وأمام الوضع الراهن السائد في أغلب مدن العالم وزيادة النسل فيها فقد بدأت التساؤلات حول مسألة إجازة تخفيض أو عدم تخفيض عدد سكان العالم الحالي، مثلا بأن الدول غير النامية قد تجد نفسها عرضة لزيادة سكانها، ويبدو بلا محال أن بعض هذه الدول غير مستعدة لاستقبال زيادة عدد سكانها في السنوات القادمة. ونظرا لعدم استطاعتها وضع إمكانيات مالية ولازمة للمعاش، كان من الضروري عليهم مراقبة النسل وبسبب ذلك قامت هذه الدول بوضع قانون يهدف إلى مراقبة الولادات، وسلكت سياسة ديموغرافية غايتها التخفيض بصفة نسبية من عدد الولادات.
فتقوم هذه الدول بوضع قوانين تهدف إلى مراقبة الولادات وذلك بتشجيع الزوجين على عدم كثرة النسل، وتحديد عدد الأطفال بثلاثة ولأجل ذلك تقوم حاليا بحملات دعائية عن طريق الأشرطة والإعلانات ووضع صور للأسرة المثالية التي لا يتعدى عددها الزوج والزوجة وثلاثة أولاد وزيادة على هذا فهنالك مكافآت لكل زوج أو زوجة يعرض نفسه لعمليات جراحية غايتها الحرمان من إنجاب الأطفال، ولكن رغم كل هذه المحاولات والمجهودات المبذولة لتحديد النسل في الدول النامية والعالم الثالث، فإن النتيجة لم تأت بثمارها المرجوة وإذ تعرضت مسألة تحديد النسل إلى عقبة صعبة الاجتياز، ألا وهي الاعتقادات الدينية، وبالتالي فرغم وجود التصور لزيادة النمو الذي يشير بانفجار العالم لكثرة سكانه في السنوات القادمة، فهذا لا يعني أنه يجب علينا حتما تخفيض عدد سكان العالم إذ في الحقيقة العالم الحالي يتمتع بطاقة معروفة أو غير مستغلة لتحديد زيادة النسل خلال السنوات القادمة، رغم أنه ليس هنالك أحد يستطع أن يحدد لنا كيفية موقفه ومدى الذي سيصل إليه تعمير العالم، على أنه يبدو أن مثل هذا النمو لا يبقى ثابتًا بلا نهاية بدون مخاطر. وبالتالي فلما كان التخفيض من عدد سكان العالم محالا، فإن الجهود الآن تسعى جاهدة إلى تنظيم النسل والتوفيق بين سكان الجيل القادم والموارد الإنسانية المقدرة.
стр. 5287
مفهوم تحديد النسل وتخطيط الأسرة:
منذ سنوات عديدة ومسألة تخطيط الأسرة تعتبر من الموضوعات اليومية في سائر أنحاء العالم، بين من يرى في تخطيط الأسرة عنصر تحرير المرأة ومن يشجع تحديد النسل خشية نمو النسل في العالم الثالث. فهنالك آراء كثيرة، إلا أن الذي يجذب الانتباه ويعبر بتمام عن الغموض في فهم هذا الموضوع يكمن في الكلمات المستعملة لتعيين هذا الموضوع.
فالبعض يعتبر أن لفظة تخطيط النسل وتنظيمه تعني عدم تقارب الولادات عند المرأة، وعند الآخرين يعتبر تحديد النسل وبعض عبارات أخرى مستعملة تزيد في غموض المسألة كتنظيم الولادات، والأمومة الاختيارية، وفي زائير مثلا بأفريقيا يقولون بالولادة المرغوبة أو الإرادية فتحديد النسل: هو عباره عن فعل أو عمل يقصد به منع الحمل سواء كان عن طريق آلي أو عن طريق كيماوي (حبوب منع الحمل) أو العادي كالامتناع عن مجامعة الزوجة لمدى معين من الزمن، وهنالك أيضا طريقة الحساب، وطريقة تنظيم الولادات التقليدية: يعتبر مجموعة من عمليات تطبيقية قد تشمل الانقطاع الإرادي عن مجامعة الزوجة، أو الافتراق بين الزوجين الذي يمكن من أبعاد زمن الولادات والتقليل منه لغاية الحفاظ على حياة المرأة وابنها.
وهذه الطريقة في الحقيقة كانت منتشرة منذ القدم بأفريقيا، والهدف من تقليل مدة الحمل وإبعاده لم يكن التقليل من عدد الأولاد المنجبين، بالعكس كانت غاية هذه العملية ضمان الحياة لعدد كثير منهم.
تحديد النسل المعاصر:
يعتمد على استعمال المواد المانعة للحمل دون اللجوء إلى الحساب فيما يخص عدد المواليد المرغوب فيه من الأولاد ويجب تميزه عن تخطيط الأسرة.
تخطيط الأسرة:
يقصد به التنسيق بين تهذيب أو تربية الأسرة وإمدادها بطريقة منع الحمل مع الأدوية اللازمة لتلك الغاية، لكي يسمح للزوجين من إنجاب ما تيسر لهم من عدد الأولاد اللازم لهم، وتخطيط الأسرة أيضا يعتمد على الحساب الدقيق للعدد الضروري للأولاد، والأسرة معنية اعتبارًا لمقتضياتها المالية والدبية والدينية.
وتحديد النسل: يقصد منه نشر فكرة منع الحمل على نطاق عام، عن طريق الدولة حتى يعم كافة الأسر ويشمل هذا النوع أيضا الإجهاض بغاية نقص نسبة الولادة لبلد معين لأسباب اقتصادية، وهذا النوع من تحديد النسل يعتمد عليه في آسيا بصفة عامة، أما في أفريقيا مثلا فهو مشجع في تونس ومصر، أما في المغرب وكينيا وغانا فبنسبة أقل.
стр. 5288
موقف الشريعة من قضية تحديد النسل
قال تعالى في محكم كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (١) .
ولقد كان أهل الجاهلية يقتلون أبناءهم مخافة الفقر فنزل قول الحق ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) .
وطالعتنا الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ببحوث تطول وتقصر، في تأييد الرأي والدعوة إليه، إلا أنه يلزم قبل الخوض في البحث تحديد المقصود من الموضوع، أو تحريم محل النزاع، فقد تبادر للناس أن المقصود منه هو إصدار قانون عام يلزم الأمة كلها أن تقف بالنسل عند حد معين. لا فرق في ذلك بين سيدة يسرع إليها الحمل، فترضع ولدها السابق لبن الحمل، وأخرى يبطئ حملها وتمضي مدة الرضاع أو أكثر في تربية السابق دون حمل، كما ذكره محمود شلتوت في كتابه الفتاوى، دراسة لمشكلة المسلم المعاصر، ولا سيما القوي والسليم من الأمراض يلد أقوياء أصحاء والضعيف المريض يلد ضعفاء مرضى، ولا بين من في سعة من الرزق يستطيع تربية أبنائه مهما بلغ عددهم، وبين فقير في ضيق لا يستطيع القيام بتربية أبنائه الكثيرين فيضعف احتماله وتخور أعصابه وتفسد حياته.
وتحديد النسل بهذا المعنى العام، لا يمكن أن يقصده أحد ما فضلا عن أمة تريد لنفسها البقاء، وتعمل جاهدة وبخطوات سريعة في المشروعات الإنتاجية التي بها تنافس الأمم الأخرى، وترد عنها أطماع المستعمرين، عن طريق الإنتاج والاقتصاد، وهو بعد هذا تفكير تأباه طبيعة الكون المستمرة في النمو، وتأباه حكمة الحكيم الذي خلق في الإنسان والحيوان مادة التوالد والتناسل، وخلق مقابل ذلك في الأرض وسائر ما خلق قوة الإنتاج الدائم المضاعف، والمائدة التي أعدها الله لعباده في ظاهر الأرض وباطنها لا يمكن أن تضيق عن حاجتهم وحاجة نسلهم مهما كثروا ومهما عاشوا بإذن الله.
أما النظرة الداعية إلى تحديد النسل وتنظيمه بالنسبة للسيدات اللاتى يسرع إليهن الحمل، وبالنسبة لذوي الأمراض المتنقلة، وبالنسبة للأفراد القلائل الذين تضعف أعصابهم عن مواجهة المسئوليات الكثيرة، ولا يجدون ما يقويهم على احتمال هذه المسئوليات، فمثل هذا التنظيم فردي أسري لا يتعدى مجاله وهو شأن خاص تدفع به أضرار محققه ويكون به النسل القوي الصالح.
стр. 5289
ومن هنا حثت الشريعة على مبادئ القوة واتساع العمران وكثرة الأيدي العاملة، وعلى تهيئة ما تعمل فيه تلك الأيدي، وحثت على الزواج وامتن الله على الناس بنعمة البنين والحفدة كأثر من آثار الزواج وطمأن النفوس على الرزق كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) .
وكما جاء أيضًا في حديث الرسول ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) .
فالله كرم النبي آدم ﵇ أولا بالسماح له بدخول الجنة ولما أقدم على مخالفة ما نهاه عنه أسكنه الأرض وسخر له ما فيها من حيوان ونبات وكل شيء أليس هذا بتكريم فالبارئ الخالق يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٢) .
قال ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤) . فظلموا أنفسهم وإن الله قد قدر مقادير كل شيء من خير وشر وحياة وموت. وهداية وضلال، قبل أن يخلق السماوات والأرض، وقال ﷻ أيضا ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٥) . وقوله أيضا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٦) . فهذه الآيات دليل قاطع بأن العزيز الغفار ما خلق الإنسان باطلا، فهو عالم بالأشياء قبل كونها، وكتابته للأشياء قبل برئها، وبالتالي هل يجوز للإنسان المؤمن بقدرة الله الذي لا ينام والذي يمسك السماوات بلا عمد أن يتكلم بتحديد النسل؟ ويشكو بأن الله ليس قادرًا على أن يطعم أبناءه؟ في حين أنه قد قدر له هو الأب قوت يومه فهل يجوز أن نشكو بأن الذي جعل من الماء كل شيء حي وأنزل من السماء ماء ليس قادرا على أن يغذي ذرة من سكان العالم؟ سبحانه الذي قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (٧) . وقال أيضا في كتابه الكريم: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (٨) . صدق الله العظيم، والله يسقي العالم بأسره بعد أن خلقه بلا شك، فإنه القدير البديع القادر على أن يطعمه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (٩) . صدق الله العظيم.
стр. 5290
فبعد هذه الآيات هل يجوز الكلام بتحديد النسل أنه حرام أم حلال؟ بل زيادة على ذلك فالله بَيَّنَ في محكم كتابه المقدس، كيفية تكوين الإنسان وخلقه، بطريقة دقيقة ورائعه، حيرت علماء العالم، ووحدانية الخالق تقتضي رعاية مصالح عباده، فهو ربهم وخالقهم إذ هو رب العالمين جميعا، إذ خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله. وجعله كامل الخلقة ذكرا أو أنثى كما يشاء، وجعل بقدرته هذا العالم المنتشر في أقطار المعمورة من ذلك الماء المهين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (١) . وهذا الإنسان الذي خلقه الله وأمره بأن ينظر إلى حقيقة خلقه بأن قال : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (٢) .
ولقد جاء أيضًا في وصايا الرسول ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) وقوله ﷺ : ((سوداء ولود خير من حسناء عقيم)) وقوله أيضا ﷺ : ((من ترك الزواج مخافة العيل فليس منا)) .
وكثيرا ما تعرض علماؤنا على اختلاف مسئولياتهم واختصاصاتهم من شرع وعلم اجتماع وطب واقتصاد لمسألة تحديد النسل.
فالإنسان مطالب بأن يتفكر وأن يتأمل حياتنا، ويعلم كمخلوق بأنه مطالب بعبادة الله الخالق، لأنه قادر على إعادته مرة أخرى بعد موته لمحاسبته على ما عمل في هذه الدنيا من خير وشر، فإن القادر على البدء قادر على الإعادة من باب أولى، فلا يجوز إذًا قتل الأولاد خشية إملاق؛ لأن الله قادر على أن يرزقنا جميعا. فقد نهانا عن ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤) . رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٥) . وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٦) . وقد قال تعالى أيضًا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٧) . وقوله أيضًا ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (٨) .
وقوله أيضًا ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٩) . وقال جل وعلا ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ (١٠) .
فإن الله ﵎ قد جعل رحلة خلق الإنسان آية لنا فتنقل خلقه من حال إلى حال، من نطفة بعد أن خلقه في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشية، دليل واضح على أنه قادر على أن يرزقه إلى وفاته قبل انبعاثه مرة ثانية للحساب.
стр. 5291
وعن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيقول: اكتب أجله ورزقه وشقي أو سعيد)) صدق رسول الله الكريم فالإنسان اليوم يسأل نفسه عن مآل أبنائه وأحفاده وإخوانه في المستقبل وهو حائر في ميسرهم ومعاشهم، ويحاول جاهدًا لإيجاد الحل لتحديد النسل، لعل وعسى أن يكون ذلك حلًّا ناجعًا لحماية سلالته من مصاعب الدنيا، وقد أغفل عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١) . صدق الله العظيم فمن كان قادرا على أن يحيي العظام وهي رميم أليس بحق الله أن يكون قادرًا على أن يضمن معيشة خلقه بقدر ما قدر لكل فرد مسلم ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) . والله صادق فله الخيار في إمداد رزقه لمن يريد من الناس فقد قال تعالى أيضًا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (٣) . فإن الله هيأ الأرزاق، ويسر أقوات جميع الخلق من إنسان وطيور وحيوان.
ولا ننسى أيضًا أنه قال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) .فكل بيت يولد فيه مسلم ينطق لا إله إلا الله محمد رسول الله بركة لكافة الدنيا لا للمسلمين فقط، إذ هي كلمة الدنيا والآخرة للفرد ولأسرته فالاعتماد حسب رأيي على كل عمل من شأنه التقليل من الإنجاب، يعني حرمان الإسلام من صوت ينشد بوجود الله وبركات رسول الله، فإن كان الفرد في ضيق فقد أمده الخالق بصلاح يعضد به نفسه ويرتكز عليه عند الشدائد ألا وهو الدعاء، فقد قال ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥) .
والله لا يخلف الميعاد فالدعاء عضد الإيمان والله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه فهو أقرب من حبل الوريد، فكيف إذن نؤمن بأنه إذا تعطل علينا المطر يقوم الجميع بصلاة الاستسقاء وينزل المطر. ونخاف اليوم بأن ندعوه ليبعد عنا الفاقة والجوع والتشرد؟ وبالتالي فإنه لا يجوز للمسلم المؤمن أن يوافق فكرة تحديد النسل بمعناه حرمان أحد الزوجين (الزوج والزوجة) من الإنجاب، أي القيام بعمليات لقطع الحمل قطعا عن طريق الجراحة أو عقاقير خاصة لتلك الغاية، أما إن كان تحديد النسل لغاية التنظيم أي تنظيم النسل فقد يتقبله المؤمن إذ يعتبر علاجًا تدفع به أضرار محققة ويكون به النسل القوي الصالح، ومثل هذا التنظيم لا يجافي الطبيعة ولا يأباه الوعي القومي ولا تمنعه الشريعة وحسب رأيي يجب الأخذ به بشروط عملا بالقياس، إذ القرآن حدد مدة إرضاع الطفل بحولين كاملين فقد قال ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٦) .
стр. 5292
وحذر الرسول ﷺ أن يرضع الطفل من لبن الحامل، وعملا بالقياس فإن كانت علة منع رضاعة الطفل للبن الحامل هو الضرر الذي قد يصيبه من جراء الرضاعة فإن ذلك قياسا يقضي إباحة العمل على وقف الحمل مدة الرضاع بغية دفع الضرر الذي قد يلحق بالطفل وبالتالي فإنه يمكن القول: بإباحة منع الحمل مؤقتا بين الزوجين في حالة حماية أو الحفاظ على صحة المرأة إن كانت المرأة لا تلد ولادة عادية تضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين، فإن كان تأخير الحمل بالأدوية أو غير ذلك لأسباب شرعية يقرها طبيب مسلم فقيه وكذلك إن ثبت الضرر للمرأة عند الحمل كأن يكون الزوج يخشى على حياة زوجته بعد فحص طبيب وبتقرير من طبيب مسلم. وفي الختام أؤكد لكم أن الدعوة لتحديد النسل أو منع الحمل بصفة عامة لا يجوز شرعا؛ نظرًا لأن المسلمين قلة في عالمنا هذا في حين أن الكفار والمشركين يفوقوننا عددا ولنا زيادة على ذلك أن الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، إذ يعتبر المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وبالتالي فإن النسل يعتبر نعمة من رب العالمين، فعلينا أن نسعى جاهدين في زيادة النسل، حتى يزداد أصوات القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى تعم الرحمة برحاب عالمنا هذا، ويقل فيه الفساد إذ لا يخفى عليكم بأن حث أبنائنا وبناتنا على أخذ العقاقير لمنع الحمل في كل وقت وكيف ما كان يؤدي حتما إلى مفاسد الأخلاق وإياكم وغضب الله ولعنته فعلينا أن نحتاط من كيد الداعين لمنع الحمل، الراغبين بكل الطرق على وضع أيديهم على أموال المسلمين كيدا لنا ومقتا، فالحروب الصليبية ليست ببعيدة في أذهاننا، فلا يرتاح بالهم إلا إذا انقضوا على ثروات المسلمين اليوم، فقد حاربونا الأمس لقوتنا وتمسكنا بحبل الله والعمل بسنة رسول الله، ولم يقدروا علينا، فما بالك اليوم وفينا الأغنياء والأثرياء؟ فكيف لا يرغبون في زرع مثل هذه الأفكار البغيضة المعادية للفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها ولشريعتنا الحميدة؟ فعلينا أن لا نخالف الشرع وأن لا ننسى أبدا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١) . وقوله أيضًا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) . وعلى هذا نكون قد اختتمنا بحثنا ونسأله ﵎ أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يتم لنا بعمل يدخلنا الجنة إنه ولي ذلك والقادر عليه فنعم المولى ونعم النصير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد علي عبد الله
стр. 5293
تنظيم النسل وتحديده في
الإسلام
إعداد
الدكتور دوكوري أبو بكر
مدير المعهد العلمي والمشرف العام على المراكز الإسلامية
ومستشار الدولة للشئون الإسلامية
وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن جمهورية
بوركينافاسو
بسم الله الرحم الرحيم
ليس لتحديد النسل وتنظيمه حكم واحد مستقر، وإنما يختلف حكمه باختلاف الدوافع والبواعث على هذا التحديد؛ لذلك اختلف العلماء في هذه المسألة كما هو الحال في شأن كل مسألة يكتنفها اعتبارات مختلفة، فيترك الحكم فيها لما يترجح في نظر الباحث من هذه الاعتبارات وما تقضي به المصلحة. فهذه هي طريقة الإسلام في تشريع الأحكام لذلك كانت شريعته صالحة لكل زمان ومكان ولكل حادثة.
وسنتناول في هذا البحث عدة جوانب.
الجانب الأول: تحديد النسل من حيث الدافع إليه.
الجانب الثاني: مسوغات تحديد النسل.
الجانب الثالث: شروط تحديد النسل.
الجانب الرابع: وسائل تحديد النسل.
ونقول بالنسبة إلى الجانب الأول: إن تحديد النسل إذا كان بسبب ما يروجه الغربيون وعملاؤهم من أن تزايد سكان العالم إذا استمر بالمعدل الحالي لدى جميع الدول فإن العالم سيقع في مجاعة خطيرة في المستقبل نتيجة لكثرة سكانه بحيث لا يمكن تأمين المواد الغذائية الكافية لهم جميعا ففيه نظر.
لذلك نرى الدول الغربية المتقدمة، تسعى جاهدة إلى إقناع دول العالم الثالث بضرورة الحد من نسبة المواليد، وقد استجاب كثير من الحكومات إلى هذه النداءات، وذهب بعضها إلى أبعد الحدود في ذلك حيث عقمت الرجال. ونرى كثيرا من الناس في الدول النامية وخاصة المثقفين منهم يقللون عدد أولادهم فيقتصرون على ولد واحد أو ولدين وذلك خوفا من الفقر والعجز عن القيام بأعباء تربية الأولاد ورعايتهم وهذا خطأ فاضح من الناحية الدينية والعقلية ومن حيث الواقع كذلك.
стр. 5294
يقول المرحوم الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي مصر السابق في الجزء الأول من كتابه (فتاوى شرعية وبحوث إسلامية) : (تحديد النسل أو كما يسمونه تنظيم النسل ودعوة الأمة إليه بصفة عامة مشروع خطير تجاذبته الأفكار والأقلام منذ سنين ولم يثره بأدنى الأمر عندنا إلا الاستعماريون حين أفزعهم تزايد السكان وأقلقهم نمو الأمة ويقظة الشعور العام فيها إلى أساليب الاستعمار والتنبه العام إلى ماله من فادح الأخطار على البلاد ومناداة الشعوب في كل الأقطار العربية بضرورة تحريرها وتخليصها من شروره ومفاسده فنادوا في طول البلاد وعرضها بالخوف من المجاعة والفقر إذا استمر تزايد السكان وما لم يحدد النسل بطريقة حاسمة. . . إلخ) .
وقد رأى غير واحد من المفكرين المسلمين أن الدعوة إلى تحديد النسل بالطريقة التي ينادون بها في العالم الثالث بوجه عام وفي العالم الإسلامي بوجه خاص مؤامرة استعمارية ضد هذه الشعوب يقصد منها إضعاف هذه الشعوب وإذلالها وإخضاعها دائما وأبدا لسيطرة الدول الكبرى المتقدمة ومما يؤيد وجهة نظرهم هذه أن الدول الغربية تشجع زيادة نسبة المواليد داخلها وتكافئ من يأتي بأكبر عدد ممكن من الأولاد.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سكان العالم كانوا أقل عددا بكثير مما نحن عليه الآن ومع ذلك فإنهم كانوا يعانون من البؤس والفاقة أكثر مما نعانيه اليوم ولا يخالف أحد في أننا أكثر منهم تقدما ورفاعية وتنعما فعلمنا أن لا علاقة بين وفرة المعيشة ورغد العيش وبين قلة سكان العالم وكثرتهم، وأيضا مما لا يخفى على أحد أن ما تنفقه إحدى الدول الكبرى في برامج الفضاء وفى سبيل تطوير أسلحتها النووية لقادر على توفير الغذاء والعلاج اللازمين لجميع سكان العالم فكيف إذا صرفت هذه الدول مجتمعة كل طاقاتها وإمكانياتها المادية في مجالات التنمية المختلفة الصناعية والزراعية والتجارية أتظنون أنه سيبقى على وجه الأرض جائع واحد؟ كلا!.
стр. 5295
إذن فلا ينبغي لمسلم عاقل أن يغتر بكل بريق ويعتبره ذهبا، وأن يستجيب لكل نداء وأن ينجرف وراء كل تيار، بل عليه أن يكون ناقدا بارعا يحلل الأشياء ويمعن النظر فيها ويعمل فكره في التفريق بين الخطأ والصواب وبين الحق والباطل.
فلا ينبغي لأي مسلم أن يحدد نسله بحجة أنه قد يعجز عن الإنفاق على عياله إذا هم كثروا؛ لأنه أولا لا يعلم الغيب، فمن الذي أطلعه على مغيبات الأمور؟ فلئن كان فقيرا اليوم فإنه قد يغنى غدا، فكم من فقير معدم أصبح من كبار الأغنياء وكم من غني موسر أصبح من أفقر الناس ولم يعد يملك حتى قوت يومه وفي ذلك يقول تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) . أي في تقلب الأحوال من حال إلى حال أمر يخالفه.
وثانيا: أن هذا الإنسان المسكين ليس ضامنا لرزق نفسه فضلا عن رزق غيره فالله هو الذي يدير الأرزاق ويقدر لكل إنسان نصيبه منها قبل ولادته وخروجه إلى هذه الدنيا وما قدر له منها فإنه سيناله حتما فليس على وجه الأرض قوة قادرة على منعه من هذا الحق المقدر.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) . وقال جل من قائل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) . وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٤) .
أما إذا كان الدافع في تحديد النسل ليس لمجرد الخوف من كثرة العيال والفقر وإنما دعت إليه حاجة ملحة وضرورة معتبرة في نظر الشرع جاز ذلك.
стр. 5296
مسوغات لتحديد النسل:
أولا: أن يكون الزوجان في الجهاد مثلا فيحتاط على ألا تحمل المرأة لأن من شأن حملها تعريضها للضعف وللخطر نتيجة لمشقة السفر والجهاد أو أن يمنعا الحمل خوفا من أن يولد مولود وهما في دار الحرب وليس عندهما من وسائل الراحة والصحة ما يطمئنان به.
ثانيًا: إذا أخبر طبيب ثقة أو أثبت بالتجربة أن الحمل أو الوضع يعرض حياة الأم أو صحتها للخطر فيجوز لها منعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢) .
ثالثًا: إذا خفنا على حياة الرضيع أو صحته من حمل جديد أو مولود جديد فيجوز منع الحمل في هذه الحالة حتى يزول هذا الخوف وقد سمى الرسول ﷺ الوطء في حالة الرضاع وطء الغيلة (٣) . لأنه إن قدر فيه حمل فإنه سيؤدي إلى إفساد اللبن وبالتالي إضعاف الولد، وإنما سماه غيلة لكونه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرا.
رابعًا: إذا خشينا على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم لأنهم إن كثروا ولم تكن إمكانيات الوالدين كبيرة فيصعب توفير التربية الضرورية المناسبة لهم من الناحية المعيشية والصحية والتعليمية.
شروط تحديد النسل:
إذا عرفنا أن هناك مسوغات لتحديد بقي أن نعلم الشروط التي يجب توافرها لمشروعية ذلك.
ذكر بعض العلماء أن تنظيم النسل ومنعه لا يجوز إلا إذا أذنت به الزوجة؛ لأن لها حقا في الولد وحقا في الاستمتاع وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نهى عن العزل إلا بإذن الزوجة (٤) . وفى هذا دليل على أن الإسلام قد أعطى المرأة حقها في عصر لم يكن يعترف لها بحقوق فعلى الذين يصرخون وينادون بحقوق المرأة في هذه العصور أن يكونوا منصفين ويشيدوا بعظمة الإسلام.
стр. 5297
واشتراط إذن الزوجة في منع الحمل هو مذهب الحنفية قال صاحب الهداية "ولا يعزل عن زوجته إلا بإذنها لأن تحصيل الولد من حقها" وورد مثله عن الكمال بن الهمام (١) . غير أن المتأخرين من الحنفية أفتوا في زمانهم بجواز منع الولد لأحد الزوجين بغير رضا صاحبه إذا خيف على الولد السوء لفساد الزمان وهذا مبني على قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان (٢) .
أما الإمام الغزالي وجمهور الشافعية فيرون أن الولد من حق الوالد وحده فله إن شاء أن يحصله وله إن شاء أن يمنعه؛ لأن إثبات النهي إنما يكون بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا أصل يقاس عليه بل ههنا في الإباحة أصل يقاس عليه وهو ترك النكاح أصلا أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج فكل ذلك مباح وليس فيه إلا مخالفة الأفضل فليكن منع الحمل بالعزل وما يشبهه مباحا كما أبيح الزواج وترك المخالطة إلخ.. إلخ (٣) .
ويرى جمهور العلماء من فقهاء الأمصار أن منع الولد مكروه نظرا إلى حق الأمة فيه ونسب ذلك إلى عدد من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود؛ لأن فيه تقليل النسل وقد حث النبي ﷺ على الزواج تكثيرًا للنسل فقال: ((تناكحوا تكثروا)) (٤) .
ومن العلماء من ذهب إلى تحريم منع الولد مطلقا سواء أذن الزوجان في ذلك أم لا؛ لأنهم غلبوا حق الأمة في الولد على حق الوالدين، وقالوا: إن العزل فيه قطع النسل المطلوب شرعا من الزواج وفيه أيضا صرف السيل عن واديه مع حاجة الطبيعة إليه واستعدادها للإنبات والإثمار لما ينفع الناس ويعمر الكون، وينسب هذا المذهب إلى ابن حزم وابن حبان (٥) .
стр. 5298
وسائل تنظيم النسل:
أولًا: العزل: وهو قذف النطفة خارج الرحم عند الإحساس بنزولها (١) . ويعتبر العزل الوسيلة السائغة التي يلجأ إليها الناس لمنع النسل أو تقليله في العصور السابقة وخاصة عصر النبي ﷺ ، وكان الصحابة يفعلون ذلك في عهد النبوة والوحي كما ورد في حديث جابر الذي في الصحيحين ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) (٢) . ولمسلم ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغه ذلك فلم ينهنا)) (٣) .
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال: ((اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) (٤) .
وفي مجلس عمر تذاكروا العزل فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموءودة الصغرى. فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة حتى تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم علقة، ثم مضعة، ثم عظاما، ثم تكسى لحما، ثم تكون خلقا آخر. فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك. (٥) .
ومن الوسائل التي يلجأ إليها بعض الناس لتنظيم النسل وتحديده إسقاط الحمل بعد وجوده فعلا وهذه الوسيلة تعتبر جريمة في نظر الإسلام.
فلا يجوز لمسلم أن يسقط الحمل بعد نفخ الروح فيه فمن فعله فهو آثم وعليه دية إن نزل حيا وغرة إن نزل ميتا.
أما إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه فقد رأى فريق أنه جائز إذ لا حياة فيه فلا جناية ولا حرمة أما الغزالي فقد صرح بتحريمه حيث قال في معرض تفريقه بين منع الحمل وبين إسقاطه: (وليس هذا - رأي منع الحمل - كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، والوجود له مراتب وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت نطفة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيًّا) (٦) . وتحريم إسقاط الحمل حتى قبل نفخ الروح فيه مبني على أن فيه حياة محترمة هي حياة النمو والإعداد وقد قاسه بعض الأحناف ببيض الصيد إذا كسره المحرم فإنه يضمن لكونه أصل الصيد، قالوا: وما دام المحرم يطالب بالجزاء إذا كسر بيض الصيد فلا أقل من أن يلحق من يسقط الحمل الذي لم ينفخ فيه الروح إثم إذا كان قد أسقطه بدون عذر شرعي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الناس بفضل التقدم العلمي تمكنوا من اكتشاف وسائل علمية لتحديد النسل وتنظيمه بحيث لا يضطرون إلى إسقاط الحمل المفضي إلى ارتكاب محظور شرعي وبحيث لا يضطرون إلى العزل أيضا المفضي إلى الإضرار بالنفس أو بالزوجة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدكتور/ دوكوري أبو بكر
стр. 5299
تنظيم الأسرة
في المجتمع الإسلامي
الاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية
إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
أعد هذا الكتاب للنشر بتكليف من اللجنة التنفيذية لإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية، لجنة مؤلفة من:
١ - الدكتور عصام رشدي الناظر
٢ - الأستاذ حسن سعيد الكرمي
٣ - الدكتور عبد الرحيم عمران
٤ - الدكتور محمود زايد
الفصل الأول
الإسلام والأسرة والمجتمع
الإسلام والأسرة والمجتمع
- تقدمة -
إن الكلام عن الإسلام وتنظيم الأسرة، في مؤتمر الرباط وفي غيره فيما بعد ينطوي كما لا يخفى على اعتبار مهم واحد وهو أن الأسرة لها كيان خاص يتميز عن غيره ويمكن دراسته وحده، وهذه الفكرة عن الأسرة فكرة جديدة في العالم المتحضر الغربي لم يكن لها قبل القرن التاسع عشر حظ من البروز والظهور مع العلم بأن الأسرة بمعناها المعروف كانت موضع بحوث فقهية إسلامية جديدة منذ القرن الثامن الميلادي عن طريق بحث العلاقة بين الزوج والزوجة، وبحث حقوق الزوجية، ومشكلات العلاقة الزوجية وكثرة الأولاد وقلتهم، وحالة الأسرة الاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك، فالبحث إذًا في الأسرة عند المسلمين قديم، ولكنه في العالم الغربي حديث. وبداية البحث فيها عند العلماء الغربيين صدرت عن غير رجال الدين، وتناولت هذه البداية منشأ الأسرة وكيف تطورت من الأصل، واحتاج الأمر بالطبع إلى دراسات تاريخية ووثائق وسجلات للاضطلاع على تاريخ الأسرة، وكانت هذه بطبيعة الحال مفقودة إلى حد كبير مما دعا علماء الاجتماع إلى دراسة الأسرة في المجتمعات البدائية لمعرفة تطور الأسرة الحديثة اعتبارا منهم بأن الأسرة كيان اجتماعي نشأ وتطور مع الزمان منذ أمد بعيد. وحصل العلماء من هذه الدراسات على معلومات أصبحت مرجعًا لتاريخ الأسرة. غير أن الاهتمام في هذه الدراسات الأولى كان يتجه إلى أمور معينة مثل: هل كانت الأسرة تحت سلطة الأم أم تحت سلطة الأب؟ وهل كان الرجل يكثر من الزوجات أم يقتصر على زوجة واحدة؟ وهل كانت المرأة تتزوج أكثر من رجل واحد في وقت واحد؟ إلى غير ذلك.
стр. 5300
ولكن الثورة الصناعية واستفحال الفقر عند بعض الطبقات دعا الباحثين في العالم الغربي أو الصناعي عامة إلى دراسة مشكلات الفقر وإلى دراسة الأحوال الاقتصادية للأسر الفقيرة بوجه خاص، وفي القرن العشرين ظهرت مشكلات أخرى بالإضافة إلى مشكلة الفقر والعمل، كالطلاق والافتراق بين الزوجين وكثرة عدد الأولاد غير الشرعيين وحوادث الإجرام وغيرها. وهذا معناه قصر الاهتمام في البحث عن الأسرة منفصلة عن المجتمع، ونشأ عن ذلك أن تعمق الباحثون في وضع الأسرة بالنسبة إلى الأفراد وحالاتهم الصحية والنفسانية وأسباب النزاع بين الأفراد وإرجاعه إلى عوامل نفسيه.
وبعد الحرب العالمية الثانية قوي هذا الاتجاه في البحث هذا الذي عولجت فيه الأسرة بمعزل عن بقية المجتمع، بل إنه لم تجر إلا محاولات قليلة للربط بين الطرفين، مما أدى في النهاية إلى التركيز على الأحوال والظروف التي تؤدي إلى انهيار الأسرة وعلى معالجة مشكلاتها كالطلاق والإجهاض والتعقيم ومنع الحمل، وبالتالي إلى الاهتمام بتنظيم الأسرة بوجه عام.
وقد ظهرت في المدة الأخيرة أبحاث مهمة تتعلق بهذه المشكلات مما اضطر الكثير من الدول وخاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى وضع تشريعات لمعالجتها، حتى إن الكنيسة الكاثوليكية لم تجد بدا من الدخول في ميدان الجدل العالمي لتدلي برأيها في وسائل منع الحمل وتنظيم الأسرة.
أما في البلاد الإسلامية فإن تنظيم الأسرة كحل لمشكلات الأسرة لم يحظ بمثل هذا الاهتمام رغم أن الوسائل لمنع الحمل وخاصة العزل كانت معروفة (وممارسة) منذ فجر الإسلام. غير أن ازدياد السكان في بعض البلاد الإسلامية زيادة كبيرة حدا بالمسؤولين إلى التفكير جديًّا بهذه القضية.
ومؤتمر الرباط الذي عقد في سنة ١٩٧١ كان أول استجابة عامة من المسلمين للتحديات الناجمة عن مشكلات الأسرة والسكان وذلك في ضوء التعاليم الإسلامية واجتهادات علماء المسلمين. وكان من إنجازات هذا المؤتمر الكشف بصورة واضحة عن موقف الإسلام من الأسرة، وعن العلاقات بين أفرادها وتفاعلها مع المجتمع.
ومما هو جدير بالذكر أن مؤتمر الرباط لم يقتصر في بحث الأسرة على النظر في القضايا الفردية، كما كان الحال في العالم الأوروبي، بل تعرض للأسرة من حيث ظروفها الصحية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وعلاقة ذلك كله بالمجتمع كما سيظهر جليًّا في الملخص التالي.
стр. 5301
خلاصة بحوث ومناقشات مؤتمر الرباط
الإسلام والأسرة والمجتمع
تناولت الدورة الأولى في المؤتمر موضوع الأسرة من حيث تاريخها ومن حيث كيانها وتركيبها، وكذلك الأسرة من حيث الغاية في تكوينها وعلاقتها بالمجتمع، وكل ذلك من وجهة النظر الإسلامية، فإن الإسلام جاء بنظم اجتماعية جديدة بقصد إصلاح المجتمع، ونظرة واحدة إلى ما كانت عليه الجزيرة العربية من نزاع وتفرق بسبب النظام القبلي والتفاخر بالأنساب، توضح الغاية في الإسلام من إيجاد وحدة اجتماعية جديدة لتكون محورًا للمجتمع الأوسع في الأمة الإسلامية.
ومن الأقوال في ذلك أن القرابة القبلية لا تتمتع بأي احترام أو رعاية في النظام الإسلامي إذ لم تشجع التعاليم الإسلامية على تنمية العلاقة العشائرية بل حاول الإسلام بطرق كثيرة أن يحطم الوحدة العشائرية في سبيل بناء الأمة القائمة على وحدة المعتقد.
لقد كان هدف الإسلام إصلاح المجتمع القبلي في سبيل إيجاد مجتمع مدني حضري جديد يقوم على أساس أسرة وثيقة العرى متآزرة، تدين بالولاء لمجتمعها الصغير من الأقارب بدلًا من الولاء للقبيلة. وهكذا كانت الأسرة موضع تطورات في اتجاهات مختلفة، ومن ذلك أن الأسرة في الإسلام تحولت عن القبيلة إلى الأسرة الموسعة ثم إلى الأسرة الأحادية، وهكذا أصبحت الأسرة في الإسلام ترتبط برابطتين، الأولى الرابطة الداخلية الموجهة إلى مركز هذه الوحدة الاجتماعية الصغيرة، والثانية الرابطة الخارجية إلى الأمة الإسلامية والمجتمع الإنساني قوة الدفع نحو المركز، وفي حين أن الرابطة الثانية تجذب نحو الخارج وتعمل عمل قوة الدفع بعيدًا عن المركز، والإسلام وازن بين القوتين.
стр. 5302
معنى الأسرة:
كانت الأسرة ومعناها موضع بحث مطول في المؤتمر، واتفق الرأي مع الأستاذ حسن الكرمي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ محمد الفقيه الطنجي على أن الإسلام هو الذي أوجد الأسرة تمييزًا لها عن القبيلة، بشروط تضمن لها أن تكون مصونة من كل ضعف وانهيار، حتى إن الإسلام أمر بالامتناع عن الزواج عند عدم قدرة الزوج على القيام بواجباته نحو أسرته المؤلفة من زوجة وأولاد؛ لأن الغاية من الزواج في الإسلام هي ضمان السعادة والهناء في الأسرة، كما أشارت الآية الكريمة ٢١ من سورة الروم ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ في رأي الدكتور عبد السلام عظيمي هو إشارة واضحة إلى أن الاطمئنان القلبي أو السكن مع الراحة والمودة التامة لا يمكن أن يكون في بيت يعيش فيه عدد كبير من الأولاد.
وترددت هذه الفكرة عند الكثيرين من أعضاء المؤتمر ومنهم الشيخ عبد الحميد السائح الذي قال: إن الإسلام اعتبر أساس العلاقة الإنسانية كلها الرحمة والمحبة، ولذلك اعتبر النبي ﷺ شعار الإسلام: الأمان والسلام وإطعام الطعام ومساعدة الآخرين.
وكان الاتفاق تامًّا مع السيد رفيع الله شهاب على أن العبرة في الأولاد من حيث القلة أو الكثرة هو إيجاد نسل صالح، إذ لا فائدة من كثرة النسل إذا كانت هذه الكثرة ضعيفة جسميا ونفسانيا وغير صالحة أخلاقيا، وأشير من هذه الناحية إلى أن عدم صلاح الأولاد يؤدي إلى عدم صلاح البيئة، ولذلك ناقش فقهاء المسلمين هذه المشكلة وانتهوا إلى ضرورة الأخذ بإجراءات لتنظيم الأسرة في حالة تدهور الوضع التام الناجم عن سوء البيئات الاجتماعية.
ومهما اختلفت الكلمات الدالة على الأسرة في الإسلام، فلا اختلاف في أن تعاليم القرآن الكريم تهدف إلى استقرار الأسرة وسعادتها ووحدتها، وأن تعيش عيشة وادعة سعيدة، كما جاء في الآية الكريمة ٢١ من سورة الروم. ومعنى الاستقرار هو ثبات القواعد التي يبنى عليها ثبات الأسرة وعدم تقلب هذه القواعد بحسب الاتجاهات الهدامة.
стр. 5303
ولقد أثار الدكتور محمد سلام مدكور في البحث قضية التوازن بين مصلحة الأسرة ومصلحة المجتمع على اعتبار أن (مراعاة المصالح من أعمدة التشريع الإسلامي) وأن الفقه الإسلامي يؤثر مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد عند التعارض، وهذا الاتجاه بطبيعة الحال يقضي بأن تكون الأحكام متطورة بسبب الظروف وأن تكون شاملة للوقائع المتطورة أيضا.. (وهي في كل هذا تساير مصالح الناس وهو الأساس الذي قامت عليه) ؛ ولذلك نص فقهاء الحنابلة في هذا الموضوع على أنه (لا يصح أن يخلو العصر من مجتهد؛ لأن طريقة معرفة الأحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد) ، وجاء في الحديث الشريف ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) ووردت عند الفقهاء أقوال وشواهد تؤيد كون الأحكام متأثرة بالزمان والمكان، أي بالبيئة والعرف لمصلحة المجتمع، ومن ذلك قول ابن القيم: (الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد) ، ومن ذلك أيضًا قول الشاطبي: (وضع الشرائع إنما هو لصالح العباد في العاجل والآجل معًا) ، ومنه كذلك قول ابن عابدين الفقيه الحنفي: (كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه، لزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف ورفع الضرر والفساد، ولبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام) .
التطور:
توسع الدكتور محمد سلام مدكور في هذه الناحية من الموضوع وتكلم بإسهاب عن تغير الأحكام تبعًا لتغير المصلحة، وأورد أقوالًا أخرى تأييدًا لفكرته بأن تغير الأحوال يقتضي تغيير الأحكام واستشهد بقول ابن القيم (إن تغيير الفتوى بحسب الأمكنة والأحوال والنيات والعوائد معنى عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة ما يعلم أن الشريعة لا يعقل أن تأتي به) وينقل الزيلعي الحنفي عن فقهاء بلخ رأيهم أن (الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان) ويقول القرافي المالكي: (إن الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف) . وهذا يدل على أن التصرف في الأحكام بما يلائم الواقع أمر مشروع. كما يدل عليه تصرفات الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب ﵁ الذي طالما غير بعض الأحكام إلى ما يرى أنه مصلحة، مع تفسيره للنصوص تفسيرًا يتفق مع المصلحة، وهي تصرفات تبين أن تغييرات الأحكام تبعًا للمصلحة في عصر الصحابة كانت كثيرة، وهو ما درج عليه التابعون، فلقد وضع أئمة الفقه وتلاميذهم بعدهم قاعدة فقهية عامة وهي (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان) حتى إن القاضي أبا يوسف قال: (إذا ورد النص على أساس عرف مستقر وقت وروده، ثم تغير العرف بعد ذلك فإن الحكم يتغير تبعًا لتغيره) ، وقال القرافي: (إن جميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد، إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب) .
стр. 5304
وخرج الدكتور محمد سلام مدكور من بحثه في الموضوع بقوله: (ونحن لو نظرنا نظرة فاحصة في مسلك الفقهاء السابقين لما وجدناهم إلا متطورين بتطور عصورهم ومتنقلين مع المصالح حيثما كانت) .
ثم تساءل: (وكيف نقف جامدين أمام تطور الحياة، وما يجري فيها من نظم واعتبارات جدت في هذا المجتمع ولا نتعرف على حكم الله فيها) .
الدعوة إلى الاجتهاد:
وتطرق بعض أعضاء المؤتمر إلى موضوع الاجتهاد في إطار الفكرة التي تنسب التخلف إلى المسلمين والإسلام وخاصة العلماء المسلمين، ودعوا إلى استخدام الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية الكفيلة بإزالة التخلف، وإزالة المفاهيم الخاطئة التي دخلت على المجتمع الإسلامي، وانتهوا إلى أن واجب علماء الدين هو إظهار حكم الإسلام في كل جديد وعليهم أن ينظروا بعين العصر الحاضر.
وعلق الدكتور مدكور على هذا بقوله: (إنه ينبغي أن يكون باب الاجتهاد مفتوحًا في كل عصر إذ أن أحكام الشريعة لم تكن قاصرة على ما كان واقعًا عند بدء ظهورها وإنما هي عامة ولابد من عموم أحكامها وشمولها للوقائع المتطورة أيضًا، وهي في كل هذا تساير مصالح الناس وهو الأساس الذي قامت عليه) .
وينص فقهاء الحنابلة في هذا الموضوع على أنه (لا يصح أن يخلو العصر من مجتهد) .
وختم الدكتور محمد سلام مدكور كلامه في هذه النقطة مشيرًا إلى أن الأحكام تتغير تبعًا لتغير المصلحة، وأن التصرف في الأحكام يكون بما يلائم الواقع، وأن التطور هو سنة الحياة، ودعا إلى الاجتهاد الجماعي بين أولي الأمر من العلماء.
وعلق الشيخ محمد مهدي شمس الدين على تغير الأحكام فقال: (فليست هناك أحكام تتغير، وإنما هناك موضوعات تتجدد لقواعد عامة سابقة.. ولكن ما يحدث إنما هو تغير في أوضاع الحياة، ولهذه الأوضاع أحكام في القواعد العامة) .
стр. 5305
واتخذ عدد من الأعضاء اتجاها حول هذا الموضوع يتلخص في أن الأحكام تتغير بتغير المصلحة وأن الاجتهاد ضروري مع اعتبار المصلحة، وأن الدين فيه عملية تجديد في التشريع كما جرى في المؤلفة قلوبهم حينما حرمهم عمر بن الخطاب ﵁ من حقهم في الزكاة بعد أن قويت شوكة الإسلام، وأجمل الفكرة بصورة عامة السيد محمد ظفار بقوله: (أنا مقتنع بأن الإسلام يعارض النظام الاجتماعي الذي لا يتغير) .
التطور والتجديد:
الموضوع كله يتعلق بفكرة التجديد في المجتمع، وهي فكرة دارت حولها تفسيرات وتعريفات متعددة، فيما يتعلق بالإسلام. والرأي الذي أبداه الدكتور مدكور عن وجوب مراعاة تغير الأحوال عند وضع الأحكام تعارض مع رأي آخر للشيخ مصطفى أحمد الزرقاء الذي تساءل عن موقف الإسلام من هذا التطور في جميع اتجاهاته وصوره وألوانه قائلًا: (فهل يجاري الإسلام حياة البشر وتطورها فيتطور معها ويتغير كي لا ينفصل عن ركبها) ؟. ثم عرض رأيه في معنى التطور وقال: إن التطور قد يكون إلى الأحسن وقد يكون إلى الأسوأ، وإن التطور فيما يتعلق بالإسلام لا يعني تطوير الدين نفسه وإنما يعني موقف الإسلام من تطور الحياة البشرية في أوضاعها وعاداتها وتقاليدها وقيمها الاجتماعية وسلوكها في بناء الأسر وما إلى ذلك، ولكن التطور أو التغير قد يعتري الفكر الإسلامي أي فهم الناس للإسلام دون تحريف أو تشويه عن جهل أو سوء قصد بإدخال المفاهيم والقيم غير الإسلامية على الفكر الإسلامي، وأشار بصورة خاصة إلى أن (الإسلام قد أتى بأحكام ومقررات أساسية ثابتة في النواحي ذات القيم الثابتة التي لا يتصور أن يعتريها تطور في الحياة العادية الطبيعية تنعكس فيه قيمها) ، ولكن الإسلام فتح باب المعذرة والترخيص اعتمادًا على القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحظورات) ، بالقدر الذي يندفع به الاضطرار، ولذلك (جاءت نصوص الشريعة في القرآن والسنة النبوية كاشفة عن قضاياها الثابتة القيم، وكانت هذه النصوص صالحة بذلك لكل زمان ومكان بالنسبة للغايات المطلوبة دون الوسائل المتطورة التي تركها الشارع لتتطور بحسب الحاجة) . وأورد الشيخ مصطفى الزرقاء أمثلة على القواعد الإسلامية الثابتة في المجتمع والسياسة التي هي أساسية لا تتبدل وإن تبدلت الوسائل المستعملة لذلك، وقال: إن النصوص الأصيلة غطت جميع الحاجة عن طريق الاجتهاد والاستنباط وتحكيم قاعدة المصالح المرسلة وقاعدة سد الذرائع في كل شأن سكتت عنه النصوص.
стр. 5306
وتحديد معنى التطور في عبارة (مجتمع متطور) أدى إلى تفسيرات متعددة، وكان الرأي الغالب أن يكون معنى التطور شاملا للتغييرات سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية - وأن يعمل المؤمن على تحديد نظرة الإسلام إلى الأسرة في مثل هذا المجتمع المتطور. وكان السؤال الأساسي هو معرفة ما يقدمه الإسلام من تشريع وتنظيم لمواجهة التغييرات الناجمة عن الحياة الحديثة، وما هي الحلول لمعالجة العوامل الكثيرة التي تتعرض لها الأسرة المسلمة، في المجتمعات المتطورة.
وأشار الدكتور قيصر أديب ماجول إلى اهتمام المؤتمر بالمحافظة على المجتمع الإسلامي وقال: (إن الإسلام لا يتغير والحياة الاجتماعية تتغير، ولابد للإسلام من أن يحكم في التغير الذي يطرأ على المجتمع، ويتعين على علماء المسلمين أن يكونوا أكثر إيجابية إزاء التغير، والإسلام يدعو إلى التحديث. والتحديث هو استخدام الوسائل التَّقَنِيَّةِ في حل مشكلات الأسرة والمشكلات الاجتماعية، ويجب أن يكون ذلك في سبيل تماسك المجتمعات الإسلامية) .
وعلى كل فإن الإجماع كان تامًّا حول معنى التطور من حيث إنه يعني التغير نحو ما هو أفضل مع التمسك بالقواعد الإسلامية. ومن الطبيعي أن ينتقل البحث في موضوع التطور إلى موضوع معنى الأمة؛ لأن الأمة في الزمان الحاضر مجتمع متطور. وأكد الأعضاء عموما أن المحافظة على الأمة وكيانها تعتبر واجبًا إسلاميًّا منذ أن أوجد رسول الله ﷺ أول مجتمع إسلامي، وعبر بعض الأعضاء عن ذلك بأنه يجب وجود توازن في المجتمع بين سرعة التغير وسرعة التمثيل حتى يمكن المحافظة على طبيعة المجتمع الإسلامي.
وجرى بحث التطور من ناحية أخرى وهي ناحية التجدد، وهو موضوع بحث السيد وجيه الدين أحمد، إذ بدأ بحثه بالكلام عن معنى التجدد وعن النظرية السيكولوجية المتعلقة بالتجدد، وذكر أن هذه النظرية تقوم على الاقتراحات التالية:-
١ - الأشخاص الذين هم على مستوى عال من التجدد ومسايرة العصر الحديث أقوى على الأخذ بالتخطيط والتنظيم وأشد ميلًا إلى الأخذ بالابتكارات العصرية لتحقيق أهدافهم.
٢ - السلوك الذي يميل إلى الابتكار يكون عادة متحررًا من العقبات الثقافية القديمة ويكون منبعثًا عن عقلية مستقلة عن تأثير التقاليد.
٣ - المستوى العالي للطاقة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأهداف الشخص الخاصة يعزز القدرة على التغيير.
стр. 5307
وقال السيد وجيه الدين أحمد: (السلوك الذي يدل على التجديد لا يكون عن طريق الأخذ بالأدوات العصرية والتسهيلات المنزلية الكهربائية وغيرها لا لشيء إنها عصرية ميكانيكية، وإنما يكون عن دافع نفساني سيكولوجي نابع من أعماق النفس، فالقروي مثلًا قد لا يكون مهتمًا بهذه الآلات والأدوات العصرية لذاتها، ولكنه يكون مهتمًّا في تحسين وضعه بشراء ثور أقوى على الحرث أو بقرة حلوب، وقد يكون الإقبال على المظاهر العصرية الحديثة إقبالًا مصطنعًا بسبب تأثير الدعايات التجارية الجماعية، غير صادر عن الظروف الحقيقية ولا عن الوضع الثقافي الاجتماعي.
فالفلاح في الباكستان مثلا يقبل على استعمال الأسمدة الكيماوية ويهمل ما هو أهم من ذلك وهو النشاط في العمل. وليس الابتعاد عن الثقافة التقليدية وحده يسهل عملية التغيير والتجديد، والرأي القائل بأن التقاليد كابوس يعطل التقدم في جميع الاتجاهات رأي سطحي، ولو أن بعض التقاليد قد يكون لها هذا الأثر، غير أن تقاليد أخرى قد تكسب التقدم قوة دافعة، ومن ذلك مثلا أن الحركات التجديدية في العالم الإسلامي كانت أقرب ما تكون في حقيقتها إلى المثل القائل (عمل جديد بأسلوب قديم) أي أن هذه الحركات كانت تجمع بين القيم الغربية والنظرة العلمية من جهة، والوحي الديني والقواعد الدينية الأساسية من جهة أخرى، فالدعوة إلى تحرير المرأة مثلا كانت بدافع وضع المرأة في البلاد الأوروبية، ولكنها كانت في الوقت نفسه مبنية على أن النساء في زمن النبي ﷺ كن يشاركن الرجل في أعماله ويحاربن معه ويعملن في إسعاف الجرحى) .
والنقطة التي أثارها السيد وجيه الدين أحمد - بشأن العلاقة بين التطور والتجدد كان لها صدى في لفت النظر إلى معنى التطور بالنسبة إلى التقاليد فهو يحض على وجوب إعطاء أهمية عظمى للدوافع النابعة من التقاليد؛ لأنها دوافع مألوفة وتحمل معنى القداسة والسلطان والحكمة الجماعية ويغذيها تراث معنوي، إذ بهذه الطريقة تكتسب عملية التربية والتثقيف سهولة وتصبح أكثر عمقًا.
стр. 5308
وتكلم الدكتور عبد الرحيم عمران عن وجهة جديدة للتطور من الناحية السكانية حسب نظرية التطور الوبائي للسكان وهي نظرية تدرس التغيرات السكانية وأسبابها وآثارها حسب مبادئ علم الوبائيات، واعتمادًا على هذه النظرية قسم الدكتور عبد الرحيم عمران التاريخ إلى دورتين، الدورة القديمة والتي سبقت القرن السابع عشر والدورة الحديثة التي تلت ذلك حتى الآن.
ونظرته للدورة القديمة هي تطوير علمي لنظرية الدورات السكانية لابن خلدون، أما نظرته للدورة الحديثة فتعتمد على التفاعل بين العوامل الصحية والاجتماعية، وأشار الدكتور عمران إلى أنه لا يوجد تعارض في الإسلام بين الحث على الكثرة وبين الحث في الوقت نفسه على تنظيم الأسرة، إذ أن الهدف الأساسي هو المحافظة على التوازن الحيوي بين معدلات المواليد والوفيات في المجتمع، وبالتالي فقد كانت متطلبات العصور القديمة كثرة التوالد بسبب ارتفاع معدلات الوفيات وخاصة بين الأطفال، أما في العصور الحديثة ونتيجة لانخفاض معدلات الوفيات فقد قلت الحاجة إلى الكثرة من الإنجاب وبالتالي نشأت الدعوة لتنظيم الأسرة.
وأعرب الأستاذ عبد الكريم المراق عن هذه الفكرة بصورة أخرى فقال: (إن المجتمع متطور لأنه يضم كائنات بشرية حية نامية ومتطورة، وحاجة المجتمع إلى الدين هي نفسها متطورة بالنسبة التي يتطور بها المجتمع حتى لا يحصل الاختلال في التوازن الاجتماعي) وقال: (إن الدين صورة للمجتمع الذي ينتمي إليه) فإذا كان ذلك المجتمع في واقعه متميزًا بالصحة العقلية والقوة والمناعة كانت النظرة إلى الدين مستوحاة من هذا الواقع، والإسلام ثورة على الظلم والجهل، وهو لا يزال كذلك. وأضاف بأنه يصح القول بأن (الإسلام كمبادئ عامة يقوى ويضعف تبعًا لقوة أو ضعف الأفراد الذين ينتمون إليه) .
وفي النهاية أجمع المؤتمر بأسره تقريبًا على أن كثرة النسل، وإن كانت مرغوبة في الإسلام، تعني كثرة النسل الصالح لا كثرة النسل الفاسد، ومن ذلك قول السيد محمد ظفار أن (إنجاب أطفال أكثر أو أقل إنما يعتمد على الأوضاع والظروف، فأحيانا تجب زيادة السكان كما يجب إنقاصهم في أحيان أخرى لحفظ التوازن، ولدينا قواعد لكلتا الحالتين في كتب الفقه الإسلامي) .
стр. 5309
الإسلام والأسرة والمجتمع
تحليل وتعليق
الأسرة في المجتمع الإسلامي هي محور هذا المجتمع، وقد نظم الإسلام أحوالها بتشريعات متعددة اعتمدها الفقهاء في استنباط أحكامهم التي احتاجت بسبب الأوضاع المستجدة إلى تغيرات لا تخرجها عن الأصل ولكن تجعلها أميل إلى مسايرة العصر. ونفهم من هذا بطبيعة الحال أن الاجتهاد في شؤون الأسرة كان عاملًا مهما يؤدي بالنتيجة إلى الإقرار ولو عمليًّا بأن الاجتهاد في التشريع في هذا العصر ضروري حتى تكون الشرائع منسجمة ومستلزمات العصر المتغيرة وعليه فإن التجديد بحسب الحاجة يربط بين الدين والدنيا ويجعلهما متلازمين، على عكس ما جرى في كثير من البلاد الإسلامية حيث سادت الازدواجية في عرف الناس وهي فصل الدين عن الدنيا حتى أصبح الدين منزويا ومنقطعًا عن سير الحياة الاجتماعية، وأصبح رجال الدين رمزًا للمحافظة على القديم والتزمت.
ويجدر بنا في هذه المناسبة أن نذكر ما كتبه خير الدين باشا التونسي (١٨١٠ - ١٨٧٩) عن ذلك بقوله.
(ثم من أهم العوائق في تقدم المسلمين وجود طائفتين متعاندتين: رجال الدين يعلمون الشريعة ولا يعلمون الدنيا ويريدون أن يطبقوا أحكام الدين بحذافيرها بقطع النظر عما جد واستحدث.. ورجال سياسة يعرفون الدنيا ولا يعرفون الدين ويريدون أن يطبقوا النظم الأوربية بحذافيرها من غير رجوع إلى الدين. فنقول للأولين: اعرفوا الدنيا، ونقول للآخرين: اعرفوا الدين، فاعتزال العلماء شؤون الدنيا ثم تحكمهم ضرر أي ضرر، وجهل رجال السياسة بأحوال الدين ضرر مثله، والواجب امتزاج الطائفتين وتعاونهما، فهناك أحوال الدين يجب أن تراعى، وهناك أمور لم ينص عليها الدين وتقتضيها مصالح الأمة يجب أن تقاس بمقياس المنفعة والمضرة ويعمل فيها العقل) (١) .
стр. 5310
وقال الشيخ مصطفي الزرقا عن التجديد (ليس هو إدخال شيء جديد على الدين الإسلامي ليس منه ولا تشمله نصوصه العامة. المقصود بتجديد الدين الإسلامي في هذا الحديث: إحياء ما اندرس من معالمه وترميم ما توهن من لبناته بسوء الاستعمال وإزاحة ما أقيم في طريق مسيرته البناءة للحياة البشرية الصحيحة الكريمة الطيبة من عوائق أو نصب فيها من نصب وهمية لتشد الأبصار إلى غير الخالق تعالى عن جهل أو عن مكر) (١) .
ومن الأدلة على وجوب الاجتهاد ما روي عن أصحاب المذاهب أنفسهم فقد كانوا ينصحون تابعيهم بأن فقههم غير ملزم. وقال الإمام أبو حنيفة (علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب) وسأله أحد تلاميذه (أهذا الذي تفتي به هو الحق الذي لا شك فيه؟) فقال: (والله لا أدري، فقد يكون الباطل الذي لا شك فيه) وقال الإمام أحمد بن حنبل (لا تقلدني ولا مالكا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذوا) وروي عن الإمام مالك أنه قال (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، كل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) (٢) .
وقد سئل الإمام شهاب الدين القرافي المصري المتوفى سنة ٦٨٢ هجرية (إذا صارت العوائد لا تدل على ما كانت تدل عليه أولا فهل تبطل الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء، ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة؟ أو يقال نحن مقلدون وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد، فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟ وكان جوابه على ذلك (إن كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغيير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة. وليس بتجديد للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية للاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف) (٣) .
стр. 5311
وكانت أولى الخطوات التي اتخذت في سبيل تيسير استنباط الأحكام قيام الدولة العثمانية بإخراج قانون للمعاملات المدنية مقتبس من الفقه الإسلامي مع التقيد بالمذهب الحنفي ومع مراعاة مصالح الناس وروح العصر. وتتمثل جرأة هذه المحاولة في عدم الإصرار على مبدأ التقيد بالرأي الراجح من المذاهب، مما وفر حرية كبرى لأعضاء اللجنة المكلفة باستنباط الأحكام في اختيار الأصلح منها للأمة وهذا واضح في التقرير الذي رفعته هذه اللجنة إلى الصدر الأعظم في عام ١٨٦٩ وجاء فيه:
(علم الفقه بحر لا ساحل له، واستنباط درر المسائل اللازمة منه لحل المشكلات يتوقف على مهارة علمية وملكة كلية وعلى الخصوص مذهب الحنفية لأنه قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة ووقع فيه اختلافات كثيرة ومع ذلك فلم يحصل فيه تنقيح كما حصل في فقه الشافعية، بل لم تزل مسائله في أشتات متشعبة، فتخير القول الصحيح من بين تلك المسائل والأقوال المختلفة وتطبيق الحوادث عليها عسير جدًا، وعدا ذلك فإنه بتبدل الأعصار تتبدل المسائل التي يلزم بناؤها على العرف والعادة ... ) (١) .
وأصدرت الحكومة العثمانية سنة ١٩١٧ قانون العائلة وقد سجل واضعو هذا القانون خطوة أخرى في توفير الحرية في الأخذ بالأحكام الفقهية، وأقروا مبدأ التخير في انتقاء الأحكام، وفي مصر نصت المادة ٢٨٠ من تشكيل المحاكم الشرعية لعام ١٩١٠ على العمل مبدئيًا بأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، ثم شكلت الحكومة المصرية لجنة من كبار الفقهاء والقانونين لوضع أحكام تؤخذ من الفقه الإسلامي دون التقيد بمذهب معين مع مراعاة روح العصر.
وهذا كله شاهد على ضرورة الأخذ بالاجتهاد عند الحاجة.
стр. 5312
الفصل الثاني
الإسلام وتنظيم الأسرة
الإسلام وتنظيم الأسرة
تقدمة
ناقش مؤتمر الرباط موضوع تنظيم الأسرة في صراحة ووضوح وإخلاص وحرص على إبداء آراء الدين الإسلامي الحنيف فيها، وبالرغم من الاختلاف في بعض التفاصيل، فإن المؤتمر قد توصل إلى تحديد موقف الإسلام من تنظيم الأسرة وتبيان آراء الفقهاء والمذاهب في هذا الموضوع، كذلك استعرض المؤتمر آراء علماء الدين في العصر الحديث، وهي لا تختلف في الأصل عن آراء الفقهاء الأول، وإن كانت قد تعرضت لتفاصيل يحتاجها الوضع الحالي في العالم الإسلامي.
كذلك استمع المؤتمر إلى آراء المتخصصين في علوم الطب والاجتماع والسكان والاقتصاد والتربية والتعليم، وأخذها بعين الاعتبار عند تكوين الرأي الأخير في موضوع تنظيم الأسرة، وفي موضوع تقييم مستقبل الأسرة المسلمة والمجتمعات الإسلامية والأقليات الإسلامية، وأبدى المؤتمر اهتمامًا بالغًا بالأسرة بوصفها نواة للمجتمع وبعلاقة تنظيمها بصحة أفرادها ورفاهيتهم وتمكينهم من القيام بواجباتهم في بناء المجتمع الإسلامي.
ويمكن أن نقول إن المؤتمر قد حاول أن يجيب على كثير من الأسئلة التي تشغل أذهان المسلمين اليوم ومن هذه الأسئلة ما يأتي:
١-هل تنظيم الأسرة: "بمعنى استعمال وسائل لتأجيل الحمل أو تعجيله، أو لتحديد عدد الولادات. والمباعدة بين حمل وآخر" حرام أو حلال من وجهة نظر الفقه الإسلامي؟
٢-هل تنظيم الأسرة في الإسلام مشروط بشروط معينة، أو هو مباح دون قيد؟
٣-هل تنظيم الأسرة في الإسلام يقتصر على استعمال وسائل معينة مثل الدين الكاثوليكي أم أنه يسمح بكل الوسائل طالما أنها سليمة ومأمونة.
٤-ما هي الدواعي الاجتماعية والاقتصادية والأسرية لتنظيم الأسرة في الإسلام، وهل هناك نصوص فقهية في ذلك؟
٥-ما هي الدواعي الصحية لتنظيم الأسرة وما هي النصوص الفقهية المتصلة بذلك؟
٦-المعروف عن الإسلام والأديان جميعًا استحباب الزواج والكثرة، فهل يتعارض ذلك مع تنظيم الأسرة؟
٧-هل يمكن تنظيم الأسرة على مستوى المجتمع الإسلامي، وما هي خبرات بعض البلاد الإسلامية في ذلك؟
٨-هل يعتبر تنظيم الأسرة مؤامرة أجنبية حيث إن البلاد الغربية هي التي تدعو إليه، وتقوم بتمويله وترويجه في البلاد النامية؟
٩-ستجد الإجابة على هذه الأسئلة في ثبت وقائع مؤتمر الرباط الذي نشر في جزأين تحت عنوان "الإسلام وتنظيم الأسرة بالعربية والإنكليزية" كما تجدها في الملخص التالي لبحوث المؤتمر ومناقشاته.
стр. 5313
خلاصة مؤتمر الرباط
الإسلام وتنظيم الأسرة
بحوث ومناقشات
مضمون تنظيم الأسرة:
انتقل المؤتمر إلى بحث موضوع الإسلام وتنظيم الأسرة وكان لابد للأعضاء في هذا البحث من تناول معنى"الأسرة" بزيادة من التوضيح كما سبق ذكره في أبحاث المؤتمر عن ذلك، وكان لابد لهم أيضًا من الوقوف وقوفًا تامًا على فكرة "التنظيم" وعلاقتها بتحديد النسل في الأسرة الواحدة أو بالانفجار السكاني في العالم كله.
كما اقترح عدد من أعضاء المؤتمر استعمال عبارة تنظيم الوالدية بدلًا من تنظيم الأسرة، وعرف الشيخ ناصر الدين لطيف تنظيم الوالدية "بأنه اختبار أو سعي إنسان متعمد لتنظيم الحمل في الأسرة بصورة لا تنافي أحكام الدين وقوانين الدولة والقيم الأخلاقية في سبيل تحقيق رخاء الأسرة خاصة ورخاء الأمة والدولة عامة".
وقد عرف الشيخ أحمد الشرباصي "تنظيم الأسرة" بأنه "تهيئة الظروف السوية المنظمة التي تعاون الأسرة على أن تعيش سعيدة في مختلف النواحي والجهات"، وقال إن هذا التنظيم يظهر أو ينبغي أن يظهر في عدة مجالات منها:
١-تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالذرية قلة وكثرة.
٢-تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالتمهيد لبنائها تمهيدًا سليمًا.
٣-تنظيم الأسرة فيما يتعلق بإيراداتها ومصروفاتها- أي تنظيمها اقتصاديًا.
٤-تنظيم الأسرة في تحديد العلاقات بين الأزواج والزوجات، وبين الأولاد والوالدين وبين ذوي القرابة والأرحام إلخ.
٥-تنظيم الأسرة علميًا وثقافيًا وطبيًا واجتماعيًا إلخ.
стр. 5314
وعلل الدكتور الشرباصي هذا التوسع في مفهوم "تنظيم الأسرة" بقوله "إذا كان العرف قد جرى على استعمال كلمة (تنظيم الأسرة) فيما يتعلق بالذرية فقط فينبغي أن نصحح هذا العرف وأن نعيد إلى الكلمة مفهومها الواسع العميق لأن هذا التصحيح يلفتنا إلى واجبات اجتماعية من جهة، وهو يفيدنا في معالجة تضخم السكان من جهة أخرى".
أما من وجهة الدين الإسلامي كما قال الدكتور الشرباصي، فإن "الحكم الشرعي الإسلامي في موضوع تنظيم الأسرة، من ناحية قلة الذرية وكثرتها ينهض على الاستنباط والاجتهاد أكثر مما ينهض على إيراد النصوص، إذا لم تكن مشكلة تضخم السكان من المشكلات التي تعرض لها الناس في صدر الإسلام أو في عهد التشريع، والاجتهاد هنا ينبغي أن يكون النظر فيها متطلعًا إلى ما فيه المصلحة ودفع الضرر، مع عدم الخروج عن المبادئ الدينية أو الأصول الشرعية، بناء على القواعد المقررة شرعًا، من أن الضرر يزال، وأنه حيثما كانت المصلحة فهناك شرع الله. والقرآن الكريم يقول ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [سورة المائدة الآية ٦] والملاحظ في الشريعة الغراء أن الأمر الذي يتغير أو يتبدل بتغير ظروف الإنسان أو الزمان أو المكان لا تنص الشريعة فيه على وضع موحد ثابت أو نص صارم قاطع، بل تكله إلى اجتهاد البصراء من علماء الأمة في نطاق مصادر التشريع الإسلامي، وفي ضوء قول الله تعالى ﴿ولوردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [سورة النساء ٨٣] .
هذا القول كاد أن يكون محور البحث والنقاش في المؤتمر من وجهة النظر الإسلامية في موضوع تنظيم الأسرة، ولم تكد أبحاث الباحثين تخرج عن هذا القول إجمالًا عند الكلام على نظرة الإسلام، وإن خرجت في مجالات أخرى يتعلق معظمها بمضمون تنظيم الأسرة من الوجهة الدنيوية. وأشار الدكتور الشرباصي إلى أن تنظيم الأسرة قديم يرجع عهده إلى أيام النبي ﷺ وقال "لقد ورد في السنة النبوية ما نستطيع أن نعهده وسيلة غير مباشرة لتنظيم الأسرة. فقد روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد حديثًا قاله النبي ﷺ ينهى فيه عن المعاشرة الجنسية بين الزوجين بصورة تؤدي إلى الحمل في مدة الرضاع إذا كان هناك طفل لها ما زال يرضع. وهذا الحديث يقول "لا تقتلوا أولادكم سرًا، فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة"، والغيل هو أن يعاشر الرجل زوجته معاشرة جنسية وهي ترضع ولدًا لها بحيث تحمل وهي ما زالت ترضعه".
стр. 5315
وقال الدكتور الشرباصي إن تنظيم مدة الرضاع بسنتين تكون خالية من الحمل واستراحة الزوجة في مدة تقرب من ثلاثة أعوام، معناها تنظيم الأسرة بطريق غير مباشر.
وقال الدكتور الشرباصي إن تنظيم النسل أمر نسبي ليس له قانون صارم لجميع الأزمنة والأمكنة بل يرجع إلى تغير الظروف في المكان والزمان، ويرتبط ارتباطًا وثيقا بالمصلحة، وهي من مصادر الفقه الإسلامي كما ذكر ابن القيم حيث يقول: "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها. فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل".
وفي بحث الشيخ ناصر الدين لطف إجمال لكثير من الآراء حول تنظيم الأسرة أو التخطيط العائلي أو تنظيم الوالدية. وقال:"إن تنظيم الوالدية يجب أن ينظر إليه اجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا وسياسيا وأيديولوجيا".
ولا يمكن أن يكون هذا التنظيم محرمًا من الدين الإسلامي. ولا يوجد في القرآن الكريم آية واحدة ولا نص صريح واحد يمنع الزوجين من تنظيم الوالدية، بل أن ما جاء في القرآن الكريم (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (سورة البقرة ١٨٥) وما جاء أيضًا في الآية ٧٨ من سورة الحج (وما جعل عليكم في الدين من حرج) دليل على ذلك. وما جاء في القرآن الكريم عن قتل الأولاد خشية الإملاق والنهي عن ذلك كما في الآية ١٥١ من سورة الأنعام والآية ٣١ من سورة الإسراء فهو متعلق بقتل النفس أو قتل الشيء الذي له روح. ولا يمكن أن يكون حجة أو أساسًا للقول بأن القرآن الكريم ينهى عن تنظيم الوالدية لأن تنظيم الوالدية لا يكون بقتل الجنين الموجود الذي نفخ فيه الروح وإنما هو في تجنب الحمل قبل وقوعه. واعتبر الشيخ لطيف أن الغرض من العزل هو منع الحمل وعلى الأقل ضمن نطاق إيجاد فترات متباعدة بين حمل وآخر أو بين ولادة وأخرى والواضح من أحاديث العزل أن النبي الكريم لم يمنع مسلمًا من العزل في نطاق منع الحمل الذي لا يريده، بل يفهم من رواية لسيدنا جابر أن رسول الله ﷺ أذن صراحة بالعزل. وقال الشيخ لطيف "إنه إذا كان في التعاليم الإسلامية الحقيقية ما يجيز لنا" بل ويطلب منا " أن نسعى إلى التداوي والعلاج، فهل من المعقول أن الله ورسوله ﷺ لا يبيحان لنا كوالدين أن نسعى إلى تنظيم الحمل أو تأجيله لفترة معينة من أجل تحقيق الرخاء في أسرتنا؟ ثم أورد فتوى لجنة الإفتاء في الأزهر الشريف وفتوى الشيخ عبد المجيد سليم بأن "لكل من الزوجين برضا الآخر أن يتخذ من الوسائل ما يمنع وصول الماء إلى الرحم منعًا للتوالد".
стр. 5316
وختم الشيخ ناصر الدين لطيف كلامه بقوله إنه مع عدم وجود إجماع عند المسلمين بصدد تنظيم الوالدية ورغم ارتياب بعض المسلمين في الغاية من تنظم الوالدية فإن هذا التنظيم لابد منه عندما تدعو الضرورة الأسرة أو المجتمع إليه.
ولخص الدكتور محمد المكي الناصري موقف الإسلام من التخطيط العائلي أو تنظيم الأسرة بقوله إنه بعد البعث وصل إلى الاقتناعات التالية:
١-التخطيط العائلي ينسجم مع التنظيم الإسلامي للأسرة متى كان المراد منه توعية الآباء والأمهات بالمسؤولية في الرعاية بذرية صالحة.
٢-لا يجوز أن يقبل أحد على تأسيس الأسرة إلا إذا كان سليم الصحة وقادًرا على الإنفاق.
٣-إذا كان اتخاذ التدابير الوقائية لمنع الحمل مقبولًا شرعًا إذا دعت إليه مصلحة الزوجين أو مصلحة أحدهما أو مصلحة الأسرة، فمن باب أولى وأحرى أن يلجأ إليه إذا دعت إليه المصلحة العامة للمسلمين، وحالة المسلمين حاليًا تدعو إلى ذلك.
وحض فقهاء المسلمين على العناية بالتخطيط العائلي لأن التخطيط العائلي بمعناه المتعارف عليه اليوم "هو توعية الأزواج والآباء بمسؤولياتهم الأدبية والمادية، وجعلهم أكثر تقديرًا لمسؤولياتهم الزوجية والأبوية، حتى يكونوا أوفر احتياطًا لمستقبل أبنائهم وأحرص على إنجاب ذرية صالحة ونسل سليم جسميا وفكريا، ليكونوا لهم خير خلف ولأمتهم خير سند ومدد".
وذهب الشيخ إبراهيم الدسوقي مرعي والشيخ خلف السيد علي إلى أن تنظيم النسل أمر طبيعي لخير البشرية، وهذا يتماشى مع الإسلام والفقه لأن "الدين يدعو إلى التنظيم في كل شيء". وهكذا فإن تنظيم الأسرة من حيث هو تنظيم لا يتعارض مع الدين والتنظيم هنا معناه الملائمة بين حجم الأسرة وظروف المجتمع الاقتصادية والحضارية، فإذا تغيرت الظروف أعدنا النظر في حجم الأسرة، والمعنى من هذا القول من وجهة نمو السكان أن هذا النمو يجب أن لا يتعدى النمو الاقتصادي في الأمة.
стр. 5317
وأشار الشيخ خلف السيد علي والشيخ إبراهيم الدسوقي بصورة خاصة إلى المخاوف من التنظيم على أنه مناف للإيمان بقضاء الله وقدره، وأنه ينافي تقدير الأرزاق وأنه الوأد الخفي وقالا إن هذه المخاوف غير صحيحة لأن الإيمان بالقدر لا ينافي الأخذ بالأسباب، والقدر لا نعرفه إلا بعد وقوعه، ثم إن تقدير الأرزاق لا يكون مع ذلك إلا بالسعي لقوله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" وأما الوأد الخفي فالمقصود به قتل مخلوق موجود خوف الفقر. وذكر أيضًا أن الدين لا يعارض التنظيم لأن الأصل رعاية مصالح الناس ودفع الحرج والمشقة ففي القرآن الكريم قوله تعالى "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" سورة البقرة ١٨٥. وبقوله "وما جعل عليكم في الدين من حرج" سورة الحج ٧٨. وقول الرسول ﵊ "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق". وقوله "إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
ووجه الشيخ محمد مهدي شمس الدين الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن الولد حق الوالدين وحق الأمة معًا. فهو حق الأمة لأنه نهي عن تزوج الحمقاء، وأنه جعل للزوج وللزوجة الحق في فسخ عقد الزواج إذا كان الآخر مصابًا ببعض الأمراض الوبائية وما إلى ذلك. ثم إن تحديد النسل من طرف الأمة عامة يجب أن يكون فيه مصلحة لها، وإذا لم تثبت المصلحة فلا تحديد. ومن حق الوالدين مثلًا أنه يجوز لهما "لأي اعتبار من الاعتبارات الصحية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أن يضبطا نسلهما فيحدداه بعدد معين من الأولاد دون أن يترتب على ذلك أية مسؤولية شرعية، ولهما أن يتوقفا عن الإنسال عن طريق استعمال موانع الحمل المؤقتة دون أن يترتب عليهما من جراء ذلك أية مسؤولية شرعية".
стр. 5318
وتكلم الدكتور علي شعبان عن تنظيم الأسرة في مصر وقال إن المشكلة أثيرت في الصحافة المصرية منذ عام ١٩٣٧ حين طلب إلى سماحة مفتي الديار المصرية الشيخ عبد المجيد سليم أن يدلي برأي واضح حول الموقف الديني في الإسلام إزاء منع الحمل والإجهاض من الناحيتين الطبية والاجتماعية ويتلخص جوابه فيما يلي:
١-للزوجين أن يتخذا الإجراءات الضرورية لمنع الحمل لأسباب طبية أو اجتماعية، وموافقة الطرفين كليهما ليست ضرورية.
٢-قبل مضي نحو ١٦ أسبوعًا على الحمل يمكن اتخاذ الإجراءات أو العقاقير للتهيئة للإجهاض دون تعرض الأم لأي خطر في حالة توفر إرشاد معقول.
٣-اتفق أئمة المسلمين بالإجماع على أنه لا يجوز مطلقًا إجراء الإجهاض بعد تلك الفترة.
وأشار الشيخ عبد الرحمن الدوكالي إلى رأي الإمام الغزالي الذي يقول إن منع الولد مباح ولا كراهة فيه لأنه يرى أن النهي إنما يكون بنص أو قياس على منصوص، ولا نص هنا في هذا الموضوع ولا أصل يقاس عليه، بل في الإباحة أصل يقاس عليه، وهو ترك الزواج أصلًا أو ترك المخالطة الجنسية بعد الزواج أو ترك التلقيح بعد المخالطة الجنسية، فإن كل ذلك مباح وليس فيه إلا مخالفة الأفضل. والدليل على ذلك ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ حين قال:"كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل" وهذا معناه أن الرسول لم ينه عن العزل، ثم ذكر الشيخ عبد الرحمن الدوكالي رأي الحنفية في إباحة منع الحمل برضا الزوجة وهو الأصل في المذهب أو برضا أحد الزوجين إذا خيف على الولد السوء من فساد الزمان، في رأي المتأخرين من فقهاء الحنفية الذين يأخذون بقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان، وأشار في شأن تحديد النسل إلى النصوص المختلفة التي ذكرها الشيخ محمود شلتوت في فتواه، ثم أبدى رأيه الخاص في القضية فقال" إن دين الإسلام ينشد الكثرة القوية لا الكثرة الهزيلة، وغير خاف أن الطب يقرر منع الحمل لدفع الضرر الذي يلحق الزوجة أو الأمة من جراء إطلاق الحرية في الإنجاب ".
стр. 5319
حكم الإسلام في استخدام وسائل منع الحمل:
ثم تركز البحث في المؤتمر على جانب منع الحمل عند بحث تنظيم الأسرة، وسعى كثير من الأعضاء إلى تفسير ذلك عن طريق الضرورة أو رفع الضرر أو الاجتهاد بما فيه المصلحة. وفي هذا الصدد قال الدكتور محمد سلام مدكور "إن الفقه الإسلامي بمذاهبه العديدة والآراء المختلفة كفيل بمسايرة الحياة المتطورة، وأصبح يعتمد على أسس قوية صالحة لتحمل كل جديد، منها إيثار مصلحة الجماعة إذا تعارضت مع مصلحة الفرد، وكان أكثر أحكام هذا الفقه وليد استنباط أفراد من المجتهدين". ثم أورد الدكتور مدكور أمثلة على هذه الأحكام المستنبطة منها مثلًا قولهم إنه يجوز للمرأة أن تسد فم الرحم منعًا لوصول ماء الرجل إليه بقصد منع الحمل، وقولهم إنه يجوز لها استعمال الدواء الذي يقطع النسل، ويجوز للمرأة أن تنفض النطفة من الرحم ما لم تستقر. ثم قال: إن القول الأول في جواز سد فم الرحم يندرج تحته ما تطورت إليه وسيلة العزل لمنع الحمل، فمن ذلك العجلة (الحاجز) التي تغطي عنق الرحم لتمنع اتصال الحيوان المنوي بالبويضة، ومنه أيضًا الحجاب المانع "الكبون" الذي يستعمله الرجل ليحول بين الحيوان المنوي والبويضة. ويندرج تحت قول الفقهاء الثاني عن استعمال الدواء ما وصل إليه التطور في إيجاد حبوب منع الحمل والحقن التي يدوم مفعولها عدة أشهر، ويندرج تحته أيضًا كل دواء تهتدي إليه البشرية لتنظيم الحمل دون الإضرار بالقدرة على النسل في الرجل والمرأة على السواء.
وقدم الدكتور علي شعبان بحثًا عن منع الحمل في الإسلام وقال إنه ليس في القرآن ما يؤيد منع الحمل أو يعارضه، وقال إن أبسط حالت منع الحمل هو خلال فترة الرضاع تفاديًا للغيل، وقال إن منع الحمل من المميزات للحضارة العربية الإسلامية فقد ذكره ابن البيطار وابن سينا وكانت الأدوية له معروفة. وكان الأطباء المسلمون في العصور الوسطى يعظون الناس بوسائل لمنع الحمل ومن ذلك أن أبا بكر الرازي قد شرح في كتابه "الحاوي" طرقًا مختلفة لمنع الحمل، وقال الرازي "إن من المهم أحيانًا منع المني من دخول الرحم حين يكون الحمل خطرًا على المرأة مثلًا وهناك عدة طرق لمنع دخوله" ونقل الدكتور علي شعبان ذكر الرازي لهذه الطرق، وأشار إلى قول علي بن العباس المجوسي في رسالة "كامل الصناعة الطبية في القرن العاشر" أن الأدوية التي تمنع الحمل وإن كان واجبًا ألا تذكر لئلا يستعملها بعض النساء السيئات السمعة، إلا أنه لا مفر من إعطائها النسوة ذوات الرحم الصغير أو اللائي يعانين مرضًا يجعل الحمل خطرًا إلى حد تعريض الحامل للموت أثناء الوضع.." وكذلك ابن سينا في كتابه "القانون" فإنه بحث في طرق منع الحمل. وأشاد الدكتور شعبان إلى اختلاف السياسة في البلاد الإسلامية بشأن تنظيم الأسرة، وإلى اختلاف المعارضة الدينية في هذه البلاد لمنع الحمل وتنظيم الأسرة، وطالب بضرورة انتهاج سياسة إجماعية وتعاون قوي بين البلاد الأسيوية لمعالجة هذه المشكلة الحيوية.
стр. 5320
وقال الدكتور الشرباصي إن منع الحمل قديم وحديث، وإن الغرض من العزل هو منع الحمل وذكر في هذا المجال فتوى لجنة الإفتاء في الأزهر التي جاء فيها أن استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتًا لا يحرم ولا سيما إذا خيف من كثرة الحمل أو ضعف المرأة من الحمل المتتابع بدون أن يكون بين الحمل والحمل فترة تستريح فيها المرأة وسترد صحتها. وأما استعمال دواء لمنع الحمل أبدا فهو حرام. وذكر أيضًا فتوى الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية التي جاء فيها "أنه يجوز أن تتخذ بعض الوسائل لمنع الحمل كإنزال الماء خارج محل المرأة أو وضع المرأة شيئًا يسد فم رحمها لمنع وصولا ماء الرجل إليه "وذكر كذلك ما كتب الشيخ محمود شلتوت ١٩٥٩ في هذا الموضوع حين قال "أما تحديد النسل بمعنى تنظيمه بالنسبة للسيدات اللواتي يسرع إليهن الحمل وبالنسبة لذوي الأمراض المتنقلة وبالنسبة للأفراد القلائل الذين تضعف أعصابهم من مواجهة المسؤوليات الكثيرة.. إن تنظيم النسل بشيء من هذا وهو تنظيم فردي لا يتعدى مجاله شأن علاجي، تدفع به أضرار محققة ويكون به النسل القوي الصالح، والتنظيم بهذا المعنى لا يجافي الطبيعة ولا يأباه الوعي القومي ولا تمنعه الشريعة إن لم تكن تطلبه وتحث عليه.
الدواعي الصحية والاجتماعية لتنظيم الأسرة:
تحدث الدكتور عبد الرحيم عمران عن دراسات له حول الأضرار التي تصيب الأسرة من جراء كثرة الأولاد عن غير تنظيم. وقد شملت هذه الدراسات عدة بلاد إسلامية منها مصر وسوريا ولبنان وتركيا وباكستان وإيران وأدت إلى نتائج مهمة في هذا الشأن ولا سيما فيما يتعلق بالأضرار التي تلحق بالأسرة والمجتمع، وعدد هذه الأضرار تحت الأبواب التالية:
١-الأضرار الصحية لأفراد الأسرة ولا سيما الأم والأطفال.
٢-الأضرار الاجتماعية والاقتصادية لأفراد الأسرة ولا سيما لرب الأسرة.
٣-الأضرار على مستوى المجتمع الذي تعيش فيه الأسرة.
وقد ذكر أن الأضرار الصحية لأفراد الأسرة تنتج عما يلي:
أ-قصر الفترة بين حمل وآخر خصوصًا إذا قلت عن عامين.
ب-زيادة عدد الولادات عن المتوسط المقبول خصوصًا إذا كانت الأم ضعيفة الصحة أصلًا أو كانت سيئة التغذية أو مصابة بأمراض مزمنة أو كانت مرهقة بالعمل أو صغيرة السن.
جـ-الحمل في سن مكبرة دون العشرين.
د-الغيل- وهو رضاعة طفل من لبن الحامل.
هـ-مرض وراثي أو معد يخشى أن ينتقل إلى الذرية.
стр. 5321
القلة والكثرة في الإسلام:
وفكرة كثرة النسل في الإسلام كانت من أهم المسائل التي تعرض لها الأعضاء، فذهب البعض إلى أنها متفقة مع أوامر الدين، لقول الرسول ﷺ : ((تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)) .
وذهب البعض الآخر إلى أنها تتوقف على أمور كثيرة، وليست الكثرة وحدها هي الأصل.
وذكر الدكتور عبد الرحيم عمران أن الإكثار من النسل يجب ألا يكون عاملًا على الإضرار بالمجتمع والأمة والأسرة، وأن استعمال وسائل منع الحمل تخدم الأغراض التالية:
١-تحديد حجم الأسرة حسب قدرة الوالدين على الإنفاق.
٢-المحافظة على صحة الأم وجمالها.
٣-تنشئة الآباء والبنات تنشئة صالحة.
٤-المباعدة بين حمل وآخر للمحافظة على صحة الأم والأولاد.
وتكلمت السيدة أمينة السعيد عن كثرة الأولاد وعن أسباب التقليل من هذه الكثرة عند كثير من الفقهاء وذكرتها فيما يلي:
١-ضعف المرأة عن تحمل الحمل بسبب عدم استعدادها له.
٢-مرض أحد الزوجين.
٣-الخشية على صحة المرأة من تكرار الحمل.
٤-عدم قدرة الأسرة على مواجهة ظروف الحياة.
٥-حرص المرأة على أن لا تفقد جمالها من كثرة الحمل.
وقالت عن الانفجار السكاني إنه من الطبيعي أن يفتح المسلمون الطريق لاتخاذ وجهة نظر معينة في تحديد النسل لإنقاذ البشرية، ودعت الفقهاء والمجتهدين إلى التفكير فيما فيه جلب المنفعة ودفع الضرر، وقالت إن الكثرة من الفقهاء تبيح تنظيم النسل قياسًا على العزل، وأوردت طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤيد ذلك.
стр. 5322
ثم أوردت السيدة أمينة السعيد شواهد أخرى مستقاة من المذاهب الإسلامية وقدمت إلى ذلك بقولها: "ونحن إذا انتقلنا بعد ذلك إلى المذاهب الإسلامية الكبرى ألفيناها جميعًا تقر العزل وتبيحه، ومعنى ذلك أنها تجيز تنظيم النسل ولا ترى فيه شيئًا محرمًا" ومن هذه الشواهد:
١- قول الإمام الغزالي الشافعي المذهب "اختلف العلماء في إباحة العزل وكراهته على أربعة مذاهب.. والصحيح عندنا أن ذلك مباح ".
٢-الأصل في الفقه الحنفي إباحة العزل باعتباره الوسيلة لمنع الحمل.
٣-فقهاء الحنابلة يذهبون أيضًا إلى إباحة العزل.
٤-فقهاء المذهب المالكي ينصون على جواز العزل لمنع الحمل.
٥-مذهب الزيدية ينص على إباحة العزل، وفيه أيضًا أن الإمام يحي بن زيد صرح بجواز العزل لمنع النسل.
٦-الشيعة الجعفرية. تبيح العزل لمنع الحمل.
٧-الشيعة الإسماعيلية لا تخرج على رأي الجعفرية في إباحة العزل استنادًا إلى القول "نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها".
٨-مذهب الإباضية يجيز العزل ويقول علماؤهم "إن العزل يباح للفرار من الولد خشية الغيل وإدخال الضرر على الرضيع".
وتناول السيد محمد النابلي بعد ذلك الكثرة والقلة في الأولاد فقال: "إن الإسلام لا تعجبه الكثرة الهزيلة الواهية، ولا يقيم لارتفاع نسبتها وزنا. ولا يتخذ منها النبي الكريم سببًا للمباهاة بها، بل بالعكس تمقت الشريعة مثل هذه الكثرة الضعيفة كما ورد في "دلائل النبوة" عن النبي ﷺ قوله: ((توشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)) . فقال "أومن قلة نحن يومئذ؟ " قال: ((لا، بل أنتم كثرة ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن)) . قال قائل "وما الوهن يا رسول الله" قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) .
стр. 5323
وأردف السيد محمد النابلي يقول "إن الدين في الوقت الذي حث فيه على كثرة النسل إنماء للأمة وتكوينًا لقوتها، قضي بصيانة هذه الكثرة من الضعف، ومن أن تكون غثاء كغثاء السيل".
وقال عن السبيل إلى الكثرة القوية أن "السبيل إلى هذا هو تنظيم النسل تنظيمًا يحفظ له قوته ونشاطه ويحفظ للأمة قوتها. والتنظيم في النسل على أساس منع الحمل مشروع في كتاب "نهاية المحتاج" للإمام شمس الدين الرملي الشافعي".
ثم قال السيد محمد النابلي "إن تنظيم النسل لتحقيق مصلحة الأفراد ولرفع مستوى الحياة للفرد وللمجتمع لا يمكن أن يكون فيه ما يتعارض مع الدين لأن تلك الأهداف هي أصلًا أهداف دينية أيضًا ويرى الإمام الغزالي أن منع الولد مباح ولا كراهة فيه؛ لأن النهي إنما يكون بنص أو قياس عليه وترك الزواج أصلًا أو ترك المخالطة الجنسية بعد الزواج أو ترك التلقيح بعد المخالطة فكل ذلك مباح".
ثم ذكر السيد النابلي إن إباحة التنظيم مشار إليها في القرآن الكريم فقد روي عن الإمام الشافعي أنه فسر قوله تعالى "فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" سورة النساء ٣ بأن القصد "ألا تعدلوا" هو أن لا تكثروا من عيالكم وهو ما وافق عليه الفخر الرازي، وهذا دليل على أن تنظيم النسل بحيث لا يكثر، داخل ضمنًا في معنى هذه الآية، كما أن إباحة التنظيم موجودة في قول الإمام علي ﵁ "قلة العيال أحد اليسارين وكثرة العيال أحد الفقرين" ثم أورد السيد محمد النابلي بعد ذلك أقوال الأئمة والفقهاء في العزل وفي إباحته كما ذكر خطبة عمرو بن العاص في يوم الجمعة التي قال فيها "إياكم وخلالا أربعًا، فإنها تدعوا إلى التعب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة وإلى الذل بعد العز.. إياكم وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال والقيل والقال".
وذكر الشيخ محمد المبارك عبد الله بأن الإسلام أقر التنظيم في أول العهد وذلك بتنظيم فترات الحمل وبالسماح بالعزل، وقال إنه لا فائدة من الحمل إذا كان في ذلك إضرار بالوالد أو الوالدة أو الأمة أو المجتمع، وأورد في الحض على عدم التكثير من النسل قول النبي ﷺ "ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل لخفة الحال كما يغبط اليوم أبو العشرة".
стр. 5324
وأورد أيضًا أن النبي ﷺ كان يكثر من الدعاء الآتي: ((اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء)) فقيل له "وما جهد البلاء يا رسول الله؟ قال: ((قلة المال وكثرة العيال)) . ومما يذكر عن الإمام أبي حنيفة أنه كان يوصي تلميذه أبا يوسف بما يلي "لا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائج المرأة، وإياك أن تشغل بالنساء قبل تحصيل العلم فيضيع وقتك ويجتمع عليك الولد ويكثر عيالك، فإن كثرة العيال تشوش البال". ثم قال شيخ المبارك: ولا خير في كثرة النسل مع ضعف في الأجسام والنفوس والعقول والأخلاق فقد عاب رسول الله ﷺ الكثرة مع الضعف والخور والتفكك حين قال: ((توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)) .
وفسر الدكتور حسين أتاي معنى تنظيم الحياة العائلية بأنه الحصول على الأولاد الأصحاء والأقوياء وليس الحصول على الكثرة منهم لمجرد الكثرة، وأشار إلى أن الظروف لها أحكام، وأن الإجماع يمكن أن يعاد النظر فيه حسب الظروف، وأن أي قرار يتخذ الآن لا يجوز أن يكون ملزمًا في المستقبل لأن الظروف قد تتغير.
وكرر هذه الفكرة الدكتور لطفي دوغان الذي قال" الأسرة لا تكون في حالة حسنة إذا عاشت في بؤس وشقاء، مع كثرة الأولاد وعدم القدرة المالية، فعليها أن ترسم وتخطط لتحديد عدد الأولاد قدر الاستطاعة. كما فسر الحديث النبوي "تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" بأن فيه إشارة إلى كثرة الأولاد، ولكن الغاية منه هي أن تربي ولدًا صالحًا، مؤمنا بالله ورسوله، قويًا بعقله وبدنه، والكثرة هي الكثرة الصالحة. وهذا ما قاله الشيخ إبراهيم الدسوقي مرعي بأن الكثرة هي بالكيف لا بالكم.
стр. 5325
وقال الدكتور عبد الرحيم عمران إن التنظيم في عدد الأولاد في الأسرة يعود بالنفع على المجتمع الإسلامي وعلى الأمة الإسلامية من نواح عديدة، ولا سيما إذا روعيت أيضًا الشئون الوراثية والجنينية لقيام جيل صحيح العقل والجسم وهذا لا يحدث إلا بتقليل الحمل، وفي الإسلام أقوال ثابتة تدعو إلى الاحتراس من كثرة العيال وتدعو إلى القلة القوية المنيعة، وأورد شواهد على ذلك من القرآن الكريم والحديث الشريف، ففي القرآن الكريم قوله تعالى "إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ" سورة الأنفال ٦٥.
وفي الحديث الشريف "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا" وكذلك "يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وولده وأبويه يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطيق، فيدخل المداخل التي ذهب فيها دينه فيهلك". وفي الحديث أيضًا "أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ" أي قليل العيال "ذو حظ من صلاة". والحديث الشريف "التدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين". ويقول ابن عباس "كثرة العيال أحد الفقرين وقلة العيال أحد اليسارين " فالفكرة إذًا تدور حول فائدة كثرة العيال في الحقيقة، وهل هي مقياس للعزة والقوة والمنعة؟ ومع العلم بأن هذا المقياس لا يتوقف على العدد العديد وإنما على العلم والفن والفقه والإيمان ولو كان العدد قليلًا، وذكر الدكتور خلوق شيلوف أن إمكان التنمية الاقتصادية منوط بإيجاد حلول لمشكلات الأسرة ودعا إلى رأي صريح بأن الإسلام يؤيد تنظيم الأسرة وقال إن قانون تنظيم الأسرة في تركيا منذ ١٩٦٥ جرى تطبيقه باختيار الأسرة حتى يكون هناك ترابط بين التنمية وزيادة السكان ومن ذلك تحديد عدد الأبناء حسب رغبتها.
وأشار الدكتور عبد السلام عظيمي في هذه المناسبة إلى قوله تعالى: "لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً" الآية ٢١ من سورة الروم.