عند كل فترة لا توزع إلا النسبة المختصة بصاحب السند، فيجوز له ترك حصته من الربح محفوظة في المشروع، ليمكن لها الإطفاء التدريجي للسندات.
٤- يجب على كل صاحب سند أن يتقدم في المواعيد المحدودة في العقد، فيطالب الجهة المصدرة بإطفائه على أساس قيمته الاسمية، ويسترد ما دفعه من المال مقابل السند الذي تقدم به. وإن الجهة المصدرة ترد عليه قيمة السند من حصتها المحفوظة من الربح، كما مر في النقطة الثالثة.
٥- وهكذا يسترد أصحاب السندات مقدار ما دفعوه أولا بأول، عن طريق الإطفاء التدريجي، إلى أن يتم الإطفاء لجميع السندات. وحينئذ تمتلك الجهة المصدرة المشروع كله بما فيه من أبنية، وآلات، وعروض وما إليها. فيصير المشروع كله ربح الجهة المصدرة الناتج من هذه المقارضة.
٦- أما إذا أصيب المشروع بخسارة، فالأصل أن يتحملها أصحاب السندات لأنهم أرباب الأموال، ولكن صرح القانون الأردني بأن الحكومة كطرف ثالث تضمن لأصحاب السندات مبلغ قيمتها الاسمية، فإن أصيب المشروع بخسارة استغرقت الأموال كلها، فإن الحكومة تتدارك لأصحاب الأموال هذه الخسارة.
٧- ما تدفعه الحكومة لأصحاب السندات من المال جبرا لخسائرهم، يعتبر قرضا في ذمة الجهة المصدرة، يجب عليها أداؤه إلى الحكومة عندما يتم الإطفاء الكامل لهذه السندات.
стр. 4180
هذه خلاصة الصيغة التي طرحها القانون الأردني لسندات المقارضة. ولو نظرنا فيها بإمعان. وجدنا أن فيها مؤاخذات من الناحية الشرعية.
١- إن طبيعة المضاربة أو المقارضة تقتضي أن لا يضمن لأحد من الفريقين برأس المال ولا بالربح، فإن ما يحصل لهما ليس فائدة ربوية، وإنما هو ربح تجاري، والربح التجاري إنما يستحق من جهة تحمل الأخطار، فإذا كان رأس المال مضمونا لرب المال، خرج العقد عن طبيعة المضاربة. وبما أن القيمة الاسمية للسندات في الصيغة الأردنية مضمونة لحامليها، فإن هذا الشرط لا يوافق المضاربة المعهودة في الشريعة الإسلامية.
وربما يقال: إن الذي ضمن هذه القيمة ليس مصدر السندات أو العامل، وإنما ضمنته الحكومة كطرف ثالث، والممنوع في الشريعة أن يضمن أحد طرفي العقد بالمال للطرف الآخر. فأما إذا جاء شخص ثالث، وضمن لأحدهما ما يخسره في العقد فلا مانع منه شرعا.
ولكن هذا العذر غير وارد في الصيغة الأردنية. لأن الحكومة لا تضمن ههنا بالقيمة الاسمية لحامل السند نيابة عن الجهة المصدرة، ولذلك يعتبر المال المدفوع قرضا للحكومة في ذمتها ويجب عليها أداؤه عندما يتم الإطفاء الكامل للسندات. وما دامت الجهة المصدرة تلتزم بأداء هذا المبلغ إلى الحكومة، أن الضامنة في الحقيقة هي الجهة المصدرة للسند، لا الحكومة.
٢- ولئن تصورنا تعديل القانون بأن تكون الحكومة متبرعة محضة، ولا يعتبر المال المدفوع من قبلها قرضا في ذمة الجهة المصدرة، فحينئذ تدخل هذه الصيغة المعدلة في حكم (ضمان الطرف الثالث) وإن الضابط المعروف في الفقه الإسلامي أن الكفيل إنما تصح كفالته لما هو مضمون على الأصيل، كالقرض، وثمن البيع، وسائر الديون. أما ما لم يكن مضمونا على الأصيل، فلا تصح كفالته، مثل الوديعة ورأس مال الشركة والمضاربة، وما إلى ذلك، وهذا الضابط معروف في كتب الفقه ليس فيه خلاف لأحد من العلماء.
وإليكم بعض النصوص الفقهية في هذا المجال:
стр. 4181
يقول المرغيناني الحنفي رحمه الله تعالى:
(والكفالة بالأعيان المضمونة وإن كانت تصح عندنا، خلافا للشافعي، لكن بالأعيان المضمونة بنفسها، كالبيع بيعا فاسدا، والمقبوض على سوم الشراء، والمغصوب، لا بما كان مضمونا بغيره، كالمبيع، والمرهون، ولا بما كان أمانة، كالوديعة والمستعار والمستأجر، ومال المضاربة، والشركة) (الهداية ٣: ١٢٠) .
ويقول الشربيني الخطيب الشافعي رحمه الله تعالى:
يصح ضمان رد كل عين ممن هي في يده مضمونة عليه، كمغصوبة، ومستعارة، ومستامة، ومبيع لم يقبض (إلى قوله) وأما إذا لم تكن العين مضمونة على من هي بيده، كالوديعة، والمال في يد الشريك، والوكيل، والوصي، فلا يصح ضمانها، لأن الواجب فيها التخلية دون الرد. (مغني المحتاج ٢: ٢٠٢) .
ويقول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى:
ويصح ضمان الأعيان المضمونة كالمغصوب، والعارية، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين (إلى قوله) فأما الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط، فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها لم يصح ضمانها، لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنها؛ وإن ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى يدل على صحة الضمان. الخ. (المغني لابن قدامة ٤: ٥٩٥) .
وجاء في (كشاف القناع عن متن الإقناع ٣: ٣٦٤) في فقه الحنبلي وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة، كالمغصوب، والعواري، لأنه يصح ضمانها، ولا تصح الكفالة بالأمانات، كالوديعة والشركة والمضاربة، إلا إن كفله بشرط التعدي. إلخ.
ويقول ابن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى:
стр. 4182
(وضمان الخسران باطل لأن الضمان لا يكون إلا بمضمون، والخسران غير مضمون على أحد، حتى لو قال بائع في السوق على أن كل خسران يلحقك فعلي، أو قال لمشتري العبد إن أبق العبد هذا فعلي لا يصح) . (فتح القدير ٦: ٣٢٣) .
ولكن عند صحة الكفالة في هذه الأمور إنما يعني أن المبلغ المكفول به لا يلزم الكفيل قضاء، فلا يجوز للمكفول له أن يطالب به الكفيل في محكمة. ولكن التزام الطرف الثالث بأداء هذا المبلغ يمكن أن يعتبر كوعد محض يلزمه الوفاء به ديانة، لا قضاء. فلو وفَّى الطرف الثالث بوعده، وتبرع بالمبلغ، جاز لحامل السند أن يأخذه، ولكن لا ينفذ القاضي التزامه ككفالة.
وهل نستطيع أن نجعله وعدا ملزما في القضاء أخذا بقول المالكية رحمهم الله تعالى؟ لي فيه تردد. فإننا لو جعلناه وعدا ملزما ضمانا لازما، فلا يبقى هناك معنى عدم صحة الكفالة برأس مال الشركة والمضاربة.
٣- مسألة إطفاء السندات:
والملاحظة الثالثة في الصيغة الأردنية: هي في إطفاء السندات بقيمتها الاسمية فإن إطفاءها بالقيمة الاسمية أخرجها عن طبيعة القراض، وجعلها قرضا.
ويجب لإيضاح هذه النقطة أن نعرف التكييف الفقهي لهذا الإطفاء. فالواقع أن إطفاء هذه السندات استرداد لمال المضاربة من قبل رب المال. وإن هذا الاسترداد بسيط إذا كان مال المضاربة ناضًّا. أما إذا تحول مال المضاربة إلى عروض. فإن هذا الاسترداد عبارة عن بيع تلك العروض من المضارب. فالبضائع كلها مملوكة لأصحاب الأموال، ولا يستحق المضارب من عينها شيئا، وإنما يستحق نسبة من الربح إن أدرت ربحا. فمن يتقدم بالسند إلى الجهة المصدرة لإطفائها في حين أن جميع مال المضاربة أو أكثره تحول إلى مشروع صناعي أو تجاري فإنه إنما يريد أن يبيع من الجهة المصدرة حصته الشائعة في المشروع. فهذه الإطفاءات يجري عليها أحكام البيع بأجمعها.
فههنا مسائل:
الأولى: هل يجوز لرب المال أن يسترد مال المضاربة في حين أنه غير ناض؟
والثانية: هل يجوز اشتراط هذا الاسترداد في عقد المضاربة؟
والثالثة: إذا كان الاسترداد جائزا، فهل يكون ذلك بقيمتها الاسمية أو بقيمتها السوقية؟
стр. 4183
أما المسألة الأولى:
وهي استرداد مال المضاربة في حين أنه غير ناض، فهو بالتعبير الفقهي الدقيق فسخ للمضاربة، أو عزل للمضارب عنها (في حق ذلك السند بعينه) وقد ذكر الفقهاء أن المضارب في هذه الصورة يلزمه بيع العرض.
جاء في الدر المختار:
وينعزل (أي المضارب) بعزله (أي رب المال) ...
فإن علم بالعزل، والمال عروض باعها.
(رد المحتار: ٥: ٦٥٥، كتاب المضاربة، قبيل المتفرقات) .
وجاء في المغني لابن قدامة:
(والمضاربة من العقود الجائزة، تنفسخ بفسخ أحدهما ... وإن انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز، لأن الحق لهما لا يعدوهما.. وإن طلب رب المال البيع وأبى العامل، ففيه وجهان:
أحدهما: يجبر العامل على البيع وهو قول الشافعي لأن عليه رد المال ناضا كما أخذه، والثاني: إذا لم يكن في المال ربح أو أسقط حقه من الربح.
(المغني لابن قدامة ٥: ١٨٠ فروع في أحكام فسخ المضاربة، طبع بيروت ١٣٩٢هـ) .
فتبين بهذا أنه لا مانع شرعا من استرداد مال المضاربة. ويتحتم حينئذ بيع ما كان منه في شكل العروض. ومن الواضح جدا أن هذا البيع كما يمكن أن يعقد مع طرف ثالث، يجوز أن يعقد بين رب المال والمضارب، فيستطيع المضارب أن يشتري العروض لنفسه، ويؤدي قيمته المطلوبة إلى مال المضاربة، فيقبض منها رب المال رأس ماله مع حصته من الربح، والمضارب حصته من الربح فقط.
стр. 4184
وأما المسألة الثانية:
وهي اشتراط هذا الاسترداد بطريق البيع في عقد المضاربة، فلا مانع منه أيضا، لكونه شرطا لا يخالف مقتضى عقد المضاربة، لأن رب المال يملك فسخ المضاربة متى شاء، وحينئذ يجب على المضارب أن يبيع العروض لينض لرب المال ماله، فشرط البيع في المضاربة شرط ملحوظ في طبيعة العقد، غير أن العروض لا تباع في المسألة المبحوث عنها إلا من المضارب، وهذا لا مانع منه شرعا، لأن رب المال والمضارب يجوز أن يجري بينهما البيع والشراء في مال المضاربة عند كثير من الفقهاء. يقول الكاساني رحمه الله تعالى:
ويجوز شراء رب المال من المضارب وشراء المضارب من رب المال وإن لم يكن في المضاربة ربح في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر رحمه الله تعالى: لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة. وجه قول زفر رحمه الله تعالى: لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة. وجه قول زفر أن هذا بيع ماله بماله، وشراء ماله بماله، إذ المالان جميعا لرب المال، وهذا لا يجوز، كالوكيل مع الموكل ولنا أن لرب المال في مال المضاربة رقبة، لا ملك تصرف، وملكه في حق التصرف كملك الأجنبي، وللمضارب فيه ملك التصرف لا الرقبة، فكان في حق ملك الرقبة كملك أجنبي، حتى لا يملك رب المال منعه من التصرف، فكان مال المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي، لذلك جاز الشراء بينهما) .
(بدائع الصنائع ٦: ١٠١) .
فاشتراط البيع من المضارب شرط لا ينافي مقتضى العقد، فلا بأس بذلك شرعا.
المسألة الثالثة:
وهي: هل يقع إطفاء السندات على قيمتها الاسمية، أو على قيمتها السوقية؟ والجواب عندي أنه يجب أن يقع على قيمتها السوقية، ثم إن كانت قيمتها السوقية أكثر من قيمتها الاسمية، فإن الفرق بين القيمتين يعتبر ربحا لمال المضاربة، فيوزع هذا الربح بين رب المال والمضارب بقدر النسبة المتفق عليها في العقد.
стр. 4185
ومثاله: لو فرضنا أن القيمة الاسمية للسند هي مائة ربية، صارت قيمته السوقية عند الإطفاء مائة وعشرين، فالواجب على المضارب إن أراد شراءه أن يدفع إلى مال المضاربة مائة وعشرين، ثم إن هذا العشرين زيادة ربحتها المضاربة، فإن كانت المضاربة على النصف مثلا، صارت العشرة منها حصة لرب المال، والعشرة الأخرى حصة للمضارب من الربح، فتوزع عليهما بهذا الطريق، وبهذا يقوم على المضارب ما اشتراه من الجزء المقابل لهذا السند من المشروع بمائة وعشرة.
والدليل على أن الإطفاء يجب أن يكون على القيمة السوقية: أن مال المضاربة كله مملوك لرب المال شرعا، وليس للمضارب منه إلا حصته من الربح، فلو ارتفعت قيمة السند في السوق، فليس ذلك إلا لأجل الزيادة في مال المضاربة. وإن مال المضاربة كله مملوك لرب المال بما فيه من الزيادة على رأس المال، سوى حصة المضارب من الربح، فلو شرطنا على رب المال أنه يجب عليه الإطفاء على قيمته الاسمية، فإن هذا الشرط لا يجوز شرعا، لكونه منافيا لمقتضى المضاربة.
وقد صرح الفقهاء بهذا، فيقول الكاساني رحمه الله تعالى:
(وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة متاعا، وفيه فضل، أو لا فضل فيه فأراد رب المال بيع ذلك، فأبى المضارب وأراد إمساكه حتى يجد ربحا، فإن المضارب يجبر على بيعه، إلا أن يشاء أن يدفعه إلى رب المال، لأن منع المالك عن تنفيذ إرادته في ملكه لحق يحتمل الثبوت والعدم، وهو ربح لا سبيل إليه، ولكن يقال له: إن أردت الإمساك فرد عليه ماله، وإن كان فيه ربح، يقال له: ادفع إليه رأس المال وحصته من الربح، ويسلم المتاع إليك) . (بدائع الصنائع ٦: ١٠٠) .
فتبين بهذا أن صاحب السند لا يستحق القيمة الاسمية (وهي رأس المال) فحسب، وإنما يستحق معها حصته من الربح، فلا سبيل إلى إطفاء السند بقيمته الاسمية. وإنما يجب أن يقع البيع بقيمته السوقية، ثم يوزع الربح بين الفريقين بحسب النسبة المتفق عليها.
وفي ضوء ما ذكرنا يجب أن يكون إطفاء السند على قيمة تنقص من قيمته السوقية بقدر النسبة المتفق عليها من ربح الجهة المصدرة للسند. فإن اتفقت الجهة المصدرة مع حاصل السند أن الربح يوزع بينهما أنصافا، وكان السند قيمته الاسمية مائة، فصارت قيمته السوقية عند الإطفاء يساوي مائة وعشرين، فإن الإطفاء يقع على مائة وعشرة، لأن العشرة ربح للجهة المصدرة.
стр. 4186
السؤال الأخير:
والسؤال الأخير في هذه الندوة في هذا الصدد هو:
(هل يتم إطفاء السندات باستبعاد عدد معين من الأسهم الكاملة، أم يكون ذلك باستبعاد جزء من كل سهم؟) .
وعلى الوجه الأخير هل يعتبر ربح كل سهم متناقصا مع تناقص القيمة؟ أم يظل ربحه كاملا حتى نهاية الإطفاء؟
والجواب على هذا السؤال عندي هو أنه لا مانع شرعا من اختيار واحدة من الطريقتين المذكورتين للإطفاء، لأن الإطفاء كما أوضحنا فيما سبق بيع لمال المضاربة من المضارب، وإن هذا البيع كما يجوز في جميع مال المضاربة، يجوز في بعضه أيضا، غير أنه إذا باع رب المال نصف مال المضاربة من المضارب، وأبقى المضاربة في نصفه الآخر، وبقى هذا المجموع مصروفا في التجارة المشتركة مختلطا بعضه ببعض، فإن هذا البيع يتضمن إحداث شركة عنان في الحصة المبيعة بين المضارب ورب المال، فيكون المضارب شريكا في هذه التجارة بحصته التي اشتراها من رب المال، مع بقية مال المضاربة، فما حصل من الربح على مجموع هذا المال فإن المضارب يجوز له نصفه كشريك، ويقسم الثاني على رب المال والمضارب بالنسبة المتفق عليها بحكم المضاربة.
стр. 4187
مثال: لو أعطى زيد مائة ألف ربية إلى خالد مضاربة بالنصف، فاشترى خالد منه بضائع يتجر فيها، فإن جميع هذه البضائع مملوكة لزيد، ثم اشترى خالد النصف المشاع من هذه البضائع ولم يعزلها عن التجارة، بل استمر في استرباحها برضا زيد، فإن ذلك يقتضي أن كلا منهما قد عقد الشركة بهذا النصف المشترى، فصار نصف هذه البضائع مملوكا لخالد وبقي نصفها الآخر مملوكا لزيد، تستمر فيه المضاربة كما كانت وإن خالدا شريك لزيد بنصفها الذي يملكه، ومضاربا له في النصف المملوك لزيد. فلو حصل على هذا المجموع ربح خمسين ألفا مثلا، فإن ٢٥ ألفا منها حصة خالد بفضل كونه شريكا و٢٥ ألفا ربح المضاربة، فيقسم بينهما أنصافا، فيكون لزيد -/١٢٥٠٠ بحكم كونه رب المال، ولخالد -/١٢٥٠٠ بحكم كونه مضاربا، فيكون توزيع الأرباح بينهما كالآتي:
حصة خالد بحكم الشركة -/٢٥٠٠٠
حصة خالد بحكم المضاربة -/ ١٢٥٠٠
стр. 4188
ضمان رأس المال أو الربح
في صكوك المضاربة
أو سندات المقارضة
إعداد
الدكتور حسين حامد حسان
رئيس الجامعة الإسلامية – باكستان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ضمان رأس المال أو الربح في صكوك المضاربة
أو سندات المقارضة
أولا: المقصود بالضمان:
تطلق عبارة الضمان في أقوال الفقهاء والباحثين ويراد بها عدة معان يحسن عرضها بإيجاز قبل بيان حكم الشرع في موضوع ضمان مخاطر الاستثمار في صكوك المضاربة.
١- الضمان بمعنى ضم ذمة إلى ذمة أخرى في الالتزام بدين ثابت وقت الضمان، أو يحتمل ثبوته في المستقبل. وهذا يقتضي أن يكون هناك طرفان أحدهما دائن والآخر مدين له، ثم يأتي طرف ثالث هو الضامن، فيضم ذمته إلى ذمة المدين ويلتزم بأداء ما ثبت أو ما سيثبت في ذمته من دين في المستقبل.
والضمان بهذا المعنى طريق من طرق التوثيق الشرعية، ففيه يشترط الدائن أو يتبرع المدين بتوثيق الدين الثابت في ذمته، أو الذي يحتمل ثبوته في ذمته في المستقبل، على رأي القائلين بجواز ضمان الدين الاحتمالي المستقبل غير محدد المقدار وقت منح الوثيقة. وقد ذكر المالكية لذلك صورا، منها أن يقول شخص لآخر: داين فلانا، أو بايعه، أو عامله، وأنا ضامن، فداينه أو بايعه أو عامله، فإن هذا القائل يلزمه ضمان ما سيثبت في ذمة فلان هذا من دين نتيجة هذه المعاملة. غير أن للضامن في هذه الحالة الرجوع عن الضمان قبل المعاملة (حاشية الدسوقي ٣: ٣٣٣) .
٢- الضمان بمعنى وجوب المثل أو القيمة على من أتلف مال غيره بفعل ضار غير مشروع. وهنا لا يوجد عقد بين الضامن والمضمون له، بل أساس الضمان هو نص الشارع الذي يوجب على من أتلف مال غيره أو تسبب في إتلافه ضمان مثله أو قيمته. وقد تكلم الفقهاء عن ضمان الأعيان وضمان المنافع المفوتة على المالك في باب الغصب، وهو فعل ضار غير مشروع يوجب الضمان بذاته.
стр. 4189
٣- الضمان بمعنى تحمل تبعة الهلاك أو التلف أو الخسارة بناء على قواعد الملك أو العقد وهو نوعان:
(أ) نوع يؤسس على قواعد الملكية التي تقضي بأن المال يتلف أو يهلك على ملك صاحبه، بمعنى أن المالك هو الذي يتحمل تبعة هلاك ملكه، ما لم يوجد سبب شرعي يحمل هذه التبعة على غيره. فإذا كان المال بيد مالكه أو بيد غيره بعقد من عقود الأمانة – كالوديعة والإجارة والمضاربة – فإن تبعة هلاكه أو تلفه تقع على المالك، ما لم يكن هذا الهلاك أو التلف قد حدث بسبب فعل ضار غير مشروع وقع من غير المالك، ويدخل في ذلك تعدى الأمين في المال أو التقصير في حفظه أو استثماره أو مخالفة شرط من شروط عقد الأمانة، وضمان الأمين هنا ليس أساسه عقد الأمانة، بل التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط العقد، أي الفعل الضار غير المشروع.
(ب) ونوع يؤسس على وضع اليد على المال بعقد من عقود الضمان، أي العقود التي تحمل وضع اليد بعقد معين تبعة هلاك هذا المال، ولو كان الهلاك بسبب لا مبرر له فيه، تطبيقا لقاعدة الخراج بالضمان أو الغنم بالغرم أو قاعدة الاستيفاء، كعقد الرهن فإن يد المرتهن على المال المرهون يد ضمان عند الأحناف، وكعقد العارية عند البعض، وكمن وضع يده على مال سوم الشراء، أو بناء على التعدي أو التقصير المفترض من واضع اليد كالآجير المشترك عند بعض الفقهاء الذين يحكمون بتضمينه ما تلف تحت يده من مال، ما لم يثبت هو أن التلف أو الهلاك كان بسبب أجنبي لا يد له فيه.
٤- الضمان بمعنى الالتزام بالقول من جانب الملتزم، وهو ما يطلق عليه عبارة الوعد الملزم، أو التبرع الملزم، أو الالتزام من جانب واحد. وقد يكون هذا الالتزام في مقابل عمل يقوم به الملتزم له، كالتزام الجاعل الجعل، كمن يعلن عن جائزة لمن يقدم له تصميما هندسيا، أو اكتشافا علميا. وقد يكون في مقابل عمل نافع للمتلزم له دون الملتزم، كمن يقول لآخر: ادرس الطب وعليَّ مصاريف دراستك، أو تزوج ابنة عمك وعلي صداقها، أو ابدأ في هذا المشروع وعلي رأسماله.
وسوف نرى عند دراسة موضوع ضمان سندات المقارضة أو ما ينتج عنها من أرباح المقصود بالضمان في أقوال الباحثين.
стр. 4190
ثانيا: الصفة الشرعية لصكوك المضاربة أو سندات المقارضة:
صكوك المضاربة أو سندات المقارضة تطبيق حديث لعقد المضاربة الشرعية، يقوم فيه المضارب – فردا أو شركة أو مؤسسة – بدراسة اقتصادية لنشاط معين، أو مشروع خاص، ثم يوجه إيجابا عاما للجمهور، أو لبعض المؤسسات المالية أو الأفراد لتمويل هذا النشاط، أو ذاك المشروع باعتبارهم رب المال في عقد المضاربة، ويأخذ هذا الإيجاب شكل نشرة إصدار تعرف بالمشروع أو النشاط ورأس المال المطلوب، وطريقة إدارته، وحصة أصحاب رأس المال في أرباحه وغير ذلك من البيانات اللازمة لصحة عقد المضاربة، وتشير هذه النشرة إلى أن دراسة الجدوى قد أعدت وفق الأصول العلمية المرعية، واعتمدت على بيانات صحيحة، ويقسم رأس المال المطلوب للمشروع إلى حصص أو وحدات نقدية، وتطرح شهادات أو صكوك تمثل وحدة أو عددا من هذه الوحدات المالية، وكل من يسهم في رأسمال المضاربة بمبلغ من النقود يحتفظ بصك أو أكثر من هذه الصكوك باعتباره يمثل حصة شائعة في المشروع بعد إنشائه. فالملكية لا تنصب على الصك نفسه بل على ما يمثله الصك من حصة مالية في المشروع، فهو دليل الحق ووثيقة إثباته، يقوم تسليمه مقام قبض الحصة الشائعة في المشروع عند التصرف فيها.
وتحتوي صكوك المضاربة خلاصة لنشرة الإصدار تتضمن أركان عقد المضاربة والشروط اللازمة لصحته، وتحيل في التفصيل لنشرة الإصدار ودراسة الجدوى، وهذه الوثائق كلها تكون عناصر الإيجاب اللازم لعقد المضاربة، ويفترض فيمن يكتتب في تمويل هذا المشروع بشراء هذه الصكوك أنه اطلع على هذا الإيجاب وأنه رضي به.
وتبقى مسؤولية المضاربة قائمة عن صحة ما ورد في نشرة الإصدار وصكوك المضاربة من بيانات، وعن سلامة دراسة الجدوى التي أعدت للمشروع، بحيث يلزمه الضمان إذا تبين عدم صحة البيانات المقدمة أو عدم الالتزام بالأسس العلمية في دراسة الجدوى. وقد يعهد المضارب إلى غيره بإعداد الدراسة المطلوبة وإدارة عملية الإصدار لحسابه في مقابل معين، ولكن هذا لا يعفيه من الضمان.
стр. 4191
وواضح في هذا التطبيق الجديد لعقد المضاربة أن أطراف عقد المضاربة لا يجتمعون في مكان واحد أو في مجلس عقد واحد، بحيث يمارسون المساومة في شروط عقد المضاربة ونوع النشاط وطبيعة المشروع وسلطات المضارب، وحصته من الربح وغير ذلك مما يتضمن عقد المضاربة، بل وقد لا يعرف بعضهم بعضا، كما أن حملة صكوك المضاربة باعتبارهم أرباب المال قد يتغيرون من وقت لآخر نتيجة تداول هذه الصكوك في سوق الأوراق المالية. ويمكن تشبيه عقد المضاربة في صورته الحديثة التي تقوم على صدور الإيجاب بشروطه وحدوده من المضارب، بحيث لا يتاح لأرباب المال فرصة مناقشة بنود العقد وشروطه، عقود الإذعان في القانون؛ إذ إن رب المال في هذه الصورة لا يملك إلا القبول أو الرفض، وهو إن قبل فإنما يقبل بناء على معلومات وبيانات لا يتيسر له التحقق من صحتها في الكثير الغالب من الحالات، ولذلك قلنا إن المضارب مسؤول عن صحة هذه البيانات والمعلومات.
وحصيلة صكوك المضاربة بعد بيعها تمثل رأس مال المضاربة، وهو مملوك لحملة هذه الصكوك، ويد صاحب المشروع (المضارب) عليها يد أمانة، وعند بدء التشغيل وتحويل النقود إلى سلع ومعدات ومبان تنتقل ملكية حملة الصكوك إلى هذه السلع والمعدات باعتبارها مكونات المشروع.
ثالثا: ضمان المضارب لصكوك المضاربة:
عرفنا أن المضارب في هذه الحالة هو من تم الاكتتاب لصالحه، سواء قام به بنفسه أو قام به غيره نيابة عنه، فهو صاحب فكرة المشروع، وهو الذي يتلقى حصيلة الاكتتاب ويوجهها للاستثمار في المشروع، وفق دراسة الجدوى وشروط نشرة الاكتتاب وصكوك المضاربة، وذلك باعتباره مضاربا، فهو لا يملك المشروع إلا بقدر ما يكتتب فيه لنفسه، ولكنه يديره لحساب مالكيه، وهو يديره وفق أحكام المضاربة الشرعية، وعلى أساس الشروط التي تضمنها الوثائق التي قلنا إنها تمثل الإيجاب، أي نشرة الإصدار ودراسة الجدوى وصكوك المضاربة، والتي على أساسها تم القبول بشراء هذه الصكوك التي تمثل حصته في ملكية المشروع بعد إنشائه.
والمضارب في هذه الحالة قد يكون فردا وقد يكون شركة، وقد يكون مؤسسة مالية كالبنوك وشركات الاستثمار، وهو في جميع الأحوال صاحب قرار الاستثمار لا يشاركه فيه حملة الصكوك باعتبارهم أرباب المال، ولا يقيده في إصداره إلا أحكام المضاربة الشرعية والشروط التي تضمنتها نشرة الإصدار ودراسة الجدوى، وصكوك المضاربة، وهذا هو مقتضى عقد المضاربة وحكمها الأساسي الذي يفرق بين المضارب والأجير ولا يجوز الاتفاق على عكسه بأن يقيد المضارب في اتخاذ القرار الاستثماري باستشارة رب المال، أو العمل بتوجيهاته في هذا القرار.
стр. 4192
وقد تكفلت قواعد الشريعة بحماية رب المال بصورة جمعت بين المصالح المتعارضة، فالمضارب أولا يلتزم في إدارة المشروع بأحكام الشريعة التي تمنعه من كل صور التعدي: أي تعمد الإضرار بمصالح رب المال، وهو مسؤول إذا ارتكب فعلا من أفعال التعدي باتفاق الفقهاء، كما أنه مكلف في إدارته للمشروع وفي إصدار القرارات الاستثمارية باتباع السلوك العادي، وتحري الحيطة والحذر المتوقع من أمثاله من أهل الخبرة في هذا المجال. وهو إن أخطأ أو قصر بدون قصد في هذه الإدارة أو في اتخاذ قرار استثماري معين ترتب عليه لحوق الضرر بالمشروع كان مسؤولا أي ضامنا لكل خسارة تلحق المشروع أو ربح يفوت عليه، ولو لم يكن قاصدا لوقوع هذا الضرر، وهذا هو الفرق بين التعدي والتقصير.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن للمضاربة أحكاما شرعية فصلتها كتب الفقه، وهي قيود والتزامات فرضها الشارع على المضارب في عقوده وتصرفاته وإدارته للمشروع، فهناك نشاط لا يملك المضارب الدخول فيه، وعقود لا يستطيع إبرامها، وتصرفات لا يحل له القيام بها، وهي في مجموعها حماية كافية لرب المال.
ولكن الشريعة الإسلامية لم تكتف بذلك، بل أجازت لرب المال أن يضع قيودا، وأن يفرض واجبات على المضارب في عمله، وأن يمنعه من أنشطة معينة، وأن يضمن عقد المضاربة توجيهات ملزمة للمضارب، كل ذلك بشرط واحد هو ألا تصل هذه القيود والشروط والتوجيهات إلى الحد الذي يضيق على المضارب ويكبله في اختيار القرار الاستثماري المناسب، ويمنع الاستفادة منه كخبير استثمار.
ومن الملاحظ في عقود المضاربة في البنوك الإسلامية أن هذه البنوك باعتبارها رب مال لا تولي هذا الأمر العناية اللازمة، مما سبب لها أضرارا بالغة، فبعض هذه البنوك ليس لديها خبراء استثمار على المستوى المطلوب لدراسة المشروعات المطلوب تمويلها، كما أنه ليس لديها خبراء في صياغة عقود المضاربة في كل نشاط أو مشروع على حدة، بحيث تتضمن هذه العقود الشروط التي توجه المضارب وتحمي مصالح البنك.
стр. 4193
ولا خلاف بين الفقهاء في أن المضارب يضمن رأس مال المضاربة، والربح الناتج عنه في الحالات السابقة، أي في حالة الخروج على حكم من أحكام عقد المضاربة، التي فصلتها الشريعة، بأن أتي تصرفا أو أبرم عقد أو اتفاقا لا يجيزه الشرع، أو وقع منه تعد، بأن صدر عنه فعل متعمد ترتب عليه هلاك رأس المال أو تلفه أو نتجت عنه خسارة أو ضاع بسببه ربح، أو سلك في إدارته للمشروع سلوكا يتسم بالتقصير ويوصف بالخطأ الذي لا يتوقع من خبراء الاستثمار أمثاله، نتيجة إهمال وعدم اكتراث، ولو لم يقصد أو يتوقع ترتب الضرر عليه، أو خالف في إدارته للمشروع شرطا أو قيدا أو توجيها تضمنه عقد المضاربة، أي تضمنته دراسة الجدوى ونشرة الإصدار وصكوك المضاربة.
ويمكن لحملة الصكوك أن يختاروا من بينهم مجلسا لمراقبة المشروع ومتابعة إدارته والتأكد من التزام المضارب لأحكام الشريعة وشروط المضاربة، واتخاذ الإجراءت المناسبة لحماية حقوق حملة صكوك المضاربة، فهذا المجلس يمثل أرباب المال وينوب عنهم فيما لهم من حقوق، ومهمته هي التأكد من تنفيذ إدارة المشروع للعقد وليس إدارة المشروع أو المشاركة في إدارته، إذ إن ذلك ينافي مقتضى العقد كما سبق بيانه، كما أن لحملة صكوك المضاربة أن يعهدوا بهذه المهمة لجهة أو هيئة معينة تقوم بهذه المهمة في مقابل أجر كمكاتب المحاسبة، والمكاتب الاستشارية، وذلك كله زيادة على قيام أجهزة الدولة بالرقابة على جدية المشروع ونزاهة القائمين عليه، وجدواه الاقتصادية، وسلامة إجراءات الاكتتاب فيه، وحسن إدارته، حماية لمصالح الجمهور، وحفاظا على المصالح الاقتصادية للمجتمع.
وهناك قضية هامة ينبغي الإشارة إليها، وهي إثبات التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط المضاربة – من جانب المضارب – وقد سلك فيها المالكية مسلكا خاصا يحمي مصالح أرباب المال، فدعوى الهلاك أو التلف لمال المضاربة لا تقبل من المضارب إذا كانت هناك قرائن تكذبها، ويحكم بضمانه لما ادعى هلاكه أو تلفه. أما في دعوى الخسارة فإنهم يتشددون مع المضارب حماية لرب المال؛ فدعواه الخسارة لا تقبل إلا بشرطين: أحدهما أن يحلف اليمين على أنه قد خسر، وثانيهما: ألا توجد قرائن تكذب هذه الدعوى، وهذا الحكم يطبق على المضارب ولو كان حسن السمعة، غير متهم.
стр. 4194
ولا شك أن دراسة الجدوى المقدمة من المضارب، والبيانات التي بنيت عليها هذه الدراسة، وهي تتضمن الربح المتوقع من المشروع، والتي أشار إليها في نشرة الإصدار تعد قرينة قوية على بطلان دعوى الخسارة المجردة عن الدليل، وهنا يحكم عليه بضمان الربح المعلن في دراسة الجدوى حتى يقدم هو الدليل على الخسارة التي يدعيها، ويثبت أن ما ورد في الدراسة لم يتحقق لسبب لا يد له فيه، ولظروف طارئة لم يكن من الممكن توقعها أو قياس نتائجها. وقد مثل المالكية للقرينة بقولهم (بأن سأل رب المال تجار بلد تلك السلع هل خسرت في زمان كذا أولا، فأجابوا بعدم الخسارة) [الشرح الكبير للدردير ٣: ٥٣٦] .
جاء في الشرح الكبير للدردير: والقول للعامل في دعوى تلفه كله أو بعضه، لأن ربه رضيه أمينا، وإن لم يكن أمينا في الواقع، وهذا إذا لم تقم قرينة على كذبه وإلا ضمن، وفي دعوى خسره بيمين ولو غير متهم على المشهور إلا لقرينة تكذبه.. فيغرم بمجرد نكوله لأنها دعوى اتهام (الشرح الكبير للدردير ٣: ٥٣٦) .
هذه هي حدود مسؤولية المضارب أو القائم على إدارة المشروع الذي صدرت صكوك المضاربة لتمويله، وتلك هي أسباب ضمانه لهلاك رأسمال المشروع أو خسارته. وفي خارج هذه الحدود لا يحكم على المضارب بالضمان باتفاق الفقهاء، وهذا هو العدل الذي جاءت به الشريعة، فالمضارب قد دخل في شركة مع رب المال، وكانت حصته في هذه الشركة عمله وعلمه وخبرته، وكانت حصة رب المال هي رأسماله، وقد اتفقا على توزيع الربح الناتج عن المضاربة على أساس مساهمة كل حصة في إنتاج هذا الربح، أي العمل ورأس المال على نحو استقلا بتقديره دون قيود من الشارع ثم قررت الشريعة أن كلا من المضارب ورب المال مسؤول في حدود حصته دون زيادة، فرب المال يسأل في حدود حصته، فلا يخسر أزيد من رأسماله، والمضارب يسأل في حدود حصته، فلا يخسر إلا جهده وخبرته. فإذا حدث هلاك أو خسارة لا يد للمضارب فيها فليس من العدل أن يتحمل وحده تبعة هذا الهلاك، أو تلك الخسارة. أما إذا تعدى أو فرط أو خالف حكما من أحكام العقد أو شرطا من شروطه فإنه يسأل عن ذلك، ويضمن رأس المال والربح، باعتبار ذلك جزاء عمله غير المشروع الذي أدى إلى الهلاك أو الخسارة. وقد رأينا أن المالكية يقدمون القرائن على دعوى المضارب ويحكمون بتضمينه إذا قامت قرائن تكذب دعواه.
стр. 4195
رابعا: احتياطي مواجهة مخاطر الاستثمار:
ليس هناك ما يمنع شرعا من أن تتضمن نشرة الإصدار وصكوك المضاربة أن حملة صكوك المضاربة يوافقون على اقتطاع جزء من أرباحهم كل سنة كاحتياطي خاص لمواجهة مخاطر الاستثمار، بحيث يعوض من هذا الجزء ما ينقص من رأس المال، أو ما يقلل من الأرباح عن حد معين – في سنة معينة – باعتبار ذلك تبرعا ممن يملك رأس المال وعائده، والتبرع يلزم بالقول عند المالكية. على أنه يجوز أن ينصب التبرع على ما يكفي لجبر الخسارة أو نقصان الربح عن الحد المعين من ذلك الاحتياطي، بحيث يبقى ما يفيض عن ذلك ملك حملة صكوك المضاربة؛ أي أنهم يتبرعون من هذا الاحتياطي بما يكفي فقط لجبر الخسارة أو نقصان الربح في إحدى السنوات، كما أنه يمكن أن يكون التبرع بكل ما يقتطع من الربح ويوضع في الاحتياطي الخاص وفي هذه الحالة فإن ما يزيد عن جبر الخسران، أو نقصان الربح يصرف في نهاية المشروع في وجوه الخير، وتتضمن نشرة الإصدار والصكوك ما يحدد محل التبرع ونسبته، وصفته الشرعية، وكيفية التصرف فيه.
وإذا تم تداول هذه الصكوك فإن المالك الجديد للصك بقبوله لشراء صك المضاربة يوافق على هذا التبرع؛ لأن الصك يحمل في ظهره ما يفيد اقتطاع نسبة من الأرباح لتكوين احتياطي لمواجهة مخاطر الاستثمار.
وهذا الترتيب يدخل تحت الضمان بمعنى الالتزام بالقول، أو الوعد الملزم، ولا صلة له بالضمان بمعانيه الأخرى التي سبقت الإشارة إليها في مقدمة هذه الورقة، وهذا النظام الذي يهدف إلى تأمين مخاطر الاستثمار في صكوك المضاربة يفضل غيره من الوسائل، ذلك أنه لا يعتمد على طرف ثالث خارجي، فحملة صكوك المضاربة وهم أصحاب المشروع يقومون بالتبرع لتكوين احتياطي يؤمن مشروعهم ضد مخاطر الاستثمار وذلك من أرباح المشروع نفسه، ثم إن الجزء الذي يفيض عن تغطية المخاطر الفعلية المطلوب تغطيتها يبقى حقا من حقوق الملكية، ولا يذهب سدى، كالشأن في التأمين ضد هذه المخاطر لدى إحدى شركات التأمين.
стр. 4196
خامسا: تبرع طرف ثالث بضمان رأس المال أو الربح في صكوك المضاربة:
يقصد بالضمان هنا الالتزام على سبيل التطوع، وهو ما يطلق عليه المالكية الوعد الملزم، وذلك بأن تتضمن نشرة الإصدار وصكوك المضاربة موافقة طرف ثالث خارج عن أطراف عقد المضاربة على ضمان رأس المال أو نسبة معينة من الربح. وهذا الطرف الثالث قد يكون فردا أو شركة لها مصلحة في تشجيع نوع معين من النشاط، أو مؤسسة خاصة تهدف إلى تشجيع المدخرات على المساهمة في مشروع معين ضمن خطة التنمية، وتجمع لذلك بعض الأموال على سبيل التبرع لمواجهة هذا الضمان.
وليس في مقاصد الشريعة العامة وقواعدها الكلية، وأحكامها الجزئية ما يمنع من صحة تبرع شخص بمبلغ من المال، إذا كان تبرعه هذا معلقا على شرط معين، فغاية الأمر في هذه الحالة أن المتبرع يعلق التزامه على شرط هو تلف رأس المال أو بعضه، أو نقصان الربح عن حد معين، وقد قرر بعض المالكية أنه لو قال شخص لآخر: تزوج هذه المرأة وعلي صداقها، فإنه يلزمه الصداق إذا تزوجها، وأنه إذا قال لآخر: داين فلانا أو بايعه أو عامله أو خدمه عندك، أو قال لأهل السوق اجعلوا فلانا سمسارا عندكم وعلي ضمانه، أنه يلزمه مما يثبت في ذمته، نتيجة هذه المعاملة (الشرح الكبير للدردير ٣: ٣٣٣) بل سلم الحنابلة وغيرهم أنه لو قال لآخر: ألق متاعك في البحر وأنا ضامن، فإنه يلزمه الضمان (المغني لابن قدامة ٤: ٥٩٢) وكذلك ذكر بعض الحنفية أنه لو قال لغيره: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، فإن ضاع متاعك فأنا ضامن، إن الضمان يلزمه إذ المعنى: إن داينت فلانا أو بايعته وثبت في ذمته دين فأنا ضامن، وأن ألقيت مالك في البحر فهلك فأنا ضامن، وإن سلكت هذا الطريق فضاع المتاع فأنا ضامن، وأن ألقيت مالك في البحر فهلك فأنا ضامن، وإن سلكت هذا الطريق فضاع المتاع فأنا ضامن، وقياس ذلك في الحالة المعروضة: اشتر هذه الصكوك، أو استثمر مالك في هذا المشروع، فإن هلك رأسمالك أو نقص الربح عن حد معين، فأنا ضامن، أي ملتزم بأدائه، ولا خلاف عند المالكية في أن التعليق في المعنى في عقود التبرع لا يبطل العقد، فإذا قال شخص لآخر: وهبت لك ثمار هذا البستان العام القادم فإن الهبة تصح، وهي التزام معلق على شرط في المعنى، فكأنه قال: إن أثمر هذا البستان في العام القادم فثماره لك، لأن الجهالة والغرر الناتجين عن التعليق لا تؤثر في عقود التبرع، بل تؤثر في عقود المعاوضات؛ لأن المتبرع إليه لا يتضرر بعدم وقوع المعلق عليه، لأنه لم يغرم شيئا في مقابلة ما وعد به من عوض، في حين أن الطرف الذي علق العوض الذي يستحقه في عقود المعاوضة، يتضرر بعدم وقوع المعلق عليه؛ لأنه قد دفع عوضا مقابلا لما وعد به.
стр. 4197
سادسا: تبرع الدولة بضمان رأس المال أو الربح في صكوك المضاربة:
إذا قامت الدولة بالإعلان عن التزامها بضمان رأس المال أو نسبة معينة من الربح لحملة صكوك المضاربة في مشروع معين، وتضمنت نشرة الإصدار هذا الالتزام كان هذا الإعلان ملزما لها باعتباره تبرعا يلزم بالقول على رأي المالكية وبعض الفقهاء.
والدولة في هذه الحالة لا تضمن المضارب، بمعنى ضم ذمتها إلى ذمته فيما يلزمه، لأن الغرض أنه لم يأت بسبب يلزمه به شيء، بل إنها تتبرع لحملة صكوك مشروع معين، إذا هلكت رؤوس أموالهم، أو نقصت أرباحهم الناتجة عن هذا المشروع عن حد معين، وكأنهم يقومون بالاستثمار بأنفسهم، وهذا لا يمنع من جواز ضمان الدولة للمضارب شرعا بمعنى ضم ذمة الدولة إلى ذمته فيما يلزمه من ضمان، نتيجة التعدي أو التقصير، أو مخالفة أحكام المضاربة أو الشروط التي اشترطها رب المال عليه، فهنا تقوم الدولة بتعويض حملة الصكوك عما يلحقهم من ضرر بسبب يترتب عليه الضمان على المضارب، ذلك أن الدولة تشرف على النشاط الاقتصادي، وتقوم المشروعات، ولديها من الوسائل ما تحافظ به على مصالح حملة الصكوك، ولها في سبيل ذلك أن تطمئن أرباب المال على استثمارهم في مشروع معين، يدخل ضمن خطة التنمية للدولة.
ويستحسن أن تخصص الدولة ميزانية خاصة، تقوم على أساس التبرع لضمان مخاطر الاستثمار في المشروعات الهامة، أو ذات النفع العام، أو أن تفرض وظيفة خاصة لهذا الغرض تحدد بنسبة معينة من أرباح المشروعات والشركات العامة في الدولة، ويمكن أن يحقق هذا الصندوق أهداف التوازن بين النشاطات المختلفة في داخل الدولة.
стр. 4198
سابعا: تأمين مخاطر الاستثمار لدى شركة تأمين إسلامية:
إن شركة التأمين الإسلامية هي الشركة التي تقوم على إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله لحساب حملة وثائق التأمين الذين يمثلون المؤمن عليهم في نفس الوقت، فشركة التأمين لا تملك أموال التأمين الناتجة عن الأقساط وعائد استثمارها، لأن هذه الأموال ملك لحملة وثائق التأمين، وقد اتفقوا على التبرع منها بما يلزم لدفع التعويضات عن الأضرار الحادثة في عام معين، وفقا للنظام المتفق عليه بينهم في تحديد الأقساط ومبالغ التأمين عند وقوع الأخطار المؤمن منها، وشركة التأمين تقوم بعمليات التأمين وفق الأصول الفنية السائدة، كقانون الكثرة، ونظرية الاحتمالات وغيرهما مما تستخدمه شركات التأمين التجارية، غاية الأمر أن ما يجمع من أقساط يكون على ملك حملة وثائق التأمين أنفسهم، وعائد استثماره يكون حقا لهم، وهم يدفعون من هذه الأقساط وعائدها التعويضات اللازمة لجبر الأضرار نتيجة وقوع الأخطار المؤمن منها، وذلك على سبيل التبرع، وما يبقى من هذه الأقساط فهو ملك لهم. على عكس الحال بالنسبة لشركات التأمين التجارية، فإن الفرق بين ما يجمع من أقساط، وما يدفع من تعويضات في سنة معينة يذهب للشركة ويعد ربحا للمساهمين فيها، وشركة التأمين الإسلامية تأخذ أجرة على قيامها بإدارة عمليات التأمين تغطي مصاريفها، وتحقق هامشا مناسبا من ربح لأصحابها، ويمكن تحديد هذا الأجر بطريق من طريق تحديد الأجر الشرعية، كأن يكون مبلغا مقطوعا أو نسبة من الأقساط، ويمكن أن تعطي هذه الشركة نسبة من عوائد استثمار أموال التأمين باعتبارها مضاربا يقوم باستثمار هذه الأموال.
وليس هناك ما يمنع في نظري من التأمين لدى هذه الشركات ضد مخاطر الاستثمار، أي هلاك رأس المال أو الخسارة أو نقص الربح عن حد معين على أن يحدد قسط التأمين على هذا الأساس، فإذا ما حدثت خسارة أو نقص الربح عن حد معين جبرت هذه الخسارة أو النقص في الربح من أموال التأمين، على أنه يجب أن يراعي أن يكون حملة وثائق التأمين أي المؤمنين هم المؤمن لهم، وأن يكون دور شركة التأمين هو دور المدير لعمليات التأمين مقابل أجر، والمستثمر لأمواله مقابل حصة معينة من الربح.
د. حسين حامد حسان
стр. 4199
سندات المقارضة
وسندات التنمية والاستثمار
إعداد
فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي
مفتي الجمهورية التونسية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
سندات المقارضة
علمت بهذه الطريقة في النشاط الاقتصادي لأول مرة في المؤتمر السنوي الثالث لمجمع الفقه الإسلامي بعمان. إذ عرض عطوفة الدكتور عبد السلام العبادي بحثا انفرد به في الموضوع، ثم إني لم أعثر على شيء آخر يفيدني في تصور المقصود بسندات المقارضة ولذا فإني مرتبط بالتصور الذي حصل لي بعد متابعة دراسة الدكتور عبد السلام.
الفصل الأول
المقصود بسندات المقارضة
عرف سندات المقارضة قانون البنك الإسلامي الأدرني رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨ بأنها الوثائق الموحدة القيمة التي تصدر بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.. يحصل مالكو السندات على نسبة محددة من أرباح المشروع. ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد كما لا تعطي مالكيها الحق في المطالبة بفائدة سنوية محدودة وأما النسبة الأخرى من الأرباح فتخصص لإطفاء السندات كل سنة.
القسم الأول: سندات يستثمر البنك قيمتها المدفوعة في مشروع استثماري معين لمدة محدودة يستحق صاحب السند كل سنة قسطا من الأرباح على نسبة قيمة السند ثم يقبض في نهاية المدة قيمة سنده.
стр. 4200
القسم الثاني: وهو الذي يهم وزارة الأوقاف تصويره عمليا: أن تكون وزارة الأوقاف مالكة لأرض أو لعقار تبرز الدراسة الاقتصادية له أنه لو أنفق فيه ما يقيم منه عمارة أو سوقا تجارية أو غير ذلك سيدر أرباحا وأنه مشروع ناجح حسب التقديرات. ولما كانت الوزارة لا تملك الأموال لتنفيذ المشروع. فهي تطرح في السوق سندات بقيم محددة يستحق كل صاحب سهم جزءا من دخل المشروع الذي هو الكراء دوما على حسب ما يقرر في نشرة الإصدار. يوضحه أن الربح السنوي يقسم بين وزارة الأوقاف وبين أصحاب السندات. وأن حظ وزارة الأوقاف من الربح تخصصه لشراء الأسهم ففي كل سنة تتوسع وزارة الأوقاف في نسبة الملكية للمشروع ويتقلص شيئا فشيئا عدد المساهمين إلى أن تستولي الوزارة على كامل المشروع.
ويؤكد أن الصناديق لمشاريع الوزارة هي صناديق مستقلة فكل مشروع يقوم حسابه على حدة.
الفصل الثاني
الأسباب الحاملة على اختيار هذه الطريقة
إيجاد تمويل للمشاريع التي تحرك الاقتصاد في دولة إسلامية.
إن هذا التمويل فيه تحويل المسلمين عن الاستهلاك والإسراف إلى الإسهام في بعث حركة اقتصادية.
فتح منهاج جديد في إيجاد السيولة المالية لبعث مشاريع على الأصول الإسلامية كما جاء في المذكرة الإيضاحية، والمقصود بهذه السندات هو إيجاد البديل الإسلامي لسندات القرض التي يمكن للشركات والبنوك إصدارها على أساس الفائدة.
أن يكون الإقبال على التمويل شاملا للجماعة التي بين يديها سيولة مالية وانعزلت عن الاشتراك في موكب تحريك عملية الاقتصاد فانكمشت لارتباط سندات القروض بالربا المحرم.
стр. 4201
الفقرة ٩ ص٧ وقد بينت الأسباب الموحية لقانون سندات المقارضة أن الذي دفع إلى الأخذ بهذا النوع من السندات ملاحظة أن إصدار السندات المالية وسيلة ناجحة بين وسائل اجتذاب المدخرات وتجميع الأموال اللازمة لتمويل المشروعات في مختلف الوجوه النافعة خدمة للاقتصاد الوطني وأن السوق المالية الأردنية أخذت تشهد نشاطا متزايدا في مجال إصدار السندات المالية وتداولها سواء في ذلك السندات المالية الحكومية الصادرة بموجب أحكام قانون الدين العام أو السندات المالية التي تصدرها المؤسسات ذات الاستقلال المالي والإداري. ولكن ارتباط هذه الأشكال من السندات بنظام الفائدة المحددة أدى إلى عدم تداول هذه السندات أو التعامل بها بين فئات المواطنين التي لا تقبل على استثمار أموالها على أساس الفوائد المحددة باعتبارها من الربا المحرم.
فقد تبين أن الحاجة إلى توسيع قاعدة المتعاملين في مجال السندات يتطلب استحداث هذا النوع الجديد من السندات المنظمة على أساس المشاركة في الإيراد المتوقع للمشروع الممول من حصيلة الإصدار المعين. وذلك على أساس إجراء التصفية التدريجية لهذه السندات وانتقال المشروع بكامله عند تصفية السندات الخاصة به ليصبح مع إيراده ملكا للجهة الحكومية ذات العلاقة فالغاية أن تصب في المحفظة الممولة للمشاريع كل الروافد مؤمنة كانت أو غير مؤمنة ورغبة في تطبيق شرع الله. أو متحللة من ذلك.
الفصل الثالث
التكييف الشرعي
أولا – عرضت هذه الطريقة كأسلوب أنف وصورة من صور التعامل الجديد القائمة على مبادئ الاقتصاد الإسلامي ص٥ فقرة ٧ وأكد هذا المعنى صفحة ٨ فقرة ١٢. واضح أن صيغة سندات المقارضة تطرح على أنها صورة من صور التعامل الجديد وفق قواعد الاقتصاد الإسلامي. والفقه الإسلامي قاعدة عامة ووفق أرجح المذاهب يرحب بكل صور التعامل الجديدة ما دام أنها لا تتضمن تحليلا لحرام أو تحريما لحلال وفق القاعدة الفقهية المقررة أن الأصل في الأشياء الإباحة أو الأصل التخلية عن الحكم.
стр. 4202
وإذا لم يتعلق بالأمر دليل يحرم فيعود الأمر إلى الإباحة ثم استحوذ على القائمين على البديل لسندات القرض الربوي فكرة أساسية هي أن هذه الصورة هي صورة من النشاط الاقتصادي الحلال. ثم عملوا على وجود سند للتحليل وذلك بالاعتماد على أن الأصل في الأشياء الإباحة وهذا جديد لم يرد فيه نهي عن الشارع فهو مباح ثم أخذ الداعون إلى اعتماد هذه الصورة يبحثون عن طبيعتها فيقول صاحب البحث المقدم: إنهم ترددوا بين كونها مضاربة أو شركة.
الفريق الأول:
وارتضى الفريق الأول أن العقد عقد قراض بناء على أن أركان العقد قد توفرت وهي المقارِض وهو صاحب السهم، والمقارَض الوزارة ورأس المال ما دفع من مال ناضٍّ في السند ونسبة الربح محددة معلومة لطرفي العقد.
وإن الفرق بين الشركة والقراض أنه في عقد الشركة لا بد أن يكون قيمة السهم هي القيمة الحقيقية بينما في القراض تعتمد القيمة الاسمية عند الإطفاء إذ هو رأس المال المدفوع.
وحلوا تداول الأسهم بأن الاختلاف عن القيمة الاسمية في التداول تحكمه عوامل السوق التي من أهمها مقدار الأرباح المتوقعة من امتلاك السندات ومدى الثقة بالحصول عليها مستقبلا بالمقارنة مع صور الاستثمار الأخرى.
وأن القيمة السوقية للسند تتألف من القيمة الحالية لرأس المال مضافا إليها القيمة الحالية للأرباح وفي هذا تدخل جميع العوامل المؤثرة على ربحية المشروع.
وجعلوا مبدأ تداول السندات بَدْوُ صلاح المشروع قياسا على بدو صلاح الثمرة وكمكان معروض يعتبر الوجود القانوني للمشروع بدو صلاحية دون البداية الفعلية.
الفريق الثاني:
حسب البحث المقدم هي وجهة نظر ثانية يقول الدكتور عبد السلام – وأما الباحثون الذين أدخلوا في مفهوم علاقة المضاربة مفهوم الشركة باعتبار أن هناك مشاركة في المشروع بين المكتتبين والجهة المصدرة فإنا نستطيع أن نجد ذلك في الورقة التي أعدها مجموعة من الخبراء عن الأوراق الإسلامية بتكيلف من البنك الإسلامي للتنمية بجدة في اجتماعه المنعقد ٥/ ٦ ربيع الثاني ١٤٠٦هـ - ١٧/ ١٨ ديسمبر ١٩٨٥ وقد انتهت اللجنة إلى إقرار جواز جمع الأموال بطريقة إصدار ورقات مالية تتخذ الصورة النقدية في البداية ثم تتحول بعد ذلك إلى أعيان ومنافع داخل أي شكل من أشكال التنظيمات. وأنه يمكن أن تنتقل ملكية الورقة من شخص إلى آخر بالطرق الشرعية.
стр. 4203
ثم بينت المحاذير التي ينبغي تجنبها:
١) أن تكون الورقة ممثلة لنقود فقط أو ديون فقط أو ديون ونقود.
٢) أن يترتب على التداول مخالفة للنصوص الواضحة.
الفصل الرابع
ضمان رأس المال
اتفق الفقهاء الذين تولوا النظر في إمكانية صاحب المشروع لرد رأس المال كاملا في حالة حدوث خسارة اتفقوا على أنه لا يجوز شرعا أن تضمن الجهة المصدرة لسندات القراض الخسارة (أنه لا بد من أن يتحمل المكتب ما يتعرض له من خسارة وفق قواعد عقد المضاربة في الشريعة الإسلامية) .
وهذا دفع القائمين على الفكرة إلى البحث عن صيغة أخرى توفر الطمأنينة للمكتتب في الأسهم فوجدوا الحل في كفالة الحكومة أصل قيمة السند وقالوا إن هذه الكفالة تعرفها قواعد الفقه الإسلامية.
وقد عللوا ذلك بأن وزارة الأوقاف لها شخصية معنوية ومن صلاحيات الدولة تشجيع أي قائم على ما يعود بالخير على الجماعة ولذا فإن اللجنة ترى حذف نص تحمل المكتتبين للخسارة وأن الحكومة تتكفل بالخسارة على أساس الوعد الملزم وأن ما تدفعه الدولة من تعويضات للخسائر هو قرض للجهة المصدرة بدون فائض تسترده فور ملكية الجهة المصدرة لجميع أقساط المشروع (انظر الصفحة ١٦) .
стр. 4204
سندات المقارضة في ميزان الشريعة
أولا: طبيعة هذه المعاملة:
إن طبيعة هذه المعاملة هي أنها عقد مضاربة وإن تردد الباحث في اعتبارها عقد مضاربة أو عقد شركة لا مبرر له ذلك أن الفريق الأول كما يقول الباحث يرى أن الأساس الذي يمكن اعتماده لتصوير العلاقة الحقوقية التي تقوم في هذا النوع من التعامل هو عقد المضاربة على أساس أن الجهة المصدرة تمثل العامل والمكتتبين يمثلون صاحب رأس المال.
وكذلك الفريق الثاني هو مصرح بأن العلاقة هي المقارضة كما جاء في نص القاعدة الأولى: أنه يمكن أن تجتمع أموال مملوكة لعدد كبير من الناس في يد شخص واحد طبيعيا كان أم اعتباريا يستثمرها كمضارب وتأخذ هذه الحصة شكل ورقة مالية، ص١١.
وإذا تقرر أن هذا العقد هو عقد قراض فإنه ينبغي أن تحرر أحكامه على أساس عقد المقارضة كما جاء في التشريع الإسلامي. وما أضيف إلى هذا العقد من أمور جانبية لا تغير طبيعة العقد ينظر فيها بميزان الفقه الإسلامي أيضا.
стр. 4205
أركان هذا العقد:
المقارِض: والمقارض هنا هو المكتتب في السند. الدافع للمقدار المالي الذي هو قيمة السند والذي بموجبه يكون له الحق في الربح أو في الخسارة التي قد تصيب النشاط الاقتصادي في المشروع. فهل كان المقارض ركنا مستوفيا لجميع الشروط التي بها يصح العقد؟ لا شك أن المقارض هو شخص رشيد يملك التوكيل يقول الرافعي (وفقه الفصل أن القراض توكيل وتوكل في شيء خاص وهو التجارة فيعتبر في العامل. والمالك ما يعتبر في الوكيل والموكل فكما يجوز لولي الطفل التوكيل في أجور الطفل كذلك يجوز لولي الطفل والمجنون أن يقارض على مالهما) (١) فمشتري السند لا بد أن يكون ممن يصح فيه التوكيل والتوكل.
٢- المقارَض: وهو العامل هنا. والعامل ليس شخصا ماديا وإنما هو شخص اعتباري. ومعنى كونه شخصا اعتباريا أي أنه غير موجود في الخارج إلا أن الشارع يقدر وجوده ويرتب على وجوده أحكاما فهو بهذا من خطاب الوضع: التقادير الشرعية.
- الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين أساسيين:
أحكام تعود إلى خطاب الوضع: على معنى أن الشارع وضع الحكم دون اعتبار لإرادة المكلف أو غفلته ودون اعتبار لعلمه أو جهله فيكون مناطا للحكم بوضع الشارع. وهذه هي الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية.
أحكام تعود إلى خطاب التكليف أي لا بد من مراعاة إرادة المكلف واختياره وكونه عاقلا بالغا وهي الأحكام الخمسة الوجوب والحرمة والإباحة والكراهة والندب.
فزوال الشمس سبب لدخول وقت الظهر يتحقق للزوال هذا الحكم – دون اعتبار لإرادة المكلف أو علمه ويبقى السبب قائما وصلاة الظهر واجبة على البالغ العاقل بعد وجوب السبب الذي لا دخل له فيه. ووجود الحيض مانع يمنع كون المرأة مكلفة بأداء الصلاة معطل لتعلق السبب بالحائض أرادت المرأة أو لم ترد.