ويرى الأستاذ المودودي: أن انتشار هذه الحركة في أوروبا وأمريكا كان لأسباب غير الذي دعا من أجله مالتوس وإنما جاء نجاحها نتيجة للنهضة الصناعية الجديدة والنظام الرأسمالي والحضارة المادية السائدة اليوم في الغرب، فقد هجر سكان القرى والأرياف مزارعهم إلى المدن للعمل في مصانعها ومعاملها، واتسعت حاجات الحياة، وغلت تكاليفها غلاء فاحشا ضاق به أصحاب الدخل المحدود، حتى عجز الآباء عن تربية أولادهم، والأزواج عن رعاية زوجاتهم والشباب عن كفالة آبائهم وأمهاتهم الشيوخ، واضطرت النساء أن يكفلن أنفسهن بعملهن فخرجن من بيوتهن لكسب المعيشة.
بذلك بطلت القسمة الفطرية القديمة في باب الاقتصاد التي كان بموجبها: أن يكدح الرجال لكسب المعيشة، وأن يتولى النساء تربية الأولاد، وإدارة شؤون المنزل الداخلية، وإذا كان على المرأة أن تعمل كالرجل لتؤدي نصيبها من نفقات الأسرة المشتركة فأنى لها أن تستعد لإنجاب الأولاد، وأن تقوم برعايتهم كما ينبغي!
وإن نعجب من نجاح فكرة تحديد النسل لسبب غير السبب الذي من أجله دعا الدعاة إلى تحقيقها وهو تقليل عدد السكان ليتفق مع مقدار الموارد والوسائل الاقتصادية الممكنة.
.. فعجب آخر: أن يكون رواج هذه الفكرة بين الأغنياء والطبقات المتوسطة.. التي لا تشكو فقرًا ولا نقصًا في مواردها الاقتصادية، فالعمال الفنيون من ذوي الرواتب الضخمة، وأرباب التجارة والصناعة، والمثقفون ثقافة عليا، ورجال الرفاهية الاقتصادية من الطبقة الوسطى والأغنياء والمترفون من الطبقة العليا - هم المؤيدون لهذه الحركة والعاملون على تحديد نسلهم كما جاء في تقرير اللجنة الملكية لإحصاء السكان في بريطانيا، وظلت طبقة العمال والفلاحين يتزايد عدد أفرادها في مقابل انخفاض عدد الأغنياء والمثقفين.
وقد أكد ذلك الفيلسوف البريطاني برترا ثدراسل - في كتابه (مبادئ الإنشاء الاجتماعي) فقال: إن الطبقات التي يقل أفرادها هم المثقفون والأغنياء والأذكياء.. بينما يتزايد عدد أفراد طبقات العمال والأغبياء والجبناء، وحذر راسل من انحطاط مستوى الذكاء والقوة والنشاط والثقافة وطالب بتغيير النظام الاقتصادي والمستوى الأخلاقي.
стр. 5217
المخاطر الأخلاقية للتحديد:
ومن عجائب آثار حملة تحديد النسل - غير ما تقدم - أن أدوية ووسائل منع الحمل يسرت طرق الفواحش الخلقية. ولم تعد المرأة تخشى فضيحة بسبب حملها إذا ما رغبت في تلبية نزعاتها الجنسية بغير وسيلة الزواج. وبخاصة حين تقوم العقبات الاقتصادية الكثيرة في طريق تأسيس بيت الزوجية، وتتبع الفواحش الخلقية الميسرة - عادة - الأمراض التناسلية الخبيثة المعروفة..
وللأستاذ المودودي تعليق لطيف حكيم، على هذه الناحية الخلقية من نتائج تحديد النسل، يقول سماحته: (إن هناك أمرين لا ثالث لهما يثبتان النساء - بعد خشيتهن لله - على جادة الأخلاق.. وهما حياؤهن الفطري، وخوفهن من أن ولد الزنا يفضحهن في البيئة، أما الحاجز الأول فقد أزاحته المدنية الجديدة إلى حد كبير، فأنى للحياء أن تبقى منه باقية بعد الاختلاط العلني بين الرجال والنساء في محافل الرقص والغناء والخمر وسواحل البحار والمسابح والملاهي، وأما الخوف من ولادة ولد الزنا فإن رواج وسائل تحديد النسل قد جعله أيضا أثرًا بعد عين، وشيئا يمت إلى الماضي لذلك أصبح النساء والرجال جميعا كأنهم قد نالوا إجازة عامة باقتراف الزنا) !!
ومن ثمرات تحديد النسل كثرة حوادث الطلاق، وقد أسلفنا أن الفكرة راجت في أوروبا بين طبقات الأغنياء والمثقفين أكثر من رواجها بين الفقراء.
والحقيقة أن هناك علاقة واضحة بين الطلاق والحياة الزوجية الخالية من الذرية التي من شأنها أن تشد من رباط الزوجين، كما يقول بارنيس وريودي في كتابهما: (الأسلوب الأمريكى للحياة) ويقرران أن الأزواج والزوجات الذين يطالبون بالطلاق ثلثاهم ممن لم يرزقوا أطفالا. وهنا نقف مليا لنتأمل هذه الحقيقة الإنسانية واضحة بينة في كتاب الله المجيد: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .
وهكذا أوهنت بدعة تحديد النسل العلاقات الزوجية بين سكان البلاد الغربية - كما يقول الأستاذ المودودي - وقد أثبت سماحته في كتابه: (حركة تحديد النسل) آراء ونظريات أعلنها مفكرون غربيون حذرا من مخاطر التحديد، وقلة الذرية، وفشو الطلاق بين الأزواج وزيادة عدد الوفيات من الكبار.
стр. 5218
الغربيون أنفسهم يعارضون التحديد:
وحين تجلت الآثار السيئة لبدعة تحديد النسل من:
- رواج الفكرة بين الأغبياء والمثقفين، عكس ما كان يراد لها.
- وزيادة نسل الفقراء والأغبياء.
- وتفشي الزنا وما يصحبه من الأمراض الخبيثة.
- وكثرة حوادث الطلاق بسبب فقدان الذرية.
- وزيادة عدد الوفيات من الشيوخ على عدد المواليد من الأطفال..
قام عدد من المفكرين ونادوا بخطأ الفكرة وخطرها وأثرها السيء في مستقبل الأسرة والمجتمع في أوروبا وأمريكا.
من هؤلاء (ليندليس بال) الذي قال في كتابه (المشاكل الاجتماعية) : إن مالتوس لو كان حيا لما وسعه إلا الشعور بأن الإنسان في الغرب قد رمي إلى أبعد من اللازم بسبب تحديده للنسل، بل الحقيقة أنه أثبت أن نظرة قصير جدًا.. بشأن التفكير في حفظ مستقبل حضارته.
ويضيف ليندليس بال: أن عدد سكان فرنسا وبليجكا قد قل من وقت لآخر؛ لأن الوفيات فيهما تزيد على المواليد، ولكن البقية الباقية من الأمم الصناعية المتحضرة في الغرب يواجهها أيضا هذا الخطر، وفى أمريكا نفسها قال علماء الإحصاء إن خطر قلة السكان سيتحول إلى حقيقة ثابتة بعد جيل واحد فقط.
ويقول الأستاذ (كول) مؤلف كتاب (توجيه الرجل الذكي بعد الحرب) (ليست قلة السكان حلًا لمشكلة البطالة في بلادنا كما أنه من المحال أن يرتفع بها مستوى معيشة بقية السكان وستكون مؤثراتها الاقتصادية سيئة للغاية.. إذ لابد بسببها أن ترتفع نسبة العجائز فيضطر المنتجون إلى تشغيل المتقاعدين لكل ذلك علينا أن نستعين بكل طريق ممكن لمواجهة خطر قلة السكان) .
стр. 5219
ويقول سوروكون في كتابه (الثروة الجنسية في أمريكا) من قانون الفطرة أن أية أمة إذا لبت نداء شهواتها النفسية، وانقطعت إلى التشرد الجنسي غفلت عن إنجاب الذرية وتخليد النسل، وحسبت الأطفال عائقا في سبيل حريتها ولذاتها ورخائها الاقتصادى - وهو سلوك معاد لقانون الفطرة وبه يقل عدد أفرادها ثم ينحط ويتردى حتى لا تستطيع قضاء حاجاتها اللازمة، ولا تقدر على الاحتفاظ بشخصيتها المستقلة، ولا أن تدافع عن نفسها.. وهذا هو الانتحار!
وقد قامت لجان في بريطانيا وفرنسا وأمريكا لدراسة النتائج التي ترتبت على فكرة تحديد النسل، وما لوحظ من نقص المواليد وزيادة الوفيات، ووضعت هذه اللجان تقاريرها المدعمة بالأرقام والحقائق الإحصائية، ودعت بمنتهى الصراحة إلى العمل على زيادة عدد أفراد كل أسرة بنسبة ٢٥ % على الأقل وحذرت من خطر النقص المتزايد في هبوط نسبة الولادة القومية، وأوصت هذه اللجان بمنح الأسر مكافأة مالية على قدر ما يكون لديها من أطفال، وأن تخف وطأة قانون الضريبة على المتزوجين الآباء وتشتد على غير المتزوجين، وأن تبنى على نطاق واسع بيوت تشتمل على أكثر من ثلاث حجرات للنوم.. كل ذلك تشجيعا على الزواج والولادة ومقاومة لخطر قلة التناسل التي نشأت من فكرة التحديد.
وكذلك كانت الحال بالنسبة لألمانيا، وإيطاليا، والسويد، فقد شجعت هذه الدول جماهير شعبها على التناسل بعد أن سبق لها تطبيق فكرة التحديد ورأت من أخطاره ما رأت - فقد أصدرت ألمانيا قانونا لتحريم منع الحمل، وترويج طرقه وأخرجت النساء من المعامل والمصانع، وبذلت القروض لتشجيع الزواج والنسل، وكذلك أصدرت إيطاليا والسويد قوانين مماثلة أو شبيهة.
стр. 5220
تنظيم النسل في حالات فردية:
أما إذا كانت هناك أسباب صحية تدعو إلى وقف التناسل في حالات فردية خاصة.. كأن تكون الأم لا تقوى على الحمل المتواصل لضعفها أو مرضها، أو أنها تحتاج عند كل وضع إلى شق بطنها لإخراج الجنين منه، وهو ما يفضي بها مع التكرار إلى ضرر شديد أو موت مؤكد، وما يشبه ذلك من أخطار وأضرار فردية.. فإن التشريع الإسلامي - في أصوله وقواعده الحكيمة الرحيمة - يأمر بمنع الضرر من ناحية، ويبيح المحظور للضرورة من ناحية أخرى.
وهناك مسوغ آخر لتنظيم فترات النسل (أو الحمل) وهو رغبة الأبوين في إحسان تربية كل مولود ورعايته حتى يبلغ السادسة من عمره فيدخل المدرسة، وتتفرغ الأم عندئذ لمولود جديد.. ففي هذا الانتظار بين طفل وطفل - لا شك - مصلحة ظاهرة للآباء والأبناء معا.
وقد جاءت بعض الآثار عن الصحابة الأجلاء ﵃ أنهم كانوا يعزلون على عهد رسول الله ﷺ فلم ينههم عن (العزل) وإنما وجههم وجهة إيمانية يقينية بأن الله ﵎ إن يشأ يثبت الحمل مهما عزلوا أو يمنعه مهما اتصلوا فهو القادر على كل شيء وهو الفعال لما يريد.
وهذه (القدرة والمشيئة) اللإلهيتان المطلقتان اللتان لفت الرسول ﵊ إليهما أصحابه الذين كانوا يعزلون عن نسائهم طلبا لعدم الحمل - ما زالتا تتجليان على مدى الدهر فنحن نرى ونسمع أن امرأة تستعمل الأدوية المانعة للحمل فتحمل رغم أنفها وأنف زوجها، وأن أخرى لا تستعملها ولا تحمل على كره منها ومن زوجها، وصدق الله القدير الحكيم فيما قال .
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (١) .
على أنه يجب أن نلاحظ أن العزل الفردي الذي كان يمارسه الصحابة إنما كان لأسباب فردية ومؤقتة منها: خشية أن تحمل الأمة، أو خشية أن تستحق الأمة إقامة دائمة إذا صارت أم ولد أو خشية أن يتعرض الرضيع للضرر إذا حدث الحمل أثناء الرضاعة.
стр. 5221
وللإمام الغزالي - في كتابه (إحياء علوم الدين - رأي في تنظيم النسل - يقول: قد يكون الفقر من دواعي تأخير الحمل خوفا من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، للاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب، ودخول مداخل السوء، وهذا غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين وإن كان الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) .
كما أن هيئة كبار العلماء في السعودية أصدرت بتاريخ ١٣/٤/١٣٩٦ ورقم (٤٢) فتوى أباحت فيها تأخير الحمل لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان عملا بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روي عن جمع من الصحابة من جواز العزل وما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين.
ودين الله يسر، وما جعل الله على عباده من حرج ورحمته واسعة وفضله كبير.
وبعد.. فخلاصة البحث يتقرر بها أمران:
الأول: أن تحديد النسل، بأية وسيلة من وسائل التعقيم، مخافة الحاجة أو الفاقه حاضرا أو مستقبلا - لا يقره الإسلام؛ لأن الأرزاق والأعمار بيد الله، وهو الوكيل عليها، والكفيل بها ولا يليق بالعبد المؤمن بالله أن يشك في ذلك.
الثاني: أن تنظيم النسل.. أى جعله فترة بعد فترة من أجل إتاحة الفرصة للأم أن تتمكن من تربية طفلها الأول ولترتاح نفسيًّا وجسديًّا من متاعب الحمل والوضع والرضاعة بصورة متتابعة، ومن أجل إتاحة الفرصة للأب أيضًا أن يهيئ أطفاله واحد بعد الآخر للدراسة والتعليم - هذا التنظيم أرى فيما أعتقد أنه جائز لا يمنعه الإسلام.. لأنه يستهدف مصلحة الأبوين وأولادهما معا.. والله أعلم.
أحمد محمد الجمال
стр. 5222
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الشيخ محمد بن عبد الرحمن
مفتي جمهورية جزر القمر الاتحادية
ومستشار الرئيس للشئون الدينية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد ...
فهذا بعض من فتاوى الفقهاء وأسانيد بحوثهم في موضوع تنظيم النسل وتحديده نقلتها وجمعتها لتكون ضوءًا لزملائي الذين سيشاركون في مناقشة تنظيم النسل وتحديده في الدوره الخامسة لمجمع الفقه الإسلامي والله وحده المستعان.
اختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا في جواز منع الحمل وتحريمه على أربعة آراء:
الرأي الأول
يرى الإمام الغزالي ومن وافقه أن الولد حق لوالده وحده فله إن شاء أن يحصله وله إن شاء أن لا يحصله، وبناء على ذلك يقول الغزالي: يباح للزوج وحده منع الحمل وعلل ذلك بأن النهي إنما يكون بنص أو قياس على منصوص، ولا نص في الموضوع ولا أصل يقاس عليه، بل عندنا في الإباحة أصل وهو ترك الزواج أصلا، أو ترك المخالطة الجنسية أو ترك التلقيح بعد المخالطة فإن كل ذلك مباح وليس فيه إلا مخالفة الأفضل، فليكن منع الحمل بالعزل وما يشبهه مباحًا كما أبيح ترك الزواج وترك المخالطة. . . إلخ (١) .
الرأي الثاني
يرى الحنفية أن حق الولد مشترك بين الوالدين، وبناء على ذلك قالوا: إن منع الحمل مباح بشرط أن تأذن فيه الزوجة لاشتراكهما في حق الولد، قال صاحب الهداية، ولا يعزل عن زوجته إلا بإذنها لأن تحصيل الولد من حقها، وللكمال ابن الهمام وغيره من علماء الحنفية مثل هذا وقال علماء الحنفية: هذا هو أصل المذهب، ولكن المتأخرين أفتوا في زمانهم بجوازه لأحد الزوجين بغير رضا صاحبه إذا خيف على الولد السوء لفساد الزمان، وهذا مبني على قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان (٢) .
стр. 5223
الرأي الثالث
يرى جمهور العلماء من فقهاء الأمصار أن منع الولد مكروه نظرًا لحق الأمة فيه، قالوا: قد رويت كراهته عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود ﵃؛ لأن فيه تقليل النسل، وقد حث النبي ﷺ على الزواج تكثيرًا للنسل، فقال: ((تناكحوا تكثروا)) وقال ((سوداء ولود خير من حسناء عقيم)) .
هذا رأيهم في منع الولد من جهة حق الأمة فيه أما من جهة حق الزوجين فأفتوا بالحرمة إذا عزل الرجل بغير رضا زوجته، وقالوا جميعًا إذا دعت إليه حاجة مهمة في نظر الشرع جاز من غير كراهة، وقد مثلوا لتلك الحاجة بأن يكون الزوجان في الجهاد ويخاف على الزوجة أن يضعفها حملها مع مشقة السفر والجهاد، أو يخاف أن يولد لهما ولد في دار الحرب وليس عندهما من وسائل الراحة والصحة ما يطمئنان به، ومن أصحاب هذا الرأى موفق الدين بن قدامة الحنبلي ومنهم الإمام النووي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٦ (١) .
الرأى الرابع
يرى جماعة منهم ابن حبان وابن حزم، تحريم منع الولد مطلقًا، وقد غلب على هؤلاء حق الأمة في الولد على حق الوالدين، وقالوا: إن في العزل قطع النسل المطلوب شرعًا من الزواج، وفيه أيضًا صرف السيل عن واديه، مع حاجة الطبيعة إليه واستعدادها للإنبات والإثمار لما ينفع الناس ويعمر الكون.
الأحاديث التي يستدل بها على تحريم منع الحمل وتعليق بعض العلماء عليها:
يستدل بعض الفقهاء على تحريم منع الحمل بأحاديث منها: قوله ﷺ ((من ترك النكاح مخافة العيال فليس منا)) ومنها: ما رواه مسلم وأحمد من حديث عائشة ﵂ عن جذامة بنت وهب قالت: ((حضرت رسول الله ﷺ في أناس فسألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : ذلك الوأد الخفي)) يحتج القائلون بتحريم العزل بأن هذا الحديث ناسخ لأحاديث الإباحة ومما يستدل به على تحريم العزل ما رواه مسلم في صحيحه أيضًا عن ابن محيرز أنه قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد الخدري ﵁، فسأله أبو صرمه فقال: يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر العزل؟ فقال: نعم غزونا مع رسول الله ﷺ في غزوة بلمصطلق يعني بني المصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا: نفعل ورسول الله بين أظهرنا ألا نسأله؟ فسألنا رسول الله ﷺ فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) .
ويستدل أيضًا على التحريم بما روي عن ابن عباس ﵁ قال: العزل هو الوأد الأصغر.
стр. 5224
التعليقات على هذه الأحاديث
وبما أنه ليس في هذه الأحاديث ولا في غيرها تصريح بحرمة العزل، وإن كان ما جاء فيها يحتمل التأويل، وبما أن العزل هو وحده المسلك الذي كان يلجأ إليه الصحابة لمنع الحمل في عهد الرسول الأعظم ﷺ علق الإمام الغزالي على هذه الأحاديث بالتأويل فقال في قوله ﷺ : من ترك النكاح مخافة العيال فليس منا، أي ليس على سنتنا وطريقتنا فعل الأفضل، وقال في قوله ﷺ : " ذلك الوأد الخفي ". جوابًا لأناس سألوه عن حكم العزل، كما رواه مسلم عن جذامة بنت وهب، قوله: " الوأد الخفي ". كقوله: " الشرك الخفي "، وذلك يوجب كراهة لا تحريما (١) .
هذا وقد نقل الشيخ مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء، والشوكاني في نيل الأوطار، عدة وجوه من أجوبة العلماء الذين سلكوا مسلك التأويل، لمعنى حديث جذامة بما لا يتعارض مع حديث جابر، كالقول بأن حديث جذامة لا يقصد منه سوى مجرد التنزيه، وكالقول بأن حديث جذامة ليس بصريح في المنع، إذ لا يلزم من تسمية العزل وأدا خفيًّا على طريق التشبيه، أن يكون ذلك حرامًا، وكالقول السابق آنفا بأن قوله ﷺ : " إنه الوأد الخفي "، كقوله: " الرياء هو الشرك الخفي ". وإنما شبه بالوأد لأن فيه طريقًا إلى قطع الولادة، وكالقول بأن السبب الوحيد في تسمية العزل، وأدا خفيا في حديث جذامة، هو أن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده بذلك مجرى الوأد لكن الفرق بينهما أن الوأد اجتمع فيه القصد والفعل وأمره ظاهر بالمباشرة بينهما، والعزل يتعلق بالقصد فقط، فلذلك وصف في الحديث بكونه خفيا، وهذا الرأى هو الذي ذهب إليه ابن القيم، وحمل العراقي في شرح الترمذي حديث جذامة على العزل عن الحامل، لزوال المعنى الذي كان يحذره الزوج من حصول الحمل، ولكون العزل حينئذ يكون فيه تضييع للحمل، فقد يؤول إلى موته، وضعفه وهذا وأد خفي، وجزم الطحاوي بأن حديث جذامة منسوخ (٢) .
стр. 5225
وقال الإمام ابن القيم بعد ذكر الأحاديث الدالة على جواز منع الحمل: فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، فقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وابن مسعود ﵁، إلى أن قال.. أي ابن القيم بعد كلام سبق، والحديثان صحيحان ولكن حديث التحريم ناسخ (يعني قوله ﷺ سئل عن العزل: ذلك الوأد الخفي، وهذه طريقة ابن حزم، وقالوا: لأنه ناقل عن الأصل، والأحكام كانت قبل التحريم على الإباحة، ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخ محقق يبين تأخير أحد الحديثين عن الآخر، وأنى لهم به، وقد اتفق عمر وعليٌّ على أنه لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال: جلس إلى عمر عليٌّ والزبير ﵃ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وتذاكروا العزل، فقالوا: لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموءودة الصغرى فقال علي ﵁: لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر. فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك (١) .
ويرى الدكتور أحمد الشرباصي أن النهي عن العزل ربما كان في أول الدعوة الإسلامية وكان المسلمون يومئذ قلة، ثم جاءت أحاديث الإباحة والجواز فنسخت النهي السابق ومع ذلك فهناك من قال: إن بعض الأحاديث الواردة في النهي عن العزل إنها ضعيفة أو مضطربة (٢) .
стр. 5226
الأحاديث التي يستدل بها على إباحة منع الحمل
يستدل بعض الفقهاء على إباحة منع الحمل بأحاديث منها ما رواه الإمامان البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) وجه الاستدلال بهذا الحديث، أن العزل كان معمولًا به في عهد الرسول ﷺ ، وهو عهد التشريع، فلو كان حرامًا لنزلت في القرآن آية بتحريمه، ويؤيد هذا المعنى رواية مسلم في صحيحه عن عطاء عن جابر قال: ((كنا نعزل في عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) زاد إسحاق قال سفيان: ولو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن.
فهذه الجملة الأخيرة (ولو كان شيئًا ينهى عنه) إلخ، وإن قيل أنها من كلام سفيان أحد رواة الحديث قالها استنباطًا إلا أن الشيخ ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام عدها من الحديث وأدرجها فيه، وروى مسلم في صحيحه أيضًا أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لى جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل. فقال ﵊: " اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها ". فلبث الرجل ما شاء الله، ثم أتى رسول الله بعد ذلك، فقال: إن الجارية قد حملت. فقال: " قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها ".
стр. 5227
وفي مسند الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وجه الاستدلال بالحديث: أن العزل مباح إذا أذنت الحرة، وإذنها أمر ممكن، وعن أبي محيريز قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد الخدري ﵁، فسأله أبو صرمة، فقال: يا أبا سعيد: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر العزل؟ فقال: نعم، غزونا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله؟ فسألنا رسول الله، فقال: " لا عليكم ألا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون ". رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أيضًا أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي جارية، وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل هو الموءودة الصغرى. فقال رسول الله ﷺ : ((كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه)) ، معناه إذا قدر الله خلق نفس فلا بد من خلقها، وأنه قد يسبقكم الماء فلا تقدرون على دفعه، ولا ينفعكم الحرص على ذلك، فقد يسبقكم الماء من غير شعور العازل لتمام ما قدر الله.
وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد أن رجلًا جاء إلى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله، إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ : ((لم تفعل ذلك؟)) فقال الرجل: أشفق على ولدها أو قال: على أولادها، فقال رسول الله: ((لو كان ضارا (أي العزل) لضر فارس والروم)) ، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: ((وإنكم لتفعلون ذلك - قالها ثلاثا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة)) .
стр. 5228
التعليقات على هذه الأحاديث
علق بعض من العلماء على هذا الحديث فقال: قوله: " إنكم لتفعلون ذلك ". ثلاث مرات إقرار لهم على ما فعلوه، وقال آخر: إن ظاهر: " أو إنكم لتفعلون ذلك " كما في رواية، أن النبي ﷺ لم يطلع على ذلك، وكونه كررها ثلاثًا يفيد الإنكار، ثم إن ابن حزم يطبق قاعدتين أصوليتين ليستدل على أن العزل غير جائز فنهي عنه، القاعدة الأولى: هي أن الأصل في الأشياء الإباحة، ويزعم أن الذين يرون العزل جائزًا ليس لهم دليل يستندون عليه إلا هذا والقاعدة الثانية: إذا كان الأصل في الأشياء الإباحة فحينئذ تأتي الحرمة بعدها، وبناء على ذلك إذا كان محرما فقد جاء التحريم لا شك متأخرًا عن الإباحة وينسخ الإباحة، وإن حديث جذامة بنت وهب يثبت تحريم العزل، وبذلك يعتبر متأخرًا وينسخ الأحاديث الأخرى التي وردت في الإباحة الأصلية، وزعم أنها غير صحيحة أيضًا عدا حديث جابر، وهو وإن كان صحيحًا عند ابن حزم فإنه لم يتكلم فيه بوجه وتركه من دون أن يعلق عليه بشيء (١) . وقال ابن سيرين: في قوله ﷺ في الحديث الذي روي عن أبي سعيد الخدري ﵁، لا عليكم ألا تفعلوا إلخ قوله: ((لا عليكم ألا تفعلوا)) أقرب إلى النهي، وقال الحسن البصري: والله لكأن هذا زجر، وقد اعتبر هؤلاء (لا) ناهية ومدخولها محذوف، تقديره لا تعزلوا، وعليكم أن لا تفعلوا وأكد هذا النهي بقوله: وعليكم ألا تفعلوا.
هذا وقد رد الباجي في شرحه على الموطأ على قول الحسن البصري فقال: قوله سألوا رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر)) ، ليس معناه النهي كما فهمه الحسن البصري، وحكاه عن ابن عبد البر بل قال أكثر العلماء: إنه ليس نهيًا، بل معناه ليس عليكم إثم أو ضرر ألا تفعلوا كما نقل ذلك الشيخ مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء، ثم عقب عليه بقوله: قال البيهقي: رواة الإباحة أكثر وأحفظ والله أعلم (٢) وذكر فضيلة الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه (حركة تحديد النسل) أن الاحتجاج بهذه الأحاديث فاسد، فقال: والذين يدعون إلى حركة تحديد النسل من المسلمين لا يجدون في آيات القرآن كلمة واحدة يتأيدون بها، فهم لأجل هذا إنما يرجعون إلى كتب الحديث ويستدلون على صحة فكرتهم بروايات جاء في بعضها الإذن بالعزل.
стр. 5229
ولكن هناك ثلاثة أمور أساسية لا بد من رعايتها في استخراج مسألة فقهية من أحاديث الرسول ﷺ .
١ - الاستقصاء التام لكل ما روي عن الرسول ﷺ في المسألة التي تحت البحث.
٢ - بذل الجهود الممكنة لمعرفة السياق والموقف الذي بين فيه الرسول ﷺ حديثًا من أحاديثه.
٣ - بذل الجهود الممكنة كذلك للاطلاع على الظروف والملابسات السائدة في بلاد العرب في زمن الرسول ﷺ .
فمع رعاية هذه الأمور الأساسية نريد الآن أن نلقي نظرة على الروايات التي يستدل بها هؤلاء القوم للدفاع عن فكرتهم، ومما لا يخفى على أحد أنه كان قتل الأولاد هو الطريق الجاري في بلاد العرب لتحديد النسل، إلى زمن الرسول ﷺ وذلك لسببين:
أولهما: تدهور الوضع الاقتصادي فكان الآباء لأجله يقتلون أولادهم خشية أن يشاركوهم في رزقهم.
وثانيهما: عاطفة الغيرة المجاوزة لحدودها العادلة، فكانت تحرض الآباء على وأد بناتهم خاصة خشية عار المصاهرة، فلما جاء الإسلام ندد بهذه الجريمة ونهى العرب عن اقترافها، وقلب عقليتهم في شأنها قلبا كليًّا.
ثم اتجهت فكرة المسلمين إلى العزل، أي الإنزال بعيدًا عن المرأة، ولكن من المعلوم أن العزل ما كان عامًّا شائعًا بين المسلمين، ولا كانت قد قامت فيهم حركة لتحديد النسل ومنع الحمل، ولا كان المقصود أن تتخذ من العزل سياسة قومية، ولا كانت من الأسباب المحرضة عليه تلك الأفكار والعواطف التي كانت تحرض الناس على اقتراف جريمتي قتل الأولاد ووأد البنات أيام الجاهلية، وإنما كان هناك ثلاثة أسباب هي التي حملت على العزل نَفَرًا من المسلمين، ولنا أن نعرفها بتتبع الروايات الواردة في كتب الحديث في باب العزل.
١ - خشية أن تحمل الأَمَة.
٢ - خشية أن تستحق الأَمَة إقامة دائمة إذا صارت أم ولد.
٣ - خشية أن يتعرض الرضيع لنوع من الضرر إذا حدث الحمل أيام الرضاعة.
ههنا سرد الإمام أبو الأعلى المودودي الأحاديث المبيحة للعزل إلى أن قال: " على أن هناك جماعة من الصحابة وغيرهم قد صح عنهم النهي عن العزل، يقول الإمام الترمذي في سننه: وقد كره العزل قوم من أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ويروي الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر، أنه كان لا يعزل، وكان يكره العزل، فالذى نعلم من تتبع الأحاديث والروايات من كلام النوعين أن الرسول ﷺ ما كان أذن في العزل، بل كان يكرهه ويرى فيه فعلًا عبثا كما يكرهه جماعة من أصحابه ﵃ ".
стр. 5230
آراء الفقهاء في منع الحمل
سبق أن قلت: إن الفقهاء اختلفوا في منع الحمل إلى أربعة آراء وهذه نصوص كلام القائلين بالإباحة لذلك.
الشافعية
قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين (١) عند الكلام عن آداب المعاشرة الجنسية: ومن الآداب أن لا يعزل، بل لا يسرح إلا إلى محل الحرث وهو الرحم، فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة، هكذا قال رسول الله ﷺ ، فإن عزل فقد اختلف العلماء في إباحته على أربعة مذاهب، فَمِن مبيح مطلقًا بكل حال، ومن محرم بكل حال (٢) ومن قائل يحل برضاها ولا يحل دون رضاها (٣) وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل، ومن قائل: يباح في المملوكة دون الحرة، والصحيح عندنا أن ذلك مباح، وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم ولنهي التنزيه ولترك الفضيلة فهو مكروه بالمعنى الثالث، أي فيه ترك فضيلة، كما يقال: يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة، ويكره للحاضر بمكة مقيمًا أن لا يحج كل سنة، إلى أن قال: وليس هذا أي العزل كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضًا مراتب وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت علقة ومضغة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيا. اهـ
وصرح الإمام الرملي نقلًا عن الزركشي، بأن استعمال ما يمنع الحمل قبل إنزال المني في حالة الجماع مثلًا لا مانع منه، وقال البجيرمي في حاشيته على الإقناع في حل كلام أبي شجاع: يحرم استعمال ما يقطع الحمل من أصله، أما ما يبطئ الحمل أو يؤخره دون أن يقطعه من أصله فلا يحرم، بل إن كان لعذر كتربية فلا يكره أيضًا، وفرق الشبرامسي بين ما يمنع الحمل بالكلية وما يمنعه مؤقتًا، فقال بتحريم الأول واعتبر شبيهًا بالعزل (٤) إلخ.
ويستدل على الجواز أيضًا بتفسير الإمام الشافعي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ النساء [٣] بقوله: ذلك أقرب ألا تكثر عيالكم، فقد فهم الإمام الشافعي ﵀ أن التشريع القرآني يتجه إلى كراهية كثرة العيال؛ لأن الله تعالى علل به الأمر بالاقتصار على واحدة عند الخوف من عدم العدل وإذًا فتنظيم النسل لئلا يكثر العيال مما يدخل ضمنا في دلالة الآية الكريمة (٥) .
стр. 5231
الحنفية
يرى الأحناف أن منع الحمل مباح بشرط أن تأذن فيه الزوجة لحقها في الولد كالرجل، ويقول الكمال بن همام في حاشية القدير: العزل جائز عند عامة العلماء، وكرهه بعضهم، ثم قال: والصحيح الجواز، وساق أحاديث الجواز ثم قال: فهذه الأحاديث ظاهرة في جواز العزل.
وجاء في حاشية ابن عابدين على شرح الدر (١) نقلا عن صاحب النهر، أنه يجوز للمرأة أن تسد فم الرحم منعا من وصول ماء الرجل إليه لأجل منع الحمل، واشترط صاحب البحر لذلك إذن الزوج، ويؤيد القرطبي المالكي ذلك بقوله: إن النطفة ليست شيئا يقينًا ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة ما لم تستقر في الرحم، فهو كما لو كانت في صلب الرجل، فالقرطبي بهذا القول يبيح إلقاء النطفة بعد وصولها إلى الرحم وقبل الاستقرار، فمن باب أولى إذا لم تصل إلى الرحم (٢) .
المالكية
نص فقهاء المذهب المالكي على جواز العزل واشترطوا إذن الزوجة لذلك صغيرة كانت أو كبيرة (٣) .
стр. 5232
الحنابلة
ذهب فقهاء المذهب الحنبلي، إلى جواز العزل بشرط رضا الزوجة واستئذانها، قال ابن قدامة (١) : والعزل مكروه، ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال فينزل خارجًا من الفرج، رويت كراهيته عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود، وروي ذلك أيضًا عن أبي بكر الصديق؛ لأن فيه قطع النسل وقطع اللذة عن الموطوءة إلى أن قال: ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد وجوب استئذان الزوجة، ويحتمل أن يكون مستحبًّا؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال. . . إلخ.
الزيدية
تصريح كتب المذهب الزيدي بإباحة العزل إذا وافقت الزوجة بل صرح الإمام يحيى بن زيد بجواز العزل لمنع النسل، ومعنى ذلك أنه أجاز أخذ الأسباب لمنع النسل صراحة (٢) .
الشيعة الجعفرية
إن كتب مذهب هؤلاء تصرح بأن العزل لمنع الحمل مباح على أن توافق الزوجة على ذلك عند عقد الزواج، وهم بذلك لا يطلبون إلا إذنا عامًّا من الزوجة عند إجراء العقد، سواء رضيت بعد ذلك أو رفضت (٣) .
стр. 5233
الشيعة الإسماعيلية
الشيعة الإسماعيلية الذين يتزعمهم (أغاخان) لا يتعدى مذهبهم مذهب الشيعة الجعفرية في حكم العزل، فقد جاء في كتاب دعائم الإسلام (١) . نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن المرأة إلا بإذنها إلخ.
مذهب الإباضية أتباع عبد الله بن أباض التميمي
نرى في كتبهم التصريح بجواز العزل إذا رضيت الزوجة، وقالوا: إن العزل يباح للفرار من الولد خشية العيال وإدخال الضرر على الرضيع (٢) .
ويقول الشوكاني: (إن الأمور التي تحمل على العزل، الإشفاق على الولد الرضيع خشية الحمل مدة الرضاع والفرار من كثرة العيال، والفرار من حصولهم من الأصل وخشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقًا، ثم ذكر أنه لا خلاف بين العلماء على جواز العزل بشرط أن توافق الزوجة الحرة؛ لأنها شريكة في المعاشرة الزوجية) (٣) .
وهكذا يتضح لنا بعد هذا كله أن العزل مباح إذا دعا إليه داع وهذا الداعي هو ما عبر عنه الفقهاء قديمًا وحديثًا، بأنه دفع الضرر أو رفع الحرج أو صيانة النفس، والقرآن يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج [٧٨] والحرج هو الضيق بسبب تكليف شاق، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة [١٨٥] ، ويقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤) البقرة [١٩٥] .
قبل أن أنقل للقارئ الكريم الدواعي التي تدعوه إلى تنظيم الأسرة ينبغي أن أذكر فصلًا من بحث (الدكتور أحمد الشرباصي) الذي قدمه في المؤتمر الإسلامي المنعقد في الرباط من ٢٤ إلى ٢٩ من شهر ديسمبر عام ١٩٧١ لأهميته، وهذا نص كلامه: (ويجب أن نسلم أولا بأن الدعوة إلى تنظيم الأسرة لا يجوز أن تكون دعوة إلى محاربة الزواج أو محاربة الأسرة أو محاربة الذرية في حد ذاتها، أو محاولة التخلص منها بعد وجودها، ويجب أن نسلم كذلك بأن حب الذرية أمر فطري لمن تقهره عقبات مصطنعة أو موضوعة في طريقه، ومهما بذلت الإنسانية المتحضرة من جهود في مجالات تنظيم الأسرة سيبقى حب الذرية مسيطرًا على مئات الملايين هنا وهناك وإلى ما شاء الله) (٥) .
ومن الجدير بالذكر لأهميته أيضًا قول الدكتور الشرباصي في البحث المذكور: (ينبغي أن نفهم بوضوح، ونذكر باستمرار، أن موضوع تنظيم الأسرة يرجع أولًا وآخرًا إلى اقتناع الفرد وإرادته، ونخسر كثيرًا إذا لجأنا في هذا الباب إلى الإكراه والإرغام أو العقاب) (٦) .
стр. 5234
أهم الدواعي إلى تنظيم الأسرة
١ - أن يكون مرض من الأمراض المعدية عند الزوجين أو عند أحدهما، ولو نشأت ذرية عنهما والمرض موجود لا ينتقل المرض إلى الذرية فتشقى به حياتها.
٢ - أن يكون عند المرأة مع ضعفها استعداد قوي ظاهر للحمل عقب انتهائها من آثار الحمل السابق.
٣ - الخوف على صحة الزوجة وسلامتها من الحمل المتتابع؛ لأنها مريضة وسيزيد مرضها بحملها أو سيتأخر شفاؤها أو سيحدث المرض بسبب الحمل.
٤ - الضعف الاقتصادي عند الزوج حيث لا يكون لديه اقتدار مادي يجعله صالحًا للنهوض بتبعات الذرية (١) .
ومن المعلوم بداهة أن إيقاف الحمل بسبب مرض الزوجة والخوف على سلامتها هو محل وفاق لا مجال للنزاع فيه عقلًا ونقلًا، أما عقلًا فلأن من المسلم به أنه إذا تضرر الأصل بالفرع وجب تقديم مصلحة الأصل على فرعه، وعند الأصوليين إذا عاد الفرع على الأصل بالإبطال فالفرع يكون باطلًا (٢) .
وأما إيقاف الحمل بسبب الفقر وضعف الاقتصاد فمختلف فيه، والإمام الغزالي يجيز ذلك بقوله: الثالثة (يعني من البواعث على منع الحمل بالعزل) الخوف من الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء، وهذا أيضًا غير منهي عنه، فإن قلة الحرج معين على الدين نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هود [٦] ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل، ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مع كونه مُنَافٍ للتوكل، لا نقول إنه منهي عنه (٣) . وقال الإمام محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق: أما تحديد النسل بمعنى تنظيمه بالنسبة للسيدات اللاتي يسرع اليهن الحمل، وبالنسبة لذوات الأمراض المنتقلة، وبالنسبة للأفراد القلائل الذين تضعف أعصابهم عن مواجهة المسئوليات الكثيرة، ولا يجدون من حكومتهم أو من الموسرين من أمتهم ما يقويهم على احتمال هذه المسئوليات.
إن تنظيم النسل بشيء من هذا وهو تنظيم فردي، لا يتعدى مجاله شأن علاجي تدفع به أضرارًا محققة ويكون به النسل القوي الصالح، والتنظيم بهذا المعنى لا ينافي الطبيعة ولا يأباه الوعي القومي ولا تمنعه الشريعة إن لم تكن تطلبه وتحث عليه (٤) .
الشيخ محمد عبد الرحمن
стр. 5235
أسماء بعض من كبار العلماء في العصر الأخير الذين أفتوا بجواز منع الحمل بسبب مقبول شرعا
* المرحوم الشيخ عبد المجيد سليم - مصر
* المرحوم الشيخ محمود شلتوت - مصر
* الشيخ عبد العزيز عبد الله بن باز - السعودية
* المرحوم الشيخ حسن مأمون - مصر
* الشيخ عبد الله القلقيلي - الأردن
* آية الله الشيخ بهاء الدين محلاتي - إيران
* الشيخ الحاج عبد الجليل بن الحاج حسن - ماليزيا
* الشيخ يوسف بن علي الزواوي - ماليزيا
* لجنة الفتوى بالأزهر - مصر
* لجنة الفتوى بقطاع غزة - فلسطين
* المجلس الاستشاري للشئون الدينية - تركيا
* رئيس المحكمة العليا الاستئنافية - اليمن
هذا ما أردت نقله وجمعه في هذا الموضوع، والرأي الحاسم ما سيقع الاتفاق عليه من السادة المشاركين في الدورة.
وبالله التوفيق
стр. 5236
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد
أستاذ بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن جمهورية السودان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تنظيم النسل وتحديده
الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (١) . فحرم الله تعالى في هذه الآية ما كان يفعله الجاهليون من وأد البنات خشية العيلة فالله يرزقهم وأولادهم. وقد كان منهم من يفعل ذلك بالذكور والإناث خشية الفقر كما هو ظاهر الآية. وحرمة هذا الفعل من الأشياء المجمع عليها.
وقد اختلف الفقهاء في العزل فاستدل بهذه الآية من يمنع العزل وقال: إنه منع أصل النسل فتشابها، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا، وذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلى كراهة العزل لما روي عن النبي ﷺ عندما سئل عن العزل فقال: ((ذلك الوأد الخفي)) (٢) .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي وليدة وأنا أعزل عنها، وأنا أريد ما يريد الرجل، وإن اليهود زعموا: أن الموءودة الصغرى العزل. فقال رسول الله ﷺ : ((لو أراد الله أن يخلقه لم تستطع أن تصرفه)) (٣)
وروي عن ابن عمر أنه كان لا يعزل، قال مالك والشافعي: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن زوجته الأمة في رأي الإمام مالك إلا بإذن أهلها، ويعزل عن أمته بغير إذنها. وروي عن ابن عباس: (تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية) وبه قال أحمد.
стр. 5237
وقال بجوازه جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء لما ورد في الحديث الذي أخرجه مسلم عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل قال: " اعزل عنها إن شئت. فإنها سيأتيها ما قدر لها ". فلبث الرجل ما شاء الله ثم أتى رسول الله بعد ذلك فقال: إن الجارية قد حبلت فقال: " قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدرلها ")) .
وفي حديث آخر متفق على صحته (١) عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أنه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل، قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل فأردنا أن نعزل فقلنا: نعزل ورسول الله بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ((ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة)) .
قال جابر (كنا نعزل والقرآن ينزل) (٢) ، ورخص فيه زيد بن ثابت وروي عن أبي أيوب، وسعد بن أبي وقاص وابن عباس، أنهم كانوا يعزلون.
يمكننا مما سبق أن نصل إلى ما يأتي:
أولًا: لا يجوز لأمة مسلمة أن تتخذ تحديد النسل سياسة عامة للدولة خوفا من العيلة والفقر أو ما شابه ذلك لقوله تعالى المذكور في بداية البحث وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٣) وليس بعد هذا الضمان الرباني ضمان لمن آمن بالله واليوم الآخر ولينظر كيف أن الله تعالى قد ألزم نفسه برزق عباده، مسلمهم وكافرهم، غنيهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم ومن فهم حقيقة الغنى والفقر، وأن الغني قد يصبح فقيرا معدما، والفقير المعدم قد يمسي غنيا موفور الغنى، ومن يعلم لعل ابن الفقير قد يكون من أغنى الناس في مستقبله أو قد يكون من العلماء الصالحين أو المسلمين الأخيار كما دل على ذلك حديث الرسول ﷺ : ((استكثروا من أولادكم فإنكم لا تدرون بمن ترزقون)) .
стр. 5238
لا يرتاب من فهم ذلك في أن تحديد النسل خوف العيلة، أو عدم القدرة على الإنفاق، أو خوف المرض، أو عدم القدرة على التعليم، غير جائز ولا يليق بمؤمن.
ثم إن النبي ﷺ قد نصحنا بقوله ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) وقوله: ((تزوجوا الودود الولود)) وفى آخر يقول: ((سوداء ولود خير من حسناء عقيم)) .
والمتأمل في هذه الأحاديث لا يملك إلا أن يدرك الحكمة البالغة التي رمى إليها رسول الله ﷺ فإذا نظرنا إلى هذه المسألة من الناحية الواقعية، نجد أن الأمة وسلامتها مرتبطان بكثرة أفرادها فالأمم القليلة العدد مغلوبة على أمرها مهما بلغت قوتها الأدبية أو العلمية أو الصناعية فهي دائما قلقة محتاجة إلى من يضمن سلامتها، وإذا أخذت أمة الإسلام بهذا التوجيه، فتكاثرت في إيمان بالله، ووحدت كلمتها، وأعدت عدتها، فيبعد أن تقع فريسة صاغرة لأي أمة أخرى مهما كانت.
ثانيًا: إذا كانت هنالك مسائل فردية، مشروطة بحال مرضية أو نفسية كأن يؤكد الأطباء المتخصصون خطورة الحمل مثلا على امرأة بعينها، أو يخشى على حياتها من استمرار الحمل أو تأكد بما لا يدع مجالا للشك أنها وزوجها، غير قادرين على تحمل أعباء تربية الطفل ويخشيان على طفل يولد لهما من الإهمال والضياع وسوء المعاملة المؤكد ... فهذه مسائل شخصية بحتة تتوقف على رأي المتخصصين، والله أعلم بما في صدورهم أجمعين ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١) .
وإليه ترجع الأمور وإليه المصير.
محمد عطا السيد
стр. 5239
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الأستاذ تجاني صابون محمد
أستاذ بمعهد المعلمين العالي بأنجامينا
وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن تشاد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم:
الموضوع: بحث حول تنظيم النسل وتحديده:
إن المعنى المقصود من تنظيم النسل أو تحديده، هو إيقاف الإنجاب الإنساني عن النمو والزيادة، وقد تستعمل وسائل كثيرة للوصول إلى هذا الغرض، منها: الإجهاض - وتعطيل الرحم بعمليات جراحية - وتعقيم الرجال - واستعمال الحبوب المانعة للحمل - والعزل وقتل الأولاد – (وكبت النفس بالعزوبة) والإبعاد عن الاتصال الجنسي، كل هذه العمليات تسمى بتنظيم النسل تارة، وبتحديد النسل تارة أخرى، أو بتنظيم الأسرة أحيانًا، والوسائل الأكثر شيوعًا في هذا العصر، هي استعمال العقاقير الطبية المانعة للحمل، والعمليات الجراحية لتعطيل الرحم عن الإنجاب.
ما هي الأسباب الداعية إلى تحديد النسل؟
قبل التحدث عن رأي الإسلام حول هذه العملية، يجدر بنا أن نتناول الأسباب الداعية إلى القيام بهذه العملية، إن الإنسان بتسليمه إلى القواعد الهندسية والحسابية التي اخترعها، يزعم بأن زيادة السكان في الكرة الأرضية، تتم بنسبة متوالية هندسية (PROGRESSION GEOMETRIQUE) ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢، ٦٤، ١٢٨، ٣٥٦ ... - على حين لا تزيد ولا يمكن أن تزيد وسائل رزقهم مهما اخترعوا لزيادتها من الطرق المؤثرة، إلا بنسبة متواليه حسابية PROGRESSION ARITHMETIQUE ١، ٢، ٣، ٤،٥،٦، ٧، ٨، ٩.. إلخ
فعلى هذا يزعم الخبراء المعنيون بهذا الأمر، بأنه إذا ظل عدد السكان يتضاعف بدون ما حاجز، في وجهه، فلابد أن يصل إلى ضعفيه بعد كل خمس وعشرين سنة، بينما لا تزيد وسائل رزقهم خلال هذه المدة إلا إلى ٩. فبالحساب على هذه القاعدة يقول الذين يتفكرون على مستوى منطقي عن منطقة خاصة من مناطق الأرض: إن عدد السكان في الكرة الأرضية، أو في منطقة ما منها إذا بقي في الزيادة على حاله، فمهما بذلنا من المحاولات العلمية الجديدة لتنمية موارد الرزق ووسائل المعيشة، فإنه من المحال أن تتوفر فيها الوسائل الكافية لقضاء الحياة، فضلا عن أن يحظى فيها النسل الإنساني بشيء من النهوض والتقدم، إلى أن يأتي وقت لا يبقى على سطح الكرة الأرضية، موضع يضع فيه الإنسان قدميه.
стр. 5240
وانطلاقا من هذه المعطيات المفزعة الخاطئة، قام المؤيدون لهذه الفكرة والباحثون حول هذا الموضوع بإطلاق صفارة الإنذار على جميع سكان الأرض، فأقاموا الدول وأقعدوها، ثم فكروا بأنفسهم في كيفية تفادي هذه الكارثة على حد زعمهم، فاقترحوا فكرة تحديد النسل، فقامت بعض الدول، بإباحة الإجهاض والعمليات الجراحية داخل الرحم لمنع الإنجاب، واستعمال حبوب منع الحمل، كما قامت دول بتعقيم الرجال والنساء معا، ولجأت أخرى إلى العزل وكبت النفس بالعزوبه والابتعاد عن الاتصال الجنسي وغيرها من العمليات المحددة أو المنظمة للنسل.
- بطلان دعوى مؤيدي حركة تحديد النسل:
إن الحجج التي يحتج بها مؤيدو تحديد النسل، ما هي إلا انتقاد لذات الخالق ، واعتراض على حكمته البالغة، ونظامه المحكم في السماوات والأرض، يظنون بالله أنه لا يعلم كثيرا مما يعلمونه أو يتوصلون إليه بقواعدهم الحسابية ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ .
لا يعرف هؤلاء أن الله ما خلق شيئا في السماوات والأرض إلا على كمية محدودة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) . وأنه لا يصدر شيئا من خزائنه إلا بقدر معلوم ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢) ، فمهما يكن من ظن هؤلاء القوم بالله وبأنفسهم فإن من الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الذي خلق هذا العالم وأبدع نظامه المحكم ليس بجاهل عنه ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ (٣) وأنه لو نظروا في آياته، وأسرار حكمته في الآفاق وفي أنفسهم بعين البصيرة والعقل، لتبين لهم أنه الأكمل في تقديراته وحسابه، فقد خلق على هذه المساحة من سطح أرضه أنواعا لا عداد لها من خلائقه، وأودع كل واحد منها قدرة عاتية على التوالد، والتناسل، بحيث لو أرخى العنان في وجه نسل زوجين منه فقط لينمو على هواه لاكتظ به وحده وجه الأرض، من أقصاه إلى أقصاه. إن الماء الذي يفرزه كل رجل في كل اتصال من اتصالاته الجنسية، يمكن أن تحمل به ما بين ٣٠٠ و ٤٠٠ مليون امرأة في آن واحد، فلو أن القدرة التناسلية لرجل واحد فقط وجدت في وجهها مجالا كاملا للاتساع والنمو، لاكتظت الأرض اكتظاظا كليا بأفراد نسله وحده في سنوان قلائل، ولكن من الذي أقام الحاجز أمام هذه القوة التناسلية العاتية منذ مئات الآلاف من السنين، بحيث لم يدع نوعا من أنواع الخلائق يتعدى الحدود المعينة لزيادة نسله وتكاثر أفراده.
стр. 5241
فبالرغم من الإنذار بالخطر الذي وجهه هؤلاء الخبراء فإننا لم نر زيادة مذهلة للنسل البشري في مرحلة من مراحل تاريخه، بتلك النسبة المتوالية الهندسية، التي يتخوفون منها ولم يأت على الإنسانية زمن كانت فيه النسبة بين عدد السكان وموارد الرزق مثل التي يدعونها، وإن الأمر لو كان هكذا لكان النسل الإنساني قد انقرض عن وجه الأرض منذ زمن بعيد.
- النتائج السلبية لعملية تحديد النسل:
لقد ثبت علميا بأنه من الممكن باستخدام الوسائل المانعة للحمل، أن ينشأ الاضطراب والاختلال في نظام الرجل الجسماني، كما أنه من الممكن أن ينشأ به الضعف في قوته التناسلية، أو تنعدم فيه هذه القوة كليا، ومما يجوز القول به - على وجه عام - أن هذه الوسائل وإن كانت تحدث في صحة الرجل مؤثرات سيئة جدا إلا أن الذي يخشى دائما أن الرجل عندما لا تشبع غريزته الجنسية بعلاقته الزوجية، يعتريه التبرم والانقباض شيئا فشيئا في حياته العائلية، ولابد أن يحاول إشباع غريزته الجنسية بوسائل أخرى، تفسد عليه صحته، بل وقد تعرضه للأمراض الخبيثة، كما أن اتخاذ الوسائل الصناعية لدى المرأة لمنع الحمل، قد ينشئ التوتر في نظام المرأة الجسماني، ويلازمها شيئًا فشيئًا القلق والاضطراب والتبرم والضجر؛ لأنها عندما لا تشبع غريزتها الجنسية، فإن علاقتها بزوجها يعتريها الشذوذ والانزعاج. وقد شوهدت هذه النتائج بصفة خاصة في الذين يختارون طريق العزل.
стр. 5242
كما ثبت علميا، بأن وسائل تحديد النسل، سواء أكانت هي اللولبيات المعدنية، أو الأقراص والعقاقير القاتلة للحيوانات المنوية، أو حواجز المطاط وغيرها، وإن كانت المرأة لا تتعرض باستخدامها لضرر فوري ظاهري، ولكنها إذا ظلت تستخدمها لمدة من الزمان، فلابد أن يصيبها الانهيار العصبي، قبل أن تبلغ سن الكهولة، كما قد قيل: إنها تسبب سقوط الرحم، والمراق وخفقان القلب والجنون، وعللا خطيرة أخرى، ومن أقدم وأهم طرق تحديد النسل الإجهاض أو (إسقاط الحمل) (AVORTEMENT) إنه لا يزال الطريق المستعمل لمنع الحمل في كثير من البلاد، وقد ثبت أن للإجهاض مؤثرات مهلكة على صحة المرأة وعلى نظامها العصبي، كما يذهب عدد غير يسير من الأمهات ضحية الموت أثناء عملية الإجهاض، كما يمكن أن تسبب عملية الإجهاض أضرارا بالرحم مما يتلفها أو يعقمها تماما، أما حبوب منع الحمل فلا يمكننا أن نجهل تأثيرها المؤكد على صحة المرأة وفي تعطيل كثير من قواها العقلية والتناسلية.
ويقول أحد الأطباء: إنه من الخيانة الشنيعة القول بأنها غير ضارة بصحة المرأة، وأردف يقول: بأن المرأة عندما تتناول هذه الحبوب لمنع حملها فإنها لا تتعرض للصداع والآلام العصبية فحسب، بل لا تأمن على نفسها أن يصيبها مرض عضال كالسرطان.
واستنتج بعض الأطباء أنه من غير القطعي، حتى بعد استعمال كل هذه الوسائل، ومكابدة أخطارها، أن تكون إحداها وسيلة ناجحة لمنع الحمل؛ لأن الطرق المستعملة في يومنا هذا غير قطعية، حيث إن كثيرًا من النساء قد حملن وذلك بالرغم من اتخاذهن تدابير لمنع الحمل.
стр. 5243
الإسلام أمام فكرة تحديد النسل:
لا توجد في القرآن الكريم آية واحدة، بل كلمة واحدة تبيح عملية تحديد النسل، ولكن الذين يؤيدون عملية تحديد النسل عند المسلمين يستدلون بالأحاديث التي وردت في شأن العزل، ولكن هناك ثلاثة أمور أساسية لا بد من رعايتها في استخراج مسألة فقهية من أحاديث الرسول ﷺ .
١ - الاستقصاء التام لكل ما روي عن الرسول ﷺ في المسألة التي هي تحت البحث.
٢ - بذل الجهود الممكنة لمعرفة السياق والموقف الذي بين فيه الرسول ﷺ حديثًا من أحاديثه.
٣ - بذل الجهود الممكنة كذلك للاطلاع على الظروف والملابسات السائدة في بلاد العرب في زمن الرسول ﷺ .
فمع رعاية هذه الأمور الأساسية نريد الآن أن نلقي نظرة على الروايات التي يستدل بها هؤلاء القوم للدفاع عن فكرتهم، ومما لا يخفى على أحد أن قتل الأولاد كان هو الطريق الجاري في بلاد العرب لتحديد النسل، إلى زمن الرسول ﷺ وذلك لسببين:
أولهما: تدهور الوضع الاقتصادي، فكان الآباء لأجله يقتلون أولادهم خشية أن يشاركوهم في رزقهم.
ثانيهما: عاطفة الغيرة المجاوزة لحدودها العادلة، فكان الآباء يحرصون، على وأد بناتهم خشية عار المصاهرة.
فلما جاء الإسلام ندد بهذه الجريمة، ونهى العرب عن اقترافها، وقلب عقليتهم في شأنها قلبا كليا، ثم اتجهت فكرة المسلمين إلى العزل، أي الإنزال بعيدًا عن المرأة، ولكن من المعلوم أن العزل ما كان عامًّا شائعًا بين المسلمين جميعًا، ولا كانت قد قامت فيهم حركة لتحديد النسل ومنع الحمل، ولا كان المقصود، أن يتخذ من العزل سياسة قومية، ولا كانت من الأسباب المحرضة عليه، تلك الأفكار التي كانت تحرض الناس على اقتراف جريمتي قتل الأولاد ووأد البنات، أيام الجاهلية، وإنما كانت هناك ثلاثة أسباب، هي التي حملت على العزل نفرًا من المسلمين، ولنا أن نعرفها بتتبع الروايات الواردة في كتب الحديث، في باب العزل.
стр. 5244
١ - خشية أن تحمل الأمة.
٢ - خشية أن تستحق الأمة إقامة دائمة إذا صارت أم لولد.
٣ - خشية أن يتعرض الرضيع لنوع من الضرر إذا حدث الحمل أيام الرضاعة.
فهذه هي الأسباب التي لأجلها أحس نفر من الصحابة - منهم عبد الله بن عباس وسعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله ﵃ بحاجة إلى العزل في ظروف مخصوصة وعملوه بحجة أنهم ما وجدوا في نصوص القرآن والسنة شيئا ينهى عنه صراحة.
يقول جابر بن عبد الله ﵁: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، ويقول في رواية أخرى: كنا نعزل والقرآن ينزل، ويقول في رواية ثالثة: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل) رواه البخاري ومسلم.
فواضح من هذه الروايات أن جابرًا ومن كان على رأيه من الصحابة في إباحة العزل لم يجدوا في نصوص القرآن والسنة شيئًا ينهى عنه صراحة، ويقول جابر ﵁ في رواية أخرى أخرجها عنه الإمام مسلم: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ وبلغه ذلك فلم ينهنا، فلا تصرح هذه الرواية فيما إذا كان الرسول ﷺ سئل عن حكم العزل أم لم يسأل، وأنه إذا سئل فماذا كان جوابه؟
أما الروايات الأخرى فقد جاء في بعضها أن الرسول ﷺ كان قد سئل في هذه القضية، فعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ((أصبنا سبيًا فكنا نعزل فسألنا رسول الله ﷺ فقال: أوإنكم لتفعلون؟ - قالها ثلاثًا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة)) . أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 5245
وقد جاءت هذه الرواية في الموطأ للإمام مالك ﵁ وفيها يقول أبو سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء - يعني أن لا يولد لهم مولود - فأردنا أن نعزل فقلنا: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟ فسألناه عن ذلك فقال: " ما عليكم أن لا تفعلوا - يعنى أي شيء يحدث إذا لم تفعلوا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ". وفى رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : " ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ " وفى رواية أخرى ((أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لى جارية هي خادمتنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل. فقال: " اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها ")) رواه مسلم.
على أن هناك جماعة من الصحابة وغيرهم قد صح عنهم النهي عن العزل. يقول الإمام الترمذي في سننه: وقد كره العزل قوم من أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ويروي مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر، أنه كان لا يعزل وكان يكره العزل.
فالذي نعلم من تتبع الأحاديث والروايات من كلا النوعين، أن رسول الله ﷺ ما كان أذن في العزل، بل كان يكرهه جماعة من أصحاب العلم من أصحابه ﵃، ولكن لما لم تكن هناك حركة عامة لمنع الحمل وتحديد النسل قائمة بين المسلمين، ولا كانت الجهود تبذل لجعل العزل خطة قومية وتعاملًا عامًّا في المجتمع، وإنما كان نفر من المسلمين يعملونه لحاجاتهم وضروراتهم بصفتهم الشخصية، فما أعلن الرسول ﷺ حرمته، ولا نهى عنه نهيا مؤكدًا على أنه لو كان في زمانه حركة عامة تدعو الناس إلى منع الحمل وتحديد النسل على نطاق قومي واسع، لنهى عنه نهيا مؤكدًا.
стр. 5246
ونحن إذا قسنا على العزل ما ظهر في زماننا من الطرق الأخرى لمنع الحمل وتحديد النسل. جاز لنا القول: بأن الشرع إذا لم يكن قد نهى عنه فإنما ذلك لأن الإنسان قد يحتاج إليه حاجة حقيقية في بعض ظروفه.. فمن باب الحيطة أن يسمح له باستخدامه وذلك مثل أن تتعرض المرأة لخطر الموت، أو تخاف على نفسها أو على طفلها الرضيع، ضررًا غير عادي إذا وقع الحمل، ففي هذه الظروف وأشباهها فقط يمكن استخدام إحدى طرق منع الحمل بعد مشورة الطبيب، ولا بأس بذلك في نظر الشريعة.
وأما تبني سياسة تحديد النسل عامة في الدول، فقد جاء القرآن صريحا في تحريمها، حيث قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (١) فالنتيجة التي ورد ذكرها في هذه الآية الكريمة لتحريم نعمة التناسل بقتل الأولاد، هي الخسران، والوجوه التي تظهر عليها نتيجة الخسران هذه، تكون في الجسد والروح، وفي الحياة المدنية والاجتماعية، وفي الأخلاق وفي النسل والحياة القومية، وفي إضاعة المصالح القومية في سبيل المصالح الشخصية وفي الانتحار القومي، وفي الخسائر الاقتصادية. وذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (٢) فقال: إنهم يحرمون على أنفسهم ما قد أحل الله لهم من المأكولات والسبب في ذلك أنه لم تكن قديما حركة لتحديد النسل ولكن الله الذي يحيط بعلمه كل ما كان وما سيكون، ما استعمل إلا كلمات عامة لا تشمل تحريم المباحات من المأكولات فحسب وإنما تشمل أيضًا تحريم كل نعمة أنعمها على عباده وكلمة " الرزق " لا تستعمل في معاجم اللغة وفي كلام العرب لمجرد المأكولات والمشروبات، وإنما تستعمل لكل نعمة بما فيها نعمة الذرية، ولما قد جاء هنا ذكر تحريم " الرزق " عقب قتل الأولاد، فمعناه الواضح أنه كما قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، كذلك قد خسر الذين حرموا على أنفسهم، نعمة التناسل والإنجاب والأولاد.
стр. 5247
الخلاصة:
نستخلص من هذا كله أن اتخاذ طرق لتحديد النسل، من عزل وغيره، من أسباب منع الحمل كخطة قومية وتعامل عام في المجتمع، أمر مصادم للشرع، ومتناف مع أحكامه، ولكن إذا تعرضت المرأة لظروف يمكن أن تؤدي إلى هلاكها، أو هلاك رضيعها، نتيجة حمل، فإنه يمكن في هذه الحالة، أن يسمح لها باستعمال إحدى الطرق المذكورة، لإنقاذها وذلك بعد مشورة الطبيب كما ذكرنا آنفا، والله أعلم.
تجاني صابون محمد
стр. 5248
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الحاج عبد الرحمن باه
إمام جامع وعضو المجمع الفقهي الإسلامي
عن جمهورية غينيا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته والتمس الرشاد في هديه إلى يوم الدين.
وبعد: سادتي العلماء.. وشيوخي الأفاضل..
أقف بين أيديكم موقف المتهنئ لإلقاء كلمة حول الموضوع الذي اخترته من ضمن المواضيع التي ستدرس وتناقش في دورتنا هذه ولعله يكون مساهما في حركة المجمع الفقهي وأرجو أن يكون في محل الثقة عند سعادتكم، وإذا كان الصواب فمن الله تعالى، وإذا كان الخطأ فكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون.
فالموضوع هو: تنظيم النسل وتحديده
سبب اختياري لهذا الموضوع: هو أن المجتمع الإسلامي في عصرنا الحاضر يعيش بين التيارات المعادية للإسلام من أهل الباطل والضلال وأصحاب الأهواء والمتجبرين في الأرض، ويخطئ من يظن أن الحرب بين الإسلام وأعدائه قد وضعت أوزارها وإنما بالعكس فالحق أن أعداء الإسلام يدبرون لحربه كل يوم وسيلة من وسائلهم المختلفة إما في الفكر أو الثقافة أو المذهب أو العادات والتقاليد؛ لأن أكثر المعارك الآن تخطيط يتناول مظاهر حياة المسلمين كلها ابتداء من تغيير الزي وتغيير العادة إلى تغيير الخلق والسلوك وانتهاء بتغيير منهج الله وشريعته في المجتمع.
أيها السادة والشيوخ..
ما هذا الإنسان؟ مم خلق؟ وكيف كان؟ وكيف صار؟ وكيف قطع رحلته الكبيرة حتى جاء إلى هذا الكوكب؟
ألم يك نطفة من الماء، من منيٍّ يُمْنَى ويراق؟ ألم تتحول هذه النطفة من خلية صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم، تعلق بجدارنه لتعيش وتستمد الغذاء؟ .. فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة؟ ومن ذا الذي أودعها هذه القدرة؟ ومن ذا الذي وجهها هذا الاتجاه؟ ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنينا معتدلًا منسق الأعضاء؟ مؤلفًا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية، وهو في الأصل خلية واحدة مع بويضة.
стр. 5249
والمرحلة المديدة التي قطعها من الخلية الواحدة إلى الجنين السوي وهي أطول بمراحل من رحلته من مولده إلى مماته.
والتغيرات التي تحدث في كيانه في الرحلة الجنينية أكثر وأوسع مدى من كل ما يصادفه من الأحداث في رحلته من مولده إلى مماته! فمن ذا الذي قاد هذه الرحلة المديدة، رحلة هذه الخليقة الصغيرة الضعيفة التي لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب؟
ثم في النهاية من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة.. الذكر والأنثى؟ وأي إرادة كانت لهذه الخلية في أن تكون ذكرًا؟ وأي إرادة لتلك في أن تكون أنثى؟ أمن ذا إلى يزعم أنه تدخل فقاد خطواتهما في ظلمات الرحم إلى هذا الاختيار؟
إنه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبرة التي قادت النطفة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير..
وجهات النظر
(أ) المفكرون الإسلاميون:
لا ريب أن بقاء النوع الإنساني من أول أغراض الزواج أو هو غاية هذه الأغراض. وبقاء النوع إنما يكون بدوام التناسل. وقد حبب الإسلام في كثرة النسل، وبارك الأولاد ذكورًا وإناثًا ولكنه رخص للمسلم في تنظيم النسل إذا دعت إلى ذلك دواع معقولة وضرورات معتبرة، وقد كانت الوسيلة الشائعة التي يلجأ إليها الناس لمنع النسل أو تقليله - في عهد الرسول ﷺ هي العزل (وهو قذف النطفة خارج الرحم عند الإحساس بنزولها) وهذا يتم بدور الذكر؛ لأن دور الذكر في التناسل هو تقديم النطاف فقط، ولأن طرح النطف لا يفيد في العملية التناسلية أيضًا ما لم يتم في مهبل المرأة.
وقد كان الصحابة يفعلون ذلك في عهد النبوة والوحي كما روي في الصحيحين عن جابر: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا ولو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)) (١) .
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((يا رسول الله إن لي جارية وأنا أعزل عنها، وإني أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث: أن العزل الموءودة الصغرى!! فقال ﵇: " كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه ")) (٢) .
ومراد النبي ﷺ أن الزواج - مع العزل - قد تفلت منه قطرة تكون سببًا للحمل وهو لا يدري.
стр. 5250
وفي مجلس عمر تذاكروا العزل فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموءودة الصغرى فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة، حتى تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تكسى لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر. فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك.
لقد قال الشيخ أحمد محمد عساف في كتابه الحلال والحرام في الإسلام ما نصه: (قد تنشأ أسباب أو ضروريات تدفع الإنسان إلى تنظيم أسرته أو تنظيم نسله، بأن يجعل هناك فترات متباعدة بين مرات الحمل وينشأ عن ذلك أن يكون عدد الذرية قليلا، نزولا على مقتضيات تلك العوامل والأسباب) .
وقد ذكر إباحة العزل الإمام الغزالي والإمام ابن القيم الجوزية وغيرهما، ولكن لا يجوز إجراء عملية يترتب عليها تعطيل الأجهزة التناسلية بصفة دائمة عند الزوج أو الزوجة؛ لأن هذا اعتداء على خلقة الله تعالى دون موجب..
(ب) المفكرون الغربيون: منهم (مرجريت سنجاير) .
ومنذ عام ١٩١٥ م قامت مرجريت سنجاير رائدة ضبط تحديد النسل فزينت جدران مكاتب أبحاثها بمدينة نيويورك حتى استجوبها القضاة أمام مجلس القضاء بشأن نشاطها الهدام من أجل ضبط النسل فابتكرت فكرة جديدة وهي أن تعلم النساء طريقة منع الحمل فاختارت خير مكان هو فرنسا وسافرت إلى باريس وبعدما شاعت دعايتها هناك قررت السيدة عودتها إلى نيويورك فأصدرت نشرة شهرية بعنوان: المرأة الثائرة. وألفت كتابا بعنوان: تحديد الأسرة. لم يقبل أي ناشر طبعه.
ثم سافرت مرجريت سنجاير إلى موسكو في عام ١٩٣٤ م ومنها توجهت إلى الهند وقابلت غاندي الذي اقتنع بأن الأمومة ينبغي أن تكون واعية واختيارية خاصة وأن هذه مسألة تتعلق باحترام حرية المرأة في مجال يخصها بالدرجة الأولى فرفض الموافقة على استعمال مواد موانع الحمل.
стр. 5251
ضروريات تنظيم النسل
١ - الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل أو الوضع، إذا عرف بتجربة أو إخبار طبيب ثقة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء [٢٩] وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة [١٩٥] .
٢ - الخشية من وقوع حرج دنيوي قد يفضي به إلى جرم في دينه، فيقبل الحرام ويرتكب المحظور من أجل الأولاد. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة ١٨٥ - وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ سورة المائدة ٦.
٣ - الخشية على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم. وفي صحيح مسلم (عن أسامة بن زيد أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ : ((لِمَ تفعل ذلك؟)) فقال الرجل: أشفق على ولدها. فقال رسول الله ﷺ : ((لو كان ضارًّا لضر فارس والروم)) (١) .
وكأنه ﵇ رأى أن هذه الحالات الفردية لا تضر الأمة في مجموعها بدليل أنها لم تضر فارس والروم وهما أقوى دول الأرض حينذاك.
٤ - الخشية على الرضيع من حمل جديد ووليد جديد، وقد سمى النبي ﷺ الوطء في حالة الرضاع وطء الغيلة أو الغيل لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد، وإنما سماه غيلا أو غيلة؛ لأنه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرًّا.
وكان ﵇ يجتهد لأمته فيأمر بما يصلحها، وينهاها عما يضرها، وكان من اجتهاده لأمته أن قال: (لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة) (٢) . ولكنه ﵇ لم يؤكد النهي إلى درجة التحريم.. ذلك لأنه نظر إلى الأمم القوية في عصره فوجدها تصنع هذا الصنيع ولا يضرها فالضرر إذًا غير مطرد، هذا مع خشية العنت على الأزواج لو جزم بالنهي عن وطء المرضعات، ومدة الرضاع قد تمتد إلى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. لذلك كله قال: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ولا يضر أولادهم شيئا) (٣) .
والمفهوم من تعاليم الشريعة الغراء أنه إذا كان هناك داع يستوجب هذا التنظيم في النسل فلا مانع شرعًا من اتباع طريقة سليمة لتحقيق ذلك. ومن هنا قرر العلماء إباحة منع الحمل مؤقتًا بين زوجين أو دائمًا إذا كان بهما أو بأحدهما داء من شأنه أن ينتقل في الذرية والأحفاد. وتنظيم النسل بهذه الأسباب الضرورية تبيحه الشريعة الإسلامية أو تحتمه على حسب قوة الضرر ونفعه؟
стр. 5252
مانعات الحمل
أولا: العصر الحديث:
١ - وقد استحدث في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل حبوب تتركب من مركبات البروجسترون والإستروجين ولكنها ذات تأثيرات جانبية سيئة، تختلف من امرأة إلى أخرى، ومن هذه التأثيرات التوتر الشرياني، والعنانة (الضعف الجنسي) والصداع المعند، والاكتئاب النفسي، واختلاف توازن سكر الدم، واحتقان الثديين بشكل مؤلم (١) . فمعظم النسوة يستعملن هذه الحبوب ليمارسن العلاقات الجنسية المحرمة.
يقول الدكتور نيكول: (إن المشكلة التي تواجهنا اليوم هي تبدل قيمنا الأخلاقية التي شجعت وتشجع إقامة العلاقات الجنسية المحرمة، وهذه بدورها سببت ازديادًا حادًّا في إصابات الأمراض الجنسية) SIDA (٢) .
٢ - الاعتزال: وذلك بأن يعتزل الرجل زوجته فلا يجامعها في أيام محددة من الدورة الطمثية.. ثلاثة أيام قبل موعد الإباضة وثلاثة بعدها ويوم الإباضة، وبذا تتم الإباضة دون إلقاح، ولا بد لنجاح هذه الطريقة من أن تكون الدورة الطمثية منتظمة، وأن نعرف يوم الإباضة بالضبط.
ثانيًا: عصر النبوة والوحي:
العزل: وذلك بأن يعزل الرجل ماءه ويقذفه خارج مهبل زوجته. لحديث جابر السابق: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) .
стр. 5253
إسقاط الحمل
وإذا كان الإسلام قد أباح للمسلم أن يمنع الحمل لضرورات تقتضي ذلك فلم يبح له أن يجني على هذا الحمل بعد أن يوجد فعلًا.
واتفق الفقهاء على أن إسقاطه بعد نفخ الروح فيه حرام وجريمة، لا يحل للمسلم أن يفعله؛ لأنه جناية على حي متكامل الخلق، ظاهر الحياة، قالوا: ولذلك وجبت في إسقاطه الدية إن نزل حيًّا ثم مات، وعقوبة مالية أقل منها إن نزل ميتا، ولكنهم قالوا: إذا ثبت من طريق موثوق به أن بقاءه بعد تحقق حياته هكذا يؤدي لا محالة إلى موت الأم فإن الشريعة بقواعدها العامة تأمر بإرتكاب أخف الضررين، فإذا كان في بقائه موت الأم وكان لا منقذ لها سوى إسقاطه، كان إسقاطه في تلك الحالة متعينًا، ولا يضحى بها في سبيل إنقاذه؛ لأنها أصله، وقد استقرت حياتها، ولها حظ مستقل في الحياة، ولها حقوق وعليها حقوق، فهي بعد هذا وذاك عماد الأسرة، وليس من المعقول أن نضحي بها في سبيل الحياة لجنين لم تستقل حياته، ولم يحصل على شيء من الحقوق والواجبات (١) .
وقال الإمام الغزالي يفرق بين منع الحمل وإسقاطه: (وليس هذا - أي منع الحمل - كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية، فإن صارت نطفة فعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا، ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حيًّا (٢) .
تقليل النسل في العصر الجاهلي منها: وأد البنات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير: [٨، ٩] ، وقيل في التسهيل: الموءودة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته لها أو غيرته عليها. فتسأل يوم القيامة ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ؟ على وجه التوبيخ لقاتلها. فلهذا يقول : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ النحل [٥٨] .
стр. 5254
الخلاصة
رَأْيُنَا حول هذا الموضوع:
ترى ما هو العلاج لهذا الموضوع الخطير الذي يحاول أعداء الإسلام تشويه المجتمع الإسلامي به؟
إن مشكلة تنظيم النسل وتحديده في هذا العصر المائع والمجتمع المضطرب والقيم الأخلاقية المتدهورة والصراع المادي المستحكم، ليست سهلة الحل إذا عولجت على أساس أنها عارض منفصل عن بقية أوجه الحياة، والإسلام وحدة متكاملة في نظام حياته المتميز، وَرَحِمَ الله من قال: (خذوا الإسلام جملة أو فاتركوه) .
إن تأييد تحديد النسل تأييد لأعداء الإسلام الذين يحاولون تشويه المجتمع الإسلامي ودعاياتهم منتشرة في جميع النواحي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ الإسراء [٣١] .
وفي وصايا الرسول ﷺ : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) . وقال أيضًا: ((من ترك الزواج مخافة العيال فليس منا)) .
فالإسلام كفيل بحل مشكلة تنظيم النسل وتحديده في المجتمعات المسلمة.. عندما تكون له السيادة فيها.
أما الترقيع الإجتماعي الجزئي فليس من أسلوب الإسلام ولا من منهجه؛ لأن المصلحة التي هدف إليها الرسول ﷺ وهي حماية الرضيع من الضرر - مع تجنب المفسدة الأخرى - وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع وما في ذلك من مشقة.
وعلى ضوء هذا نستطيع أن نقرر أن المدة المثلى في نظر الإسلام بين كل ولدين هي ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون شهرًا لمن أراد أن يتم الرضاعة، وقرر الإمام أحمد وغيره أن ذلك يباح إذا أذنت به الزوجة؛ لأن لها حقًّا في الولد، وحقًّا في الاستمتاع.
وروي عن عمر أنه نهى عن العزل إلا بإذن الزوجة (١) .
فالمهم أنه لا يجوز إجراء أي عملية يترتب عليها تعطيل الأجهزة التناسلية بصفة دائمة عند الزوج أو الزوجة. فقد يكون لهما على سبيل المثال ولدان أو عدد من الأولاد ثم يجريان عملية التعقيم وبعد ذلك يموت هؤلاء الأولاد موتًا طبيعيًّا أو في حادث من الحوادث ولا يستطيعان بعد ذلك أن يحصلا على أولاد لتعطل الأعضاء التناسلية عندهما.
يقول الدكتور: هـ. فلورنوي (إن الشعب الذي يحتاج إلى التهديد بفرض العقوبات التشجيعية على النسل والحفاظ على ارتفاع معنوياته شعب معتل وليس ناضجًا بالمرة) (٢) .
سادتي العلماء وشيوخي الأفاضل
كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحاج عبد الرحمن باه
стр. 5255
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الشيخ الشريف محمد عبد القادر
عميد المدرسة العالية بسرسينة
وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن بنغلاديش
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تنظيم النسل وتحديده
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وآله وأصحابه أجمعين أما بعد:
١ - فإن المفهوم المتبادر في الأذهان من كلمة تنظيم النسل وتحديده هو العمليات الجارية للحد من تزايد عدد السكان والمزايا الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها - ولكن الكلمة تشمل معنى أوسع وأرحب ليس مقصورًا في شئون التقليل من عدد البطون الآكلة.
وقد أولى الدين الإسلامي الحنيف أهمية خاصة لتنظيم النسل وبين أصول وقواعد تحسين وتوطيد الأواصر بين أفراد العائلة وتهذيب أخلاقهم وتطوير مستوياتهم الدينية والمالية.
٢ - فإن اللبنة الأساسية للأسرة والوسيلة الشرعية الوحيدة لابقاء عمليات التوالد والتناسل المستمرة هي العلاقة الزوجية بين رجل وامرأة - ونالت هذه العلاقة الزوجية أهمية بالغة وعناية خاصة في الشريعة الإسلامية - قال الله في محكم كتابه ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) . ووصف القرآن الكريم الزوجين بأن أحدهما لباس للآخر - ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٢) . وأشار كتاب الله الكريم إلى وسيلة حسن نظام العائلة وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٣) . وتعاليم الدين الحنيف في هذا المجال واضحة ومتوسعة في آيات القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم ﷺ .
ومعرفة هذه الأحكام والنصائح ونشرها فيما بين الناس وخاصة فيما بين الفتيان والفتيات من المسلمين والمسلمات لتمكينهم من بناء أسرة إسلامية سليمة ومن تربية وتوعية الأجيال الآتية تعتبر من أهم أعمال تنظيم النسل والأسرة.