← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إعادة التأمين أو التأمين المركب: إن مبدأ التعاون في التأمين يحقق بتحزئة المصائب وتوزيع نتائجها على اكبر عدد ممكن، فبقدر ما يزداد عدد المستأمنين تزداد تجزئة الأضرار وتوزيعها، فهى عملية تفتيت وتشتيت للأضرار المؤمن منها، ولهذا التشتيت وسائل كثيرة، منها ما يسمى بإعادة التأمين أو التأمين المركب، حيث تلجأ شركة التأمين نفسها إلي التأمين مما يلحقها من تعويضات لدى الشركات عالمية كبرى. وإعادة التأمين له حكم أصل التأمين، فيجوز لشركات التأمين التعاوني التأمين لدى شركات تعاونية أخرى. أما إعادة التأمين التجاري فتطبق عليه أحكام التأمين التجاري ذاته؛ فهو عقد تأمين تجاري يكون المستأمن فيه شركات التأمين بدلا من الأفراد. وضوابط الغرر المؤثر والمفسد للعقد (وهي كون الغرر في عقد معاوضة، وكونه كثيرا، وكون المعقود عليه أصالة، وألا تدعو إلي العقد حاجة) تقتضى بمنع إعادة التأمين، إلا إذا دعت إليه الحاجة المتعينة، كما ذكرت هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي في السودان في الفتوى رقم ١٦و١٧، أي هل تكون شركات التأمين في مشقة وحرج إذا لم تتعامل مع شركات إعادة التأمين؟ ترى هذه الهيئة وأؤيدها في فتواها جواز إعادة التأمين، لوجود الحاجة المتعينة كما قدر خبراء البنك، بالشروط التالية التي سموها بالملحوظات والتحفظات: ١- أن يقلل ما يدفع لشركة اعادة التأمين إلي أدني حد ممكن (وهو القدر الذي يزيل الحاجة) عملا بقاعدة الحاجة تقدر بقدرها. وتقدير ما يزيل الحاجة متروك لخبراء البنك. ٢- ألا تتقاضي شركة التأمين التعاوني عمولة أرباح، ولا أية عمولة أخرى من شركة إعادة التأمين. ٣- ألا تحتفظ شركة التأمين التعاوني بأي احتياطات عن الأخطار السماوية، لأن حفظها يترتب عليه دفع فائدة ربوية لشركة إعادة التأمين. ٤- ألا تدخل شركة التأمين التعاوني في طريقة استثمار شركة إعادة التأمين لأقساط إعادة التأمين المدفوعة لها، وألا تطالب بنصيب في عائد استثماراتها، وألا تسأل عن الخسارة التي تتعرض لها.

стр. 492

٥- أن يكون الاتفاق مع شركة إعادة التأمين لأقصر مدة ممكنة. ٦- أن تعمل شركة التأمين التعاوني على إنشاء شركة إعادة تأمين تعاوني، تغنيه عن التعامل مع شركات إعادة التأمين التجاري. هذا ما أدين الله عليه، وما أزال أستغرب وأستهجن كلام القائلين بمشروعية التأمين التجاري، ولم أجد حاجة لتفنيد أدلتهم، فقد كثر الرد عليها في المجالات والمؤلفات والبحوث والمؤتمرات، بدءا من أسبوع الفقه الإسلامي بدمشق من ١ إلي ٦ نيسان ١٩٦١، وانتهاء بقرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولي المنعقدة في ١٠ شعبان ١٣٩٨ هـ بمكة المكرمة، بمقر رابطة العالم الإسلامي، ومن أراد الطمأنينة القلبية لحرمة التأمين، وإبطال حجج القائلين بالجواز، فليرجع إلي بحوث الأسبوع المذكور في دمشق، وإلى قرار مجمع الفقه بمكة المكرمة، والله يهدينا سواء السبيل.

стр. 493

التأمين وإعادة التأمين فضيلة الشيخ رجب التميمى عقد التأمين – حكمه بنوعيه التجاري والتامين على الحياة عقد التأمين من العقود التي لا يوجد لها أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية ولم يبحثه الفقهاء المسلمون المتقدمون لأن نظام التأمين نظام حديث نقل إلينا من الغرب مع ما نقل من أنظمة وقوانين. وأول من كتب عن هذا النظام من الفقهاء المسلمين ابن عابدين ﵀ فقد ذكر ابن عابدين في كتاب المستأمن من كتاب الجهاد أحكام التجار الأجانب الذين يدخلون دار الإسلام مستأمنين فذكر ما يلي: جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربى يدفعون له أجرته ويدفعون له أيضا مالا معلوما لرجل منهم يقيم في بلاده يسمى ذلك مال (سوكره) على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان يقبض من التجار (مال السوكره) وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تماما، ثم قال ابن عابدين: والذي يظهر له انه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم. وابن عابدين بتعليله أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأنه التزام ما لا يلزم. أي أن المؤمن الذي أسماه (صاحب السوكرة) وهو المعروف الآن بشركات التأمين قد ألزم نفسه بدفع ماله تعويضا للتاجر الخاسر بأنه التزام لم يلزمه الشرع بذلك وما لا يلزم الشرع به لا يحل أخذه. وقد اعتبر ابن عابدين مسألة التأمين كالوديع أو المستعير أو المستأجر إذا اشترط عليهم في عقد هذا الإيداع أو الإعارة أو الإجارة ضمان قيمة الوديعة أو العارية أو المأجور إذا هلك قضاء وقدرا دون قصد ولا تقصير فإن هذا الضمان لا يصح كما هو في المذهب الحنفي. وابن عابدين تحدث عن التأمين البحري لأنه كان أول تأمين ظهر في البلاد الإسلامية بسبب النشاط التجاري بين الغرب والبلاد الإسلامية، وهذا ينطبق تماما على التأمين التجاري والمالي في الوقت الحاضر. وقد ذكر الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتى الديار المصرية الأسبق المتوفى سنة ١٩٣٥ ﵀ في التأمين ما يلى: إن المقرر شرعا أن ضمان الأموال إما أن يكون بطرق الكفالة أو بطريق التعدى أو الإتلاف، أما الضمان بطريق عقد الكفالة فليس متحققا هنا لأن شرطه أن يكون المكفول به وبنا صحيحا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء أو عينا مضمونة بنفسها بل يجب على المكفول عنه تسليمها بعينها للمكفول له فإن هلكت ضمن مثلها في المثليات وقيمتها في القيميات والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي كفيل.

стр. 494

وعلى ذلك لابد من كفيل يجب عليه الضمان ومن مكفول له يجب تسليم المال المضمون إليه ومكفول عنه يجب تسليم المال عليه ومن مكفول به يجب تسليمه للمكفول له وبدون ذلك لا يتحقق عقد الكفالة والتأمين لا تنطبق عليه شروط الكفالة. وأما الضمان بطريق التعدي أو لإتلاف فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وشركات التأمين لم يتعد واحد منهم على ذلك المال ولم يتلفه ولم يتعرض له بأدنى ضرر بل أن المال الهالك هلك بالقضاء والقدر ولو فرض وجود متعد أو متلف فالضمان عليه دون غيره فلا وجه حينئذ لضمان شركات التأمين من هذا الطريق أيضا. ويتبين من ذلك أن الضمان لا يجب على أحد إلا عند وجوب سبب يقتضي وجوبه شرعا ولم يوجد هنا سبب يوجب الضمان على شركات التأمين لأن هلاك المال المؤمن عليه لا يكون بتعد من شركة التأمين فلا مجال لإيجاب الضمان عليه إذا هلك المال المؤمن عليه لعدم توفر أسباب الضمان شرعا. وعلى ذلك فإن عقد التأمين عقد فاسد شرعا وذلك لأنه معلق على حظ تارة يقع وتارة لا يقع فهو قمار فلا يحل للمؤمن شرعا أن يأخذ بدل المال الهالك فهو حرام شرعا. أما التأمين على الحياة أيضا فهو حرام شرعا وهو عقد فاسد فيه مخاطرة ومقامرة وربا لأن المؤمن له قد يموت قبل إيفاء جميع الأقساط وقد يموت بعد دفع بعض الأقساط أو قسط واحد منها، وقد يكون المبلغ الباقي عظيما جدا لأن مبلغ التأمين موكل تقديره إلي طرفى العقد على ما هو معلوم فإذا أدت شركة التأمين المبلغ المتفق عليه كاملا لورثته أو لمن جعل له المؤمن له ولاية قبض ما التزمت به الشركة بعد موته ففي مقابل أي شيء دفعت الشركة هذا المبلغ؟ أليس هذا مخاطرة وقمارا؟ وإذا لم يكن هذا مقامرة ففي أي شيء تكون المقامرة. على أن المقامرة حاصلة من ناحية أخرى فإن المؤمن له بعد أن يوفى جميع ما التزمه من الأقساط فإنه يأخذ المبلغ الذي دفعه كاملا مع الأرباح الربوية أليس هذا مقامرة وربا؟ وإذا مات قبل أن يوفيها كلها يكون لورثته المبلغ المتفق عليه بين الشركة والمؤمن له. أليس هذا قمارا ومخاطرة؟ حيث لا علم له ولا للشركة بما سيكون من الأمرين على التعيين.

стр. 495

فعقد التأمين على الحياة أيضا عقد فاسد شرعا لأنه كما ذكرت عن مقامرة وربا ومخاطرة لأن تعاملها على مجهول فالمؤمن يدفع المبلغ المتفق عليه بعد موت المؤمن له لورثته والمؤمن له يكون له ما دفعه من الأرباح الربوية أن أدى جميع الأقساط وإن مات قبل أن يوفيها تدفع الشركة المبلغ المؤمن عليه لورثته. فالأمر الأول مخاطرة وقمار وربا، والأمر الثاني مخاطرة وقمار. فعقد التأمين بنوعيه: التأمين المالي التجاري والتأمين على الحياة من العقود الاحتمالية لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين أو أحدهما وقت إبرام عقد التأمين معرفة مدى ما يأخذ أو ما يعطي ولا يعرف إلا في المستقبل نتيجة لأمر غير محقق الحصول أصلا ولا يعرف وقت حصوله أن حصل. فعقد التأمين عقد غرر والمصادفة تلعب دورها في التزام كل من المؤمن والمؤمن له لجهالة وقوع الخطر وتاريخه فكلا الطرفين معرض للربح والخسارة على أساس احتمالي وعلى غير نسبة معقولة فهو عقد غرر. وهذا الغرر كثير وفاحش والغرر الكثير يكون مفسدا للعقد. على أن عقد التأمين كثيرا ما يؤدي إلي النزاع لأن الغالب عندما تحصل الحادثة فإن المؤمن يتهم المؤمن له عن أسبابها وافتعالها لكي يحصل على المبلغ المؤمن له ومن الحوادث التي أدت إلي النزاع ما ذكرته جريدة الجمهورية القاهرية في عددها الصادر يوم الأحد ٢٤ من يناير ١٩٦٠ من أن البوليس الأمريكي قبض على الدكتور روبرت سيرص ٦٥ سنة وكان الاعتقاد السائد أنه قتل منذ شهرين في حادث طائرة. كان الطبيب قد حجر لنفسه مكانا في هذه الطائرة ولكنه أقنع في آخر لحظة صديقا له بالسفر بدلا منه. واختفى وسقطت الطائرة وقتل ركابها جميعا وعددهم ٤٢ وتبين أنه كان قد أمن على حياته بمبلغ ٣٧٧٠٠ دولار لصالح أولاده قبل سقوط الطائرة بعشرة أسابيع اتهمه البوليس بنسف الطائرة للحصول على التأمين. كيف رأيت أن عقد التأمين يؤدي إلي ارتكاب الجرائم في بعض الأحيان وأي ضرر أشد على المجتمع من هذه الضرر وسد الذرائع مقدم على جلب المصالح، على أن النزاع مستمر بين شركات التأمين والمؤمن له ومن أراد أن يتأكد من آثار هذا العقد الفاسد في النزاعات والخلاف فليطلع على سجلات المحاكم في كل مكان. لذلك كان عقد التأمين عقدا فاسدا بنوعيه والمال المأخوذ مال حرام لا يجوز أخذه شرعا. والله أسال أن يهدينا سبيل الرشاد ويوفقنا لمرضاته إنه سميع الدعاء.

стр. 496

خلاصة في التأمين الشيخ محمد علي التسخيري أنواع التأمين: للتأمين أنواع: فمنه التأمين التجاري المتداول حيث تقوم شركات التأمين بالتأمين على الحياة والمال وأمثال ذلك. ومنه التأمين التعاوني حيث تتفق مجموعة على وضع رؤوس أموالها في صندوق تعاوني مشترك لجبران الخسارة الواردة عليها. والذي وقع مورد الاعتراض هو التأمين التجاري دون التعاوني، وكذلك دون التأمين التجاري الذي تقوم به الدولة باعتبار أنه يعود بالتالي لمصلحة المجتمع. الاعتراضات التي تذكر على عقد التأمين التجاري: أولا – الغرر: إذا المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطى أو يأخذ فقد يدفع قسطا أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة. وقد نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر (رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة) . ويقاس على البيع عقود المعاوضات المالية فيؤثر الغرر فيها وقد صنفه علماء القانون في (عقود الغرر) . والخطر حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين. والغرر المفسد للعقد يشترط فيه أن يكون المعقود عليه أصالة وهذا متحقق في عقد التأمين التجاري. ويفهم من الغرر اشتماله على الجهالة في البدلين ولا قيمة لرضا أي من الطرفين لأنه مخالف لقواعد الشرع. وقد قيل أن الغرر هنا فاحش مؤد إلي النزاع. والجواب: تارة على مبنى الشيعة بعدم التعميم لاعتبار عدم الغرر لعدم صحة القياس وحينئذ فلا تبقى مشكلة مستعصية. وأخرى على مبنى التعميم من خلال القياس أو من خلال ما روي عن نهيه ﷺ عن الغرر مطلقا وحينئذ أجاب عنه.

стр. 497

١- الدكتور الزرقاء بما ملخصه: "الغرر هو الخطر والمراد به أن يكون البيع قائما على مخاطرة أشبه بالقمار والرهان بحيث تكون نتائجه ليست معاوضة محققه للطرفين بل ربحا لواحد وخسارة لآخر بحسب المصادفة وإذا نظرنا لتطبيقات النبي ﷺ للغرر من النهي عن بيع الملاقيح (ما ستنتجه إناث الإبل الأصلية) وضربة القانص (ما ستخرجه شبكة الصياد من سمك أو حيوان) وبيع الثمار على الأشجار في بداية انعقادها. كما قدر الفقهاء عدم صحة بيع الأشياء غير مقدورة التسليم كبيع طائر في الهواء هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن عنصر المقامرة والاحتمال حالة طبيعية مشروعة في التجارة والزراعة والكفالة، وهناك عقد الإحالة على المعاش قبله الفقهاء مع اشتماله على الغرر وحينئذ نستنتج أن الغرر المنهي عنه هو نوع فاحش متجاوز للحدود الطبيعية بحيث يجعل العقد كالقمار المحض وهذا لا ينطبق على التأمين. فهو عقد له غاية محدودة محققة النتيجة فور عقده. والتامين فيه عنصر احتمالي بالنسبة للمؤمن من حيث وقوع الخطر ثم أن هذا العنصر يزول بملاحظة مجموع عقود التأمين، أما المستأمن فلا خطر محتمل لديه إذ لو لم يقع الخطر واضح وإلا فالتعويض فالمعاوضة قائمة بن الأمان والأقساط ثم راح يوضح أن عنصر الاحتمال قد قبله فقهاؤنا في الكفالة فلو قال (تعامل مع فلان وما يثبت لك عليه من حقوق فأنا كفيل به "صحت الكفالة ولو صرح بالخطر" أن فلس مدينك فلان فأنا كفيله) . وعليه فمع وقوع الغرر فهو غرر غير ممنوع شرعا. وأيده في أن الغرر هنا لا يمنع الشيخ على الخفيف لأنه لا يؤدي إلي النزاع ورد عليه البعض بأنه أدى في بعض الحالات إلا أن الجواب واضح فإن المراد الحديث عن نوع الغرر هنا. ثم أكد أنه على فرض وجود الغرر الكثير فإن الحاجة قائمة فيه وأجابهم الآخر بأن التأمين التعاوني بديل لرفع الحاجة.

стр. 498

وأجابه الآخرون! فماذا تقولون في البلاد التي ليس فيها تأمين تعاوني وذكرت هنا بعض النصوص لذلك. وأجاب البعض بأن الغرر هو الجهالة والممنوع منها هو جهالة المعاملة كعدم معلومية العوض لا مطلق الجهل وإلا لشمل المزارعة والمساقاة والشركة وكذلك استئجار الأجير للخدمة في البيت مع عدم معلوميتها إذ قد لا يرد الضيف ثم قد يندفع الغرر بالمشاهدة كبيع الصوف على ظهر الغنم ويقول الإمام: أن الظاهر من النهي عن بيع الغرر هو ما كان الغرر في نفس ما تقع المبادلة عليه أي ذات الثمن وذات المبيع. (البيع ص٣٥١ ج٣) وهنا يقال: إننا نشترط شروط الإمام في ذلك. يضاف إلي ذلك. أنكم جميعا قبلتم التأمين في الشركة التعاونية والتأمين الحكومى وهو مشتمل بلا ريب على الغرر فما الفرق بينهما؟ وهذا ما قرره الدكتور الزرقاء وهو صحيح. فأما أن نقول بتحريم التعاوني أو نسوى بينه وبين التجاري. ثانيا – الربا: ويبدو أن التركيز فيه على التأمين على الحياة بافتراض أنه يدفع للشركة مالا على أن تدفع للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه فهو ربا الفضل والنسيئة وإذا دفعت المساوى فهو من ربا النسيئة أو يقال أن شركات التأمين تستثمر احتياطي أموالها بطريق الربا وأن المستأمن في التأمين على الحياة إذا بقى حيا بعد انقضاء المدة يسترد الأقساط مع فائدتها، وهذا حرام. أما الشبهة الأولي فقد دفعت من قبل الدكتور الزرقاء؛ بأن التأمين على الحياة لو كان بنحو أقساط يدفعها أحدهم على انه إذا توفى خلال مدة معينة التزمت الشركة بدفع مبلغ المعونة وإلا انتهي العقد ولا ترد الأقساط فلا شبهة ربا فيه. وهناك صورة التأمين الادخاري المختلط. ويداخل معظم صوره الربا كأن يدفع المستأمن مبلغا شهريا أو سنويا محددا فيدخر له فإن ظل حيا أخذه وفوائده، وإذا توفى تدفع الشركة لأسرته جميع ما كانت ستعيده إليه خلال مجموع المدة والشركة تربح الفرق بين الفوائد المدفوعة للأسرة والفوائد التي تقرض بها ذلك المال وهذا حرام. إلا أن كل هذا مبنى على جعل التأمين عملية إقراض ولا يأتي في الهبة المعوضة أو الضمان بعوض.

стр. 499

ثالثا – المقامرة: وذلك لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمار ودخل في عموم النهى عن الميسر المنهي عنهم أجاب عنه الزرقاء: أن القمار آفة خلقية وشل للقدرة المنتجة ولا يقاس بالتأمين وهو عملية تجارية تعطى للمستأمن طمأنينة من نتائج الأخطار وهو معاوضة مفيدة وليس في القمار معاوضة. رابعا – الرهان: وهو رهان مرفوض شرعا. إلا أن الجواب أن الرهان يعتمد على الحظ والمصادفات وليس في الرهان ترميم للأضرار. خامسا: أخذ مال الغير بلا مقابل، وهذا أمر غريب فكيف ينظر فيه إلي عدم العوضية مع أن العوضية فيه واضحة، ثم أن كونه بلا مقابل على الأقل مشكوك فلا يشمله عموم أكل المال بالباطل لأنه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

стр. 500

سادسا: الإلزام بما لا يلزم شرعا، أو بتعبير آخر يعبر عن ضمان ما لم يجب. فالمؤمن لم يحدث الخطر ولم يتسبب في حدوثه. وأجيب عنه: بأن الأمور الاعتبارية قوامها باعتبار العقلاء وقد جرى بناؤهم على صحة الضمان. وقد أفتوا بضمان الدرك ونفوذه في ضمن المعاملة لو ظهر أحد العوضين مستحقا للغير ولو كان الضامن للدرك غير المتعاملين تبرعا أو بأجرة وإن رفض البعض ذلك ومنهم الإمام. قد يقال إنه تعهد ابتدائي غير ملزم. ولكن يجاب بأنه تعهد معامل مستقل. سابعا: وهو ما أضافه الأستاذ أبو زهرة: الصرف الباطل: لأنه بيع دين بدين إذ هو شراء ألف مقسطة بألف غير مقسطة والصرف لا بد فيه من التقابض. ويرد الدكتور الزرقاء بأنه ليس من عقود الصرف الذي موضوع مبادلة نقود بنقود. والواقع انه من الخطأ أن يقال إنه عقد صرف أو بيع دين بدين. ثامنا: إن التأمين يؤدي إلي تعطيل سهم الغارمين، وهذا غريب، ذلك أن وجود هذا السهم لا يعني تشجيع الناس على ترك الاعتماد على أنفسهم وإنما يعني التخفيف عن كاهل الزكاة التي يؤخذ بها في الدرجة الأولي لسد حاجة الفقراء.

стр. 501

أساليب التصحيح الأسلوب الأول: أنه عقد مستقل عقلاني مشمول لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يلزم الوفاء به. فإن الآية القرآنية تشمل كل عقد عرفي ما لم يتناف مع الحدود التي منع الشرع من الاقتراب إليها فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. وهو مبنى الإمام وغيره من الفقهاء وهذا الأسلوب أكد عليه الدكتور الزرقاء. وليس الناس محصورين في العقود المعروفة. وقد قدر المذهب الحنفي على أن الأصل الإباحة شرعا في العقود الجديدة وقد مر أن الشبهات التي ذكرت كلها باطلة. الأسلوب الثاني: الهبة المعوضة، فهو أسلوب صحيح وتكون الهبة حينئذ لازمة لا يمكن الرجوع فيها إلا أن المتعارف غير هذا الأسلوب. الأسلوب الثالث: الصلح، ولا يرد عليه مسألة الغرر بكل وضوح إلا انه أيضا غير متعارف. الأسلوب الرابع: الضمان المعوض فهو عقد ضمان يلتزم فيه أحد الطرفين بجبران الخسارة لقاء التزام الآخر بعوض. وهذا الأسلوب محتمل، إلا انه يلزم منه القول بجواز ضمان الأجنبي وهو جائز في رأى بعض العلماء وغير جائز في رأى آخرين. كما يجب الالتزام بأنه لا يشترط في الضمان أن يضمن الدين في الذمة بل يمكن ضمان الأعيان حتى لو كانت عند أصحابها. ويستشكل عليه بأنه من قبيل ضمان ما لا يجب، وقد أجبنا عليه من قبل. هذا وقد أفتى بعض الفقهاء بجواز ضمان الدرك ونفوذه في المعاملة لو ظهر أن أحد العوضين مستحق للغير ولو كان الضامن غير المتعاملين وقد تردد صاحب جواهر الكلام في ذلك من جهة عدم ورود النص ولم ينجزه الإمام. وعلى فرض عدم صحة الضمان فما المانع من أن يقدم المؤمن تعهدا فعليا لأداء مال على تقدير التلف فإن اشتراط الفعل في الماليات يوجب تعلق حق للمشروط له على المشروط عليه بحيث لو مات يتعلق بتركته.

стр. 502

ويختلف هذا الضمان بأنه تعهد بالنتيجة وهذا تعهد بالفعل قد يعترض على هذا فيقال: بأنه شرط ابتدائي لا تشمله قاعدة المؤمنون عند شروطهم؛ ولكن يجاب بأن التأمين تعهد معاملى مستقل، وحتى لو كان ابتدائيا فإنه يمكن اشتراطه في ضمن مصالحة بمال ورغم أن القياس مرفوض عندنا؛ إلا أن البعض حاول أن يستأنس لصحة هذا العقد بضمان الجريرة في الإرث بعد حذف الفارق الجوهري بينهما. وفرق البعض بينهما بأن الهدف هنا الاسترباح وهناك التعاون ولكنه غير جوهري. هذا وقد حول الكثيرون قياس هذا العقد على ضمان الجريرة، والوعد الملزم، وضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، وضمان خطر الطريق، ونظام التقاعد، ونظام العاقلة، وعقود الحراسة. ورغم عدم إيماننا بالقياس فإنها تصح نقضا على الإشكالات التي أوردها على التأمين من الغرر والجهالة وغير ذلك، حاول البعض الاستدلال بالضرورة وغير ذلك إلا أنها ليست بحجة، وكذا الاستدلال بالعرف فليس هو من الأدلة وإنما يبني عليه من فهم صاحبه، وبالنسبة للربح تكون هناك نسبة مئوية.

стр. 503

شروط صحة عقد الضمان بنظر الإمام: ١- يشترط في الموجب والقابل كل ما يشترط فيهما في سائر العقود. ٢- يشترط: - تعيين المؤمن عليه من شخص أو مال أو مرض. - تعيين طرفي العقد المؤمن والمستأمن. - تعيين المبلغ المدفوع من قبل المؤمن. - تعيين الخط الموجب للخسارة. - تعيين المبلغ الذي يدفعه المستأمن. - تعيين زمان التأمين ابتداء وانتهاء. تصحيح التأمين التعاوني: وهذا العقد يمكن تصحيحه بالطرق المذكورة ومنها جعله عقد ضمان "بأن يضمن كل خسارة شركائه بالنسبة في مقابل ضمانهم لخسارته ويكون الأداء من المال المشترك". ولكن الإمام يستظهر فيه الالتزام بجبر الخسارة في مقابل جبرهم للخسارة بنسبة ماله في المال المشترك وهو عقد لازم. ويحتمل أن يكون عقد شركة التزم كل في ضمنه خسارة كل واحد منهم وحينئذ يكون جائزا.

стр. 504

عقود التأمين وإعادة التأمين في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بالفقه الغربي فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في صراع الحضارات، واختلاف أنماط الحياة، وتوزع الفكر، وتشوش الرؤية، يقف المسلم في مفترق الطرق حائرا لا يدري أين يتجه، وما هو الذي سيؤدي به لشاطئ الأمن، وفي اختلاف المذاهب والآراء تضيع الخاصة من الناس المثقفين بالثقافة العامة فكيف العامة؟ وهنا تظهر مسؤولية أهل العلم لدرس النوازل والوقائع وبيان حكم الشريعة فيها شأن العلماء السابقين سلفنا الطاهر رضوان الله عليهم. وصحيح ما ينادى به بعض الأفاضل من ضرورة الاجتهاد الجماعي ولا سيما الآن، ولكن حتى يحصل هذا المطلوب الكبير لا يجوز لنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما يجد من الحوادث، فلكل حادثة حكم شرعي هو حكم الله تعالى فيها علمه من علمه وجهله من جهله. وأهم ما يقف بوجهنا الآن من شؤون الحضارة الحديثة ومشكلاتها (عقود التأمين وإعادة التأمين) ولقد سئلت عن هذا الأمر من جهات متعددة وإنني الآن أعرض ما ظهر لي بعد الدراسة والتمحيص في مراجع الفقه الإسلامي والفقه الغربي ولا أدعي أن ذلك حكم الله تعالى في الأمر بل هو رأيي ورضى الله تعالى عن الإمام أبي حنيفية القائل "علمنا هذا رأيي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه". وينبغي أن يكون ذلك دستور العلماء ... والعلماء قد يختلفون وقد يتفقون، ولكن كل واحد منهم يقدر الآخر حق قدره، ويمنحه خالص الود والاحترام، فقديما قالوا: "الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" فالغرض الرئيسي من هذه الكتابة وأمثالها بيان وجه الحق فقط، فمتي ظهرت أمارات الحق وتحققت المصلحة فثم شرع الله ... وقد عقدت هذه الدراسة على ثلاثة فصول.. كل فصل على حدة ... وخاتمة في البديل الإسلامي، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. مدينة دمشق الشام.

стр. 505

الفصل الأول عقد التأمين بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي (التصور) مدخل: أولا: تصور الموضوع وتحرير محل الخلاف فيه. ثانيا: أقاويل الفقهاء الإسلاميين في عقد التأمين ونقل خلافهم فيه. مدخل الأمن في اللغة المادة الثلاثية (أم ن) هي مادة واحدة، وإن تعددت صور الاشتقاق؛ فالأمن: ضد الخوف ونقيضه في التنزيل ﴿وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ قرآن كريم. والأمانة؛ ضد الخيانة. والإيمان ضد الكفر، وهو بمعنى التصديق: ضد التكذيب. وأمن فلان يأمن أمنا وأمنا وأمانا فهو أمن والأمنة الأمن، ومنه ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ؛ وتقول (اوتمن فلان) صار مؤتمنا، و (استؤمن إليه) وظل في أمانة، و (استأمنني فلان فأمنته أومنه إيمانا) أي طلب الأمان. وفي الحديث ((المؤذن مؤتمن)) . ومؤتمن القوم الذي يثقونه ويتخذونه أمينا حافظا) ، والأمين هو الحافظ الحارس الذي يتولى رقابة شيء وقالوا: (أعطيت فلانا من أمن مالي) ، أي من خالص مالي. وقالوا: ما أمن أمنتك وإمنك: أي دينك وخلقك. وفي التنزيل ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أي الآمن والمراد مكة المكرمة. وقوله ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ أي في أمن من الغير. وقوله ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وفي الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رجلا أتي النبي ﷺ فسأله عن المسلم والمجاهد والحاج، ثم سأله عن المؤمن فقال ﵇: ((المؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم)) . وفي الحديث الذي رواه أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر السوء. والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)) . وفي حديث جابر مرفوعا ((ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع)) . قال ثعلب: أن معنى الحديث: ما آمن شديد الإيمان ... وذلك مخافة أن يحمل القول على نفي الإيمان نفيا تاما عنه. وقال ابن الأثير عند الكلام عن اسم الله تعالى (المؤمن) : هو الذي يصدق عباده وعده؛ فهو من الإيمان والتصديق، أو يؤمنه في القيامة من عذابه فهو من الأمان ضد الخوف. قلت؛ وفي هذا من الربط بين الإيمان وبين التراحم بين الناس ما يرق فوق كل شيء، فالأمن والائتمان والاستئمان وكل صور الاشتقاق راجعة كما ترى إلي الإيمان. - لسان العرب ج١٣ ص ٢١ وما بعدها. - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزرى. - مفردات القرآن لراغب الأصفهاني. - تاج العروس شرح القاموس؛ للزبيدى.

стр. 506

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أولا: تصور الموضوع وتحرير محل الخلاف فيه: تصور موضوع التأمين: نظام التأمين وفقا لنظريته العامة في نظر الاقتصاد هو (نظام تعاقدى يقوم على أساس المعاوضة، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بوساطة هيئات منظمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية) (١) وجاء في المادة ٧١٣ من القانون المدني المصري القديم و٧٤٧ من القانون المدني المصري الجديد مع بعض تحوير في الصياغة أن عقد التأمين؛ (هو عقد بين طرفين أحدهما يسمى المؤمن والثاني المؤمن له (أو المستأمن) يلتزم فيه المؤمن بأن يؤدي إلي المؤمن لمصلحته مبلغا من المال أو إيرادا مرتبا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع حادث أو تحقق خطر مبين في العقد، وذلك في مقابل قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له إلي المؤمن) (٢) . وفي العصر الحاضر لا يقوم بالتأمين فرد نحو فرد بل تقوم به شركات مساهمة كبيرة يتعامل معها عدد ضخم من المستأمن، فيجتمع لها مبالغ كبيرة من أقساط التأمين، وتؤدي من هذه الأقساط المجتمعة ما يستحق عليها من تعويضات عند وقوع الحوادث المؤمن منها، ويبقى رأس مالها سندا احتياطيا، ويتكون ربحها من الفرق بين ما تجمعه من أقساط وما تدفعه من تعويضات. والتأمين بمعناه الحقيقي المتعارف عليه عقد حديث النشأة في العالم فهو لم يظهر إلا في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا حيث وجد بعض الأشخاص الذين يتعهدون بتحمل جميع الأخطار البحرية التي تتعرض لها السفن أو حمولتها نظير مبلغ معين (التأمين البحري) ، ثم ظهر بعده التأمين من الحريق ثم التأمين على الحياة، ثم انتشر بعد ذلك التأمين وتنوع حتى شمل جميع نواحى الحياة فأضحت شركات التأمين تؤمن الأفراد من كل خطر يتعرضون له في أشخاصهم وأموالهم ومسؤولياتهم بل أضحت بعض الحكومات تجبر رعاياها على بعض أنواع التأمين (٣) .

стр. 507

- أنواع التأمين: (أ) ينقسم التأمين من حيث شكله إلي تأمين تعاوني، أو تأمين بالاكتتاب، وتأمين بقسط ثابت: ١- التأمين التعاوني (أو التبادلي) (أو بالاكتتاب) : في هذا النوع من التأمين يجتمع عدة أشخاص معرضين لأخطار متشابهة فيدفع كل منهم اشتراكا معينا، وتخصص هذه الاشتراكات لأداء التعويض المستحق لمن يصيبه الضرر، وإذا زادت الاشتراكات على ما صرف من تعويض كان للأعضاء حق استردادها، وإذا نقصت طولب الأعضاء باشتراك إضافي لتغطية العجز، أو أنقصت التعويضات المستحقة بنسبة العجز، وأعضاء شركة التأمين التعاوني لا يسعون إلي تحقيق ربح، بل إلي تخفيف الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء، فهم يتعاقدون ليتعاونوا على تحمل مصيبة قد تحل ببعضهم، وتدار الشركة بوساطة أعضائها، فكل واحد منهم يكون مؤمنا ومؤمنا له.

стр. 508

٢- التأمين بقسط ثابت: في هذا النوع من التأمين: وهو النوع السائد الآن الذي تنصرف إليه كلمة التأمين لدى إطلاقها، يلتزم المؤمن له بدفع قسط محدد إلي المؤمن، وهو الشركة التي يتكون أفرادها من مساهمين آخرين غير المؤمن لهم، وهؤلاء المساهمون هم المستفيدون بأرباح الشركة، ففي التأمين بقسط ثابت يكون المؤمن له غير المؤمن الذي يسعى دائما إلي الربح، بخلاف التأمين التعاوني الذي لا يسعي إلي الربح أبدا، وإنما غاية أفراده التعاون على تحمل المخاطر، وهذا الهدف الإنساني النبيل لا يوجد إلا في التأمين التعاوني ولا يوجد البتة في التأمين بقسط ثابت ولو قال بذلك بعض رجال القانون كالدكتور السنهوري وغيره، فالفكرة الاسترباحية البحتة هي الأساس هنا والفكرة التعاونية غلاف براق لها فقط. (ب) وينقسم التأمين من حيث موضوعه إلي قسمين رئيسيين: ١- تأمين الأضرار: وهو يتناول المخاطر التي تؤثر في ذمة المؤمن له، والغرض منه تعويض الخسارة التي تلحق المؤمن له بسبب الحادث وهو ينقسم إلي قسمين: - التأمين على الأشياء؛ ويراد به تعويض المؤمن له من الخسارة التي تلحقه في ماله كالتأمين من الحريق والسرقة. - والتأمين من المسؤولية؛ ويراد به ضمان المؤمن له ضد الرجوع الذي قد يتعرض له من جانب الغير بسبب ما أصابهم من ضرر يسأل عن التعويض عنه، وأهم صوره تأمين المسؤولية الناشئة من حوادث السيارات أو من حوادث العمل. وفي تأمين الأضرار يلتزم المؤمن بتعويض المؤمن له عند حدوث الكارثة في حدود مبلغ التأمين، أي أن المؤمن يدفع للمؤمن له أقل المبلغين؛ المبلغ المؤمن به، والمبلغ الذي يغطي الضرر الناشئ عن الحادثة، وليس للمؤمن له أن يجمع بين مبلغ التأمين ودعوى التعويض ضد الآخرين المسؤولين عن الحادث، وإنما يحل المؤمن محل المؤمن له في الدعاوى الكائنة له ضد من تسبب في الضرر.

стр. 509

٢- تأمين الأشخاص: وهو يتناول كل أنواع التأمين المتعلقة بشخص المؤمن له، ويقصد به دفع مبلغ معين للإنسان في وجوده أو سلامته، يحدده المؤمن باتفاق بينهما، ولا يتأثر بالضرر الذي يصيب المؤمن له، وللمؤمن له الجمع بين مبلغ التأمين من المؤمن والتعويض ممن تسبب في الضرر، فالمؤمن هنا لا يحل محل المؤمن له. ويشمل تأمين الأشخاص نوعين أساسيين: ١- التأمين على الحياة، وله صورة متعددة أهمها: (أ) التأمين لحالة الوفاة وقد يكون عمريا وقد يكون مؤقتا وقد يكون تأمين البقيا حسب الاشتراط. (ب) التأمين لحال البقاء أو لحال الحياة؛ ومن أمثلته التأمين المضاد. (ج) التأمين المختلط البسيط: وهو أن يلتزم فيه المؤمن بأداء المبلغ المؤمن إما في تاريخ معين للمؤمن له نفسه إذا ظل حيا في هذا التاريخ، وإما إلي المستفيد المعين أو إلي ورثة المؤمن له إذا مات قبل التاريخ، ويكون القسط في هذا النوع اكبر من النوعين السابقين، وهذا النوع هو أكثر شيوعا في التأمين على الحياة. ٢- التأمين من الحوادث الجسمانية: وهو النوع الثاني من نوعي التأمين على الأشخاص، ويلتزم فيه المؤمن بدفع مبلغ من المال إلي المؤمن في حالة ما إذا أصابه في أثناء المدة المؤمن فيها حادث جسماني، أو إلي المستفيد المعين إذا مات المؤمن له.

стр. 510

(ج) التقسيم الثالث: تأمين خاص وتأمين اجتماعي: ١- فالتأمين الخاص هو ما يعقده المؤمن على نفسه من خطر معين، ويكون الدافع إليه هو الصالح الشخصي. ٢- والتأمين الاجتماعي هو ما كان الغرض منه تأمين الأفراد الذين يعتمدون في معاشهم على كسب عملهم من بعض الأخطار التي يتعرضون لها فتعجزهم عن العمل كالمرض والشيخوخة والبطالة والعجز. وهو يقوم على فكرة (التضامن الاجتماعي) ويشترك في دفع القسط مع المستفيد أصحاب العمل والدولة التي تتحمل هنا العبء الأكبر. (د) التقسيم الرابع: تأمين إجباري وتأمين اختياري: ١- فالأول ما ألزمت به الدولة في قطر رعاياها كالتأمين الاجتماعي مار الذكر والتأمين على السيارات. ٢- الثاني ما كان خلاف ذلك (١) . وبعد: فيظهر مما تقدم كله ما يلي: ١- أن عقد التأمين عقد معاوضة في غير التأمين التعاوني. لأن كلا من طرفي العقد يحصل على مقابل لما يؤديه مشروط في العقد. ٢- انه عقد احتمالي (٢) ، وعقد غرر؛ لأن الغرض منه تحمل خطر غير محقق الوقوع، والاحتمال قد يكون في تاريخ وقوع الحادثة لا في وقوعها أو عدمه؛ أي أن الحادثة قد تكون محققة الوقوع ولكن لا يدري متى تقع كالتأمين على الحياة في حال الوفاة. وقد ذكر القانون المصري والسوري عقد التأمين في ضمن عقود الغرر. إلا أن الدكتور السنهوري يرى في عقد التأمين رأيا آخر. فهو يرى أن تعريف القانون المصري لعقد التأمين الذي أسلفناه قاصر لأنه أهمل جانبا رئيسيا من جوانب العقد الفنية ألا وهو جانب الجماعة المتعاونين (مجموع المؤمن لهم) فيما لم ينظر إلي هذا الجانب بعين العناية من قبل المشرعين يكون العقد كله داخلا في المقامرة والرهان الباطل، هذه نقطة. والنقطة الأخرى انه لم يجعل في شرحه الوسيط عقد التأمين من عقود الغرر لأنه يقف من هذا العقد موقفين متناقضين معا في الوسيط شرح القانون المدني المصري: تعريف جامع مانع ولعل أدق التعريفات وأوفرها حظا من التوفيق عند علماء الاقتصاد ذلك التعريف الذي أورده الأستاذ (هيمار) بكتابه في شرح التأمين فقد عرف التأمين على الوجه التالي: (التأمين عملية يحصل بمقتضاها أحد الطرفين وهو المؤمن له نظير دفع قسط على تعهد لصالحه أو لصالح الغير من الطرف الآخر وهو المؤمن على تعهد بمقتضاه يدفع هذا الأخير أداء معينا عند تحقيق خطر معين وذلك عن طريق تجميع مجموعة من المخاطر وإجراء المعاوضة وفقا لقوانين الإحصاء) .

стр. 511

أركان التأمين: ١- الخطر. ٢- القسط. ٣- العوض المالي. ٤- المصلحة في التأمين. ١- فالخطر: هو الحادث المستقبل الوقوع ولا يتوقف تحققه على محض إرادة المؤمن، أي يقع دون إرادته. ٢- القسط: هو المبلغ الذي يؤديه المؤمن له شهريا أو سنويا حسب الاتفاق لتقوم الشركة بمقتضاه بتحمل بقية المخاطر المؤمن ضدها، فالقسط في التأمين بمثابة الثمن في البيع أو الأجرة في الإيجار، فالتأمين التجاري يقوم على بيع الأمن، والأمن لا يباع ولا يشري.. ويشمل القسط ما يوازى قيمة الخطر بالإضافة إلي المصاريف التي تتكلفها الشركة وكذا الأرباح، ويسمى القسط في مجموعه بـ (القسط التجاري) . ٣-لعوض المالي وهو إما أن يكون تعويضا يقدر بحسب قيمة الخسارة الناتجة عن تحقق الخطر المؤمن ضده، وإما أن يكون مبلغا محددا نص عليه في عقد التأمين بالعوض يدفع حسبما اتفق عليه بين المؤمن والمؤمن له. ٤- المصلحة في التأمين: يكون محلا للتأمين كل مصلحة اقتصادية مشروعة وجدية تعود على الشخص من عدم وقوع خطر التأمين فقد تعرض لوجود الغرر في عقد التأمين في موضعين من كتابه (الوسيط) فبدا في أحد الموضعين وكأنه يسلم بوجود الغرر في عقد التأمين ولكنه يجوزه للضرورة، أي في الموضع الآخر فقد نفى الغرر عن التأمين ولكن نفيه عنه كان منصبا على الجانب الفني من التأمين لا على الجانب القانوني وسنناقش هذا الرأي والذي قبله فيما بعد إن شاء الله (١) .

стр. 512

شبهته وردها: يرى البعض من الفقهاء المعاصرين أن اختلاف مفهوم نظام التأمين لدى علماء الشريعة وعلماء القانون هو السبب الرئيسي في اختلاف حكمهم عليه، فالماثل في أذهان علماء القانون تعاونية العقد وتضامنيته وانضباطه تحت قواعد العدل والحق، وفقهاء الشريعة الإسلامية يرون انه عقد ربوى قائم على الرهان والميسر (١) . والحق أن هذا غير صحيح لأن مفهوم العقد هذا واحد عند الجميع، حيث لا يتصور فقهاء الشريعة هذا العقد إلا كما يصوره لهم فقهاء القانون لأنه نشأ عندهم وفي ظل تشريعهم الوضعى. لكن فقهاءنا القدامى كابن عابدين ومن جاء بعده تكلموا في بعض أنواع عقود التأمين كالتأمين البحري والسنجة، حيث لم يكن آنئذ وجد من هذه العقود غيرها؛ والواقع أن عقود التأمينات كلها تنبع من مشكاة واحدة وتصور بعضها تصور للجميع والحكم على هذا البعض حكم على الجميع باستثناء التأمين التعاوني كما سيأتي فهو لم يدخل في هذا المسمى إلا تجوزا. فمن المحتم أن يكون هناك مصلحة واضحة للمستأمن وإلا لزادت نسبة المخاطر التي يمهد لها المستأمن سبل وقوعها غير آبه بانعدام الشيء محل التأمين لانعدام مصلحته في المحافظة عليه. ومن علماء القانون من اقتصر على ثلاثة: التراضي بين المتعاقدين، ومحل العقد والسبب الذي يقوم عليه العقد.

стр. 513

خصائص عقد التأمين: هو عقد رضائي وملزم للجانبين، ومن عقود المعاوضة، والعقود الاحتمالية (الغرر) ومن العقود الزمنية، ومن عقود الإذعان. ١- أما انه عقد من عقود التراضي، فباعتبار أن الإيجاب والقبول ضروريان فيه فينعقد بمجرد توافق الإيجاب والقبول، لكنه لا يثبت عادة إلا بوثيقة تأمين (بوليصة) يوقع عليها المؤمن، وأصبح في مشروع الحكومة عقدا شكليا. ٢- وهو عقد ملزم للجانبين؛ حيث إنه ينشئ التزامات متقابلة في ذمة كل طرف من طرفيه قبل الآخر؛ وتنشأ هذه الالتزامات من اللحظة التي يتم فيها العقد بركنيه الإيجاب والقبول. ٣- وهو عقد احتمالي؛ لأنه خسارة أو ربح كل من طرفي العقد غير معروف وقت العقد وهو من المسمى لدى علماء القانون بـ (عقود الغرر) . ٤- وهو عقد زمني (أي مستمر) حيث لا يتم الوفاء بالالتزام المترتب عليه بصفة فورية، وإنما يستغرق الوفاء بهذا الالتزام مدة من الزمن هي مدة نفاذ العقد. ٥- وهو عقد إذعان: حيث يتولى أحد طرفي العقد وضع الشروط التي يريدها ويوضعها على الطرف الآخر فإن قبلها دون مناقشة أو تعديل أبرم العقد وإلا فلا. ٦- وهو عقد معاوضة من حيث أن كل واحد من طرفيه يأخذ مقابلا لما يعطي. ٧- وهو عقد مسمى: والعقود المسماة هي التي تخضع للأحكام العامة من حيث انعقادها، وللقواعد التي تقررها الأحكام القانونية فيما يتعلق بالتفصيل.

стр. 514

٨- وهو عقد من عقود حسن النية: إذ أن حسن النية صفة لازمة لكل عقود التراضي، بمعنى أنه يجب على كلا الطرفين التصرف بأمانة وإخلاص مع وجوب إعطاء البيانات المطلوبة للطرف الآخر حول العقد. والستة الأولي من الخصائص نص عليها الدكتور السنهوري في الوسيط (١) . والسابعة والثامنة ذكرها بعض الكاتبين من العلماء (٢) . ثانيا: أقاويل الفقهاء الإسلاميين في عقد التأمين ونقل خلافهم فيه: ذهب فقهاء الشريعة الإسلامية في حكم عقد التأمين مذاهب ثلاثة؛ التحريم مطلقا، والحل مطلقا. والتردد والانتقاء. (أ) مذهب المحرمين مطلقا: ١- وعلى رأسهم فقيه الحنفية الكبير العلامة ابن عابدين في كتابين من كتبه؛ حاشية رد المحتار، ومجموع الرسائل. (أ) فعبارته في حاشية المحتار على الرد المختار (وربما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعون له أجرته ويدفعون أيضا مالا معلوما لرجل حربي مقيم في بلاده يسمى ذلك المال (سوكرة) على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان يقبض من التجار مال السوكرة (أي قسط التأمين) وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدى ذلك المستأمن للتجار بدله تماما، والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، لأن هذا التزام ما لا يلزم. اهـ.

стр. 515

وقصد ابن عابدين في تعليقه (بأن التزام ما لا يلزم) أي الؤمن الذي أسماه (صاحب السوكرة) قد التزم بعقدها أن يوضح للتاجر عند هلاك ماله تعويضا عنه لا يلزمه الشرع بدفعه، فلا يجوز أخذه منه بناء على ما بينه قبلا منه أنه لا يجوز أن يؤخذ من المستأمن في دار الإسلام ما لا يلزمه أداؤه وإن جرت به العادة كالعوائد التي تؤخذ من زوار بيت المقدس آنئذ. وهذا هو المبني الذي علل به ابن عابدين بعدم جواز تعويض التأمين من المؤمن بناء على أن المؤمن قد التزم بهذا العقد ما لا يلزمه، فهو كالوديع أو المستعير أو المستأجر إذا اشترط عليهما في العقد ضمان قيمة الوديعة أو العارية أو العين المأجورة إذا هلكت بلا تعد ولا تقصير فمثل هذا الشرط في قواعد المذهب الحنفي لا يلزمهم بشيء فلا يجوز أخذ هذا الضمان منهم. ثم أورد (١) ابن عابدين ﵀ على عدم الجواز مسألتين منصوصا عليهما في المذهب قد يشعر قياس كل منهما بالجواز وهما: ١- مسألة الوديع بأجر حيث يضمن الوديعة إذا هلكت. ٢- مسألة ضمان خطر الطريق التي ينص عليها فقهاء الحنفية في كتاب الكفالة: (وهى ما لو قال لآخر "اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أخذ فيه مالك فأنا ضامن" حيث يضمن القائل ما يصيب مال السالك في هذا الطريق) . ويعلل فقهاء المذهب بأن هذا القول تغرير من القائل مع التعهد فيضمن للمغرر به. وكذلك أجاب ابن عابدين عن دلالة هذه المسألة الثانية (مسألة ضمان خطر الطريق) بأن بينها وبين قضية السوكرة فرقا لا يصح من قياسها عليها.

стр. 516

ويميز ابن عابدين ﵀ بين أن يكون عقد التأمين معقودا في دار الحرب مع المؤمن الذي يسميه (صاحب السوكرة) وأن يكون معقودا في دار الإسلام؛ فعدم جواز اخذ التعويض مقصور على الحالة الثانية التي يعقد فيها السوكرة في دار الإسلام حيث تطبق عليه أحكام الإسلام، أما إذا كان التأمين معقودا في دار الحرب وأرسل صاحب السوكرة بعد هلاك البضاعة مبلغ التعويض إلي صاحبها التاجر الذي في دار الإسلام فإن أخذه عندئذ حلال لأنه أخذ لمال حربى برضاه دون غدر ولا خيانة وليس بعقد فاسد معقود في دار الإسلام حتى يكون خاضعا لأحكام ديننا. وقال ابن عابدين أيضا "إن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظاهر أنه لا يحل أخذه ولو برضا الحربي لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام، فيعتبر حكمه". فابن عابدين يرى أن عقد التأمين البحري الذي كثر السؤال عنه في زمانه لا حكم له إذا عقد في بلد غير إسلامي عقده مسلم أو غيره. وإذا عقد في بلد إسلامي كان عقد معاوضة فاسدا لا يلزم الضمان به لأنه التزام ما لا يلزم شرعا، وفساد العقد كان للفساد في أحد بدليه لأنه لا سبب للضمان شرعا، وله في حل أخذ مال البدل بمقتضي هذا العقد التفصيل السابق، وإذا كان ابن عابدين لم يكن له رأي إلا في التأمين البحري. فان مذهبه فيه يقضى حتما بأن يكون هذا حكم سائر أنواع التأمين لأنه لا يوجد فيها سبب شرعي للضمان فيكون التزام ما لا يلزم، ويكون العقد في هذه الأنواع عقدا فاسدا إذا عقد في دار الإسلام بين مستأمنين، أو ذميين أو مسلمين، أو اختلط طرفاه. ولا يحل لمسلم أخذ البدل بمقتضاه، وإذا عقد في بلد غير إسلامي لم يكن له حكم، ويحل للمسلم اخذ البدل بالرضا لا بالتقاضي. (ب) في مجموع الرسائل؛ في رسالة (أجوبة محققة عن اسئلة مفرقة) للعلامة محمد ابن عابدين صاحب الحاشية، جاء في هذه الرسالة (١) ما نصه: (وسئلت؛ في رمضان سنة أربعين ومائتين وألف عما إذا جرت العادة بين التجار أنهم يستأجرون مركبا من مراكب أهل الحرب لحمل بضائعهم وتجارتهم ويدفعون للمراكبي الحربي الأجرة المشروطة وتارة يدفعون له مبلغا زائدا على الأجرة لحفظ البضائع بشرط ضمان ما يأخذه أهل الحرب منها، وانه أن اخذوا منه شيئا فهو ضامن لصاحبها جميع قيمة ذلك، فاستأجر رجل من التجار رجلا حربيا كذلك ودفع له مبلغا تراضيا عليه على انه أن أخذ أهل الحرب منه شيئا من تلك البضاعة يكون ضامن من الجميع ما يأخذونه، فسافر بمركبه فأخذه منه بعض القطاع في البحر من أهل الحرب فهل يلزمه ضمان ما التزم حفظه وضمانه بالعوض؟ أم لا؛ فأجبت، الذي يظهر من كلامهم عدم لزوم الضمان.. الخ وذكر ما ذكر في حاشية المختار في قرابة صفحتين وبعض الثالثة فلا حاجة إلي التكرار.

стр. 517

٢- والفقيه الثاني من رؤوس المحرمين العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي، فقيه عصره ومفتى الديار المصرية: أصدر هذا العالم رسالة سماها (أحكام السكورتاه) من استنباطه تقع في قرابة ثلاث عشرة صفحة من القطع المتوسط طبعت في مطبعة النيل سنة ١٩٠٦ ثم طبعت بعد ذلك مرة أخرى؛ وخلاصة القول فيها؛ أن بعض علماء سلانيك كتب إليه يسأله: (عن المسلم يضع ماله تحت ضمانة أهل "قومبانية" تسمى "قومبانية السوكورتاه" أصحابها مسلمون أو ذميون أو مستأمنون. ويدفع لهم في نظير ذلك مبلغا معينا من الدراهم. حتى إذا هلك ماله الذي وضعه تحت ضمانهم يضمنونه له بمبلغ مقرر بينهم من الدراهم. فهل له أن يضمنهم ماله المذكور إذا هلك؟ وهل يحل له أخذ دارهمهم إذا ضمنوا؟ وهل يشترط كل أخذه تلك الدراهم أن يكون العقد والأخذ في غير دار الإسلام؟ أو يكفى أن يكون العقد في غير دار الإسلام؟ وإن كان الأخذ في دار الإسلام؟ وهل يحل لأحد الشركاء أن يباشر العقد عن الجميع ويأخذ البدل بغير دار الإسلام ثم يعطي الباقين حصصهم؟ وقال المستفتي: وإن هذا مما عمت به البلوى في دياره. وانه راجع كتب المذهب فلم يجد بها شيئا يطمئن به) .. فأجاب المفتى المطيعي ﵀؛ بما خلاصته: (إن هذا العقد ليس بملزم لأحد طرفيه، فالمال الملتزم بدفعه للقومبانية دفعه غير لازم، ولمن دفعه أن يسترده، لأنه دفع ما لا يلزمه على ظن انه يلزمه؛ ولا يلزم أهل القومبانية الضمانة، لأنه التزام معلق على هلاك المال، وتارة يهلك وتارة لا يهلك ولا نعرف متى يهلك لو سلمنا بالهلاك، فهو عقد معلق على الخطر وما فيه من معاني القمار) . واستدل إليه بأن ضمان الأموال إما بطريق الكفالة أو بطريق التعدي أو الإتلاف: وليس عقد التأمين بواحد من هذه الثلاثة وليس بمفاد بمضاربة أيضا ثم قال: ١- (إن كان العقد وأخذ البدل في دار الإسلام: لا يحل الأخذ ويكون المأخوذ مالا خبيثا. ٢- وإن كان العقد والأخذ في غير دار الإسلام؛ حل الأخذ وكان المأخوذ مالا طيبا لمن أخذه. ٣- وإن كان العقد في غير دار الإسلام والأخذ فيها لا يحل أخذ البدل. ٤- وإن كان العقد في دار الإسلام والأخذ في غيرها حرم إجراء العقد ومباشرته، ولكن مع ذلك يحل أخذ بدل المال الهالك متى كان الأخذ في غير دار الإسلام وبرضاهم) . وقال (إنه لا يضر متي كان الأخذ حلالا لا يضر بعد ذلك أن يعود به إلي دار الإسلام أو يبعث إليها) (١) .

стр. 518

ويلاحظ انه هو وابن عابدين كان كل منهما يستنبط الحكم مما قرره فقهاء الحنفية، وأن ابن عابدين لم يذكر سببا لفساد العقد إذا عقد في دار الإسلام إلا انه التزام ما لا يلزم، ولكن المطيعي لم يعتمد في فساده على ذلك بل اعتمد على قيلته على الخطر وما فيه من معنى القمار. وهما متفقان في الأحكام إلا في حل أخذ البدل في دار الإسلام بغير مخاصمة إذا كان العقد في غير دار الإسلام، فابن عابدين يرى حله؛ لأن العقد في غير دار الإسلام لا حكم له، والأخذ كان بالرضا، والمطيعي يرى: أن الأخذ في دار الإسلام لا يحل مطلقا. لأن المسلم لا يحل له أن يأخذ في دار الإسلام من المستأمن إلا ما يلزمه شرعا. ومال البدل لم يلزمه شرعا. ٣- الفقيه الشيخ عبد الرحمن قراعة: مفتى الديار المصرية: وفتواه سنة ١٩٢٥ ليست إلا ترديدا لما جاء في رسالة (السكورتاه) للشيخ المطيعي، فهو مثله رأيه: أن التأمين لا يجوز في الحريق نصا ولا يجوز في سائر أنواع التأمين اقتضاء يشبه الصريح. ومن العلماء المحرمين المعاصرين أو قبل المعاصرين بقليل، ١- الشيخ محمد علي الساير ٢- الشيخ طه الديناري ٣- الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي ٤- المرحوم الشيخ أحمد إبراهيم إبراهيم؛ الفقيه أستاذ الفقه بمدرسة القضاء الشرعي وكلية الحقوق بجامعة القاهرة، في مقال بمجلة الشباب المسلمين سنة ١٩٤١م ٥- الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، رئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة الخرطوم في كتابه (الغرر وأثره في العقود) ٦- الشيخ عبد الله التعلقيلي؛ مفتي الأدرن في تقولة له في أسبوع الفقه الإسلامي سنة ١٩٦٤. ٧- الشيخ محمد علي البولاقي، عضو هيئة التحرير في موسوعة الفقه الإسلامي في الكويت والمدرس في معهد الدراسات العليا في مصر في رسالة خاصة نشرها بعض الكاتبين. ٨- المرحوم الدكتور محمد أبو اليسر عابدين المفتي العام للجمهورية العربية السورية سابقا، وأستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة دمشق سابقا. فقد سألته (وإني أحد تلاميذه) في مجلس خاص عن حكم هذا العقد فقال؛ الكراهة التحريمية كما قال ابن عابدين الجد. وذلك عام ١٩٧٠م قبيل وفاته بحوالى عشر سنين رحمه الله تعالى، وممن أخذ بالتحريم المطلق من المعاصرين الدكتور عيسى عبده في كتابين له ... والمرحوم عارف الجوي الدمشقي في رسالة له والأستاذ عبد الله علوان من سوريا والاستاذ الشيخ عبد الستار السيد والشيخ فخر الدين الحسني: هذا ومن أراد التوسع فليرجع إلي مبحث في التأمينات للشيخ محمد أحمد فرج السنهوري عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية العدد السابع ج٢.

стр. 519

(ب) مذهب المحللين مطلقا: وقد كانوا قلة فأصبحوا كثرا اليوم ويقف على رأس هؤلاء جميعا: ١- الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء، أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة دمشق وأستاذ في كلية الشريعة بها سابقا ووزير سابق، في المقال الذي كتبه في أسبوع الفقه الإسلامي بمهرجان ابن تيمية بدمشق ١٩٦١ ثم جرده وطبعه بكتاب سماه (عقد التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه) (السوكرة) في حوالى مائة صفحة وتزيد. ٢- الأستاذ علي الخفيف؛ أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة في بحثه الذي يقدمه للجنة الخبراء فقد ذهب إلي إباحة أنواع التأمين جميعها ولكن الأستاذ محمد أحمد فرج السنهوري فهم منه شفويا أنه يميل إلي منع التأمين على الحياة. ٣- الدكتور محمد سلام مدكور أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ببحث مستقل (١) نشره في مجلة العربي. ٤- الأستاذ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي؛ أستاذ العلوم العالية بالقرويين؛ في ذلك كتابه الفكر السامي. ٥- المرحوم الدكتور يوسف موسى: أستاذ الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ثم بكلية الحقوق بجامعة عين شمس: قال أن التأمين بكل أنواعه ضرب من ضروب التعاون شرعا لا باس به إذا خلا من الربا. ٦- المرحوم الشيخ عبد الرحمن عيسى؛ مدير تفتيش العلوم الدينية والوثنية بالأزهر: ذهب لجواز التأمين بجميع أنواعه. ٧- المرحوم الشيخ الطيب حسن النجار عضو جماعة كبار العلماء. ٨- المرحوم الشيخ عيسوى أحمد عيسوى، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة عين شمس، في مقال نشرته مجلة العلوم القانونية والاقتصادية بجامعة عين شمس يوليو سنة ١٩٦٢ ذهب فيه إلي إباحته بكل أنواعه. ٩- الدكتور محمد البهي، عضو مجمع البحوث ووزير الأوقاف وشؤون الأزهر سابقا: في كتابه (نظام التأمين في هدى أحكام الإسلام وضرورات المجتمع المعاصر) ذهب فيه إلي جواز عقد التأمين بجميع أنواعه بل أوجب على الدولة حمل الناس عليه إلزاميا أخذا من كلام ابن خلدون. ١٠- المرحوم الشيخ عبد الله صيام من العلماء الأزهريين المتخصصين كتب كلمة في مجلة المحاماة الشرعية مايو ١٩٣٢ فكان صوته أول صوت شرعي جري بمصر ذهب إلي إلحاق التأمين بالموالاة فهو جائز مثله. (ج) مذهب المترددين أصحاب فكرة الانتقاء والتخير لكنهم إلي المنع أقرب: ١- وعلى رأسهم يقف أستاذنا العلامة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة وعضو لجنة الخبراء وذلك فيما كتب في الاهرام الاقتصادي سنة ١٩٦١ وممن شهدوا مؤتمر الفقه الثاني بدمشق سنة ١٩٦١، وكانت له تعليقات على المحاضرات التي ألقيت في مسألة التأمين، ورأيه في كل ما أبدى في تلك الأوقات تجمعه مذكرته باللجنة على وجه منسق مرتب انتهى فيه إلي أن هذا العقد غير جائز في الفقه الإسلامي بل فاسد يكرهه الإسلام لكنه أباح في مقال آخر له التأمين على السيارات (٢) فقط من أنواع التأمين ولا ندري وجه الفرق؟! ٢- المرحوم الشيخ عبد الوهاب خلاف أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة: في مقال له في صحيفة لواء الإسلام فذهب فيه إلي جواز عقد التأمين على الحياة فقط من أنواع التأمين ولم يتطرق لغيره.

стр. 520

٣- الأستاذ أحمد السنوسى في مقالين له في مجلة الأزهر أكتوبر ونوفمبر سنة ١٩٥٣ نشرت بحثا له في التأمين من المسؤولية ذهب إلي جواز هذا النوع قياسا له على عقد الموالاة الذي ذهب إلي مشروعيتة عدد من كبار فقهاء الصحابة والأمصار وبقائه مشروعا. ولم يتجاوز تأمين المسؤولية إلي غيره من أنواع التأمينات لأنه استند إلي عقد الموالاة. وهو لا يكاد ينفيه على طريقته في الأنواع الأخرى. ٤- الشيخ الشرباصي الرائد العام لجمعية الشبان المسلمين يستفاد من جوابه على السؤال المذكور في الاهرام الاقتصادى أن نظام التأمين إذا قام على أساس ربوى فهو محرم ولا سيما في التأمين من عنصر الجهالة والفوضى بحيث يكون غبنا للفرد غالبا وغنما متضخما متكررا لشركات التأمين، وإذا لم يكن التخلص من النظام الربوي ومنه في نظرة التأمين) اعتبر ضرورة فيعمل به مؤقتا مع وجوب العمل على التخلص منه. ٥- محمد أحمد فرج السنهوري؛ عضو مجمع البحوث الإسلامية ولجنة الخبراء يرى إباحة أنواع التأمين عدا التأمين على الحياة من أجل مستفيد غيره وعدا ما يسمونه تأمينا ادخاريا فهو في حقيقته معاملة ربوية وفي تسميته تأمينا كثير التجوز. ٦- الشيخ محمد مبروك؛ خبير اللجنة المالكي افتي بفساد عقد التأمين على الحياة لاشتماله على الربا والمقامرة والمخاطرة، وأما عقد التأمين على الأضرار فهو عقد سليم خال من الربا والغرر والجهالة. وهنالك من علماء القانون من ذهب إلي جواز عقد التأمين في الشريعة الإسلامية وعلى رأسهم الدكتور السنهوري في كتابه الوسيط ج٧ ص١٠٨٩ ومن أراد التوسع في معرفة آراء الفقهاء فليرجع إلي: ١- أسبوع الفقه الإسلامي – مهرجان ابن تيمية (عقد التأمين) . ٢- مؤتمر البحوث الإسلامية العدد السابع. ٣- الوسيط للدكتور السنهوري. ٤- عقد التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه للأستاذ الزرقاء.

стр. 521

خاتمة: قصة تاريخ فتوى الشيخ محمد عبده "مفتي الديار المصرية": المستردهور رسلى، مدير شركة ميوتوال ليف الأمريكية استفتي دار الافتاء بمصر: (في رجل يريد أن يتعاقد مع جماعة (قومبانية) مثلا على أن يدفع لهم مالا من ماله الخاص على أقساط معينة ليعملوا فيها بالتجارة، واشترط عليهم؛ أنه إذا قام بما ذكر وانتهى الاتفاق المعين بانتهاء الأقساط المعينة، وكانوا قد عملوا في ذلك المال، وكان حيا؛ أخذ ما يكون له من المال مع ما يخصه من الأرباح، وإذا مات في أثناء تلك المدة يكون لورثته، أو لمن له حق الولاية في ماله، أن يأخذوا المبلغ. تعلق مورثهم مع الأرباح، فهل مثل هذا التعاقد – الذي يكون مفيدا لأربابه، بما ينتجه لهم من الربح – جائز شرعا. نرجو التكرم بالإفادة) . فأجاب الأستاذ الشيخ محمد عبده في شهر صفر سنة ١٣٢١ هـ ابريل ١٩٠٣م بقوله: "لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل وهؤلاء الجماعة على الصفة المذكورة كان ذلك جائزا شرعا، ويجوز لذلك الرجل بعد انتهاء الأقساط، والعمل في المال وحصول الربح أن يأخذ لو كان حيا – ما يكون له من المال، مع ما خصه من الربح، وكذا يجوز لمن يوجد بعد موته من ورثته أو من له ولاية التصرف في ماله بعد موته أن يأخذ ما يكون له من المال، مع ما أنتجه من الربح والله أعلم".

стр. 522

قلت: استفتى – ﵀ عن صورة مضاربة صميمة متفق على صحتها فأفتي فيها بالجواز، في هذا؟ وما صلته بالتأمين على الحياة؟ ولكن الدعاية المضللة للتأمين على الحياة أشاعت وأذاعت أن الأستاذ المفتي الشيخ محمد عبده أفتى بجواز التأمين على الحياة، كما استغل ذلك في الترويج للإيداع بصندوق التوفير للبريد بفائدة معينة وكثرت الأكاذيب في هذه الدعايات حتى علقت بأذهان العالم والجاهل وعرض بعض معاصريه من العلماء بفتواه. وإن يعلم أن الشيخ لبرئ مما يفترون، ولكن ماذا عليه لو امتنع عن إفتاء هذا الرجل وهو يعلم أنه مدير شركة تأمين على الحياة وحمى نفسه من هذا الافتراء، ووقانا شر هذا الصداع الدائم حتى اليوم (١) . وبعد فالأستاذ المفتى الشيخ محمد عبده ليست له فتوى ولا رأى معروف في أي نوع من أنواع التأمين، يؤيد ذلك موقف الشيوخ الكبار في مجلس الأوقاف الأعلى الذين كان المفتي واحدا منهم وهم المغفور لهم العلماء سليم البشري شيخ الأزهر، حسونة النواوي شيخ الأزهر، محمد عبده المفتي، بكرى عاشور الصرفي المفتي، محمد بخلق مفتى.

стр. 523

الفصل الثاني عقد التأمين بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي (التصديق) أولا: وجوه استدلال الفقهاء ومناقشتهم. ثانيا: الموازنة. ثالثا: رأينا في عقود التأمين. أولا: وجوه استدلال الفقهاء ومناقشتهم (أ) أدلة المحرمين مطلقا: ١- أولا: أن عقود التأمين الحالية نوع من الميسر (القمار) الذي حرمه الإسلام لصدق تعريفه عليه، والميسر كما عرفه الفقهاء (هو كل عقد يكون فيه أحد العاقدين عرضة للخسارة بلا مقابل يناله من العاقد الآخر الرابح) . قال صاحب الكليات (الميسر، كل شيء فيه خطر فهو من الميسر) (١) وقال صاحب المغرب (الميسر: قمار العرب بالأزلام) (٢) وقال مثله صاحب التعريفات. ولو ذهبنا ننظر فيما دفعه المؤمن إلي شركة التأمين على حياته أو تجارته لوجدنا أنه لم يستفد شيئا إذا لم يصب فيهما أو في أحدهما، وقد يمر العمر كله ولم يمسه سوء ولم ينزل به ضرر، فلا يحل هذا المدفوع إلي الشركة لمنوط عن عوض مالي مقابل، كما لا وجه لحل ما يأخذه هو أو ورثته من الشركة بتقدير ضرره، إذ ليس للشركة أي يد في إيذائه، على أن طمع بعض الورثة بمورثهم قد يحملهم على قتله من غير مباشرة لسبب القتل استعجالا للحصول على المال من شركة التأمين، وقد يبقى الائتمان على المورث المقتول مستورا عن الناس ...

стр. 524

٢- ثانيا: أن عقود التأمين الحالية نوع من (عقود الغرر) . والغرر: بفتحتين لغة الخطر، واصطلاحا (ما يكون مستور العاقبة) (١) ، ومعناه بيع الأشياء الاحتمالية الذي لا تدري عاقبته هل تحصل أم لا، وقد جاء تحريم الغرر في أحاديث كثيرة منها حديث مسلم مرفوعا (ونهي عن بيع الغرر) . ٣- أن عقود التأمين في حقيقتها تقوم على الرهان والمجازفة: لأن التزام الشركة معلق على خطر قد يقع وقد لا يقع، فإن وقع التزمت الشركة بأداء مبلغ التأمين أو بالتعويض، وإن لم يقع لم تلتزم الشركة بشيء من ذلك، ولا يقصد من ذلك إلا تحقيق الربح الاحتكاري والاثراء الفاحش بلا سبب. وتضخم المال بلا جهد. وهذا قول بعض رجال الاقتصاد في الغرب والشرق: (أ) يقول (اللورد ما نسفيله) ؛ " عقد التأمين قائم على المجازفة، ولذلك يصعب في بعض الحالات أن نفرق بينه وبين عملية المراهنة على مبالغ نقدية من حيث الأصل الذي عليه العقد"، ولقد استشهد بهذا القول بعض شراح القانون التجاري في انكلترا في كتاب (ستيفنس) الصادر سنة ١٩٢٠ عن الناشر (باتروث) وشركاه في لندن. (ب) يقول (سلوتر) شارح القانون التجاري في انجلترا (التأمين هو شراء الأمن ... ذلك أن المستأمن – مدفوعا بالرغبة في حماية نفسه ضد خطر ما – فإنه يشترى من المؤمن (الشركة) حق التعويض أن وقع الضرر بسبب ذلك الخطر، ويقال لثمن الشراء (جعل) أو (قسط) ، وغالبا ما يكون دفعة سنوية، ويندرج وعد المؤمن بالتعويض "في حالة وقوع الحادثة المؤمن ضدها فيما يقال له (البوليصة) وهل البوليصة إلا المجازفة والإثراء الفاحش بلا سبب.

стр. 525

(ج) يقول الدكتور عيسى عبده في كتابه (التأمين.... الأصيل والبديل) (١) (إن بعض الشركات المتواضعة والناشطة في ميدان التأمين قد حققت في عام ١٩٦٨ وحده ربحا صافيا يقرب من ربع رأس المال، وهذا الربح الصافى وفقا للقانون يذهب إلي المساهمين أصحاب الشركة ولا يذهب إلي المستأمنين) . ٤- أن عقود التأمين في واقعها تقوم على التعامل الربوى الذي حرمه الإسلام، وهب أن القائلين بالحل قالوا لنا: إننا نشترط عدم وجود الربا في عقد التأمين نقول لهم: وهل الواقع يصدقكم؟ فهاتوا لنا حالة واحدة في العالم خلا عقد التأمين فيها عن الربا والفائدة؟ ٥- أن عقود التأمين قائمة في المبدأ والغاية على بيع الأمن نظير ثمن يتفق عليه ويقال له وسط. ولكن هذا الأمن المباع هو خدمة اجتماعية يجب أن تقوم بها الدولة وهي محاسبة ومسؤولة أن قصرت في تحقيقها، فلا يجوز لفرد أو شركة أن تستغل هذه الخدمة لابتزاز الأموال والربح الذاتي، لأن هذه الخدمة تدخل في مضمون الخدمات التي هي من اختصاص الدولة كإقامة العدل ودفع الظلم وتحقيق الأمن وتأمين الحق لكل مواطن في العيش الضروري كتأمين المواد التموينية، فهي من اختصاصات الدولة فقط وهي مسؤولة عن تأمينها أولا وآخرا فإذا قصرت في تأمينها أو غضت الطرف عنها فإنها محاسبة أمام الله، ومسؤولة أمام الأمة.

стр. 526

تلكم أحد أدلة من ذهب إلي أن عقود التأمين محرمة في الشريعة الإسلامية وأنها تتنافي في نظرهم مع مقاصدها العامة وقواعدها الأساسية. (ب) أدلة المبيحين لعقود التأمين: الأدلة التي أوردها كل من هؤلاء العلماء المبيحين للتأمين مطلقا متداخلة متشابهة، وسأقتصر في تبيان هذه الأدلة على ما ذكره الأستاذ الزرقاء باعتبارها الأكثر شمولا والأقوى حجة ودلالة من حجج ودلالة الآخرين الذاهبين معه إلي الجواز، وذلك ملخص من كتابه (عقد التأمين) . المستندات القياسية التي استند إليها الأستاذ حفظه الله في جواز عقد التأمين، ١- عقد الموالاة ويتلخص هذا العقد في أن يقول شخص مجهول النسب للعربي "أنت وليي تعقل (١) عنى إذا جنيت، وترثني إذا مت" وهذا العقد اخذ به كبار فقهاء الصحابة كعمر وابن مسعود وأخذ به من فقهاء الأمصار الإمام أبو حنيفة وأصحابه. فعقد المولاة هذا صورة حية من صور عقد التأمين حيث الولي يتحمل مسؤولية مجهول النسب من لا عاقلة له. في كل ما يصدر منه من أضرار، فوجه المشابهة بين عقد الموالاة وعقد التأمين هو تحمل المسؤولية من غير تبعة لا غير. ٢- ضمان خطر الطريق عند الحنفية وخلاصته: انه إذا قال شخص لآخر (اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك شيء فأنا ضامن) فسلكه فأصابه شيء فعوضه ما خسره لأنه ضامن فهو نص استثنائي قوى في جواز التأمين على الأموال من الأخطار. ٣- قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية وخلاصته: (أنه إذا وعد شخص غيره عدة بقرض أو بتحمل وضيعة (خسارة) أو إعارة أو نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الأصل، فهل يصبح بالوعد ملزما؟ ويقضي عليه بموجبه إن لم يف به أو لا يكون ملزما به) . اختلف المالكية في ذلك على أربعة آراء: من جملتها (يقضي بالعدة "أي الموعد" مطلقا، أي أنها ملزمة له. فإذا أخذنا بالمذهب الأوسع في هذه القضية فإننا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعا لتخريج عقد التأمين على أساس انه التزام من المؤمن للمستأمنين. ولو بلا مقابل على سبيل الوعد بأن يتحمل عنهم أضرار الحادث الخطر الذي يتعرض له احدهم؛ أي أن يعوض عنه الخسائر. ٤- نظام العواقل في الإسلام ويتلخص في انه إذا جنى أحد جناية قتل غير عمد بحيث يكون موجبها الأصلي الدية لا القصاص، فإن دية النفس توزع على أفراد عاقلة الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته، وكل من يتناصر بهم ويعد هو واحدا منهم، كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام لما فيها من معنى التعاون على البر والتقوى. فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث المالية بجعله مكونا بطريقة التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزاميا دون تعاقد في نظام العواقل.

стр. 527

٥- التأمين الاجتماعي الجائز شرعا فما الفرق بين نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة وهو تأمين اجتماعي أجازه علماء الشريعة كافة بلا نكير وبين التأمين على الحياة؟ والخلاصة أن نظام التأمين بوجه عام عند هؤلاء تشهد لجوازه جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها ولا ينهض في وجهه دليل شرعي على التحريم – لديهم – ولا شبهة من شبهة القائلين بالتحريم. هذا ملخص الأدلة التي أوردها زعيم القائلين بالحل الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في جواز التأمين في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي أقيم في دمشق سنة ١٩٦١ ثم أفرده بكتاب (عقد التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه) . وقد استدل بعض الذاهبين (١) إلي التحليل بدليلين آخرين: (الأستاذ الخفيف) ١-الأول أن الغرر المسلم في عقد التأمين غير مؤشر فلا يمنع من صحته، فهنالك عقود جوزها كثير من الفقهاء مع أن ما فيها من الغرر أكثر من الغرر الذي في عقد التأمين كبيع ما في الصندوق وعلم المشتري ما فيه وبيع الثمر قبل بدء صلاحه ... الخ. ٢-واستشهد هؤلاء الأفاضل على جواز التأمين برأى بعض المالكية في البيع بالنفقة على المشتري مدة حياته فقد قال الأستاذ الخفيف ما نصه (وعلى هذا يرى أن منع التأمين لما فيه من الغرر أو الجهالة لا يقوم على أساس ويؤيد، أننا قد وجدنا من فقهاء المالكية من يجيز اتفاقا يشبه عقد التأمين تمام الشبه ويحوى كثيرا من الغرر لا يحويه عقد التأمين، فقد جاء في شرح المنتقي على موطأ مالك للباجى (٤٢: ٥) "وقد دفع إلي جل داره علما أن ينفق عليه حياته. روى ابن المواز عن أشهب قال: لا أحب ذلك ولا أفسخه أن وقع، وقال أصبغ: هو حرام؛ لأن حياته مجهولة ويفسخ. وقال ابن القاسم عن مالك؛ لا يجوز إذا قال: على أن ينفق عليه حياته" فنرى أن أشهب أجاز هذا الاتفاق مع الكراهة، وأن مالكا قيد عدم جوازه بجهالة مدة الإنفاق وهي مدة الحياة، ومقتضى ذلك انه إذا تم الاتفاق على أن ينفق عليه مدة معينة صح عنده مع ما في ذلك من الغرر، وعليه فلو عرض عقد التأمين على مالك لذهب إلي تجويزه بناء على ذلك) ، واستدل الأستاذ الزرقاء كذلك بعقد جائز شرعا:

стр. 528

في كتابه (مصادر الحق في الفقه الإسلامي) يرى الدكتور السنهورى أن هنالك تطورا ملحوظا في الفقه الإسلامي في هذه المسألة وأن أكثر المذاهب تطورا فيها هو مذهب مالك، وقد بين ابن رشد في عبارة جليلة الأصل عند مالك فقال؛ [والأصل عنده – أي مالك – أن من الغرر ما يجوز لموضع الضرورة] (١) . هذا هو أظهر ما استدل به زعماء الذاهبين إلي إباحة عقد التأمين ومن اتبعهم. هذا؛ ولقد رجعت إلي ما كتبه الدكتور محمد سلام مدكور (٢) في مقال نشره بمجلة العربي الكويتية في عددين اثنين، فرايته في ما كتب لم يخرج عن دائرة المبيحين لعقود التأمين كلها في الفقه الإسلامي مبتدئيا شريطة خلوها من عنصر الربا، وأن يطوعها فقهاء الشريعة الإسلامية ليتلافوا ما يصاحبها من مفسدات العقود وموجبات ذلك الفساد الطارئ عليها (٣) ، وقد جعل من مقاله الأول شبه مدخل للمقصد الذي أراده في مقاله الثاني، كما تطرق إلي هذه العقود التأمينية لدى فقهاء القانون بما لا يخرج عما ذكرنا، وإن كان في ما كتب في هذه النقطة بالذات يحتاج إلي مزيد من التثبت والرجوع للمصادر القانونية لأنه فرق بين التأمين التبادلي والتعاوني وهذا تفريق لا يعرفه فقهاء القانون، وارجع إلي الوسيط للدكتور السنهوري تجد بعدا بينما ذكره واضع القانون وشارحه وبينما ذكره الأستاذ كاتب المقال!!

стр. 529

ولقد ذهب في قضية فتح باب التعاقد بعقود مستحدثة في الفقه الإسلامي شأن الأستاذ الزرقاء والفقهاء المبيحين للعقود التأمينية بإطلاق لا ينافي ذلك الفقه الحنبلي بعامة والشيخ ابن تيمية بخاصته (١) . أما أدلته التي استند إليها في ما ذهب إليه فترجع في مجموعها إلي ما ذهب إليه الأستاذ الزرقاء ومن تبعه فجعل كلا من الغرر والجهالة التي في عقود التأمين مفتخرًا فسلم بوجود الغرر والجهالة ولكن لم يجعل منهما مفسدا للعقد أو مانعا من إباحته استنادا إلي أن كتب الفقه الإسلامي تكاد تكون ممتلئة من العقود التي أقرها الفقهاء مع أن فيها من الغرر ما لا تقل عن نظيره في عقود التأمين مثل دية القتل الخطأ والقسامة، والعمرى، والوصية بمرتب مدى الحياة وعقد الموالاة الذي أجازه كبار الصحابة والمذهب الحنفي. ثم أردف ذلك بتنفيذ أدلة الخصم الذاهبين إلي المنع والتحريم وسمى أدلتهم تلك (شبها) ولخص تلك الشبه!! بست: ١-أنها تقوم على الجهالة والغرر وهما يمنعان من صحة العقد شرعا، لنهي الشارع عن الغرر. ٢-وأن الضمان فيه من قبيل البر والخير ولا يجوز أخذ العوض عنه. ٣-وأنه ضمان لشيء معدوم وقت العقد وإن كان على خطر الوجود. ٤-وهذا قمار ممنوع شرعا أيضا.

стр. 530

٥-وأنها أكل لأموال الناس بالباطل. ٦-وأنها لا تخلو بحال عن الربا. ورد على هذه الشبه الست ردا تجد مضمونه في ثنايا ما ذكرت وما سأذكر من تفنيد الأدلة ومناقشتها. إلا أني أتوقف عند الشبهة الأولي في زعم صاحب المقال ورده عليها وهي قضية الجهالة والغرر لأنها أهم نقطة في البحث كله وأجدر شيء في هذا المقال بالاهتمام، فجعل الغرر والجهالة في عقود التأمين مما لا يمنع من صحة العقد وإباحة للأمور التالية: ١- لأن عقودًا كثيرة فيها غرر أجازها الفقهاء كما ذكر آنفا وضرب لذلك أمثلة أخرى لكنه استشهد على ما ذهب إليه بمقولة لابن تيمية الفقيه الحنبلي رحمه الله تعالى؛ "إنه يرضى فيما تدعو إليه الحاجة مما أفسده الغرر، وكان مذهب مالك أوسع المذاهب في هذا، إذ تجوز مع الغرر في كل ما تدعو إليه الحاجة، وما كان الغرر فيه محتملا لا يؤدي إلي نزاع" ثم بقوله "لا يصح أن يقاس كل عقد فيه غرر على بيع الغرر في عدم الجواز". لم يذكر كاتب المقال أين قال ابن تيمية هذا القول: سوى أن عزا ذلك إليه أقول: ولعله في كتابه (العقود) الذي طبع تحت اسم (نظرية العقد) ومثل هذا يحتاج إلي مزيد توقف ونظر؛ فهل يقبل الدكتور المذكور مثل هذا العزو إلي مؤلف دون ذكر كتاب ولا صفحة ولا مجلد من أحد تلاميذه الذين يناقشهم في رحاب الجامعة في رسالة جامعية كالماجستير أو الدكتوراة!!
следующие страницы →