← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

إن الإسلام لا يلغي الانتماءات للأوطان والقبائل والشعوب، ولكنه لا يسمح أن تجعل لغير ما أراد الله له، إن حكمة الله اقتضت تقسيم البشر إلى شعوب وقبائل للتعارف لا للتفاضل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . (١) إن الآصرة التي تجمع المسلمين هي الإسلام، وفي ظل هذه الآصرة تتجمع القبائل والشعوب، وسعي المرء في شأن قومه وأهله من الفضائل التي يحمد الإسلام أصحابها، ولكن الإسلام لا يرضي أن ينصر المرء قومه أو بني عشيرته/ أو الذين يشاركونه في اللون محقين أو ظالمين، إن الإسلام قبل مقولة أهل الجاهلية (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) ولكنه رفض التفسير الجاهلي لهذه المقولة، وأعطى تفسيرا مضادا لتفسير الجاهلية، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإن له نصر وإن كان مظلوما فلينصره)) . إن نصرة المرء قومه عصبية لهم جريمة كبرى في المجتمع الإسلامي، في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نصر قومه على غير حق، فهو كالبعير الذي ردي في مهواة، فهو ينزع بذنبه)) والمهواة: الحفرة من الأرض، وكل مهلكة مهواة، والتردي الوقوع من علو. وقد ثارت العصبيات في القرن الأخير، وحطمت الرابطة الإسلامية والدولة الإسلامية، فدعا الأتراك إلى التركية، والأكراد تنادوا إلى الكردية، وفعل مثل ذلك البربر والعرب، ثم جاءت الدعوة إلى الأوطان، فكل قوم يعيشون على بقعة من الأرض أقاموا عصبية منتمية إلى تلك البقعة، وقامت دعوات تدعو إلى الاعتزاز بالفرعونية والآشورية والفارسية، وقطع الترك كثيرا من الحبال التي كانت تربطهم بالإسلام، وأصبح العالم الإسلامي على الصورة الكئيبة التي نراها عليه اليوم.

стр. 4762

طريق الارتقاء بالأمة الإسلامية إذا كانت الفرقة هي طريق الانحطاط، فإن الوحدة هي سبيل الارتقاء وتبوء المكانة الفاضلة من جديد. والوحدة الإسلامية على أساس من الإسلام أمل القلوب المسلمة الصادقة في كل مكان، ذلك أن الإسلام، يغذي أتباعه دائما وأبدا بأنهم إخوة في دين الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ . (١) ، ويجعل الأمة الإسلامية أمة مترابطة ترابط الجسد الواحد، ففي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير عن رسول الله ﷺ قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) وفي رواية أخرى عند مسلم: ((المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كله)) . وشبههم في حديث آخر بالبنيان المرصوص، ففي صحيح مسلم عن أبي موسي عن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) . فالأحاديث تصور المجتمع الإسلامي بالجسد الواحد الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة، ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء، أو هو كالجدار الذي تجتمع لبناته لتشكل فيما بينها واحدة متماسكة متراصة. أصول الوحدة الإسلامية: ونحن إذ ننادي بالوحدة الإسلامية لا نريدها وحدة على غير أصول، لا نريدها وحدة تجمع شتاتا مختلفا متناقضا، إنما نريدها وحدة صادقة تقوم على أصول قوية ثابتة، ويلخص هذه الأصول قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ . (٢) وسنحاول أن نبرز أهم الأصول التي تقوم عليها وحدة الأمة. الأصل الأول: الانتماء للإسلام دون سواه: العالم اليوم بحر محيط يموج بالدعوات والأفكار، وتقوم هذه الدعوات على مناهج ونظريات أتعب أصحابها أنفسهم في تزيينها وتزويقها، ويجب أن يجهد دعاة الإسلام أنفسهم في الدعوة إلى نبذ جميع المذاهب والمبادئ التي غزت ديار المسلمين وعقولهم وعلي الدعاة أن يحصنوا المسلمين ضد هذه السموم التي تبثها مختلف وسائل الإعلام صباح مساء.

стр. 4763

لقد فقد كثير من أبناء المسلمين اليوم هويتهم، ومسخت شخصيتهم بفعل التضليل المستمر الذي يمارسه شياطين الجن والإنس بمختلف الوسائل، وسبيلنا للوحدة الصادقة هو الدعوة إلى الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والاعتزاز بالانتساب إلى هذا الدين، ونبذ كل ما يخالفه ويضاده، وهذا النهج هو نهج أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، الذي حرص على إقراره في بنيه وذريته، وهو المنهج الحق الذي أمرنا الله بالتزامه، وحكم على من أعرض عنه بالسفه والضلال، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . (١) هذه هي ملة إبراهيم، وهي توحيد الخالق جل وعلا بعبادته وحده لا شريك له، وإقامة الحياة وفق منهج الله، والاعتزاز بهذا المنهج وإقراره في واقع الحياة، ورفض المبادئ المنحرفة الضالة التي اخترعها البشر وجعلوها أديانا يقيمون حياتهم وفقها، ويعتزون بالانتماء إليها. إن الإسلام منهج حياة، والعبودية لله معلم كبير في حياة المسلم، والمسلمون وفق هذا المنهج والفهم يشكلون أمة واحدة في مقابلة التجمعات البشرية. والمسلم الصادق يعتز بالانتساب إلى الإسلام ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . (٢) فقد نص على أن أفضل الناس هم الذين يعلنون انتسابهم إلى الإسلام. وكثير من المسلمين اليوم فقدوا انتماءهم، فأخذوا يبحثون عن عقائد ومذاهب وأقوام ينتسبون إليها، وآن لنا أن نرفع الراية التي كان أسلافنا ينتسبون إليها، ألا وهي الإسلام، لا راية الأوطان، أو الأقوام أو الأحزاب أو التجمعات الضالة. التوحيد والانتساب إلى الإسلام ملة إبراهيم، وقد أمر الله رسوله باتباع ملة إبراهيم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ . (٣) . ونحن أولى الناس بإبراهيم بعد أتباعه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)

стр. 4764

الأصل الثاني: توحيد مصدر الهداية: والأصل الثاني توحيد مصدر الهداية، وهذا لازم للأصل الأول، فما دمنا قد آمنا بأن هذا الدين من عند الله، أنزله لهداية البشر للتي هي أقوم، فيجب أن نحل هذا الدين في المرتبة التي يستحقها في هذا المجال. إن جميع الدعوات والمذاهب والأديان التي يموج بها عالم اليوم يدعى أصحابها أنهم يملكون إكسير السعادة، وهداية البشر للتي هي أقوم، ونحن نقول كما علمنا الله أن نقول: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ . (١) إن مصدر الهداية الوحيد كتاب الله وسنة رسوله، واتباع أهل الكتاب، وأصحاب الدعوات الباطلة يقود إلى الردة والكفر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . (٢) ومتي فقهنا هذه الحقيقة التي قررها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ . (٣) وفرنا على أنفسنا جهودا كثيرة في تلمس الهداية في الكتب السماوية المحرفة، وفي نظريات البشر وأفكارهم المتضاربة المتعارضة، وسرنا في الطريق المرسوم، ندعو البشر إلى طريقنا، ونحاكم أفكارهم وعقائدهم ومبادئهم إلى موازين الإسلام، وإذا ما جاؤوا يعرضون بضاعتهم علينا رفضناها، لأننا نعلم أن في بضاعتهم دخنا، وهم لا يرضون عنا حتى ننسلخ من ديننا ونأخذ دينهم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ . (٤) وقد وقف الرسول ﷺ في وجه تلمس الهداية من الأديان المحرفة بقوة، وشدد التنكير على من ذهب هذا المذهب، ففي مسند أحمد عن عبد الله بن جابر قال: ((جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ . قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى وجه رسول الله؟ فقال عمر: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين)) .

стр. 4765

ولذلك فإننا ننظر –اليوم- بكثير من الريبة والحذر إلى ما يسمي بمؤتمرات التقريب بين الأديان والتي تعقد في شتى أنحاء العالم ويحضرها علماء مسلمون وغير مسلمين يبحثون في الالتقاء والتقارب بين الإسلام والنصرانية، ويبحثون في إزالة سوء التفاهم بينهما. إننا نرفض هذه المؤتمرات، لأنها تضع الإسلام الدين الحق والنصرانية الدين المحرف الباطل في مرتبة سواء، ونرفضها لأن الإسلام جاء مهيمنا على النصرانية وغيرها من الأديان، وليس هناك مجال للتقريب بين دين محرف مغير مبدل والدين الحق. إننا نقف في مجامع النصارى لا لنقرب بين دينهم الباطل وديننا، وإنما لنقول لهم: دعوا هذا الدين، ودعوا الشرك بالله والكفر به، وتعالوا إلى الدين الذي بشر به موسى وعيسى، دين الله الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إننا نعد قبول العلماء المسلمين بحضور هذه المؤتمرات انحرافا يضر بهم وبدينهم وعقيدتهم، ولا ينفع إلا الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا، لأنهم بذلك يجرجروننا إلى باطلهم، ويوقعوننا في شباكهم. ففي شهر أبريل سنة ١٩٧٤ عقد مؤتمرا من هذا النوع في باريس التقي فيه علماء مسلمون ورجال فكر أوربيون للبحث في التقارب بين الإسلام والمسيحية، وزار الوفد الإسلامي الفاتيكان وألقي هناك محاضرتين، وقد مهد لهذا المؤتمر منذ عام ١٩٧٢، وقد وصفت الصحف هذا المؤتمر بأنه مهم. وفي شهر سبتمبر من العام نفسه ١٩٧٤ انعقد المؤتمر الإسلامي المسيحي في مدينة (قرطبة) وقد كانت مهمة المؤتمر تقريب وجهات النظر بين العالمين المسيحي والإسلام، ودراسة تزايد موجة السعي من أجل إزالة الخلافات وسوء الفهم الذي قد يكون قائما بين الدينين بالنسبة للمعنيين بالأمر والرأي العام. وفي شهر نوفمبر من ذلك العام كان المؤتمر المسيحي الثالث في مدينة (تونس) . وقد عقد مؤتمر إسلامي في مدينة لاهور في باكستان في ذلك العام في شهر فبراير ١٩٧٤ ومع كونه إسلاميا في الظاهر إلا أنه قد حضره ممثلون من نصارى لبنان، وقد أشاد المؤتمر بالتعاون الإسلامي المسيحي.

стр. 4766

وهذه المؤتمرات لم تكن الأولى ولا الأخيرة فقد عقد قبلها مؤتمرات وبعدها مؤتمرات على النمط نفسه. وقد تحدث عن شيء من بلايا هذه المؤتمرات الكاتب العلامة الباحث الدكتور محمد محمد حسين في كتابه (حصوننا مهددة من داخلها) ص (٣٢١) عندما كشف عن زيف ودجل المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي دعت إليه جامعة برنستون ومكتبة الكونغرس الأمريكي في صيف عام ١٩٥٣ ونشرت قسما من بحوثه مؤسسة فرانكلين الأمريكية كما كشف الدكتور الأهداف الخبيثة لذلك المؤتمر. إن الذين يؤمون تلك المؤتمرات لا يدركون الدسيسة والمكيدة التي أوقعهم أعداؤهم فيها، وآخرون يعلمون ذلك ولكنهم يريدون بالإسلام والمسلمين شرا، وعندما يوجه إليهم اللوم لا تكون إجابتهم إلا كإجابة إخوانهم من قبل: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ . (١) ، وذلك بالتقارب بين الإسلام والمبادئ البشرية، وقد فضح القرآن هذا الصنف من الناس، وبين هؤلاء أتباع الطواغيت همهم إفساد البلاد والعباد وصد الناس عن دين الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ . (٢) إننا نعلن لبني قومنا أن الهداية من الضلال لن تكون في غير الكتاب والسنة، وهذا ليس تقولا من أنفسنا، ولكنه صريح كلام الرسول ﷺ ، ففي الموطأ عن أنس بن مالك وفي المستدرك للحاكم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله، وسنة رسوله)) .

стр. 4767

الأولى: لا يجوز طلب الهداية من الأديان المحرفة والمذاهب الباطلة وقد أسلفنا القول في هذا الموضوع. الثانية: وهذا لا يعني أنه لا يجب علينا دراسة هذه المذاهب والأديان لبيان عوارها والرد عليها، ويدلنا على صحة هذا مناقشة القرآن لأهل هذه المذاهب والأديان، وقد ألف علماؤنا مؤلفات كثيرة في هذا المجال. الثالثة: أن العلوم الدنيوية في المجالات المختلفة كالطب والهندسة يجب علينا دراستها والاستفادة من جهود البشر فيها، ولا تدخل دراستها في المحذور. الأصل الثالث: وحدة العقيدة: لا يمكن أن تقوم وحدة المسلمين ما لم تجمعهم عقيدة واحدة، والعقيدة تشكل في البناء الفردي والاجتماعي القاعدة التي تقوم عليها الأعمال والعلاقات والأخلاق، فإذا كانت العقيدة مشوهة أو مزورة فإن البناء لا يستقيم، ولا يكاد البناء يواجه الأعاصير والفتن حتى ينهار، بل إن البناء قد لا يقوم من أساسه، وقد شهد عالمنا العربي والإسلامي مزيدا من الفرقة والانقسام، والعقائد الموروثة والحادثة كثيرة، وقد انتشرت في الأمة الإسلامية انتشارا كبيرا، وانقسمت الأمة بناء على ذلك في التقديم والحديث إلى فرق وجماعات، وقام بينها العداء والخصام والحروب. قد يقال: من أين تأتي العقيدة الإسلامية التي تصلح للم شتات المسلمين؟ الجواب: أن العقيدة الإسلامية الصافية منصوص عليها في الكتاب والسنة، ويمكن التدليل على كل أصل من أصولها، أو جزئية من جزئياتها، ثم إن السلف الصالح الذين استقاموا على عقيدة الإسلام الحق دونوا هذه العقيدة تدوينا يميزها عن عقائد أهل الفرق والضلال، ومن هؤلاء العلامة الطحاوي دون عقيدة عرفت باسمه، شرحها محمد بن محمد بن محمد بن أبي العز الحنفي، ولم يقف الأمر عند هذا، فقد دون العقيدة الصحيحة كثير من العلماء من قبله وبعده، منهم الإمام أحمد وابن تيمية، والشوكاني، والإسفرائني وغيرهم. وأحب أن أنبه إلى أن هذه العقائد قواعد تعصم من الخطأ في مجال الاعتقاد وهناك لون آخر من العقيدة، يبعث العباد إلى العمل بما جاءهم من عند الله، مخلصين دينهم لله، وهذا اللون هو الذي يجعل المسلم قوة حية متحركة عاملة، وهذا اللون من العقيدة حتى يعطي ثماره لا بد من دراسته من خلال النصوص.

стр. 4768

الأصل الرابع: جعل الكتاب والسنة محور الدراسة ومصدر التشريع: لا بد أن تعود المكانة الكبيرة للكتاب والسنة، فقد كانا محور الدراسة والتعليم والتشريع، ولا يجوز استبدالها بآراء الرجال، ولا يجوز إلغاؤهما بحجة أن الفقه الذي دونه الأئمة يكفى في هذا الجانب. ليس معني ذلك أننا نلغي فقه الأئمة فذلك وهم، بل نري أن فقه الأئمة هو محاولة دائبة لفقه الكتاب والسنة، فنحن ندرس الكتاب والسنة، وندرس كيف فَقِهَ علماؤنا النصوص، واستنبطوا منها الأحكام، أما الفقه المجرد الذي لا يصطبغ بالكتاب والسنة، فإنه يبعدنا عن النبع الأصيل. ولا يجوز إقصاء الكتاب والسنة عن دائرة الدراسة والفقه، بحجة أن ذلك مهمة المجتهد وحده، ولا شك أن هذا مزلق خطر، فإن الذي يدرس الكتاب والسنة لن يكون عالما بهما، ولكن ليس كل من درس آيات وبضع أحاديث أصبح عالما يحق له الإفتاء. إن مثل العالم وطالب العلم مثل الطبيب ودارس الطب، فطالب الطب يعطي العلم الذي يؤهله لعلاج الناس وإجراء العمليات الجراحية لهم ولكنه لا يؤذن له في العلاج وإجراء العمليات في السنة الأولى التي يدرس فيها الطب، غير أنه يترقى في ذلك حتى يحصل قدرا صالحا من العلوم الطبية، ثم يتدرب على أيدي المتخصصين من الأطباء الكبار، ثم يمارس مهنة الطب، وقد يواصل دراسته وتنمو خبرته بعد ذلك حتى يستقل في بعض القضايا وتصبح له نظرة اجتهادية يستقل بها عن غيره، ولو منعنا طلاب الطب بعد تخرجهم عن العلاج والممارسة لما كان هناك أطباء كبار. وعالم الشريعة عليه أن يدرس الشريعة من مصادرها، وأن يتفقه في هذا الدين، ويدرس العلوم الخادمة لعلم الشريعة ومن ذلك علم اللغة العربية، ثم لا يزال يترقى في هذا المجال حتى يبلغ مبلغ العلماء المؤهلين. وهذا الطريق ليس بالطريق الصعب المستحيل، ولذلك لا يجوز صد الناس عن السير في طريق العلم الشرعي، كما لا يجوز لمن كان في البدايات أن يُنَصِّبَ نفسه عالما ومفتيا.

стр. 4769

الفصل الخامس: إقامة دولة الإسلام وإرجاع الخلافة الراشدة: لا يمكن أن تنتهي فرقة المسلمين السياسية إلا بإقامة دولة إسلامية راشدة تقيم فينا دين الله وشرعه، وتحكمنا بالإسلام، وتقيم فينا وفي العالم موازين الإسلام وقيمه، وتسمع العالم صوت الله، فتقيم بذلك الحجة على العالمين، وتقوم بواجب البلاغ الذي كلفنا به، وتحمي حمى الإسلام وتحرس هذا الدين، كما تحمي ديار الإسلام، وتحفظ حرمات المسلمين، وترد كيد الكائدين، وترفع الظلم عن المظلومين، وترد هذا البلاء الذي رمانا به أعداء الإسلام، هذا البلاء الذي جعلنا في ديار المسلمين أذلة، نخشى إن قلنا كلمة الحق أن تقطع منا الرؤوس، وتسلب منا الأموال، ويؤذى أهلنا وأحبابنا، إن دولة الإسلام هي المؤهلة لرد هذا البلاء الذي جعل ديار الإسلام مرتعا لأعداء الإسلام، فصالوا وجالوا من غير رقيب وحسيب. لقد قسموا ديارنا فجعلوها دولا، وجزؤوا أمتنا فجعلوها أمما، بعد أن كنا دولة واحدة وأمة واحدة، إننا نريد دولة الإسلام كي نتوحد في ظلها، لنعود مرة أخرى دولة واحدة وأمة واحدة، تختفي في ظلها النعرات الجاهلية، والعصبيات المقيتة التي فرقت شملنا، وأذهبت قوتنا، وملكت منا الأعداء. أنا أدرك أن إقامة الدولة الإسلامية لا يتحقق بمجرد الأماني، وأن الطريق إليه ليس مفروشة بالورود والرياحين، وأن الطريق إلى تحقيق ذلك تعترضها عقبات جسام، أنا أعلم أن قيام الدولة الإسلامية يقتضي من المسلمين أن يبذلوا في سبيل تحقيقها أوقاتهم وأموالهم وأنفسهم، وأن يرضوا بالتشريد حينا من الدهر، كما يرضوا بالعذاب والسجون، فإن لإقامة الدولة ضريبة وأية ضريبة، ذلك أن دولة الإسلام تبطل مخططات خصوم الإسلام، التي عملوا على تحقيقها دهرا طويلا، بحيث جعلت لهم السيطرة على بلادنا وشعوبنا ومقدراتنا، وتبطل امتيازات المسلطين في ديارنا، كما تبطل مصالح الطبقة التي تأخذ ما تأخذ بالباطل، فإذا جاء الإسلام وأعمل حكم الله أوقف نهب ثروات الشعوب وسوى بين المسلمين وحكم بالعدل، وجعل العزة لله، ومن هنا يحرص أعداؤنا والظلمة المسلطون علينا أن يخنقوا صوت الإسلام. الذي ينادي بالعودة إلى إقامة خلافة راشدة تحكِّم شرع الله، وتقيم دين الله.

стр. 4770

أنا أعلم أن الصعوبات هائلة والعقبات كثيرة، واقتحامها لا يكون بمؤتمر يعقد، ولا اجتماع يتبادل فيه الرأي، ولا بمحاضرة تلقى، ولكننا مع ذلك كله ننادي بإقامة هذه الدولة، ونوقن أن أبناء الإسلام الذين رضوا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا سيقدمون الثمن، ثمن إقامة الدولة الإسلامية، وهذا الذي سيقدمونه ليس أمرا مندوبا إليه، يمكن أن يقوم به المسلمون كما يمكن أن يغضوا الطرف عنه، فالعقيدة الراسخة في أعماق قلوبنا، والتي تشكل فينا قاعدة الدين الذي رضينا به، كما تعتبر بحق أساس الإسلام والإيمان لا ترضى أن نعيش هكذا من غير راع يرعى المسلمين، ولا دولة تنتظم أمورهم، وتحرسهم، وترفع صوت الله لتسمعه العالم أجمع، إن عقيدتنا تقول لنا: إن الله هو حاكم هذا الكون، الكون كله: أرضه وسمائه، بره وبحره، حيوانه ونباته، نجومه وشمسه وقمره، وكذلك هو الحاكم للتجمعات البشرية فوق ظهر الكرة الأرضية، والفرق بين البشر وغيرهم أن البشر يتحاكمون إلى شرع الله باختيارهم، أما بقية الكائنات فإنها لا تستطيع أن ترفض أمر الله، فالله يريدنا أن نتخذه إلها وربا وحاكما ونرضى بذلك، ونخضع لعظمته ونرضى بشريعته، لأنه خالقنا ورازقنا ومحيينا ومميتنا، وإليه مآبنا، فهو المستحق لأن يجعل حاكما، والله لا يرضى منا حتى نقيم دولة الإسلام التي تسلم مقاليد الحكم إلى الذين يجعلون التشريع لله تعالى، وتنبذ الطواغيت والظلمة الذين اعتدوا على سلطان الله ونازعوه في حكمه وقضائه، وقد قرر الإسلام بصورة واضحة هذه القضية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ . (١) . فالحكم لله والعبادة لله، ولا تجوز منازعة الله في حكمه، ولا يجوز صرف شيء من ذلك لغير الله، فالإيمان بالله يقتضي تحكيم شرع الله، ونبذ حكم الطواغيت والكفر بها ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ . (٢) . فكل من ادعى الإيمان بالله فعليه أن يكفر بالطاغوت، فإن ادعى أنه مؤمن وهو يرضى بحكم الطاغوت فقد تناقض في دعواه، ووقف موقفا يتعجب منه، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ . (٣)

стр. 4771

إن المسلم لا يقف عند حد الكفر بالطاغوت، بل يتعدى ذلك إلى مصارعة الطاغوت ومغالبته وإقصائه عن مشاركة الله في حكمه ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ . (١) والطواغيت هم الذين نصبهم الناس، أو نصبوا أنفسهم آلهة ينازعون الله في حكمه، فالقول قولهم والأمر أمرهم، وكلمتهم هي العليا، وشرعهم هو المتبع، وقد يصل الحال إلى السجود لهم وعبادتهم، والله لا يرضى أن يشاركه أحد في حكمه ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ . (٢) ، أي لا يرضي أن يشاركه أحد في حكمه، وفي القراءة الأخرى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ . (٣) ، أي لا تشرك أيها المؤمن مع الله غيره في حكمه، والقراءتان معناهما متلازم، وقد جعل الإسلام التحاكم إلى غير شرع الله تحاكما إلى الجاهلية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . (٤) . وحكم على الذين لا يحكمون شرعه المنزل ودينه العظيم بالكفر والظلم والفسق ﴿ووَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.... فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . (٥) هذه القضية (الحكم لله) عقيدة عند المسلمين، ولا يمكن تحقيق هذه العقيدة إذا بقيت مقاليد الحكم في عالم البشر بأيدي الطواغيت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . (٦) . إننا لا نستطيع تحقيق الإيمان إلا بإقامة دولة الإسلام التي تقيم شرع الله في كل شئون الحياة. وعقيدتنا تجعل الإيمان بالرسالات السماوية وخاتمها الإسلام دافعا إلى إقامة الدولة الإسلامية، ذلك أن طبيعة هذا الدين توجب إقامة الدولة الإسلامية، لأن هذا الدين منزل من عند الله العلي القدير، والله لا يرضى أن تسود مناهج البشر وشرائع البشر عالَمَ البشر ويقصى دينه وشريعته، لقد أنزل الله دينه من أول يوم ليكون هو الأعلى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ . (٧) . وقد قرر الحق أن طبيعة هذا الدين تأبى أن يخفت صوته، وتطمس معالمه، وتعلوه كلمة البشر ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ . (٨) . وأوجب على المسلمين الجهاد والقتال حتى ترتفع كلمة الله، وتكون الدينونة لله الواحد الأحد ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ . (٩) .

стр. 4772

ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا قامت دولة الإسلام، فجعلت الهيمنة في عالم البشر لهذا الدين، وهذه هي المهمة الكبرى المناطة بالدولة الإسلامية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله تعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول ﷺ والمؤمنون، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ) . (١) . وعقيدتنا تلزمنا بإقامة الدولة الإسلامية، لأن إقامة الدولة أحد أحكام الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية هي التي تحقق العقيدة في واقع الحياة، فالدين ليس مجرد عقيدة تبقى حبيسة في صدور أصحابها ولكنها حياة دافعة تتحرك في الصدور وتنبعث بها النفوس، ثم تتشكل في إطار يحكم الواقع وحياة البشر، وبذلك فإن الشريعة التطبيق الواقعي للعقيدة، ولا تزال تلح العقيدة على صاحبها كيما يجاهد، ويناضل لإيجاد الصورة العملية التي تقتضيها تلك العقيدة.

стр. 4773

مرحلة المخاض تحدثنا فيما سبق عن المكانة الفضلى التي رفع الله إليها هذه الأمة بدينه المنزل ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، ثم بينا كيف انحطت هذه الأمة عن مكانتها بسبب فرقتها، وعقبنا على ذلك بالحديث عن الوحدة التي يمكن أن تعيد للأمة الإسلامية عزتها من جديد. ولكن يبقى أمر في غاية الأهمية، وهو الحديث عن الطريق التي تؤدي إلى بناء الأمة الإسلامية من جديد. وأول ما يتبادر إلى الذهن في هذا هو الطريقة التي سلكها الرسول ﷺ في بناء الأمة الإسلامية، والعالم بسيرة الرسول ﷺ يجد أنه ﵇ كان يعنى بالدعوة إلى الله في وسط الكفار، فمن استجاب منهم لاحقه بالتربية والتقويم حتى يصبح لبنة صالحة، وكان هؤلاء يشكلون فيما بينهم وحدة مترابطة متعاونة، تعلم أن مهمتها هي تغيير مجرى الحياة الإنسانية، ولقد أوذيت هذه الفئة أذى شديدا وعذبت في دين الله، وهجرت الأوطان للبحث عن مكان آمن يقيهم الطغيان. وفي هذا الوقت أخذ الرسول ﷺ يبحث عن مكان صالح لإقامة دولة الإسلام، فكان يعرض دعوته على القبائل مطالبا إياهم بنصره وحمايته حتى يبلغ دعوة الله، وكانت المهمة شاقة وصعبة، ولكن الله هدى بعض أهل يثرب إلى الإيمان بدعوة الإسلام، وانتشر فيهم الإسلام وهاجر الرسول ﷺ وصحبه إلى المدينة، وكانت هذه الهجرة إيذانا بميلاد الأمة الإسلامية، وقيام دولة الإسلام الأولى، وهنا تحول المضطهدون الصابرون على الظلم والأذى إلى مقاتلين، يدفعون الشرك والمشركين بالكلمة كما يدفعونهم بالسيف والرمح، ولم يزل شأن الدولة الإسلامية يعلو حتى هيمن الإسلام على العالم كله، وأطاح بعرش كسرى، وأسقط تاج قيصر، وكان الدين لله. واستمر الوجود السياسي الممثل في الخلافة الإسلامية قائما، كلما سقطت رايته في جانب من جوانب العالم قام في جانب آخر، وكان العلماء والدعاة يسددون الحكام ويقومونهم، وكان الحكام يقتربون من الإسلام ويبتعدون عنه بنسب متفاوته ولكن الإسلام بقي باستمرار هو الدين الوحيد المهيمن على حياة المسلمين، والشريعة الإسلامية هي القانون الذي يتحاكم المسلمون إليه.

стр. 4774

وآخر كيان سياسي جامع للمسلمين هو الدولة العثمانية التي انهارت على أيدي اليهود والصليبيين في الربع الأول من القرن العشرين، وكان انهيارها نتيجة محتمة في سنة الله، ذلك أنها أصيبت بأمراض وعلل كثيرة جعلتها ضعيفة في مواجهة أعدائها، ولو بقيت قوية قوة الجبال الرواسي لما عصفت بها الفتن، ودمرتها الرياح. لا يكفي في تقويم الدولة العثمانية أن يدلل الباحثون على أن حكامها كانوا صالحين، وأن آخرهم وهو السلطان عبد الحميد كان مخلصا للإسلام، فهناك علل في الأمة كلها وفي السلطان نفسه تجعل استمرار تلك الدولة في الوجود مخالفا لسنة الله التي سنها في عباده. لقد كانت تلك الدولة تمثل الإسلام، ولكن في الإسلام الذي كانت تمثله دخنا كثيرا في العقائد والسلوك والعلاقات، ودخل الترف حياة الحكام وأغرقوا فيه، وتزلزلت أركان العدل في كثير من ولايات الدولة الإسلامية وانتشرت الفرق الصوفية التي جعلت الإسلام عبارة عن أذكار ورقص وأكل وقعود عن الجهاد، وكان القائمون على الدولة لا يجاهدون لإعادة الأمة الإسلامية إلى المستوى الراقي الذي يحققه الالتزام بالإسلام، بل كان الحكام في كثير من الأحيان يعاقبون المصلحين الذين يحاولون إصلاح الفساد الذي غرقت فيه الأمة الإسلامية. فكانت سنة الله تقضي بأن تنهار هذه الدولة، وعلى الرغم من المأساة الكبرى التي حلت بالمسلمين بسبب انهيارها، إلا أن هذا الانهيار كان ضروريا لا بد منه، واليوم وقد مر على انهيار الخلافة نصف قرن تقريبا ننظر إلى ما أصاب المسلمين في هذا النصف من المآسي والبلايا فنألم، ولكننا نرى من خلال الآلام والمآسي روحا بدأت تسري في الأمة الإسلامية تهدف إلى إعادة مجد الإسلام وعزه من جديد. وشكلت هذه الروح تيارا إسلاميا ناميا، وقد أصبح هذا التيار واضحا ظاهرا، وسر هذا التيار الإسلامي نفوس الموحدين، وأقر أعينهم وساء هذا التيار أعداء الإسلام فارتفعت عقيدتهم محذرة من الخطر الداهم، والمارد الذي بدأ يتململ في قيوده، وهو يوشك أن يخرج من محبسه ويفك أغلاله. ولكن هذا التيار لم يبلغ مبلغا يعيد فيه عزة الإسلام، وينهض بالأمة إلى المستوى الذي كانت تتبوؤه، ولا يزال العلماء والمفكرون المسلمون منذ سقوط الخلافة وإلى اليوم مختلفين في الطريقة التي نعيد بها عز الإسلام ومجده.

стр. 4775

عندما زالت الخلافة في تركيا، ظن بعض الأخيار أنه يكفي أن ينصب حاكم من حكام المسلمين خليفة كي تعود المياه إلى مجاريها، ويأخذ القوس باريها والسهم نابله، وغفل هؤلاء عن أن الذين أسقطوا الخلافة كانوا لا يزالون يسيطرون على مقاليد الأمور وهم لا يسمحون بإعادة الخلافة مرة أخرى بعد أن بذلوا جهودا هائلة غير مشكورة في هذا السبيل. وبعض دعاة الإسلام ظن أنه يمكن أن يخدم الإسلام ويقيم بناءه إذا انضوى تحت لواء القيادات التي تهمين على مقاليد الحكم في دياره، وفي سبيل تحقيق هذا تنازل عن شيء من الإسلام، فقصر دعوته على الصلاة والصوم والزكاة والحج وبعضا من أخلاق الإسلام، وأعرض عما لا يوافق أهواء أولي الأمر، وهذا ركون للظالمين، وتضييع للإسلام وقد حاول الكفار جاهدين أن يحرفوا الرسول ﷺ عن المنهج الذي دعا إليه، بحيث يتفقون معه على حل وسط، فجاءه الوحي من السماء محذرا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ . (١) . وفي هذا أنزل الله ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ . (٢) . وقام في الأمة علماء ومصلحون، وظن هؤلاء أن نشر العلم والتفقيه في الإسلام وبيان المشكلات التي تحيط بالأمة الإسلامية كاف في إعادة مجد الإسلام وعزه، وغفل هؤلاء عن أن الذين يفقهون ويتعلمون ويعرفون من المسلمين يبقون أوزاعا متفرقين لا يشكلون تيارا يصارع الباطل والطغيان. وقام آخرون بإنشاء الصحف الإسلامية والمجلات الإسلامية، ويحاول آخرون إنشاء إذاعات إسلامية، ومهما انتفع الناس بما تكتبه الصحف والمجلات، وما تبثه الإذاعات، فإن الفائدة محدودة؛ لأن الذين لا يريدون للمسلمين أن يفقهوا هم أصحاب الكلمة في الديار التي أنشئت فيها هذه الصحف والمجلات والإذاعات، وهؤلاء يحجبون كلمة الحق، ويمسخونها، ثم إن الذين يتأثرون بذلك كله لا يشكلون وحدة فيما بينهم، وبذلك تبقى قوتهم مشتتة متفرقة، لا تستطيع أن تهدم بناء معارضا للإسلام، كما لا تستطيع إقامة بناء الإسلام. وأفضل الرواد هم الذين تنبهوا إلى أن الخطوة الأولى في إقامة صرح الأمة الإسلامية من جديد تتحقق بإقامة تجمع يؤمن بهذه القضية، يسعى في سبيل تحقيقها باذلا في ذلك النفس والمال.

стр. 4776

وفعلا قامت تجمعات كثيرة في العالم الإسلامي تنادي بالعودة إلى الإسلام وانضوى تحت لواء كل منها ألوف وعشرات الألوف، واستطاعت هذه التجمعات أن تؤثر في حياة المسلمين، لكن واحدا منها لم ينجح في إعادة الأمة إلى مكانتها من جديد. ولا شك أن بناء الجماعة التي تأهل إلى استلام الراية يحتاج إلى بناء مبدع، لأن الخلل في البناء يؤخر النجاح، بل قد يفشله. هناك تجمعات لا تعنى بتربية أفرادها، وتظن أن كل مهتمها هو إقامة الخلافة فإذا قامت الخلافة، فإن الخليفة سيقضي على الباطل بجرة قلم وسيقيم صرح الحق بمنشور أو بيان. الدكتور عمر سليمان الأشقر

стр. 4777

مجالات الوحدة الإسلامية وسبل الاستفادة منها إعداد الحاج شيت محمد الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على النبي الكريم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فيا أيها الإخوة الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: إن أصدق الحديث كتاب الله وإن خير الهدي هدي سيدنا (محمد صلى عليه وسلم) . وبعد: فلقد اخترت أن أكتب في هذا الموضوع لما له من أهمية بالغة في عصرنا الحاضر وللأمل في أن يكون علاجا لأمتنا الإسلامية التي تفككت أواصرها وتبعثرت كلمتها وتفرقت وحدتها وتمزق شملها وضعف صوتها كل هذا وهكذا لأننا بعدنا عن الدين ولأننا تركنا مباديء الإسلام وجعلنا دستورنا غير القرآن فللأسف كنا على ما نحن عليه يقتل المسلم أخاه المسلم ويخذل المسلم أخاه المسلم. وتألب الأعداء على المسلمين، فصدق فينا قول النبي ﷺ حيث يقول: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)) . حديث عن ثوبان، رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة.

стр. 4778

فما أحوجنا إلى علاج الإسلام ودواء القرآن والعمل بشريعة الله السمحة الغراء فهذا بلا شك سبيل المجد والارتقاء، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . (١) . صدق الله العظيم فإن الأمة الإسلامية التي ينتسب إليها الإسلام في هذا المجال هي الأمة التي تتعامل بالإسلام ولا يجوز لمن ينتسب إلى الإسلام أن يقاطع أخاه بسبب القبيلة أو سبب السياسة، والأمة الإسلامية أمة واحدة فإن مظاهر وحدة الأمة الإسلامية كثيرة وهي متشابكة لا مثيل لها أبدا لأن كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله هي أصل الوحدة، ومتى قالها الإنسان كان من هذه الأمة وما دام خارج دائرتها فليس منها، ومتى أسلم الإنسان وجهه لله على ملة رسول الله فقد تحقق إسلامه وتحرر من القتل لقوله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)) . رواه البخاري ومسلم. لأن النبي قال: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله)) . رواه البخاري. إن تاريخ المسلم لا يرتبط بطين الوطن ولا بصباغة اللون ولا بلغة الجنس الذي ينسب إليه الناس وتاريخ المسلم الذي ينتسب إليه ويعتز به هو تاريخ الإسلام وعقيدته التي يلقى الله عليها قوله تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . (٢) وقانون الأمة الإسلامية ودستورها هو القرآن الكريم والسنة الطاهرة ولا يجوز أن يكون للمسلمين قانون ودستور يخالف شرع الله.

стр. 4779

إن الأمة الإسلامية لها قائد واحد هو رسول الله ﷺ الذي له على المسلمين فرض الطاعة، فإذا ما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى فإن على المسلمين اختيار وانتخاب خليفة له يقيم شريعة الله، فمن الواجب على المسلمين أن يوجدوا دار العدل وأن يقيموا خلافتهم ثم يبدأوا عملهم ويحاربون الحكومة الكافرة ويحررون الأرض السليبة ثم ينساحون في الأرض حتى يخضعوها لسلطان الله ويستردوها من أيدي الغاصبين ولا يعني ضعفنا الحالي الاستمرار فيه بل يفترض علينا أن نحاول سد العجز الموجود عندنا إما من ناحية العتاد أو الرجال أو التدريب والسلاح إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإن على المسلمين عامة وعلى مسلمي كل قطر خاصة أن يجعلوا قطرهم دار عدل وأن يتحدوا ليشكلوا وطنا واحدا بشكل معقول ويرضى المسلمين، ويكون لكل ولاية دستورها الإسلامي وأن يكون ذلك كله مستمدا من الكتاب والسنة، ويكون بذلك توفير الرجال المفكرين الإسلاميين ووحدتهم على الأسلوب الوحيد في كل مجال من مجالات الدعوة الإسلامية والتبليغ في الكتابة والخطابة والتحدث والنقاش في العمل الإسلامي وكل ذلك بحاجة إلى الأسلوب الحسن الذي يصيب الهدف ويبلغ القصد. إن الإسلام ووحدة الأمة الإسلامية في هذا الزمان بحاجة إلى الرجال المفكرين من الذين يحسنون عرض أفكارهم ومبادئهم بأسلوب شيق جذاب يبشرون ولا ينفرون ويحسنون ولا يسيئون، وكم من أدعياء شوهوا الإسلام بسوء دعوتهم له وأساؤوا إليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

стр. 4780

ومن هنا كانت وظيفة الدعاة ورجال المفكرين لوحدة الأمة الإسلامية خطيرة جدا ومسؤولياتهم كبيرة، ولهذا وجب على الأمة الإسلامية أن تتوافر عناصر الواقعية والإيجابية والاتزان في أساليب الدعوة، ويقول الله تعالى في آخر سورة النحل آمرا نبيه الكريم بالتزام الحكمة في دعوة الناس قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . (١) وفي سوره آل عمران يشير القرآن الكريم إلى فوائد الرفق واللين في كسب الأنصار والمؤيدين وانطلاق الدعوة ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ . (٢) .صدق الله العظيم. فإن منهج مجالات الوحدة الإسلامية وهو مفهوم في الفكر الإسلامي، وأما الفكر فهو الجهود العقلية المبذولة في محاولة فهم الإسلام من مصدريه: الكتاب والسنة فالعلماء المسلمون في كل عصر يقبلون على القرآن الكريم، وعلى السنة المطهرة ويأخذون منهما ما يفهمون، لأن مجال التفكير في الكتاب والسنة فهم إسلامي فبه يصيب المفكر والمجالات في وحدة الإسلامية حيث لا ينتسب إلى الإسلام الذي أنزله اللطيف الخبير. فإذا أردنا أن نتعرف على صحة الفكر والمجالات في الوحدة الإسلامية واستقامتها عرضناها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإذا وافق الفكر ما جاء فيهما كان فكرا إسلاميا أصيلا، وهل يستطيع المفكر المسلم أن يعي حقائق العبادة دون أن يدرك حقائق العقيدة؟ وهل يستطيع أن يتفهم حقائق المعاملات دون أن يدرك العقيدة والعبادة ودورهما في السلوك الإنساني؟ فإذا كان ما في الكتاب والسنة موجها إلى الإنسان وإذا كان هذا الإنسان كلا متكاملا فإنه لا يستطيع أن يفصل عقله عن قلبه ولا قلبه عن جوارحه ولا موضوعات الكتاب والسنة بعضها عن بعض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فمعرفة المعبود ﷻ وما يتعلق بذلك ومعرفة كيفية الصلاة والعبادة التي تنظم الشعائر وشؤون الحياة من أخلاق ومعاملات ونظم سياسية واجتماعية واقتصادية جاء مفصلا في الكتاب والسنة، فالعامل على غير ما يريد يفسد أكثر مما يصلح، وفي الحكم من سلك طريقا بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير أصل ذل، وروي عن النبي ﷺ قال: ((الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها)) . وقوله ﵊ ((خذوا الحكمة من أي وعاء خرج)) .

стр. 4781

فلتتمة هذا الجانب الثقافي والتربوي نرى ضرورة إنشاء المدارس الإسلامية لأطفال المسلمين ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، وإصدار النشرات والمجلات والصحف الإسلامية الأسبوعية والشهرية بعيدة عن الصور الخليعة والفساد. وأن تقوم حكومتنا الإسلامية بتشجيع المسلمين على إقامة المساجد في المدارس والكليات والمصانع والمتاجر وإلى غير ذلك من كل مجمع الناس محافظة على هذا الركن الأول العظيم من أركان الإسلام الخمس والتي هي - الصلاة لأنها أول ما يسال عنه العبد يوم القيامة أمام الله فإن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد عمله كله كما ورد ذلك في الحديث النبوي الشريف، وكذلك الحرص على تشجيع الشباب المسلم والشابات المسلمات على الزواج المبكر صونا لهن من الانحراف والفساد وتطهيرا لأذهانهن عما قد شاع لديهن من الزواج المتأخر الذي ورثناه من الاستعمار الغربي المنحرف. وعلى الجانب الاقتصادي للإسلام والحمد لله النظام الاقتصادي الإسلامي مستقل عن النظام الاقتصادي في العالم، ونظام الاقتصاد في الإسلام يقوم على أساس التعبد لله تعالى لانبثاقه عن الشريعة الإسلامية لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) فالاقتصاد الإسلامي قائم على الإنتاج وتنمية الثروة بطرق مشروعة وتبادل المصالح والمنافع دون إلحاق ضرر بأحد أو بعبارة أخرى يهدف الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية على السواء. فعلى الأمة الإسلامية وحكومتها أن يجعل الإعلام الإسلامي نصب عينها قواعد الشعب الإسلامي العريضة فيخاطب الشباب بلغته ويعرض قضاياه ومشكلاته، ويخاطب الفتاة المسلمة ويتعرف على مشكلاتها واهتماماتها ويخاطب الطفل المسلم ولا يغفل المرأة المسلمة، ولا الرجل الطاعن في السن، وبذلك تقبل ملايين المسلمين في كل أرض على تلك الصحف والمجلات، وأن تبرز الصحف الإسلامية شعار الإسلام واضحا جليا كما ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . (١) صدق الله العظيم. وقد فرض الإسلام على كل مسلم ومسلمة أن يؤدي صلواته خمس مرات كل يوم إماما كان أو مؤتما، وأن يؤذن ويقيم ويكبر ويهلل ويتشهد وكل هذه العبادات باللغة العربية ورتب فيها ثوابا جزيلا لكل من يقرأ القرآن الكريم باللغة العربية سواء فهم معناه أو لم يفهم. الحاج شيت محمد الثاني

стр. 4782

الوحدة الإسلامية والتعامل الدولي إعداد فضيلة الشيخ/ محمد علي التسخيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقول المادة الحادية عشرة (من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية) ما يلي: (إن المسلمين هم أمة واحدة وذلك بحكم الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . (١) وعلى حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تقيم سياستها العامة على أساس ائتلاف واتحاد الشعوب الإسلامية، وأن تواصل جهودها من أجل تحقيق وحدة العالم الإسلامي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية) . وسيشتمل حديثنا على بحوث: البحث الأول: الترابط في الإسلام والأمة: نحاول في ما يلي التدرج في عرض الترابط على النحو التالي: أ - الترابط الكوني من وجهة نظر الإسلام. ب- الترابط بين مكونات الإسلام. ج- الترابط بين قطاعات الأمة المسلمة وأفرادها.

стр. 4783

أ- الترابط الكوني من وجهة نظر الإسلام: إذا كان التعريف الأحدث للفلسفة يصورها على أنها (عملية تحديد موقف) فإن الإسلام يمنح الإنسان أروع فلسفة كونية، وأركز تحديد موقف له من الواقع وإذا كانت فلسفة (هيغل) (المثالية جوهرا والواقعية ظاهرا) تدَّعي الترابط وتتمحله على ضوء خلطها بين عالم الذهن وعالم الواقع، وإذا كانت الفلسفة الماركسية تدعي لنفسها أنها اكتشفت (الترابط الكوني) في ظل قوانين (المادية الديالكتيكية) التي كانت تتصيد لها من التاريخ وبعض القوانين العلمية والآراء الفلسفية ما يقوم دليلا على مدعاها - ولكنها تفشل فشلا ذريعا - في ذلك وعلى كل الأصعدة، نعم إذا كانت هاتان الفلسفتان تكشفان الترابط في جزء من الكون كشفا مهزوزا، فإن الإسلام في نظرته العامة يحق له أن يعرض الترابط ليس بين كل أجزاء هذا الكون المادي المحسوس فحسب، بل بين كل أجزاء الكون (الطبيعة وما فوقها) ليكون الكون كله مرتبطا تمام الارتباط فيما بينه في نفسه وبالله خالقه العظيم، وهذا التصور الشامل ينسجم تمام الانسجام مع تطلعات الفطرة الإنسانية ومع المنطق الموحد الذي يثبته الإسلام وتهدي إليه الفطرة الإنسانية.

стр. 4784

بين الكون والله: يردد المسلم في مطلع كل أمر يقوم به، وفي مطلع كل سورة يتبرك بقراءتها عبارة جميلة رائعة المدلول هي عبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) ولئن كان متعلق الجار والمجرور فيها محذوفا، فإنه يشكل تعبيرا حيا عن إطلاق المتعلق، وهو يعني أن كل شيء على الإطلاق قائم باسمه تعالى ومتعلق به ومرتبط به ارتباطا وثيقا، بل وجود كل الكائنات لا يتجاوز كونه وجودا تعليقا. أي هو التعلق والارتباط بعينه إذ هو لا شيء مع زوال الارتباط.. ولئن جاء الوصفان الرائعان (الرحمن الرحيم) فلكي يعبرا عن إطار صدور كل الكائنات وانبثاقها منه وباسمه ضمن إطار الحركة الإلهية التي وضعت كل شيء. وهذا الإطلاق في القدرة والرحمة والخلق والقيمومة تعرضه لنا آيات قرآنية كريمة. منها قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ . (١) ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . (٢) . ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . (٣) ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ . (٤) الترابط بين عالم الغيب وعالم الشهادة: إن الإسلام ركز في خلد المسلم هذا الترابط بأساليب مختلفة، فالمسلم يعتقد بأن القوانين المؤثرة في الكون لا تختص بالقوانين المادية أبدا. فالاستغفار والتوبة وصلة الرحم والصدقة واتباع الحق والإيمان كل ذلك مؤثر في عالم الطبيعة تمام التأثير. يقول هود ﵊ مخاطبا قومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ . (٥)

стр. 4785

وبنفس هذا المضمون يخاطب نوح قومه. وعلى هذا الإسلام يقوم جزء واسع من التشريع الإسلامي. ولا ننسى أن نشير إلى أن أعظم ترابط واقعي حياتي يندرج في هذا الإطار وهو الترابط بين عالم الدنيا وعالم الآخرة إلى الحد الذي يعين الأول طبيعة الثاني تماما. بين المخلوقات أنفسها: وعلى أساس من ذلك الارتباط القويم للمخلوقات بالله تعالى قام الارتباط التبعي بين الموجودات كلها.. فهي كلها مسخرة بأمره. وهي كلها تسبحه تعالى من موجودات شاعرة وغيرها. ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . (١) ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ . (٢) ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . (٣) والشيء الرائع في التصور الإسلامي لهذا الترابط هو هذا التسخير الكامل لصالح الإنسان باعتباره الموجود الأروع والقابل لأن يكون خليفة الله في الأرض، وليكون الهدف الأسمى الذي سخرت له الموجودات لكي يواصل مسيرته نحو الكمال. وهذه الحقيقة واضحة في الآيات التالية: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ . (٤) ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ . (٥) ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ . (٦) ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ . (٧)

стр. 4786

وعلى ضوء هذا التسخير الطبيعي لصالح الإنسان تنقلب نظرته للطبيعة من عدو يبغي الصراع معه وانتزاع القوت منه انتزاعا إلى عملية استئناس بها وقيام على إعمارها وإحيائها يؤطر ذلك حب طبيعي عبر عنه النبي ﷺ عند رجوعه من غزوة تبوك وأشرف على المدينة فقال: ((هذه طابة، وهذا جبل أحد، يحبنا ونحبه)) (سفينة البحار) بين أبناء الإنسانية: وهنا تقوم الروابط على أسس قويمة من وحدة المنطلق، ووحدة الشعور الواعي، ووحدة الهدف. فالكل خلق الله، والكل من نفس واحدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ . (١) . والكل يمثلون الموجود المكرم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ . (٢) . وما كان هذا الاختلاف بين الطوائف الإنسانية إلا للتعارف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ . (٣) . فلا مسوغ لأي تعال عنصري لوني أو جنسي أو مكاني أو نسبي أو غير ذلك ما دامت تلك الوحدة قائمة، بل المجال الوحيد للتفاضل هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . (٤) . وهكذا تقوم وحدة إنسانية كبرى تؤسسها هذه النظرة الأخوية الشاملة، وتعبر عنها آيات كريمة. منها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . (٥) وعلى هذا الأساس جاءت التعليمات السامية ومنها ما في هذه الآية المباركة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . (٦) والآية المباركة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . (٧) . ومن هنا يكتب الإمام أمير المؤمنين علي ﵇ إلى عامله على مصر الأشتر النخعي قائلا له: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق..) (نهج البلاغة ص ٤٢٧) .

стр. 4787

الروابط الداخيلة: وإذا تجاوزنا الروابط العامة بين أبناء الإنسانية نصل إلى مراحل أخرى للترابط هي أضيق من سابقته: كالترابط الوثيق القائم بين الرجل والمرأة من حيث وحدة الأصل، ومن حيث وحدة القدر عند الله، وتكافؤ الفرص في العمل في سبيل التكامل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ . (١) . ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ . (٢) ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ . (٣) . وكذلك الترابط القائم بين الآباء والأبناء وغير ذلك. أما الترابط بين أبناء العقيدة الواحدة فهو ترابط وثيق سنتحدث عنه في القسم الثالث من هذا البحث إن شاء الله. ب- الترابط بين مكونات الإسلام: استعرضنا مظاهر الترابط العام في تصور الإنسان المسلم بين موجودات الكون وها نحن نتعرض باختصار إلى الترابط الداخلي في الإسلام (أي بين جوانبه المختلفة) وإن من يدرس الإسلام بعمق ثم يلقي نظرة تجريدية عليه يجد أن الإسلام تصميم هندسي متكامل، يرتبط كل جزء فيه بالجزء الآخر، ويحتل كل عضو فيه محله الطبيعي، ولا يستطيع أي جانب أن يؤدي دوره المطلوب على الوجه الأكمل إلا في ظل الصيغة العامة للكل. وتشكل العقيدة الأساس الرصين الذي يشع روحا في كل الأبنية الفوقية، والتمهيد اللازم للأرضية الصالحة تماما للأشكال العلوية؛ ذلك أن العقيدة الإسلامية تبتني عليها طائفة كبيرة من التصورات الإسلامية عن مختلف الشؤون الحياتية تدعى (المفاهيم الإسلامية) وهي بدورها تشكل أساسا لمجموعة من العواطف الإسلامية. ويمثل الشهيد آية الله الصدر لهذا الترابط فيقول: (ففي ظل عقيدة التوحيد ينشأ المفهوم الإسلامي عن التقوى القائل: إن التقوى هي ميزان الكرامة والتفاضل بين أفراد الإنسان، وتتولد عن هذا المفهوم عاطفة إسلامية بالنسبة للتقوى والمتقين وهي عاطفة الإجلال والاحترام) (اقتصادنا ج ١ ص ٢٧١) . وكذلك يمكننا أن نقيم مختلف فروع الأخلاقية الإسلامية على أسس تصورية تنشأ في ظل العقيدة الإسلامية. فالتضحية مثلا يمكن أن تبنى على أساس مفهوم الجزاء الأوفي المبني على عقيدة المعاد وهكذا. ولكن العقيدة والمفاهيم والأخلاق تشكل كلها الأرضية الصالحة للمذهب الاجتماعي الإسلامي في الحياة.

стр. 4788

أمثلة من الترابط بين المكونات: وها نحن نذكر بعض أوجه الترابط - على نحو الإجمال: ١- الارتباط بين النظام السياسي ودور الحاكم الشرعي (الإمام المعصوم أو الولي الفقيه) ، وبين التشريع الاقتصادي وذلك لكي يقوم بملء منطقة الفراغ المتروكة له على ضوء الظروف المتطورة ووفق القواعد العامة، وكذلك الارتباط بينهما وبين النظام الجنائي والسياسة المالية للدولة. ٢- ارتباط النظام الاقتصادي بمجموعة من العواطف التي يصوغها الإسلام في نظامه الأخلاقي: كعاطفة الأخوة العامة. ٣- ارتباط مختلف المذاهب الاجتماعية بالعقيدة الإسلامية وتأثيرها الكبير في تنفيذ تلك التشريعات والالتزام بها. ٤- ارتباط إلغاء الربا وأحكام الإسلام الأخرى في المضاربة والتكافل العام والتوازن الاجتماعي. وغير ذلك. ج- الترابط بين قطاعات الأمة المسلمة وأفرادها: وانطلاقا من واقعية الإسلام التي رأى فيها أن النظم المتعددة لن تستطيع أن تقود الإنسانية إلى هدفها الكمالي المنشود، وأن التعدد الشعوري والتعدد في المقاييس لن يستطيعا مطلقا أن ينسجما مع الهدف الواحد الذي أراده الله للإنسان وإلا فالحروب متوقعة، والمصالح متحكمة، ولا مخلص ولا مناص، وانعكاسا لذلك الترابط العام في التصور والتشريع فقد دعا الإسلام إلى تكوين الأمة المسلمة الواحدة التي يفترض فيها أن تضم كل الأرض وتوجه كل الأرض (ليكون الدين كله لله) ، فهي الأمة النموذجية قبل الانتصار الكامل، وهي واسطة العقد الاجتماعي وهي الشاهد على كل الأمم وبعد الانتصار هي الأمة المسلمة التي تعمل على أن تصل إلى أكمل الدرجات من خلال تطبيق تعاليم الإسلام الخالد. وعلى هذا كان الترابط الحقيقي هو المقوم التالي من مقومات الأمة الإسلامية بعد الإيمان العميق النافذ إلى المشاعر. فإذا فقدت الأمة إيمانها النافذ، فقدت شخصيتها، وكذلك إذا فقدت ترابطها، فقدت شخصيتها المميزة لها والتي عملت في فترة التطبيق الإسلامي الأول على إذابة كل الفروق المصطنعة بين المسلمين، وشدتهم إلى بعضهم حتى أعطتهم صفة الأخوة في الله تعالى، وهي أروع صفة تعبر عن الشد القوي في إطار الله، وكذلك أعطتهم صفة الأعضاء في جسد واحد من حيث اشتراك كل المكونات في القيام بالوظائف المطلوبة لتحقيق الهدف العام وذلك بتناسق وتخطيط دقيق.

стр. 4789

المبحث الثاني المظاهر العامة لتركيز هذا الارتباط في ذهنية الأمة ويمكننا أن ننتظم هذه المظاهر في خطوط عامة هي: الترابط الشعوري: فقد عمل الإسلام على الصعيدين النظري والعملي على خلق ترابط إحساسي بين كل أفراد المسلمين، بحيث يشعر كل مسلم بآلام الآخرين من أبناء أمته، ويفرح لفرحهم، ويهتم لحل مشاكلهم ويعتبرها من مشاكله بالصميم. فعلى الصعيد النظري جاءت الروايات الكثيرة التي تؤكد على أن هذا الشعور هو شرط الإسلام الحقيقي وأن الذي لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، وأن المسلم عليه أن يتفاعل شعوريا مع المسلمين: فيسلم على عباد الله الصالحين، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. إلى غير ذلك مما لا مجال لعرضه مفصلا. هذا على الصعيد النظري أما على الصعيد العملي فقد وجدنا الرسول الأعظم ﷺ ، والقادة من أهل البيت الكرام ﵈، والصحابة المنتجبين، يقدمون أروع الأمثلة على هذا الترابط الشعوري، وكل سيرة النبي ﷺ مصداق لذلك فلا نحتاج إلى عرض الأمثلة. الترابط عبر المقاييس الواحدة: وواضح أن المقياس عندما يتوحد فإنه يوحد ظروف تطبيقه، وما ضاعت الأمم وما تفرقت إلا لأنها اختلفت مقاييسها التي بها تتبين طريقها، وعليها تبني خطواتها ... وإذا رجعنا إلى المقاييس المادية وجدناها مقاييس متفرقة بطبيعتها فسواء أكان المقياس هو المصلحة المادية، أو التوفرات العنصرية.. أو المؤهلات الطبقية وما إلى ذلك من مقاييس مادية. فإن من الطبيعي أن تختلف المصالح الضيقة، أو المؤهلات العنصرية والطبقية وغير ذلك، وحينذاك فالناتج هو الصراع الدموي العنيف والهلاك، أما لو رجعنا إلى مقياس الإسلام الثابت لوجدناه المقياس الوحيد الذي يستطيع أن ينفي كل ذلك وذلك هو رضا الله تعالى ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ . (١) نعم أكبر من كل مقياس، والحاكم على كل شيء وغيره، ورضا الله تعالى يمكن في اتباع شريعته الموحدة، والسير على الحق والعدل وفق تصورات الإسلام لهما. والآن لنتصور الإنسانية وهي تضع هذا المقياس نصب عينيها ثم لنلاحظ هذه المآسي التي نشاهدها اليوم. إن هذا المقياس كما ينظم تطبيق الإسلام وسيرة الأمة القانونية يحرك المناقبية العامة ويصبها في قالب منسجم مع ذلك التطبيق. وذلك ما يعبر عنه بـ (الحب في الله والبغض في الله) .

стр. 4790

وهكذا تقوم كل المقاييس في حياة الأمة المسلمة على ذلك المقياس مما يخلق ترابطا تذوب عنده كل أنواع الترابط الكاذب سواء كانت تلك الأنواع روابط قومية أو عنصرية أو مصلحية أو جغرافية أو غير ذلك.. ومن العجب العجاب بل من المنطقي إلى حد بعيد أننا لاحظنا أن تلك المقاييس خلقت في المجتمع الإنساني اليوم نزعة اللا انتماء إلى أي مقاييس اللهم إلا إلى مقياس (اللا مقياس واللا انتماء) فقط. الترابط عبر العبادات: العبادات مظهر جميل أخاذ من مظاهر الارتباط بين الله والعبد. وبين العباد أنفسهم. فهي إلى جنب ربطها الفرد والمجتمع بالله تعالى، وإلى جنب تأثيراتها النفسية الكبرى، تؤثر الارتباط والشعور بالوحدة. فالمسلم أينما كان يقف في أوقات واحدة نسبيا، وفي جماعة حسية تعبر عن المجمع العالمي للمسلمين وتجسده، ويقوم بأعمال تربي فيه الخشوع والخضوع والعقيدة النافذة والترابط بعدها، ويتجه مع إخوته جميعا إلى قبلة واحدة، ويردد نشيدا مقدسا واحدا يسبح به الله تعالى ويحمده، إلى غير ذلك. وهكذا يبدو لنا نوع رائع من أنواع الترابط، بل أروع نموذج تتصوره الإنسانية للترابط في عملية الحج الكبرى بما لا يحتاج إلى كثير شرح وتفصيل، إلا أننا نشير هنا إلى وحدة المركز الذي يطوف حوله الحجاج كتعبير إيجابي عن لزوم جعل هذا المركز مطاف الحياة كلها، والعمل على أن يكون مطاف الأرض كلها بما يجسده من تعبيرات مقدسة، في حين يقف المسلمون في مكان آخر ليرموا رمز الشر المتمثل في الجمرات المتعددة إشارة إلى خطوات الشيطان وسبله المختلفة.

стр. 4791

الترابط عبر الحقوق المشتركة: زخرت كتب الروايات بالأخبار الكثيرة المتواترة إما لفظا وإما معنى بحقوق المسلم على المسلم، وهي لو روعيت تمام المراعاة لعادت على المسلمين بروابط قوية لا يمكن أن يفصمها فاصم. وقد ذكر صاحب كتاب (الأخلاق) (السيد عبد الله شبر رحمه الله تعالى) هذه الحقوق مستمدا إياها من النصوص الشرعية وهي: ١-أن يحب للكافة ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه. ٢-أن لا يؤذي أحدا من المسلمين بقول أو فعل. قال ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) . ٣-أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه. ٤- أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض. ٥- أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه أكثر من ثلاثة أيام مهما غضب عليه. قال ﷺ : ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) . ٦- أن يحسن إلى كل من قدر منهم إن استطاع. ٧- أن لا يدخل على أحد إلا بإذنه. ٨- أن يخالط الجميع بخلق حسن، ويعاملهم بحسن طريقته ٩-أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان. قال ﷺ : ((ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)) . ١٠- أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رقيقا. ١١- أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به. وهكذا يصل بها إلى ستة وعشرين حقا وهي في الحقيقة بعض الحقوق. ترى لو أن المسلمين جميعا طبقوا هذه الحقوق فهل يصلون إلى ما هم عليه اليوم؟

стр. 4792

الترابط في المجال الاقتصادي: والدارس للاقتصاد الإسلامي المذهبي يجد بوضوح أن هذا المذهب يشكل دعامة كبرى من دعائم الترابط العام بين كل القطاعات المسلمة. وها نحن نشير إلى ظاهرتين في هذا المجال كمثال يوضح ما نقول. أ - ظاهرة الملكية العامة: فالاقتصاد الرأسمالي إذا كان يعتبر الملكية الخاصة هي الأصل والملكية العامة الاستثناء، والاقتصاد الماركسي يعتبر الأمر على العكس، فإن المذهب الاقتصادي الإسلامي يتميز بأنه يقول بالملكية المزدوجة العامة والخاصة ولكل منهما مساحتها الخاصة بها وملكية الأمة هي جزء مهم من الملكية العامة في الإسلام حيث إن الأرض التي تفتح عنوة بالجهاد تكون ملكا للمسلمين جميعا - على الرأي الأشهر- من هو حاضر ومن سيولد بعد دون أن تورث. فالمسلمون على هذا الأساس شركاء في ملكية الكثير من الأراضي، وإليهم وإلى مصالحهم يعود ريع تلك الأرض. ب - ظاهرة التكافل الاجتماعي: وهي المبدأ الذي يفرض فيه الإسلام على المسلمين فرضا كفائيا كفالة بعضهم البعض. ففي حديث عن الإمام الصادق (ع) (أيما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه - من عنده أو من غيره - أقامه الله يوم القيامة مسودا وجهه مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يؤمر به إلى النار) . هذا وإن هذه الروح لتشع في كل جوانب التشريعات الاجتماعية الأخرى في الإسلام.

стр. 4793

الترابط عبر المسؤولية المتبادلة لتطبيق أحكام الله تعالى: ونعني بذلك مضمون ما ورد من أحاديث تؤكد على عاملي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وأن بهما قوام الأمة وبقائها. وكذلك الأحاديث المباركة التي تؤكد على عموم المسؤولية الاجتماعية من قبيل: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) وغير ذلك فإنها تجعل كل مسلم على في أي أرض كان، وبأي مستوى كان مسؤولا عن كل ما يقع من انحراف، وكل توانٍ في المسيرة الإسلامية الصاعدة. فعليه أن يواصل الدفع من جهة، ويرفع العقبات التي أمامها من جهة أخرى. وفي ختام هذا الفصل لا بد لنا من أن ننصت إلى كلام الله الحكيم وهو يخاطب المسلمين جميعا بعبارة (يا أيها الذين آمنوا) ويمنحهم التصور المطلوب عبر لفظ واحد للجميع فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ . (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ . (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . (٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ . (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ . (٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ . (٦) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ . (٧) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ . (٨) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ . (٩) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ . (١٠) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ . (١١) وهكذا يصف القرآن الأمة المسلمة بالصفات العامة: فهي الأمة الخليفة، والوسط والشاهدة، والمسلمة لله تعالى، والشديدة على الكفار، والرحيمة فيما بينها، والكريمة غير المهانة، والمنفقة، والمتقية، وغير المتشبهة بالكفار، والصابرة المرابطة القائمة بالقسط، والمعادية للكفار، والمقيمة لشعائر الله، والمجتنبة للخمر والميسر، وغير الخائنة، والراكعة الساجدة، والعابدة ربها الذاكرة له، وهكذا تتوالى هذه الأوصاف لتحدد معالم هذه الأمة، وتنتهي بها إلى موقف موحد تماما، وتجعلها (خير البرية) .

стр. 4794

مجالات الوحدة الإسلامية مجالات الوحدة الإسلامية: يمكننا أن نتصور المجالات التالية للوحدة الإسلامية: ١- المجال العقائدي. ٢- المجال التشريعي. ٣- الموقف السياسي. أما المجال العقائدي: فمن الضروري والأولى قبل كل شيء أن تتذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ . (١) . فهذه الآية الكريمة تدعو للبحث عن نقاط الالتقاء مع أهل الكتاب وهي بكل وضوح وأولوية تدعو لتأكيد المسلمين على نقاط الالتقاء العقائدية ثم العمل على تجليتها وتوضيحها بروح كلها موضوعية وإخلاص للعقيدة، ثم التحرك إلى نقاط الاختلاف وتسرية تلك الروح الموضوعية إليها فإذا تم الوفاق فنعمت النتيجة وإلا عذر كل منا الآخر فيما اقتنع به. ومن الجدير بالذكر هنا أن هناك أصولا عقائدية لا تسامح فيها وهي تشكل الحدود الفاصلة بين العقيدة الإسلامية والأخرى اللا إسلامية فيجب أن تتوضح تماما وتقاس عليها كل الأقوال. بعد هذا نقول: إن المساحة العقائدية المشتركة بين الفرق الإسلامية واسعة واسعة بحيث لا نلمح الاختلاف إلا لماما، ولا نراه إلا متواريا خلف تلك المساحة الواسعة. ولا ننسى هنا أن نقول: إن الاتفاق على الأصول العقائدية الرئيسية (التوحيد، النبوة، المعاد) أدى إلى وحدة رائعة في المسلمين إلى الحياة، وتكون مفاهيم مشتركة للإنسان والحياة والتاريخ، بل وتركت هذه النظرات العامة أثرها الجيد على الاتجاهات التشريعية الفقهية المخططة للحياة على ضوء المصادر الإسلامية الأصيلة.

стр. 4795

ثانيا المجال التشريعي: ورغم أن احتمالات الاختلاف كثيرة في المجال الفقهي إلا أن الاحتياطات التي اتخذتها الشريعة سواء في تعيين المنابع الأصيلة بالكتاب الكريم والسنة الشريفة أو في تحديد أصول الاستفادة من هذه المنابع، هذه الاحتياطات لم تترك مجالا واسعا للاختلاف رغم كونه طبيعيا في موارد كثيرة نتيجة وجود أسبابه التي يذكرها علم الأصول المقارن. ومن هنا نجد أن المساحة الفقهية المشتركة تتجاوز أعلى حد متصور مما يمكن معه القول: إن التحديدات التشريعية الأصلية وتفريعاتها المهمة مشتركة بين المسلمين وهذا لا يتنافي مع وجود الاختلاف في الآراء الفرعية جدا فهي أمور لا مناص منها ولا يعني مفهوم الوحدة الإسلامية أن تتطابق كل الآراء فلا تجد فيها اختلافا. ثالثا: الموقف السياسي العملي: وهذا هو المجال الوحيد الذي يجب أن تتحد فيه الخطى والخطط فليس من الصحيح أن يتم اختلاف بين الأساليب التخطيطية لإدارة المسلمين بما يؤدي لصراع وتنافر، وليس من الصحيح أن لا تتحد المواقف في مواجهة العدو الكافر، وليس من الصحيح أن يئن جناح ويفرح آخر ويجوع البعض ويشبع الآخرون، ويموت شعب ويترف آخر. سبل الاستفادة من هذه المجالات: يجب أولا تعيين الهدف لكي نشخص سبل الاستفادة من هذه المجالات والهدف النهائي هو تعبيد الأرض لله تعالى ونشر الإسلام على كل ربوع الحياة لتعبد الأرض ربها آمنة مطمئنة لا تشرك به شيئا، أما الهدف المرحلي فهو استرجاع الأمة الإسلامية لخصائصها العامة لتكون بذلك خير أمة أخرجت للناس، والأمة الشاهدة على الناس، والتي تشكل طليعة حضارية للأمم.

стр. 4796

وهذا الهدف لن يتم إلا إذا انتشر الوعي العقائدي، والتشريعي والسياسي بين المسلمين إلى الحد الذي يجمعهم حول المساحات المشتركة صفا واحدا كأنه بنيان مرصوص، كما أنه لن يتم ما لم يصر المجتمع على تطبيق الإسلام على كل نواحي الحياة فترى القرآن فينظمها خير تنظيم وترى الخلق الإسلامي يتحكم في العلائق الاجتماعية، ومن الطبيعي أن يتم السير المنسجم نحو العلوم الطبيعية واكتشاف أفضل سبل الحياة السعيدة والوصول إلى مستوى القوة في كل هذه المجالات. وهنا نذكر بواجب الفقهاء وهم ورثة الأنبياء في أن يقودوا الحياة الاجتماعية نحو هذه المعاني الخيرة. والله الموفق. محمد علي التسخيري

стр. 4797

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مجالات الوحدة الإسلامية الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. في موضوع الوحدة الإسلامية وسبل الاستفادة منها أرجو من الأستاذ مصطفي الفيلالى أن يتفضل بعرض موجز عن هذا الموضوع. الشيخ مصطفي الفيلالي: سيدي الرئيس.. حضرات الإخوة الأفاضل: لا أريد أن أشق عليكم في خاتمة هذه السلسلة الطيبة من اللقاءات والاجتماعات التي استرسل فيها بحثنا لمختلف القضايا المدرجة بجدول الأعمال، ولكني أريد في عجالة أن أستخلص من هذه الأعمال ومن هذه المناقشات كلها ملاحظة أساسية أراها خير تمهيد لما نحن بصدده الآن في خاتمة هذه الجلسات وهذه الملاحظة تتعلق بالأغراض التي قضينا فيها هذه الأيام الأربعة الطيبة. فلقد كانت هذه الأغراض الطبية والمالية والاقتصادية والقانونية والأخلاقية بمثابة المجالات الطيبة التي تلتقي فيها عزائم النخبة من أبناء الأمة الإسلامية لبناء مجتمع إسلامي يكون خير المستجيب لقاعدة وحدة الإيمان التي مَنَّ الله بها علينا في مشارق الأرض ومغاربها. فإنما هذه المباحث كلها هي مطلب على مستوى الحياة وعلى مستوى المعاملات الدنيوية لكي نؤكد وحدتنا الإيمانية ونعززها بوحدة قومية أو بوحدة أمية بوحدة أمة كاملة تتعاون على البر والتقوى ولا تتعاون على الإثم والعدوان. وإذا نحن كما أبان ذلك السيد سماحة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي قبل هذه الجلسة إذا نحن اعتمدنا الواقع وانطلقنا من هذا الواقع ما الذي نلحظه؟ نلحظ أن المجتمع الإسلامي هو جزء من المجتمع المعاصر من محيط المجتمع البشري كافة وأن هذا المجتمع الإسلامي هو وإياه المجتمع المعاصر على ظهر سفينة واحدة بيننا وبين المجتمع المعاصر ضروب من التشارك في الحال والاستقبال وما يمكن أن نسميه أو نطلق عليه التضامن الموضوعي.

стр. 4798

فالمجتمع المعاصر بقسميه المصنع والمتخلف أو النامي يشكل اليوم كما هو معلوم تكتلات وأحلافا قائمة في ميادين شتى بين الشعوب المتجاورة جغرافيا في ميدان المنعة والأمن الوطني مما يشكل أحلافا عسكرية، حلف أطلس أو حلف فارسوفيا في ميدان كفاءة التفاوض أو الوزن السياسي ولنا كتلة غربية منضوية تحت زعامة الولايات المتحدة الأمريكية تشابهها أو تقابلها في الجانب الشرقي كتلة أخرى بزعامة موسكو وتكاد أن تخرج أو أن تبرز في العالم اليوم كتلة صفراء بزعامة طوكيو أو بكين. هذه الكتل تعززها من جانب آخر تكتلات اقتصادية تحاول في ميدان الكفاءة الاقتصادية أن تبني وحدة أو مجموعة تضامن مثل التي نتفاوض معها ونتعامل معها في أوروبا وهي السوق الأوروبية المشتركة أو مثل التي أنشأها الاتحاد السوفيتي من حوله في أوروبا الشرقية وتضم تسع دول وتعرف باسم الكومكن. هذا في العالم المصنع. أما في العالم الثالث أو ما يعرف بالعالم الثالث فهناك مجموعات بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل في أفريقيا الغربية في أمريكا الجنوبية في آسيا الجنوبية الشرقية إلى غير ذلك. وإنما دعي إلى هذه التكتلات بين الدول المتجاورة والدول المتجانسة في الأهداف أو في الأوضاع الاقتصادية بعض قوانين يعلمها رجال الاقتصاد خير علم وهو أن كل المشاريع الاقتصادية اليوم وخاصة في الميدان الصناعي لها عتبة جدوى أي القدر الأدنى الذي يضمن الجدوى لهذه المشاريع وهو أن تكون لهذه المشاريع سوق لا يقل عدد المستهلكين فيه على ١٥٠ مليون مما يشكل عدد العالم العربي بأسره. هذا هو المجتمع الذي نحن فيه فما هي السمات الكبرى في محيط المجتمع الإسلامي ذاته؟ نحن نعلم أن لنا في هذا المجتمع الإسلامي سمات تتوزع وتتفرق تغلبت فيها الخصوصيات الجغرافية والاقتصادية فتفرقت الأقطار بين عدد من السيادات الوطنية وبين عدد من عدد الانتماءات اللغوية والانتسابات العرقية وترابطت هذه الدول أو هذه الشعوب بارتباطات عسكرية واقتصادية ومالية مختلفة مع جهات مختلفة. وهذه المجموعات نعلم أن المجموعة الآسيوية تساوي تقريبا ثلثي في عددها مجموع سكان العالم الإسلامي. وأما المجموعة العربية وهي المجموعة الثانية في الأهمية من حيث العدد فهي تساوي الربع، والمجموعة الأفريقية لا تكاد تزيد على العشر، إلى جانب الأقليات المسلمة المتعددة والمتواجدة خاصة في آسيا وفي أوروبا وفي أمريكا. إلا أن بين هذه المجموعات وبين هذه الأصناف من الشعوب الإسلامية عددا من السمات المشتركة، أولا في الميدان السلبي ثم في الميدان الإيجابي.

стр. 4799

ففي الميدان السلبي هناك تبعية أو تبعيات متعددة تخضع لها وترزح تحت نيلها الدول والشعوب الإسلامية تبعيات للدول المصنعة في مقدمتها تبعية علمية فكرية. المراجع الفكرية وأنماط التنمية إلى غير ذلك كلها أو معظمها وارد ومقتبس من الأنماط الغربية. تبعية تكنولوجية نحن نعلم أوزارها ووزرها وثقلها، على حياتنا في مختلف ميادين الحياة. تبعية مالية فيما يتعلق بالاستثمار وتتضح بصفة جلية في مستوى المديونية التي تتحمل أعباءها الشعوب الإسلامية اليوم وهي معروفة غنية عن البيان. وتبعية حربية عسكرية إلى عدد من الانتماءات والأحلاف. لكن أفظع هذه التبعيات وأكثرها شأنا أو أعظمها شأنا وخطرا على حياتنا هي التبعية الغذائية لأن الشعوب الإسلامية هي اليوم في حالة بعيدة عن الكفاية الغذائية وتستورد أكثر من نصف حاجياتها من الغذاء وتنفق في ذلك أكثر من ٦٠ % من مواردها وخاصة هذه الموارد بالعملة الصعبة. أختزن بعض الأرقام لتثبيت هذه الحقائق التي نعيشها وهي ذات دلالة على السمات السلبية المشتركة. فالأمية هي ظاهرة تتضح في أوطاننا جميعا وتزيد نسبتها على أكثر من ٦٠ % أدناها ٢٧ % وأقصاها ٩٣ %. الإنفاق على التربية الوطنية وعلى التعليم بالنسبة للناتج الإجمالي الداخلي لا يزيد عن ٢.٥ % بينما يبلغ ٨ % في الدول المصنعة وبعض دول العالم الثالث لا يزيد إنفاقنا على البحث العلمي الذي هو أساس في تقدمنا على ٠.٢ % بينما يبلغ الإنفاق على البحث العلمي ٤ % في الدول المصنعة وطالبت المنظمات العالمية أن نخصص١.٥ % من الناتج الإجمالي للبحث العلمي ونحن بعيدون كل البعد عن هذه الأرقام. عدد ما ينشر من الكتب في عالمنا الإسلامي بأسره أقل من عشر ما ينشر في السوق الأوروبية المشتركة بالدول التسعة أو العشرة أو الإثنى عشرة التي تعدها أو أقل ما ينشر في دولة واحدة كاليابان مع أن عدد سكان اليابان يمثل العشر من عدد سكان العالم الإسلامي.

стр. 4800

أما في الميدان الاجتماعي فالبطالة هي الظاهرة أو السمة الكبرى التي ترزح تحتها أوطاننا وشعوبنا فثلث من الذكور يرزح في البطالة والثلثان من الإناث يتحملون أوزار البطالة. عدد الأطباء: لنا معدل طبيب واحد، معدلات عامة عن كل خمسة آلاف ساكن في العالم الإسلامي في حين أن العالم المتمدن يعد ٦ أطباء على الأقل عن كل ١٠٠٠ ساكن أي أن هناك طبيب واحد أو أكثر من طبيب واحد عن ١٨٠ ساكن أي أن هناك طبيب واحد عن كل ٤٠ عائلة تقريبا. أما في الميدان الاقتصادي فالمديونية كما أسلفت تبلغ ٦٠ % من الموارد و٢٥ % مخصصة لخدمة الدين والتبعية الغذائية ذكرتها وذكرت الأرقام التي تتعلق بها. وهنالك كذلك التبعية التكنولوجية التي كثرت بشأنها الدراسات وخاصة هناك دراسات نشرها مركز دراسات الوحدة العربية وتدل على أن الشركات الإنشائية التي تقوم في الأوطان الإسلامية بإنشاء الأشغال الكبرى من مراس ومن مطارات ومن مرافق ومن طرقات ومن بناءات كبرى كالمستشفيات إلى غير ذلك نصدر معها أكثر من ٧٠ % من مواردنا بالعملة الصعبة في ميدان الدراسة وفي ميدان الإنجاز لأن الشركات الإنشائية الكبرى معظمها شركات أجنبية ولا يبقى في أوطاننا من الكلفة التي ننفقها في سبيل إنشاء ما نعهد به إليها أكثر من الثلث أو أقل من الثلث. أريد أن أذكر رقما ذا دلالة بالقياس إلى التبعية التجارية فالمغرب العربي الكبير الذي يعد أربع دول أو خمس دول يشكل ويتعامل في تجارته مع السوق الأوروبية المشتركة. وتمثل تجارة المغرب العربي جملة توريدا وتصديرا مع السوق الأوروبية المشتركة٦٥ % من مجموع المعاملات التجارية لهذه الدول في حين أن مجموعة المغرب العربي ككل بالقياس إلى السوق الأوروبية المشتركة لا يزيد وزنها عن ٢ % من المعاملات التجارية الأوروبية. هل نغفل الميدان الإعلامي وما لنا فيه من تبعية كبيرة ومن وزن بالقياس إلى خمس أو ست شركات كبرى أو وكالات كبرى للأنباء تكيف الرأي العام الإسلامي وتكيف الرأي العام الدولي، وتقدم للرأي العام الدولي الذي نتفاوض معه صورة مشوهة عن الإنسان المسلم وعن الإنسان العربي؟ كل هذه هي بعض السمات السلبية المشتركة بين البلاد الإسلامية.
следующие страницы →