٥- وأما العقوبة بالهجر والتهديد والمنع من اقتران النساء (فقد عزر النبي ﷺ بها على الثلاثة الذين خلفوا عنه ﷺ في غزوة تبوك. كعب، ومرارة، وهلال) كما رواه البخاري ومسلم. وكذلك (عاقب بها عمر ﵁ صبيغا) كما سبق.
٦-وأما عقوبة التهديد: فهي عقوبة تعزيزية شرعية، بشرط أن لا يكون التهديد تهديدا كاذبا، وأن يرى الحاكم صلاحه في تأديب الجاني، وذلك مثل: أن القاضي أن عاد المجرم إلى جريمة أنه سيعاقبه بالحبس، أو بأقصى العقوبة.. وقيل (إن من التهديد الشرعي حكمه بالعقوبة ثم توقيف تنفيذها إلى مدة معينة) .
٧- وأما عقوبة التشهير: فهي عقوبة تعزيرية شرعية تعاقب بها على المجرم فتحرمه من ممارسة الأعمال المدنية والاجتماعية.. ويحصل التشهير بالإعلان عن جريمة المحكوم عليه –ككذبه، وخيانته. وغشه، وسلوكه الخبيث- بجميع وسائل الإعلام.
٨-وأما عقوبة العزل عن الوظيفة والحرمان عن بعض الحقوق.. فهي صارمة يفقد المجرم بسببها كثيرا. فتفقد الزوجة الناشزة نفقتها واحترامها ويفقد الزوج الخؤون سكنه واحترامه.. ويعدم العامل المضيع أو الخائن.. عمله ووظيفته..
ويفقد التاجر الكذاب الغشوش ... ثروته ... ويفقد الصانع والمحترف والطبيب صنعته وحرفته ... وهكذا هذه العقوبة تنطبق على جميع الموظفين، سواء كان عاملا رسميا أو مؤقتا.. وعلى أصحاب الحقوق فقاتل المورث يحرم من نصيبه في تركة المقتول تعزيرا له.
والغانم المجاهد يحرم من نصيبه من الغنيمة لغشه أو لتواطئه مع غيره، كما في حديث عوف بن مالك الأشعري في قصته مع خالد بن الوليد والمددي في غزوة تبوك ... التي رواها مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه. تركتها لطولها، وقلة جدواها لموضوعنا.
٩- وأما عقوبة المصادرة والإزالة فهي عقوبة شرعية رادعة. وهي تحصل بالمصادرة بأدوات الجريمة، كالبندق والمسدس، والخنجر ... إلخ ...
стр. 4692
وكمصادرة كل ما حرمت حيازته أو حظر لمصلحة المجتمع.
وتحصل بإزالة وهدم البناء الذي بني في مكان محظور أو بني لممارسة المحرمات فيه، كحوانيت الخمارين.. وبإعدام أواني الخمر وغيرها من آلات الملاهي والمخدرات والمواد المضرة المحظورة: انتهي التنبيه.
١٠- الفصل بين الرجال والنساء –من غير مفاضلة بين الجنسين- في المدارس والمكاتب، والمتنزهات والأندية.. إلا فيما دعته الضرورة لأن الضرورات تبيح المحظورات ولكنها تقدر بقدرها –لما أسلفناه من الأضرار الجسيمة الناجمة من الخلطة الفاحشة. لا سيما المراهقين والمراهقات. ومن فوق هذه المرحلة من تلاميذ المدارس والمعاهد العلمية؛ لأن الاختلاط في المدارس في تلك المرحلة قد أضر كلا من البنين والبنات، بل تضرر البنات به أكثر وأشد من تضرر البنين به، كما هو الواقع، وشهد به دعاة الاختلاط أنفسهم في البلدان المتقدمة..
فالفصل بين الجنسين ضرورة حتمية لكل مجتمع يريد صيانة أعراضه وشرفه ودينه الحق من الضياع، ولكل مجتمع يريد التقدم العلمي والعقلي والأخلاقي لا بد له من مراقبة شبابه وصيانتهم من كل ما يدعوهم إلى الميوعة والانحلال.
ومعلوم أن الاختلاط قد عاق كثيرا من شباب هذا العصر المادي، وأفقدهم التوازن العقلي، ففشلوا في التعلم والتكسب، والتنمية الجسمية والصحية بسبب هيجان الغريزة الجنسية التي يثيرها داما ذلك الاختلاط والاحتكاك مع ما يصاحبه من الهيجان، كما سبقت الإشارة إليه.
فالشاب الذي وجد الفرصة للتعليم العالي لا يقدر ممارسة دراسته إلى تلك المرحلة، إلا النزر القليل، وما ذلك إلا من شؤم الاختلاط والاحتكاك الجنسي. فتراه وقد سقط فريسة لهذا الطوفان وقل في الشابة كذلك ... فماذا ترجو ممن قلت فرصته من فرصة ذلك الذي كان من إمكانه أن لا ينشغل ولا ينجذب إلى لذة جنسية لولا هذا الاختلاط المثير ... لأنه قد قيل: إن لذة العلم في المرحلة العليا من مراحل التعليم بل وفي مرحلة التفتح العلمي يعمي ويغني عن النكاح والتفكر فيه ...
وتري كذلك كثيرا من الشباب اليوم لا يقدرون ممارسة التجارة الخاصة، أو تنمية الثروة التي ورثها من والده.. وما ذلك إلا بسبب الاختلاط والتبرج المثير ...
стр. 4693
وقل كذلك في فقدان القوة العقلية والفكرية والجسمية عند كثير من شبابنا فلنجزم الفصل بين الجنسين في الميادين التي ذكرناها. ولنجاوز كل ما أثاره الإباحيون حول الفصل والستر والحجاب.. بصفة لا تنقص المرأة ولا تخلفها عن الركب.. وقد يحتاج حل هذه المشكلة إلى تدابير عديدة قبل تقريرها.
أحسنها أن تكون محاولة الفصل بينهما بالنسبة للمتعلمين والمتعلمات كالآتي:
١-تدريب معلمات متفوقات وتكوينهن تكوينا علميا وخلقيا لجميع مراحل التدريس لا سيما بما بعد الابتدائية, ولا بد للتغلب على الصعوبات أن لا يقل عدد هؤلاء المعلمات بالنسبة للمعلمين الذكور قدر ثلثهم. وذلك لكي يتغلب التعلل بقلة المعلمات.
٢-تكثير المدارس والمعاهد والجامعات في البلدان الإسلامية حتى يفحم المتعللون بقلة المدارس فيها واقعيا.
٣- ثم الفصل بين البنين والبنات على نحو الترتيب التالي: يكون الفصل بينهما:
أولا: في فصول التعليم.. ثانيا: في بناياتها. ثالثا: في ساحات الاستراحة والملاعب أو الساعات. رابعا: في تعيين المعلمات لفصول البنات والمعلمين لفصول البنين.. والأحسن أن يكون البدء بذلك: بالفصول الإعدادية –حتى يبلغ أعمار تلاميذها الرابع عسر أو الخامس عشر- ثم الثانوية ثم الكليات. وأخيرا في المدارس الابتدائية.. بشرط مساواة أكثر المواد المدروسة للبنين والبنات بصفة عامة ولكل نقطة من تلك النقط عللها، ومسوغاتها، وأسبابها وغاياتها ... تركتها مخافة طول الكلام فيها.
ملاحظة:
قد يقول بعض من العلماء الغيورين: إن تعليم البنات مقصور ببعض سور القرآن وببعض أحاديث كلها تتعلق بعبادتهم وإطاعتهن لأزواجهن. وأما المعاملات بالتجارة والصناعة والزراعة وغيرها من المعاملات فلا تحتاج إليها.. إلخ لقلة مسؤوليتهن.. وقد يقول آخر: إن النساء مثل الرجال في كل عمل، فلهن ما لهم، وعليهن ما عليهم، فلهن أن يمارسن كل عمل تمارسه الرجال كالجندية والسياسة والهندية.. وغيرها مما سهل وصعب.. فنقول: إن كلا القولين مرفوض لما فيهما من التشدد والتساهل فأنا لا أوافق هذا في جميع ما قاله، ولا ذاك.. بل أقول: خير الأمور أوسطها.
стр. 4694
وإن أصل طلب العلم وتعلمه فرض أو مندوب أو مباح. أو محرم أو مكروه. كما هو معروف، ففي الحديث المشهور قوله ﷺ : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) . وفي رواية ((ومسلمة)) رواه البخاري في الصحيح. وابن ماجه في السنن. فمن هذا نفهم أن طلب العلم فرض وواجب على الرجل والمرأة المسلمين.
وقد قال الفقهاء (إن تعلم العلم يكون (فرض عين) بقدر ما يحتاجه الإنسان لإصلاح دينه ويكون (فرض كفاية) بما زاد عليه لنفع غيره.. ويكون (مندوبا) كالتبحر في علم الفقه وعلم القلوب.. ويكون (حراما) كعلم الموسيقي والشعوذة، والسحر، والتنجيم.. ويكون (مكروها) كأشعار المولدين من الغزل والبطالة، إلا لحاجة بلاغية علمية. ويكون (مباحا) كأشعارهم التي لا سخف فيها ولا كذب إذا سلمت من إضاعة الوقت) .
فلنكتف من هذه الأنواع بالنوع الأول وهو (فرض العين) : فمنه:
(معرفة حق الخالق، وحق المخلوقين علي مقتضي الشريعة. فيدخل في هذا القسم معرفة الله ورسوله.. والإسلام بصفة عامة، ومعرفة الطريق لإصلاح القلب والنفس.
ويدخل فيه تعلم الفقه المحتاج إليه بأنواعه: كالعبادات والمعاملات والأخلاق.. ومعرفة النواحي الأساسية في التربية الإسلامية ومعرفة شيء من السيرة وحياة الصحابة.. ومعرفة تجويد القرآن الكريم.
ومعرفة نواقض الإسلام وعلم رد الضلالات المنتشرة في كل وقت وما يناسبه.. وتعلم القتال أحكامه وأدواته وأساليبه بصفة عامة، والتعرف على أحوال المسلمين بقدر المستطاع.. فكل هذا فرض عين على الرجال والنساء من غير فرق) انتهي.
стр. 4695
ومن هذا نعلم أن علوم العقيدة وعلم النفس والقلوب والفقه بأنواعه –ما عدا الحدود والفرائض والقضاء- وعلوم التربية والتاريخ، وعلوم القرآن، والأخلاق والدعوة والدفاع كلها تدخل في هذا القسم الذي يستوي في أصل تعلمه الرجال والنساء.
وأما العمل في نظر الشريعة فإنه عماد الحياة وأساس السعادة في كل أمة في جميع الميادين لذا حض الإسلام عليه ورغب فيه، ونوه به فقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ . (١) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . (٢) . وقال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ . (٣)
وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ . (٤) .
وفي الحديث قوله ﷺ : ((ما من مسلم يغرس غرسا –أو يزرع زرعا- فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) .
وفي حديث آخر قوله ﷺ : ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)) البزار بسند ثقات، وأحمد وإسناده صحيح.
وفي حديث آخر قوله ﷺ : ((إن الله يحب العبد المحترف)) .
وفي الحديث الآخر: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)) .
وقال عمر ﵁: (إني لأكره أن أرى الرجل، لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته) .
وقال فقهاء المسلمون: (لو احتاج المسلمون إلى صناعة إبرة ولم يوجد بينهم من يحسن صناعتها فكل المسلمون آثمون) .
فمن هذا نأخذ أن العمل واجب في جميع الميادين. فمن قصر فيه فعليه ذنب لا يغتفر إلا إذا عمله آخرون ... كما هو واضح.
وإن العمل مطلقا حق لكل مسلم: ذكر أو أنثى، غني وفقير، صغير وكبير، عالم وجاهل. فلا يمنع منه إلا إذا ثبت ضرره له أو للآخرين. فيمنع عنه دفعا للضرر؛ لأن دفع الضرر مصلحة يرعاها الإسلام. لقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) . رواه الإمام مالك وأحمد وابن ماجه والبيهقي والدارقطني.
стр. 4696
فالعمل إذًا واجب على القادر في حدود قدرته لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . (١) ، ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . (٢) .
وفي الحديث قوله ﷺ : ((فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) متفق عليه.
فالعمل إذًا هو حق لكل من الرجل والمرأة على حد سواء فللمرأة أن تبيع وتشتري كما كان ذلك للرجل تماما، إذا لم يكن في ذلك ضرر لأحد.
ولها أن تمتهن العمل الذي تريده ما لم تضر به أحدا –كما كان للرجل- فإذا أضرت به أحدا منعناها منه.. وذلك: كالعزف على أدوات اللهو.. الذي يسهر الناس ويمنعهم من النوم أو يحرك الشهوة أو الطرب.. وكصنع الخمر أو شربه..
ولكن هناك أعمال معينة قد تكون المرأة أصلح من الرجل.. مثل:
تربية النشء والحضانة.. لما فطرت عليه من العطف والحنان والصبر.
كما أن للرجل أعمال معينة تناسبه فيكون أصلح وأحسن من المرأة كالقيادة، والملاحة العملاقة، والجندية..
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ . (٣) .
وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . (٤)
وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ . (٥) .
فمجال العمل واسع ومفتوح أمام كل من الرجال والنساء. وكذلك العلوم بصفة عامة.. ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) رواه البخاري وابن ماجه.
ولكن قد تكون بعض المهن أنسب للرجال دون النسائي بسبب الفطرة والخلقة. كما قد يكون بعضها أليق وأسهل للنساء دون الرجال بمقتضي الفطرة والميول.
стр. 4697
فالجندية بحذافيرها هي أنسب للرجل بسبب مرونة أجسامهم وأعصابهم وعروقهم. وبسبب ميولهم الغريزية إليها. لذا ترى الأطفال يختارون اللعب بأدوات الفروسية كالبندق والرمح والحراب بخلاف الطفلات فلا تراهن إلا وقد اخترن الدمية واللعبة الجميلة المنظر والناعمة الملمس. فالبنات ألطف وأرحم وأحب للجمال والنظافة منذ طفولتهن من البنين. كما هن أصبر على مساعدة الضعفاء والمرضي وحضانة الأطفال والدواجن وتنظيف الأدوات إذا عقلن من الرجال.. والبنون أغلظ وأشد وأميل إلى مقابلة الشدائد من النساء وأصبر على ممارسة الأعمال البطولية والحربية.. فلذا نقول لم يبتعد عن الصواب بل هو في بحبوحة الحق والعدل من يقول: إن الله قسم ممارسة الأعمال بين الرجال والنساء نسبيا.
فالجندية ومهنة البنايات وممارسة المصانع الثقيلة وقيادة الناقلات العملاقة والخوض في قاع البحار المتلاطمة الأمواج. وغيرها من الأعمال التي يحتاج صاحبها إلى صلابة جأش وأعصاب قوية.. كل ذلك من خصوصيات الرجال بطبيعة الحال. ولو لم يمنع النساء من ممارسة تلك الأعمال، كما في حديث ربيع بنت معوذ ﵂ ((لقد كنا نغزو مع النبي ﷺ لنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة)) رواه البخاري.
وتمريض النساء الحاملات منذ العلوق إلى الوضع وما يعقب ذلك مما يتعلق بمعالجة مشاكل النساء الداخلية.. التي هي أعمال وأعراض ضرورية دائمة الحصول.. كلها أعمال من خصوصيات النساء.
وكذلك حضانة الأولاد –ذكورا وإناثا- وترتيب الأدوات والأثاث المنزلية وصيانتها وكثير مما يخص المنزل بداخله وما يخص الأطفال.. كل ذلك –أيضا- من الأعمال الخاصة بالنساء. فينبغي لهن التخصص بهذه الأمور علميا وعمليا، لأن مهارتهن في هذا المجال أكثر بكثير من غيره.
وما عدا ذلك من الأعمال فهو مشترك بين الجنسين، فكل منهما يمكن أن يكون معلما، أو طبيبا، أو فقيها، أو مهندسا، أو تاجرا أو كاتبا ... إلخ.. ولو كان البعض منها أنسب للرجال من النساء والعكس صحيح.
ولو هيئ للرجال علميا ما يناسبهم من الأعمال والوظائف وللنساء ما يناسبهن من الوظائف منذ المرحلة الإعدادية أو الثانوية بصفة خاصة لكان أولى وأسلم. اهـ.
ونضيف إلى ما سبق من الأمور التي فرضناها لدرء تلك المفاسد الخلقية ما يلي:
стр. 4698
٩- منع تصنيع الخمر في بلد ما من البلدان الإسلامية تمسكا بالقاعدة الفقهية القائلة: (الضرر يزال) لأن في الخمر ضرر محض لكل من العقل والمال. والنفس والنسل والدين والشرف والخلق. وإنها هي الداء بعينه كما في الحديث الشريف، فقد قال نبينا محمد ﷺ حينما سمع أن بعض الناس يقولون –بغير علم- أن فيها شيء من الدواء. ((ليس فيها دواء بل هي الداء)) أو كما قال.
ومن لم يقتنع بهذا وزعم أن فيها شيئا من المنفعة والفائدة المالية للبائع مع ما سبق أن أوردناه في مبحث الخمر السابق من الوعيد الشديد لكل من البائع والمشتري ... فلا بد أن يقتنع الأطباء، وبالتجربة التي تشهد لصدق قول الرسول ﷺ السالف الذكر، وإن القاعدة الشرعية العامة تقول: (دفع الضرر مقدم على جلب المصالح) .
١٠-إيقاف ومنع استيرادها من الخارج بصورة قاطعة، ولو كان في البلد الإسلامي أناس غير المسلمين ولو كان ذلك الغير هو المستورد وحده لأنه لا حق له في إنشائها في المجتمع الإسلامي ومن منع هذه المادة المضرة منهم من المسلمين –خصوصا الحكام- فهو محسن ومأجور من الله. وما في بعض كتب الفقه الإسلامي من أن الخمر مباح لغير المسلمين في بلد إسلامي غير صحيح لأن ضررها ليس للدين فحسب بل هو ضرر للعقل وغيره.. مع أن الوضع قد تغير.
وأن هذا الضرر ضرر أصيل يعترف به الجميع ولذا حاولت الحكومة الأمريكية منعها عن بلدها سابقا فلم تنجح، وكذلك بعض الدول الأوربية في أوائل هذا القرن. بخلاف الإسلام فإنه نجح بمنعه سابقا.. وسينجح به الآن إذا عزم أهله –إن شاء الله-.
١١- ومعاقبة كل من يحاول إدخال الخمر ونحوه في بلد إسلامي عقابا شرعيا أقله التعزير بأنواعه المختلفة التي سبقت.
* فيؤخذ منه حاملته وجميع ما اكتسب من تجارة نلك المادة الخبيثة بعد إعلان الحظر..
* ويحرق حانوته إن كان خصيصا لهذه المادة، ولم يمكن الانتفاع لغيرها.
* ويحبس إذا لم ينته عن ذلك. فيبقي في الحبس حتى يتوب.
* ويطرد عن العمل والوظيفة الاجتماعية إن كان موظفا..
وذلك كله استنادا لما سبق من الأحاديث النبوية والآثار العمرية من تحريق الحانوت وتفسيق صاحبه. والقواعد الفقهية.
стр. 4699
١٢- ومعاقبة كل من يتعاطاها من المسلمين، عقابا أقله:
* الطرد عن العمل الحكومي وغيره من الوظائف الرسمية، لأنه أصبح غير مأمون.
* ومنعه عن العمل الرسمي إن لم يكن عاملا إلى أن يتوب لأنه أصبح فاقد الأهلية للأعمال.
* ثم طرده عن المدن إلى القرى مع التعذيب الجسدي إلى أن يتوب من تعاطيها.
*ثم الحبس المحدد المدة: من (يوم كامل) ثم (أسبوع) ثم (شهر) (فشهرين) (فأربعة أشهر) (فسنة كاملة) .
* ثم الحبس غير المحدد فيبقي في السجن حتى يتوب أو يموت.
ذلك كله عملا بما سبق في التعازير من الأحاديث والآثار. على سبيل التدرج في العقوبات.
١٣- منع إرسال الشباب المسلمين إلى البلدان الإباحية إلا من يوثق به، ويؤمن عليه من التأثير بأخلاق الإباحيين وعاداتهن –مهما كان المقصود من إرساله- عملا بالقاعدة الفقهية الحكيمة التالية: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) .
١٤- منع استيراد المستخدمين من تلك البلدان اللاأخلاقية. إلا من لا يمارس تلك المادة المفسدة. أو يستغني عنها، بشرط أن يلتزم العفة أثناء وجوده عندنا.
١٥- معاقبة المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. بعد إعلان منع تلك الظاهرة. وهي ظاهرة يستند لمعرفتها إلى العرف. فمتي حصلت مشابهة الرجل بامرأة في لباسه وشعره بتفاعل منه، فإن هذا الرجل متخنث غشوش، فاستوجب العقاب لزجره عن ذلك التمويه. وكذلك المرأة المترجلة تستوجب العقاب. تعزيرا لكل منهما:
وعقاب كل من المتخنث والمترجلة التهديد والتنكير وإزالة الشبهة والنفي أو التغريب. لما سيق من الأحاديث الواردة في ذلك.
فعن أنس ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء. وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي ﷺ فلانة، وأخرج عمر فلانا.)) رواه أحمد والبخاري.
وعن واثلة بن الأسقع ﵁: ((أن النبي ﷺ أخرج المخنث)) . أخرجه الطبراني.
стр. 4700
وعن يعلي بن مرة ﵁ ((أن النبي ﷺ رأى رجلا متخلقا. فقال له: اذهب فاغسله، ثم لا تعد)) رواه الترمذي والنسائي.
وعن أبي هريرة ﵁ (أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل) . رواه الحاكم.
وعنه ﵁ ((أتي رسول الله ﷺ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال: ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء. فأمر به فنفي إلى النقيع ... )) رواه أبو داود.
وعن أنس ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل)) . رواه الجماعة إلا مالكا.
وروي (أن أبا بكر أخرج مخنثا، وأخرج عمر واحدا من المخنثين) رواه البيهقي.
١٦-سد الفراغ المخيم على ساحة المجتمع المسلم المعاصر بصفة عامة وشبابه غير المتدين بصفة خاصة بتوجيهات حكيمة ومكثفة على الأعمال الجدية النافعة، وبفتح مجالات العمل في الأقطار الإسلامية جمعاء.. وبالرياضيات النزيهة التي من شأنها التقوية للأجساد. والتشحيذ للأذهان، والتعارف بين الشباب في الشعوب الإسلامية. كالمسابقات المباحة كالمسابقة بالأقدام وبالخيول، والمصارعة، وبالرمي ورفع الأثقال. وبالكرة وأنواعها المعروفة من غير هيجان المتفرجين.
стр. 4701
وخلاصة القول ونهاية المطاف:
إننا إذا أردنا أن نطهر أخلاق أمتنا وسلوكها من المفاسد الخطرة، وندافعها من الفواحش والرذائل، وننقذ أبنائنا وبناتنا من الميوعة والخلاعة والانحلال، ونحصنهم بحصن حصين من كل ما يتسرب إليهم من الأعداء.. من كل ما يضعف القوة ويعدم العزة والمنعة ويمزق الجماعة ويبدد كلا من العقل والعِرض، والصحة والمال، والخلق والدين ... فلا بد لنا من تنفيذ تلك الأمور السابقة. وأمثالها في أسرع وقت ... حتى نصل الهدف المنشود من بحوثنا، ألا وهو إنقاذ أخلاقنا الإسلامية وتنظيف مجتمعنا من المفاتن والمثيرات الجنسية.. ولا يمكن هذا التنظيف إلا بتنظيف كل من البيت والشارع والسوق والمؤسسة والمدرسة، والجامعة والنادي، والشاطئ والمسرح والملعب والإذاعة والتلفزة.. من كل متبرجة، أو صورة عارية متحركة أو ساكنة، أو أغنية فاجرة، أو قصة ساقطة مهيج للشهوة والغضب، ومن كل مثير للغريزة الجنسية سواء كان هذا المهيج أو ذاك المثير امرأة ساقطة أو مسرحية آثمة أو تمثيلية مائعة، أو بيتا داعرا أو أفلاما خليعة أو آلات مطربة أو مزامير شيطانية.
كما أنه لا بد لذلك من إنشاء برامج نظيفة من كل تلك الرذائل ومتنوعة لسد الفراغ المخيم في أمتنا.
بشرط أن يكون بعضها رياضيا، وبعضها ثقافيا وبعضها علميا.
ومسؤولية ذلك التنظيف والتطهير لَمِنْ واجبات الحكام والشعوب والأفراد وكذلك إنشاء البدائل..
وإلى هنا آخر ما توصلت إليه من نتائج في بحث هذا الموضوع. وأسأل الله الكريم أن يجعل هذا البحث خالصا لوجهه، وأن ينفع به المسلمين..
وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هارون خليفة جيلي
стр. 4702
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كيفية مكافحة المفاسد الأخلاقية
الرئيس:
الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من الموضوعات المطروحة في جدول أعمال هذه الدورة موضوع كيفية مكافحة المفاسد الأخلاقية في العالم الإسلامي وقد أعدت في هذه الموضوع عدة أبحاث والعرض لسعادة الطبيب محمد على البار ليتفضل بإعطائنا عرضا عن هذا الموضوع.
الدكتور محمد على البار:
سماحة الرئيس، أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن والقائل:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ . (١) . والقائل : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ . (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . (٣)
وقد أمر المولى نساء النبي ونساء المؤمنين بأن يقرن في بيوتهن قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ . (٤) وأمرهن بالحجاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٥) . وقد مدح المولى الحافظين لفروجهم والحافظات وأخبر أن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وهدد كل الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا بأفظع تهديد وأرعبه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ . (٦) وفرض سبحانه عقوبة شديدة على الزناة قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (٧) .
стр. 4703
والصلاة والسلام على أفضل خلقه وأكرمهم عليه الذي حذر من الزنا وعواقبه الوخيمة وأول تلك العواقب وأخطرها بالنسبة للمسلم ذهاب الإيمان. قال ﷺ : ((إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)) وقال ﷺ ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) . وفي رواية النسائي (فإذا فعل ذلك، خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه) .
وثاني تلك العواقب الوخيمة: عذاب الله تعالى يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : ((إن الزناة تشتعل وجوههم نارا وفي النار نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهم)) .
وثالث تلك العواقب الوخيمة: عذاب الله في الدنيا: ((إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)) .
((ولا تزال أمتي بخير ما لم يفشو فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك الله أن يعمهم الله بعذاب)) .
((وما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت ولا منع قوم الزكاة إلا حبس عنهم القطر)) .
((ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) .
وهذه الأحاديث من دلائل نبوته ﷺ .. وها هو الموت ينتشر بانتشار الفاحشة وها هي الأوجاع والطواعين التي لم تكن معروفة من قبل تنتشر كلما انتشرت الفاحشة، والطاعون يطلق في اللغة مجازا على كل وباء. وإلا فهو وباء مخصوص وكلما انتشرت الفاحشة ظهرت معها مجموعة من الأمراض الجنسية التي لم تكن معهودة من قبل.
وأول ظهور لمرض الزهري المعروف باسم (السفيلس) أو داء الفرنجي، كان في عام ١٤٩٤م، عندما انتشر الزنا في الجنود بصورة واسعة أثناء الحرب الإيطالية الفرنسية وسماه الإيطاليون الداء الفرنسي وسماه الفرنسيون الداء الإيطالي.. وسماه أهل الشام الداء الفرنجي. وقد قتل هذا المرض في خلال القرون الأربعة الماضية عشرات الملايين وأصاب مئات الملايين بأمراض فادحة.
стр. 4704
وفي العصور الحديثة ظهرت أمراض جديدة لم تكن معهودة من قبل: أشهرها وأكثر تسببا للرعب مرض الإيدز أو مرض فقد المناعة المكتسبة الذي لم يعرف بهذا الاسم إلا عام ١٩٨١م وسرعان ما تضاعف عدد الحالات بسرعة رهيبة وعلى هيئة متواليات هندسية حتى بلغ العدد بنهاية ١٩٨٧م أكثر من مائة ألف حالة مرضية لا يرجى لها شفاء وما بين خمسة و١٠ ملايين شخص يحملون الفيروس ويتوقع أن يظهر في ٥٠ % منهم، هذا المرض اللعين خلال السنوات الخمس القادمة. وهناك مرض الهربس (العقبولة) التناسلي الذي انتشر انتشارا مرعبا منذ بداية الثمانينات ويبلغ عدد ضحاياه في الولايات المتحدة فقط أكثر من عشرين مليون شخص ولا علاج له حتى الآن.
ما هو مدى انتشار الأمراض الجنسية؟
يقول مرجع مرك الطبي (إن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض المعدية انتشارا في العالم اليوم، ويزداد في كل عام عدد المصابين بها، وتقدر منظمة الصحة العالمية الإصابات التالية سنويا:
٢٥٠ مليون شخص مصابون بالسيلان ما يسمى (التعقيبة) أو الجدنوريا.
٤٠٠ إلى ٥٠٠ مليون شخص مصابون بمرض يسمى الكلاميديا وهو (التهاب مجرى البول الجنسي من غير سيلان) وناتج عن طريق الزنا أو اللواط.
وهناك ٥٠ مليون حالة شخص الزهري الأولي أو الثانوي في كل عام.
стр. 4705
كما أن هناك عشرات الملايين من المصابين بالهربس، والإصابة السنوية في الولايات المتحدة نصف مليون شخص.
وهناك عشرات الأمراض الأخرى المنتشرة بين الزناة والشاذين جنسيا مثل التهاب الكبد الفيروسي من نوع B وثاليل التناسل والاتهاب الجيبي المغبني والورم البلغمي الزهري والقرحة الرخوة، وجرب التناسل وقمل التناسل..
ويقول قرار منظمة الصحة في الاجتماع الثامن والعشرين وهو قرار قديم (١٩٧٥) (إن الأمراض الجنسية هي من أكثر الأمراض المعدية انتشارا في العالم. وتشكل تهديدا خطيرا على الصحة العامة في العالم اليوم. وللأسف فإن كثيرا من الدول لم تدرك بعد أبعاد هذه المشكلة) .
ويشهد العالم أجمع زيادة كبيرة من الأمراض الجنسية، ورغم أن الإحصائيات المرعبة تركز على هذه الزيادة في الولايات المتحدة وأوربا إلا أن الدراسة المتأنية توضح أن الأمراض الجنسية ربما كانت أكثر انتشارا في أفريقيا الاستوائية وشرق آسيا ودول أمريكا اللاتينية ففي إحصائيات عام ١٩٧٥ ظهر أن ٤٧٠ شخصا من كل مائة ألف شخص مصابون بالسيلان في الولايات المتحدة بينما كانت النسبة ٨.٩ بالمائة من الذكور و١٨.٣ بالمائة من الإناث في أوغندا. وينتشر في المناطق الاستوائية بالإضافة إلى الإيدز والسيلان والكلاميديا والزهري. أمراض أخري تعتبر نادرة الوقوع نسبيا خارج المناطق الاستوائية وهي الالتهاب الجيبي المغبني والورم البلغمي الزهري والقرحة الرخوة.
стр. 4706
ما هي أسباب انتشار الأمراض الجنسية؟
من أهم أسباب انتشار هذه الأمراض:
- انتشار الشذوذ الجنسي: وخاصة في الغرب. ففي الولايات المتحدة قرابة ٢٠ مليون شاذ جنسيا ويفاخرون بذلك. وقد خرج الشذوذ الجنسي من دائرة السرية إلى العلنية وهناك كنائس ومعابد تزوج الرجال على الرجال والنساء على النساء في الولايات المتحدة وغيرها. ولا يقتصر الشذوذ الجنسي على طبقة معينة في المجتمع وإنما يشمل كافة الطبقات.. بما في ذلك الرهبان والقساوس والربيون والأحبار من اليهود وقد ذكرت صحيفة (الديلي ميل) و (الديلي ميرر) أن ٤٠ % من الرهبان مصابون بالشذوذ الجنسي وأن ٨٠ % منهم زناة.
٢-موجة الإباحية والثورة الجنسية: والتحلل من الأخلاق والقيم في الغرب وتصدير ذلك إلى كافة بقاع العالم.
٣- السبب الأهم في رأينا هو (سيطرة اليهود على أجهزة الإعلام) ومراكز التوجيه بحيث أصبح الجنس أمرا عاديا لا يخجل منه وبحيث أصبحت العفة والطهارة تثير الخجل في كثير من المجتمعات. وقد عمل اليهود من خلال أجهزة الإعلام والجامعات ومراكز التوجيه على نشر الزنا واللواط على نطاق واسع ثم قاموا بعد ذلك بنشر نكاح المحارم والاعتداء على الأطفال جنسيا.
وكمثال لنشر اللواط قام ضابط يهودي في الجيش الأمريكي بتعليق لافته على مكتبه كتب عليها أنا شاذ جنسيا وعندما قام الجيش بطرده، قامت أجهزة الإعلام بحملة ضخمة ضد الجيش التي اضطرت صاغرة إلى إعادته. وطلب الرجل لإلقاء محاضرات في كثير من الجامعات الأمريكية.
وقامت مدرسة يهودية شابة بخلع جميع ملابسها وممارسة الجنس مع طلبتها في المرحلة الثانوية أثناء تدريس مادة الجنس وهي مادة تدرس في جميع المدارس ولما أوقفتها إدارة المدرسة عن هذا التدريس العملي نشرت الصحف البريطانية وبخاصة (الديلي ميل) و (الديلي ميرر) التي يملكها مردرخ اليهودي صورتها عارية مع الطالبة بإعادتها وقامت المظاهرات الضخمة واضطرت إدارة المدرسة صاغرة لإعادتها لتقوم بواجبها المقدس كما سمته المجلة في تعليم الطلبة الجنس واقعيا.
وقام فرويد العالم النفسي اليهودي بنشر تلفيقاته التي روجها اليهود بحيث أصبحت تدرس في معظم جامعات العالم.. ومنها أن الطفل عندما يلتقم الثدي إنما يقوم بعملية جنسية مكثفة وأن الطفل الذكر يحب أمه جنسيا ويكره أباه وسمي ذلك عقدة أوديب، وأن البنت تحب أباها جنسيا وتكره أمها، وسمي ذلك عقدة أليكترا.. وتحدث عن أن الشذوذ الجنسي مرحلة مهمة في حياة الإنسان ولا بد أن يمر بها وإلا أصابه الكبت.. والعقد النفسية.
стр. 4707
وقد نشرت التايم في ١٤ أبريل ١٩٨٠م تحقيقا واسعا عن ما يسمى نكاح المحارم وقال فيه أحد الباحثين الإنثربولوجي يسمى يهودية كوهين والاسم واضح أمامكم: (إن منع نكاح المحرمات ليس إلا من مخلفات الإنسان البدائي الذي احتاج لإجراء معاهدات خارج نطاق الأسرة فقام عند ذلك بمنع نكاح المحارم. وبما أن ذلك لم يعد له أهمية فإن هذا المنع أصبح أمرا قد عفى عليه الزمن.
ويقول الباحث جون موني من جامعة هوبكنز وهي من أشهر الجامعات الأمريكية وأحد الباحثين في الجنس في الأمة الأمريكية كما تقول التايم يقول: إن تجارب الطفل الجنسية مع أحد أقاربه الكبار أو غيرهم من البالغين لا يشكل بالضرورة ضررا على الطفل.. ويهاجم هو وعشيقته جيرترود وليامز المجتمع الأمريكي الذي لا يزال يعتبر من يمارس الجنس مع أمه أو أخته أو ابنته، وكأنه مارق على الدين في مجتمع من مجتمعات العصور الوسطي.
ويقول الباحث الجنسي وادل بومري: لقد آن الأوان لكي نعترف بأن نكاح المحرمات ليس شذوذا ولا دليلا على الاضطراب العقلي بل إن نكاح المحرمات وخاصة بين الأطفال وذويهم أمر مفيد لكليهما.
ويطالب سيمور باركر من جامعة يوتاه: بإزاحة الشعور بالذنب عندما يقوم شخص ما بنكاح ابنته أو أخته أو أمه ويسأل: ما هي الجدوى التي ستعود من ربط نكاح المحرمات بهذا الشعور من عدم الارتياح بدلا من المحبة والدفء الذي يشعه نكاح المحرمات؟
وتقول التايم: إن مجلس المعلومات والتثقيف الجنسي في الولايات المتحدة وهي مؤسسة ضخمة قد أصدر تقريرا طالب فيه بقوة نشر نكاح المحرمات على نطاق واسع في المجتمع الأمريكي.
стр. 4708
ونتيجة لذلك فإن ١٠ % على الأقل من العائلات الأمريكية المحترمة تمارس نكاح المحارم كما تذكر صحيفة الهيرالد تربيون الأمريكية.. وتقول دائرة المعارف البريطانية الطبعة الخامسة عشر ١٩٨٢م، إن الاتصال الجنسي بين الأخ وأخته واسع الانتشار جدا في الدول الغربية.. وفي الواقع لا يشكل ذلك أي ضرر ولا ينبغي الاهتمام به.
ويقول الباحثون الجنسيون وأغلبهم من اليهود كما تنقله عنهم التايم: إن جميع الاتصالات الجنسية مفيدة ولو كانت بين الأب وابنته أو بين الأم وابنها أو بين الأخ وأخته. نعم كلها مفيدة جدا. ولكن الضار فقط هو الشعور بالذنب والإحساس بالخوف.. وأخطر شيء هو الكبت. نعم هو الكبت.
وقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية (نقلا عن الاتحاد الأسبوعي) في ١٢ يناير ١٩٨٤م أن عدد الفتيات اللائي كانت لهن علاقة جنسية مع آبائهن في الولايات المتحدة تقدر بـ١٢ إلى ١٥ مليون فتاة.
وإننا نستطيع أن ندرك دور اليهود في نشر الفواحش جميعا إذا ما طالعنا التوراة المحرفة. والتوراة تسمى العهد القديم ويتعبد بها اليهود والنصارى وهي ضمن ما يسمى الكتاب المقدس الذي يشمل الأناجيل ويسمون الأناجيل العهد الجديد والتوراة العهد القديم.
وقد جاء في التوراة المحرفة أن لوطا ﵇ –كذبًا وافتراءً- شرب الخمر وزنى بابنتيه وولدت له الكبرى ولدا سماه مراب وهو أبو المرابيين، وولدت له الصغرى ابن عمي وهو أبو بني عمون. (سفر التكوين الإصحاح ٣٠-٣٨) .
وزنى يهودا بن يعقوب ﵇ بزوجة ابنه، كما أن راوبين الابن الأكبر ليعقوب زنى بزوجة أبيه. مرجع (سفر التكوين الإصحاح ٣٥) .
وفي التوراة المحرفة أن إبراهيم ﵇ اشتغل قوَّادا وعرض زوجته على فرعون مصر من أجل الذهب. وأن إسحاق ابنه فعل ذلك مع ملك الفلسطينيين أبي مالك مرجع (سفر التكوين الإصحاح ١٢) .
كما جاء في التوراة المحرفة أن الأنبياء ابتداء من نوح ﵇ كانوا يشربون الخمر ويسكرون حتى يتعروا دون أن يشعروا. وقد ورد أن يعقوب سرق وقتل غيلة وكذب وحمل الأوثان. ذلك المرجع (سفر التكوين الإصحاح ٢٨-٣٠) .
стр. 4709
كما ورد أن داود ﵇ –كذبا وافتراء- زنى بخليلة جاره واحتال لقتله حتى يتخلص منه. أما سليمان فتكذب عليه التوراة المحرفة وتدعي أنه كان زانيا وعابدا للأوثان. وكذلك اتهمت التوراة المحرفة هارون ﵇ بأنه هو الذي صنع العجل وأمر بني إسرائيل بعبادته.
وزني آمون بن داود بأخته حسب نصيحة الحكيم يوناداب. المرجع سفر صموئيل رقم (٢) الإصحاح ١٣ وفي التلمود ما هو أفظع من ذلك بكثير وفيما ذكرناه غنية.
٤- من الأسباب المهمة في رأينا إخراج المرأة متبرجة إلى ميادين العمل، وقد أدى ذلك إلى نشر الإباحية بصورة مضطردة وقد ذكرت الباحثة (لين فارلي) في كتابها: ابتزاز المرأة العاملة جنسيا قصصا مرعبة وهو بحث مقدم للجامعة نالت به درجة الدكتوراة قصصا مرعبة من ابتزاز المرأة العاملة جنسيا ابتداء من أماكن اللهو والفنادق والمصانع وانتهاء بإدارات البوليس والقضاء ورئاسة الجمهورية والكونجرس الأمريكي ومنظمات الأمم المتحدة.
٥- أدي خروج المرأة للعمل إلى فقدان الأطفال لرعاية أمهاتهم.. وبالتالي إلى نشوء جيل بلا محاضن فاقد للحنان ودفء الحياة العائلية. وتذكر التقارير الطبية أن خروج المرأة إلى العمل أدى إلى الاعتداءات الرهيبة على الأطفال، ففي الولايات المتحدة يعتدى سنويا على ما يقرب ٥ مليون طفل اعتداءات جسدية وجنسية من ذويهم وأقاربهم. ويعتبر أهم ثاني سبب لوفيات الأطفال من الولادة إلى سن الخامسة هناك الأمهات العذارى (بالملايين) في الولايات المتحدة.
نشر المعلومات الجنسية في أجهزة الإعلام والمدارس.
انتشار تجارة البغاء على نطاق عالمي. وخاصة في العالم الثالث.
السياحة من أهم أسباب انتشار الأمراض الجنسية وخاصة في مناطق البلاد العربية وفي منطقة الخليج.
السفر من أجل العمل. وهناك ملايين من الأشخاص يسافرون بدون زوجاتهم وتضطرهم فترة العزوبة الطويلة في بعض الأحيان مع فقدان العامل الديني والوعي الديني إلى ممارسة الزنا.
الهجرة من الريف إلى المدينة.
стр. 4710
دور الخمور والمخدرات.
القوانين الوضعية التي تسمح بالزنا ما دام بين شخصين بالغين عاقلين بدون إكراه وخارج نطاق الزوجية وتسمح جميع القوانين الوضعية للأسف الشديد بما فيها بعض البلاد العربية والإسلامية الأخرى بممارسة الزنا ولا تعاقب عليه إذا كان خارج منزل الزوجية بالنسبة للرجل حتى ولو كان متزوجا وتسمح كذلك للمرأة بالزنا إذا لم تكن متزوجة أو عند انفصام عقد الزوجية إذا انفصم عقد الزوجية بموت أو طلاق لا تعاقب إذا مارست الزنا.
هناك أيضا مشاكل بالنسبة للخمور والمخدرات وبعض الإحصائيات التي أحب أن أوردها لكم. التقارير في الحقيقة كثيرة في هذا الباب للأسف الشديد.
تنتشر الخمور وتعتبر الخمور حسب تقرير منظمة الصحة العالمية رقم ٦٥٠ لعام ١٩٨٠م أن الخمور تعتبر أكثر المواد المسببة للإدمان انتشارا في العالم.
وقد تفاقمت مشكلة الخمور وبلغت الزيادة خلال العشرين عاما الماضية في بعض مناطق آسيا ٥٠٠ بالمائة وفي بعض مناطق أفريقيا ٤٠٠ ووصلت الخمور إلى أعماق الأرياف قبل أن تصل المياه النظيفة وخدمات المجاري. وتنتشر الخمور في كثير من مناطق العالم. وفي الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة والدول الأوربية. هناك نسب عالية من الإدمان تذكر منظمة الصحة العالمية أن الخمور مسؤولة عن:
٨٦ % من جميع جرائم القتل تحت تأثير الخمور.
وأن ٥٠ % من جميع حوادث الطرق تحت تأثير الخمور.
وأن ٥٠ % من جميع حوادث الاغتصاب تحت تأثير الخمور.
وتذكر دائرة المعارف البريطانية أن معظم حوادث الاعتداء على المحرمات إنما يقع أساسا تحت تأثير الخمور.
стр. 4711
عدد الذين يلاقون حتفهم بسبب الخمور في الولايات المتحدة فقط ٧٠.٠٠٠ شخص سنويا كالآتي:
٣٠.٠٠٠ (٥٠ % من حوادث المرور) .
٢٠.٠٠٠ (الأمراض الناتجة عن الخمور) .
٢٠.٠٠٠ جرائم قتل وانتحار تمت تحت تأثير الخمور.
وتبلغ الخسائر الاقتصادية للخمور في الولايات المتحدة أكثر من ٥٠ ألف مليون دولار، أما الاتحاد السوفيتي فإن الخسائر أفدح من ذلك بكثير مما أدي بالرئيس جورباتشوف إلى أن يقوم بأضخم حملة عرفها الاتحاد السوفيتي.
البلاد العربية: رغم أن الخمور ليست منتشرة في البلاد العربية والإسلامية بصورة واسعة لكن القوانين الوضعية تبيح استخدام هذه الخمور.
وذكر الدكتور الباقر في دراسة عن تعاطي الخمور بالسودان عام ٧٥/ ٧٦ أن ٤٧ % من سكان الخرطوم الذكور البالغين تعاطوا الخمر وأن ١٣ % من هؤلاء كانوا يتعاطونها يوميا. وأن ٥٢ % من حوادث المرور كانت بسبب الخمور.
وذكر الدكتور على التويجري مجلة رسالة الخليج العربي أن شاربي الخمور في عاصمة عربية لم يذكر اسمها يدفعون ٣١٩٥ مليون جنيه. وأن دولة عربية محدودة السكان شربت عام ١٩٨١م تسعة ملايين لتر من الخمور.
المخدرات: تقرير منظمة الصحة العالمية:
ما تنفقه دول العالم على المخدرات أكثر من ٣٠٠ ألف مليون دولار والولايات المتحدة ٦٠ ألف مليون دولار.
أما البلاد العربية: فذكر د. على التويجري أن ما تنفقه البلاد العربية على الخمور والمخدرات يبلغ ٦٤ ألف مليون دولار سنويا.
ذكرنا أن القوانين الوضعية في البلاد العربية وكثير من البلاد الإسلامية تبيح موضوع الزنا وللأسف أيضا تبيح هذه القوانين شرب الخمور طالما أنها كانت في أماكن محدودة في بعض البلاد ورغم أن الخمور هي أشد ضررا من المخدرات من الناحية الصحية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية الشرعية إلا أن القوانين الوضعية تسمح:
أ- بصناعة الخمور وترويجها.
стр. 4712
ب- بيع الخمور في محلات مرخصة.
ج- بتناول الخمور وتعاطيها بشرط عدم قيادة السيارات وعدم تسبب إزعاج للغير.
وللأسف الشديد تقوم بعض الدول ومنها دول مسلمة أو عربية بتصنيع هذه الخمور مثل مصانع البيرة وتمتلكها الدولة وتقوم الدولة بذاتها بالترويج لها. وتعتبرها أحد إنجازاتها الثورية.
وفي الجانب الآخر نجد كثيرا من الدول الإسلامية عربية وأعجمية بدأت تخطو خطوات سليمة في تحريم تعاطي الخمور. ولكنها مع ذلك لا تعتبرها مثل المخدرات فعقوبة تجارة المخدرات تصل في كثير من الأحيان إلى الإعدام.
وأما عقوبة التجارة في الخمور فتصل في بعض البلاد المتشددة كما يسمونها إلى السجن أو الغرامة المالية أو كلاهما معا.
وعقوبة حمل شجيرة القات أو بعض كمية من الحشيش قد تصل إلى الإعدام أو السجن بينما حمل كرتونة من الويسكي لا تزيد عن السجن بضعة أشهر.
ولست أدري ما هو المسوغ في التفريق بين الخمور والمخدرات.
إذ إن التحريم جاء نصا في الخمور وتدخل المخدرات ضمنا في ذلك.
وأضرار الخمور صحيا واجتماعيا أكثر بكثير من أضرار المخدرات وكما يقول تقرير منظمة الصحة العالمية فإن أضرار الخمور تفوق دون ريب أضرار المخدرات الأخرى مجتمعة.
تبقي مشكلة أخري بالنسبة للتدخين، التدخين لا يسبب سكرا ولا ضياعا للعقل ولكنه يقتل أكثر من مليون شخص نتيجة تعاطي التبغ بطرقه المختلفة وتدفع شركات التبغ أكثر من ٢٠٠٠ مليون دولار سنويا. فما هي المكاسب التي تكسبها؟ للأسف تذكر شركات التبغ في استراليا في تقرير حديث نشرته مجلة لانس الطبية في نوفمبر ١٩٨٧م وهذا التقرير شجاع لمدة ربع قرن من الزمن تقول الشركات: (ونحن نحاول أن نخفي الحقيقة أو نخفف من وقعها. وقد عملنا بشتى الوسائل الخفية والعلنية للتقليل من الأضرار الصحية لتدخين التبغ. إننا نعترف الآن بأننا نقوم بقتل ٢٣ ألف مواطن من سكان استراليا سنويا. ونحن نشعر بثقل المسؤولية ولا نستطيع أن نواصل الإعلان والترويج لمادة تسبب هلاك هذا العدد من البشر. ومنذ عام ١٩٦٢ وحتى عام ١٩٨٤م قمنا نحن أصحاب شركات التبغ بقتل ٤٧٠.٠٠٠ مواطن استرالي. ثم ذكرت بعد ذلك بالتفصيل كم قتلت كل شركة من الشركات.
стр. 4713
لقد أثبتت الأبحاث الطبية أن أهم سبب للوفيات هو تدخين التبغ ومع هذا فإن شركات التبغ هذه تقوم بحملات دعائية ضخمة لتزيد من مبيعاتها وخاصة في العالم الثالث. وفي الوقت الذي انحسرت فيه مبيعاتها في الدول الغربية ازدادت هذه المبيعات في دول العالم الإسلامي، وكمثال فقط فقد زادت المبيعات في المملكة العربية السعودية من ٤.٠٠٠.٠٠٠ كيلوجرام سنة ١٩٧٢م إلى ٣٦.٠٠٠.٠٠٠ كيلوجرام سنة ١٩٨١م بزيادة قدرها قرابة ٩٠٠ بالمائة.
أكتفي بهذه المعلومات وأترك لأصحاب الفضيلة والسماحة كيفية مكافحة هذه الرذائل مجتمعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) .
الرئيس:
وعليكم السلام ورحمة الله.
كانت أمانة المجمع قد عهدت إلى بعض أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع بإعداد ورقة يمكن أن يستخلص منها التوصية التي ستصدر من هذا المجمع. وهي الآن مع فضيلة الشيخ عمر الأشقر فليتفضل بقراءتها.
الشيخ عمر الأشقر:
بسم الله الرحمن الرحيم.
تقويم الانحراف الخلقي – التفاعل بين العقل وبين نتائجه:
إن الظاهرة المميزة لاندفاع الحركة العقلية منذ عصر النهضة تبدو في الربط الوثيق بين الحركة الفكرية وأدوات الكون للكشف عن قوانين المادة، ولقد أثر هذا المسار في العقل ذاته وفي القيم والمعايير. وفي السلوك الفردي والجماعي.
التفاعل بين الإنجاز العلمي والأخلاق:
إن التحول المستمر للبشرية وهي تكسب كل يوم كشفا جديدا يمكن لها من الانتفاع بخيرات الكون الظاهرة والكامنة، تراكم منه على المعايير الخلقية المأثورة من نتائج الكشف العلمي ما غطَّى كل ما سبق، وأبرز للحياة صور جديدة، محورها الذي تدور حوله كل اهتمامات الفرد وهو الانتفاع بهذه المكاسب التي تجعل الحياة المادية أكثر متعة.
стр. 4714
وبرزت في السطح الذرائعية والوجودية والشيوعية كفلسفة وكتطبيق خلقي.
المعايير الخلقية – المعايير الاقتصادية:
إن دخول الطاقة المادية في الإنتاج بجانب الطاقة البشرية والحيوانية تراكم منه فيض من المصنوعات التي تدعو إلى تكوين أسواق تستهلك ما يقدم لها حتى تستمر حركة النمو في اطراد ومن هنا نشأت المعايير الخلقية الاقتصادية وإذا أردنا أن نجملها نجد أنها تشتمل:
١-ضمان السوق مفتوحة لاستهلاك ما تنتجه المعامل وهذا يفرض:
أ- أن يكون المنتج منضبطا في مواعيده.
ب- أن يكون صادقا في وصفه.
ج- أمينا في تعامله.
وهذه صفات خلقية رفيعة جعلت كثيرا من الناظرين في شؤون المجتمعات يقولون: إن الغربيين كفرة في الباطن مسلمون في التعامل عكس المنتسبين إلى بلاد الإسلام مع أن الحقيقة هو أن الدافع لذلك ليس التسامي الخلقي ولكن بقاء السوق ملتهما لما تخرجه المصانع هو الذي طبعهم على هذا السلوك.
د- أن يكون ماهرا في الدعوة إلى منتجاته وهذا ما فتح سوق الدعاية المبنية على إبراز إيجابيات السلع وكتمان عيوبها وتولد منها أيضا أنانية تعرف حدا في سوق التنافس وتحطيم الخصم ما دام ذلك الطريق يحقق نتائج أفضل أو التكتل وفرض قرارات على السوق إن كان هذا المنزع أفضل. فكانت الشراهة والجشع صفات خلقية لازمة للحضارة الصناعية.
هـ- التسلط على الضعيف أفرادا أو شعوبا ضمانا للسوق فكان ما قاساه العمال وثوراتهم وتمزق المجتمعات في كثير من الدول. وكان ما قاساه العالم من استعمار توطيني وعسكري قم ما يقاسيه اليوم من تحكم اقتصادي وامتصاص لخيراته امتصاصا يبقي على التبعية ويجعل الأنظمة كلها هشة لا تصمد تحت القبضة الحديدة الماسكة.
стр. 4715
العالم الإسلامي:
إن انهزام العالم الإسلامي أمام التطور والقوة للعالمين الأول والثاني جعله في واقعه يتبع أحد الخيارين:
١- التحلل من كل القيم الخلقية الاقتصادية إلا قيمة واحدة تحقيق الربح العاجل السريع فكانت مظاهر الكذب والخداع وخلف الوعد ظواهر مزرية ومخزية في العالم الإسلامي.
٢- التقليد للتعامل الاقتصادي للعالم المتقدم في إيجابياته وسلبياته ولم يظهر لحد الآن نشاط اقتصادي إسلامي حقيقة يستطيع في آن واحد أن يفرض نفسه على السوق العالمية بمنجزاته وبقيمه الخلقية.
إن التجربة التي أخذت بها منظمات مالية في السنوات العشر الأخيرة من إحداث البنوك الإسلامية لهي تجربة يجب أن تلقي من التأييد والدعم والتجويد ما يجعلها صورة جديدة تقدم للعالم ممكنة من السيولة المالية نظيفة من الجشع المادي. كما أن الوحدة الإسلامية الاقتصادية تعتبر شرطا حيويا لتطور العالم الإسلامي.
إن الاتحاد كقيمة خلقية إسلامية وإن التنازع والأنانية كتنكر للمنهج الإسلامي في تكوين الجماعة، احترام ذلك هو المخلص الوحيد للعالم الإسلامي في فرض قيم حقيقية للمواد الأولية التي غنت بها أرض الإسلام كما أن الجباية السوقية للعالم الإسلامي في وحدة هو الذي يجعل الاقتصاد في العالم الإسلامي وهو يمثل خمس سكان المعمورة عدديا يجعل الاقتصاد الإسلامي قوة تفرض نفسها على حماية لذاتها من الذوبان والتبعية.
٣- وبهذا تكون القيم الخلقية الاقتصادية نابعة من قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ . (١)
ومن قوله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ . (٢)
٤- كما أنه لا بد من توجيه التربية في المدارس إلى غرس القيم الخلقية الاقتصادية في الناشئة بتدريبهم عليها عمليا بالانضباط والصدق والأمانة والشجاعة في سبيل الهدف النبيل ولو كان في ذلك تحديد للمغانم.
المعايير الاجتماعية:
إن المعايير الاجتماعية في عصرنا الحاضر تنقسم إلى قسمين:
١) المعيار المدني ٢) المعيار الذاتي.
المعيار المدني:
إن الكثافة السكانية لأوربا وسبقا في التطور الاقتصادي والانفجار الصناعي الضخم عرض حلولا تلائم تلك المعطيات.
стр. 4716
١- التوسع خرج حدودها الإقليمية بما استعمرته من شعوب وأرض وخاصة في استبدال شعب القارة الأمريكية بأبنائها.
٢- التوسع العمودي في بناء المدن مما حرم الأسرة والفرد من الاستقلال في سكنه. وهذه فرضت جملة من الأخلاق:
أ- النظافة واحترام الممتلكات العامة فكان الفرد يطوع حياته للحياة الاجتماعية، يحافظ على نظافة الشارع وعلى الممتلكات العامة وعلى حقوق الجوار في العمارة والانتظام التلقائي كلما اتحدت الرغبة في الشيء الواحد بتقديم السابق إلخ.
إنه لولا الالتزام بهذه الأخلاق لكانت الحياة ثقيلة وشاقة بل مستحيلة.
ب- إن الشعور بالتنازل الدائم عن حرية الفرد ليتلاءم مع غيره كانت إحدى الأسباب القوية التي ولدت عشقا للحرية الفردية في أشياء كثيرة وفرض على المجتمع قبول أنماط من السلوك والمظاهر ما كانت مقبولة من قبل ومن هنا برز المعيار الذاتي.
المعيار الذاتي:
لقد ضخمت الحضارة الغربية بصفة خاصة من تقديس الحرية الفردية وجعلت هذه القيمة هي عنوانها الذي يميزها وتعيش من أجله وتكافح بكل الوسائل وغيرها لتضمن الحرية لجميع الأفراد.
إن الحرية فرضت نفسها كمارد يعبث بكل القيم ويهدم كيانها حتى عاد على الحرية ذاتها بالتدمير.
أولا: الحرية الجنسية: كانت الحرية الجنسية أقسى الأوبئة فتكا بالبشرية من نواح عديدة:
١) قتل الحياء كقيمة من القيم وقبل المجتمع كل مظاهر التهييج الجنسي وإبراز مواطن الإثارة الجنسية –إباحة الملاعبة في الأماكن العامة الشارع وعربة النقل العام والحديقة وساحة المعهد والكلية.
٢) تجريد الاتصال الجنسي من قداسته التي هي ضمان استمرار الجنس البشري واعتباره رغبة بيولوجية تشبع كما يشبع الإنسان نفسه من الطعام والشراب. وبهذا أصبح الاختلاط الجنسي لا يخضع إلا لأمر واحد هو رضا الطرفين. فكانت الفوضى الجنسية. لقد جرت هذه الفوضى ويلات على البشرية.
стр. 4717
٣) تضخم عدد الأطفال اللقطاء نتيجة الاتصالات غير الشرعية وجبن الأبوين عن تحمل تبعات فعلهما.
٤) تضخم عدد النساء اللاتي يلتجئن إلى الطبيب للإجهاض أو قتل المولود بمجرد نزوله إلى الأرض.
٥) انتشار الأمراض التناسلية وإن استطاع الطب أن يتغلب على آثارها بواسطة المضاعفات الحيوية بعد الحرب العالمية الثانية إلا أنها ما تزال تؤثر على التركيب النفسي والجسمي لكثير من المصابين.
٦) ظهور مرض فقد المناعة وانتشاره انتشارا خطيرا؛ إذ هو يبلغ في البلدان المجموعة الأوربية ١٠٠ % كل تسعة أشهر.
٧) التجاهر بالشذوذ الجنسي تجاهرا جعل المنحرفين يكونون نقابات للدفاع عن حقوقهم وما ترتب عنه من تضاعف المصابين بفقد المناعة.
٨) تولد عن الإثارة زيادة حوادث الاغتصاب وما يقارنها من جرائم قتل أو مضاعفات نفسية تلازم المعتدى عليه طول حياته.
٩) تزعزع البيت فأصبح الوفاء لعقد الزوجية وفاء ضعيفا مما اضطر المشرع الفرنسي مثلا إلى اعتبار ولد الخليلة ابنا شرعيا وارثا.
١٠) استخدمت وسامة المرأة استخداما ماديا حطم قيمتها الإنسانية فإذا نهدها وفخذها وعينيها وأنفها وفمها وأسنانها ورقبتها وقوامها وبطنها أجزاء وكل تستخدم لترويج السلع وزيادة الإقبال على المستهلك؟
ثانيا: تحرر الزوجين من واجبات التربية:
العلة الأولى التي أخذت في الانتشار هي مركبة بيولوجية ونفسية أعني انصراف الأم عن إرضاع ولدها حفاظا على وسامتها، وإما لأن العوامل النفسية سلبت الأم القدرة على الرضاعة وتنازلت الأم عن مركزها كمصدر للحنان والعطف والغذاء وتلبية الحاجات، تنازلت عنه إلى البقرة في لبنها المجفف والتقم الرضيع رأس المطاط والقارورة اليابسة الباردة بدل النهد المعطاء الدافئ.
أصبح كل واحد من الزوجين يجد في البيت ثقلا تحديدا لحريته وانقسم رد الفعل من جهة إلى قسمين تبعا لمركز العائلة في الثراء أو العادات.
стр. 4718
١- العائلة المرفهة ماديا شغلت الأم عن البيت باللقاءات والاجتماعات وقسمت اهتماماتها بين حضور الحفلات وبين الإعداد لها والعناية بها. والمزايدة في إبراز قوة الثروة والقدرة على الإسراف والتبذير.
٢- العائلة ذات الدخل المحدود الأمر الذي دفع الأم إلى الخروج إلى سوق العمل وبذل المجهود كامل اليوم خارج البيت.
النتائج: هو أنه في القسم الأول أوكل تربية الأطفال إلى الخدم الذين ينشؤونهم على ما ربوا عليه من تحلل خلقي أو نقمة على المجتمع وبغض للآخرين.
وفي القسم الثاني أوكل تربية الأطفال لدور الحضانة أولا ثم المبيتات أو إهمال الأطفال تحتضنهم مدرسة العراء –الشارع- وما يعج به من مشاكل وانحراف.
كما أن الأب انصرف عن البيت لأن مغناطيس البيت عديم الفاعلية مشغول بذاته عن استقطاب العائلة فانصرف إما إلى الحضن الذي يهتم به ويجد فيه الدفء أو إلى الاجتماعات التي تملأ عليه فراغ يصرف فيها وقته أو إلى المخدر الذي ينسيه همومه ويحوله من عالم الحقيقة المرة إلى عالم الخيال يستمتع فيه بالرؤى ويهدم بدنه وماله.
وشارك الشباب الصاعد الكهول في البحث عما يلهيهم عن مجابهة صرامة الحياة وعبوسها فالإحصائيات تدل دلالة قاطعة على أن الإقبال على المخدرات والكحول يتضاعف ويشتد خطره مع الزمن.
العالم الإسلامي:
لقد قلد العالم الإسلامي العالم الصناعي في معاييره الخلقية وهو يجري لاهثا ليلتحق به حتى يكون صورة طبق الأصل وبهذا نجد كل يوم اقترابا من تلكم الصورة وإن كانت المحاسن لا تبرز بروز السلبيات؛ لأن المحاسن تقتضي الجد وصرامة الإرادة والقوة الذاتية الدافعة للخير، وذلك مرتقى أصعب منالا من السوالب التي تدعو إلى الدعة وتساعد أنانية الفرد على الطغيان والتحكم.
إننا اليوم في أشد الحاجة إلى إحياء جملة من قيمنا العليا التي نخرها التقليد ووهنها الضياع. إنه من ضرورات البقاء أن نرفع من قيمة الحياء والعفاف والوفاء للرابطة العائلية والقيام في شجاعة وصبر على ما يتطلبه مواصلة حمل أمانة الاستمرار البشري فوق هذه الأرض.
стр. 4719
إن دور التربية من رياض الأطفال إلى الجامعة هي التي لا بد من أن ننظر فيها نظرة جديدة تخرج بها من التعليم المعرفي إلى التربية المتكاملة.
إنه إذا كان المخبر ضرورة من ضرورات التعليم بجانب القاعة للنظريات فإن السلوك والعناية به هو المخبر الذي يزكي النظريات الخلقية.
أن الأخلاق التي لا تجد مددا من روح الإنسان وريًّا من منابع الدين هي أخلاق جافة مهتزة لا قرار لها.
أثر المعايير الثلاثة:
إن المعايير الثلاثة مجتمعة قد ولدت ظاهرة خطيرة هددت حياة الأفراد والجماعات أعني ظاهرة العنف.
إن التحدي الذي يزداد عنفا كل يوم بإشعار الفرد أنه محروم: محروم أولا من امتلاك ما تهيجه الداعية لامتلاكه عاجز عن مسايرة سوق العرض، ومحروم ثانيا من المفاتن التي تغريه فتمثل أمامه لاهبة عواطفه وغرائزه في كل لحظة، ومحروم ثالثا من توازنه النفسي إذ ضخمت الحضارة حسه المادي وقتلت قلبه وروحه.
هذه التحديات الثلاث ولدت العنف في شكله الجماعي والفردي فالحربان العالميتان وذيول الحرب العالمية الأخيرة والسطو لامتلاك المال والتمييز العنصري والاغتصاب وتحكم القوى الصناعية في اقتصاد العالم وجشع رأس المال في تكبيل العالم الساعي نحو الرفع من مستواه بالربا وخنق إنتاجه والمؤامرات المحبوكة لتوهين قيم المواد التي يعتمدها. كل ذلك خطوط كبرى ترينا شقاء العالم بهذه الحضارة وتدعو ذوي النفوس الصالحة الخيرة إلى إنقاذه مما تردى فيه اعتمادا على قوله ﷺ فيما أخرجه الحكيم الترمذي: ((رأس الحكمة مخافة الله)) . وابن عدي: ((رأس الدين الورع)) . والطبراني: ((رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس)) .
ويجمع ذلك كله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . (١)
وصلي الله وسلم على عبده ورسوله.
стр. 4720
الرئيس:
الشيخ أحمد. مع ملاحظة أن هذا الموضوع تعلمون أنه ليس ولله الحمد محلا للبحث أو محلا للتردد فالكل متفقون عليه وهي منكرات ومفاسد بإجماع المسلمين وإنما تأخذ مناقشتين أو ثلاث من باب التطعيم وإلا فإن الموضوع في نظري إذا رأيتم ذلك مناسبا يؤلف له لجنة من الشيخ أحمد جمال، والشيخ عطا السيد والأستاذ الطيب محمد على البار ويعدوا القرار اللازم لهذا الموضوع وبه ينتهي لأجل أن يشخصوا المفاسد بكلياتها ويشخصوا طرق المكافحة الشرعية لها. عندئذ ألا ترون أن نكتفي بهذا الشيء؟ لأن إذا أراد أحد أن يتكلم فليس أمامنا إلا خمسة دقائق ثم صلاة المغرب.
الشيخ أحمد محمد جمال:
كلمتي هذه أخيرة ووجيزة، أخيرة ووجيزة لأنها تتعلق بنظام المجمع وإدارة الحوار فيه أرجو أن تغفروا لي هذه الصراحة. والملاحظ على نظام المجمع وإدارة الحوار فيه أمران:
الأول: أن أصحاب الفضيلة عندما يتحدثون عرضا أو تعليقا يطلبون الرد أو التعليق أو الحوار ويخرجون عن الموضوع المطروح أو القضية المطروحة بعيدا جدا. وهذا أضاع علينا وقتا كثيرا وأجل النظر في قضايا ومشكلات أهم. فهذا ينبغي أن ينظر في نظام الكلمات في المجلس، يعطي للعضو دقيقتين أو ثلاثة أو خمسا لا يستعرض كل البحث ويتحدث حديثا إنشائيا أو شعريا أو فكريا. نريد هذه القضية مطروحة ما رأيك فيها موافق أو معارض ما دليلك على المعارضة وما دليلك على الموافقة. في أسلوب علمي مختصر هذا رأيي أقوله.
الثاني: فيما يبدو لي أن المجمع يريد أن يحول اختصاصه الأساسي وهو النظر في المشكلات والقضايا العصرية التي لا تجد حلا شرعيا فيبدي رأيه فيها ويصدر حكمه فيها يريد المجمع الآن فيما يبدو لي في هذه الدورة أن يحول هذا الاختصاص الأساسي إلى أن يكون مجمعا سياسيا أو مجمعا أخلاقيا أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا يؤاخذني الإخوان أن قضية الأخلاق ومكافحة المفاسد الأخلاقية ليست من اختصاص المجمع فهي من اختصاص هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 4721
الوحدة الإسلامية ليست من اختصاص المجمع من اختصاص منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس الخليج التعاوني. وإذا كانت هذه المؤسسات القوية الأساسية لم تستطع أن تحقق وحدة إسلامية ولا عربية اسمحوا لي ولا خليجيا. هل يستطيع المجمع أن يحقق وحدة إسلامية؟
إذن نحن نضيع وقتنا في أمور ليست أولا من اختصاصنا، وثانيا ليست في استطاعتنا أنتم علماء ينبغي أن نفهم اختصاصنا ما هو، وما هو المطلوب منا ونترك السياسة ومكافحة الجرائم لغيرنا؛ لأنهم اقدر منا عليهما ولأنهم أصحابها. هذه كلمة صريحة أرجوت عفوا عني فيها والسلام عليكم وأنا أعتذر عن أن أكون عضوا في أي لجنة من اللجان.
الرئيس:
شكرا. أما من حيث النقطة الأولى، فأظن أننا نادينا فيها عدة مرات. ونحن لا بد أن نغتفر كثيرا من الأمور وكل إنسان ينفق مما يملك، فهذه أمور لا يمكن أن يحكمها نظام، وإلا فنظام المجمع صريح وإدارة الجلسات في هذا صريحة، أن لا يخرج الإنسان عن الموضوع وأن تترك الأمور الإنشائية إلى آخره وأن يبين المدرك الفقهي للمسألة. وبين رأيه فيها وتكون بكلمات معدودات ليس فيها تشديد عضلات وإن أسأت التعبير، لكن نحن لا نستطيع أن يتحكم الإنسان وأنتم أكثر مني قد حضرنا عدة من المجامع وعدة من المؤتمرات يحصل فيها من أمثال هذه الرتوش الجانبية التي لا يمكن للإنسان أن يتحكم في عقول البشر وفي أفكارهم لكن تحجم بقدر الإمكان.
والحمد لله أن هذه لم تطغ على القيمة الجوهرية للمداولات وللقرارات التي سترونها إن شاء الله تعالى والتي توصلتم إليها وهي نرجو من الله أن تكون مبرئة للذمة وموصلة إلى ما هو الحق والصواب.
أما من ناحية الفقرة الثانية التي أشار إليها أحمد فإن هذا الموضوع هو من عام ١٤٠٥هـ، وتحت وطأة الإلحاح من عدد كبير من الأعضاء وهو واجب إسلامي شرعي تربوي ووظيفة أهل العلم ووظيفة أهل الإسلام هي أمثال هذه الأمور, ونحن لن نتعرض لدولة بعينها حتى نكون سياسيين، ولن نتعرض لفئة بعينها أو لشخص بعينه وإنما نتعرض إلى هذه الأمور التي طرحت نفسها ليقول أهل العلم كلمتهم فيها على سبيل العموم. ولهذا فنحن في بحثنا هذا وفي بحث الوحدة الإسلامية وفي بحث إسلامية التعليم لن نتعرض على سبيل القطع لأية جهة من الجهات لا في بحثنا ولا في مناقشتنا ولا في مداولاتنا، وإنما نذكر الأمور العامة التي ينبغي لأهل الإسلام أن يلتزموها في جانب الوحدة الإسلامية في جانب مكافحة المفاسد الأخلاقية في الجوانب التعليمية، وهذا من الأمور المحمودة والشيخ أحمد قريب حديث عهد بما سمعه في المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي يصدر منه قرارات على هذا المنوال وهكذا على سنة وظيفة أهل العلم في أمثال هذه الأمور. ثم نعطي الكلمة لفضيلة الأمين.
стр. 4722
الأمين العام.
بسم الله الرحمن الرحيم.. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم حقيقة إن التدخل الذي قام به أخونا الأستاذ أحمد محمد جمال هو تدخل كنت أنتظره وهو جيد، جيد لأنه يذكرنا بالمنهج الذي ينبغي أن نسير عليه في المداولات وفي المناقشات إلى آخره. وما من أحد من المسؤولين في المجمع إلا يشارك الدكتور أحمد جمال في هذا المعني. وبالأمس وزعنا تذكيرا بالموضوع الذي وضعته شعبة التخطيط وفيه ما ينبغي على كل إنسان في إعداده للموضوع وفي مناقشته له وفي إجراء الحوار بحدود معروفة مرسومة لدى المجتمعين وفيها ورقة وزعت بالأمس. أما أن يطغى الحوار وأن نقطع على الناس كلامهم فإنهم إذا ما عرفوا أو علموا أن هناك قواعد فعليهم هم أن يلتزموا بها. ولا نستطيع كل مرة أن نقطع على الناس كلامهم، فهذا لا يليق.
ثانيا: أهداف المجمع في الباب الثاني المادة الرابعة تفرض علينا أن نعيش مشاكل عصرنا وأن نعيش القضايا الأخلاقية والاجتماعية والسياسية وما إليها.
أولا: يعمل المجمع على تحقيق الوحدة الإسلامية نظريا وعمليا عن طريق السلوك الإنساني ذاتيا واجتماعيا وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
فنحن إذا ما بحثنا قضية الوحدة الإسلامية أو المسالك التي تستطيع أن تحقق هذه الوحدة فقد خدمنا الإسلام والمسلمين. والإسلام جزء مما يتعلق بالفقه فيه يرجع إلى السياسة الشرعية وما كتب الفقه والسياسة الشرعية إلا متناولة لهذا الغرض.
الأمر الثاني: أن شد الأمة الإسلامية لعقيدتها ودراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهاد أصيلا.. إلخ. هذه تتصل بالقضايا التي نعيشها. القانون الجنائي في الدول هو جزء من القانون. وقضية الحدود أو التعزير وما إلى ذلك يترتب على مثل هذه المساوئ الأخلاقية التي نعيشها لا بد أن يثار في مثل هذا الاجتماع.
стр. 4723
ثم بجانب الفقه الجنائي إذا صح التعبير الذي ينبغي أن ننبه إليه وأن نأخذ به وقد تم والحمد لله الأخذ به في كثير من البلاد، هناك الجانب التربوي الذي ينقصنا في المجتمع الإسلامي لو أننا نركز على التربية الإسلامية في مدارسنا وفي بيوتنا وبين أطفالنا وفي أهلينا لخرجنا من كثير من هذه الأمراض التي تكاد تزحف على المجتمع الإسلامي، فإنكار مثل هذه الموضوعات ليس من حقنا أولا. ثم ثانيا هناك لجنة تخطيط هي التي تضع الموضوعات وما على الإنسان إذا وجد شيئا لا يرضاه ولا يقبله أن يصبر لحكم الله فيما ابتلي به من مثل هذه الأحاديث.
الرئيس:
شكرا، وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4724
مجالات الوحدة الإسلامية
وسبل الاستفادة منها
إعداد
الأستاذ مصطفى الفيلالي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
تمهيد:
قضت الحكمة الإلهية بأن تكون الدعوة المحمدية كونية الطابع، شمولية التوجه تأليفية المقاصد، موجهة إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها، وأن تأتي في أعقاب الأديان السماوية الإقليمية، تحمل إلى البشرية كلها رسالة التوحيد في ركنيها توحي الإيمان بالله الأحد الصمد الذي لا إله إلا هو، ولا شريك له في الأرض ولا في السماء، وتوحيد الأمة في نبذها الشرك واعتصامها بحبل الإيمان الموحد، وفي سعيها المشترك إنشاء مجتمع رشيد.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . (١) .
فكان من المقاصد السامية للدين أن يعمل على توحيد البشر وتأليف قلوبهم بفضل توحيد الإيمان بالله، واشتراكهم في الإذعان لأوامره ونواهيه بفضل التفافهم حول المفاهيم السامية والقيم الأساسية الواردة في الكتب المنزلة على لسان الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم أجمعين.
ولكن الناس قد تفرقت بهم السبل، وزاغت بهم مقاصد الحياة الدنيا عن جادة الوحدة وتفاوتت بينهم مراتب الإيمان والتقوى، فعادوا غثاء وشتاتا، وشعوبا وقبائل (بغيا بينهم) .
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . (٢) .
وفي هذا الاختلاف قضاء من المولى ، وسنة من سنن الكون الباقية من أجلها أنزل الوحي وأرسل النبيون، وتفاوتت الشعوب، وتنافست الأمم، وتقاسمت بها السبل.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٣) .
стр. 4725
الحلقات الدورية:
وكأن تطور بني الإنسان في أحقاب الزمان تحكي حركة المد والجزر، بين الإيمان والكفر، وبين الهداية والزيغ، وبين مراتب التوحيد والتجزئة، على حلقات زمانية متقاربة في الطول والمدة، وكان عبد الرحمن بن خلدون أحد المفكرين السابقين إلى ملاحظتها وإلى تدبر أمرها فيما ابتكره من سنن العمران البشري، فرأى أن للأمم أعمارا كما للأشخاص، وأن للدول أطوارا متعاقبة على أجيال ثلاثة تدوم مائة وعشرين عاما، ولم يزل فلاسفة التاريخ من بعده يمعنون النظر في الظاهرة الدورية لتطور العمران البشري، قصد تأسيسه على قوانين علمية ثابتة.
من هذا المنطلق العلمي أنشأ ابن خلدون علما يجمع بين التاريخ والسياسة والاجتماع، وبني له قواعده النظرية، وأعطى لظاهرة سقوط الدول وانحلال العمران البشري تحاليل لم يزل العلماء يشهدون بسدادها، يقول المؤرخ الأنقليزي (أرنولد تاينبي A.TOYNBEE) (استنبط ابن خلدون ودون فلسفة للتاريخ تمثل ولا شك أعظم ابتكار فكري وأجل خدمة علمية لا يضاهيها إنتاج أي مفكر آخر في أي حقبة زمانية ولا في أي مصر من أمصار العالم) .
وإذا نحن قصرنا النظر على ما نحن فيه من أزمة مالية كبرى منذ أعوام قليلة، وجدناها متجاوبة مع أزمة ١٩٣٠، متماثلة معها في السمات الكبرى، وقد لاحظ رجال الاقتصاد علاقة مماثلة بين أزمة ١٩٣٠ وبين أمة ١٨٧٠ من قبلها، وبين هذه وسابقتها عام ١٨٢٠. فاستخلص من ذلك المفكر الروسي (نيكولا دميتروفيتش كندرايتاف Nicolas DIMTROVICH. KOUDRATIEFF.) قانون الحلقات الاقتصادية الدورية على رأس كل خمسين عاما، وتضاربت نظريته مع المذهب الماركسي فيما يترتب عنها من إمكان رجوع السطوة للرأسمالية تارة أخري، فتكون لها دورة جديدة على حساب الاشتراكية العلمية.
من أجل ذلك ألقت السلطات السوفياتية القبض على (كندرايتاف) عام ١٩٣٠ وقضت عليه بالنفي في سيبيريا حيث مات عام ١٩٤١.
ولكن نظرية التطور الدوري للاقتصاد العالمي امتد بقاؤها بعد صاحبها وأخذها عنه عام ١٩٤٧ عدد من الكتاب الأمريكيين من بينهم (إدوارد دوي Edward DEWEY) مؤلف كتاب (علم الاستشراق) وذكر فيه أن الحلقة الثانية من حلقات (كندرايتاف) سيبدأ انحدارها عام ١٩٩٧.
ثم جاء من بعده الأمريكي (روبرت بكمان) فوضع عام ١٩٨٣ كتابا عنوانه (موجة الزجر أو كيف الخلاص من الأزمة الثانية الكبرى) حلل فيه الحلقات الدورية للتطور الاقتصادي بداية من أواخر القرن الثامن عشر واعتمد على نظريات (كندرايتاف) ، فذكر أن حلقة الانحدار الكبرى ستتأكد من عام ١٩٨٠ وقد تستفحل في العقد التاسع من هذا القرن.
стр. 4726
واهتم بظاهرة الحلقات الدورية الكاتب الفرنسي (فرنان برودل F.BRAUDEL.) فأخرج عام ١٩٧٩ موسوعة اقتصادية كبرى بعنوان: (الحضارة المادية، الاقتصاد والرأسمالية) رجع فيه بالتحليل إلى القرون الوسطي واستنتج أن شؤون المجتمع الإنساني قد خضعت لتوجيهات (TRENDS) دورية على رأس كل مائة سنة، فلاحظ حلقات كبرى إحداها فيما بين ١٢٥٠ و١٣٥٠م. وأخرى فيما بين ١٥٠٧ و١٦٥٠، وثالثة فيما بين ١٧٣٣ و١٨١٧، ورابعة فيما بين ١٨٩٦ و١٩٧٤.
وكان (أوزفالد سبلنجر Oswald splenger) قد وضع في ١٩٤٨ تأليفا عن (أفول نجم الغرب) (Le Declindet L`occid Ent) ارتأى فيه أن لكل واحدة من حضارات الإنسان عمرا متوسطا لا يزيد عن الألف عام، وأن الحضارة الغربية التي بدأت مع الألفية الثانية من التاريخ الميلادي بالغة أوجها وآخذة في الانحدار مع خاتمة هذه الألفية الثانية.
إنما استطردنا في مثل هذه المقدمات العمومية تمهيدا للنظر في أوضاع العالم الإسلامي لهذا العصر في بدايات القرن الخامس عشر وخواتم القرن العشرين، فأين نحن اليوم من بناء المستقبل المشترك الذي يضمن للأمة الإسلامية النجاة من الغرق مع الحضارة المادية الغربية، أو يحفزها للانضمام إلى تيار النهضة الإنسانية التي يري المفكرون أن بعضها سيقوم على أيدي الأمم الشرقية الآسيوية، وستنشيء الحضارة الصفراء الجديدة بديلة من الحضارة الغربية البيضاء؟
وهل للأمم الإسلامية من مستقبل ضمن هذه النهضة عن طريق التوحد وتراص الصفوف؟
التضامنات الموضوعية:
أول ما يترتب عن هذه المقدمات السابقة هو الترابط المتين في الظروف القائمة وفي المفاهيم الحضارية السائدة بين الأمم الإسلامية وبين المجموعة الإنسانية قاطبة.
فليس للشعوب التي تدين بالإسلام في أفريقيا ولا في آسيا ولا في غيرها من أمصار المعمورة من انفراد وتميز في أنواع البنية السياسية باختياراتها ومؤسساتها، وليس لها من استقلال التصرف في مواردها الاقتصادية، استخراجا وتحويلا وتسويقا وتمويلا، ولا واحدة من الشعوب بمعزل اليوم وغدا عن أمواج الغزو الفكرى، ولا عن عوامل الاستيلاب الثقافي، أو مظاهر التبعية في شتى شؤون الحياة: الفكرية والعلمية والتكنولوجية، بالإضافة إلى التبعيات المادية في ميادين الكفاية الغذائية، وتمويل الاستثمارات، وترويج الإنتاج، وفي عامة أنماط التنمية.
стр. 4727
الأمة الإسلامية راكبة على ظهر السفينة الكونية سفينة المعصرة بينها وبين سائر أمم الجنس البشري صنوف من التضامن الموضوعي، أكثرها تضامن قسري لا مندوحة من أخذه في الاعتبار، ولا من اليسير التحلل من روابطه المتينة.
هل أن هذا الترابط القسري الشامل بنسجيه لمختلف ميادين الشأن الحاضر، هو تضامن مستقبلي لا سبيل إلى الفكاك منه أو قد يقول بعضنا لا داعي لطلب هذا الفكاك، اليوم ولا غدا؟
هل أنه محكوم علينا أن يتواصل خضوعنا لنسيج التبعية القسرية، أم أن لنا من خلال هذا النسيج سبيلا فذة من سبل النجاة، وإمكانات عريضة لاختيار المصير الذي نرتضيه لنا ولأبنائنا على آفاق المستقبل القريب؟
هل لمشروع الوحدة الإسلامية من مستقبل ممكن أو من أمل في فجر قريب؟
هل يتأكد السعي في طلب هذا المستقبل وفقا لنمط طريف منفرد، أم يجوز الاكتفاء في ذلك على اتباع الأنماط السائدة المعروفة في أدبيات التنظيمات الجمهورية المعاصرة.
يحسن بنا في هذه المرحلة الأولى من تناول الموضوع أن نتساءل بشأن مفهوم الوحدة عن أمور ثلاثة قد علينا الإجابة عنها استطراد النظر في مرحلة لاحقة.
أولا: ما هي الشروط الواجبة لكي يكون مطلب الوحدة مطلبا ممكنا جائز التحقيق؟
ثانيا: في أي ميادين الحياة وفي أية حقول الممكن يجوز طلب هذه الوحدة؟
ثالثا: من بين الطرائق من حولنا في العالم أي طريقة نتوخى، ووفق أية مرحلية نسلك إلى بناء الوحدة، أم هل لنا من سبيل فذة ننفرد بسلوكها؟
١ - شروط الإمكان:
يتضح من تجاربنا السابقة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومن تجارب الأمم المعاصرة أن بناء مشروع مشترك بين عدد من الشعوب لإقامة حاضرها ومستقبلها على أساس الوحدة هو مطلب صعب، ومقصد بعيد، لا بد من الاحتياط له بمنظومة قيمة من الأسباب المتينة. ونحو نعلم من تاريخنا المعاصر أن الأمة الإسلامية لم تزل تسعى إلى هذه الوحدة، وتتدبر شروطها، ولم يزل مفكرو المسلمين يصنفون في شأنها التصانيف القيمة، من عهد جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي في خاتمة القرن الماضي إلى أعمال عبد العزيز الثعالبي ومصطفى خير الدين وابن باديس في العقود الأولى من هذا القرن. محاولين تجاوز عقدة التناقضات بين الانتماءات الوطنية الجغرافية والقومية وبين الانتساب الملي الديني.
стр. 4728
ونعلم جميعا المجهودات التنظيمية إلى جانب الاجتهاد الفكري، التي بذلتها الدول الإسلامية لإنشاء مؤسسات سياسية وعلمية واقتصادية مشتركة تيسيرا لبلوغ مقصد الوحدة الإسلامية وجعلت منها –مثل هذا المجمع المبارك للفقه- منابر للحوار والتشاور بغية تذليل المصاعب وتضافر الجهود في هذه السبيل.
يتأكد من ذلك كله أن الوحدة مطلب بالغ الشأن في تاريخ الأمة وفي حاضرها، حقيق بالتمحيص والاجتهاد، خليق بأن يحاط بالتدبر اليقظ المستمر، أملا في أن يوفق الله مسعى الأمة الإسلامية في هذه السبيل المستقبلية الضيقة.
أ- التواصل الجغرافي:
يرى بعض المفكرين أن التواصل الجغرافي هو من بين الشروط المادية عامل ميسر لتمتين العلاقة بين الشعوب ولمد قنوات التشاور والتناصر، ولإنشاء أسباب التعاون والائتلاف. وأن القربى في المستوي الأنفسي والاجتماعي مشتقة من القرب المكاني، ومبنية عليه.
ولكن هذا التواصل الجغرافي ليس غاية في ذاته، ولا شرطا كافيا بمفرده، بل أنه شرط تيسير وتمهيد لأنواع أخرى من التقارب ومن التعاون.
من أجل ذلك كانت مشاريع الترابط بالمواصلات البرية والبحرية في مقدمة ما تقدم على إنشائه الشعوب التي تعتزم إقامة أواصر التعاون والتوحيد بينها. وما من شك في أن المواصلات بأنواعها أيسر كلفة وأقرب تحقيقا بين الشعوب المتجاورة مما يكون بين الشعوب المتباعدة في الحيز الجغرافي، المنفصلة حدودها الترابية.
ثم أن هذا الجوار والتواصل الجغرافي أدعى إلى إنشاء مشاريع التعاون الزراعي مثلا، كما تشهد بذلك مشاريع الأنهار المشتركة مثل نهر النيل بين مصر والسودان، ونهر السينغال بين موريتانيا والسينغال ... أو هو أدعى إلى إقامة سوق مشتركة مثلما تم ذلك بين دول أوروبا الغربية، أو إلى إنشاء رابطة جهوية مثل التي توفقت إلى إنشائها دول الخليج العربي، أو تأسيس منظمة جهوية بين الدول العربية كالجامعة القائمة اليوم، أو كالتي أقامها الاتحاد السوفياتي بينه وبين تسعة من أجواره في الرابطة المعروفة باسم (COMECON) (كومكن) .
التواصل الجغرافي إذا هو عامل ميسر، وشرط مادي يحسن اعتماده ولكن التعويل عليه وحده لا يجدي إذا لم تنشأ عن هذا التقارب المكاني أنواع أخرى من الروابط تقوم على التشارك في عدد من المؤشرات الأساسية.
стр. 4729
ب - التشارك في الثوابت الحضارية:
لا يكون التجاور بين المجتمعات البشرية خاليا من المقاصد الفكرية، بريئا من النتائج الحضارية، بل كثيرا ما يقوم إنشاء الحضارات البشرية وامتدادها مقترنا بالتشارك في الحيز الجغرافي وفي المضمون التاريخي، وإن الناظر للخارطة الكونية ليلحظ ظاهرة التركيز الجغرافي بين المجموعات الحضارية الكبرى المتطابقة في الجملة مع مجموعات جغرافية تمتد على رقعة مخصوصة من الأرض.
فهي مجموعات حضارية بالدرجة الأولى تقوم على التشارك بين عدد من الشعوب أو من الأجناس في المراجع الحضارية الأساسية كاللغة والدين، والتاريخ بل وحتى في الملامح والطباع، وعلى هذا التشارك الحضاري ومن منطلق هذه المراجع الثابتة تروم شعوب تلك المنطقة إقامة مشروع سياسي يرمي إلى الوحدة، أو مشروع اقتصادي يعمل على بناء اقتصاد متناسق، وحينئذ فإن طلب المصالح والمنافع على أساس التشارك في الأموال والقدرات ودفع المخاوف والمخاطر، والتناصر على مصاعب قائمة أو على عدد مشترك، كل ذلك يندرج في نطاق الثوابت الحضارية ويستمد منها ويترجم عنها، ويتركز في حيز التواصل الجغرافي والتلاقي في التاريخ.
٢- ميادين الوحدة أو مضمونها:
في أي ميادين الحياة وفي أي من حقول الممكن يجوز طلب هذه الوحدة؟
يمكن التعبير عن هذا السؤال بصيغة أخرى: فنتساءل عن هذه الوحدة: ما هو مضمونها بعد أن تساءلنا عن دواعيها وحوافزها؟.
نلاحظ بداهة أن الإجابة عن المضمون تتجه بنا إلى وجهتين اثنتين:
فإما أن نروم بناء وحدة شاملة، لا تستثني واحدا من ميادين الممكن، وإما أن نقتصر في إقامتها على ميادين محدودة وعلى مضامين معينة، ومعني هذا أن الخيار واقع بين أمرين: بين وحدة سياسية اندماجية كاملة تقضي على الخصوصيات، وتدمج الوطنيات وتذيب السيادات القطرية في نظام سياسي فوقي واحد، يعمل في إطار مؤسسات جديدة بديلة عن المؤسسات القطرية، وتحت طائل سيادة كبرى، مبنية على أنقاض السيادات الفرعية الصغرى.
стр. 4730
وإما أن نروم التوحيد في ميادين معينة: مثل إقامة حلف عسكري واحد، أو إنشاء سوق تجاري مشترك، أو الاستغلال الأمثل مياه نهر مشترك على ما يكتنفه من مساحات زراعية متاحة، أو مثل الاستغلال المشترك لحوض مناجم الفحم يقع مثل جهة (RHUR) على حدود أربع دول متجاورة، أو الاستفادة من موارد سمكية على امتداد السواحل المتلاصقة.. والأمثلة على ذلك في التجارب المعاصرة كثيرة ومتنوعة.
٣ -جدلية الطرائق والآجال:
تدل التجارب المعاصرة بما شاهدناه من محاولات ناجحة وأخرى فاشلة أن الخيار في هذا الشأن هو بين طريقين: الطريقة الرأسية والطريقة التأليفية.
فأما الطريقة الأولى فهي نازلة من فوق، بقرار سياسي، وفقا لإرادة النخبة وطبقا لبرنامج مسبق، يعمل على إنشاء آليات التوحيد في ميادين معينة، كالميدان الإداري أو العسكري أو الاقتصادي، وكثيرا ما يقصد بهذه الطريقة إلى بناء الوحدة في الأجل القريب، يتعجل الأحداث ويقفز فوق المراحل، ويتعامل مع المصاعب الاجتماعية، ومع العراقيل الأنفسية بمنطق التقليل من شأنها والتنقيص من قدراتها الاعتراضية.
ولا حاجة لنا أن نعيد إلى الأذهان ذكر العديد من التجارب الوحدوية الفورية التي جرت المحاولة بإنجازها منذ الحرب العالمية الثانية في الشرق العربي، فكانت هذه المحاولات الارتجالية قصيرة العمر، تركت في بعض الحالات مشاعر قوية من الإحباط يحسن أخذها في الاعتبار حتى نتوخى مزيدا من الحذر في التعامل مع مشروعية الوحدة. على أن الحذر لا يعني الاستكانة لواقع التجزئة والشتات، ولا ينبغي أن يؤدي إلى التسويف والإرجاء في الإقدام على اقتحام المشروع.
وسواء كنا راضين عن أمر الوطنيات القطرية كظاهرة عصرية لتأسيس الدولة ولتركيز القوميات أم كنا منكرين لقيامها على حساب رابطة الأمة، فليس من السداد التغاضي عما أصبح لهذه الظاهرة من شأن في تنظيم المجتمعات المعاصرة، ولا أرى أن مجاوزتها وإنكارها لإنشاء التنظيمات الرأسية من فوق وبمجرد قرار سياسي، هو سبيل قويمة في طلب الوحدة.