واهتم بظاهرة الحلقات الدورية الكاتب الفرنسي (فرنان برودل F.BRAUDEL.) فأخرج عام ١٩٧٩ موسوعة اقتصادية كبرى بعنوان: (الحضارة المادية، الاقتصاد والرأسمالية) رجع فيه بالتحليل إلى القرون الوسطي واستنتج أن شؤون المجتمع الإنساني قد خضعت لتوجيهات (TRENDS) دورية على رأس كل مائة سنة، فلاحظ حلقات كبرى إحداها فيما بين ١٢٥٠ و١٣٥٠م. وأخرى فيما بين ١٥٠٧ و١٦٥٠، وثالثة فيما بين ١٧٣٣ و١٨١٧، ورابعة فيما بين ١٨٩٦ و١٩٧٤.
وكان (أوزفالد سبلنجر Oswald splenger) قد وضع في ١٩٤٨ تأليفا عن (أفول نجم الغرب) (Le Declindet L`occid Ent) ارتأى فيه أن لكل واحدة من حضارات الإنسان عمرا متوسطا لا يزيد عن الألف عام، وأن الحضارة الغربية التي بدأت مع الألفية الثانية من التاريخ الميلادي بالغة أوجها وآخذة في الانحدار مع خاتمة هذه الألفية الثانية.
إنما استطردنا في مثل هذه المقدمات العمومية تمهيدا للنظر في أوضاع العالم الإسلامي لهذا العصر في بدايات القرن الخامس عشر وخواتم القرن العشرين، فأين نحن اليوم من بناء المستقبل المشترك الذي يضمن للأمة الإسلامية النجاة من الغرق مع الحضارة المادية الغربية، أو يحفزها للانضمام إلى تيار النهضة الإنسانية التي يري المفكرون أن بعضها سيقوم على أيدي الأمم الشرقية الآسيوية، وستنشيء الحضارة الصفراء الجديدة بديلة من الحضارة الغربية البيضاء؟
وهل للأمم الإسلامية من مستقبل ضمن هذه النهضة عن طريق التوحد وتراص الصفوف؟
التضامنات الموضوعية:
أول ما يترتب عن هذه المقدمات السابقة هو الترابط المتين في الظروف القائمة وفي المفاهيم الحضارية السائدة بين الأمم الإسلامية وبين المجموعة الإنسانية قاطبة.
فليس للشعوب التي تدين بالإسلام في أفريقيا ولا في آسيا ولا في غيرها من أمصار المعمورة من انفراد وتميز في أنواع البنية السياسية باختياراتها ومؤسساتها، وليس لها من استقلال التصرف في مواردها الاقتصادية، استخراجا وتحويلا وتسويقا وتمويلا، ولا واحدة من الشعوب بمعزل اليوم وغدا عن أمواج الغزو الفكرى، ولا عن عوامل الاستيلاب الثقافي، أو مظاهر التبعية في شتى شؤون الحياة: الفكرية والعلمية والتكنولوجية، بالإضافة إلى التبعيات المادية في ميادين الكفاية الغذائية، وتمويل الاستثمارات، وترويج الإنتاج، وفي عامة أنماط التنمية.
стр. 4727
الأمة الإسلامية راكبة على ظهر السفينة الكونية سفينة المعصرة بينها وبين سائر أمم الجنس البشري صنوف من التضامن الموضوعي، أكثرها تضامن قسري لا مندوحة من أخذه في الاعتبار، ولا من اليسير التحلل من روابطه المتينة.
هل أن هذا الترابط القسري الشامل بنسجيه لمختلف ميادين الشأن الحاضر، هو تضامن مستقبلي لا سبيل إلى الفكاك منه أو قد يقول بعضنا لا داعي لطلب هذا الفكاك، اليوم ولا غدا؟
هل أنه محكوم علينا أن يتواصل خضوعنا لنسيج التبعية القسرية، أم أن لنا من خلال هذا النسيج سبيلا فذة من سبل النجاة، وإمكانات عريضة لاختيار المصير الذي نرتضيه لنا ولأبنائنا على آفاق المستقبل القريب؟
هل لمشروع الوحدة الإسلامية من مستقبل ممكن أو من أمل في فجر قريب؟
هل يتأكد السعي في طلب هذا المستقبل وفقا لنمط طريف منفرد، أم يجوز الاكتفاء في ذلك على اتباع الأنماط السائدة المعروفة في أدبيات التنظيمات الجمهورية المعاصرة.
يحسن بنا في هذه المرحلة الأولى من تناول الموضوع أن نتساءل بشأن مفهوم الوحدة عن أمور ثلاثة قد علينا الإجابة عنها استطراد النظر في مرحلة لاحقة.
أولا: ما هي الشروط الواجبة لكي يكون مطلب الوحدة مطلبا ممكنا جائز التحقيق؟
ثانيا: في أي ميادين الحياة وفي أية حقول الممكن يجوز طلب هذه الوحدة؟
ثالثا: من بين الطرائق من حولنا في العالم أي طريقة نتوخى، ووفق أية مرحلية نسلك إلى بناء الوحدة، أم هل لنا من سبيل فذة ننفرد بسلوكها؟
١ - شروط الإمكان:
يتضح من تجاربنا السابقة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومن تجارب الأمم المعاصرة أن بناء مشروع مشترك بين عدد من الشعوب لإقامة حاضرها ومستقبلها على أساس الوحدة هو مطلب صعب، ومقصد بعيد، لا بد من الاحتياط له بمنظومة قيمة من الأسباب المتينة. ونحو نعلم من تاريخنا المعاصر أن الأمة الإسلامية لم تزل تسعى إلى هذه الوحدة، وتتدبر شروطها، ولم يزل مفكرو المسلمين يصنفون في شأنها التصانيف القيمة، من عهد جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي في خاتمة القرن الماضي إلى أعمال عبد العزيز الثعالبي ومصطفى خير الدين وابن باديس في العقود الأولى من هذا القرن. محاولين تجاوز عقدة التناقضات بين الانتماءات الوطنية الجغرافية والقومية وبين الانتساب الملي الديني.
стр. 4728
ونعلم جميعا المجهودات التنظيمية إلى جانب الاجتهاد الفكري، التي بذلتها الدول الإسلامية لإنشاء مؤسسات سياسية وعلمية واقتصادية مشتركة تيسيرا لبلوغ مقصد الوحدة الإسلامية وجعلت منها –مثل هذا المجمع المبارك للفقه- منابر للحوار والتشاور بغية تذليل المصاعب وتضافر الجهود في هذه السبيل.
يتأكد من ذلك كله أن الوحدة مطلب بالغ الشأن في تاريخ الأمة وفي حاضرها، حقيق بالتمحيص والاجتهاد، خليق بأن يحاط بالتدبر اليقظ المستمر، أملا في أن يوفق الله مسعى الأمة الإسلامية في هذه السبيل المستقبلية الضيقة.
أ- التواصل الجغرافي:
يرى بعض المفكرين أن التواصل الجغرافي هو من بين الشروط المادية عامل ميسر لتمتين العلاقة بين الشعوب ولمد قنوات التشاور والتناصر، ولإنشاء أسباب التعاون والائتلاف. وأن القربى في المستوي الأنفسي والاجتماعي مشتقة من القرب المكاني، ومبنية عليه.
ولكن هذا التواصل الجغرافي ليس غاية في ذاته، ولا شرطا كافيا بمفرده، بل أنه شرط تيسير وتمهيد لأنواع أخرى من التقارب ومن التعاون.
من أجل ذلك كانت مشاريع الترابط بالمواصلات البرية والبحرية في مقدمة ما تقدم على إنشائه الشعوب التي تعتزم إقامة أواصر التعاون والتوحيد بينها. وما من شك في أن المواصلات بأنواعها أيسر كلفة وأقرب تحقيقا بين الشعوب المتجاورة مما يكون بين الشعوب المتباعدة في الحيز الجغرافي، المنفصلة حدودها الترابية.
ثم أن هذا الجوار والتواصل الجغرافي أدعى إلى إنشاء مشاريع التعاون الزراعي مثلا، كما تشهد بذلك مشاريع الأنهار المشتركة مثل نهر النيل بين مصر والسودان، ونهر السينغال بين موريتانيا والسينغال ... أو هو أدعى إلى إقامة سوق مشتركة مثلما تم ذلك بين دول أوروبا الغربية، أو إلى إنشاء رابطة جهوية مثل التي توفقت إلى إنشائها دول الخليج العربي، أو تأسيس منظمة جهوية بين الدول العربية كالجامعة القائمة اليوم، أو كالتي أقامها الاتحاد السوفياتي بينه وبين تسعة من أجواره في الرابطة المعروفة باسم (COMECON) (كومكن) .
التواصل الجغرافي إذا هو عامل ميسر، وشرط مادي يحسن اعتماده ولكن التعويل عليه وحده لا يجدي إذا لم تنشأ عن هذا التقارب المكاني أنواع أخرى من الروابط تقوم على التشارك في عدد من المؤشرات الأساسية.
стр. 4729
ب - التشارك في الثوابت الحضارية:
لا يكون التجاور بين المجتمعات البشرية خاليا من المقاصد الفكرية، بريئا من النتائج الحضارية، بل كثيرا ما يقوم إنشاء الحضارات البشرية وامتدادها مقترنا بالتشارك في الحيز الجغرافي وفي المضمون التاريخي، وإن الناظر للخارطة الكونية ليلحظ ظاهرة التركيز الجغرافي بين المجموعات الحضارية الكبرى المتطابقة في الجملة مع مجموعات جغرافية تمتد على رقعة مخصوصة من الأرض.
فهي مجموعات حضارية بالدرجة الأولى تقوم على التشارك بين عدد من الشعوب أو من الأجناس في المراجع الحضارية الأساسية كاللغة والدين، والتاريخ بل وحتى في الملامح والطباع، وعلى هذا التشارك الحضاري ومن منطلق هذه المراجع الثابتة تروم شعوب تلك المنطقة إقامة مشروع سياسي يرمي إلى الوحدة، أو مشروع اقتصادي يعمل على بناء اقتصاد متناسق، وحينئذ فإن طلب المصالح والمنافع على أساس التشارك في الأموال والقدرات ودفع المخاوف والمخاطر، والتناصر على مصاعب قائمة أو على عدد مشترك، كل ذلك يندرج في نطاق الثوابت الحضارية ويستمد منها ويترجم عنها، ويتركز في حيز التواصل الجغرافي والتلاقي في التاريخ.
٢- ميادين الوحدة أو مضمونها:
في أي ميادين الحياة وفي أي من حقول الممكن يجوز طلب هذه الوحدة؟
يمكن التعبير عن هذا السؤال بصيغة أخرى: فنتساءل عن هذه الوحدة: ما هو مضمونها بعد أن تساءلنا عن دواعيها وحوافزها؟.
نلاحظ بداهة أن الإجابة عن المضمون تتجه بنا إلى وجهتين اثنتين:
فإما أن نروم بناء وحدة شاملة، لا تستثني واحدا من ميادين الممكن، وإما أن نقتصر في إقامتها على ميادين محدودة وعلى مضامين معينة، ومعني هذا أن الخيار واقع بين أمرين: بين وحدة سياسية اندماجية كاملة تقضي على الخصوصيات، وتدمج الوطنيات وتذيب السيادات القطرية في نظام سياسي فوقي واحد، يعمل في إطار مؤسسات جديدة بديلة عن المؤسسات القطرية، وتحت طائل سيادة كبرى، مبنية على أنقاض السيادات الفرعية الصغرى.
стр. 4730
وإما أن نروم التوحيد في ميادين معينة: مثل إقامة حلف عسكري واحد، أو إنشاء سوق تجاري مشترك، أو الاستغلال الأمثل مياه نهر مشترك على ما يكتنفه من مساحات زراعية متاحة، أو مثل الاستغلال المشترك لحوض مناجم الفحم يقع مثل جهة (RHUR) على حدود أربع دول متجاورة، أو الاستفادة من موارد سمكية على امتداد السواحل المتلاصقة.. والأمثلة على ذلك في التجارب المعاصرة كثيرة ومتنوعة.
٣ -جدلية الطرائق والآجال:
تدل التجارب المعاصرة بما شاهدناه من محاولات ناجحة وأخرى فاشلة أن الخيار في هذا الشأن هو بين طريقين: الطريقة الرأسية والطريقة التأليفية.
فأما الطريقة الأولى فهي نازلة من فوق، بقرار سياسي، وفقا لإرادة النخبة وطبقا لبرنامج مسبق، يعمل على إنشاء آليات التوحيد في ميادين معينة، كالميدان الإداري أو العسكري أو الاقتصادي، وكثيرا ما يقصد بهذه الطريقة إلى بناء الوحدة في الأجل القريب، يتعجل الأحداث ويقفز فوق المراحل، ويتعامل مع المصاعب الاجتماعية، ومع العراقيل الأنفسية بمنطق التقليل من شأنها والتنقيص من قدراتها الاعتراضية.
ولا حاجة لنا أن نعيد إلى الأذهان ذكر العديد من التجارب الوحدوية الفورية التي جرت المحاولة بإنجازها منذ الحرب العالمية الثانية في الشرق العربي، فكانت هذه المحاولات الارتجالية قصيرة العمر، تركت في بعض الحالات مشاعر قوية من الإحباط يحسن أخذها في الاعتبار حتى نتوخى مزيدا من الحذر في التعامل مع مشروعية الوحدة. على أن الحذر لا يعني الاستكانة لواقع التجزئة والشتات، ولا ينبغي أن يؤدي إلى التسويف والإرجاء في الإقدام على اقتحام المشروع.
وسواء كنا راضين عن أمر الوطنيات القطرية كظاهرة عصرية لتأسيس الدولة ولتركيز القوميات أم كنا منكرين لقيامها على حساب رابطة الأمة، فليس من السداد التغاضي عما أصبح لهذه الظاهرة من شأن في تنظيم المجتمعات المعاصرة، ولا أرى أن مجاوزتها وإنكارها لإنشاء التنظيمات الرأسية من فوق وبمجرد قرار سياسي، هو سبيل قويمة في طلب الوحدة.
стр. 4731
ولعل الطريقة التأليفية أنسب ملاءمة مع الواقع السياسي المعاصر، وأضمن من العثرات وأدعى إلى الاطمئنان، وتقتضي هذه الطريقة طلب الوحدة من خلال الواقع القائم على أساس التعامل معه تعديلا وتصحيحا، لا على أساس الإدبار عن هذا الواقع والاستخفاف بشأنه الاجتماعي ولا بكفاءته المعرقلة.
وخلافا للطريقة الرأسية فإن الطريقة التأليفية لا تري في القضاء على الخصوصيات الوطنية شرطا واجبا لبناء الوحدة، ولا في محو السيادات القطرية أو توهين المؤسسات الدستورية المميزة. بل تعتمد جميع هذه الخصوصيات وتعمل على توظيفها لفائدة هدف الوحدة، وحدة تأليفية تركيبية، لا وحدة تسطيح وتقليم.
لو جاز أن نستعير من لغة رجال الحديث الشريف لقلنا إن الطريقة التأليفية تتوخى منطق التعديل ولا تتوخى منطق الجرح، وتقصد إلى إنشاء وحدة متعددة الجوانب، مؤلفة بين الخصوصيات، ولا تروم وحدة أحادية النظام والصيغة، على نمط واحد فريد لا بديل له.
ولو أمعنا النظر فيما أقامته طائفة من المجتمعات العصرية من تنظيمات جهوية وحدوية المقصد، لوجدناها قائمة على احترام الخصوصيات، رغبة أو رهبة، وعلى توظيف هذه الخصوصيات لفائدة المشروع المشترك.
ولنا تجارب الاتحاد السوفياتي في تعامله مع الأقليات الإسلامية خير شاهد على المشاريع الوحدوية القائمة على محو الخصائص، وتقليم مقومات الذاتية، وإنكار وجود الواقع العريق، وقد أذعنت سلطات الشيوعية الماركسية في موسكو للواقع الإسلامي في الجمهوريات الإسلامية، وأيقنت أن للإسلام في هذه الجمهوريات جذورا لا تقوى على اقتلاعها معاول الاشتراكية العلمية، وأن محاولة اقتلاع هذه الجذور، كما رام ذلك الطاغية ستالين هي محاولة فاشلة، لا طمع في بلوغها ولا رجاء في جدواها السياسية.
ومن البدهي أن تتوخي الطريقة التأليفية منطق المرحلية الزمانية، وتسعى في طلب الوحدة حسب جدول من الآمال العريضة، إيمانا بأن القرارات السياسية لا تغير من مسار الشعوب إلا إذا غير الناس ما بالأنفس وفقا للحكمة الربانية الخالدة المنصوص عليها في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . (١)
وقد لا يتيسر حصول هذا التغيير الأنفسي بصورة عميقة باقية على استعجال وارتجال في الأجل القريب.
стр. 4732
ولا يشك أحد أن الناس لا يغيروا ما بأنفسهم إلا بدافع التحفز والإيمان، ولا ينشأ هذا التحفز إلا إذا كان الناس على يقين بأن المشروع المقصود هو أفضل من الوضع الراهن، وأن السعي إلى هذا الأفضل أمر ممكن الإدراك، وأن القدرة عليه قائمة، والمخاطر في سبيله زهيدة هينة، ذلك: يعني ألا يكون المشروع مقصورا على نخبة من الناس، وأن يظل السواد الأكبر من عامة الناس بمعزل من المشاركة في طلبه مشاركة واعية مسؤولة.
الواقع الإسلامي الحاضر:
يتوزع ٣ المجتمع الإسلامي المعاصر بين ثلاث مجموعات إقليمية تميز بينها طائفة من الخصوصيات السياسية والاقتصادية والعرقية والاجتماعية، وتشارك في عدد من السمات الثقافية والحضارية، يحسن بنا أن نأخذها في الاعتبار بصورة موجزة.
١ -ميدان الخصوصيات:
فالمجموعة الآسيوية أهم هذه المجموعات عددا وأوفرها كثافة، وأكثرها تميزا، تليها المجموعة العربية في العدد، ثم تأتي المجموعة الأفريقية من بعدها. وإلى جانب هذه الشعوب الإسلامية بتنظيماتها داخل دول إسلامية، تقوم مجموعات أخرى تتمثل في الأقليات الإسلامية، داخل دول غير إسلامية. وأهم هذه الأقليات تعيش في الدول الآسيوية الكبرى مثل الصين والاتحاد السوفياتي، وتليها في الأهمية العددية الأقليات الإسلامية بالدول الأوربية الغربية ثم الشرقية.
وتتوزع هذه الشعوب من وراء الانتماءات الوطنية إلى أجناس بشرية مختلفة في اللون وفي الألسن واللغات بما يعنيه اختلاف اللغات من فروق في المضامين الثقافية وفي مراجع الذاتية، كما تتوزع بحسب نوعية الارتباطات الاقتصادية والمالية، وبحسب ما بينها من مراتب التفاوت في الموارد الطبيعية وما بلغته من درجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولسنا في حاجة إلى تتويج هذه الخصوصيات بما هو مشهود بين الدول الإسلامية من فروق بين الأنظمة الدستورية، ما بين ملكية دستورية وملكية قبلية، وما بين جمهوريات مدنية وأخرى عسكرية، وما بين أنظمة للحكم المطلق وأخرى للحكم الديمقراطي.
стр. 4733
٢- ميدان السمات المشتركة:
وإن بين الشعوب الإسلامية داخل هذه المجموعات الإقليمية عددا من السمات المشتركة نراها تتمثل بالخصوص، وعلى مستوي علاقة المجتمع بالدولة في ضعف كفاءة الرأي العام الوطني على المشاركة في صنع القرارات السياسية الكبرى، وهو مؤشر بارز من مؤشرات الحياة الديمقراطية، يجعل الشؤون العامة تدور في دائرة ضيقة من التداول تكاد تكون مقصورة على النخبة من ذوي الجاه أو المال أو من خاصة صاحب السلطان –وفي ذلك تأويل مقتضب ضيق لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ . (١) وهو لا يعين ولا شك على ترشيد الحياة السياسية المقصودة في هذه الآية الكريمة.
ومن أبرز هذه السمات المشتركة ارتفاع نسبة الأمية في الشعوب الإسلامية: أدناها ٢٧ % وأقصاها ٩٣ % ويزيد معدلها العام على ٦٠ %، وهو نتيجة مرتقبة لضعف نسبة الإنفاق على التربية والتعليم من الناتج الإجمالي الوطني، إذ لا يرتفع معدل هذا الإنفاق فوق نسبة ٢.٥ %، في حين نراه يزيد على ٨ % في بعض الدول القليلة. وعلى٦ % في عامة الدول المصنعة، وأن في هذا الوضع الردييء إخلالا بإحدى تعاليم الإسلام الذي جعل من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وساوى في المنزلة بين مداد الأقلام وبين دماء الشهداء.
ولو اعتمدنا عدد ما ينشر من الكتب في العالم الإسلامي بأسره لوجدناه ينحط دون عدد ما يصدر في دولة واحدة من دول العالم المتصنع كاليابان لا يزيد عدد سكانها على العشر من عدد المجموعات الإسلامية.
وإن لنا في الميدان الاجتماعي سمات أخرى مستفحلة نخص منها بالذكر عدد البطالة من بين طبقات القوى العاملة، إذ قد يزيد المعدل الإسلامي للبطالة، على ثلث المترشحين للعمل من الذكور وعلى الثلثين من الإناث المترشحات.
أما أعداد الأطباء ونسبتها، بالقياس إلى كل ألف ساكن، فهي تتراوح بين ٠.٠٢٠.٠٠ أي (٢) في العشرة آلاف أو طبيب واحد على كل خمسة آلاف، وأقصاها ١.٢٣٠.٠٠ أي لكل عشرة آلاف أو ٦ لكل خمسة آلاف.
وبالمقارنة نعلم أن نسبة التغطية العلاجية في المجتمعات المعاصرة تزيد على ٦ أطباء بالنسبة لكل ألف ساكن أي بمعدل طبيب واحد في خدمة أقل من مائتي شخص، وعلى ذمة أربعين عائلة.
стр. 4734
ومعلوم أن المجتمعات الإسلامية متشاركة في وصمة التخلف الاقتصادي لا من جراء نقص في الموارد الطبيعية، ولا في المدخرات المالية، ولا حتى في الكفاءات البشرية، وإنما يعزى هذا التخلف إلى نقص فادح في توظيف هذه الامكانات المتاحة، وإلى سوء استغلال للموارد، ولا حاجة للتذكير بما هو معلوم بالأرقام المضبوطة وبالبيانات الضافية في هذا الشأن، وقد تصنفت فيه التآلف العديدة ولا تزال تصدر عن دور التأليف والنشر بمختلف الحواضر الإسلامية، العديد من التصانيف القيمة، نذكر منها على سبيل المثال منشورات مركز دراسات الوحدة العربية الذي تزيد عناوينه اليوم على مائة وعشرون، من وضع نخبة من خير المفكرين العرب، كما نذكر أيضا التقارير القيمة الصادرة عن مشروع المستقبلات العربية البديلة والتي تناولت فيما تناولت محور الصحوة الدينية الإسلامية وآفاق تطورها في تعاملها مع الأنظمة الحاكمة ومع المجتمعات الإسلامية.
ولعل أكبر السمات المشتركة بين دول العالم الإسلامي في الميدان الاقتصادي هي سمة التبعية. تبعية مركبة مصنفة بين ميادين تمويل الاستثمارات وفداحة درجات المديونية المحملة على عاتق الشعوب الإسلامية، وأخطر هذه التبعات هي التبعية الغذائية التي تهم معظم الدول الإسلامية وتجعل أمنها الغذائي واستقرارها السياسي حكرا بأيدي مجموعة من القوى الأجنبية، تتصرف بما تشاء وحينما تشاء في مستقبلات هذه الشعوب، وقد تزيد نسبة هذه التبعة على نصف الاحتياجات الضرورية من الغذاء في بعض الحالات، وأن من الدول الإسلامية من تنفق اليوم أكثر من ٦٠ % من مواردها بالعملة الصعبة لتوريد الحاجيات الغذائية الأساسية لشعبها.
ومن البدهيات المقررة اليوم في أدبيات التنمية أن الأمن الغذائي هو حجر الزاوية في الأمن العام وأنه الشرط الواجب المؤسس للسيادة الوطنية، الضامن لاستقرار الأنظمة السياسية.
كذلك الشأن بالقياس إلى التبعية التكنولوجية فهي اليوم من أثقل أنواع التبعيات الجاثمة بوزرها على نهضة الأمة الإسلامية في شتى الميادين المصرفية والاقتصادية والاجتماعية تجعل زمام أمورها بأيدي الشركات الكبرى متعددة الأجناس، وتعوقها عن المبادرة في تصريف شؤونها، وأن في ضعف درجات التصنيع بعامة الأوطان الإسلامية وتدني مساهمة الصناعة في الناتج الإجمالي الوطني إلى أقل من العشر، وضعف القيمة المضافة في حصيلة الإنتاج لمؤشرات كبرى على هذه التبعية التكنولوجية التي غدت من أهم السمات المشتركة بين شعوب المجتمع الإسلامي.
стр. 4735
وإن الأمر بمثل هذه الخطورة في ميدان الإعلام، وقد كثرت بشأنه التقارير والدراسات على مستوي العالم الثالث، وتعالت أصوات الاستنكار ضد الاحتكار الواقعي الذي تتميز به ست وكالات عالمية للأنباء وتتصرف بذلك في حظوظ العالم الثالث بسبب ما لديها من الوسائل الفعالة لصناعة الإعلام ولتوجيه الرأي العام وفق المصالح الاقتصادية والأغراض السياسية التي ترتبط بها بروابط الولاء والتحالف.
والعالم الإسلامي خاضع لهذه الوكالات العالمية، كخضوع سائر مجتمعات العالم الثالث، بل نرى الوكالات الغربية للأنباء قد صرفت جهودها بصورة مركزة إلى إخراج صورة خاصة للإنسان المسلم وللرجل العربي المسلم بصورة أخص، وإلى العمل على نشرها في الرأي العام العالمي.
كان من نتيجة هذا العمل الإعلامي الموجه أن انقشعت في أذهان الرأي العام الغربي جملة من الملامح المشوهة عن الإنسان المسلم وعن الرجل العربي تقترن بمعان العجز والتبذير والكسل والشهوانية والجبن، ونحن نلمس آثار هذه الحملات الدعائية في الصحافة والوسائل الإعلامية الغربية، ونقف على مفعولها السلبي في المحافل الدولية وبصورة واضحة عند مناقشة القضية الفلسطينية، ولا حاجة لنا أن نذكر بما قد قيل أكثر من مرة في عواصمنا الإسلامية عن دور الدعاية الصهيونية في هذه الحملات، وعما توظفه في حقها من وسائل مالية وبشرية بالغة الشأن.
أدركت الدول الإسلامية هذه الأوضاع المتردية في مختلف الميادين وبصورة خاصة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والمالية والإعلامية، وقد أخذت على نفسها منذ أواخر القرن أن تعالجها لا على الصعيد الوطني المنفرد فقط بل وأيضا على صعيد المجتمع الإسلامي ككل، إقرارا بأن هذه الأوضاع السلبية هي حصيلة لطائفتين من العوامل تضافرت مفعولاتها على مر الزمان: عوامل ذاتية تمثلت أولا وبالذات في تباعد الشعوب الإسلامية عن بعضها وفي توزع جهودها وتفرق كلمتها، اعتزاز خاطئا بما لكل شعب من خصوصيات، ظنا ووهما بأن النجاة ممكنة على سبيل منفردة وبإنشاء ما يتيسر إنشاؤه من الروابط مع بعض الدول الخارجية، وإقامة الأحلاف الخارجية بديلة من الترابط على الصعيد الإسلامي.
أما العوامل الخارجية التي أسفرت عن الأوضاع الرديئة، فهي تضافر الدول الأجنبية داخل مجموعات إقليمية لأغراض اقتصادية وتكنولوجية ومالية وعسكرية وإعلامية وغيرها. بحيث إن المجتمع الإسلامي في مفاوضاته مع العالم المصنع، يأتي هذه المفاوضات متفرق الصف موزع الكلمة، فيلقي مخاطبا متوحد الصف، متفق الكلمة، ينطلق من استراتيجية مدروسة مشتركة.
стр. 4736
هذا ما أدركه العالم الإسلامي في العقود القليلة الماضية غداة الحرب العالمية الثانية، وهذا ما رام ويروم علاجه بتوحيد الكلمة، وتضافر الجهود، عبر المؤسسات المشتركة التي توفقت الدول الإسلامية إلى إنشائها منابر قارة للتشاور والتناصح فيما بينها ومحافل قائمة لتلاقي العزائم ولانعقاد الإرادة، ولاتباع السبيل المشتركة القويمة في إنقاذ الأمة من سلبيات الحاضر ولبناء المستقبل المشترك.
٣-القاعدة الحضارية المتينة:
ونحن نعلم جميعا ما وفق الله إليه قادة الأمة الإسلامية إذ يسر لها إنشاء مؤسسة المؤتمر الإسلامي، وأمانتها العامة، ثم أعان على انبثاق العديد من الهيئات المتفرعة عنها المختصة في شتى مجالات الاقتصاد والبحث العلمي والتكنولوجيا والإعلام والاستثمار المالي والأمن. يزيد اليوم عددها على خمس عشرة هيئة موزعة مقراتها بين حواضر العالم الإسلامي.
وقد انعقدت المؤتمرات الدورية بين رؤساء الدول الإسلامية وبين وزراء الخارجية وصدرت عن هذه المؤتمرات مواثيق مباركة، لتحديد الأهداف المشتركة للعمل الإسلامي، ولاختيار السبل القويمة في طلب هذه الأهداف، انطلاقا من الثوابت الحضارية المشتركة أو كما جاء في إعلان (لاهور) لملوك ورؤساء الدول في فبراير ١٩٧٤ الذين أكدوا:
(إيمانهم بأن دينهم المشترك إنما يمثل رابطة لا انفصام لها بين شعوبهم وأن تضامن الشعوب الإسلامية لا يقوم على معاداة أية جماعة إنسانية أخرى ولا على تفرقة بسبب العنصر أو الثقافة ولكن على المبادئ الإيجابية الخالدة، مبادئ المساواة والأخوة وكرامة الإنسان ... ) .
وإن مبدأ التوحيد على أساس رابطة الدين قد تكرر التأكيد عليه في ميثاق مكة المكرمة الصادر عن قادة الدول الإسلامية عام ١٩٨١. إذ يقرون:
(إيمانا منا بأن المسلمون أمة واحدة يعتصمون برابطة الإسلام ويستلهمون في الحياة منهجا لا اختلاف فيه ويستمدون معينهم الفكري من تراث حضاري مشترك، ويضطلعون في العالم برسالة واحدة، فنحن عاقدون العزم على أن نمضي قدما لتوثيق أواصر التضامن بين شعوبنا ودولنا وعلى أن نتجاوز كل ما يؤدي إلى الشقاق أو يجر إلى الفرقة ... ) .
وهكذا يتلاقى توحيد الإيمان مع توحيد المجتمع، لا على الصعيد العقائدي فحسب بل وأيضا على صعيد المصالح المرسلة التي أفسدها القعود الفكري وأوهنتها الخلافات السياسية، وأضاعتها النزاعات الخصوصية المفرقة.
стр. 4737
واضطرت الأمة الإسلامية أن تعمل مرة أخرى على اعتماد وحدتها الدينية، سلاحا قويا، لتمتين اللحمة الاجتماعية ولتعزيز الجهود في بناء المستقبل الحضاري المشترك، مثلما كانت مضطرة في خواتم القرن الماضي وفي النصف الأول من هذا القرن إلى الاعتصام بالدين ضد الاستعمار الغربي، فبات الدين يمثل حارس الليل، لا ينام ولا يغفل، حتى وإن غفلت الأعين وخفتت في الضمائر أصوات اليقظة، وتراخت العزائم. وغير خاف في هذه الفترة من تاريخنا المعاصر (أن طلائع حركات اليقظة العربية كانت طلائع إسلامية سلكت سبيل الإصلاح الديني لبعث روح المقاومة في كيان الأمة ضد الغرب الاستعماري الزاحف على ديار الإسلام) . وهل قامت الوهابية من منتصف القرن الثامن عشر، والسنوسية في ليبيا والجزائر ومصر، والحركة المهدية في السودان، في خواتم القرن التاسع عشر إلا لتحمل مشعل اليقظة العربية الإسلامية الحديثة؟
وهل كان تيار هذه اليقظة الذي قاده جمال الدين الأفغاني في إطار مشروع الجامعة الإسلامية يرمي إلى هدف غير مجابهة المد الاستعماري الغربي على واجهة الشرق العربي الإسلامي بأكمله، ويعمل على إنشاء يقظة إسلامية وتضامن إسلامي، ووحدة فكرية ونضالية للملة الإسلامية قاطبة. وقد دعا هذا التيار إلى الوحدة الإسلامية بل وإلى إقامة (الجنسية الإسلامية) . فالوحدة عند الأفغاني إنما تنبع أساسا من رابطة الملة والدين وهي عنوان على تضامن الملة الإسلامية ضد أعدائها، واستلهامها القرآن لتجديد حياتها الدينية والدنيوية، وقد أقامت نخبة الجامعة الإسلامية مفهوم الوحدة الإسلامية على القاعدة الراسخة لرابطة الدين، ولم نجعل هذه الوحدة متجسدة في الدول الوطنية بالمدلول السياسي، فلا تعارض بين الوحدة الإسلامية بهذا المعني، وبين القومية ودولتها. وقد كتب جمال الدين الأفغاني في هذا الخصوص:
(لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا. فإن هذا ربما كان عسيرا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن الكريم ووجهة وحدتهم الدين. وكل ذي ملك على ملكه. يسعي بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته، وبقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد كونه أساسا لدينهم، تقضي به الضرورة وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات) . (١)
стр. 4738
وقد دعا أعلام الجامعة الإسلامية إلى سلفية دينية تعتمد المنابع النقية للإسلام ولكنها لا تتضارب مع عقلانية إسلامية تستخدم العقل وبراهينه في فهم الدين ووعي مقاصده. كما دعوا إلى تجدد ذاتي في مواجهة المعاصرة ومجابهة التحديات وإلى النظر في الحضارة الغربية (من موقع مستقل ومتميز) لمعرفة أسباب تفوق الخصم وللاستعانة بذلك في الصراع معه.
هذا المنهج القويم هو الذي ظل معتمدا في بناء التضامن الإسلامي بعيدا عن الخلافات السياسية وتجاوزا للخصوصيات القطرية واجتنابا لمنازعات السيادة، وهو منهج نراه ضامنا لإقامة صرح الوحدة الإسلامية على صعيدين اثنين:
صعيد المصالح المرسلة فيما يهم شؤون الاقتصاد، والإعلام والمالية والتكنولوجيا، والدفاع عن حرمة الأوطان والتعاون الخارجي، وسائر ميادين الحياة المدنية التي تقتضي المصلحة أن ننطق في معالجتها من منظور مشترك وأن نقوم في حلها على التعاون المستمر بين شعوبنا ودولنا، وأن نستفيد من الأجهزة والتنظيمات المشتركة التي هدانا الله إلى إنشائها لتكون منابر للتشاور وإطارا لاستنباط الخطط الاستراتيجية وتحديد الإجراءات العملية في خدمة الأهداف المرسومة.
أما الصعيد الثاني وهو صعيد المراجع الحضارية المشتركة فنستطيع أن نمضي فيه بحزم إلى أبعد من المشاريع الدنيوية وإلى أعمق وأنفس من المنجزات المادية أو الظرفية.
أود أن أقتبس من تصانيف الدكتور محمد عابد الجابري وخاصة من كتاباته الأخيرة عن (تكوين الفكر العربي) معني التأسي الفكري، يرى الجابري أن الفكر يتأسس فيما يرومه من مقاصد تأسيسا سلبيا بمنطق الضدية والمقاومة، مثلما تأسست مشاريعنا الوحدوية في الماضي القريب بديار المغرب العربي مثلا تأسيسا ضديا لمقاومة الاستعمار، ومثلما تأسس مشروع الجامعة الإسلامية ضد أنواع الاستعمارات الغربية بالمشرق.. ثم إذا ما زالت دواعي الضدية بزوال الاستعمار وحصول الدول على استقلالها أصبح الفكر الوحدوي بحاجة إلى تجديد في التأسيس، يطلب له أسسا أخرى، غير الأسس السلبية التي قام عليها في فترات الكفاح. تلك هي الظاهرة الإيجابية التي نطمع أن يتأسس عليها مفهوم الوحدة الإسلامية في مضمونها الحضاري، فليست الوحدة سلاحا ضد قوة معارضة،
стр. 4739
ولا يقتصر وجودها على منطق الوسيلة ولا تنحصر في سجل السببية، بل الوحدة غاية في حد ذاتها يتأسس وجودها على منطق الإسهام في الحضارة الإنسانية، إعانة المجتمع الإسلامي أولا، والمجتمع البشري بصورة أعم على إنشاء حضارة جديدة لا تقوم على طمس القيم الدينية ولا على مسخ مقومات الذات البشرية التي كرمها الله، ولا على تجنيس المفاهيم الثقافية والأخلاقية في الاستكانة للمادة، وإنما تقوم على تعزيز أزكى ما في الذات الإنسانية من كفاءة التسامي والتجاوز، وعلى تفتق أصفى ما في سجية الإنسان من ملكات الجود والتطوع والمروءة، وتستمد من منطق الخير والفضيلة بما له من جذور مكينة في النفس السوية. عندئذ لا يكون في الخصوصيات الفطرية عائق عن السعي لمثل هذه المقاصد الحضارية، وقد قضيت حكمة المولى، جلت قدرته أن نكون شعوبا وقبائل لنتعارف فيما بيننا، وأن تكون التقوى مقياس التفاضل والتمايز على مراتب الكرم، التقوى لا الجاه ولا المال ولا مراتب السلطان.
ولعل مجمع الفقه الإسلامي الذي نتلاقى اليوم في رحابه أنسب المؤسسات المشتركة بمثل هذا الاجتهاد الفكري (الأصيل الفاعل) الرامي إلى تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي والمتفتحة على تطور الفكر الإسلامي بغية الوصول إلى الإجابة الإسلامية عن كل التحديات التي تطرحها الحياة المعاصرة.
ونحن نأمل أن يصبح للمفكرين المسلمين في هذا المجمع منبر مفتوح للتشاور العلمي المستمر ولإشاعة حصيلة الأبحاث العلمية حول مختلف قضايا المعاصرة التي تعرض للمجتمع الإسلامي، حتى يتوفر زاد من الحلول الاجتهادية تكون ثمرة للعمل العلمي المشترك، وعاملا من عوامل توحيد المعالجة لمشاكلنا المشتركة، وهل تزيد الوحدة بين المجتمعات على توحيد في مناهج التفكير وفي مراجع التدبر، يفضي إلى ضروب من التناسق والمماثلة في التعامل الحي من مشاكل الإنسان.
مصطفى الفيلالي
стр. 4740
مجالات الوحدة الإسلامية
وسبل الاستفادة منها
إعداد
فضيلة الدكتور عمر سليمان الأشقر
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله قيوم السماوات والأرض، بيده مقاليد الحكم، له الأمر كله والخلق كله، يصرف الأمور ويقدرها وفق علمه وحكمته، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، أنه على كل شيء قدير، قوله القول، وحكمه الحكم، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا مبدل لأمره.
وأصلى وأسلم على عبده المصطفى، ورسوله المجتبي، خيرته من خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، الذي أقام الشريعة الغراء، وأنار القلوب العمياء، ومحا دولة الباطل، وطمس معالم الشرك، وأصلي وأسلم على آله وصحبه الذين جعلوه لهم قدوة وأسوة، واتبعوا النور الذي جاء به، وكانوا على المحجة البيضاء، يقرون بالحق ويدعون إليه، ويجاهدون في سبيل إعلائه حتى ظهر أمر الله، وأصبح الدين كله لله، وعلى التابعين ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين.
стр. 4741
أما بعد:
فإن الأمة الإسلامية –بإذن من الله وقدر-تسلمت قيادة ركب البشرية منذ أن تكونت على يدي معلم البشرية وهاديها محمد ﷺ ، واستمرت على ذلك دهورا طويلة، ولكنها فقدت تلك المنزلة شيئا فشيئا، حتى أصبحت في أيامنا على الحال التي نعرفها ونشاهدها، ذلت بعد عزة، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة، وأصبحت في ذيل القافلة بعد أن كانت في طليعتها، وأخذت تتسول على موائد الفكر الإنساني بعد أن كانت منارة تهدي الحيارى والتائهين، وأخذت تضطرب في سيرها وتتأرجح في فكرها، ولا تعرف السبيل الذي تسلكه بعد أن كانت الدليل الحاذق الرائد في الدروب المتشابكة في الصحراء التي لا يهتدي فيها الأدلاء المجربون.
وجاء الذين آلمهم حال أمتهم من أصحاب الفهم الثاقب، والبصر النافذ، والرأي السديد يفكرون في حال هذه الأمة في ماضيها وحاضرها، فهالهم الأمر، فالبون بين الحالين بعيد والفرق كبير. لقد جرب عالمنا الإسلامي مختلف الأنماط في عصرنا هذا، فقد تسلط على رقابنا جماعات وأحزاب وعدتنا بأنها ستعيد لنا عزتنا وكرامتنا وإنها ستنهي مشكلاتنا، وتجمع شملنا، وتوحد جموعنا، وننظر إلى حالنا وقد مضى على الأمل الموعود وقت طويل فلا نرى إلا السراب، لقد كان حظنا مما وعدنا به مزيدا من الفرقة والانقسام والتأخر، فقد أصبحت الأمة الواحدة أمما، والدولة دولا، وانتشر الفقر، وازدادت التعاسة في كثير من ديار المسلمين، وضاع كثير من هذه الديار عندما استولي عليها أعداء الله من الشيوعيين والصليبيين واليهود.
стр. 4742
لقد تبين لنا تبينا لا لبس فيه فشل دعاة الوطنية ودعاة القومية، كما فشل الاشتراكيون والبعثيون، ولم يبق إلا الإسلام.
لقد نجح الإسلام في الماضي عندما حكم هذه الديار –ديار الإسلام- نجح في إيجاد مجتمع مثالي في عالم البشر، فقد أوجد كيانا سعدت به البشرية، وترعرعت في جنباته القيم الصالحة، وتناسى المسلمون في ظله العصبيات للأقوام والأجناس والأوطان، وأصبحوا في ظله إخوة، ولاؤهم لله رب العالمين.
لقد أضاع المسلمون الكثير من تعاليم دينهم، وانحرف بهم المسار، واستبدلوا به عادات موروثة، وعادات وفلسفات وتوجهات وافدة، فكان ثمار ذلك الفرقة والانقسام والهزائم العسكرية والفكرية.
واليوم صحا المسلمون من جديد يحاولون تنظيم صفوفهم، وتلمس طريقهم ليحملوا الراية من جديد، غير أن الطريق ملئ بالصعاب محفوف بالمخاطر، فالأعداء متربصون بنا من كل جانب يرصدون حركاتنا، ويقرؤون كتاباتنا، ويدرسون فكرنا، ثم يأتمرون ويخططون، ويرسلون إلينا سهامهم، وبعض سهامهم رجال من هذه الأمة، يدعوننا إلى الدمار وغضب الجبار، وقد أصيب جموع كثيرة من هذه الأمة، كما أصيب الدعاة الصالحون فيها بسهام الأعداء ومكرهم وخديعتهم.
أضيف إلى ذلك الجهل الذي انتشر في ربوع العالم الإسلامي، والأمراض الفكرية الهائلة التي يعاني منها المسلمون في هذه العالم الرحب، كل ذلك يؤخر المسيرة، ويضعف تيارها، ويجعلنا نعاني معاناة هائلة ونحن نشق طريقنا إلى الأمام.
وهذا البحث يسلط الضوء على المكانة الفضلى التي استحقتها هذه الأمة، والسر في استحقاقها لها، ثم يبين السبب الذي عزل الأمة عن المكانة التي كانت تحتلها، وقد أعاد الباحث هذا إلى سبب واحد هو الفرقة بأنواعها: الفرقة في الدين والاعتقاد، والفرقة التشريعية، والفرقة السياسية.
كما سلط الضوء على الطريق الذي يعيد للأمة عزها من جديد، ويرقي بها إلى المكانة التي كانت تحتلها، وقد أعاد الباحث هذا إلى سبب واحدة هو الوحدة بكل أنواعها وشتى مجالاتها وأصولها هذه الوحدة: الانتماء للإسلام دون سواه، وتوحيد مصدر الهداية، ووحدة العقيدة، والوحدة السياسية المتمثلة في إقامة الدولة الإسلامية وإرجاع الخلافة الراشدة.
وختمت البحث بكلمة موجزة، لإلقاء الأضواء على طرق الدعاة التي سلكوها في عملهم في مجال الارتقاء إلى المستوي الذي يطمعون في بلوغها إليه.
وفق الله العاملين بالإسلام إلى توحيد الوجهة والعمل، وإلى توحيد الصفوف، ورصها، وسد الثغرات، وتقويم النفوس وبناء الأمة بالإسلام، كي ستعيد الأمة مجدها من جديد.
стр. 4743
فضل الأمة الإسلامية
قال تعالى مبينا فضل هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . (١) .
وأصل الوسط الموضع الذي هو الجزء بين الطرفين.
والوسط مركز الاتزان والاعتدال، يقول الزمخشري في هذا: (الوسط عدل بين الأطراف، ليس بعضها أقرب من بعض) . (٢)
وقد تعارف الناس على ذم الذي يمسك أحد طرفي الشيء ولا يلزم موضع الاعتدال، فتراهم يقولون: فلان متطرف في أمره في مقام الذم، كما يقولون: فلان معتدل في مقام المدح.
والسر في ذلك أن العباد في أكثر أحوالهم يجنحون إلى الإفراط أو التفريط، فترى بعضهم يجنح إلى الغلو في الرهبنة والتعبد حتى يتركوا الزواج والملذات ويسكنوا الفيافي والقفار، وآخرون يغرقون في العب من الشهوات بالملذات بعيدا عن مقاصد الشرع وضوابطه، واتباع المنهج الوسط الذي يحقق الاعتدال والاتزان يقضي بأن يعيش المرء في دنياه آخذا منها قدرا أباحه الله من الطيبات في الوقت الذي يؤدي حق ربه، ويكون همه تحقيق مراد الله منه.
يقول الطبري في تفسير الوسط: (وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضوع هو الوسط الذي بمعني الجزء الذي هو بين طرفين، مثل وسط الدار، وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلو بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم مقصرين فيه تقصير اليهود، الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياء الله، وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها) . (٣)
والوسط هو الأفضل والأحسن لأمرين:
الأول: أن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأعوار، والأوساط محمية محوطة، كما يقول الزمخشري (٤) ، ومنه قول الطائي:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
стр. 4744
والثاني: أن الوسط هو مركز الاعتدال والاتزان، فالعرب تقول: قريش أوسط العرب نسبا، أي افضلها، والرسول ﷺ وسط قريش، أي أفضل قريش نسبا، وفي هذا يقول زهير بن أبي سلمى: (١)
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وفي محكم التنزيل ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ . (٢) أي خيرهم، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . (٣)
والصلاة الوسطى صلاة العصر كما ثبت في بعض الأحاديث، وما حث على الالتزام بها إلا لأنها أفضل من بقية الصلوات. وفي الحديث أن الفردوس وسط الجنة وأعلي الجنة، وفوقه عرش الرحمن.
وقد صرح الحق –﵎ بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم مما يدل على أنه عني بالوسطية الأفضلية، وهذا التصريح جاء في قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . (٤) .
وصرح في موضع آخر باجتبائه لهذه الأمة واصطفائه لها، ولا يكون الاصطفاء والاجتباء إلا لفضلها وعلو شأنها، قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . (٥) .
стр. 4745
سر هذا الفضل
أن هذا التفضيل الذي صرحت به النصوص ليس اعتباطا، وإنما كان لأن الأمة الإسلامية استقامت على منهج الله، فالإسلام هو الذي صنع هذه الأمة، فقد بني عقيدتها، ورسم منهجها وطريقها، وأقام أخلاقها وقيمها، وتأمل في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . (١) . تجد أن كلمة (جعلناكم) ليس معناها خلقناكم، وإنما المعني الصحيح هو صيرناكم أمة وسطا، وإنما صيرها الله كذلك بدينه المنزل، عندما استقامت على الخصائص التي رسمها رب العالمين، وتستطيع أن تلحظ هذا المعني في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ . (٢) .
فها هنا مخرج وهو الله، ومخرج وهو هذه الأمة، وأداة حصل بها الإخراج على هذا النحو وهو الإسلام، فبالاستقامة على الإسلام تحققت الأفضلية.
إذن ليست الأفضلية والخيرية لقبا أطلق على هذه الأمة من غير مضمون، ولكنه عنوان لحقيقة تجسدت في هذه الأمة، فقد سما هذا الدين بهذه الأمة في عقيدتها وتفكيرها وتوجهات قلوبها وأقوالها وأعمالها ونظمها، حتى مثلت الأنموذج الفاضل الذي يريده الله ﵎ للبشرية.
وهذه الأفضلية مرهونة باستمرار هذه الخصائص في هذه الأمة، فإذا تدنت هذه الخصائص أو انحرفت أو زالت، فإن الخيرية تتناقض أو تضمر أو تضعف. وهذا هو السر في تخلف هذه الأمة في عصرنا، والسبب فيما أصابها من فرقة واختلاف، وما رماها به الأعداء من بلايا ومصائب.
أن أفضلية هذه الأمة تتلخص بأخذها بهذا الدين في نفسها، ودعوة الناس إلى الحق الذي قرره هذا الدين، ونهيهم عن الباطل الذي نهاهم عنه هذا الدين، مع تحقيق الإيمان وفق ما جاء به الإسلام ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . (٣)
стр. 4746
لِمَ عَرَّفَ الله الأمة الإسلامية بمكانتها وفضلها؟
إن الحياة الإنسانية مجال صراع رهيب بين الأمم المختلفة، وكل أمة تدَّعي أنها الأفضل والأكمل، وأنها تستحق أن تغلب وتسود، وقد أخبر الله هذه الأمة بمكانتها كي لا تذل في مجال الصراع، ولا تهون في ميدان الخصام ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . (١) لقد ادَّعي كل من اليهود والنصارى والوثنيين أنه الأفضل والأكمل، وأن غيره ليس على شيء ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ . (٢)
والذين لا يعلمون: هم مشركون العرب.
وغلا اليهود والنصارى في دعواهم عندما ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ . (٣) ، وادعوا أن الجنة وقف عليهم ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤) ورتب كل فريق على دعواه مطالبة غيرة باتباع منهجه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . (٥) ولا تزال الأمم المختلفة إلى اليوم تدعي هذه الدعوى، لقد رفع هتلر شعار ألمانيا فوق الجميع، والشعب الأمريكي اليوم يشعر كأنه من طينة أخرى غير طينة البشر، وروسيا تدعي أنها جاءت العالم بإكسير السعادة.
إن اليهود كانوا في ميزان الله خير الأمم عندما استقاموا على الشريعة التي أنزلها الله ﵎: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . (٦) ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . (٧) . والنصارى كانوا أصحاب رسالة لهم في ميزان الله فضل عندما استقاموا على الدين الذي أنزله الله إليهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ . (٨) . ولكن اليهود والنصارى انحرفوا عن المسار، وتنكبوا الجادة، فأصبح اليهود مغضوبا عليهم، والنصارى ضالين، وهو في ميزان الله من الخاسرين، لقد غيروا وبدلوا فلعنهم الله، وغضب عليهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وهو لا يمثلون اليوم الفئة الفاضلة في ميزان الحق، وقد جاءت هذه الأمة من بعدهم لتكون الأمة الفاضلة.
стр. 4747
وإذا أنت رجعت إلى سورة البقرة، وإلى ما حدثنا الحق فيها عن أهل الكتاب، تري أن القرآن كشف لنا عن الدعوى المضللة التي يدعيها أهل الكتاب من أنهم الأفضل والأصلح، وبيَّن أنها دعوى زائفة، ذلك أن أهل الكتاب انحرفوا عن الخصائص التي كانت ترفعهم إلى مصافِّ الأمة الفاضلة وسرت فيهم العلل والأدواء التي شوهت العقيدة الصافية، والشريعة المنزلة، واختلت عندهم القيم والتصورات الإيمانية، كما اختل السلوك والقول والعمل، فمن اتهامات للخالق العظيم، إلى تشويه لسير الأنبياء، إلى تحريف للكتب المنزلة، إلى كتمان للعلم، وسفك للدماء، وتمرد على أحكام الشرع، واتباع الشياطين.
وبعد هذا البيان الطويل لحال الأمم التي تدعي الأفضلية في سورة البقرة يأتي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . (١) . ليقرر مكانة هذه الأمة، وأنها الأمة الفاضلة كي تعرف مكانتها، ولا تهون في مواجهة أهل الكتاب، ولقد سمي أهل الكتاب الذين يحاولون انتقاص هذه الأمة، وإلقاء الشكوك حول تشريعها بالسفهاء ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ . (٢)
إنهم سفهاء فقدوا المقاييس القويمة، واختلت عندهم الضوابط، ولذلك صدرت عنهم أحكام خاطئة، وتصرفات باطلة.
أما الأمم الأخرى التي تنازع هذه الأمة الفضل، ففضلها دنيوي عارض، ليس له في ميزان الله اعتبار؛ لأنه قائم على متاع الدنيا العارض ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ . (٣) ، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ . (٤) ، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . (٥)
ولقد وصف القرآن الحضارات التي ارتقت في العلوم المادية، ولكنها انحدرت في عقيدتها وأخلاقها وقيمها بالضلال والزيغ.
إن المجتمع الذي يستحق أن يوصف بالرقي –في ميزان الله- هو المجتمع الذي يقيم حياته وفق منهج الله وتشريعه، وإن كان غير متقدم في مجال العمران والزراعة والصناعة.
أما الجاهلية فإنها تعتبر المجتمع راقيا إذا كان يملك العلوم المادية، والمجتمع المتأخر في عرفها هو المجتمع الفقير الذي لا يملك أسباب الرقي المادي وتنتشر فيه الأمية.
стр. 4748
ونحن عندما ندرس المجتمع الإسلامي المثالي تراه كان مجتمعا فقيرا، لا يكاد الفرد يجد فيه ما يسدُّ رمقه، ولا ما يوراي جسده، وكانت بيوت الرسول ﷺ يمر عليها الهلال والهلال، ثلاثة أهلة في شهرين –كما تقول أم المؤمنين عائشة - ولا يوقد نار لإنضاج طعام، والذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة في ذلك المجتمع قليل، والصناعات والعلوم التي ترقى بالحياة في جانبها المادي كانت فيهم قليلة نادرة.
إن نظرة الجاهلية إلى المجتمع الصالح المتحضر تصادم نظرة الإسلام، إن الإسلام يَصِمُ أكثر التجمعات الإنسانية تقدما بالتأخر والرجعية والضلال إن لم تحقق العبودية لله، ولم تقم حياتها وتشريعاتها وفق منهج الله. إن هذا الرقي المادي والعلم المادي لم يخلِّص فرعون ونمرود وعادا وثمود وغيرهم من الأمم من مقت الله وغضبه، ليس معني هذا أن الإسلام يحارب الرقي المادي، فالإسلام يأمرنا أن نسعى في الأرض لنسخر ما فيها من خيرات لصالحنا، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ . (١) .
ولكنه يريد منا أن نبني هذا الرقي على أصول سليمة قويمة، يريدنا أن نقوم علوم الحياة ونضبطها بضوابط إلهية تحميها من الانحراف والضلال، فلا نقيم الصروح الضخمة التي تستنفذ طاقات الألوف وعشرات الألوف من البشر لغاية تافهة، كما فعل بناة الأهرام الذين أفنوا أعمار أجيال ليقيم الحاكم منهم هرما يكون له قبرا، أو كما فعل النصارى عندما أقاموا الكنائس الفخمة والأديرة، وبذلوا في سبيل ذلك جهودا وأموالا هائلة كان أكثر الأمة بحاجة إلى القليل منها. وقد أنكر هود على قومه مثل هذه الأفعال الحمقاء ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ . (٢) .
والجاهلية الجديدة أثمرت حضارة مادية هائلة سخرتها لخدمة الشيطان، وإقرار الظلم وإزهاق الحق، وامتصاص دماء الشعوب المغلوبة على أمرها، وأزهقت أرواح الملايين من البشر لا لشيء إلا لكي تكون العزة لأمة على بقية الأمم، أو لشعب على بقية الشعوب. نحن لا نوافق الأمم التي تدعي أنها الأفضل والأحسن لأنها تملك العمارات الشاهقة، والحدائق الغناء، والمسارح الرحبة، والقصور الفخمة، والشوارع المنسقة، والمدارس والجامعات والمستشفيات.. لا نوافقها على أنها الأفضل من أجل ذلك وحده، ولا لأنها توصلت إلى علوم هائلة بنت بها الرقي المادي، ولو كان هذا صحيحا فان اللص صاحب القصر الكبير أفضل من الشريف صاحب الكوخ الصغير، والعالم الذي يخطط لتدمير البشرية أفضل من الإنسان العادي الذي يسعى في إصلاح العباد.
стр. 4749
لقد أقامت كثير من الأمم حضارات راقية في المجال المادي، ولكنها أقامتها على أسس ظالمة، فأتي الله بنيانهم من القواعد، ودمر ما كانوا يعرشون ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ . (١) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ . (٢) ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (٣)
ارتقاء أمة الإسلام إلى المكانة الفضلي
حقق المسلمون –بفضل الله ورحمته- في عالم البشر الرقي العظيم الذي أصبحوا به خير أمة أخرجت للناس.
ويمكننا أن نلخص العوامل التي أوصلتهم إلى هذا الرقي في عبارة واحدة: (لقد حققوا الهدف الذي خلقهم الله من أجله إلا وهو العبودية لله العظيم) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . (٤) .
ومن أجل تحقيق هذا الهدف العظيم أنزل الله كتابه، وأرسل رسله، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (٥) ويحقق البشر العبودية لله في عالمهم عندما يرضون بالله إلها معبودا، ويتخذون دينه الذي أنزل منهجا يستمدون منه عقيدتهم وأخلاقهم وتشريعه، فالدين الذي أنزله الله منهج يقيم العباد على النحو الذي يريده الله ﵎، وهو نظام كامل يصوغ حياة البشر صياغة إلهية ربانية، لذا فإن العبارة التي تقول: (إن الإسلام منهج الحياة) تلخص القضية بأوجز عبارة وأوضحها.
وتتحقق العبودية باتخاذ الإسلام منهج حياة يحقق الصلاح للنوع الإنساني في داخل نفسه وفي مجتمعه، ولذلك لم يبعد الذين قالوا: إن غاية الدين الذي أنزله الحق –﵎ هي إصلاح النوع الإنساني، وقطع دابر الفساد عن الحقيقة، فقد قال شعيب لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ . (٦) . وذم الله المفسدين في الأرض: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ . (٧) . ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . (٨)
стр. 4750
إن إصلاح الإنسان حسب فقهنا لكتاب الله ورسوله ﷺ يتم بأمرين:
الأول: إصلاح الفرد، وذلك بإصلاح عقيدته وتصوراته وأفكاره وقيمه وأخلاقه وموازينه.
والثاني: إصلاح المجتمع الإنساني بإصلاح علاقاته ونظمه وقوانينه.
وإذا أنت تأملت سيرة المصطفي ﷺ رأيت عنايته كانت منصبة في المرحلة المكية على تحقيق الأمر الأول ألا وهو إصلاح الفرد، بينما كانت عنايته متجهة في المرحلة المدنية إلى تحقيق الأمر الثاني، وما أَسْلَمَ صلوات الله عليه الروح لبارئها، إلا بعد أن قام المجتمع المسلم الصالح الذي يقوم على أفراد صالحين.
لقد نجح الإسلام في إقامة مجتمع صالح، استنارت بصائر أفراده، وصلحت عقائدهم، واستقامت أخلاقهم، وأحكمت العلاقات فيما بينهم، وكانت الدينونة فيه لله وحده، وكان حاكم المسلمين فيه واحدا منهم، يخضع لسلطات الشريعة كما يخضعون، ويحاسب كما يحاسبون، ونسج الإسلام من ذلك المجتمع وحدة، كانت آصرتها الدين، ولحمتها التقي، وهدفها تحقيق العدل في ربوع الأرض بمنهج الحق، وساح المسلمون في المشارق والمغارب ينشرون دين الله، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحطمت القوي الجاهلية الجبارة أمام المد الإسلامي المتماسك، وأصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة العظمى إلى أمد ليس بالقصير، وصدق الله في هذه الأمة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . (١) .
لقد كان العرب في جزيرة العرب حيارى تائهين ضالين يسلب قويهم ضعيفهم، ويقتل بعضهم بعضا، لا دين يجمعهم، ولا ملك يوحدهم، فغيروا ما بهم من أمراض، وأصلحوا نفوسهم وأمتهم بالدين، فارتقوا إلى مرتبة لم يسبقهم فيها سابق، ولم يلحقهم فيها لاحق، وكانوا كما قال الحق ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . (٢)
لقد أنجز الله لهم ما وعدهم فاستخلفهم في الأرض، ومكن لهم دينهم الذي هو سبب عزهم وذكرهم، عندما أنجزوا ما شرطه الله عليهم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ . (٣)
ولا نزال إلى اليوم ننعم ببقية صلاح الأجيال الأولى التي حملت الإسلام، فعلي الرغم من البلايا والزرايا التي تعرض لها الإسلام من أعدائه وحكامه عبر تاريخ المسلمين الطويل، إلا أن الإسلام لا يزال له وجود ظاهر، وحملته من المسلمين منتشرون في كل مكان.
стр. 4751
تأخر الأمة وانحطاطها
إن المتفكر في حال الأمة الإسلامية عندما يقارن بين حاضرها المشهود، وماضيها الغابر يهوله الأمر، فالبون شاسع، والفرق بعيد، وعندما يرجع الباحث النظر مرة أخرى مقارنا بين الواقع المشهود والموقع الذي رسمه القرآن لها فإنه يجدها لا تتبوأ المقعد الذي حدده القرآن لها.
والدارس لخط سير تاريخ الأمة الإسلامية يجد أن استمرار الأمة الإسلامية على خصائصها التي جعلتها خير أمة أخرجت للناس لم يستمر على وتيرة واحدة، فالخط البياني كان ولا يزال متذبذبا بين هبوط وصعود. وقد أشار الرسول ﷺ إلى هذا التذبذب في خط سير الأمة الإسلامية، فقد سأل حذيفة بن اليمان الرسول ﷺ قائلا: ((يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وأمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) رواه البخاري.
فالأمة الإسلامية كما يشير الحديث يصيبها الشر فتهزل، ثم تعود إلى أصالتها، وقد تكون العودة مشوبة فيها دخن على حد قول الرسول ﷺ : ((وفيه دخن)) وقد يكون الانحراف هائلا، وذلك عندما يتسلط على رقاب هذه الأمة دعاة إلى أبواب جهنم، يدعون الناس إلى مذاهب كافرة، فمن استجاب لهم كان مصيره النار، وبئس القرار.
لقد ألمحنا من قبل إلى أن الرقي العظيم الذي رفع هذه الأمة هو أخذها بالدين الذي أنزله الله ﵎، ثم التفافها حول هذا الدين فأصبحت أمة واحدة، فتشكلت من هذه الأمة قوة هائلة لا تغلب.
ويمكن أن نعيد تأخر المسلمين وانحطاطهم إلى قضية واحدة هي الفرقة التي فرقت وحدتها، فجعلتها أمما وشيعا وطوائف وتجمعات.
стр. 4752
إن السمة العظيمة التي تعطي الأمة الإسلامية مكانة قوية هائلة هي اجتماعها على أساس من دينها، وهذه حقيقة أثبتها القرآن ونبه إليها وأمر بها، فقد أمرنا القرآن بالوحدة ونهانا عن الاختلاف والتفرق، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ . (١)
ثم ذكرنا بالحال التي كنا عليها قبل الإسلام. فقد كنا قبائل متفرقة، يقتل بعضها بعضا، ويسبي بعضها بعضا، فجاءنا الله بالإسلام فأصبحنا في ظله إخوة أحبة ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ . (٢)
ثم نهانا الحق ﵎ عن مسلك الأمم السابقة وهو التنازع والاختلاف بعد أن جاءتنا البينات ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . (٣)
وقد أخبر جل وعلا أن التنازع والاختلاف يسبب الفشل وذهاب القوة، ذلك أن الوحدة تجعل الأمة قوية متماسكة في وجه الرياح والأعاصير، وعندما توجه هذه القوة مجتمعة نحو أعدائها، فإنها تفتت بأسهم وتقضي على كيدهم، فإذا اختلفت الأمة أصبح بأسها بينها، وهذا هو الفشل، لأنها تدمر نفسها بنفسها، وعند ذلك ينال أعداؤها منها ما يريدون، وقد حذرت النصوص من هذا المصير، وأخبرت أن الفرقة تعني ذهاب القوة وغلبة الأعداء ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ . (٤) . وفي صحيح مسلم عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سالت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوي أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا)) .
إن الوعد الإلهي في غاية الوضوح، لقد وعد الله الأمة بالنصر والتأييد والغلبة ما دامت متحدة على كلمة سواء، فإذا تفرقت واختلفت واقتتلت فهناك تكون الهزائم وتسلط الأعداء، وحلول النقم والبلايا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4753
أنواع الفرقة
وقد وقعت الأمة الإسلامية في المحذور، فتفرقت وتنازعت واختلفت، وتعددت أشكال الفرقة، ويمكن إرجاعها إلى ثلاثة أنواع:
١- الفرقة العقائدية. ٢- والفرقة التشريعية. ٣-والفرقة السياسية.
وسنعرض لكل واحدة من هذه الثلاث بقدر ما يسمح به المقام.
أولا: الفرقة في الدين والاعتقاد:
أخطر أنواع الفرقة الفرقة العقائدية؛ لأن الإنسان أسير فكره ومعتقده، وما عمل الإنسان وسلوكه وتصرفاته في واقع الحياة إلا صدى لفكره وعقيدته، ومن هنا كان تبني الفكر المنحرف، وغرس العقائد الضالة في قلوب المسلمين موجبا لاختلاف المسلمين في واقع الأمر.
إن الله أراد لهذه الأمة أن تنضوي على اختلاف أجناسها وألونها ولغاتها تحت اسم واحد وهو الإسلام، ولكن الدعوات الضالة لم تزل تطل برؤوسها عبر التاريخ الإسلامي لتجزئ المسلمون إلى فرق وجماعات تخالف الإسلام مخالفة كلية أو جزئية.
إن بعض الدعوات والانحرافات التي نشأت في المسلمين تنادي بتوجُّه المسلمين إلى عبادة غير الله، واتباع منهج غير منهج الله، فعادت في ديار الإسلام كثير من مظاهر الشرك المتمثلة بعبادة الأولياء والأموات والأشجار والأحجار، فترى بعض الجهلة من المسلمين يدعونها ويستغيثون بها وينذرون لها ويحجون لها، ويخافون منها كخوفهم من رب العباد.
هذه طائفة لها أتباع وأنصار يعدون بعشرات الملايين يزعمون أنهم مسلمون، ومؤسس الجماعة يطالب أتباعه إذا ما وقع الواحد منهم في الكرب أن يناديه هو، لا أن يلجأ إلى الله، يقول من قصيدة له:
إذا كنت في هم وغم وكربة فنادني أيا مرغني أنجيك من كل كربة
وهذا البوصيري يمدح الرسول ﷺ ، فيأتي بقصيدة مدهشة، ولكنه أذهب جمالها وبهاءها وطمس ضياءها بما قذرها به من شرك وبغلوه في الرسول ﷺ ، ودعائه له من دون الله. وفي ذلك يقول:
стр. 4754
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عندك حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلي باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
إن البلاء الأعظم الذي أصاب البشر كما يعلمنا القرآن –هو اختلافهم في الدين، وذلك باتخاذهم من دون الله أندادا، وعدم استقامتهم على دين الله ومنهجه، وفي ذلك يقول رب العزة: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . (١)
ويقول في موضع آخر: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ . (٢) وقد فسر ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أسلم الأمة الواحدة التي وردت في النصين السابقين بالدين الواحد. (٣)
والتقطع الذي أشارت إليه الآيتان هو التفرق والاختلاف وعبادة غير الله واتباع غير منهجه، وقد لا يصل الأمر إلى عبادة غير الله، ولا إلى الخروج عن دين الله خروجا تاما، ولكن الأمة تختلف في الأصول، وكل هذا يفرق الأمة، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن هذا البلاء قد أصاب الأمم من قبلنا، وأنه سيصيب هذه الأمة كما أصاب غيرها من قبلها.
ففي سنن أبي داود ومسند أحمد بإسناد صحيح عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: ((ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة)) . زاد في رواية: ((وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقي منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) (التجاري: الوقوع في الأهواء الفاسدة. والتداعي فيها تشبهها بجري الفرس, والكلب: داء معروف يعرض للكلب إذا عض حيوانا عرض له أعراض رديئة فاسدة قاتلة، فإذا تجارى بالإنسان وتمادى هلك) .
стр. 4755
وفي سنن أبي داود وسنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)) .
لقد انقسمت الأمة إلى خوارج ومعتزلة وشيعة وأشاعرة وكلابية وماتريدية ومرجئة وقدرية، واختلفت هذه الفرق في الإيمان وحدوده، كما اختلفت في صفات الله وقدر الله، ونشأ عن ذلك كله اختلافات في واقع الأمر. وقد تبنت كثير من هذه الفرق مناهج مضادة للمنهج الإسلامي، ومن ذلك تبني المنهج الفلسفي الكلامي في إرساء العقيدة والإيمان. وهذا المنهج مزاحم للمنهج الإيماني القرآني القائم على الوحي، وعمدة المنهج الفلسفي الكلامي نظريات عقلية، وأصول فلسفية، ومصطلحات منطقية، وهذا المنهج يختلف من المنهج الإيماني القرآني في طريقة الاستدلال وفي المقصد والهدف.
فالاستدلال القرآني الإيماني أساسه الوحي والإيمان بالرسالة، ومن علوم الوحي نعرف ربنا، وقد أرشدنا القرآن إلى الدلائل العقلية، ووجه أنظارنا إلى التفكير في الكون، وهذه الدلائل دلائل فطرية قريبة المأخذ مأمونة العاقبة، والغاية التي يدعو المنهج القرآني إليها هي عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته متضمنة لمعرفته وتوحيده.
أما عمدة المنهج الكلامي الفسلفي فهو تلك النظريات والأقيسة العقلية التي جعلوها أصولا للعقائد والتشريعات, وهذه الأدلة فيها حق وباطل, وهي سبيل وعر لا يسهل الارتقاء إليه, وقد ينقطع السالك قبل الوصول إلى مراده.
وقد اقتضت الأقيسة الباطلة رد كثير من الحق الذي في الكتاب والسنة فردوا كثيرا من الأسماء والصفات بهذه الأقيسة الباطلة.
والغاية التي كانوا يريدونها من وراء بحوثهم هي المعرفة الباردة، وهذا لا يكفي، فدعوة الرسل عبادة الله وحده.
وهذا يفسر لنا ذلك البرود الذي نجده لدى العلماء الذين يتخرجون من كثير من الجامعات الإسلامية اليوم.
ومن المناهج المخالفة للمنهج الإسلامي المنهج الصوفي الذي يفرق في التعبد ويستحدث أنماطا من العبادات لم يشرعها الله ﵎.
стр. 4756
وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذا المنهج، ففي سنن أبي داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)) .
وقد قوم الرسول ﷺ توجه كثيرا من أصحابه الذين أرادوا قيام الليل كله، وصيام الدهر أبدا، أو أرادوا الانقطاع إلى العبادة واعتزال النساء، أو تحريم اللحم، وبين لهم أن ذلك كله مخالف لسنة الرسول ﷺ ، وأن من رغب عن سنته فليس منه.
وجاءت الطامة الكبرى في العصر الحديث حيث قامت في ديار المسلمين دعوات أخذت تنادي بالكفر الصراح. ونبذ الإسلام والانضواء تحت رايات تعلن الحرب على الإسلام، ومن هذه الدعوات تلك التي تنادي بالعلمانية والشيوعية والبعثية. والدعوات التي تنادي بالاعتزاز بالحضارات الكافرة البائدة كالفرعونية والآشورية والبابلية، وقامت دعوات تضع مبادئ ضالة على أساس القومية والوطنية، وتحت ستار هاتين الدعوتين توضع منهاج مخالفة للإسلام تدعو الناس إلى تجمعات ضيقة تضاد الإسلام وتحاده.
وقام في أيامنا فريق ينادي بتقليد العالم الغربي، والسير في الطريق الذي سار فيه، غير مفرقين بين ما يحسن أخذه، وبين ما لا يجوز أخذه، فهم يرون أننا لن ننهض حتى ننبذ ديننا، ونسير في مسار العالم الغربي ولو اقتضى الأمر أن ننسلخ من جلودنا ونلبس جلودهم، وما هذا الانبهار بالحضارة الغربية إلا ثمرة لجهل الأمة بدينها ومركزها، وهذا جعلها تنظر إلى الأمم التي غلبتها نظرة فيها كثير من التعظيم والتبجيل، وأخذت تقلد الأمم الغالبة في عوائدها، وتلك سنة من سنن الله في خلقه عقد لها ابن خلدون في مقدمته فصلا فقال: (فصل: المغلوب مولع بتقليد الغالب) .
وفي الحديث في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى ولو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟.)) .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. قيل له: يا رسول الله كفارس والروم، قال: من الناس إلا أولئك؟))
стр. 4757
وقد تسلم الذين صبغوا بالثقافة الغربية مراكز التوجيه في ديار الإسلام، وصبغوا الحياة فيها بالصبغة الغربية، وتأثر بهم الناشئة كثيرا.
ثانيا: الفرقة التشريعية:
لا نعني بالفرقة هنا الاختلاف الذي وقع بين السلف في فقه النصوص بسبب تفاوت العلماء في الفهم والإدراك، كما لا نعني به الاختلاف الناشئ عن عدم وجود نص، فهذا النوع من الاختلاف لا يسبب فجوة بين المسلمين، وقد وقع هذا النوع من الاختلاف بين الصحابة في حياة الرسول ﷺ ولم ينكره المصطفى على أصحابه، فإنه اختلاف طبيعي، تأبي طبيعة البشر أن لا يختلف فيه.
والاختلاف المذموم هو الخلاف الناشئ عن الإعراض عن نصوص الكتاب والسنة تقليدا لآراء الرجال، أو الإعراض عن النصوص اتباعا للهوى.
وقد نشأت في المسلمين دعوات كثيرة تهدف –بقصد أو بغير قصد- إلى زحزحة نصوص الكتاب والسنة عن مرتبة الصدارة، ورد الأمر إلى عقول الرجال والقواعد التي أفرزتها تلك العقول.
وقام في المسلمين من يدعي أن أكثر نصوص الكتاب والسنة لا تصلح للاستدلال لأنها ظواهر وعموميات لا تفيد اليقين، وأخذ هؤلاء ينادون بالرجوع إلى القواعد العقلية لأنها وحدها التي تفيد اليقين.
وقام في المسلمين من نادي بالاقتصار على القرآن وحده ونبذ السنة النبوية، وسمي هؤلاء أنفسهم –زورا وبهتانا- بالقرآنيين. وكذبوا فلو كانوا قرآنيين لأخذوا بالسنة التي يلزمها القرآن بالأخذ بها، وبعض الفرق الضالة رفضت السنة رفضا كليا، وجوز أصحاب هذا المذهب على رسول الله ﷺ الخطأ في غير القرآن، ومعني ذلك أن كلامه ليس بحجة، وقد خالف الخوارج والمعتزلة أهل السنة في كثير مما أجمعوا عليه، ولذلك جوزت الخوارج الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، وذهبوا إلى أن الحكم الواجب في حق الزاني هو جلد مائة جلدة، لا يفرقون بين المحصن وغير المحصن مستدلين بالقرآن ورادِّين للحديث.
وذهب المعتزلة إلى رد أحاديث الآحاد مطلقا، فهم يقبلون المتواتر دون الآحاد، وإن كان في أصح كتب الحديث، زاعمين أن الآحاد ظني الثبوت والدين لا يقوم على الظن. وذهب آخرون إلى أن المفروض هو أحاديث الآحاد في العقيدة وقد زعموا أن أحاديث الآحاد ظنية والعقيدة لا تقوم على الظن.
стр. 4758
وأعاد بعض المغرضين في هذا العصر القضية جذعة، فطعنوا في سنة الرسول ﷺ ورواتها، وأقاموا عقولهم حكما فيما يأخذون ويدعون من سنة رسول الله ﷺ .
وفريق آخر بما ليس بحجة في الدين، ومن هؤلاء الذين يعتمدون في إثبات العقائد والأحكام على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وبذلك يقررون عقائد وأحكاما ليست من الدين وينسبون إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله وقد حذرنا رسولنا من مثل هذا أشد التحذير، ففي الحديث الصحيح: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)) (١) وتوعد الرسول ﷺ الكاذب عليه بالنار؛ فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ((من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) .
ومن الفرقة التشريعية الافتراق بسبب التقليد، فكثير من المقلدة يرفضون الأخذ بنصوص الكتاب والسنة التي تخالف قول الإمام الذي يقلدونه بدعوى أن إمام المذهب أعلم منهم بالنصوص، وقد بلغ الأمر ببعض المقلدين إلى القول بأن كل نص يخالف المذهب فإنه إما منسوخ أو مؤول.
وقد أنشأت العصبية المذهبية فرقة بين الأمة فانقسمت الأمة إلى مذاهب، كل فريق يناصر مذهبه، ويغلو في تقديس إمام المذهب، ويغض من المذاهب الأخرى وأئمتها وفقهها، ونشأ من هذا الخلاف مناظرات وصراعات وقتال في بعض الأحيان.
وكان الواجب أن يبقى الخلاف في دائرة فقه النص، وأن يكون رائد الجميع الوصول إلى الحق من خلال النظر في النصوص، وأن يكون فقه العلماء السابقين ثروة تساعدنا على الوصول إلى هذا الهدف.
وقد رأينا بعض التجمعات الحديثة في هذا العصر يلزم أصحابها أتباعهم بما تتبناه الجماعة.
وفيما تبنته تلك الجماعة أمور مخالفة للكتاب والسنة، فإذا استمسك أحد أتباعها بما علمه من نصوص الكتاب والسنة المخالفة لرأي تلك الجماعة طردته الجماعة من صفوفها.
وقد زاد بلاء الفرقة التشريعية في هذا العصر، عندما أقصيت الشريعة الإسلامية عن الحكم في ديار الإسلام، واستبدلت بها القوانين الوضعية، وحكم المسلمون في رقابهم حكم الطاغوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4759
ثالثا: الفرقة السياسية:
الأمة الإسلامية أمة واحدة، يجمعها إطار سياسي واحد، ويحكمها حاكم واحد، هكذا علمنا الإسلام.
وافترقت الأمة الإسلامية في نهاية حكم الخلفاء الراشدين، ولكنها استردت وحدتها، وأول فرقة سياسية وقعت واستمرت كانت بعد انهيار الدولة الأموية، حيث حكم العباسيون في الشرق، وحكم الأمويون في الأندلس، ولكن لا تمض بضع مئات من السنين حتى تفرقت كلتا الدولتين إلى دول كثيرة، وقام على كل دولة حاكم وزعيم، إلا أن الخليفة بقي في عاصمة الخلافة رمزا للكيان السياسي الذي يحكم الأمة الإسلامية، ولكنه لم يكن يملك من الأمر الكثير، وكان يحكم باسمه في كثير من الأحيان، بل كان يعزل ويولي غيره بإراده الذين لا يريدون بالأمة خيرا.
ثم إن الرمز الذي كان يلوح في عاصمة الخلافة زال وتلاشى، غير أن الاسم الذي يمثل الكيان السياسي للمسلمين استمر، ولم يُقْضَ عليه إلا منذ عهد قريب عندما اجتمعت على تركيا المسلمة جيوش الأعداء ومكر المنافقين، ولم يرضوا منها إلا أن تتنازل عن الشريعة التي كانت تحكم بقاياها تلك الدول، واشترطوا عليها إلغاء الخلافة الإسلامية، ومنصب شيخ الإسلام، وما تركوها حتى غيروا الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية. ووضعوا القبعة فوق رؤوسهم بدل العمامة، وسلخوا الولايات الإسلامية التي كانت تابعة لدولة الخلافة، وتجزأ العالم الإسلامي إلى دول كثيرة ضعيفة هزيلة، ونالت هذه الدول استقلالها ولكنها لم تنهض من كبوتها، ولم تملك زمام الأمور في بلادها. وهذه الطريقة التي سلكها أعداؤنا معنا طريقة قديمة معروفة، استخدمها المستعمرون منذ ألوف السنين، فقد ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) أن الإسكندر المقدوني اليوناني عندما غلب على ملك الفرس (دارا بن دارا) وأذل مملكته وخرب بلاده، واستباح بيضة قومه، ونهب حواصله، وفرق شمل الفرس شذر مذره، وضع خطة تبقي الفرس ضعفاء لا تقوم لهم قائمة، كي يبقي له السيطرة عليهم ويأمن من انتفاضتهم عليه ومحاربتهم له، يقول ابن كثير موضحا ما فعله هذا الرجل الداهية بالفرس: (عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل، ولا يلتئم لهم أمر، فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم الأرض ما بين عربها وعجمها، فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته، ويحفظ حصته، ويستغل محلته، فإذا هلك قام ولده من بعده، أو أحد قومه، فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة، حتى كان أزدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه، ورجعت الممالك برمتها إليه، وأزال ممالك الطوائف، ولم يبق منهم تالد ولا طارف....) (١)
стр. 4760
قارن بين ما فعله الإسكندر في الماضي البعيد بما فعله الكفار بدولتنا الإسلامية تجد التخطيط واحدا والنتائج واحدة، بل إن الحال معنا أشد وأقسي، فإننا لم نعط الاستقلال إلا بعد أن أخذت علينا العهود والمواثيق بأن لا نعود إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، ولا نقيم الكيان السياسي الإسلامي، كتب اللورد كرومر في الفصل الأخير من كتابه (مصر الحديثة) الصادر في سنة ١٩٠٨م (إن انجلترا كانت مستعدة لتمنح الحرية السياسية النهائية لكل ممتلكاتها المستعمرة حالما يكون جيل من المفكرين والسياسيين المشحونين بمثل الثقافة الإنجليزية عن طريق التربية الإنجليزية مستعدا للاضطلاع بالأمور، ولكن الحكومة الإنجليزية لن تسمح بحال من الأحوال بقيام دولة إسلامية مستقلة، ولو للحظة واحدة) .
أثر إثارة النعرات والعصبيات
في الفرقة السياسية
ولا يفوتني –قبل أن أنهي الحديث عن الفرقة والاختلاف- أن أتعرض إلى مرض خطير كان ولا يزال يعمل على تفتيت وحدة المسلمين السياسية، ألا وهو العصبيات التي تثور بين الفينة والفينة في المجتمعات الإسلامية.
إن الإسلام جعل الرابطة التي تجمع المسلمين وتوحدهم هي الإسلام. وقد قامت دولة الإسلام على أساس الجامعة الإسلامية، وانصهرت في بوتقة هذه الجامعة العصبية للجنس واللون والوطن والنسب، وأصبح التنادي بين المسلمين للتجمع على أساس غير أساس الرابطة الإسلامية يعد دعوة جاهلية مقيتة، فقد قال الرسول ﷺ لأبي ذر عندما عير رجلا بسواد أمه: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) وقد حذر الرسول ﷺ من هذه العصبيات المقيتة، ففي حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل تحت راية عمية يدعو لعصبية، أو ينصر عصبية فقتله جاهلية)) . أخرجه مسلم والنسائي.
وفي سنن أبي داود عن جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية)) .
وعندما اختلف رجلان من المهاجرين والأنصار فتناديا يا للمهاجرين، يا للأنصار، وهب كل فريق لنصرة صاحبه، قال رسول الله ﷺ : ((ما هذا؟ أدعوى أهل الجاهلية؟)) رواه مسلم في صحيحه. وفي رواية أخري عند مسلم: ((دعوها فإنها منتنة)) .
стр. 4761
إن الإسلام لا يلغي الانتماءات للأوطان والقبائل والشعوب، ولكنه لا يسمح أن تجعل لغير ما أراد الله له، إن حكمة الله اقتضت تقسيم البشر إلى شعوب وقبائل للتعارف لا للتفاضل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . (١)
إن الآصرة التي تجمع المسلمين هي الإسلام، وفي ظل هذه الآصرة تتجمع القبائل والشعوب، وسعي المرء في شأن قومه وأهله من الفضائل التي يحمد الإسلام أصحابها، ولكن الإسلام لا يرضي أن ينصر المرء قومه أو بني عشيرته/ أو الذين يشاركونه في اللون محقين أو ظالمين، إن الإسلام قبل مقولة أهل الجاهلية (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) ولكنه رفض التفسير الجاهلي لهذه المقولة، وأعطى تفسيرا مضادا لتفسير الجاهلية، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإن له نصر وإن كان مظلوما فلينصره)) .
إن نصرة المرء قومه عصبية لهم جريمة كبرى في المجتمع الإسلامي، في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نصر قومه على غير حق، فهو كالبعير الذي ردي في مهواة، فهو ينزع بذنبه)) والمهواة: الحفرة من الأرض، وكل مهلكة مهواة، والتردي الوقوع من علو.
وقد ثارت العصبيات في القرن الأخير، وحطمت الرابطة الإسلامية والدولة الإسلامية، فدعا الأتراك إلى التركية، والأكراد تنادوا إلى الكردية، وفعل مثل ذلك البربر والعرب، ثم جاءت الدعوة إلى الأوطان، فكل قوم يعيشون على بقعة من الأرض أقاموا عصبية منتمية إلى تلك البقعة، وقامت دعوات تدعو إلى الاعتزاز بالفرعونية والآشورية والفارسية، وقطع الترك كثيرا من الحبال التي كانت تربطهم بالإسلام، وأصبح العالم الإسلامي على الصورة الكئيبة التي نراها عليه اليوم.
стр. 4762
طريق الارتقاء بالأمة الإسلامية
إذا كانت الفرقة هي طريق الانحطاط، فإن الوحدة هي سبيل الارتقاء وتبوء المكانة الفاضلة من جديد.
والوحدة الإسلامية على أساس من الإسلام أمل القلوب المسلمة الصادقة في كل مكان، ذلك أن الإسلام، يغذي أتباعه دائما وأبدا بأنهم إخوة في دين الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ . (١) ، ويجعل الأمة الإسلامية أمة مترابطة ترابط الجسد الواحد، ففي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير عن رسول الله ﷺ قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) وفي رواية أخرى عند مسلم: ((المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كله)) .
وشبههم في حديث آخر بالبنيان المرصوص، ففي صحيح مسلم عن أبي موسي عن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) . فالأحاديث تصور المجتمع الإسلامي بالجسد الواحد الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة، ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء، أو هو كالجدار الذي تجتمع لبناته لتشكل فيما بينها واحدة متماسكة متراصة.
أصول الوحدة الإسلامية:
ونحن إذ ننادي بالوحدة الإسلامية لا نريدها وحدة على غير أصول، لا نريدها وحدة تجمع شتاتا مختلفا متناقضا، إنما نريدها وحدة صادقة تقوم على أصول قوية ثابتة، ويلخص هذه الأصول قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ . (٢)
وسنحاول أن نبرز أهم الأصول التي تقوم عليها وحدة الأمة.
الأصل الأول: الانتماء للإسلام دون سواه:
العالم اليوم بحر محيط يموج بالدعوات والأفكار، وتقوم هذه الدعوات على مناهج ونظريات أتعب أصحابها أنفسهم في تزيينها وتزويقها، ويجب أن يجهد دعاة الإسلام أنفسهم في الدعوة إلى نبذ جميع المذاهب والمبادئ التي غزت ديار المسلمين وعقولهم وعلي الدعاة أن يحصنوا المسلمين ضد هذه السموم التي تبثها مختلف وسائل الإعلام صباح مساء.
стр. 4763
لقد فقد كثير من أبناء المسلمين اليوم هويتهم، ومسخت شخصيتهم بفعل التضليل المستمر الذي يمارسه شياطين الجن والإنس بمختلف الوسائل، وسبيلنا للوحدة الصادقة هو الدعوة إلى الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والاعتزاز بالانتساب إلى هذا الدين، ونبذ كل ما يخالفه ويضاده، وهذا النهج هو نهج أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، الذي حرص على إقراره في بنيه وذريته، وهو المنهج الحق الذي أمرنا الله بالتزامه، وحكم على من أعرض عنه بالسفه والضلال، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . (١)
هذه هي ملة إبراهيم، وهي توحيد الخالق جل وعلا بعبادته وحده لا شريك له، وإقامة الحياة وفق منهج الله، والاعتزاز بهذا المنهج وإقراره في واقع الحياة، ورفض المبادئ المنحرفة الضالة التي اخترعها البشر وجعلوها أديانا يقيمون حياتهم وفقها، ويعتزون بالانتماء إليها.
إن الإسلام منهج حياة، والعبودية لله معلم كبير في حياة المسلم، والمسلمون وفق هذا المنهج والفهم يشكلون أمة واحدة في مقابلة التجمعات البشرية.
والمسلم الصادق يعتز بالانتساب إلى الإسلام ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . (٢) فقد نص على أن أفضل الناس هم الذين يعلنون انتسابهم إلى الإسلام.
وكثير من المسلمين اليوم فقدوا انتماءهم، فأخذوا يبحثون عن عقائد ومذاهب وأقوام ينتسبون إليها، وآن لنا أن نرفع الراية التي كان أسلافنا ينتسبون إليها، ألا وهي الإسلام، لا راية الأوطان، أو الأقوام أو الأحزاب أو التجمعات الضالة.
التوحيد والانتساب إلى الإسلام ملة إبراهيم، وقد أمر الله رسوله باتباع ملة إبراهيم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ . (٣) . ونحن أولى الناس بإبراهيم بعد أتباعه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)
стр. 4764
الأصل الثاني: توحيد مصدر الهداية:
والأصل الثاني توحيد مصدر الهداية، وهذا لازم للأصل الأول، فما دمنا قد آمنا بأن هذا الدين من عند الله، أنزله لهداية البشر للتي هي أقوم، فيجب أن نحل هذا الدين في المرتبة التي يستحقها في هذا المجال.
إن جميع الدعوات والمذاهب والأديان التي يموج بها عالم اليوم يدعى أصحابها أنهم يملكون إكسير السعادة، وهداية البشر للتي هي أقوم، ونحن نقول كما علمنا الله أن نقول: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ . (١)
إن مصدر الهداية الوحيد كتاب الله وسنة رسوله، واتباع أهل الكتاب، وأصحاب الدعوات الباطلة يقود إلى الردة والكفر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . (٢) ومتي فقهنا هذه الحقيقة التي قررها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ . (٣) وفرنا على أنفسنا جهودا كثيرة في تلمس الهداية في الكتب السماوية المحرفة، وفي نظريات البشر وأفكارهم المتضاربة المتعارضة، وسرنا في الطريق المرسوم، ندعو البشر إلى طريقنا، ونحاكم أفكارهم وعقائدهم ومبادئهم إلى موازين الإسلام، وإذا ما جاؤوا يعرضون بضاعتهم علينا رفضناها، لأننا نعلم أن في بضاعتهم دخنا، وهم لا يرضون عنا حتى ننسلخ من ديننا ونأخذ دينهم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ . (٤) وقد وقف الرسول ﷺ في وجه تلمس الهداية من الأديان المحرفة بقوة، وشدد التنكير على من ذهب هذا المذهب، ففي مسند أحمد عن عبد الله بن جابر قال: ((جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ .
قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى وجه رسول الله؟ فقال عمر: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.
قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين)) .
стр. 4765
ولذلك فإننا ننظر –اليوم- بكثير من الريبة والحذر إلى ما يسمي بمؤتمرات التقريب بين الأديان والتي تعقد في شتى أنحاء العالم ويحضرها علماء مسلمون وغير مسلمين يبحثون في الالتقاء والتقارب بين الإسلام والنصرانية، ويبحثون في إزالة سوء التفاهم بينهما. إننا نرفض هذه المؤتمرات، لأنها تضع الإسلام الدين الحق والنصرانية الدين المحرف الباطل في مرتبة سواء، ونرفضها لأن الإسلام جاء مهيمنا على النصرانية وغيرها من الأديان، وليس هناك مجال للتقريب بين دين محرف مغير مبدل والدين الحق.
إننا نقف في مجامع النصارى لا لنقرب بين دينهم الباطل وديننا، وإنما لنقول لهم: دعوا هذا الدين، ودعوا الشرك بالله والكفر به، وتعالوا إلى الدين الذي بشر به موسى وعيسى، دين الله الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إننا نعد قبول العلماء المسلمين بحضور هذه المؤتمرات انحرافا يضر بهم وبدينهم وعقيدتهم، ولا ينفع إلا الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا، لأنهم بذلك يجرجروننا إلى باطلهم، ويوقعوننا في شباكهم.
ففي شهر أبريل سنة ١٩٧٤ عقد مؤتمرا من هذا النوع في باريس التقي فيه علماء مسلمون ورجال فكر أوربيون للبحث في التقارب بين الإسلام والمسيحية، وزار الوفد الإسلامي الفاتيكان وألقي هناك محاضرتين، وقد مهد لهذا المؤتمر منذ عام ١٩٧٢، وقد وصفت الصحف هذا المؤتمر بأنه مهم.
وفي شهر سبتمبر من العام نفسه ١٩٧٤ انعقد المؤتمر الإسلامي المسيحي في مدينة (قرطبة) وقد كانت مهمة المؤتمر تقريب وجهات النظر بين العالمين المسيحي والإسلام، ودراسة تزايد موجة السعي من أجل إزالة الخلافات وسوء الفهم الذي قد يكون قائما بين الدينين بالنسبة للمعنيين بالأمر والرأي العام.
وفي شهر نوفمبر من ذلك العام كان المؤتمر المسيحي الثالث في مدينة (تونس) .
وقد عقد مؤتمر إسلامي في مدينة لاهور في باكستان في ذلك العام في شهر فبراير ١٩٧٤ ومع كونه إسلاميا في الظاهر إلا أنه قد حضره ممثلون من نصارى لبنان، وقد أشاد المؤتمر بالتعاون الإسلامي المسيحي.