← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

ضروريات تنظيم النسل ١ - الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل أو الوضع، إذا عرف بتجربة أو إخبار طبيب ثقة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء [٢٩] وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة [١٩٥] . ٢ - الخشية من وقوع حرج دنيوي قد يفضي به إلى جرم في دينه، فيقبل الحرام ويرتكب المحظور من أجل الأولاد. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة ١٨٥ - وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ سورة المائدة ٦. ٣ - الخشية على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم. وفي صحيح مسلم (عن أسامة بن زيد أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ : ((لِمَ تفعل ذلك؟)) فقال الرجل: أشفق على ولدها. فقال رسول الله ﷺ : ((لو كان ضارًّا لضر فارس والروم)) (١) . وكأنه ﵇ رأى أن هذه الحالات الفردية لا تضر الأمة في مجموعها بدليل أنها لم تضر فارس والروم وهما أقوى دول الأرض حينذاك. ٤ - الخشية على الرضيع من حمل جديد ووليد جديد، وقد سمى النبي ﷺ الوطء في حالة الرضاع وطء الغيلة أو الغيل لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد، وإنما سماه غيلا أو غيلة؛ لأنه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرًّا. وكان ﵇ يجتهد لأمته فيأمر بما يصلحها، وينهاها عما يضرها، وكان من اجتهاده لأمته أن قال: (لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة) (٢) . ولكنه ﵇ لم يؤكد النهي إلى درجة التحريم.. ذلك لأنه نظر إلى الأمم القوية في عصره فوجدها تصنع هذا الصنيع ولا يضرها فالضرر إذًا غير مطرد، هذا مع خشية العنت على الأزواج لو جزم بالنهي عن وطء المرضعات، ومدة الرضاع قد تمتد إلى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. لذلك كله قال: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ولا يضر أولادهم شيئا) (٣) . والمفهوم من تعاليم الشريعة الغراء أنه إذا كان هناك داع يستوجب هذا التنظيم في النسل فلا مانع شرعًا من اتباع طريقة سليمة لتحقيق ذلك. ومن هنا قرر العلماء إباحة منع الحمل مؤقتًا بين زوجين أو دائمًا إذا كان بهما أو بأحدهما داء من شأنه أن ينتقل في الذرية والأحفاد. وتنظيم النسل بهذه الأسباب الضرورية تبيحه الشريعة الإسلامية أو تحتمه على حسب قوة الضرر ونفعه؟

стр. 5252

مانعات الحمل أولا: العصر الحديث: ١ - وقد استحدث في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل حبوب تتركب من مركبات البروجسترون والإستروجين ولكنها ذات تأثيرات جانبية سيئة، تختلف من امرأة إلى أخرى، ومن هذه التأثيرات التوتر الشرياني، والعنانة (الضعف الجنسي) والصداع المعند، والاكتئاب النفسي، واختلاف توازن سكر الدم، واحتقان الثديين بشكل مؤلم (١) . فمعظم النسوة يستعملن هذه الحبوب ليمارسن العلاقات الجنسية المحرمة. يقول الدكتور نيكول: (إن المشكلة التي تواجهنا اليوم هي تبدل قيمنا الأخلاقية التي شجعت وتشجع إقامة العلاقات الجنسية المحرمة، وهذه بدورها سببت ازديادًا حادًّا في إصابات الأمراض الجنسية) SIDA (٢) . ٢ - الاعتزال: وذلك بأن يعتزل الرجل زوجته فلا يجامعها في أيام محددة من الدورة الطمثية.. ثلاثة أيام قبل موعد الإباضة وثلاثة بعدها ويوم الإباضة، وبذا تتم الإباضة دون إلقاح، ولا بد لنجاح هذه الطريقة من أن تكون الدورة الطمثية منتظمة، وأن نعرف يوم الإباضة بالضبط. ثانيًا: عصر النبوة والوحي: العزل: وذلك بأن يعزل الرجل ماءه ويقذفه خارج مهبل زوجته. لحديث جابر السابق: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) .

стр. 5253

إسقاط الحمل وإذا كان الإسلام قد أباح للمسلم أن يمنع الحمل لضرورات تقتضي ذلك فلم يبح له أن يجني على هذا الحمل بعد أن يوجد فعلًا. واتفق الفقهاء على أن إسقاطه بعد نفخ الروح فيه حرام وجريمة، لا يحل للمسلم أن يفعله؛ لأنه جناية على حي متكامل الخلق، ظاهر الحياة، قالوا: ولذلك وجبت في إسقاطه الدية إن نزل حيًّا ثم مات، وعقوبة مالية أقل منها إن نزل ميتا، ولكنهم قالوا: إذا ثبت من طريق موثوق به أن بقاءه بعد تحقق حياته هكذا يؤدي لا محالة إلى موت الأم فإن الشريعة بقواعدها العامة تأمر بإرتكاب أخف الضررين، فإذا كان في بقائه موت الأم وكان لا منقذ لها سوى إسقاطه، كان إسقاطه في تلك الحالة متعينًا، ولا يضحى بها في سبيل إنقاذه؛ لأنها أصله، وقد استقرت حياتها، ولها حظ مستقل في الحياة، ولها حقوق وعليها حقوق، فهي بعد هذا وذاك عماد الأسرة، وليس من المعقول أن نضحي بها في سبيل الحياة لجنين لم تستقل حياته، ولم يحصل على شيء من الحقوق والواجبات (١) . وقال الإمام الغزالي يفرق بين منع الحمل وإسقاطه: (وليس هذا - أي منع الحمل - كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية، فإن صارت نطفة فعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا، ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حيًّا (٢) . تقليل النسل في العصر الجاهلي منها: وأد البنات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير: [٨، ٩] ، وقيل في التسهيل: الموءودة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته لها أو غيرته عليها. فتسأل يوم القيامة ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ؟ على وجه التوبيخ لقاتلها. فلهذا يقول : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ النحل [٥٨] .

стр. 5254

الخلاصة رَأْيُنَا حول هذا الموضوع: ترى ما هو العلاج لهذا الموضوع الخطير الذي يحاول أعداء الإسلام تشويه المجتمع الإسلامي به؟ إن مشكلة تنظيم النسل وتحديده في هذا العصر المائع والمجتمع المضطرب والقيم الأخلاقية المتدهورة والصراع المادي المستحكم، ليست سهلة الحل إذا عولجت على أساس أنها عارض منفصل عن بقية أوجه الحياة، والإسلام وحدة متكاملة في نظام حياته المتميز، وَرَحِمَ الله من قال: (خذوا الإسلام جملة أو فاتركوه) . إن تأييد تحديد النسل تأييد لأعداء الإسلام الذين يحاولون تشويه المجتمع الإسلامي ودعاياتهم منتشرة في جميع النواحي. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ الإسراء [٣١] . وفي وصايا الرسول ﷺ : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) . وقال أيضًا: ((من ترك الزواج مخافة العيال فليس منا)) . فالإسلام كفيل بحل مشكلة تنظيم النسل وتحديده في المجتمعات المسلمة.. عندما تكون له السيادة فيها. أما الترقيع الإجتماعي الجزئي فليس من أسلوب الإسلام ولا من منهجه؛ لأن المصلحة التي هدف إليها الرسول ﷺ وهي حماية الرضيع من الضرر - مع تجنب المفسدة الأخرى - وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع وما في ذلك من مشقة. وعلى ضوء هذا نستطيع أن نقرر أن المدة المثلى في نظر الإسلام بين كل ولدين هي ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون شهرًا لمن أراد أن يتم الرضاعة، وقرر الإمام أحمد وغيره أن ذلك يباح إذا أذنت به الزوجة؛ لأن لها حقًّا في الولد، وحقًّا في الاستمتاع. وروي عن عمر أنه نهى عن العزل إلا بإذن الزوجة (١) . فالمهم أنه لا يجوز إجراء أي عملية يترتب عليها تعطيل الأجهزة التناسلية بصفة دائمة عند الزوج أو الزوجة. فقد يكون لهما على سبيل المثال ولدان أو عدد من الأولاد ثم يجريان عملية التعقيم وبعد ذلك يموت هؤلاء الأولاد موتًا طبيعيًّا أو في حادث من الحوادث ولا يستطيعان بعد ذلك أن يحصلا على أولاد لتعطل الأعضاء التناسلية عندهما. يقول الدكتور: هـ. فلورنوي (إن الشعب الذي يحتاج إلى التهديد بفرض العقوبات التشجيعية على النسل والحفاظ على ارتفاع معنوياته شعب معتل وليس ناضجًا بالمرة) (٢) . سادتي العلماء وشيوخي الأفاضل كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحاج عبد الرحمن باه

стр. 5255

تنظيم النسل وتحديده إعداد الشيخ الشريف محمد عبد القادر عميد المدرسة العالية بسرسينة وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن بنغلاديش بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنظيم النسل وتحديده الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وآله وأصحابه أجمعين أما بعد: ١ - فإن المفهوم المتبادر في الأذهان من كلمة تنظيم النسل وتحديده هو العمليات الجارية للحد من تزايد عدد السكان والمزايا الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها - ولكن الكلمة تشمل معنى أوسع وأرحب ليس مقصورًا في شئون التقليل من عدد البطون الآكلة. وقد أولى الدين الإسلامي الحنيف أهمية خاصة لتنظيم النسل وبين أصول وقواعد تحسين وتوطيد الأواصر بين أفراد العائلة وتهذيب أخلاقهم وتطوير مستوياتهم الدينية والمالية. ٢ - فإن اللبنة الأساسية للأسرة والوسيلة الشرعية الوحيدة لابقاء عمليات التوالد والتناسل المستمرة هي العلاقة الزوجية بين رجل وامرأة - ونالت هذه العلاقة الزوجية أهمية بالغة وعناية خاصة في الشريعة الإسلامية - قال الله في محكم كتابه ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) . ووصف القرآن الكريم الزوجين بأن أحدهما لباس للآخر - ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٢) . وأشار كتاب الله الكريم إلى وسيلة حسن نظام العائلة وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٣) . وتعاليم الدين الحنيف في هذا المجال واضحة ومتوسعة في آيات القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم ﷺ . ومعرفة هذه الأحكام والنصائح ونشرها فيما بين الناس وخاصة فيما بين الفتيان والفتيات من المسلمين والمسلمات لتمكينهم من بناء أسرة إسلامية سليمة ومن تربية وتوعية الأجيال الآتية تعتبر من أهم أعمال تنظيم النسل والأسرة.

стр. 5256

٣ - ومن الواجبات المهمة والمكلف بها الآباء والأمهات هي تربية الأولاد الذكور والإناث الذين أنعم الله بهم على الزوجين نتيجة حياة زوجية سليمة وطبيعية وذلك طبقا للشريعة الإسلامية وقوانين الصحة البدنية والعقلية وأكدت الشريعة الإسلامية في هذا الصدد على الرضاعة من ثدي الأم بدلا من الرضاعة الصناعية ومن ثَمَّ بَيَّنَ القرآن الكريم الرضاعة بنوع من التفصيل حيث قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ الآية - وغيرها من الآيات الكريمة بهذا الشأن - والاعتماد على الخادمات والمربيات لتربية الأولاد وتخلي الأمهات عن هذه الواجبات لينشغلن بشئون أخرى ربما بأمور لا تعنيها مما لا توافق عليه الشريعة الإسلامية ولا ترضى بها فإن تربية المولود في مهد من ولدته هو المطلوب لتنظيم الجيل الصاعد، ومفاسد الاعتماد على المربيات الأجنبيات لتربية الأولاد قد برز جليًّا في بعض مجتمعاتنا الإسلامية خاصة الراقية منها والتي يحلو لها تقليد الغرب في كل شئون الحياة ويتحتم علينا أن نتنبه لهذا الخطر العظيم قبل فوات الأوان - ومن أعمال تنظيم النسل التي يجب علينا أن نتوجه إليها هو توعية الأمهات المسلمات وحثهن على تأدية واجباتهن تجاه رضائعهن كما يجب توفير الأجواء والوسائل المناسبة لهن ليقمن بواجباتهن مرضاة لله العليم الخبير. ٤ - إن مرحلة الطفولة التي تعقب مرحلة الرضاعة تعتبر من أهم المراحل في حياة الإنسان - فإن هذه هي المرحلة التي تتكون فيها شخصية رجل وامرأة المستقبل ومسئولية تكوين شخصية الإنسان إنما تقع على عواتق الأبوين كما قال نبينا الكريم ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أويمجسانه)) - ويدل هذا الحديث الشريف بكل وضوح على أن توعية الأولاد توعية إسلامية وحفظهم من العقائد الضالة والثقافة الباطلة من واجبات الأبوين أولا وقبل أية جهة أخرى - وجاء في الحديث الشريف ((ألا كلكم راع وكل مسئول عن رعيته.... الحديث)) - وقال النبي ﷺ ((مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا)) .

стр. 5257

وبالعموم تعليم الأولاد وتربيتهم في البيئة العائلية وبين أفراد العائلة هو الأكثر إفادة والأقوم دعامة والأمثل نتيجة - أما التعاليم المدرسية والجامعية قد تساعد على تقوية أعمال العائلة ولكن في بعض الأحيان وللأسف الشديد قد تؤثر التعاليم المدرسية والجامعية في معظم البلدان الإسلامية تأثيرات سلبية على أفكار ومعتقدات فلذات أكبادنا ومن ثم تزداد مسئولية العائلة وصاحبها وتعتبر تربية الأولاد وتوعيتها من أهم أعمال تنظيم النسل والأسرة. ٥ - وشجع الإسلام على تزويج الأولاد والبنات عند بلوغهم سن الزواج وقال ربنا العزيز الرحيم في كتابه الحكيم ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١) أما الرهبانية والعزوبة والعنوسة فلا مجال لها في الإسلام - ويرفضها كتاب الله المجيد بنص صريح حيث قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٢) - وقال الرسول ﷺ ((لا رهابنية ولا خصاء في الإسلام)) - وأيضا قال ((النكاح من سنتي ومن رغب عن سنتى فليس مني)) - فإن الزواج الإسلامي هو وسيلة شرعية لزيادة أعداد متبعي الرسول الذين سيباهي بهم - فإن النبي ﷺ قال ((وانكحوا الودود فإني أباهي بكم يوم القيامة)) وأيضا قال: ((فإني مكاثر بكم الأمم)) والامتناع من الزواج لمدة طويلة في انتظار الحصول على الاستطاعة المزعومة مما لا يحمد عاقبته من الناحية الدينية؛ لأن الاستطاعة من الأمور النسبية والبركة في يد الله وأن الاستطاعة لا تعني أبدا توفر أسباب ووسائل الترف والبذخ - وتنظيم النسل في الإسلام يتطلب الإسراع في الزواج بغية الحصول على الأولاد خلال قمة الشباب فيكون الجيل الجديد أقوى من الناحية البدنية والعقلية وفي حين تكون القوى العاملة للوالد في ذروتها بحيث يستطيع بذل جهود متزايده ليبتغي من فضل الله، فيصرفه على الأولاد. ٦ - إعداد الأولاد لكسب المال والأرزاق وحثهم على الجهد والعطاء من الواجبات الإسلامية ومتطلبات تنظيم الأسرة وأوصى نبينا المصطفى على أن نترك أولادنا في حالة لا يضطرون فيها على مد أيدي السؤال لما يقتات به من المال، ولا يحصل ذلك بتوفير خزينة من المال وتركها للأولاد، ما لم يكن الأولاد قادرين على حفظ وحسن استخدام هذه الأموال، أما الأولاد الذين تدربوا على حرفة ومهنة وتعرفوا على أساليب سليمة لكسب الأرزاق بالكد والجهد فهم الذين يعيشون حياة ناجحة وسعيدة، وأما جمع المال والمقدرة في مكان واحد فذلك فضل الله يعطيه من يشاء.

стр. 5258

٧ - قد يقال: إن كثرة عدد الأولاد قد تحول دون تأدية الواجبات تجاههم - ويتعذر للأبوين توفير كل المتطلبات للأولاد، ومن ثم يبرر عمليات تحديد النسل، كما يقال: إن خيرات الدنيا ومصادر الرزق محدودة للغاية، كما أن مساحة الكرة الأرضية والمناطق المسكونة منه محدودة - فإن استمر تزايد السكان في العالم بدون حد أو قيد لن يجد الإنسان ما يقتات به ولن يجد مكانًا للسكن - وسيعجز الإنسان من توفير فرص التعليم لأولاده - وسينخفض مستوى معيشة الإنسان إلى الحد الأدنى - وسيعم الفساد في الأرض وستندلع حروب مستنزفة وستحدث كوارث طبيعية ومدمرة ويلقى على أثرها مئات الألوف ضحايا. ٨ - ومن أجل الحفاظ على نوع البشر من سلبيات التزايد السكاني المزعومة والمذكورة أعلاه تم إجراء حملة قوية وعالمية لتحديد النسل - وتم إيجاد طرق ووسائل متنوعة للتعقيم ومنع الحمل، وتم اتخاذ إجراءات كفيلة بتوفير هذه الوسائل وتوصيلها إلى متناول عامة الناس بسهولة وبأثمان رخيصة للغاية، ويجري صرف كميات ضخمة من المال واستخدام أفواج كبيرة من البشر لإجراء حملات دعائية واسعة النطاق ترغب عامة الناس في التقليل من الإنجاب واتخاذ وسائل كفيلة بتحديد النسل، وفي بعض البلدان تم فرض حظر قانوني على إنجاب أكثر من عدد محدد من الأولاد والبنات - قد يعاقب الزوجان على إنجاب أكثر من عدد محدد من الحكومة، وذلك بفرض ضرائب مالية عليهما، ومن خلال هذه الوسائل والتدابير تم التقليل من إمكانية استقرار الحمل، وتم في بعض البلدان إحلال الإجهاض - ونتيجة للحملات الدعائية والمعادية للحمل والإنجاب قد زادت عمليات الإجهاض غير الشرعي بشكل كبير.

стр. 5259

٩ - ومثل هذه الحملات والبرامج لمنع الحمل وتحديد النسل لا تقرها الأصول والمبادئ الإسلامية، ونظرية عجز الأرض من توفير أرزاق العدد المتزايد من العباد تنفي وتعادي عقيدة الكفالة الربانية لأرزاق الخلائق ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١) ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ (٢) ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (٤) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٥) ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٦) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ (٧) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (٨) - والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الشأن ولا داعي لحصرها. ١٠ - ومما لا شك فيه أن عدد أولاد آدم يتزايد يوما بعد يوم بانسجام تام ووئام كامل مع الخطة السماوية لخلق الخلائق - فإن الخالق العزيز القدير خلق نفسا واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء حتى بلغ عدد سكان العالم اليوم عدة بلايين ولكن لم تبخل الأرض ولا السماء عن توفير الأرزاق لهذا العدد الهائل من البشر بل يتفتح كل يوم آفاق جديدة لرزق لا يحصى - فإن الإنسان ليس عبارة عن بطون آكلة فحسب - بل لكل إنسان عينان يبصر بهما ورجلان يمشي عليهما ويدان يعمل بهما وعدد كبير من الأعضاء والجوارح يستخدمها وله مخ ثمين يفكر به ليس لإبقاء حياته فحسب بل لتحسين مستواه وتطويره - وما حققه الإنسان من النجاح في هذا المجال فهو البين والأظهر من الشمس - ولهذا من الواهيات والخرافات الاعتقاد بأن مصادر الرزق محدودة للغاية وأنها اقتربت للنفاد وسوف تنفد عاجلا إن لم يتم تحديد النسل والتقليل من تزايد البشر - والحق أن خيرات الأرض وفيرة وكافية لسد حاجة سكانها الحاليين وفي المستقبل وكل الحرمان في فريق من البشر مرده إلى بغي الفريق الآخر.

стр. 5260

١١ - ولا مبرر للقول والاعتقاد بأن عمليات تزايد عدد البشر تجري بدون أي تخطيط من رب العالمين، ولا يجوز القول إن الخالق الرب قد ترك الحبل على الغارب فيتزايد البشر والخلائق بطريقة عشوائية وغير مخططة - فإن من المعترف به علميًّا أن قطرة من النطفة البشرية تحتوى على عدد لا يحصى من الحيوانات المنوية والقابلة لتلقيح البويضة النسائية وبالتالي صالحة لاستقرار الحمل، وكذلك عدد البويضات المفروزة في الدفعة الواحدة مما لا يحصى. وعلى كل هذه الإمكانيات الهائلة كم هو الرقم القياسي للإنجاب في العالم وعلى مدى العصور الماضية؟ هل يقارن ذلك العدد بتلك الإمكانية الهائلة؟ وهذه الحقيقة العلمية تدل على أن عمليات الخلق والموت تجري وتستمر تحت خطة إلهية راسخة، وأية محاولة للتدخل في تنفيذ هذه الخطة المقدسة سوف تسفر عن نتائج وخيمة، وبالفعل قد برزت للظهور سلبيات برامج تحديد النسل في البلدان الراقية والرائدة في هذا المجال، فإن مستوى الأخلاق في تلك الأقطار قد انهار كل انهيار وزادت أحداث الاغتصاب والشذوذ الجنسي بشكل رهيب - وبدأت هذه البلدان تعاني من عجز الكوادر الفنية والأيدي العاملة والعقول المدبرة الوطنية - وزادت نسبة الكهول من الشبان. وهذه السلبيات تسببت بكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية مما يهدد هوية بعض هذه البلدان، وتنبه مسئولو هذه البلدان لهذا الخطر العظيم وبدءوا في اتخاذ إجراءات لتشجيع الشبان على الزواج وإنجاب عدد أكبر ممكن من الأولاد، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . ١٢ - وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن دول العالم المتقدمة وغير الإسلامية قد تنبهت لأخطار تحديد النسل - وتجرى في تلك الدول محاولات شاطرة ومدروسة لزيادة العدد السكاني وتصدر من مراكزها الدينية كل يوم وليلة فتاوى تندد بعمليات تحديد النسل وتمنع متبعيها من اتخاذ خطوات لمنع الحمل وتشجعهم على زيادة أبناء المسيح عن طريق التوالد والتبشير، وفي الوقت نفسه تصرف هذه الدول موارد مالية ضخمة وقوى عاملة كبيرة لتشجيع سكان الدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا على تحديد النسل والتقليل من تزايد عدد السكان المسلمين. وهذا إلى جانب حملة تبشيرية قوية التي يقوم بها العالم المسيحي في الدول الإسلامية ونظرا إلى هذه الظروف لا يستبعد أن تكون مؤامرة تكمن وراء هذه الحملات والعمليات لتحديد النسل من أجل القضاء على الأمة الإسلامية وثقافتها وكيانها الديني والسياسي. وينبغي أن يظهر أن الأعذار الشخصية المبيحة للعزل وما يقوم مقامه غير مؤثرة في توكل العبد على الله تعالى بإيصاله الرزق إليهم لا جليًّا ولا خفيًّا فهي المرض في الزوجين أو في أحدهما الذي يخاف به نقصان الصحة وسرايته في الولد واستبقاء الحياة بالتحرز عن المخاض وحسنها وسمانتها أو الخوف من الإفضاء إلى كسب حرام أو الخوف من الولد السوء لفساد الزمان ومانحا نحوها وكأن يكون في سفر بعيد أو في دار الحرب فخاف على الولد فعلى العبد أن لا يقع خلل في إيمانه برازقه تعالى عند اختياره شيئًا من تلك الأعمال المرخصة. هذا ما عندي والعلم عند الله تعالى الشريف محمد عبد القادر

стр. 5261

تحديد النسل وتنظيمه إعداد الشيخ مولاي مصطفى العلوي رئيس المجلس العلمي بمكناس ومستشار وزير الأوقاف ورئيس رابطة علماء المغرب والسنغال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل. استجابة لدعوة مجمع الفقه الإسلامي الموقر للاشتراك في دورته الخامسة بما يسر الله. فقد اخترت أن أدلي ببحث متواضع على قدر استطاعتي وبضاعتي المزجاة من العلم، وذلك حول تحديد النسل وتنظيمه. ومن الله أستمد العون والتوفيق سبحانه. تعريف تحديد النسل وتنظيمه هو اتخاذ ما يمنع الحمل المعهود بين الذكر والأنثى عند الاتصال الجنسي بين الرجل وزوجته بصفة مؤقتة أو دائمة، فالدائمة هي التحديد والمؤقتة هي التنظيم كما سيأتي: حركة التنظيم والتحديد: كثيرا ما نسمع ونقرأ عن حركة التنظيم والتحديد مما يكتب تحت عناوين مختلفة مثل: (تنظيم الأسرة) (والتخطيط العائلي) وغيره والتي يختلف القائمون بها والمهتمون ما بين محبذ ومنكر ومتردد. والكل يأتي بأسباب تتفق أحيانا وتختلف أخرى، ويحاول إقناع القارئ والمستمع بسداد رأيه، وإظهار حجته، وبلورة رأيه بما يتفق والهدف الذي ينشده، والرأي الذي يدافع عنه. والقضية قديمة في تاريخ الإنسانية، ففي المجتمع الإسلامي بدأت في مستهل عصره، وفي عهد النبوة وحياة الرسول ﵇ وعندما فكر بعض الصحابة في العزل عن المرأة لأسباب وقتية طارئة، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأفاد بما يفيد الجواز مع الكراهة كما أفاده الفقهاء من جوابه ﵇: " لا عليكم أن لا تفعلوا ". وسنورد الأحاديث الثابتة في ذلك بحول الله.

стр. 5262

أما في المجتمعات غير الإسلامية فقد ثبت عند العلماء تاريخيًّا أن بعض القبائل البدائية، كانوا يتضايقون من كثرة الإنجاب، فيتخلصون من بعض ما أنجبوه بالقتل رغبة في التخلص من أعباء النفقة التي تثقل كواهلهم ومن هذا المنطلق بدأوا بقتل الإناث والاحتفاظ بالذكور؛ لأن هؤلاء يشتغلون مع آبائهم في شئون الحياة، ويساعدون على كثرة الإنتاج، وفي بعض القبائل العربية كانوا في عصر الجاهلية يتخلصون من الإناث خشية العار، فإذا كبرت البنت ولم تتزوج، أصبحت عارًا على أهلها ومذمة، فكانوا يدفنونها بعد ولادتها، وقد ندد القرآن الكريم بهذا العمل الشنيع في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١) . وفي بعض الأقطار كانوا يختبرون الطفل في طفولته المبكرة فإذا رأى الأب طفله سالم الخلق ذكيا احتفظ به، وإن رآه غير ما يحب تخلص منه بالقتل. وأحيانا كانوا يقتلون أطفالهم خوفا من الجوع والفقر، ولهذه الأسباب جميعها أو بعضها وبهذا السلوك اللاإنساني جاء القرآن الكريم منددًا مستنكرًا هذا المسلك الشنيع فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢) . وفي آية أخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٣) . وهكذا لم تكن في الأعصر القديمة وسائل للتخلص من كثرة الأولاد غير قتلهم بعد الولادة، فالأسباب تختلف ولكنها في نطاق ضيق، أما اليوم فإنها قد تنوعت وتعددت، ووسائل التخلص منها أيضا كثرت كالإجهاض.. وهو قتل مبكر قبل الولادة، وحدثت وسائل أخرى لمنع الحمل وهي كثيرة ومتنوعة والتي شاع أمرها وذاع تحت عنوان (تحديد النسل وتنظيمه) وأول من دعا إلى ذلك من فلاسفة الغرب هو الفيلسوف (مالتوس) الإنجليزي في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد، فقد لفت الأنظار إلى وجوب الحد من إنجاب المواليد خشية الجوع والفقر، وبعد قرن من الزمن جاء فيلسوف آخر بريطاني أيضا ينادي بخطورة النمو الديموغرافي هو (البير وليم كروكس) وذلك أمام قلة موارد الرزق وقلة وسائل التغذية، مما يؤدي إلى المجاعة المهولة.

стр. 5263

والجدير بالذكر أن بناء الدعوة إلى تحديد النسل على قضية التغذية وخوف المجاعة قد ظهر خطؤه مرارا. فالتقدم الاقتصادي في سائر أنحاء الدنيا حقيقة لا يمكن إخفاؤها، وهو شيء يناقض نظرية (مالتوس) ومن سار على نهجه من دعاة الخوف من النمو الديموغرافي وضائقة الغذاء بالنسبة للجنس البشري. والذي ثبت في تاريخ المجتمع الغربي منذ شروعه في عملية تحديد النسل هو عكس ما يقوله هؤلاء، إن الزمن الذي شاعت فيه فكرة التحديد وبدأ تطبيقها على نطاق واسع في الأقطار الغربية أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العشرين، كان الفترة التي تقدم فيها الاقتصاد وازدهرت حركة الإنتاج، وأصبحوا يتخلصون من فائض إنتاج مواد التغذية بإغراقها في البحر وإحراقها بالنار مخافة هبوط أسعارها في الأسواق العالمية، وهكذا ثبت أيضا أن فكرة الخوف من زيادة السكان أمام ضعف الإنتاج الغذائئ والصناعي لا أساس لها، بل العكس هو الصحيح. فالازدهار والنمو الاقتصادي الذي عرفه الغرب، وبعض الأقطار بصفة خاصة، مثل إنجلترا وفرنسا وأمريكا لم يتم إلا عن طريق النمو الديموغرافي لهذه الأقطار. فبالرجوع إلى تاريخ بريطانيا مثلا نجد النمو السكاني بها هو الذي جعلها أثناء القرن التاسع عشر تصبح سيدة العالم، ولا تغيب الشمس عن أقطار نفوذها، ففي القرن الخامس عشر لم يكن سكانها يتجاوزون المليونين ثم قفز عددهم في نهاية القرن الثامن عشر إلى عشرة ملايين، وفي نهاية القرن التاسع عشر وأوائل العشرين إلى ٤٠ مليونا، وهم الآن نحو ٦٠ مليونا، ومع كثافة سكان الجزر البريطانية بهذا العدد، ومساحتها لا تتجاوز ٢٤٤.١٠٠ كلمترًا مربعًا، وذلك سر قوتها وامتداد نفوذها إلى سائر القارات وإلى أمريكا بالذات، وكندا واستراليا وأقطار شاسعة في آسيا أيضا. أما أميريكا الشمالية فقد كان عدد سكانها في منتصف القرن الثامن عشر مليونًا واحدًا، وفي ظرف مائة سنة قفز عددهم إلى ٢٦ مليونًا، أما عدد سكان الولايات المتحدة - أمريكا - اليوم، فيزيد عن ٢٣٠ مليونًا، وذاك ما منحها قوة اقتصادية وعسكرية، ونفوذًا على العالم كله، مع ملاحظة أن السر ليس في كثرة العدد، بل فيه مع ارتفاع مستوى تكوينه علميًّا وفنيًّا، فالكم وحده لا يفيد ما لم يكن معه الكيف الرفيع. فالمهم في الأمر هو التكوين العلمي والتكنولوجي الذي أصبحت به الدول الغربية اليوم، قوة لها حسابها في المجتمع الإنساني كله شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا.

стр. 5264

أما قضية النمو الديموغرافي، فإنما هي واجهة يهاجم منها أهل الدعوة إلى تحديد النسل في الأقطار الإسلامية عربية وغير عربية؛ لأن الماسكين بزمام السياسة في المجتمع الإنساني يخشون من تكاثر المسلمين ويقظتهم التي قد تجعلهم يستعيدون وحدتهم، ويأخذون بمنهج دينهم الحنيف، الدين الإسلامي الذي يفرض على معتنقيه الأخذ بأسباب التطور والمعرفة والقوة وبذلك تسترجع أمة الإسلام قوتها وسيادتها ونفوذها على الإنسانية وتكون أمة وسطا كما قال الله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) . وأعتقد أن هذا هو سر هذه الحملة الموجهة إلى المجتمع الإسلامي كله وفي كل مكان، ومن المعلوم أن الإسلام وهو وحي من الله العليم الخبير. مدبر هذا الكون سره وعلنه، ماضيه وحاضره ومستقبله، قد شجع على التناسل وحض عليه فقد قال رسول الله ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) .. وقال في حديث آخر وهو أكثر دقة وصراحة في الموضوع: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)) والحديثان رواهما أصحاب السنن. ومن المؤسف حقا أن تتأثر الشعوب الإسلامية والعربية بصفة خاصة، بدعوة تحديد النسل التي يروجها خصوم الإسلام، ويبذلون في سبيل تحقيقها من الأموال والوسائل، ما لو أنفقوه على بعض الشعوب ذات المظهر التخلفي والمتسم بالفقر، لكان له أثر محمود على تلك الشعوب ولارتفع مستواها الفكري والثقافي وخرجت من حيز التخلف والفقر والجهل. فالأقطار العربية والإسلامية التي يصفونها بما يحبذ فكرة الخوف من النمو السكاني، والمهددة بشبح المجاعة، ويحاولون إخضاعها لتنظيم النسل وتحديده، وفعلا فقد وقعت في شَرَكِ هذه الدعوة كثير من الدول الإسلامية. وأصبح لفكرة التحديد والتنظيم مؤيدون، وأسست للتنفيذ جمعيات ومؤسسات تسهر على تنفيذ هذا المخطط المفروض، مع أن هذه الشعوب لو انتبهت إلى حقيقة أمرها، ودرست أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية ووجدت من يأخذ بيدها ويساعدها على تطوير إمكانياتها الإنتاجية في الزراعة والصناعة، لكانت على شكل وصفة غير التي هي عليها اليوم، مهددة بالمجاعة والتخلف وكثرة الجائعين والعاطلين.

стр. 5265

وقد نشرت مجلة المسلم المعاصر في عددها ٤٢ السنة ١٩٨٤ بتاريخ جمادى الأولى ١٤٠٤ هـ بحثًا للدكتور السيد محمد علي البار، وفيه فقرة تصف السودان بأنه (سلة الخبز) نظرًا لإمكانياتها الزراعية والحيوانية التي يمكنها أن تطعم العالم العربي بأكمله، والذي يقدر بمائة وستة وأربعين مليون نسمة، والمعروف أن أقطار العالم العربي توجد بها ملايين الهكتارات المسقية والصالحة للزراعة والإنتاج الحيواني. ومع هذا تجد الدعوة إلى تحديد النسل في الأمة العربية والإسلامية ميدانًا خصبا، لرواجها وقبولها وتنفيذها على أيدي المسؤولين في بعض الأقطار، إنه خطأ فاحش، وانصياع لغزو فكري ظالم مغرض يريد المزيد من تدمير المجتمع الإسلامي، والقضاء عليه، ويجب الانتباه لهذا الأمر الخطير الذي لا يقل عما سبقه قبل فترة من الزمن من حرب مدمرة سلطت على العالم الإسلامي بمختلف الأسلحة الفتاكة عجزت الشعوب الإسلامية عن مقاومتها، فخضعت للاستعمار العسكري المباشر، وذاقت مرارته عشرات السنين. وما فكرة تحديد النسل إلا حرب أخرى وبشكل آخر. تلك قضت على مئات الآلاف من رجال الحرب، الذين قاوموا الاستعمار عند بسط نفوذه وقاوموه لإخراجه، وهذه تضعف الأمة من الأساس، إذ تقلل من إنجاب الأطفال الذين هم رجال المستقبل، فتصبح الأمة فقيرة من الرجال الصالحين الأكفاء الذين يناهضون الاستعمار بكل أشكاله فكريا وعسكريا، واقتصاديا، إنها حرب خفية تلبس لبوس التطبيب والإسعاف والتنظيم والإنقاذ، فتسلك طريق المسعفين الأطباء الذين يعملون عن قصد أو غيره على تعقيم الناس رجالا ونساء كما يقال عن دولة الهند، حيث يجري التعقيم سرا وعلانية، وذلك بأمر سلطان الدولة عند علاج المرضى وبدون شعور أكثريتهم.

стр. 5266

هذه حقيقة مؤسفة وتلك بعض ملابساتها، ومن الأسباب التي أصبح يتعلل بها المتسلطون في هذا الميدان، زيادة على علة الفقر والخوف من المجاعة التي تؤثر على الأسر في تنشئة الأولاد العديدين، وتوقع في حرج دنيوي، وقد تؤدي إلى ارتكاب ما ليس بمشروع من أجل الإنفاق على الأولاد والتوسعة فيه. من هذه الأسباب الخشية على حياة الأم أو سلامة صحتها عند الإكثار من الحمل والولادة والخشية على الرضيع من حمل جديد يفاجئها، وهو المعروف (بالغيلة) ومن ذلك الحفاظ على سلامة جمال المرأة ورشاقتها وراحتها من أعباء الحمل والرضاعة، والانشغال بتربية الأطفال عن المتعة بشبابها وأناقتها. وقد أصبح الكثيرون مع الأسف الشديد يقدمون على تنفيذ خطة وقف الإنجاب اعتبارا من بعض هذه العلل. وهو أمر ينافي الطبيعة البشرية فيستعملون وسائل التعقيم أو تعطيل الإنجاب مؤقتا، وأحيانا تعطيل الزواج الذي حث عليه الإسلام بقول رسول الله ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)) وقوله ﵇ ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) .

стр. 5267

موقف الشريعة من تنظيم النسل وتحديده فأما التحديد الدائم، وهو التعقيم الذي يتم عن طريق قطع الحبل المنوي للرجل، وقناتي الرحم للمرأة، بحيث يصير كل منهما عقيما طول حياته، فهو أمر يجافي الطبيعة الإنسانية، ويتنافى وتعاليم الإسلام الصريحة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد ندد القرآن بذلك عندما نسب أمره للشيطان فقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (١) . فقطع الحبل المنوي وقناتي الرحم تغيير لخلق الله وعمل شيطاني. وإذن التعقيم الدائم غير مقبول شرعا، وحتى في الطبيعة البشرية والفطرة التي فطر الله الناس عليها ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . وأما اتخاذ وسائل التباعد بين الحملين فهو جائز إذا استعملت فيه الوسائل التي لا تلحق ضررا بأحد الزوجين أو بهما، فطبيعة التكوين البشري تختلف من شخص لآخر فهناك من النساء من لا تتهيأ للحمل إلا بعد أمد طويل، ومنهن من تتهيأ للحمل بسرعة، وقد جاء في القرآن ما يفيد جواز العمل على تباعد ما بين الحملين في قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣) . فالمرأة إذا حملت تسعة أشهر ووضعت وظلت ترضع مولودها حولين كاملين يكون الزمن الفاصل بين مولودين، ثلاث سنوات تقريبًا، وقد يستفاد من هذا أن الأصلح للمولود والوالدة أن يكون أقل الفصل بين حملين ثلاث سنوات، تستريح فيها المرأة من عناء الحمل ومشقاته، ويتمتع المولود بفترة كافية من الغذاء الأنسب له، وهو لبن أمه، ريثما يتدرج في التغذية إلى الوسائل الطبيعية.

стр. 5268

ولذلك نهى رسول الله ﷺ عن وطء المرضع، وسماه وطء الغيلة، وقال: " إنه يدرك الفارس قيد عثرة ". ولكنه أباحه ﷺ فيما رواه أسامة بن زيد ((أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له الرسول ﷺ : " لم تفعل ذلك؟ " فقال الرجل: أشفق على ولدها، فقال الرسول: " لو كان ذلك ضارًّا لضر فارس والروم ")) . رواه (مسلم، وأحمد) . غير أن الرسول ﷺ نظر إلى أن منع الناس من الوطء مدة الرضاع قد يؤدي إلى مفسدة أعظم فرخص لهم في وطء المرضع، دفعا لمفسدة أشد من ذلك وهي اندفاع الأقوياء جنسيا إلى ارتكاب المحظور وهو الزنى، خصوصا وقد علم أن الروم وفارس يفعلون ذلك ولا يضر الرضع عندهم وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (١) . وهو يؤكد رفع الضرر عن الزوجين معًا ومن أشد الضرر أن يحمله الكف عن المرضع مدة الرضاع فيندفع إلى ارتكابه المحرم الذي قد يتسبب له في الموت رجمًا، إذا افتضح أمره وكان محصنًا. فالمرتكب جريمة الزنى يجلد مائة ويغرب سنة إذا كان غير محصن وإذا كان محصنًا، أي متزوجًا، يرجم حتى يموت، وذلك بحكم القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . أما السنة فقد أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز عندما اعترف بالزنى، وهو رجل متزوج اعترف بخطيئته تخلصا من تبعتها غدا بعد الموت. فهذا صحابي اقترف ذنبا عظيما ورأى أن التوبة في نظره لا تكفيه وإنما أراد التخلص من تبعة الذنب غدا يوم القيامة. وهكذا نرى أن الرضاع يمنع الحمل عند الكثير من النساء وإن كان لا يمنعه عند أخريات.

стр. 5269

وهناك سبب آخر يمنع الحمل وهو طبيعي وجائز شرعا ذاك هو اجتناب الاتصال الجنسي بين الزوجين زمنا معروفا بين الحيضتين، وذلك قبل موعد الحيضة بأربعة عشر يوما؛ لأن البويضة التي يتم بها اللقاح تكون قد تجاوزت صلاحية الإنجاب. وبهذا الترتيب يستطيع الزوجان أن يباعدا بين الحملين حسب اختيارهما، غير أن هذا يختلف باختلاف الناس فينبغي الاحتياط فيه حتى يعرف بدقة متى تفرز البويضة ومتى تنتهي صلاحيتها، وهذا أمر يعرفه الأطباء. إلى جانب هذا هناك أمر ثالث هو العزل بمعنى أن الرجل عندما يشعر بأنه على وشك أن يتدفق منه الماء داخل الفرج ينسحب، وهذا لابد فيه من موافقة الزوجة. وقد ورد فيه عدة أحاديث نسوقها كي يتضح أمر العزل وأسبابه وكيف يتم. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا الغربة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا نفعل ذلك ورسول الله بين أظهرنا لا نسأله؟ فسألنا رسول الله ﷺ فقال: ((لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) أخرجه الشيخان البخاري ومسلم والإمام أحمد.. وعن جابر ﵁ ((أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا، وساقيتنا، وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: " اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها ". فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت فقال: " قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها ")) رواه مسلم. وهذا يدل على أن العزل قد لا يفيد مع قدرة الله. وهذا في الأمة. أما الزوجة فلابد من إذنها لما رواه الإمام أحمد عن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها.

стр. 5270

أما قول من قال: إن العزل كالوأد. فقوله مردود بما روي أن رجلا في مجلس عمر بن الخطاب قال: العزل كالوأد، وكان سيدنا علي بن أبي طالب حاضرا فقال: لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع، حتى تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم عظاما، ثم تكسى لحما، ثم تكون خلقا آخر. فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك. رواه ابن رجب في جامع العلوم. والحديث مطابق للآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) . كما كذب رسول الله ﷺ ما زعمته اليهود من أن العزل هو الموءودة الصغرى، فقال: " كذبت اليهود إن الله إذا أراد خلقه لم يمنعه شيء ". وإذن فالعزل جائز بشرط موافقة الزوجة الحرة في مذهب مالك وأحمد، وخالفه الحنفية في مسألة واحدة وهي إذا خاف سوء الولد أو كانت الزوجة سيئة السلوك معه وهو عازم على طلاقها فله أن يعزل عنها بدون رضاها، والله أعلم. وتوجد طريقة أخرى لمنع الحمل وهي استعمال حواجز صناعية تمنع اختلاط ماء الرجل ببويضة المرأة، هي غشاء يغطي به الرجل عضوه التناسلي عند الجماع مما يسمى القبعة أو القلنسوة، وهذا أيضا مما لا إثم فيه ولا ضرر إذا كان متفقا عليه بين الزوجين؛ لأن للمرأة الحق في إرادة الإنجاب أو توقيفه ويشبه هذا استعمال أداة داخل رحم المرأة تسمى (اللولب) وهو أيضا يمنع علوق البويضة بجدار الرحم كي لا تتحول إلى نطفة وتأخذ طريق الأطوار السبعة المذكورة في الآية السالفة والحديث النبوي الشريف.

стр. 5271

وأخيرا اكتشف في منتصف هذا القرن ١٩٥٦ ما يدعى (حبوب منع الحمل) وأصبح استعماله شائعا بين سائر الطبقات وهو أخطر الوسائل على المجتمع البشري في نشر الرذيلة والفساد، وقد أصبح وسيلة لمئات الملايين ممن يتهربن من الحمل لأسباب متنوعة ومختلفة، منها المقبول شرعا ومنها ما لا يقبل. فإذا كانت هناك أسباب معقولة ومقبولة أخلاقيا ودينيا. فالأسباب الخارجية عن هذا متعددة ومتنوعة، ونتائجها مهولة وفظيعة في الميدان الشرعي والخلقي والصحي. ففي الميدان الصحي ثبت ضرر اللولب الموضوع داخل رحم المرأة. فكثيرا ما يحدث أمراضا خطيرة أو ثقبا في جدار الرحم. أما الحبوب التي شاع استعمالها كثيرا كثيرا. نظرا لسهولة أمرها ووجودها بكثرة، فإن استعمالها يضر أيضا بكثير من النساء مثل المرأة المريضة بضغط الدم، أو بأمراض القلب والكبد والكليتين، والبول السكري، وسرطان الثدي، وحتى الإدمان على التدخين إلى غير ذلك مما أصبح عادة مألوفة لا يؤبه بضررها. وفي الميدان الأخلاقي نجد استعمال حبوب منع الحمل تساعد على انتهاك حرمة الدين والأخلاق لدى الجماهير المنحرفة خصوصا ونحن نعيش كما يشعر الجميع ظروفا طغت فيها المادية، وضعفت فيها التربية الدينية والأخلاقية، في كثير من بلاد المسلمين، بسبب الغزو الفكري الذي طغى وانتشر في جميع الأوساط مع شديد الأسى والأسف. فاستعمال وسائل منع الحمل بمختلف أشكالها وأنواعها، خصوصا الحبوب الواسعة الانتشار نظرا لسهولة الحصول عليها، ويسر استعمالها سرا من جميع الطبقات خصوصا الفتيات قبل الزواج في ميدان الطالبات والعاملات من غير اللجوء إلى طبيب. إن هذا الاستعمال أعطى لأهله الحرية الجنسية، أو الفوضى الجنسية بأدق تعبير فاختلاط الشباب ذكورا وإناثا في المدارس والجامعات، وفي قاعات السينما، وفي الشوارع والمعامل تجدهم مختلطين مندمجين، لا رقيب ولا ملاحظ من أهل أو معلم أو قريب أو من حارس أخلاق فوجود الشباب على هذا النمط من الحياة أشاع الفاحشة وساعد على الرذيلة في كل الأوساط فمانع الحياء لا أثر له، والخوف من فضيحة حدوث الحمل من الفتاة دون زواج قد انتهى بوجود هذه الحبوب المدمرة للأخلاق والفضيلة.

стр. 5272

فقد كانت في المجتمعات أمور تبعث الفتاة على الاستقامة والحفاظ على سمعتها وأخلاقها وشرف أسرتها، ومعيار ذلك هو الحياء الفطري والخوف من حدوث ما يخدش كرامتها، من ولد زنى يفضحها في بيئتها ولدى أسرتها، فجاء الحاجز الذي يخفي كل سبب يؤدي إلى الفضيحة، ومن ثم لم يبق للحياء أثر في هذه المدنية الغربية، التي أشاعت الاختلاط العلني في محافل الرقص والغناء، وسواحل البحار ومسابح والملاهي وما فيها من خمر وميسر مما يتنافى وتعاليم ديننا الحنيف. وليست فضيحة الأولاد غير الشرعيين هي وحدها ما انجر على البشرية بسبب وسائل منع الحمل وعلى رأسها وفي مقدمتها الحبوب الملعونة. فهناك أيضا وجود الأمراض الخبيثة والتي يسهل انتشارها بسبب الاتصال الجنسي الذي أصبح فوضى لا يحصره حد من قانون ولا أخلاق ومن آخر ما ظهر بسبب ذلك فقدان المناعة، الذي برز أخيرا، وظهرت خطورته على سائر المجتمعات وأصبح الغول المهول لجميع الأوساط. وقد ضربت المدنية الغربية أعلى مثل في إنجاب الأطفال غير الشرعيين وانتشار الأمراض الخطيرة. ففي إنجلترا يولد كل سنة أزيد من ثمانين ألفا بدون زواج شرعي وفي سنة ١٩٤٦ كانت نسبة أولاد الزنى واحدا من كل ثمانية ولدوا. وهناك إحصائية مخيفة على حد تعبير أحد الأطباء الإنجليز هو: (أزوالدشوازز) حيث يقول إن ٨٠ ألف امرأة في إنجلترا يلدن أولادا غير شرعيين وإذا كان هذا صحيحا، فينبغي معه اعتبار أنه حدث برغم استعمال وسائل منع الحمل كالحبوب وغيرها، ومنه ندرك أن الإحصائية إنما كشفت جزءا يسيرا من الواقع المر، الذي تسببت فيه طبيعة وجود وسيلة لمنع الحمل في مجتمعات الحضارة الغربية التي نعيشها اليوم. ويقول الطبيب (تشيسر) الإنجليزي في إحصائية أجريت على ٦٠٠ امرأة سنة ١٩٥٦: إن واحدة من كل ثلاث نساء في إنجلترا تفقد جوهر عفتها قبل الزواج، ويتساءل هل قد عادت العفة أثرا بعد عين؟

стр. 5273

ويعرض الدكتور (سوروكي) وهو مؤرخ وخبير في الشؤون الاجتماعية الأرقام الآتية للعلاقات الجنسية غير الشرعية في أميركا. ويبكي للوضع الخطير الذي تظهره تلك الأرقام من العلاقات غير الشرعية قبل الزواج ففي الرجال من ٢٧ إلى ٨٧ % وفي النساء من ٧ إلى ٥٠ %، أما العلاقة غير الشرعية بعد الزواج.. ففي الرجال من ١٠ إلى ٤٠ %، وفي النساء من ٥ إلى ٢٦ %، ويذكر التصاعد الذي يسير عليه وجود الأولاد غير الشرعيين في أمريكا ففي سنة ١٩٢٧ كان ٢٨ من كل ألف، وفي سنة ١٩٣٧ أصبح ٣٨.٧ من كل ألف، ويحصي حوادث الإجهاض سنويا من ٣٣.٣٠٠ إلى مائة ألف. ويقول هذا الخبير: إن مظهر هذه الحقائق المرعبة يبدو في الزيادة في بيع الأدوية والآلات المانعة للحمل، وهذه الزيادة التي تكاد تبلغ عنان السماء في أمريكا. أما الجرائم التي كثرت والتي تدل على تدهور الأخلاق، والسير وراء الشهوات الجنسية العارمة والتي لم يبق للحد منها أي وازع من أخلاق أو دين، ومن أفظعها (الإجهاض) . ففي تقرير لمجلة (تايم) عن سان فرنسيسكو أنه قد أجهض ١٨ ألف جنين مقابل ستة عشر ألف وأربعمائة مولود حي. وفي ميدان الجرائم الجنسية أيضا تقول التقارير عن جرائم الجنس: إنها في تصاعد مستمر، ففي سنة ١٩٣٨ تدخلت الشرطة في ٢٨٣.٠٠٠ جريمة وفي سنة ١٩٥٥ م تدخلت في ٤٨٣.٠٠٠ جريمة.

стр. 5274

وتدل إحصائية المكتب الاتحادي لتحقيق الجرائم أن حوادث الزنى زادت سنة ١٩٥٥ م ٦٠ % بالقياس إلى سنوات ١٩٣٧ - ١٩٣٩ م. وتقول إحصائية أخرى عن تشرد الشباب وازدياده: إن الشرطة قبضت على ٢٩٨٠.٠٠٠ سنة ١٩٥٧ في ١٤٧٣ مدينة أميريكية وكانت سن ٢٥٣٠٠٠ دون ١٨ سنة، مما يدل على تدهور الأخلاق في صفوف الأحداث أكثر من غيرهم. إن تأثير وسائل منع الحمل في المجتمع الإنساني متنوعة وكثيرة وخطورتها من أشد وأقبح ما يعانيه الإنسان اليوم، فالأمراض الجسدية المنتشرة اليوم سببها هذا الهجوم الفظيع على التقاليد الطيبة والأخلاق الحميدة، والقضاء على كل الفضائل الإنسانية التي فضل الله بها الإنسان على غيره من المخلوقات، واستخلفه في الأرض ليعمرها، ولا يمكن ذلك إلا إذا حافظ الإنسان على ميزته التي أكرمه الله بها وهي العقل واستعمالها للتمييز بين الطيب والخبيث من الأشياء، وما فكرة تحديد النسل إلا من التخلي عن نعمة العقل التي امتاز بها الإنسان على غيره من المخلوقات، وإذا أمعنا النظر واستعملنا العقل في نتائج منع الحمل ... وبهذه الوسائل البسيطة (الحبوب) الرخيصة والسهلة الاستعمال فإن الإنسانية تفقد بعد يسير من الزمن سرها وخصائصها، ويمسي فيها الإنسان مجرد حيوان يمشي على الأرض لا فرق بينه وبين سائر الوحوش والحيوانات. ولعل ذلك إيذان بخراب الأرض ونهاية الحياة فيها نعوذ بالله من السلب بعد العطاء. ومن المناسب أن نسوق في الختام بعض الآيات التي تفند وتبعد السبب الذي يبني عليه المتآمرون على الإنسانية، وعلى أمة الإسلام بصفة خاصة بدعوى الخصاص وخوف الفقر والمجاعة إلى تحديد النسل وما يثبت بأن ذلك مجرد ادعاء لا أساس له.

стр. 5275

يقول الحق تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١) . ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) . ويقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) . ويقول تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) . ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٥) . فمهمة الإنسان هي السعي في البحث عن رزقه مما أودعه الله في هذه الأرض التي استخلفه ليعمرها ويستمتع بخيراتها التي هي من فعل الله سبحانه. والإنسان عليه أن يتخذ الأسباب وعلى الله الكمال، قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦) . وعلى المسلمين وعلماء الإسلام أن يسعوا جهد المستطاع لإيقاظ الجماهير المؤمنة من الغفلة، وأن ينتبهوا إلى أنهم محاطون بأعداء دينهم من كل جانب وأن يعلموا أن الدعوة إلى تحديد النسل بسبب الخوف من الجوع كذب وبهتان وافتراء.. وما هو إلا سلاح خفي لمحاربة أمة الإسلام. والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. مولاي مصطفى العلوي

стр. 5276

المراجع التفسير: ١ - الجامع لأحكام القرآن:............... للقرطبي. ٢ - تفسير القرآن العظيم:............. لابن كثير. ٣ - الكشاف:............... للزمخشري. ٤ - المنار:............... لرشيد رضا. ٥ - في ظلال القرآن:............... لسيد قطب. ٦ - رضوان البيان:..... لمحمد الأمين الشنقيطي. الحديث: ١ - صحيح الإمام البخاري بشرح القسطلاني. ٢ - صحيح الإمام مسلم بشرح النووي. ٣ - عون المعبود على سنن أبي داود. ٤ - تحفة الأحوذي على سنن الترمذي. ٥ - سنن ابن ماجه. ٦ - السنن الكبرى للبيهقي. ٧ - مسند الإمام أحمد بن حنبل. ٨ - الموطأ للإمام مالك. أبحاث: ١ - خلق الإنسان بين الطب والقرآن للدكتور محمد علي البار. ٢ - حركة تحديد النسل لأبي الأعلى المودودي. ٣ - مجلة المسلم المعاصر عدد ٤٢ السنة ١١ تاريخ جمادى الأولى ١٤٠٤ هـ.

стр. 5277

تنظيم النسل وتحديده إعداد أونج حاج عبد الحميد بن باكل كبير القضاة بإدارة الشئون الإسلامية ببروني وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن بروني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. تمهيد: فإن تحديد النسل أو تنظيم النسل أو ضبط النسل ألفاظ مترادفة مؤداها تقليل النسل كما يقصد الكتاب فيها، أو كما يقصده الذين يقومون بالعمل في تنفيذها بمختلف المستويات. فالمراد من تحديد النسل هو التحكم فيه والتقليل من عدده بمنع الحمل قبل وقوعه إما لأسباب تتعلق بصحة الزوجة أو عجز الزوج عن الإنفاق على ذرية كثيرة بسبب ضيق ذات يده، أو تتعلق بضيق محصولات البلاد حيث أصبحت لا تتكافأ مع زيادة السكان المستمرة بنسبة عالية، فلابد من وقف ذلك النمو المتزايد وذلك بجعل النسل يكون على قدر ما يجيء من المحصولات على حسب قول أنصار هذه الفكرة بأفواههم، ومقالاتهم بأقلامهم. أول من نادى بهذه الفكرة أول من نادى بفكرة تحديد النسل هو الفيلسوف البريطاني "مالتس" وسرعان ما انتشرت هذه الفكرة في أوروبا وأمريكا وآسيا والبلدان الأخرى إسلامية أو غير إسلامية، فاحتضنتها بعض الحكومات ورفضتها الأخرى، وكما تأثر بها بعض الناس ورفضها الآخرون. فالنقاش حول هذا الموضوع لا يزال مستمرا.

стр. 5278

رأي الإسلام الإسلام يدعو إلى الزواج الغريزة الجنسية لدى الإنسان حاجة من حاجات الفطرة السوية، جبل الإنسان عليها وأودعت فيه، كما أودعت فطرة الميل إلى الطعام والشراب، رعاها الإسلام واعتنى بها، شأنه في ذلك شأن كل أمر فطر عليه الإنسان، فنظم هذه الغريزة وأقامها وفق عقد مشروع بين الزوجين له شروطه وأركانه ومستلزماته وأجواؤه. فالزواج في ظل الإسلام - إلى جانب كونه حاجة فسيولوجية، يتوقف عليها بقاء النوع الإنساني - ضرورة اجتماعية تؤدي وظيفتها في تنظيم الغرائز، واستقرار العواطف، واستمرار الحياة الإنسانية مبنية على الود والصفاء. وتنشئة الأطفال على تربية سديدة، وخلق كريم، ليكونوا أعضاء صالحين في تلك المجتمعات، وتنشئة لبنة قوية في بناء هيكل المجتمع، عليها يتوقف صلاح المجتمع وفساده كما قال الله تعالى في سورة الأعراف آية [٥٨] . ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ . ومن هنا دعا الإسلام إلى الزواج الشرعي الذي هو عماد تكوين الأسرة الفاضلة، والأسرة الفاضلة هي عماد تكوين المجتمع القوي. فهو في العموم مندوب إليه في حال الاعتدال في رأي جمهور الفقهاء، بل عند بعضهم سنة مؤكدة لقوله تعالى في سورة النور آية (٣٢) ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ وفي سورة النساء الآية (٣) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ . فإن الخطاب في الآيتين قد جاء بصيغة الأمر والأمر للوجوب، إذا لم تكن هناك قرينة صارفة عن ذلك وقد قامت القرينة على أنه للندب، فقد قال ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) (متفق عليه) .

стр. 5279

حين سمع الرسول ﵊ أن نفرا من أصحابه قال بعضهم: لا أتزوج، وقال بعضهم: أصلى ولا أنام، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر قال: ((ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) - متفق عليه. وقد أمر الله باتباع سنة النبي ﷺ إذ يقول في سورة آل عمران آية [٣١] : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقد نهى الإسلام عن التبتل والانقطاع عن الزواج قال الله تعالى في سورة المائدة آية [٨٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . والزواج من جملة الطيبات التي أحلها الله ونعى على السابقين تبتلهم فقال في سورة الحديد [٢٧] : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ . وقد ورد عن النبي ﷺ أنه نهى عن التبتل نهيًا شديدًا (رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بن مالك، ورواه ابن ماجه من حديث سمرة) . وجعل المنقطعين عن الزواج من القادرين عليه خارجين عن سنته ﷺ إذ يقول ((من كان موسرا لأن يناكح ثم لا يناكح فليس مني)) سنن ابن ماجه عن عائشة. قال طاووس ((لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج)) سنن سعيد بن منصور وهو في معنى قوله ﷺ ((: من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي)) .

стр. 5280

الإسلام يأمر بتكثير النسل: لقد جاءت أحاديث كثيرة تأمر بتكثير النسل وتحث على زيادة الإنجاب واختيار المرأة الودود الولود لتحقيق ذلك قال ﷺ : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)) . وفي حديث آخر أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: ((إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: " لا ". ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ")) ، وفي حديث آخر قال ((انكحوا فإني مكاثر بكم)) . والتكاثر المقصود هو التكاثر الذي يستحق أن يباهي به الرسول ﷺ الأمم وهو التكاثر القائم على الصلاح والإيمان والقوة والحيوية والخير بلا شك، فإن التكاثر القائم على الفساد والعصيان لا يباهي به الرسول ﷺ ولتحقيق زيادة الإنجاب وتكثير النسل حبب الرسول ﷺ الزواج من الأبكار؛ لأنهن أكثر قابلية على الإنجاب قال: ((عليكم بالجواري الشباب فإنهن أطيب أفواها وأعز أخلاقًا وأفتح أرحامًا ألم تعلموا أني مكاثر......)) وفي حديث آخر قال ﷺ : ((عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحامًا وأرضى باليسير)) والنتق الرمي والنفض والحركة. وإنما تكون المرأة أنتق رحمًا إذا كانت أكثر استعدادًا للحمل والإخصاب، وهي الشابة التي لم تلد، وهي بلا شك تكون أكثر استعدادًا من تلك التي تقدمت في السن. تحريم قتل الأولاد: وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ نهى عن الاختصاء. وقد ورد في حديث عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله إنه ليشق علينا العزبة في المغازي أفتأذن لي يا رسول الله في الخصاء فأختصي؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لا، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه محفرة)) أي: قاطع النكاح. والحكمة في تحريم الاختصاء إرادة تكثير النسل كما يقول ابن حجر.

стр. 5281

وكما يشمل النهي عن الاختصاء الذكور يشمل أيضًا قطع بيت الرحم في المرأة أو مبيضها لغير علة أو عذر، فإن العلة واحدة في الحالتين، وفي تحريم قتل الأولاد. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ الأنعام [١٥١] . وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ الإسراء (٣١) . وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الأنعام [١٥١] والإسراء [٣٣] . فهذه الآيات تدعو إلى الاعتماد على الله في رزق الأولاد بعد أخذ كل طريقة في الكسب الحلال، وإن التعاون الذي فرضه تعالى على المؤمنين، والتكافل الإجتماعي الذي أوجبه عليهم يوجبان أن يعين الغني الفقير، وذو اليسرة ذا الحاجة، فإذا كان هناك ذو عيال لا يجد ما يكفيهم بالمعروف كان على من يجد أن يمدهم بالعون، والدولة تأخذ من القادر لتكفل غير القادر، فالنسل قوة للأمة، وبدل أن نقول لكثرة العيال أقتل أسباب النسل في أصلاب الآباء أو أرحام الأمهات نقول للدولة: خذي من ذوي الفضل من المال وأعطي من يحتاج، والجميع بكثرتهم قوة للأمة. هذه هي النظرة العامة للشريعة بالنسبة للنسل وهي تدعو إلى الإكثار لا التحديد، فالأحاديث تحث عليه والقرآن يشير إليه وهو الفطرة، وتحديده يناقضها ولكن وردت أحاديث في العزل، وهو إلقاء النطفة في غير مقرها من الأرحام لكيلا يكون إنتاج، وفي بعضها صحة وقوة، فما مدى دلالتها وقوتها في الوقوف أمام الدعوة إلى الإكثار من النسل؟ فلننظر في هذا فإن كثيرين من الذين يتكلمون في هذا يتخذون منه دليلًا للدعاية العامة لتحديد النسل، لقد وردت أحاديث في العزل بعضها متفق عليه في الصحاح، وبعضها سنده ضعيف، ولنذكر ما عثرنا عليه منبهين إلى الضعف، وموفقين بين ما ظاهره التعارض.

стр. 5282

١ - روي عن جابر: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) . وهو حديث متفق عليه، وفى رواية مسلم زيادة: (فبلغه فلم ينهنا) . ٢ - وروي عن جابر أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: ((إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا، وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل. فقال: " اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها ")) رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ٣ - عن أبي سعيد: ((كنا في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: " لا عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة ")) متفق عليه. واللفظ للبخاري، وظاهره أن المراد النهي عن العزل كما قرر ابن سيرين؛ لأن حرف لا للنهي، وقد تأكد النهي منه بعد ذلك بقوله ﷺ : " عليكم ألا تفعلوا " وببيان أن الله كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة. ٤ - عن أبي سعيد الخدري قال: قالت اليهود: العزل الموءودة الصغرى، فقال النبي ﷺ : ((كذبت اليهود، إن الله لو أراد أن يخلق شيئًا لم يستطع أحد أن يصرفه)) ، وقد ضعف بعض رواته، ويعارضه حديث أقوى منه سندًا. ٥ - عن جذامة بنت وهب الأسدية: ((حضرت رسول الله ﷺ في أناس سألوه عن العزل فقال ﵇: ((ذلك الوأد الخفي)) ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ )) - رواه أحمد ومسلم، وهذا حديث صحيح، كل رجاله ثقات، ولذا لا يقف أمامه عند التعارض حديث أبي سعيد الخدري الخاص بموءودة اليهود؛ لأنه في حديث أبي سعيد ضعف، وهذا لا ضعف فيه، وبأنه يعاضده حديث غزوة بني المصطلق، والنهي عن العزل فيه صريح، ومن العلماء من رجح حديث أبي سعيد؛ لأن له طرقًا مختلفة، ولكن في كلها ضعف، والقوي لا يعارض بأحاديث قد كثرت طرق ضعفها، وقد قال الحافظ ابن كثير ذلك، هذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم والحديث صحيح لا ريب فيه. والذي نراه أن هناك حديثين - متعارضين - متفق عليهما هما حديث جابر وحديث: وكنا نعزل - مع حديث بني المصطلق، ومثلهما، حديث الوأد الخفي مع حديث تكذيب اليهود متعارضان. ولذلك اختلف العلماء في جواز العزل، ففريق جوزه، وفريق منعه، من هؤلاء ابن حزم وبعض الحنابلة، والذين أجازوه على أنه رخصة فردية، وإن اختلفوا في أسباب هذه الرخصة ما بين موسع ومضيق، ومن أشد من وسعوا الغزالي في الإحياء، فقد وسع في أسباب الرخصة.

стр. 5283

ومع ذلك فقد قرر الغزالي مع غيره أن العزل ترك الأفضل، بل إنه مكروه، لقد علق على حديث جذامة بنت وهب عن النبي ﷺ : فإن قلت فقد قال: ((قوله ﵇: الوأد الخفي، كقوله: الشرك الخفي، وذلك يوجب كراهة لا تحريمًا)) . وننتهي من هذا إلى أن بعض الفقهاء يقرر أنه ممنوع، وبعضهم يقرر أنه غير ممنوع، ولكنه ترك للأفضل، ومنهم من يقول: إنه مكروه. وفي الجملة أن الإباحة لا تكون إلا برخصة باعثة وفي غيرها لا يكون جائزا، هذا ما ينتهي إليه التفكير السليم. ويجب أن نقرر أن العزل أو المنع الشخصي للنسل يتعارض مع الفطرة، وفيه معارضة للأحاديث المتفق عليها الداعية إلى تكثير النسل ويعارضه أيضًا الأحاديث الصريحة المانعة له، حتى قال بعض العلماء إنها ناسخة لأحاديث الإباحة على سبيل الرخصة وخصوصًا الحديث الصحيح الذي قال: ((إنه الوأد الخفي)) . ثم تعارضه قاعدة أجمع عليها المسلمون، وهي المحافظة على النسل، وقد أجمع العلماء على أن الضرورات التي يجب المحافظة عليها خمس: النفس والدين والعقل والنسل والمال. فنظرية منع النسل معارضة صريحة لكون المحافظة على النسل من الأمور الضرورية في الإسلام لإجماع العلماء. تبين من البحث السابق أن المنع الفردي للنسل ترك للأفضل أو مكروه وإذا وجد موجبه عند الفرد كان مباحًا على مقدار هذه الرخصة الفردية، ولا يوجد في الفقه الإسلامي ما يجعل الرخصة الفردية جماعية لأمة من الأمم، أو لإقليم من الأقاليم، فالرخص دائمًا فردية. الخلاصة: ١ - تحديد النسل بالنسبة للفرد مكروه أو ترك للأفضل. وبعض العلماء يقول: إنه حرام. ٢ - إذا وجد موجب تحديد النسل عند الفرد كان مباحًا على مقدار هذه الرخصة الفردية. ٣ - تحديد النسل بالنسبة لجماعة الأمة حرام. والله أعلم. الحاج عبد الحميد بن باكل

стр. 5284

تحديد النسل إعداد الشيخ محمد علي عبد الله مستشار محكمة استئناف نيامي وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن جمهورية النيجر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وبه نستعين وعليه نتوكل ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. هو الأول والآخر والظاهر والباطن والهادي إلى الصراط المستقيم، من يهد الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له. عزة ونعمة شهادتنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ناصر الحق بالحق والهادي إلى الصراط المستقيم، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. أما بعد: مقدمة فإن موضوع تحديد النسل يعتبر اليوم من أهم المواضيع الاجتماعية المدروسة في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وفي الحقيقة يمكن القول بأنه فرض نفسه عند طرقه باب الأسر الصغيرة قبل التعدي إلى ساحة المجتمعات الدولية حتى يتم عرضه في قاعات الاجتماعات والحلقات العلمية. ففي هذا يمكن القول بأن الاعتقاد كما ذهب إليه بعض الناس بأن زيادة عدد سكان العالم قد يزيد في الرفاهية والازدهار الاقتصادي. وقد يعتبره بعض علماء علم الاجتماع من المجازفة ما دامت مسألة الطاقة الحيوية والمواد الغذائية نادرة، رغم أن بعض علماء الديموغرافية يأخذون بفكرة ازدياد عدد النسل في العالم يقابله في السلم زيادة حجم الأعمال وازدهار مواردها الصناعية، وهذا يؤدي إلى زيادة الدخل الفردي للمجتمع الصناعي، وبالتالي حتى إن كانت دول العالم الثالث تكافح مسألة زيادة النسل فلابد من إقناعها في ترك كل ما من شأنه أن يعود بالضرر على الأسرة حتى تؤول إلى التخفيض من النسل إذ يعود كما ترون بالفائدة على المجتمع الصناعي، لا مجتمع العالم الثالث الذي يعتبرونه سوق بضاعتهم نشتري منهم الكثير ولا نبيع إلا القليل والنادر في بعض الأحيان، على أنه من الضروري الإشارة هنا بأن هنالك فريقًا من العلماء في علم الاقتصاد من يرى العكس بأن في زيادة النسل وانتشاره في العالم لا يعد ضمانًا للازدهار والرفاهية، إذ إن كانت هذه الزيادة تحل بعض المشاكل الوقتية أو الحالية إلا أنها تعقدها وتشعبها بصفة خطيرة من الناحية الثانية، وعلى سبيل المثال كثرة النسل يؤدي بلا شك إلى كثرة الاستهلاك مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وبالتالي يتحول بدوره مع مرور الزمن إلى تخفيض الدخل الفردي الذي يؤدي حتمًا إلى انخفاض المستوى المعيشي للأفراد. والسؤال الذي يتطرق إلى الذهن حاليًا هو هل يجوز أم لا القول بتحديد النسل؟ وما موقف الدين الحنيف من هذه القضية؟. وسأتعرض خلال هذا البحث إلى موضوع تحديد النسل كما هو معمول به في الدول النامية ودول العالم الثالث مع تحديد نظريتها قبل التعرض إلى موقف الدين الحنيف من هذه المسألة. وبالله التوفيق.

стр. 5285

الوضع العالمي الديموغرافي لدول العالم وموقفها إزاء قضية تحديد النسل لقد لوحظ خلال السنوات الأخيرة أن عدد سكان العالم يزداد بسرعة مهولة فقد كان عدد سكان العالم خلال سنة ١٨٥٠ مليار نسمة فقط وأصبح خلال سنة ١٩٣٠ مليارين ثم تجاوز ثلاثة مليارات خلال سنة ١٩٧٠ حتى تجاوز حدود خمسة مليارات خلال السنوات الأخيرة. والإحصائيات اليوم تعطي معدل ما يقارب ٦: ٧ مليارات نسمة. ويعتبر هذا العدد من خوارق العصر الحالي، ويعتبر بعض العلماء الوضع الديموغرافى المتزايد كنتيجة حتمية لانخفاض عدد الوفيات في العالم. نظرًا للتقدم العلمي الذي مكن من إنقاذ كثير من الأرواح وساعد النسل على النمو بدون مشقة. إلا أنه يجدر بنا الملاحظة هنا بأن معدل النمو المدهش لعدد سكان العالم كان بطريقة غير عادلة من حيث التقسيم الجغرافي للعالم، وبالتالي فإننا في أوروبا واليابان مثلا نجد عدد النمو للسكان يقل عن ١٥ في الألف فهذه النسبة مثلا تعني أن فرنسا وبعض الدول الأوربية والنامية لا تبلغ نسبة مائة مليون بعد خمسين أو مائة سنة. أما في أمريكا الشمالية وروسيا تبلغ من ١٥ إلى ٢٠ في الألف. أما في آسيا وأفريقيا فهذه تصل إلى ٢٥ في الألف وربما أكثر من ذلك مما قد يؤدي إلى تضاعف نسبة السكان في هذه المناطق حوالي كل ثلاثين سنة، وهذا النمو الهائل ينجم عنه نتائج خطيرة، فقد يحدث أن ينشأ من جراء زيادة النسل في بعض أقطار العالم قلة الموارد الغذائية.

стр. 5286

وأمام الوضع الراهن السائد في أغلب مدن العالم وزيادة النسل فيها فقد بدأت التساؤلات حول مسألة إجازة تخفيض أو عدم تخفيض عدد سكان العالم الحالي، مثلا بأن الدول غير النامية قد تجد نفسها عرضة لزيادة سكانها، ويبدو بلا محال أن بعض هذه الدول غير مستعدة لاستقبال زيادة عدد سكانها في السنوات القادمة. ونظرا لعدم استطاعتها وضع إمكانيات مالية ولازمة للمعاش، كان من الضروري عليهم مراقبة النسل وبسبب ذلك قامت هذه الدول بوضع قانون يهدف إلى مراقبة الولادات، وسلكت سياسة ديموغرافية غايتها التخفيض بصفة نسبية من عدد الولادات. فتقوم هذه الدول بوضع قوانين تهدف إلى مراقبة الولادات وذلك بتشجيع الزوجين على عدم كثرة النسل، وتحديد عدد الأطفال بثلاثة ولأجل ذلك تقوم حاليا بحملات دعائية عن طريق الأشرطة والإعلانات ووضع صور للأسرة المثالية التي لا يتعدى عددها الزوج والزوجة وثلاثة أولاد وزيادة على هذا فهنالك مكافآت لكل زوج أو زوجة يعرض نفسه لعمليات جراحية غايتها الحرمان من إنجاب الأطفال، ولكن رغم كل هذه المحاولات والمجهودات المبذولة لتحديد النسل في الدول النامية والعالم الثالث، فإن النتيجة لم تأت بثمارها المرجوة وإذ تعرضت مسألة تحديد النسل إلى عقبة صعبة الاجتياز، ألا وهي الاعتقادات الدينية، وبالتالي فرغم وجود التصور لزيادة النمو الذي يشير بانفجار العالم لكثرة سكانه في السنوات القادمة، فهذا لا يعني أنه يجب علينا حتما تخفيض عدد سكان العالم إذ في الحقيقة العالم الحالي يتمتع بطاقة معروفة أو غير مستغلة لتحديد زيادة النسل خلال السنوات القادمة، رغم أنه ليس هنالك أحد يستطع أن يحدد لنا كيفية موقفه ومدى الذي سيصل إليه تعمير العالم، على أنه يبدو أن مثل هذا النمو لا يبقى ثابتًا بلا نهاية بدون مخاطر. وبالتالي فلما كان التخفيض من عدد سكان العالم محالا، فإن الجهود الآن تسعى جاهدة إلى تنظيم النسل والتوفيق بين سكان الجيل القادم والموارد الإنسانية المقدرة.

стр. 5287

مفهوم تحديد النسل وتخطيط الأسرة: منذ سنوات عديدة ومسألة تخطيط الأسرة تعتبر من الموضوعات اليومية في سائر أنحاء العالم، بين من يرى في تخطيط الأسرة عنصر تحرير المرأة ومن يشجع تحديد النسل خشية نمو النسل في العالم الثالث. فهنالك آراء كثيرة، إلا أن الذي يجذب الانتباه ويعبر بتمام عن الغموض في فهم هذا الموضوع يكمن في الكلمات المستعملة لتعيين هذا الموضوع. فالبعض يعتبر أن لفظة تخطيط النسل وتنظيمه تعني عدم تقارب الولادات عند المرأة، وعند الآخرين يعتبر تحديد النسل وبعض عبارات أخرى مستعملة تزيد في غموض المسألة كتنظيم الولادات، والأمومة الاختيارية، وفي زائير مثلا بأفريقيا يقولون بالولادة المرغوبة أو الإرادية فتحديد النسل: هو عباره عن فعل أو عمل يقصد به منع الحمل سواء كان عن طريق آلي أو عن طريق كيماوي (حبوب منع الحمل) أو العادي كالامتناع عن مجامعة الزوجة لمدى معين من الزمن، وهنالك أيضا طريقة الحساب، وطريقة تنظيم الولادات التقليدية: يعتبر مجموعة من عمليات تطبيقية قد تشمل الانقطاع الإرادي عن مجامعة الزوجة، أو الافتراق بين الزوجين الذي يمكن من أبعاد زمن الولادات والتقليل منه لغاية الحفاظ على حياة المرأة وابنها. وهذه الطريقة في الحقيقة كانت منتشرة منذ القدم بأفريقيا، والهدف من تقليل مدة الحمل وإبعاده لم يكن التقليل من عدد الأولاد المنجبين، بالعكس كانت غاية هذه العملية ضمان الحياة لعدد كثير منهم. تحديد النسل المعاصر: يعتمد على استعمال المواد المانعة للحمل دون اللجوء إلى الحساب فيما يخص عدد المواليد المرغوب فيه من الأولاد ويجب تميزه عن تخطيط الأسرة. تخطيط الأسرة: يقصد به التنسيق بين تهذيب أو تربية الأسرة وإمدادها بطريقة منع الحمل مع الأدوية اللازمة لتلك الغاية، لكي يسمح للزوجين من إنجاب ما تيسر لهم من عدد الأولاد اللازم لهم، وتخطيط الأسرة أيضا يعتمد على الحساب الدقيق للعدد الضروري للأولاد، والأسرة معنية اعتبارًا لمقتضياتها المالية والدبية والدينية. وتحديد النسل: يقصد منه نشر فكرة منع الحمل على نطاق عام، عن طريق الدولة حتى يعم كافة الأسر ويشمل هذا النوع أيضا الإجهاض بغاية نقص نسبة الولادة لبلد معين لأسباب اقتصادية، وهذا النوع من تحديد النسل يعتمد عليه في آسيا بصفة عامة، أما في أفريقيا مثلا فهو مشجع في تونس ومصر، أما في المغرب وكينيا وغانا فبنسبة أقل.

стр. 5288

موقف الشريعة من قضية تحديد النسل قال تعالى في محكم كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (١) . ولقد كان أهل الجاهلية يقتلون أبناءهم مخافة الفقر فنزل قول الحق ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) . وطالعتنا الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ببحوث تطول وتقصر، في تأييد الرأي والدعوة إليه، إلا أنه يلزم قبل الخوض في البحث تحديد المقصود من الموضوع، أو تحريم محل النزاع، فقد تبادر للناس أن المقصود منه هو إصدار قانون عام يلزم الأمة كلها أن تقف بالنسل عند حد معين. لا فرق في ذلك بين سيدة يسرع إليها الحمل، فترضع ولدها السابق لبن الحمل، وأخرى يبطئ حملها وتمضي مدة الرضاع أو أكثر في تربية السابق دون حمل، كما ذكره محمود شلتوت في كتابه الفتاوى، دراسة لمشكلة المسلم المعاصر، ولا سيما القوي والسليم من الأمراض يلد أقوياء أصحاء والضعيف المريض يلد ضعفاء مرضى، ولا بين من في سعة من الرزق يستطيع تربية أبنائه مهما بلغ عددهم، وبين فقير في ضيق لا يستطيع القيام بتربية أبنائه الكثيرين فيضعف احتماله وتخور أعصابه وتفسد حياته. وتحديد النسل بهذا المعنى العام، لا يمكن أن يقصده أحد ما فضلا عن أمة تريد لنفسها البقاء، وتعمل جاهدة وبخطوات سريعة في المشروعات الإنتاجية التي بها تنافس الأمم الأخرى، وترد عنها أطماع المستعمرين، عن طريق الإنتاج والاقتصاد، وهو بعد هذا تفكير تأباه طبيعة الكون المستمرة في النمو، وتأباه حكمة الحكيم الذي خلق في الإنسان والحيوان مادة التوالد والتناسل، وخلق مقابل ذلك في الأرض وسائر ما خلق قوة الإنتاج الدائم المضاعف، والمائدة التي أعدها الله لعباده في ظاهر الأرض وباطنها لا يمكن أن تضيق عن حاجتهم وحاجة نسلهم مهما كثروا ومهما عاشوا بإذن الله. أما النظرة الداعية إلى تحديد النسل وتنظيمه بالنسبة للسيدات اللاتى يسرع إليهن الحمل، وبالنسبة لذوي الأمراض المتنقلة، وبالنسبة للأفراد القلائل الذين تضعف أعصابهم عن مواجهة المسئوليات الكثيرة، ولا يجدون ما يقويهم على احتمال هذه المسئوليات، فمثل هذا التنظيم فردي أسري لا يتعدى مجاله وهو شأن خاص تدفع به أضرار محققه ويكون به النسل القوي الصالح.

стр. 5289

ومن هنا حثت الشريعة على مبادئ القوة واتساع العمران وكثرة الأيدي العاملة، وعلى تهيئة ما تعمل فيه تلك الأيدي، وحثت على الزواج وامتن الله على الناس بنعمة البنين والحفدة كأثر من آثار الزواج وطمأن النفوس على الرزق كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) . وكما جاء أيضًا في حديث الرسول ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) . فالله كرم النبي آدم ﵇ أولا بالسماح له بدخول الجنة ولما أقدم على مخالفة ما نهاه عنه أسكنه الأرض وسخر له ما فيها من حيوان ونبات وكل شيء أليس هذا بتكريم فالبارئ الخالق يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٢) . قال ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤) . فظلموا أنفسهم وإن الله قد قدر مقادير كل شيء من خير وشر وحياة وموت. وهداية وضلال، قبل أن يخلق السماوات والأرض، وقال ﷻ أيضا ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٥) . وقوله أيضا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٦) . فهذه الآيات دليل قاطع بأن العزيز الغفار ما خلق الإنسان باطلا، فهو عالم بالأشياء قبل كونها، وكتابته للأشياء قبل برئها، وبالتالي هل يجوز للإنسان المؤمن بقدرة الله الذي لا ينام والذي يمسك السماوات بلا عمد أن يتكلم بتحديد النسل؟ ويشكو بأن الله ليس قادرًا على أن يطعم أبناءه؟ في حين أنه قد قدر له هو الأب قوت يومه فهل يجوز أن نشكو بأن الذي جعل من الماء كل شيء حي وأنزل من السماء ماء ليس قادرا على أن يغذي ذرة من سكان العالم؟ سبحانه الذي قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (٧) . وقال أيضا في كتابه الكريم: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (٨) . صدق الله العظيم، والله يسقي العالم بأسره بعد أن خلقه بلا شك، فإنه القدير البديع القادر على أن يطعمه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (٩) . صدق الله العظيم.

стр. 5290

فبعد هذه الآيات هل يجوز الكلام بتحديد النسل أنه حرام أم حلال؟ بل زيادة على ذلك فالله بَيَّنَ في محكم كتابه المقدس، كيفية تكوين الإنسان وخلقه، بطريقة دقيقة ورائعه، حيرت علماء العالم، ووحدانية الخالق تقتضي رعاية مصالح عباده، فهو ربهم وخالقهم إذ هو رب العالمين جميعا، إذ خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله. وجعله كامل الخلقة ذكرا أو أنثى كما يشاء، وجعل بقدرته هذا العالم المنتشر في أقطار المعمورة من ذلك الماء المهين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (١) . وهذا الإنسان الذي خلقه الله وأمره بأن ينظر إلى حقيقة خلقه بأن قال : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (٢) . ولقد جاء أيضًا في وصايا الرسول ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) وقوله ﷺ : ((سوداء ولود خير من حسناء عقيم)) وقوله أيضا ﷺ : ((من ترك الزواج مخافة العيل فليس منا)) . وكثيرا ما تعرض علماؤنا على اختلاف مسئولياتهم واختصاصاتهم من شرع وعلم اجتماع وطب واقتصاد لمسألة تحديد النسل. فالإنسان مطالب بأن يتفكر وأن يتأمل حياتنا، ويعلم كمخلوق بأنه مطالب بعبادة الله الخالق، لأنه قادر على إعادته مرة أخرى بعد موته لمحاسبته على ما عمل في هذه الدنيا من خير وشر، فإن القادر على البدء قادر على الإعادة من باب أولى، فلا يجوز إذًا قتل الأولاد خشية إملاق؛ لأن الله قادر على أن يرزقنا جميعا. فقد نهانا عن ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤) . رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٥) . وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٦) . وقد قال تعالى أيضًا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٧) . وقوله أيضًا ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (٨) . وقوله أيضًا ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٩) . وقال جل وعلا ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ (١٠) . فإن الله ﵎ قد جعل رحلة خلق الإنسان آية لنا فتنقل خلقه من حال إلى حال، من نطفة بعد أن خلقه في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشية، دليل واضح على أنه قادر على أن يرزقه إلى وفاته قبل انبعاثه مرة ثانية للحساب.
следующие страницы →