تلكم أحد أدلة من ذهب إلي أن عقود التأمين محرمة في الشريعة الإسلامية وأنها تتنافي في نظرهم مع مقاصدها العامة وقواعدها الأساسية.
(ب) أدلة المبيحين لعقود التأمين:
الأدلة التي أوردها كل من هؤلاء العلماء المبيحين للتأمين مطلقا متداخلة متشابهة، وسأقتصر في تبيان هذه الأدلة على ما ذكره الأستاذ الزرقاء باعتبارها الأكثر شمولا والأقوى حجة ودلالة من حجج ودلالة الآخرين الذاهبين معه إلي الجواز، وذلك ملخص من كتابه (عقد التأمين) .
المستندات القياسية التي استند إليها الأستاذ حفظه الله في جواز عقد التأمين،
١- عقد الموالاة
ويتلخص هذا العقد في أن يقول شخص مجهول النسب للعربي "أنت وليي تعقل (١) عنى إذا جنيت، وترثني إذا مت" وهذا العقد اخذ به كبار فقهاء الصحابة كعمر وابن مسعود وأخذ به من فقهاء الأمصار الإمام أبو حنيفة وأصحابه.
فعقد المولاة هذا صورة حية من صور عقد التأمين حيث الولي يتحمل مسؤولية مجهول النسب من لا عاقلة له. في كل ما يصدر منه من أضرار، فوجه المشابهة بين عقد الموالاة وعقد التأمين هو تحمل المسؤولية من غير تبعة لا غير.
٢- ضمان خطر الطريق عند الحنفية
وخلاصته: انه إذا قال شخص لآخر (اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك شيء فأنا ضامن) فسلكه فأصابه شيء فعوضه ما خسره لأنه ضامن فهو نص استثنائي قوى في جواز التأمين على الأموال من الأخطار.
٣- قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية
وخلاصته: (أنه إذا وعد شخص غيره عدة بقرض أو بتحمل وضيعة (خسارة) أو إعارة أو نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الأصل، فهل يصبح بالوعد ملزما؟ ويقضي عليه بموجبه إن لم يف به أو لا يكون ملزما به) .
اختلف المالكية في ذلك على أربعة آراء: من جملتها (يقضي بالعدة "أي الموعد" مطلقا، أي أنها ملزمة له.
فإذا أخذنا بالمذهب الأوسع في هذه القضية فإننا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعا لتخريج عقد التأمين على أساس انه التزام من المؤمن للمستأمنين. ولو بلا مقابل على سبيل الوعد بأن يتحمل عنهم أضرار الحادث الخطر الذي يتعرض له احدهم؛ أي أن يعوض عنه الخسائر.
٤- نظام العواقل في الإسلام
ويتلخص في انه إذا جنى أحد جناية قتل غير عمد بحيث يكون موجبها الأصلي الدية لا القصاص، فإن دية النفس توزع على أفراد عاقلة الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته، وكل من يتناصر بهم ويعد هو واحدا منهم، كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام لما فيها من معنى التعاون على البر والتقوى.
فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث المالية بجعله مكونا بطريقة التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزاميا دون تعاقد في نظام العواقل.
стр. 527
٥- التأمين الاجتماعي الجائز شرعا
فما الفرق بين نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة وهو تأمين اجتماعي أجازه علماء الشريعة كافة بلا نكير وبين التأمين على الحياة؟
والخلاصة أن نظام التأمين بوجه عام عند هؤلاء تشهد لجوازه جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها ولا ينهض في وجهه دليل شرعي على التحريم – لديهم – ولا شبهة من شبهة القائلين بالتحريم.
هذا ملخص الأدلة التي أوردها زعيم القائلين بالحل الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في جواز التأمين في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي أقيم في دمشق سنة ١٩٦١ ثم أفرده بكتاب (عقد التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه) .
وقد استدل بعض الذاهبين (١) إلي التحليل بدليلين آخرين: (الأستاذ الخفيف)
١-الأول أن الغرر المسلم في عقد التأمين غير مؤشر فلا يمنع من صحته، فهنالك عقود جوزها كثير من الفقهاء مع أن ما فيها من الغرر أكثر من الغرر الذي في عقد التأمين كبيع ما في الصندوق وعلم المشتري ما فيه وبيع الثمر قبل بدء صلاحه ... الخ.
٢-واستشهد هؤلاء الأفاضل على جواز التأمين برأى بعض المالكية في البيع بالنفقة على المشتري مدة حياته فقد قال الأستاذ الخفيف ما نصه (وعلى هذا يرى أن منع التأمين لما فيه من الغرر أو الجهالة لا يقوم على أساس ويؤيد، أننا قد وجدنا من فقهاء المالكية من يجيز اتفاقا يشبه عقد التأمين تمام الشبه ويحوى كثيرا من الغرر لا يحويه عقد التأمين، فقد جاء في شرح المنتقي على موطأ مالك للباجى (٤٢: ٥) "وقد دفع إلي جل داره علما أن ينفق عليه حياته. روى ابن المواز عن أشهب قال: لا أحب ذلك ولا أفسخه أن وقع، وقال أصبغ: هو حرام؛ لأن حياته مجهولة ويفسخ. وقال ابن القاسم عن مالك؛ لا يجوز إذا قال: على أن ينفق عليه حياته" فنرى أن أشهب أجاز هذا الاتفاق مع الكراهة، وأن مالكا قيد عدم جوازه بجهالة مدة الإنفاق وهي مدة الحياة، ومقتضى ذلك انه إذا تم الاتفاق على أن ينفق عليه مدة معينة صح عنده مع ما في ذلك من الغرر، وعليه فلو عرض عقد التأمين على مالك لذهب إلي تجويزه بناء على ذلك) ، واستدل الأستاذ الزرقاء كذلك بعقد جائز شرعا:
стр. 528
في كتابه (مصادر الحق في الفقه الإسلامي) يرى الدكتور السنهورى أن هنالك تطورا ملحوظا في الفقه الإسلامي في هذه المسألة وأن أكثر المذاهب تطورا فيها هو مذهب مالك، وقد بين ابن رشد في عبارة جليلة الأصل عند مالك فقال؛ [والأصل عنده – أي مالك – أن من الغرر ما يجوز لموضع الضرورة] (١) .
هذا هو أظهر ما استدل به زعماء الذاهبين إلي إباحة عقد التأمين ومن اتبعهم. هذا؛ ولقد رجعت إلي ما كتبه الدكتور محمد سلام مدكور (٢) في مقال نشره بمجلة العربي الكويتية في عددين اثنين، فرايته في ما كتب لم يخرج عن دائرة المبيحين لعقود التأمين كلها في الفقه الإسلامي مبتدئيا شريطة خلوها من عنصر الربا، وأن يطوعها فقهاء الشريعة الإسلامية ليتلافوا ما يصاحبها من مفسدات العقود وموجبات ذلك الفساد الطارئ عليها (٣) ، وقد جعل من مقاله الأول شبه مدخل للمقصد الذي أراده في مقاله الثاني، كما تطرق إلي هذه العقود التأمينية لدى فقهاء القانون بما لا يخرج عما ذكرنا، وإن كان في ما كتب في هذه النقطة بالذات يحتاج إلي مزيد من التثبت والرجوع للمصادر القانونية لأنه فرق بين التأمين التبادلي والتعاوني وهذا تفريق لا يعرفه فقهاء القانون، وارجع إلي الوسيط للدكتور السنهوري تجد بعدا بينما ذكره واضع القانون وشارحه وبينما ذكره الأستاذ كاتب المقال!!
стр. 529
ولقد ذهب في قضية فتح باب التعاقد بعقود مستحدثة في الفقه الإسلامي شأن الأستاذ الزرقاء والفقهاء المبيحين للعقود التأمينية بإطلاق لا ينافي ذلك الفقه الحنبلي بعامة والشيخ ابن تيمية بخاصته (١) .
أما أدلته التي استند إليها في ما ذهب إليه فترجع في مجموعها إلي ما ذهب إليه الأستاذ الزرقاء ومن تبعه فجعل كلا من الغرر والجهالة التي في عقود التأمين مفتخرًا فسلم بوجود الغرر والجهالة ولكن لم يجعل منهما مفسدا للعقد أو مانعا من إباحته استنادا إلي أن كتب الفقه الإسلامي تكاد تكون ممتلئة من العقود التي أقرها الفقهاء مع أن فيها من الغرر ما لا تقل عن نظيره في عقود التأمين مثل دية القتل الخطأ والقسامة، والعمرى، والوصية بمرتب مدى الحياة وعقد الموالاة الذي أجازه كبار الصحابة والمذهب الحنفي.
ثم أردف ذلك بتنفيذ أدلة الخصم الذاهبين إلي المنع والتحريم وسمى أدلتهم تلك (شبها) ولخص تلك الشبه!! بست:
١-أنها تقوم على الجهالة والغرر وهما يمنعان من صحة العقد شرعا، لنهي الشارع عن الغرر.
٢-وأن الضمان فيه من قبيل البر والخير ولا يجوز أخذ العوض عنه.
٣-وأنه ضمان لشيء معدوم وقت العقد وإن كان على خطر الوجود.
٤-وهذا قمار ممنوع شرعا أيضا.
стр. 530
٥-وأنها أكل لأموال الناس بالباطل.
٦-وأنها لا تخلو بحال عن الربا.
ورد على هذه الشبه الست ردا تجد مضمونه في ثنايا ما ذكرت وما سأذكر من تفنيد الأدلة ومناقشتها. إلا أني أتوقف عند الشبهة الأولي في زعم صاحب المقال ورده عليها وهي قضية الجهالة والغرر لأنها أهم نقطة في البحث كله وأجدر شيء في هذا المقال بالاهتمام، فجعل الغرر والجهالة في عقود التأمين مما لا يمنع من صحة العقد وإباحة للأمور التالية:
١- لأن عقودًا كثيرة فيها غرر أجازها الفقهاء كما ذكر آنفا وضرب لذلك أمثلة أخرى لكنه استشهد على ما ذهب إليه بمقولة لابن تيمية الفقيه الحنبلي رحمه الله تعالى؛ "إنه يرضى فيما تدعو إليه الحاجة مما أفسده الغرر، وكان مذهب مالك أوسع المذاهب في هذا، إذ تجوز مع الغرر في كل ما تدعو إليه الحاجة، وما كان الغرر فيه محتملا لا يؤدي إلي نزاع" ثم بقوله "لا يصح أن يقاس كل عقد فيه غرر على بيع الغرر في عدم الجواز".
لم يذكر كاتب المقال أين قال ابن تيمية هذا القول: سوى أن عزا ذلك إليه أقول: ولعله في كتابه (العقود) الذي طبع تحت اسم (نظرية العقد) ومثل هذا يحتاج إلي مزيد توقف ونظر؛ فهل يقبل الدكتور المذكور مثل هذا العزو إلي مؤلف دون ذكر كتاب ولا صفحة ولا مجلد من أحد تلاميذه الذين يناقشهم في رحاب الجامعة في رسالة جامعية كالماجستير أو الدكتوراة!!
стр. 531
٢- ثم عقب ذلك بقوله: (فما ألفه الناس تعارفوا عليه دون ترتب نزاع يكون غير منهى عنه) .
ولا يفسد العقد كعقد الموالاة ... برغم وضوح الغرر والجهالة فيه.
وضرب لذلك مثلا بصحة الصلح على جميع الحقوق المجهولة لشخص على آخر نظير عوض مالي معين، دون صحة الصلح على بعضها دون الآخر مع جهالة المصالح عليه، وجواز الكفالة بمجهول القدر ثم قال (فجهالة مقدار ما يرتفع به الغرر الناجم عن وقوع الخطر عند إنشاء عقد التأمين جهالة لا تمنع من التنفيذ ولا تنتج نزاعا بسبب هذه الجهالة) .
أقول:
لقد سلم الدكتور بوجه الغرر والجهالة في عقود التأمين وبأنه غرر معتبر لدى الفقهاء غير يسير، لكنه دفع هذا التعليل لمنع عقود التأمين بأمرين اثنين:
١- بأنهما مما تدعو إليه الحاجة مما فيه غرر مفسد إذا كان محتملا لا يؤدي إلي نزاع، مستندا إلي قول الشيخ ابن تيمية سابق الذكر.
أقول:
أما الحاجة هنا فليست معتبرة شرعا لأنها حاجة عامة لكنها غير متعينة إذ لا يمكن وجود البديل عن هذه العقود الفاسدة كما ذكر علماء أصول الفقه في كتبهم وهو مقرر لديهم، هذه واحدة.
والثانية انه غرر غير مفض إلي نزاع، ومن قال هذا؟ هب أن حربا عالمية اشتعل أوارها أو محلية لكنها حرب خطيرة شاملة فهل تؤدي شركات التأمين تعهداتها وتفي بعقودها؟ أم تسحب أذيالها راجعة القهقرى معلنة (ظروف طارئة) متسترة بهذه العبارة المطاطة للهرب والتملص من كل ما سبق أن تعهدت به؟! أليس هذا يفضى إلي نزاع بين شركات التأمين وعملائها؟ اللهم نعم، ولدى كل العقلاء؛ نعم.
стр. 532
٢- وقوله (فما ألفه الناس وتعارفوا عليه) وإني أتساءل؛ متى كان العرف يعارض النهى فيلغيه؟ وقد نهي رسول الله ﷺ عن الغرر....؟
أما استدلاله بعقد الموالاة وقياسه هذه العقود عليه فهو قياس مع الفارق واستدلال في غيره محله ... فأين عقد الموالاة وما ذكر من الصلح من جميع الحقوق والكفالة لما في الذمة وغير ذلك مما نحن فيه. تلك عقود يغلب عليها معنى التبرع والإيثار وحب الخير وهذه عقود يغلب عليها معنى الاسترباح والاستغلال وعلى الأقل معنى المعاوضة، فهل يصح هذا القياس؟ اللهم لا ...
وبعد فهذه مناقشة وجيزة أحببت أن أختم بها هذا الحديث لم أوف فيها على الغاية، ولكنها أضواء على الموضوع وعسى أن يكون في قادمات الأيام إن شاء الله تعالى لنا لقاء علمى مع الكاتب المذكور.
ثانيا: الموازنة
الذي يبدو من ظواهر الأدلة التي احتج بها الفريقان أن أدلة من ذهبوا إلي تحريم عقود التأمين هي أقوى استنباطا وأتم دلالة وأمتن احتجاجا وأرسخ ارتباطا بنصوص الشريعة ومقاصدها وقواعدها العامة وذلك للأمور التالية:
١-المجوزون للتأمين اعتمدوا في أدلتهم استنادات قياسية استنبطوها من استنتاج الفقهاء المجتهدين بينما القائلون بحرمته استندوا على نصوص تشريعية وقواعد أساسية أجمع المجتهدون على الأخذ بها والعمل بمقتضاها والفرق واضح بين الاستدلالين.
٢-المجوزون للتأمين اعتمدوا على تعليلات وتأويلات في الجواز أقل ما يقال فيها أن فيها معنى الغرر المحرم، بينما اعتمد القائلون بالحرمة نصوصا مطبعية تحرم الغرر وفرق كبير بين الأمرين.
٣-من القواعد المقررة شرعا (إذا تعارض المحرم والمبيح قدم المحرم، وإذا تعارض المانع والمقتضى قدم المانع) (١) لذا نأخذ بجانب الحرمة بعقود التأمين باعتبار أنه يتعارض مع الجانب المبيح على افتراض وجود التعارض ولا تعارض لظهور أدلة المحرمين.
٤-رد القائلون بالتحريم على المبيحين في مسألة القياس على نظام العواقل ونظام التقاعد والمعاش وعقد الموالاة بأنها عقود تعتمد على التبرع والدافع الذاتي والمساهمة في أوجه الخير ولا كذلك نظام التأمين التجاري القائم على الاسترباح والاستغلال وابتزاز الأموال.
стр. 533
٥-وكذلك رد القائلون بالتحريم على المبيحين في استدلالهم (بالاتفاق بمرتب عمري) عند المالكية بأن أشهب قال (أكره ذلك) وهو عند المالكية اصطلاح في المنع لا في الإباحة كما قالوا؛ لذا فإنه يصلح دليلا للمحرمين لا عليهم. واستدلالهم بقول مالك ﵁ لا يفيدهم لأن مدة الإنفاق معينة هناك وفي عقد التأمين مجهولة فلا يصح.
٦-وكذلك ردوا على المبيحين في استدلالهم بضمان خطر الطريق عند الحنفية بأن هذا تغرير لا غرر، وفي التغرير يضمن.
٧-وردوا على قاعدة الالتزامات عند المالكية بأن ذلك المحتمل معلوم وهذا المحتمل في عقد التأمين غير معلوم فحصل الغرر فبطل القياس.
٨-وكذلك ردوا على المبيحين بأن الغرر غير مؤثر بقولهم أن الغرر هنا مؤثر في صحة العقد لأنه ينبني عليه أكل مال كثير بالباطل في جمهور غفير من الناس ليربح أناس ربحا فائضا على أكتاف الآخرين بلا سبب مشروع..
٩-وأما عقد الاستئجار على الحراسة فلا يجوز القياس عليه هنا لأنه قياس مع الفارق، فهناك العقد القائم على عمل وهو الحراسة وبذل الجهد واليقظة، وليس في عقد التأمين أي عمل تقوم به الشركة لقاء دفع الخطر عن المؤمنين المساكين.
١٠-أما قول الدكتور السنهوري أن الضرورة تبيح التأمين للضرورة مع الغرر كما ذهب إليه مالك فإن المحرمين قالوا؛ لا نسلم بالضرورة هنا ولا بالحاجة مطلقا.
لأن الأمة الإسلامية تستطيع أن تتخلص من هذا النظام الاستغلالي إلي تأمين من صنع الشريعة الإسلامية ومن قواعدها وليس في ذلك أي حرج ولا مشقة فيما إذا أراد المسلمون بصدق أن يحكموا شريعة ربهم (١) .
стр. 534
ثالثا: رأينا في عقود التأمين
"نهي الرسول ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر " (١)
هل في عقد التأمين غرر؟
الجواب: نعم، وليس غير الغرر في نظرى دليلا ظاهرا يناطح الخصم ويظهر عليه، ويشهد لذلك علماء القانون الذين عدوا بالإجماع هذا العقد من عقود الغرر، وقدر أنه من العقود الاحتمالية في خصائصه.
والغرر إذا استطاع المبيحون أن ينفوه عن أحد طرفي العقد (المؤمن) فلا بد من أن ينتفي الغرر بالنسبة للمستأمن أيضا وهو ما لم يستطع المبيحون (٢) أن يثبتوه بوجه؛ ثم هل الغرر في التأمين كثير مانع أم لا؟
ضابط الغرر الكثير لدي الفقهاء (هو ما غلب على العقد حتى صار العقد يوصف به) وأري مع الأخ الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير في كتابه القيم (الغرر وأثره في الفقه الإسلامي) أن هذا الضابط ينطبق على عقد التأمين، فإن من أركان عقد التأمين التي لا يوجد دونها (الخطر) والخطر هو حادثة محتملة لا تتوقف على إرادة أحد الطرفين، ولذا لا يجوز قانونا التأمين إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين ومن الخصائص التي تتميز بها، ومما يدل على أن الغرر تمكن من عقد التأمين وأصبح صفة لازمة له أن كثيرا من القوانين تذكره تحت عنوان (عقود الغرر) ثم هل هناك حاجة أو ضرورة لعقد التأمين تجعل الغرر الذي في عقد التأمين غير مؤثر.
стр. 535
من المعلوم أن الحاجة أدني من الضرورة منزلة إذ يلزم بلزومها الحرج والضيق، ويشترط أن تكون الحاجة لاعتبار الغرر غير مؤثر أن تكون عامة أو خاصة، وأن يكون ذلك العقد متعينا لسد تلك الحاجة بحيث لو أمكن سد الحاجة عن طريق عقد لا غرر فيه فلا يصح اللجوء إلي العقد الذي فيه غرر.
والذي يبدو لي أن الحاجة عامة لعموم البلوى، ولكن عقود التأمين بقسط ثابت ليست متعينة لسد تلك الحاجة.
فالذي تقتضيه قواعد الفقه الإسلامي منع هذا العقد بما فيه من غرر كثير من غير حاجة ملجئة إذ من الممكن أن يحتفظ بعقد التأمين في جوهره ونستفيد بكل مزاياه مع التمسك بقواعد الفقه الإسلامي وذلك بإبعاد الوسيط الذي يوالي الربح وجعل التأمين كله تأمينا تعاونيا خيريا بحتا تتولاه الحكومات في البلاد الإسلامية بكافة أنواعه فتجعل له منظمة تشرف عليه على أن يكون المعنى التعاوني بارزا فيه بروزا واضحا وذلك بالنص صراحة في عقد التأمين حينئذ على أن المبالغ التي يدفعها المشترك تكون تبرعا منه للشركة يعان منها من يحتاج إلي المعونة من المشتركين حسب النظام المتفق عليه.
فالخلاصة (إني أكره تحريما كل عقود التأمين التبادلي والتجاري لما فيها من الغرر ولعدم الحاجة إليها) .
(وحكم التأمين التجاري كعقد، الفساد لتمكن الغرر منه وفكرة الاسترباح "ولزوم ما لا يلزم شرعا"، وحكم عقد التأمين التبادلي الجواز مع الإثم) (علما بأن كل عقد فاسد شرعا عقد ربوي) هذا كله في التأمين التجاري والتعاوني (التبادلي) فقط.
أما التأمين الاجتماعي الذي تقوم به الحكومات فهو جائز شريطة خلوه من الربا نهائيا.
وأما صور التأمين الأخرى الجديدة التي ابتدعها الغرب ولم نصل إلي معرفة حقيقتها بعد بشكل مفصل فهي تحت مجهر البحث العلمي، ولكل عقد منها حكمه الشرعي حسبما تقتضيه طبيعته وخصائصه.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..
стр. 536
الفصل الثالث
إعادة التأمين
بين الفقه الغربي والفقه الإسلامي
أولًا: إعادة التأمين في الفقه الغربي.
ثانيًا: إعادة التأمين في الفقه الإسلامي كما توصلنا إليه.
أولًا: إعادة التأمين في الفقه الغربي
(أ) فكرة عامة
تقوم عملية التأمين على تقدير الاحتمالات طبقًا لقوانين الإحصاء وعلى قانون الكثرة، وشركة التأمين تعمل كل ما في وسعها حتى يأتى حسابها مضبوطًا. ولكن الشركة لا تستطيع أن تطمئن إلى هذا التقدير اطمئنانًا كاملًا في مواجهة التزاماتها. فيجب عليها أن تدخل في حسابها أن هذا التقدير إنما هو تقريبى قد يخطئ، وهذا الخطأ يقل كلما كثر عدد المؤمَّن لهم طبقًا لقانون الكثرة، ولكن احتمال الخطأ مهما قلّ يبقى قائمًا. فيجب على الشركة إذن أن تواجه احتمال الخطأ هذا وما ينجم عنه من فروق في الحساب حتى تطمئن اطمئنانًا معقولًا إلى قدرتها على مواجهة التزاماتها للمؤمَّن لهم، وحتى يطمئن هؤلاء هم أيضا إلى ملاءة الشركة وإلى أن حقوقهم في ذمتها مكفولة، وذلك عن طريق إعادة التأمين، وهنالك صور أخرى كالتأمين المجزأ أو التأمين بالاكتتاب إلا أن المؤمِّن يفضل طريقة إعادة التأمين لكونها أضمن له في عمله التجاري من منافسة زملائه له في عملائه، وإعادة التأمين هى العملية الأساسية في الموضوع.
وقد تكون إعادة التأمين إجبارية بموجب القانون، وقد تكون اختيارية وهى منتشرة في التأمين البحرى بوجه خاص وأهم صورها أربع؛ ١- إعادة التأمين بالمحاصة. ٢- وإعادة التأمين فيما جاوز حد الطاقة. ٣- وإعادة التأمين فيما جاوز حدًا معينًا من الكوارث. ٤- وإعادة التأمين فيما جاوز حدًا معينًا من الخسارة، وهى أحدث الصور ظهورًا وأكثرها انتشارًا، ومزيتها التبسيط الشديد في إجراءات المحاسبات والمراسلات.
وهكذا نرى أن المؤمن يكون طرفًا مع المؤمَّن له في عقد التأمين، وطرفًا مع المؤمِّن المعين في عقد إعادة التأمين.
وإعادة التأمين تزاول عادة على صعيد دولى فتكون المقاصة في المخاطر لا فحسب بين الفروع المتعددة في البلد الواحد بل أيضا بين البلاد المتعددة، وانتشار إعادة التأمين على هذا الصعيد الدولى هو الذي يمكن لهذه العملية ويقيمها على أسس ثابتة مستقرة لدى فقهاء القانون، فكلما اتسعت دائرة المقاصة في المخاطر كلما كان تقدير احتمالات وقوع المخاطر أقرب للحقيقة.
стр. 537
وحظ إعادة التأمين من الدراسة القانونية غير كبير فهى حديثة النشأة، ولم تبدأ إلا بعد انتشار التأمين انتشارًا واسعًا في العالم، وهى لا تعنى جمهور عملاء التأمين، إذ تقتصر العلاقة فيما بين المؤمّن والمؤمن المعيد، ومن هنا بقيت مجهولةً من الجمهور، والكثرة الغالبة من قضاياها تحل عن طريق التحكيم، وليس من السهل العثور على وثائق التحكيم لأنها لا تنشر.
التكييف القانونى لإعادة التأمين:
اختلف فقهاء القانون في هذا الشأن والذى استقر عليه القضاء والفقه في فرنسا على أن عقد إعادة التأمين ما بين المؤمّن والمؤمن المعيد ليس إلاّ عقد تأمين، يصبح فيه المؤمن مؤمنًا له، ويصبح فيه المؤمن المعيد مومِّنا، فهو في جميع الأحوال عقد تأمين تسرى عليه المبادئ العامة لعقود التأمين. ولا يجوز فيه أن يلتزم المؤمن المعيد نحو المؤمن بأكثر مما يلتزم نحو المؤمن له. ويجب أن يلاحظ أن إعادة التأمين عقد تأمين بين المؤمن والمؤمن المعيد، ولا شأن للمؤمن له به فهو أجنبى عنه لا يكسب منه حقًا ولا يحتمل التزامًا، ويبقى المؤمن وحده هو المسؤول نحو المؤمن له بموجب عقد التأمين الأصلى المبرم بينهما.
وإذا كان شأن إعادة التأمين كذلك إلا أنه عقد يتميز بقواعد خاصة به فيما يتعلق بالآثار المترتبة عليه، وقد استمدت هذه القواعد من اتفاقات إعادة التأمين المألوفة، واستقرت الشروط التى تتضمنها هذه الاتفاقات حتى أصبحت عرفًا ثابتًا، فهو عقد ملزم للجانبين وعقد رضائى ومن عقود المعاوضة، وهو كسائر عقود التأمين عقد زمنى وعقد احتمالى ومن عقود حسن النية، ويختلف عن عقد التأمين المباشر في أنه لا يعدُّ من عقود الإذعان، إذ كل من طرفيه – المؤمن والمؤمن المفيد محترف ذو خبرة ولا تفاوت بينهما من ناحية المركز الاقتصادى ويستطيع كل منهما أن يناقش في حرية وعن خبرة مهنية شروط الاتفاق. وأما المبدآن الرئيسيان اللذان يخضع لهما عقد إعادة التأمين فهما؛ مبدأ حسن النية ومبدأ وحدة المصير، فالطرفان أقرب إلى أن يكونا شريكين، ومن مقتضيات ذلك وجوب تقديم البيانات الصادقة ممن يجب عليه ذلك للطرف الآخر (١) .
стр. 538
ثانيًا: إعادة التأمين في الفقه الإسلامى
كما توصلنا إليه
رأينا من تعرض لعقد التأمين المباشر من الفقهاء الإسلاميين وأدلى بدلوه في هذه القضية، ولكنا لم نر من تكلم في هذه المسألة المتفرعة عن عقد التأمين المباشر. ألا وهى عقد إعادة التأمين من الفقهاء الإسلاميين القدامى ولا المعاصرين. والذى يبدو لنظرى والله تعالى أعلم أن هذا العقد الفرعى هو كعقد التأمين المباشر يسرى عليه ما يسرى على الأصل من الأحكام الرئيسية كما ذكر علماء القانون في التكييف الفقهى له. لذا فإنه يأخذ الحكم الشرعى الذي يتناول عقد التأمين المباشر بقسط ثابت كما مر آنفًا.
ولا يتصوَّر هنا في إعادة التأمين وجود عقدٍ تعاونى ذى هدف إنسانى محض حتى نقول بجوازه، فلا عقد إعادة تأمين تعاونيًا في القانون، لذا فلا حكم له في الشرع.
وعلى هذا؛ فالقائلون بالإباحة المطلقة لعقد التأمين المباشر يقولون بمثل ذلك لعقد إعادة التأمين.
والقائلون بالمنع المطلق للأصل يقولون بمثل ذلك للعقد المتفرع عنه.
والقائلون بالانتقاء يقولون بمثل ذلك لكل ما يشمل التأمين المباشر وإعادة التأمين.
والقائلون بالكراهة للتأمين المباشر يقولون بمثل ذلك لعقد إعادة التأمين.
أمَّا ما يبدو لنا فهو ما ذكرناه من القول بالكراهة لكل عقد تأمين مباشر بقسط ثابت وما يتفرع عنه من عقد إعادة التأمين في جميع صوره وأشكاله تبعًا للأصل.
والكراهة هنا تحريمية؛ وقد قلنا بها تأدبًا مع الشريعة المطهَّرة بأن لا يقال حرام إلا لما جاء تحريمه بالنص القطعي فقها وما عدا ذلك فقد اعتاد العلماء من قبل أن يقولوا (نكره كذا) لما يرون تحريمه، ونحن نقول نكره العقد الأصلى التعاوضى، وما يتفرع عنه من عقد إعادة التأمين.
... قلت: هذا ما ظهر للعبد الفقير إليه تعالى، والله تعالى أعلم..
стр. 539
الفصل الرابع
الطريق إلى تأمين يبيحه الفقه الإسلامى
بمذاهبه الكبرى
(١) الحلول التى ارتآها الآخرون
١- اقتراح الدكتور عيسى عبده في كتيّب أصدره بعنوان (التأمين: الأصيل والبديل) حلًا لمشكلة التأمين ينبع من جوهر الشريعة الإسلامية يرجع إلى مبادئ التكافل الاجتماعى في الشريعة الإسلامية فليرجع إليه.
٢- وكذلك اقترح الأستاذ عبد الله علوان حلًا شبيهًا بالمذكور في كتيب أصدره بعنوان (حكم الإسلام في التأمين السوكرة) لا يخرج عما ذكره الدكتور عبده في أغلب نقاطه.
ولكن صاحبى كلا الاقتراحين تصوّرا وجود الدولة الإسلامية وقيامها قبل كتابة اقتراحهما وأن هذه الدولة الإسلامية الوليدة قد جاءت إليهما بمسئوليها تطالبهم بالحل الذي يرونه ليطبقه القائمون على الأمر من الإسلاميين المخلصين.
ولكن الأمر غير ذلك كليَّا.
فنحن في ظل وضع غاب عنه الإسلام غيابًا كاملًا في الأمة العربية جمعاء. اللهم إلا ما بقى منه من ظلال العقيدة والعبادة، أما الفقه الإسلامى فلا وجود له في المجتمع لا في الأفراد ولا في الجماعة، إلا في القليل النادر. وفى هذا الوضع وجب أن نبحث الأمر على غير ما بحثه الفقيهان السابقان.
وجب أن نضع مؤقتًا تأمينًا عمليًا تسمح الدول والحكومات بالعمل به ثم حين تقوم الدولة الإسلامية بنظامها الإسلامى الجديد يُزداد على هذا التأمين ما اقترحه الفاضلان ويعدَّل حسب الظروف آنذاك.
أقول: إننا الآن أمام تأمين إسلامى مؤقَّت فلننظر.
стр. 540
(٢) نظام التأمين الإسلامى الذي نراه
نرى أن يكون هذا النظام المقترح على ثلاث درجات:
١- الدرجة الأولى: إنشاء مصرف تنمية إسلامى على الوجه الذي اقترحه على المسلمين المعاصرون ولا سيما الدكتور رفيق المصرى في كتابه القيِّم تجتمع فيه أموال المسلمين فقط وتُشغّل بالأسلوب المذكور مع اشتراط المصرف على المشترك بتعهد خطى أن تكون زكاة ماله عائدة إلى صندوق الزكاة وعمل الخير في المصرف المذكور.
٢- الدرجة الثانية: إنشاء صندوق الزكاة من أموال المصرف المذكور، وبدلًا من إعطائها للفقراء مباشرة كما هى العادة يتكون منها رأس مال تجاري يقوم عليها موظفون يعملون بأجر معتدل، وهنا تأتى الدرجة الثالثة وهى النتيجة.
٣- الدرجة الثالثة: أن يكتتب طالبو التأمين بمبالغ خيرية تبرعًا منهم لصندوق الزكاة وعمل الخير في المصرف المذكور وليس لهم حق إعادتها، ثم إذا جاءت الأرباح بعد عشر سنين أو خمسة وفينا الفقراء حقهم من رأس مال الصندوق وأبقينا الأرباح مع التبرعات الخيرية للاستثمار ويتكون من هذا الصندوق الجديد المنبثق عن صندوق الزكاة وعمل الخير.
стр. 541
"صندوق عمل الخير" وهو التأمين الإسلامى الذي نراه صالحًا لإنقاذ حياة الفقراء والمساكين والمعوزين والمتضررين من المكتتبين وغيرهم وإن كانت الأفضلية في رأينا للمكتتبين في صندوق عمل الخير فقط دون المكتتبين في مصرف التنمية الأساسى لأن أرباحهم كافية لهم.
ولا بأس بأن نشترط هنا ما اشترطه الفقيه الدكتور عيسى عبده على المؤسسات التعاونية التكافلية وهى:
١- أن يدفع الفرد المساهم نصيبه المفروض عليه في ماله على وجه التبرع قياما بحق الأخوة.
٢- إذا أريد استغلال هذا المال المدَّخر فبالوسائل المشروعة وحدها.
٣- لا يجوز لفرد أن يتبرع بشيء على أساس أن يعوَّض بمبلغ معين إذا حلَّ به حادث. ولكن يعطى من مال الجماعة بقدر ما يعوّض في خسارته أو بعضها على حسب ما تسمح به حال الجماعة.
٤- التبرع هبة، والرجوع فيها ممنوع شرعًا كراهةً أو تحريمًا (١) .
وبعد؛
فالذى دعانى إلى إقامة صندوق عمل الخير (التأمين الخيرى) على أساس الزكاة ثم على أساس مصرف التنمية، ما نراه ونعلمه من استبعاد فكرة إقامة التأمين الخيرى هذا فورًا على أساس خيرى بحت، وهب أنه قام وتنادى إليه موسروا المسلمين فكيف يتم صرفه وتشغيل أمواله ومن هم أولئك المستفيدون منه وهل نضمن سلامة قيام هذه المؤسسة دون استغلال؟.
أما فيما ذكرت فلو أن الناس لم يتبرعوا لصندوق عمل الخير، وبقيت أموال الزكاة فقط فاستثمرت بيد أناس عاملين عليها ثم رُدّ رأس مال الصندوق وهو محض الزكاة للفقراء وأخذت الأرباح لصندوق عمل الخير لكان كافيًا. ولا ضرر في تأخير إعطاء الفقير الزكاة ولا في استثمارها على أساس الضمان لا الأمانة كى لا يضيع حق الفقير في رأس المال.
والذى يجلب لنا فائضًا من الزكاة هذه صندوق التنمية الأساسى الذي يستثمر أموال الناس بما يشبه شركة المضاربة في الفقه الإسلامى، فكلما كثرت أموال الناس في مصرف التنمية كثرت الزكاة، ومن ثم كثرت أرباح الزكاة ثم وجدت ذلك كله في صندوق عمل الخير.
وهذه نظريتنا وهذا تعليلها فيما نرى والله تعالى أعلم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
стр. 542
مسرد المراجع
(أ) المراجع القديمة:
ابن الأثير (الجزرى) : النهاية في غريب الحديث
الأتاسى (خالد) : شرح المجلة. ط حمص
ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم) : العقود باسم (نظرية العقد) ط القاهرة سنة١٩٤٩م
الباجى (أبو الوليد المالكى) : المنتقى شرح الموطأ
الرافعى (عبد القادر) : تقريرات على رد المحتار ط بولاق
الراغب الأصفهانى: مفردات غريب القرآن
الشريف (على الجرجانى) : التعريفات
الزَّبيدى (محمد مرتضى) : تاج العروس شرح القاموس
السرخسى (شمس الأئمة) : المبسوط شرح الكافى
الطحاوى (أحمد) : حاشية على الدر المختار في أربع مجلدات
ابن عابدين (محمد أمين) : حاشية رد المحتار على الدر المختار ط بولاق سنة١٢٧٢هـ
مجموع الرسائل العابدينية ط الآستانة سنة٣٢٥هـ
عبيد الله بن مسعود (صدر الشريعة) : التوضيح لحل غوامض التنقيح بحاشية التلويح
للسعد ط البابى الحلبى
الفيومى (محمد بن أحمد) : المصباح المنير
الكفوى (أبو البقاء) : الكليات
المطرّزى (الخوارزمى الحنفى) : المُغرب (محققًا في سورية)
ابن منظور (أبو المكرّم) : لسان العرب
محمد بن الحسن (الإمام) شرح السِّير الكبير
المطيعى (محمد بخيت) رسالة (أحكام السيوكورتاه)
النسفى (أبو جعفر عمر بن محمد المتوفى سنة ٥٨٧هـ) طِلَبَةُ الطَّلَبَةِ
стр. 543
(ب) المراجع الحديثة:
البدراوى (د. عبد المنعم) : عقد البيع – القاهرة ١٩٥٨
الحجوى (محمد الحسن الثعالبى) : الفكر السامى في تاريخ الفقه الإسلامى
الجويجاتى (عارف) : كلمة حق في عقد التأمين (رسالة)
الزرقاء (مصطفى أحمد) : (عقد التأمين وموقف الشريعة منه) كتاب ط مطبعة جامعة دمشق
السنهورى (الدكتور عبد الرزاق) : الوسيط شرح القانون المدنى مصادر الحق في الفقه الإسلامى عقد الإيجار
السنهورى (محمد أحمد فرج) : مؤتمر البحوث الإسلامية العدد السابع (التأمينات)
الصديق (الدكتور محمد الأمين الضرير) : الغرر وأثره في الفقه الإسلامى رسالة دكتوراه (عقد التأمين) بحث في أسبوع الفقه الإسلامى
عبده (الدكتور عيسى) التأمين بين الحل والتحريم (كتاب) بسلسلة (من مكتبة الاقتصاد الإسلامى) ط دار الاعتصام التأمين الأصيل والبديل (رسالة) العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية المعاصرة (كتاب)
علوان (عبد الله) : عقد التأمين في الشريعة الإسلامية (رسالة)
الفرفور (الدكتور محمد عبد اللطيف) : ابن عابدين وأثره في الفقه رسالة دكتوراه
المجلس الأعلى للعلوم: أسبوع الفقه الإسلامى مهرجان ابن تيمية سنة١٩٦١
مرسى (محمد كامل) : (العقود المسماة) الجزء السادس عقد البيع والمتابعة
المصرى (د. رفيق) : مصرف التنمية الإسلامى رسالة دكتوراه
стр. 544
التأمين وَإعادة التأمين
الشَيخ مصطفى أحمد الزرقاء
رسالة إلى فضيلة الأمين العام للمجمع
حول التأمين وإعادة التأمين
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
فى اجتماع شعبة التخطيط (٢٢_٢٥/٨/١٤٠٥هـ) أحلتم إلى عهدتى تقديم بحث واف عن نظام التأمين وعقوده وحكمه بالنظر الشرعى في الإسلام، وهو من أهم قضايا الساعة التى اختلفت فيها أنظار الفقهاء المعاصرين.
وأفيد فضيلتكم أننى أصدرت في هذا الموضوع كتابًا جديدًا نشر في العام الماضى عنوانه: (نظام التأمين – حقيقته، والرأى الشرعى فيه) . مضافًا إليه نظرات في الموضوع من زوايا جديدة. وسبعة ملحقات في القسم الأخير منه، عرضت فيها جميع الشبهات التى أثيرت حول التأمين بعد صدور كتابى الأول، وناقشت هذه الشبهات جميعًا ورددت عليها بالتفصيل، وبخاصة شبهة الغرر التى هى أقوى وأهم الشبهات التى يتذرع بها المنادون بتحريم التأمين.
وخلاصة رأيى في الموضوع أن نظام التأمين في ذاته مقبول، بل مستحب في ظل الشريعة الإسلامية، بأنواعه الثلاثة: (التأمين على الأشياء من مختلف الأخطار، والتأمين من المسئولية الذي يسمونه تأمينًا ضد الضرر. والتأمين على معونة أسرة المستأمن بعد موته. وهو الذي يسمونه خطًا: تأمينًا على الحياة) .
فالتأمين، بجميع أنواعه الثلاثة، فيه تعاون نافع على تفتيت المصائب وإزاحتها عن رأس من تقع عليه، وتوزيعها على أكبر عدد ممكن من المتعاونين وهو مجموع المستأمنين. فلا يعقل قبول فكرة تحريم هذا التعاون شرعًا.
وحجة القائلين بالتحريم أن هذا التعاون قد أصبح تجارة تديرها شركات مستغلة وتحفها مسالك منحرفة عن الطريق الشرعى. وفيه غرر، ويؤخذ فيه قسط مالى دون مقابل إذا لم يقع الخطر، كما يأخذ المستأمن أضعافًا كثيرة زيادة عن قسط التأمين إذا وقع الخطر، مما يجعله كالمقامرة أو الربا، علاوة على أن شركات التأمين قد تشترط في التأمين على الحياة شروطًا ربوية، وهى دائمًا تستثمر احتياطى أموالها لدى المصارف الربوية.
стр. 545
وقد رددت في كتابى الأول والثانى على هذه الشبهات بما فيه الكفاية، وأوضحت ضرورة التمييز بين نظام التأمين في ذاته إذا خلا عقده من شروط منافية لقواعد الشريعة في التعاقد، وبين ما يشترط في عقوده التطبيقية من شروط غير مقبولة شرعا، ربوية أو سواها. فحينئذ نحكم بتحريم ذلك العقد بخصوصه، لا بتحريم نظام التأمين كليًا. وذلك كالبيع الذي أحله الله تعالى نظاما لتبادل الأموال وفاء لحاجة الناس، فإذا تضمن بعض عقوده التطبيقية شرطا ربويًا فإننا نحكم بحرمة هذا العقد لا بحرمة نظام البيع كليًا، وتبادل الأموال بوجه عام.
أما التمييز بين تأمين تعاونى يباح، وتأمين تجاري يحرم، فقد أوضحت خطأه في مخالفتى لقرار المجمع الفقهى بمكة المكرمة الذي ذهب إلى هذا التمييز، ومخالفتى هذه المشار إليها مثبتة بنصها مع قرار المجمع المؤقر، ومنشورة في كتابى الجديد المشار إليه الصفحات/١٥١_١٥٣.
وأما شبهة الغرر- وهى الشبهة الوحيدة الجديرة بالوقوف عندها للنظر والتمحيص فقد بين لى، بحمد الله تعالى، أنها شبهة داحضة لا ناهضة، وأوضحت في عقد التأمين تخريجًا فقهيًا وتكييفًا ينفيان وجود الغرر فيه. ثم عرضت آراء المذاهب الفقهية في الغرر، بما يكفئ لإقناع من همه البحث عن الحقيقة العلمية بتجرد، أنه لا ينبغى أن يكون للغرر المزعوم في عقد التأمين تأثير مانع على فرض وجود غرر فيه. (ينظر تفصيل ذلك في كتابى الجديد تحت كلمة (غرر) في حرف الغين من الفهرس الهجائى، في المواطن المحال عليها فيه) .
هذا، وقد بدا لى أن كتابة بحث الآن عن التأمين، وبيان وجهة نظرى فيه بعد صدور كتابى الجديد المذكور، لن يكون سوى تكرار لبعض ما استوفيته فيه، أو اختصار تغيب فيه قوة الحجة ونصاعتها، ولن يغنى عن الرجوع إلى الكتاب لاستيعاب التفصيل حول كل نقطة من نقاط الموضوع ليتسنى تكوين فتوى نيرة صادرة عن بصيرة.
стр. 546
لذا رأيت أن أكتفى بتقديم نسخة منه مع هذه الكلمة التوضيحية لتروا ما تستحسنون من تصوير نسخ عنها توزعونها على الأعضاء الكرام. أو طلب العدد اللازم لهم من نسخ الكتاب من دار النشر التى نشرته في مدينة عمان، وهى دار البشير بمنطقة العبدلى في عمان من المملكة الأردنية.
وأرسل الآن نسخة من الكتاب المذكور بالبريد المسجل الجوى إلى فضيلتكم في وقت واحد مع هذه الرسالة.
ويرى في آخر الكتاب، بعد فهرس المراجع فهرس هجائى مستوعب للألفاظ العنوانية وللأعلام المذكورة فيه بمناسبة آراء منقولة عن أحدهم، ثم فهرس موضوعى تفصيلى، فيستطيع الباحث أن يرجع بواسطتها إلى أية فكرة أو ناحية عولجت أو نوقشت في الكتاب، فيرى التفصيل فيها بمنتهى السهولة.
وأختم بالتحيات الطيبات مشفوعة بمزيد الاحترام لفضيلتكم، ومد الله تعالى في أثركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 547
وثائق مقدمَة للمؤتَمر
التأمين وَإعادة التأمين
الشَيخ عبٌد الله بن زيد آل مَحمُود
شركات التأمين
اعلم أنها لَما كثرت الخيرات واتسعت التجارات وفاض المال على الناس من جميع الجهات، اخترع الناس لهم فنونًا من المعاملات والشركات لم تكن معروفة في سالف السنين ولم يقع لها ذكر عند الفقهاء المتقدمين.
من ذلك شركات التأمين على اختلاف أنواعها، وهى قضية ذات أهمية وليدة هذا العصر، وقد راجت بين العالم وصارت حديث القوم في سمرهم ومجالسهم، وأخذ بعض الناس يموج في بعض في موضوعها بالتجهيل والتضليل وبالتحريم والتحليل.
وأسبق من رأيناه طرق موضوع الكلام فيها من علماء المسلمين هو الشيخ ابن عابدين المتوفى عام (١٢٥٢) فقد ذكرها في كتابه "الرد المختار" ونصه:
قال: "إنها جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبًا من حربى يدفعون له أجرته ثم يدفعون أيضا مالًا معلومًا لرجل مقيم فى بلاده يسمى ذلك المال (سوكره) على أنه مهما هلك المال الذي في المركب بغرق أو حرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بثمنه في مقابلة ما يأخذه منهم، فإذا هلك من مالهم شيء يؤدى ذلك المستأمن للتجار بدله تمامًا.. قال: والذى يظهر لى أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك، لأن هذا التزام ما لا يلزم. انتهى".
стр. 548
ويظهر أن مبدأ عملية التأمين هو الخوف من الحوادث والكوارث الشديدة التى تفاجئهم فتجحف بذهاب أنفسهم وأموالهم، فأراد بعض التجار بهذا التأمين التحفظ على ضمان أموالهم كما أراد الآخرون التأمين على بدل حياتهم، وهذا كله لم يكن معروفًا في بلدان المسلمين قبل هذه السنين.
ثم أخذ علماء هذا العصر يتكلمون في موضوعها، حيث دعت الحاجة والضرورة إلى البحث فيها، لأن "لكل حادث حديث ولكل مقام مقال".
فمنهم من قال بتحريم عقد التأمين بكل أنواعه، ومنهم من أباحه بكل أنواعه، ومنهم من توسط فيه فقال بإباحة شيء ومنع شيء منه، ولسنا من المجازفين القائلين بإباحته بكل أنواعه ولا من الجافين القائلين بتحريمه بكل أنواعه.
وإنما موقفنا منه موقف التفصيل لأحكامه، ثم التمييز بين حلاله وحرامه. والذى ترجح عندنا هو أن التأمين على حوادث السيارات والطائرات والسفن والمصانع والمتاجر أنه مباح لا محظور فيه، إذ هو من باب ضمان المجهول وما لا يجب وقد نص الإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة على جوازه.
وهذا نوع منه يقاس عليه لإلحاق النظير بنظيره، كما سيأتى بيانه.
أما التأمين على الحياة، فإنه غير صحيح ولا مباح لأننا لم نجد له محملًا من الصحة لأن وسائل البطلان محيطة به من جميع جهاته، فهو نوع من القمار ويدخل في بيع الغرر كبيع الآبق الذي لا يدرى أيقدر على تحصيله أم لا، ويدخل في مسمى الربا الذي هو شراء دراهم بدراهم مؤجلة، ويدخل في بيع الدين بالدين، حيث إن المؤمن يدفع قيمة التأمين مقسطة في سبيل الحصول على دراهم أكثر منها مؤجلة، أضف إلى أنها لا تقتضيه الضرورة ولا توجيه المصلحة، كما سيأتى بيانه قريبًا إن شاء الله.
стр. 549
التأمين على السيارات:
إن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيّه بيّن الحلال والحرام بيانًا واضحًا فقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ، وقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
وفى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، أن النبى ﷺ قال: ((الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب)) .
فأخبر النبى ﷺ في هذا الحديث أن الحلال المحض بيّن واضح لا مجال للشك فيه وأن الحرام المحض بيّن لا يختلج في القلب الجهل به ولكن بينهما أمور مشتبهات لا يعلم أكثر الناس حقيقة الحكم فيها، هل هى من الحلال أو من الحرام. ومفهوم الحديث أن القليل من الناس وهم أهل العلم والمعرفة يعرفون حكم الله في هذه المشتبهات فيلحقون الحلال بنظيره من الحلال، والحرام بنظيره من الحرام.
فالذين يخاف عليهم من الوقوع في الحرام عند مقاربتهم للمشتبهات هم العوام الذين تخفى عليهم غوامض الأحكام ويتجاسرون على الأشياء المشتبهات بدون سؤال عن الحلال والحرام، كما أن العلماء ينبغى أن يتركوا المشتبهات عندما يخفى عليهم طريق الحكم فيها، لحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) .
стр. 550
ثم أن هذه المشتبهات تقع في العقود والشروط والمبايعات والأنكحة والأطعمة والرضاع، وقد ترجم لها البخاري في صحيحه، فقال: "باب تفسير المشتبهات"، ثم ساق بسنده عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: إنى قد أرضعتكما، فسأل النبى ﷺ فقال: كيف وقد قيل، ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره. ثم ذكر حديث عبد الله بن زمعة مع عتبة بن أبي وقاص، حيث قال رسول الله ﷺ : ((الولد لك يا عبد الله بن زمعة واحتجبى منه يا سودة)) . فأمر سودة أن تحتجب عنه مع أنه محكوم بكونه أخاها، لكن لمّا رأى قرب شبهة بعتبة بن أبي وقاص أمرها أن تحتجب عنه وهو من باب اتقاء الشبهات.
فمن هذه المشتبهات ما يقع مشكلًا مشتبهًا في وقت إلى أن يتصدى له من يخرجه من حيز الاشتباه والغموض إلى حيز التجلى والظهور حتى يصير واضحًا جليًا لا مجال فيه للاشتباه.
فمن هذا النوع قضية التأمين على السيارات، فهى وإن أشكل على الكثير من الناس حكمها من أجل تجدد حدوثها وغموض أمرها وعدم سبق الحكم من الفقهاء فيها باسمها، فإن لها في الفقه الإسلامى أشباها ونظائر ينبغى أن ترد إليها ويؤخذ قياسها منها، كما يرد الفرع إلى أصله والنظير إلى نظيره.
وهذا يعد من القياس الصحيح الذي نزل به الكتاب والسنة وعمل به الصحابة –رضى الله عنهم- فإنهم كانوا يمثلون الوقائع بنظائرها ويشبونها بأمثالها، ويردون بعضها إلى بعض في أحكامها ففتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقة وبينوا لهم سنة تحقيقه وتطبيقه. كما سيأتى بيانه.
стр. 551
الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل التحريم
ذهب الإمام أبو حنيفة –﵀ إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلى أن يقوم دليل الإباحة وهذا هو مذهب الظاهرية وعليه تدل نصوص الإمام الشافعى وأصوله.
وذهب الإمام مالك إلى أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه وعليه تدل نصوص الإمام أحمد وأصوله وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀.
فقد قال شيخ الإسلام –﵀ "إن الأصل في العقود الصحة والجواز ولا يحرم ويبطل منها إلا ما دل الشرع على إبطاله وتحريمه بنص صحيح أو قياس صريح". قال: "وأصول الإمام أحمد المنصوصة عنه تجرى على هذا القول، ومالك قريب منه" (١) انتهى.
وقد نهج هذا المنهج العلامة ابن القيم –رحمة الله- قال في الأعلام:
"الخطأ الرابع: فساد اعتقاد من قال أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملتهم على البطلان حتى يقوم دليل الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة عقد أو شرط أو معاملة، استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك عقودًا كثيرة من معاملات الناس وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل وجمهور الفقهاء على خلافه وأن الأصل في العقود والشروط الصحة حتى يقوم الدليل على البطلان، وهذا القول هو الصحيح، فإنه لا حرام إلا ما حرم الله ورسوله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله".. انتهى (٢) .
إذا ثبت هذا، فإن صفة عقد التأمين على حوادث السيارات، وهو أن يتفق الشخص الذي يريد التأمين على سيارته مع شركة التأمين، سواء كان التأمين كاملًا أو ضد الغير، فيدفع قدرًا يسيرًا من المال على تأمينها مدة معلومة من الزمان، كعام كامل بشروط وقيود والتزامات معروفة عند الجميع. من أهمها: كون السائق يحمل رخصة سياقة، فمهما أصيبت هذه السيارة أو أصابت غيرها بشيء من الأضرار في الأنفس والأموال خلال المدة المحدودة، فإن الشركة ملزمة بضمانه بالغًا ما بلغ.
стр. 552
ويستفيد المؤمن على سيارته حصول الأمان والاطمئنان على نفسه وعلى سيارته التى يسوقها بنفسه أو يسوقها رجل فقير لا مال له ولا عاقلة، فيستفيد عدم المطالبة والمخاصمة في سائر الحوادث التى تقع بالسيارة متى كان التأمين كاملًا، وتقوم شركة التأمين بإصلاحها عند حدوث شيء من الأضرار بها. ومثل هذا الأمان والاطمئنان يستحق أن يبذل في حصوله نفيس الأثمان.
وليس فيه المحذور سوى الجهالة بالأضرار التى قد تعظم في بعض الأحوال فتقضى بهلاك بعض النفوس والأموال وقد لا تقع بحال.
وهذه الجهالة مغتفرة فيه كنظائره من سائر الضمانات. فقد ذكر الفقهاء صحة الضمان عن المجهول وعما لا يجب!.
قال في "المغنى": ويصح ضمان الجنايات، سواء كانت نقودًا كقيم المتلفات أو نفوسًا كالديّات، لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام. قال: ولا يشترط معرفة الضامن للمضمون عنه ولا علمه بالمضمون به لصحة ضمان ما لم يجب.. انتهى.
وهذه هى نفس قضية التأمين على ضمان حوادث السيارات، ثم إن هذه الجهالة في عقد التأمين لا تفضى إلى نزاع أبدًا، لتوطين الشركة أمرها في عقدها على التزام الضمان بالغًا ما بلغ، فلا تحس بدفع ما يلزمها من الغرامة في جنب ما تتحصل عليه من الأرباح الهائلة.
وقد دعت إليها الحاجة والضرورة في أكثر البلدان العربية، بحيث لا يمنح السائق رخصة سياقة إلا في سيارة مؤمنة وإلا اعتبروه مخالفًا لنظام سير البلد، وهذه مما يزول بها شبهة الشك في إباحتها وتتمخض للجواز بلا إشكال.
وفى هذا التأمين مصلحة كبيرة أيضا وهى أن المتصرفين بقيادة السيارات هم غالبًا يكونون من الفقراء الذين ليس لهم مال ولا عاقلة، فمتى ذهبت أرواح بعض الناس بسببهم وبسوء تصرفهم فلن تذهب معها دياتهم لورثتهم، بل يجب أن تكون مضمونة بهذه الطريقة.
إذ من المعلوم أن حوادث السيارات تقع دائمًا باستمرار وأن الحادثة الواحدة تجتاح هلاك العدد الكثير من الناس ومن الحزم وفعل أولى العزم ملاحظة حفظ دماء الناس وأموالهم.
وهذا التأمين وإن كان يراه الفقير أنه من الشيء الثقيل في نفسه ويعده غرامة مالية عليه حال دفعه لكنه يتحمل عنه عبئًا ثقيلًا من خطر الحوادث، مما يدخل تحت عهدته ومما يتلاشى معها ما يحس به من الغرامة لكون المضار الجزئية تغتفر في ضمن المصالح العمومية.. والله أعلم.
стр. 553
إزالة الشبهات اللاحقة لتأمين السيارات
إن العقود والشروط والشركات والمبايعات كلها مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة، بخلاف العبادات، فإنها مبنية على التشريع والاتباع لا على الاستحسان والابتداع.
والفرق بينهما هو أن العبادات حق الله، يؤخذ فيها بنصوص الكتاب والسنة. أما المعاملات، فإنها مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة، إذ هى من حقوق الآدميين بعضهم مع بعض. بحيث يتعامل بها المسلم مع المسلم والمسلم مع الكافر.
فمتى كان الأمر بهذه الصفة، فإنه ليس عندنا نص صحيح ولا قياس صريح يقتضى تحريم هذا التأمين يعارض به أصل الإباحة أو يعارض به عموم المصلحة المعلومة بالقطع.
إذ العقود والشروط عفو حتى يثبت تحريمها بالنص أو بالقياس الصحيح.
والتحريم هو حكم الله المقتضى للترك اقتضاء جازمًا كما حققه أهل الأصول وهذه الشركة المنعقدة للتأمين أن رأت في نفسها، من مقاصدها أو رآها الناس أنها تجارية استغلالية.
لكن حقيقة الأمر فيها والواقع منها أنه يتحصل منها اجتماع المنتفعين منفعتها في نفسها في حصول الأرباح لها ومنفعة الناس بها، فهى شركة تعاونية محلية اجتماعية تشبه شركة الكهرباء والأسمنت وغيرهما، فكل هذه الشركات تدخل في مسمى التعاون بين الناس، لأن الشخص غنى بإخوانه قوى بأعوانه ويد الله مع الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فهى من جنس المشاركة بالوجوه ومشاركة الأبدان ومشاركة المفاوضة. وقد حصل الخلاف قديمًا بين الفقهاء في جواز هذه المشاركات، فمنهم من قال بجوازها، ومنهم من قال بمنعها، كما حصل الخلاف في شركة التأمين على حد سواء ثم زال الخلاف عن هذه الشركات كلها واستقر الأمر على إباحتها على اختلاف أنواعها.
ووجه الإشكال دعوى دخولها في مسمى الجهالة والغرر الذي نهى عنه الشارع.
كما روى مسلم في صحيحه، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر ".
стр. 554
وفسر هذا الغرر المنهى عنه بثلاثة أمور:
(أحدها) المعدوم: كبيع حبل الحبلة وبيع ما في بطون الأنعام وبيع ما ليس عندك ونحوه.
(الثانى) بيع المعجوز عن تسليمه: كبيع الآبق.
(الثالث) المجهول المطلق: كبعتك عبدًا من عبيدى أو ما في بيتى، ومنه بيع الحصاة وبيع الملامسة والمنابذة وضربة الغائص وبيع الحظ والنصيب المسمى باليانصيب فكل هذه داخلة في بيع الغرر المنهى عنه شرعًا، لكونها يقع فيها النزاع غالبًا نظير ما يقع في القمار، فإن هذا العبد الآبق إنما يبيعه صاحبه بدون ثمن مثله مخاطرة، فإن تحصل عليه قال البائع: غبنتنى، فإن لم يجده قال المشترى: غبنتنى ردّ علىّ ثمنى.
وهذا المعنى منتف في هذه المشاركة التى مبناها على التعاون الاجتماعى الصادر عن طريق الرضا والاختيار بدون غرر ولا خداع.
فجواز المشاركة هذه أشبه بأصول الشريعة وأبعد عن كل محذور، إذ هى مصلحة محضة للناس بلا فساد.
غير أن فيها تسليم شيء من النقود اليسيرة في توطيد تأمين السيارة ومن السهل أن يختصرها الشخص من زائد نفقته كذبيحة يذبحها لأدنى سبب أو بلا سبب، لأن كل عمل كهذا فإنه يحتاج بداعى الضرورة إلى مال ينظمه ويقوم بالتزام لوازمه، وليس عندنا ما يمنع بذل المال في التزام الضمان. كما قالوا بجواز: اقترض لى ألفًا ولك منه مائة، وأنه جائز، ومنه ضمان الحارس بأجرة.
стр. 555
فصحة هذا الضمان والتزام لوازمه يتمشى على نصوص الإمام أحمد وأصوله.
قال في المغنى: "دلت مسألة الخرقى على ضمان المجهول كقوله: ما أعطيته فهو على وهذا مجهول، فمتى قال: أنا ضامن لك ما على فلان، أو ما يقضى به عليه أو ما تقوم به البيّنة أو ما يقّر به لك أو ما يخرجه الحساب، صح الضمان بهذا كله وبهذا قال أبو حنيفة ومالك ".
قال: "وفيه صحة ضمان ما لم يجب وصحة الضمان عن كل من وجب عليه حق وفيه صحة الضمان في كل حق من الحقوق المالية الواجبة أو التى تؤول إلى الوجوب ".. انتهى.
وقال في المغنى أيضًا:
"ويصح ضمان الجنايات، سواء كانت نقودًا كقيم المتلفات أو نفوسًا كالديات، لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام". قال: "ولا يشترط معرفة الضامن للمضمون عنه ولا العلم بالمضمون به".
وهذه هى نفس قضية ضمان التأمين على السيارات، فإن شركة التأمين تلتزم ضمان الديات وأروش الجنايات وقيم المتلفات كما ذكر جوازه صاحب المغنى والشرح الكبير والإقناع. ولا يقدح في صحته جهل الضامن للمضمون به ولا المضمون عنه. فنصوص الإمام أحمد وأصوله تتسع لقبولها كنظائرها من الضمانات، وكذلك الإمام مالك وأبو حنيفة كما ذكرنا موافقتهما على ذلك.
стр. 556
غير أن الإمام أحمد أكثر تصحيحًا للعقود والشروط من سائر الأئمة، ونصوص مذهبه تساير التطور في العقود المستحدثة.
وإنما وقع اللبس فيها على من قال بتحريمها من علماء هذا العصر، كابن عابدين وغيره من جهة أنهم اعتقدوها قمارًا أو جهالة أو غررًا، أو التزام ما لا يلزم أو كونها على عمل مجهول قد يفضى إلى غرامات باهظة.
ويتمسكون بما بلغهم من العمومات اللفظية والقياسات الفقهية التى اعتقدوا شمولها لمثل هذا العقد يظنونها عامة أو مطلقة وهى لا تنطبق في الدلالة والمعنى على ما ذكروا.
أو يعللون بطلان مثل هذا بكونه لم يرد به أثر ولا قياس.
والله سبحانه قد أمر عباده بالوفاء بالعقود في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وهو شامل لكل عقد يتعاقده الناس فما بينهم ويلتزمون الوفاء به، ولم يكن قمارًا ولا ربا ولا خديعة.
إذ الأصل في العقود الصحة والإباحة إلا ما قام الدليل على تحريمه، لكون العقود والشروط والمشاركات من باب الأفعال العادية التى يفعلها المسلم مع الكافر وليست من العبادات الشرعية التى تفتقر إلى دليل التشريع.
فمن أعطى الشركة مالًا على حساب التزام ضمان سيارته بطيب نفس منه والتزمت الشركة لوازمه، فإن مقتضى الشرع يحكم بصحة هذا الضمان، أخذًا من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . ومن قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وفى الحديث ((لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)) . وهذا العوض قد خرج عن طيب نفس من مالك السيارة ومن الشركة، فثبت بذلك إباحته وقواعد الشرع لا تمنعه لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه وربما يجبرون بطريق النظام عليه، إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه. لأن المال عزيز على النفوس لا تسخو ببذله إلا في سبيل منفعتها، وفى هذا المقام هو في حاجة إلى تأمين سيارته لحصول الاطمئنان والأمان عما عسى أن ينجم عنها من حوادث الزمان.
стр. 557
وبما أن هذه الشركة هى من ضمن العقود التى أمر الله بالوفاء بها، ومن جنس التجارة الواقعة بين الناس بالتراضى، ومن جنس المشاركة بالأبدان والوجوه والمفاوضة، فإنها أيضا من جنس الصلح الجائز بين المسلمين، لما روى أبو داود والدارقطنى من حديث سليمان بن بلال، حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة، قال: "قال رسول الله: ﷺ ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا والمسلمون على شروطهم)) وكثير بن زيد قال يحيى بن معين: هو ثقة وضعفه في موضع آخر، وروى الترمذى من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده. أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) قال الترمذى: حديث حسن صحيح، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن هذا الحديث يترقى إلى الصحة بتعدد طرقه، مع العمل عليه بإجماع أهل العلم.
فهذا الاشتراك الاجتماعى الأهلى المنعقد للضمان في تأمين حوادث السيارات يعتبر من التعاون المباح وما ينتج عنه من الأرباح فحلال لا شبهة فيه، أشبه بشركات الكهرباء والأسمنت ونحوها، ويدخل في عموم الصلح الجائز بين المسلمين وإباحته تتمشى على ظاهر نصوص مذهب الإمام أحمد.
قال في الإقناع (١) : ويصح ضمان أروش الجنايات نقودًا كانت كقيم المتلفات أو حيوانًا كالديّات، لأنها واجبة أو تؤول إلى الوجوب.. انتهى. وسبق قول صاحب المغنى.
стр. 558
وهذه تشبه قضية ضمان التأمين على السيارات، حيث تلتزم الشركة ضمان الديات وأروش الجنايات وقيم المتلفات، كأضرار السيارات ونحوها من كل ما هو واجب بالضمان أو يؤول إلى الوجوب ولا يشترط معرفة المضمون عنه ولا المضمون به.
ولا يقدح في صحة هذا الضمان كون المؤمن على سيارته يدفع شيئًا من المال، فإن هذا لا يقدح في صحته الضمان والحالة هذه، إذ ليس عندنا ما يمنعه.
ولا يقدح في صحة هذا الضمان تبرع الشركة بدفع الديّات وقيم الأضرار والمتلفات بدون رجوع فيه إلى أحد، فإن هذا كله جائز على قواعد المذهب، إذ من المعلوم شرعًا وعرفًا أن الجناية تتعلق بالجانى المباشر لها في خاصة العمد وعلى العاقلة في قتل الخطأ فيما زاد على الثلث من الديّة، غير أن التزام الشركة بضمان هذه الجنايات وإن عظم أمرها وعدم الرجوع منها على أحد في غرمها أنه صحيح جائز، وهو مما يجعل الجانى الذي لم يتعمد وكذا عاقلته في راحة عن المطالبة والغرامة وهو خير من كونهم يتكففون الناس في سؤال هذه الغرامة أعطوهم أو منعوهم.
وغاية ما يدركون عليها هو الجهالة عن قدر الغرامة، وهى مغتفرة فيها كسائر أمثالها من الضمانات والشركات التى لا تخلو من الجهالة كشركة الأبدان والوجوه والمفاوضة، فإن فيها كلها شيئًا من الجهالة. وقد تكلم بعض الفقهاء المتقدمين بعدم جوازها من أجله ثم استقر الأمر على أن مثل هذه الحالة مغتفرة.
قال في الإقناع: "ويصح ضمان ما لم يجب وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن ما يجب على التاجر للناس من الديون وهو جائز عند أكثر أهل العلم كمالك وأبى حنيفة وأحمد " انتهى.
وقال في الاختيارات: "ويصح ضمان المجهول ومنه ضمان السوق وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقبضه من عين مضمونة وتجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه، لأن ذلك محل اجتهاد" انتهى.
فهذه المشاركات وما يترتب عليها من الالتزامات التى هى بمعنى الضمانات كلها من الأشباه والأمثال والنظائر التى يجب أن يقاس بعضها على بعض في الإباحة كشركة الأبدان وشركة الوجوه وشركة المفاوضة، ومثله شركة الكهرباء والأسمنت، ولأن حمل معاملة الناس وعقودهم وشروطهم على الصحة حسب الإمكان أولى من حملها على البطلان بدون دليل ولا برهان.. والله أعلم.
стр. 559
تسامح مذهب الحنابلة في تقبل التأمين على السيارات
وكثير من العقود والشروط والمعاملات
إن كل مختص في فهم فقه الأئمة الأربعة، فإنه سيعرف تمام المعرفة أن نصوص الإمام أحمد وأصوله تستصحب الحكم بصحة عقد التأمين على السيارات وأن جوازها يتمشى على مذهبه، كما يوافقه مذهب الإمام مالك وأبى حنيفة.
ولا نعنى بذلك أن الحنابلة ذكروا هذا العقد باسمه وصفته في كتبهم، بل ولا غيرهم من سائر المذاهب لكونها حديثة الاختراع ولكل حادث حديث.
وإنما نعنى أن نصوص الإمام أحمد، تتسع لقبولها كسائر نظائرها من الشركات والضمانات وبيع أسهم الشركات.
لكون الإمام أحمد أكثر تصحيحًا للعقود والشروط من سائر الأئمة، ونصوص مذهبه تساير التطّور في العقود المستحدثة.
لأن نصوصه وإن لم تنص على كل عقد أو شرط باسمه لكنها كافية لحل جميع مشاكل العقود والشروط والشركات بالنص أو الاقتضاء أو التضمن، غير أنها تحتاج إلى فهم ثاقب وتطبيق سليم وتبحر في فقه النصوص والعقود.
стр. 560
وقد اشَتهر عند المتأخرين تسامح مذهب الإمام أبي حنيفة في مسايرة التطّور في العقود المستحدثة، من أجل أن أصحابه نشروا عنه ذلك وهو صحيح. غير أن مذهب الإمام أحمد يمتاز عليه في كثير من المسائل التى تقتضيها الحاجة وتوجبها المصلحة، من ذلك أن نصوص الإمام أحمد وأصوله تدل على أن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما دل الدليل على التحريم خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلا ما دل على الإباحة وهو قول الظاهرية. وهو مذهب الشافعى.
ومنها عقد المساقاة على النخل والشجر بالثلث أو النصف أو بشيء مما يخرج منها أو من غيرها أو بالنقود.
فقد أنكرها الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعى وقالا: إنها بيع ما لم يخلق وأنها من الإجارة المجهولة وتفضى إلى الغرر.
أما الإمام أحمد فقد أجازها عملًا بحديث خيبر وكما أن الضرورة والحاجة وعموم المصلحة تقتضى ذلك وعليه العمل في هذا الزمان.
ومنها شركة المفاوضة، وهى أن يفّوض كل واحد منهما إلى شريكه التصرف في ماله مع حضور صاحبه وغيبته، فقد قال الإمام الشافعى لا يجوز. واتفق الإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة على جوازها.
ومنها شركة الأبدان، فقد قال الإمام الشافعى بمنعها، واشترط الإمام مالك لصحتها اتحاد الصنعة بين الشريكين.
أمام الإمام أحمد، فقد أجازها مع اختلاف الصنعة واتفاقها، كما أجاز الاشتراك على الدابة له نصف وللدابة النصف الثانى.
ومنها شركة الوجوه. فقد قال الإمام مالك والشافعى ببطلانها لكون الاشتراك الصحيح يتعلق على المال وعلى العمل وكلاهما معدومان في هذه المشاركة مع ما فيه من الغرر، لأن كل واحد منهما عاوض صاحبه بكسب غير محدود لا بصناعة ولا بعمل مخصوص. هذا حجة من قال بمنعها كمالك والشافعى.
стр. 561
أما الإمام أحمد، فقد قال بجوازها لأنها عمل من الإعمال فجاز انعقاد الاشر عليها.
وهذا هو الظاهر من مذهب الإمام أبي حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومنها شرط الخيار في البيع، فقد قال الإمام مالك والشافعى وأبو حنيفة: لا يجوز الخيار فوق ثلاثة أيام إلا أن الإمام مالكًا قال لا يزاد الخيار على ثلاثة أيام إلا بقدر الحاجة، كأن يصل إلى البلد وهو لا يصل إليها إلا فوق ثلاثة أيام.
أمام الإمام أحمد، فإنه قال بجواز شرط الخيار على ما يتفقان عليه زادت المدة أو قصرت حتى ولو زاد على الشهر، لأنه حق ثابت بالشرع فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل ويحكم بالملك في مدة الخيار للمشترى له غنمه وعليه غرمه.
ومنها إذا باع شيئًا واستثنى نفعه المباح مدة معلومة غير الوطء، ودواعيه، كما لو باع بيتًا واستثنى سكناه حولًا أو أكثر.
فقد قال الإمام أبو حنيفة والشافعى: لا يصح هذا الشرط، لأنه ينافى مقتضى البيع، أشبه ما لو اشترط أن لا يسلمه إليه.
أمام الإمام أحمد، فقد قال بصحة هذا الشرط ولزوم ما يترتب عليه، لقصة جابر حين باع بعيره على النبى ﷺ واستثنى حملانه إلى المدينة.
وتأخير تسليم المبيع إلى المدة المحدودة لا ينفى صحة البيع كالدار المؤجرة فإنه يصح البيع فيها مع تأخير تسليمها.
ومنها بيع التلجئة وهى إذا خشى إنسان سلطانًا أو ظالمًا أن ينتزع ملكه منه قهرًا فاتفق مع إنسان بأن يظهر للناس أنه اشتراه منه ليحتمى بذلك من هذا الظالم ولا يريد بيعه على الحقيقة، فإن هذا يسمى بيع تلجئة.
وقد قال الإمام أبو حنيفة والشافعى هو بيع صحيح، تم بأركانه وشروطه فلزم العقد فيه.
стр. 562
أما الإمام أحمد، فقد قال بعدم لزوم البيع لأنهما لم يقصدا البيع الحقيقى الذي هو انتقال المبيع إلى المشترى فلم يصح بناء على ما اتفقا عليه قبل العقد، لكون العقود محمولة على القصود.
ومنها بيع العربون وهو أن يشترى شيئًا فيسلم بعض ثمنه ويقول أن جئتك ببقية الثمن وإلا فالعربون لك.
فقد قال مالك والشافعى وأبو حنيفة: هذا لا يصلح لأنه بمثابة الخيار المجهول.
أما الإمام أحمد، فقد قال: لا بأس به وفعله عمر وأجازه ابن عمر، وضعّف حديث النهى عن بيع العربون.
ومنها لو اشترطت الزوجة في صلب العقد بأن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى عليها أو أن لا يخرجها من دار أهلها أو بلدها ونحو ذلك.
فقد قال أبو حنيفة ومالك والشافعى: هذا شرط باطل لحديث ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط)) . وحديث ((إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) ، وهذا الشرط يقتضى تحريم الحلال من التزوج بغيرها أو التسرى أو السفر.
أما الإمام أحمد، فقد قال بصحة هذا الشرط ولزومه، وأنه أن لم يف به فلها الخيار بين البقاء أو فسخ النكاح، لما روى البخاري أن النبى ﷺ قال: ((إن أحق الشروط أن توافوا به ما استحللتم به الفروج)) ، وحديث ((المسلمون على شروطهم)) .
والقول بصحة هذا الشرط لزومه يروى عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعًا.
وتزوج رجل بامرأة واشترطت عليه دارها فأراد نقلها بغير اختيارها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها. فقال الرجل: إذا يطلقننا يا أمير المؤمنين. فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط.
стр. 563
فهذه العقود والمشاركات والشروط وما يترتب عليها من الالتزامات والضمانات كلها من الأشباه والأمثال والنظائر التى يقاس بعضها على بعض في الإباحة لملاءمتها للمعاملات المستحدثة في هذا العصر والتى لا توجد عند غيره من الأئمة.
وكل ما يصححه من العقود والشروط، فإن لديه دليلًا خاصًا من أثر أو قياس لكونه يستنبط دلائل مذهبه من مسنده وقد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبى ﷺ وعن الصحابة ما لم يبلغ غيره من الأئمة فقال به.
فهذا الاشتراك الاجتماعى الأهلى المنعقد لضمان تأمين السيارات والطائرات والسفن ونحوها، يعتبر من التعاون المباح ويدخل في حدود التعامل الجائز، وما ينتج عنه من الأرباح فحلال لا شبهة فيه، أشبه شركة الكهرباء والأسمنت ونحوهما.
لأن حمل معاملة الناس على الصحة، حسب الإمكان أولى من حملها على البطلان بدون دليل ولا برهان لكون العقد الصحيح عند أهل الأصول هو ما يتعلق به النفوذ من بلوغ المقصود ويعتد به. والباطل بخلافه وهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به، وهذا الاشتراك وما يترتب عليه مستكمل لشروط الصحة شرعًا.
стр. 564
ومن تأمل هذا تبين له أن جواز هذا الاشتراك وإباحة ما يترتب عليه من الربح أنه أشبه بأصول الشريعة وأبعد عن كل محذور.
لكون الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه وأصول الإمام أحمد ونصوصه وقواعد مذهبه تقبل مثل هذا العقد وتنافى تحريمه.
لكن بعض العلماء في هذا العصر القائلين بمنعه إنما أخذوه من العموميات اللفظية والقياسات الفقهية التى اعتقدوا شمولها لمثل هذا العقد ظنًا منهم أنه جهالة أو غرر، وما عارضوا به لم يصح عن الشارع القول بموجبه ولم يدخل في عموم المنهى عنه في أصل الشرع ولا في نصوص أحمد وأصوله، لكون الجهالة فيه مغتفرة وليست من الغرر المنهى عنه، بل هى من النوع الجائز كسائر أمثاله من الضمانات والشركات.
وبهذا تندفع الاعتراضات وتبقى الأدلة الشرعية كافية للإقناع العلمى الذي تزول به الشكوك والشبهات.
لهذا يجوز للقاضى الشرعى أن يحكم بصحة هذا العقد ولزوم ما يترتب عليه من الضمان.
ومتى صدر الأمر به من الحكومة يتمحض للحتم والإلزام.
وهو يدخل في ضمن عقد الضمان الذي ذكره الفقهاء من الحنابلة والمالكية والأحناف، حيث قالوا بصحة ضمان ما لم يجب وضمان المجهول وضمان أروش الجنايات، سواء كانت نقودًا أو ديات وكونه لا يشترط لصحة مثل هذا الضمان معرفة الضامن للمضمون عنه ولا قدر المضمون به فمتى قابل العاقل بين هذا الضمان الموصوف بما ذكر وبين ضمان التأمين على السيارات وجده منطبقًا عليه بجميع صفاته وإن اختلفت مسمياته وقواعد الشرع تعطى الشيء حكم نظيره. والله أعلم.
стр. 565
التأمين على الحياة
وبيان بطلانه بالبراهين والبيّنات
أن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيّه نصب أعلامًا وحدودًا للحلال يعرف بها الحلال، وأعلامًا وحدودا للحرام يعرف بها الحرام، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وحدود الله محرماته، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ .
وقد أنزل الله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، فالكتاب هو الهادى إلى الحق، والميزان هو الذي توزن به أعمال الخلق فيعرف عدلها من عائلها، وصحيحها من فاسدها، فترد الفروع إلى أصولها ويلحق النظير بنظيره ويعطى حكمه في الجواز والمنع كما في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعرى –رضى الله عنهما- حيث قال: "ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما لم يكن في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال والنظائر وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق" انتهى.