القلة والكثرة في الإسلام:
وفكرة كثرة النسل في الإسلام كانت من أهم المسائل التي تعرض لها الأعضاء، فذهب البعض إلى أنها متفقة مع أوامر الدين، لقول الرسول ﷺ : ((تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)) .
وذهب البعض الآخر إلى أنها تتوقف على أمور كثيرة، وليست الكثرة وحدها هي الأصل.
وذكر الدكتور عبد الرحيم عمران أن الإكثار من النسل يجب ألا يكون عاملًا على الإضرار بالمجتمع والأمة والأسرة، وأن استعمال وسائل منع الحمل تخدم الأغراض التالية:
١-تحديد حجم الأسرة حسب قدرة الوالدين على الإنفاق.
٢-المحافظة على صحة الأم وجمالها.
٣-تنشئة الآباء والبنات تنشئة صالحة.
٤-المباعدة بين حمل وآخر للمحافظة على صحة الأم والأولاد.
وتكلمت السيدة أمينة السعيد عن كثرة الأولاد وعن أسباب التقليل من هذه الكثرة عند كثير من الفقهاء وذكرتها فيما يلي:
١-ضعف المرأة عن تحمل الحمل بسبب عدم استعدادها له.
٢-مرض أحد الزوجين.
٣-الخشية على صحة المرأة من تكرار الحمل.
٤-عدم قدرة الأسرة على مواجهة ظروف الحياة.
٥-حرص المرأة على أن لا تفقد جمالها من كثرة الحمل.
وقالت عن الانفجار السكاني إنه من الطبيعي أن يفتح المسلمون الطريق لاتخاذ وجهة نظر معينة في تحديد النسل لإنقاذ البشرية، ودعت الفقهاء والمجتهدين إلى التفكير فيما فيه جلب المنفعة ودفع الضرر، وقالت إن الكثرة من الفقهاء تبيح تنظيم النسل قياسًا على العزل، وأوردت طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤيد ذلك.
стр. 5322
ثم أوردت السيدة أمينة السعيد شواهد أخرى مستقاة من المذاهب الإسلامية وقدمت إلى ذلك بقولها: "ونحن إذا انتقلنا بعد ذلك إلى المذاهب الإسلامية الكبرى ألفيناها جميعًا تقر العزل وتبيحه، ومعنى ذلك أنها تجيز تنظيم النسل ولا ترى فيه شيئًا محرمًا" ومن هذه الشواهد:
١- قول الإمام الغزالي الشافعي المذهب "اختلف العلماء في إباحة العزل وكراهته على أربعة مذاهب.. والصحيح عندنا أن ذلك مباح ".
٢-الأصل في الفقه الحنفي إباحة العزل باعتباره الوسيلة لمنع الحمل.
٣-فقهاء الحنابلة يذهبون أيضًا إلى إباحة العزل.
٤-فقهاء المذهب المالكي ينصون على جواز العزل لمنع الحمل.
٥-مذهب الزيدية ينص على إباحة العزل، وفيه أيضًا أن الإمام يحي بن زيد صرح بجواز العزل لمنع النسل.
٦-الشيعة الجعفرية. تبيح العزل لمنع الحمل.
٧-الشيعة الإسماعيلية لا تخرج على رأي الجعفرية في إباحة العزل استنادًا إلى القول "نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها".
٨-مذهب الإباضية يجيز العزل ويقول علماؤهم "إن العزل يباح للفرار من الولد خشية الغيل وإدخال الضرر على الرضيع".
وتناول السيد محمد النابلي بعد ذلك الكثرة والقلة في الأولاد فقال: "إن الإسلام لا تعجبه الكثرة الهزيلة الواهية، ولا يقيم لارتفاع نسبتها وزنا. ولا يتخذ منها النبي الكريم سببًا للمباهاة بها، بل بالعكس تمقت الشريعة مثل هذه الكثرة الضعيفة كما ورد في "دلائل النبوة" عن النبي ﷺ قوله: ((توشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)) . فقال "أومن قلة نحن يومئذ؟ " قال: ((لا، بل أنتم كثرة ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن)) . قال قائل "وما الوهن يا رسول الله" قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) .
стр. 5323
وأردف السيد محمد النابلي يقول "إن الدين في الوقت الذي حث فيه على كثرة النسل إنماء للأمة وتكوينًا لقوتها، قضي بصيانة هذه الكثرة من الضعف، ومن أن تكون غثاء كغثاء السيل".
وقال عن السبيل إلى الكثرة القوية أن "السبيل إلى هذا هو تنظيم النسل تنظيمًا يحفظ له قوته ونشاطه ويحفظ للأمة قوتها. والتنظيم في النسل على أساس منع الحمل مشروع في كتاب "نهاية المحتاج" للإمام شمس الدين الرملي الشافعي".
ثم قال السيد محمد النابلي "إن تنظيم النسل لتحقيق مصلحة الأفراد ولرفع مستوى الحياة للفرد وللمجتمع لا يمكن أن يكون فيه ما يتعارض مع الدين لأن تلك الأهداف هي أصلًا أهداف دينية أيضًا ويرى الإمام الغزالي أن منع الولد مباح ولا كراهة فيه؛ لأن النهي إنما يكون بنص أو قياس عليه وترك الزواج أصلًا أو ترك المخالطة الجنسية بعد الزواج أو ترك التلقيح بعد المخالطة فكل ذلك مباح".
ثم ذكر السيد النابلي إن إباحة التنظيم مشار إليها في القرآن الكريم فقد روي عن الإمام الشافعي أنه فسر قوله تعالى "فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" سورة النساء ٣ بأن القصد "ألا تعدلوا" هو أن لا تكثروا من عيالكم وهو ما وافق عليه الفخر الرازي، وهذا دليل على أن تنظيم النسل بحيث لا يكثر، داخل ضمنًا في معنى هذه الآية، كما أن إباحة التنظيم موجودة في قول الإمام علي ﵁ "قلة العيال أحد اليسارين وكثرة العيال أحد الفقرين" ثم أورد السيد محمد النابلي بعد ذلك أقوال الأئمة والفقهاء في العزل وفي إباحته كما ذكر خطبة عمرو بن العاص في يوم الجمعة التي قال فيها "إياكم وخلالا أربعًا، فإنها تدعوا إلى التعب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة وإلى الذل بعد العز.. إياكم وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال والقيل والقال".
وذكر الشيخ محمد المبارك عبد الله بأن الإسلام أقر التنظيم في أول العهد وذلك بتنظيم فترات الحمل وبالسماح بالعزل، وقال إنه لا فائدة من الحمل إذا كان في ذلك إضرار بالوالد أو الوالدة أو الأمة أو المجتمع، وأورد في الحض على عدم التكثير من النسل قول النبي ﷺ "ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل لخفة الحال كما يغبط اليوم أبو العشرة".
стр. 5324
وأورد أيضًا أن النبي ﷺ كان يكثر من الدعاء الآتي: ((اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء)) فقيل له "وما جهد البلاء يا رسول الله؟ قال: ((قلة المال وكثرة العيال)) . ومما يذكر عن الإمام أبي حنيفة أنه كان يوصي تلميذه أبا يوسف بما يلي "لا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائج المرأة، وإياك أن تشغل بالنساء قبل تحصيل العلم فيضيع وقتك ويجتمع عليك الولد ويكثر عيالك، فإن كثرة العيال تشوش البال". ثم قال شيخ المبارك: ولا خير في كثرة النسل مع ضعف في الأجسام والنفوس والعقول والأخلاق فقد عاب رسول الله ﷺ الكثرة مع الضعف والخور والتفكك حين قال: ((توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)) .
وفسر الدكتور حسين أتاي معنى تنظيم الحياة العائلية بأنه الحصول على الأولاد الأصحاء والأقوياء وليس الحصول على الكثرة منهم لمجرد الكثرة، وأشار إلى أن الظروف لها أحكام، وأن الإجماع يمكن أن يعاد النظر فيه حسب الظروف، وأن أي قرار يتخذ الآن لا يجوز أن يكون ملزمًا في المستقبل لأن الظروف قد تتغير.
وكرر هذه الفكرة الدكتور لطفي دوغان الذي قال" الأسرة لا تكون في حالة حسنة إذا عاشت في بؤس وشقاء، مع كثرة الأولاد وعدم القدرة المالية، فعليها أن ترسم وتخطط لتحديد عدد الأولاد قدر الاستطاعة. كما فسر الحديث النبوي "تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" بأن فيه إشارة إلى كثرة الأولاد، ولكن الغاية منه هي أن تربي ولدًا صالحًا، مؤمنا بالله ورسوله، قويًا بعقله وبدنه، والكثرة هي الكثرة الصالحة. وهذا ما قاله الشيخ إبراهيم الدسوقي مرعي بأن الكثرة هي بالكيف لا بالكم.
стр. 5325
وقال الدكتور عبد الرحيم عمران إن التنظيم في عدد الأولاد في الأسرة يعود بالنفع على المجتمع الإسلامي وعلى الأمة الإسلامية من نواح عديدة، ولا سيما إذا روعيت أيضًا الشئون الوراثية والجنينية لقيام جيل صحيح العقل والجسم وهذا لا يحدث إلا بتقليل الحمل، وفي الإسلام أقوال ثابتة تدعو إلى الاحتراس من كثرة العيال وتدعو إلى القلة القوية المنيعة، وأورد شواهد على ذلك من القرآن الكريم والحديث الشريف، ففي القرآن الكريم قوله تعالى "إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ" سورة الأنفال ٦٥.
وفي الحديث الشريف "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا" وكذلك "يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وولده وأبويه يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطيق، فيدخل المداخل التي ذهب فيها دينه فيهلك". وفي الحديث أيضًا "أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ" أي قليل العيال "ذو حظ من صلاة". والحديث الشريف "التدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين". ويقول ابن عباس "كثرة العيال أحد الفقرين وقلة العيال أحد اليسارين " فالفكرة إذًا تدور حول فائدة كثرة العيال في الحقيقة، وهل هي مقياس للعزة والقوة والمنعة؟ ومع العلم بأن هذا المقياس لا يتوقف على العدد العديد وإنما على العلم والفن والفقه والإيمان ولو كان العدد قليلًا، وذكر الدكتور خلوق شيلوف أن إمكان التنمية الاقتصادية منوط بإيجاد حلول لمشكلات الأسرة ودعا إلى رأي صريح بأن الإسلام يؤيد تنظيم الأسرة وقال إن قانون تنظيم الأسرة في تركيا منذ ١٩٦٥ جرى تطبيقه باختيار الأسرة حتى يكون هناك ترابط بين التنمية وزيادة السكان ومن ذلك تحديد عدد الأبناء حسب رغبتها.
وأشار الدكتور عبد السلام عظيمي في هذه المناسبة إلى قوله تعالى: "لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً" الآية ٢١ من سورة الروم.
стр. 5326
وقال: "إن الاطمئنان القلبي أو السكن مع الراحة والمودة التامة لا يمكن أن يوجد في بيت يعيش فيه عد كبير من الأولاد والأطفال". ولعل الدكتور عظيمي كان يشير هنا إلى ضرورة تحديد النسل عند الحاجة، فإن الكثرة أو التكاثر في الحديث الشريف "تناكحوا تكاثروا.." لا يجوز أن تعني الكثرة من حيث هي بل تعني الكثرة مع صلاح النسل حتى تستطيع الأسرة أن تعيش عيشة فضلى. وأباح العزل لأجل هذا التنظيم. ثم قال: "إنني أرى أن الأليق بالأمة الإسلامية، كما هو واضح من روح الشريعة الإسلامية أن تتبع فكرة تحديد النسل، ومعنى هذا مراعة ظروف كل أسرة وكل أمة ومقتضياتها الخاصة".
وأشار السيد محمد ظفار إلى تنظيم الأسرة والكثرة بقوله: "ما من أحد ينكر فوائد الحياة العائلية المنظمة، والواقع أن إنجاب أولاد أكثر أو أقل إنما يعتمد على الأوضاع والظروف، فأحيانا. تجب زيادة عدد السكان، كما يجب إنقاصهم في أحيان أخرى لحفظ التوازن، ولدينا قواعد لكلتا الحالتين في كتب الفقه الإسلامي".
وأشار كذلك الدكتور قيصر أديب ماجول إلى الكثرة والقلة في الأولاد وأوضح في هذا الصدد أن الآيات القرآنية التي تدعو إلى تقليل السكان أو تكثيرهم يجب أن تدرس بالنظر إلى الظروف التي نزلت فيها هذه الآيات. وأشار عند الكلام عن التخلف في المجتمعات الإسلامية وعن أن الإسلام غير مسؤول عن ذلك فقال: "إن المسلمين في الفيلبين يتأخرون بسبب الفقر والجهل وسوء الأحوال الصحية، وإنهم يحتاجون إلى التوعية أكثر من احتياجهم إلى الكثرة".
مركز الدراسات السكانية في الأزهر الشريف:
تكلم الدكتور عصام الناظر المدير الطبي والإداري لمنطقة الشرق الأوسط في الاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية عن موضوع مهم وهو إنشاء مركز الدراسات السكانية في الأزهر والذي يجري البحث فيه. وجاء الكلام عن هذا الموضوع المهم في معرض المناقشات التي جرت بين أعضاء المؤتمر حول ضرورة وجود دراسات علمية للمجتمع الإسلامي من ناحية وللأسرة المسلمة من ناحية أخرى، وحول احتمال اضطلاع الأزهر الشريف بإعداد تلك الدراسات من خلال هذا المركز. وذكر الدكتور الناظر أن برقية وردت إليه إلى الرباط من هيئة الأمم المتحدة تطلب فيها منحها فرصة للتحدث إلى أعضاء المؤتمر عن المشروع، وهذا نص البرقية.
стр. 5327
هيلتون – الرباط.
الدكتور عصام الناظر المدير الطبي والإداري لمنطقة الشرق الأوسط في الإتحاد العالمي لتنظيم الوالدية.
المشاورات الأخيرة للأمم المتحدة مع الحكومة المصرية. تشير إلى اهتمام مصر بعرض المشروع المقدم إلى صندوق الأمم المتحدة للنشاطات السكانية من قبل الأزهر لإنشاء معهد للأبحاث والدراسات الإقليمية للسكان. الصندوق مهتم مبدئيًا بمشروع الأزهر، بنود المشروع المقترح يمكن أن تشتمل على توفير الإمكانات للبحوث المخططة لتمكين الأزهر من تنسيق الأبحاث السكانية في المجتمعات الإسلامية، وتوفير إمكانية ترجمة المستندات والدراسات إلى جميع لغات الشعوب الإسلامية، ونشر المعلومات عن الأنماط السكانية وتوزيعها وبرامج تدريبية لتعليم الطلاب المسلمين في الأزهر وخارجه وإنشاء مكتبة. كما أكدت محادثة قريبة العهد مع وزير الأوقاف في القاهرة ما ورد أعلاه.
ويشير الصندوق في مؤتمر الاتحاد العالمي لتنظيم الأسرة بالرباط إلى أن المباحثات جارية حول إمكانية إخراج المشروع إلى حيز الوجود وأنه يرحب بالاقتراحات من أعضاء المؤتمر حول أبعاد العمل وبرنامجه في مؤسسات كهذه.
ثم أشار الدكتور الناظر إلى وجود السيد شدي الهنيدي في قاعة المؤتمر وهو المسؤول عن برامج الدراسات السكانية في منطقة أفريقيا والشرق الأوسط، وطلب إلى أعضاء المؤتمر أن يسمحوا للسيد الهنيدي بأن يقدم بيانًا يعرض فيه طلب الأزهر من صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية إنشاء مركز فيه للدراسات السكانية، وبعد موافقة الأعضاء على ذلك ألقى السيد الهنيدي هذه الكلمة.
стр. 5328
منذ زمن طويل ومشكلة تزايد الأعداد مع ضآلة الموارد تؤرق رب الأسرة في معاشه كما تؤرق الحكومات التي تحاول جاهدة أن تزيد ميزانياتها القومية. بيد أن الاهتمام العالمي بالزيادة السريعة في عدد سكان العالم، بالمقارنة مع الموارد المتاحة، يعتبر وليد اليوم. ويرجع هذا الاهتمام إلى التزايد السريع في معدل النمو السكاني منذ عام ١٩٠٠.
منذ بداية هذا القرن، بلغ عدد سكان العالم المسجلين نحو ١.٧ بليون نسمة. وقد ارتفع هذا العدد حتى بلغ ٢.٥ بليون نسمة عام ١٩٥٠، وفيما بين عامي ١٩٥٠ و ١٩٧٠، قفز هذا الرقم إلى ٣.٦ بليون نسمة. ومن الثابت أن ما يقرب من ٢.٥ بليون نسمة يعيشون في المناطق ذات الدخل المنخفض.
ولعل ما يتنبأ به الخبراء من تضاعف عدد السكان في أواخر القرن الحالي، يركز الضوء على المعضلة المحيرة التي تواجه البلدان النامية التي لم تتمكن حتى الآن. وبالرغم من عمليات التنمية الاقتصادية التي تجري فيها، لم تتمكن من الوفاء بالضروريات الأساسية للعيش الكريم، وما من شك في أن احتمال تضاعف عدد السكان الذين سيتعين إطعامهم وإسكانهم وتعليمهم وتوفير فرص العمل لهم، احتمال لا يبعث على الاطمئنان، وبخاصة إذا نظرنا إلى الوضع الراهن، حيث يعاني ملايين البشر من نقص التغذية، وضآلة الخدمات التعليمية والطبية، وانتشار البطالة.
ولقد تبنت الأمم المتحدة قضية الشعوب الفقيرة، فأعدت برامج لم يسبق لها مثيل تستهدف مساعدة الحكومات على رفع المستويات المعيشية لشعوبها، وبناء اقتصاديات متينة قوية تستطيع الاعتماد على نفسها. بيد أن الأمم المتحدة ما لبثت أن تصدت لتحد أكبر من هذا وأعظم شأنا، فأصبحت تهدف إلى دفع جهود التنمية الدولية على أوسع نطاق، حيث يتسنى تعميم مزايا الحياة المتحضرة بين البشر جميعًا في أقصر وقت ممكن. وإحداث تحسن في مستوى المعيشة على وجه الأرض.
стр. 5329
وهكذا أصبحت البرامج السكانية من العوامل الجوهرية في نجاح مثل هذه الجهود، ولهذا الغرض، أنشئ صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية لمساعدة البلدان النامية على تنفيذ البرامج السكانية، وتوسيع نطاق عمل أجهزة الأمم المتحدة في هذا الميدان.
وقد أنشأ السكرتير العام للأمم المتحدة هذا الصندوق عام ١٩٦٧، استجابة منه لقرارات الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي في هذا الشأن، وبذلك أتيحت للحكومات والهيئات والأفراد فرصة تقديم التبرعات حتى تتضافر الجهود الدولية مع الجهود الوطنية في مجال السكان.
وفي الواقع، أن أسرة الأمم المتحدة قد اعترفت منذ زمن طويل بالعلاقة الوثيقة بين النمو السكاني وعملية التنمية، ولكنها فيما مضى، كانت تقدم مساعداتها في هذا الميدان في إطار التزاماتها الأخرى، فكانت الأمم المتحدة ووكالتها المتخصصة، تدرج بعض النواحي السكانية في البرامج المتعلقة بالعمالة والزراعة والتعليم والصحة.
ويلعب صندوق السكان دور العامل المساعد المنفذ، حيث يوفر الموارد اللازمة لتمويل الأنشطة السكانية الجارية عن طريق تنفيذ بعض المشروعات السكانية الكبرى الجديدة، والعمل على تنسيق جهود الأمم المتحدة، وإطلاع الحكومات على مختلف أنواع المساعدات التي يمكن تقديمها لها.
وقد بدأ الصندوق أيضًا في الاضطلاع بدور هام في التنسيق بين برامج الأمم المتحدة، والبرامج التي تقوم على تنفيذها هيئات ثنائية أو حكومية أو خاصة.
واليوم يمول الصندوق ٤٠٠ مشروع في ٦١ دولة من أعضاء الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن يزداد عدد مثل هذه المشروعات في السنوات القادمة. وقد بلغت جملة موارد الصندوق من التبرعات في عام ١٩٧١ ما يقرب من ٢٥ مليون دولار، ينتظر أن تصل في عام ١٩٧٢ إلى ما بين ٤٠ و ٤٥ مليون دولار.
стр. 5330
ولو أننا نظرنا إلى معدل نمو السكان في معظم البلدان الإسلامية لوجدنا أن نسبته تبلغ في المتوسط نسبة ٣ % وربما أكثر، وذلك في مقابل نسبة ٨ % في أوروبا، ونحو ٢ % بالنسبة للعالم ككل، وفي الحقيقة أن قلة الدراسات والبحوث والبيانات العلمية المتعلقة بمشكلات السكان في الدول الإسلامية، تؤكد الحاجة إلى بذل جهود نشيطة في هذا المضمار. وقد رأت جامعة الأزهر في جمهورية مصر العربية، حيث أن الدول الإسلامية في العالم متباعدة جغرافيًا، أنها - أي جامعة الأزهر- ربما استطاعت القيام بدور نافع في تنسيق البحوث والدراسات السكانية، وتدريب الأفراد على الأنشطة السكانية.
ومثل هذه الدراسات يمكن أن تكون بمثابة مصدر للمعلومات الأساسية، ومن شأنها أن تساعد خبراء التخطيط في كافة نواحي التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ويعتقد الأزهر أن ثمة حاجة إلى القيام بدراسات تستهدف تحديد العوامل الأساسية التي تتحكم في مستوى دخل الفرد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. ومستوى الإنتاج الفردي في تلك المجتمعات، ونسبة التعليم فيها، وغير ذلك من الخصائص المشتركة بين المجتمعات المسلمة. وهناك بالإضافة إلى ناحية البحث الحاجة إلى توفير الأفراد المدربين اللازمين لتنفيذ البرامج السكانية، وذلك عن طريق التدريب والتعليم على الصعيد الرسمي، والصعيد غير الرسمي.
وفي ضوء هذه الاعتبارات، طلبت جامعة الأزهر من صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية أن يقدم لها المساعدات المالية والفنية اللازمة لإنشاء مركز إقليمي مشترك للأبحاث والدراسات لمواجهة احتياجات الدول الإسلامية في جميع أنحاء العالم.
стр. 5331
وتعلمون جميعًا أن عدد طلبة العلم في جامعة الأزهر يبلغ نحو ٣٠.٠٠٠ طالب يمثلون ٧١ جنسية إسلامية، وفضلًا عن ذلك فإن جامعة الأزهر هي أقدم جامعات العالم، وستحتفل بعيدها الألفي في النصف الأول من عام ١٩٧٢: غير أنها بالإضافة إلى ذلك عملت في السنوات العشر الأخيرة على توسيع نشاطاتها وخدماتها، لتشمل فروع العلم الدنيوية إلى جانب العلوم الدينية، وفيها الآن كليات للطب، والهندسة، والقانون، والاقتصاد، والتجارة، والزراعة. . . إلخ.
ورغم أنها لا تزال تثقف كل طلبتها بتعاليم الدين الأساسية، فإنها ماضية في النهوض بتدريب العلوم الحديثة.
ولقد أدرك صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية أن جامعة الأزهر قادرة على القيام بهذا النشاط الدولي المقترح، فأوفد في الفترة الأخيرة إلى جمهورية مصر العربية بعثة تباحثت مع السيد الدكتور عبد العزيز كامل، وزير الأوقاف وشؤون الأزهر: وقد تم الاتفاق على أن يبحث الصندوق إمكانيات إنشاء المركز المقترح في نطاق الأزهر: كما أعرب السيد الوزير عن استعداد حكومته لاستضافة هذا المركز في أراضيها، كما أكد استعدادها لتأييد إنشاء مثل هذا المركز الدولي المشترك للبحوث والدراسات السكانية.
وترى جامعة الأزهر أن يؤدي المركز المقترح الخدمات التالية، على سبيل المثال:
١-إعداد برنامج للدراسات العليا لتثقيف خريجي الكليات المختلفة بالتغيرات السكانية في المجتمعات الإسلامية، ومثل هذا البرنامج سيضمن أيضًا توفير البعثات الدراسية، وتقديم العون للكليات، وتطوير مناهج الدراسة لإعداد برامج تعنى بالاحتياجات التدريبية في الأمد القصير وفي الأمد الطويل، بما في ذلك وضع برنامج للتدريب الرسمي للحصول على درجة الدبلوم في الحركات السكانية الإسلامية.
стр. 5332
٢-تتوافر للمركز ميزانية خاصة لتمويل البحوث، بغية تشجيع البحوث المشتركة بين عدة دول، وكذلك البحوث في نطاق جامعة الأزهر، وحيث إن هذا المركز سيقوم بدور الأمين على هذه الأنشطة والبحوث والتنسيق المركزي بينها، فإنه سيكلف أيضًا بمسؤولية نشر وتوزيع نتائج هذه البحوث وغير ذلك من المواد المتعلقة بالأنشطة السكانية.
٣-ولكي يتمكن المركز من نشر نتائج البحوث والمواد السكانية التي تعود بالنفع المشترك على المجتمعات الإسلامية على الصعيد العالمي، فستعمل الترتيبات اللازمة لإنشاء وحدة ترجمة لنشر مثل هذه المعلومات في أنحاء العالم بجميع لغات الشعوب الإسلامية المختلفة.
٤-وسيقوم المركز بتقديم الخدمات الاستشارية للدول الإسلامية في مجالات بحوث الإدارة والعمليات، وتنظيم البرامج السكانية والتقييم وغير ذلك من الأنشطة المتعلقة بالسكان حسب الحاجة.
٥-وبالإضافة إلى ذلك سيعقد المركز حلقات دراسية وندوات ومؤتمرات في مختلف دول العالم، فيتيح بذلك الفرصة لاجتماع علماء المسلمين وخبرائهم للتباحث في المشكلات السكانية والتنموية، وإيجاد الحلول لها.
ولما كان صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية يدرك أهمية قيام مثل هذا المركز للبحوث والدراسات السكانية فقد وافق من حيث المبدأ على مساندة هذا المشروع. ولذا فهو يرحب بآراء السادة أعضاء هذا المؤتمر فيما يتعلق بهذا الاقتراح، كما يرحب باقتراحاتهم لتحضير برنامج عمل مثل هذا المركز، وأنواع التدريب فيه، وكذلك فيما يتعلق بالمجالات والمشكلات التي يستحسن أن تكون لها الأولوية في البحث.
ويسر صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية أن يتلقى اقتراحاتهم التي نرجو أن ترسل مباشرة إلى المركز الرئيسي للصندوق في نيويورك.
ثم جرت مناقشة بين أعضاء المؤتمر حول الموضوع، وقدم أعضاء المؤتمر اقتراحات لهم بشأن المركز. ومن ذلك أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين اقترح أن يكون العلماء الباحثون في هذا المركز من المسلمين وأن يكون الجانب الديني لا الدنيوي من الأزهر الشريف هو الذي يقوم بالتعاقد، وأنه لابد للخبراء بعد إنجاز أبحاثهم من الاتفاق مع الأجهزة الدينية المعترف بها في العالم الإسلامي؛ لأجل التأكد من أن ما يصدرونه متفق مع الأحكام الشرعية.
стр. 5333
الشبهات حول تنظيم الأسرة:
وقد أجمل الدكتور سليمان حزين صورة عن الأزهر الشريف وعن علاقته بموضوع مركز الدراسات السكانية، فقال:
فيما يتعلق بالمركز المقترح إنشاؤه في الأزهر الشريف فقد كان من حسن حظي ومن نعمة الله علي أن أكون أول من وضع يده في قانونه الجديد، ولا تزال لدي المسودات، ففي عام ١٩٦٠ ائتمنتني الدولة على أن أضع مع زميل لي انتقل إلى رحمة الله مشروعًا لتنظيم الأزهر الجديد يربط بين الأزهر بصورته القديمة، وبين العلم الحديث. لقد حرصت غاية الحرص على أن يأتي المشروع متكاملًا بحيث لا تبقى في الأزهر الشريف كلية تعنى بالدراسات القديمة وحدها. ولا تكون فيه كلية تعنى بالدراسات الحديثة وحدها. حرصت على أن يجمع طالب الأزهر الشريف بين الثقافتين الدينية والدنيوية.
وسينشأ المركز المقترح متواضعًا في البدء على شكل وحدة قد تتطور فيما بعد إلى مركز، والمركز إلى معهد، وعلى أنني أتفق مع الأستاذ شمس الدين على أنه ليس لهذا المؤتمر أن يشير على الأزهر بشيء ولا أن يلفت نظر الأزهر إلى أن مثل هذا المركز يجب أن يحتفظ بالطابع الإسلامي؛ لأن في هذا تعريضًا بقدرة الأزهر على رعاية شؤونه أو قدرة جامعة الأزهر على رعاية شؤونها، ولهذا فإنني لا أرى إطلاقًا إلى الإشارة إلى هذا، وإنما أرى أن يتكرر أمره كله للأزهر، وهو قادر على أن يقوم على شؤونه بنفسه: وعلينا أن نطمئن إلى أن جامعة الأزهر في صورتها الجديدة جامعة دينية تسعى إلى أن تجمع بين القديم والجديد، وأنها تحرص على أن يكون أي مركز ينشأ فيها ذا طابع إسلامي يخدم العالم الإسلامي كله لا مصر وحدها، وجامعة الأزهر هي جامعة للمسلمين لا للمصريين، وتنص إحدى مواد قانونه كما وضعناه على أن يكون الطالب والمدرس مسلمًا لا أكثر.
стр. 5334
وعلقت السيدة محاسن سعد على ما يثار من شبهات حول تنظيم الأسرة مثل وصفها بأنها دعاية استعمارية وما أشبه ذلك، وقالت بأن شعوب الدول الاستعمارية هي التي سبقت الدول الأخرى في الاقتناع بأهمية تنظيم الأسرة، وقطعت مراحل في تطبيقه قبل أن ننتبه نحن له. ثم ذكرت أن المسلمين عرفوا التنظيم منذ صدر الإسلام وأنهم استخدموا بعض الوسائل لتنظيم الأسرة وأضافت بأن بعض الشعوب الإسلامية تستعمل الأدوية البلدية والعقاقير وغيرها لمنع الحمل، وعليه فالمشكلة ليست محاولة من جانب الدول الغربية لتفرض علينا شيئًا معينًا، وأرى أن رفضنا لتلك الدول بوصفها دولًا استعمارية قد كون لنا عقدة خطيرة ما زلنا نعاني منها، فنحن دائمًا نعزو أخطاءنا إلى الاستعمار، ونبرر رفضنا للشيء بقولنا: إنه من الاستعمار.
ورد الدكتور أحمد الشرباصي على ذلك بقوله: " لقد أشرت في حديثي إلى هذه الشبهات ولم أقل إنها رأي لي، ولم أذكرها بوصفها وقائع وحقائق، وإنما قلت: إنها شبهات والشبهة قد تكون موجودة ولها أساس وقد تكون بلا أساس.. فإن كانت الشبهة واقعة حاربناها وقاومناها وإلا أهملناها ".
ثم أضاف قائلًا:
"إننا أعضاء هذا اللقاء لا نعطي كلمة فاصلة باسم الإسلام ولا نعبر عن إجماع المسلمين،وإنما نحن مجموعة من العلماء يعطون آراءهم الذاتية التي لا يلزمنا كمجموعة ومن باب لا تلزم غيرنا من المسلمين".
وأدلى الدكتور إبراهيم حقي برأيه في هذا الأمر فقال: "كلنا يعلم أن هناك منظمات دولية تعنى بأمور عامة كثيرة لرفع المستوى المعاشي في البلدان النامية، ولتأخذ بيدها فعلًا في سبيل النهوض بالنواحي الزراعية والاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك. ولكل بلد أن يطلب يد المساعدة من هذه المنظمات بالشكل الذي يتفق وحاجاته، مقدمًا الأهم على المهم، وأرجو أن يقدر أي الأمور أكثر أهمية لنا كمسلمين. فلنبدأ بطلب المعونة لتحقيقه".
وعند ذلك تدخل في الكلام الدكتور سليمان حزين فقال: "إن على الدول النامية أن تستفيد من الهيئات الدولية، ومن حقها أن تفعل ذلك وأنه لا مبرر لمركب النقص أو الخوف منها، وذلك لأن مثل هذه الهيئات الدولية تقوم بمهمتها على أساس أن تطلب الدولة المعونة وبعد أن يتم الاتفاق مع الدولة صاحبة العلاقة".
стр. 5335
وهنا تدخل الشيخ أحمد سحنون وردد الشكوك حول الاهتمام الأجنبي بتحديد السكان، وشكك حتى في مشروعية المؤتمر فقال: "أحب أن أناقش أولًا مشروعية تصدي المؤتمر لدراسة قضايا خطيرة في الإسلام مثل قضية تنظيم الأسرة، فالدعوة إلى المؤتمر صدرت عن منظمة إقليمية دولية تمولها مؤسسات أجنبية لا حق لها في التدخل في شؤون الإسلام ولا حق لها في أن تقرر أو أن تخطط باسم الإسلام، وإنما كان ينبغي أن تتصدى لها الأمانة العامة التي انبثقت عن مؤتمر الوحدة الإسلامية الذي عقد في الرباط برئاسة السيد عبد الرحمن الطنجي أو أن يتصدى لها مجمع البحوث الإسلامية أو رابطة العالم الإسلامي أو غيرها من المنظمات الإسلامية.
ورد الدكتور سليمان حزين على ذلك قائلًا: "إننا نجتمع هنا في مؤتمر دعت إليه هيئة دولية محترمة تتعامل مع بلادنا الإسلامية على أساس أنه لا إكراه في الدين، وهذه المؤسسة إنما تستشيرنا لتبني رأيها، لكننا لا نستشيرها لنبني رأينا".
وعلق الدكتور عصام الناظر على هذا بقوله: "تكملة لحديث أستاذي الدكتور حزين باعتباره يمثل هيئة الأمم المتحدة، أرى واجبًا علي أن أقول كلمة عن الاتحاد العالمي لتنظيم الولادية الذي أتشرف بتمثيله ويتشرف الاتحاد بأن يجمع هذا الحفل الكريم.
الاتحاد العالمي هو منظمة غير حكومية ولها مركز استشاري لجميع المنظمات الخاصة لهيئة الأمم المتحدة، إن نشاطات الاتحاد تقوم من خلال جمعيات أهلية وقومية، وهي في غالبيتها جمعيات تطوعية، ويضم الاتحاد حاليًا حوالي ثمانين منظمة في جميع أنحاء العالم وتتلخص نشاطات الاتحاد بالنقاط التالية:
стр. 5336
١-توفير المعلومات للجمعيات الأعضاء وللرأي العام عن جميع جوانب قضايا السكان والتطور في العالم.
٢-المساعدة على تأليف جمعيات وطنية لتنظيم الأسرة في الدول غير الأعضاء.
٣-توفير التدريب الفني للأطباء والممرضين والعاملين في الحقل الاجتماعي في ممارسة تنظيم الأسرة.
٤-تشجيع وعقد مؤتمرات عالمية وإقليمية حول مشاكل تنظيم الأسرة، وهذا المؤتمر أحد هذه النشاطات.
٥-تشجيع البحث العلمي في علم التناسل البشري، الدراسات السكانية والاجتماعية ووسائل منع الحمل والإخصاب وقلته أو عدمه، ثم مضمون الوالدية المنظمة أو الوالدية المسؤولة وينبثق نشاط الاتحاد العالمي عن إيمانه بما يلي:
١-إن المعرفة لتنظيم الوالدية هو حق إنساني وأساسي.
٢-إن التوازن بين السكان في العالم ومصادر الثروات القومية هو شرط أساسي للتطور الاقتصادي وسعادة البشرية.
٣-إن تنظيم الأسرة هو طب وقائي من أجل صحة الأم والأطفال وبالتالي فإن الاتحاد يهدف لتطوير المعرفة والممارسة لوسائل منع الحمل للعالم أجمع، ويهتم بصورة خاصة بتشجيع إدخال تنظيم الأسرة في الخدمات الأساسية للصحة العامة وبرامج الإنعاش الاجتماعي.
стр. 5337
الإسلام وتنظيم الأسرة
تحليل وتعليق
مفهوم تنظيم الأسرة في الإسلام:
دلت مناقشات المؤتمر على أن الإسلام قد تناول مفهوم تنظيم الأسرة في إطار أشمل وأكمل من النظريات الحديثة في هذا الموضوع، فهو لا يقصر التنظيم على كثرة الذرية وقلتها- وهذا ما يراد به في الغالب- بل يتوسع في ذلك إلى تناوله في إطار أوضاع الأسرة المختلفة، بما في ذلك وضعها الصحي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتربوي. كما يتناوله في إطار المجتمع المسلم كله، على أساس أن مصالح الجماعة مقدمة على مصالح الأفراد، ويشمل ذلك المسائل المتصلة بكثافة السكان، وتوزيعهم الجغرافي، والقوى العاملة، ومدى التوازن بين معدل السكان وبين معدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي والتربوي بحيث لا تضعف الدولة، أو تصير الكثرة فيها غثاء كغثاء السيل، ولم نر في دراستنا الأخرى أي تفاصيل مماثلة لموقف الإسلام في تنظيم الأسرة، ولا غرابة في ذلك، إذ الإسلام آخر الأديان وتعاليمه صالحة إلى آخر الزمان، فكان لابد وأن يضع التشريعات لأحوال مختلفة حسب الزمان والمكان، ومن هنا تبرز مرونة الإسلام فوق كل الأديان والفلسفات الأخرى إذ أتاح للأسرة المسلمة خلال تاريخها الطويل التكيف مع ظروف الحياة المتجددة بحيث لا يحملها فوق ما لا تطيق، أو يكلفها بما يرهق كاهلها.
وقد وضع المؤتمر تعريفًا عمليًّا لتنظيم الأسرة هذا نصه: " تنظيم الأسرة" هو قيام الزوجين بالتراضي بينهما، وبدون إكراه، باستخدام وسيلة مشروعة ومأمونة لتأجيل الحمل أو تعجيله، بما يناسب ظروفهما الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك في نطاق المسؤولية نحو أولادهما وأنفسهما" (١)
стр. 5338
شبهات وتخوفات:
لابد أن ننبه القارئ الكريم إلى أن المؤتمر كان يعمل تحت ضغوط وتخوفات وشبهات مختلفة منها:
أولًا: شبهة ارتباط تنظيم الأسرة في أذهان بعض الأعضاء بمشكلة السكان، بمعنى أن تنظيم الأسرة يقصد به حل مشكلة التضخم السكاني لا غير. ولما كانت هناك بلاد إسلامية لا تعاني من هذه المشكلة فلا داعي لتعميمه، وفي نظر هؤلاء أن العالم الإسلامي غني بالثروات الطبيعية والمعدنية والبترولية التي لو استغلت استغلالًا سليمًا مع حسن توزيعها بين الأقطار الإسلامية حسب حاجاتها لما كانت هناك مشكلة سكان، وبالتالي لا داعي لتنظيم الأسرة من الناحية الاجتماعية وَإِنْ أباحته الشريعة الإسلامية، وقد رد على هذا الرأي كثيرون من أعضاء المؤتمر وأكدوا بأن تنظيم الأسرة حق إنساني أساسي يلجأ إليه سواء أكان هناك مشكلة تضخم سكاني أو لم يكن، وذلك بقصد المحافظة على صحة الأم والطفل، ورفع المستوى الاجتماعي والتربوي للأسرة، وإتاحة الفرصة للمرأة المسلمة المثقفة عادة بأعباء الولادة المتكررة، للمشاركة في بناء المجتمع عن طريق عناية واعية بأطفالها أو مساهمتها في أعمال زوجها، أو انضمامها للقوة العاملة في حدود آداب الإسلام.
أما من حيث غنى العالم الإسلامي بالثروات المختلفة، وضرورة استغلالها وتوزيعها بين الأقطار المسلمة كل حسب حاجته، فالواقع يثبت أن هذا حلم عزيز المنال، وحتى يحدث ذلك، لابد لكل بلد أن يعمل جاهدًا على الموازنة بين موارده وثرواته من ناحية، وبين عدد سكانه من ناحية أخرى بحيث لا يحدث الحرج للأسرة من كثرة العيال، أو الحرج للقطر كله من تضخم السكان دون وجود موارد كافية، وهو ما استعاذ منه رسول الله ﷺ وسماه "جهد البلاء".
стр. 5339
ثانيًا: شبهة تخوف بعض الأعضاء من أن يكون تنظيم الأسرة مؤامرة أجنبية يقصد بها تقليل عدد المسلمين وكسر شوكتهم، واحتج هؤلاء بأن حركة تنظيم الأسرة في العالم الثالث وراءها دول غربية يشك في أغراضها ونواياها، ولها تاريخ غير مشرف في البلاد المتخلفة اقتصاديًّا. بل ذكر بعض الأعضاء أن المؤتمر نفسه دعت إليه منظمة أجنبية غير مسلمة، وكان الرد على ذلك بأن العالم الإسلامي تعامل دائمًا مع الهيئات الدولية، وأن المنظمة التي دعت إلى المؤتمر "الاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية" خدمت الكثير من البلاد الإسلامية وغيرها.
ثم إن تنظيم الأسرة لا يقصد به التقليل من عدد السكان، ولكن التحكم في معدل الزيادة كما هو الحال في البلاد المتقدمة اقتصاديًّا، ولو كان تنظيم الأسرة ضارًّا لما أخذت به الأمم الغربية، فبينما نجد أن معدل زيادة السكان في العالم الإسلامي قد يزيد على ٣٠ في الألف سنويًّا فإن ذلك المعدل لا يزيد عن ١٠ في الألف في البلاد الغربية.
ثالثًا: تخوف بعض الأعضاء من أن يترتب على إباحة تنظيم الأسرة أن يمارس وسائله الشباب غير المتزوج، كما قد يؤدي إلى رواج الفوضى الجنسية والانحلال الخلقي في العالم الإسلامي، وقد رد بعض الأعضاء على ذلك أن التربية السليمة للنشء كفيلة بأن ترد عنا هذا الانحلال، وهذه التربية واجبة سواء أكان هناك تنظيم أسرة أو لم يكن. ويرى البعض أن تنظيم الأسرة سيسمح للوالدين بالوقت الكافي للاهتمام بتربية أولادهم تربية دينية سليمة.
رابعًا: تخوف بعض العلماء المتخصصين في الفقه الإسلامي من أن يلجأ غير المختصين في هذا الفقه من علماء الطب والاجتماع مثلًا إلى تفسير الآيات والأحاديث بدون الإلمام التام بأصول الفقه الإسلامي، ولذلك فقد نظر علماء الفقه بحذر إلى ما يقوله علماء الطب والاجتماع والاقتصاد ومعظمهم يؤيد تنظيم الأسرة، ومن هنا كان التخوف من تنظيم الأسرة نفسه، ولكن المناقشات نفت هذه الشبهات وقربت من وجهات النظر، واستطاع المؤتمر أن ينتج للمسلمين ثبتًا قيمًا في موضوع خطير وهام يواجه الأمة الإسلامية في العصر الحالي:
стр. 5340
موضوعات المناقشة:
ركز أعضاء المؤتمر كلماتهم وتعليقاتهم في الموضوعات الرئيسية التالية:
١-آراء الفقهاء في تنظيم الأسرة.
٢-الزواج واستحبابه من ناحية، وعلاقته بتنظيم الأسرة من ناحية أخرى.
٣-وسائل تنظيم الأسرة وشرعية كل منها.
٤-الدواعي الاجتماعية والاقتصادية والأسرية لتنظيم الأسرة.
٥-الدواعي الصحية لتنظيم الأسرة.
٦-موضوع الكثرة في الإسلام وتنظيم الأسرة.
٧-تنظيم الأسرة في المجتمع الإسلامي وخبرة بعض الأقطار الإسلامية.
آراء الفقهاء في تنظيم الأسرة:
استشهد أعضاء المؤتمر على شرعية تنظيم الأسرة بأمور أربعة:
* كان الرأي الغالب في المؤتمر أن الحكم الشرعي الإسلامي في موضوع تنظيم الأسرة، ينهض في الأغلب على الاستنباط والاجتهاد، والقاعدة الأساسية في ذلك هي مراعاة المصلحة، ورفع الضرر عن الأسرة والمجتمع، والنصوص في ذلك كثيرة، منها الآيات الكريمة التالية:
"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"
"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"
"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"
ومن هنا يلزم تكييف الأحكام بحيث تمنع الحرج عن المسلمين وفي ذلك يقول الفقيه الحنفي ابن عابدين: "كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عُرْف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه لزم منه المشقة والضرر، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف، ورفع الضرر والفساد، ولبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام".
стр. 5341
أما تحريم تنظيم الأسرة فلا ينص عليه إطلاقًا:
* إن تنظيم الأسرة ليس أمرًا جديدًا على الإسلام وقد تبين من مناقشات المؤتمر أن الصحابة أنفسهم مارسوه وعلم ذلك رسول الله ﷺ بل إنهم ناقشوه فيه، فلم ينههم عن ذلك. وكان القرآن ينزل في ذلك الوقت، ولو كان أمرًا محرمًا لنزلت فيه آيات تحرمه، وقد استشهد كثير من الأعضاء بحديث جابر في ذلك وبأحاديث أخرى، ولكن يكفينا حديث جابر إذ يقول: "كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل وبلغ ذلك رسول الله فلم ينهنا، ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا القرآن".
* استشهد أعضاء من المؤتمر بآثار غير مباشرة، وهي كراهة الغيل أي الحمل أثناء إرضاع طفل سابق، ولا يعقل أن يمنع الإسلام الزوجين من المباشرة الجنسية مدة الرضاعة إذ قد تصل إلى عامين كاملين دون أن يسمح لهما بما يمنع الحمل.
* استعرض المؤتمر آراء المذاهب الإسلامية المختلفة فوجدها كلها إما مبيحة لتنظيم الأسرة بدون شروط، أو تشترط موافقة الزوجين، أو تكره التنظيم دون حاجة.
المذهب الحنفي:
الأصل في المذهب الحنفي هو إباحة العزل لمنع الحمل، إلا أنهم اختلفوا في ضرورة موافقة الزوجة، فالخلاف ليس على جواز العزل أو عدمه، ولكنه على شرط موافقة الزوجة. وقد أفتى الشيخ عبد المجيد سليم عام ١٩٣٧ أن علماء الحنفية أجازوا العزل بدون رضا الزوجة إذا كان هناك عذر كأن يخاف الزوج من الولد لسوء فساد الزمان.
المذهب الشافعي:
يرى الإمام الغزالي جواز العزل، وقد فند حجج الذين يكرهونه، ثم قال: والصحيح عندنا أنه مباح، وقد ذكر عدة أسباب للعزل منها استبقاء جمال المرأة وسمنها، واستبقاء حياتها خوفًا من الحمل والولادة، والخوف من الحرج بسبب كثرة العيال.
стр. 5342
المذهب المالكي:
يجوز العزل في هذا المذهب لمنع الحمل بشرط رضا الزوجة صغيرة كانت أو كبيرة.
المذهب الحنبلي:
يذهب العلماء في هذا المذهب أيضًا إلى إباحة العزل وإن كانوا يشترطون رضا الزوجة، ويكرهه بعضهم لغير عذر.
مذهب الشيعة الإمامية الجعفرية:
يبيح هذا المذهب العزل مع إذن الزوجة، ويمكن أن تستأذن الزوجة عند العقد ولا يلزم استئذانها بعد ذلك.
مذهب الزيدية:
يبيح العزل مع رضا الزوجة
مذهب الإباضية:
يبيح العزل فرارًا من الولد وإدخال الضرر على الرضيع.
مذهب الإسماعيلية:
مثل الجعفرية.
هذا وقد انتهت مناقشات المؤتمر إلى عدة نقط أخرى مهمة:
الأولى: أن علاج العقم جزء لا يتجزأ من تنظيم الأسرة حتى تشعر الجماهير أن إسعاد الأسرة هدف عام، وليس مقصورًا على الذين عندهم أولاد أكثر من اللازم.
والثانية: دعا بعض الأعضاء إلى الاتصال بالقائمين على الجامعات الإسلامية والمعاهد الدينية لكي يجعلوا "تنظيم الأسرة" ضمن الموضوعات التي يدرسها الشباب.
والثالثة: أن تنظيم الأسرة ليس هو الطريقة الوحيدة لمواجهة مشكلة تضخم السكان، بل يجب أن يصحب التنظيم العمل بكل جهد لمضاعفة الإنتاج وتطويره. واستغلال الموارد المهملة، والطاقات المطمورة.
стр. 5343
الزواج وعلاقته بتنظيم الأسرة:
ناقش المؤتمر موضوع استحباب الزواج في الإسلام، فأشاد بذلك، ورأى أنه لا تعارض بين استحباب الزواج وتنظيم الأسرة، وبرزت إلى جانب ذلك نقطة مهمة وهي أنه يستحب تأجيل الزواج لحين القدرة عليه، ونرى أن هذه القدرة في العصر الحديث لا تقتصر على الناحية المادية، بل تشمل كذلك القدرة الاجتماعية والصحية بمعنى أنه يمكن تأجيل الزواج لحين إتمام التعليم مثلًا، أو لحين نضج الزوجين وخصوصًا الفتاة.
وسائل تنظيم الأسرة:
دلت النصوص الفقهية المتداولة في المؤتمر على أن العزل هو الوسيلة التي كانت شائعة بين الصحابة والمسلمين الْأُوَل والتي نصت عليها كثير من كتب الفقه.
وقياسًا على إباحة العزل، أباح الفقهاء الوسائل الأخرى المشروعة، وقد ذكرت في المؤتمر فتوى الشيخ عبد المجيد سليم عام ١٩٣٧ التي أجاز فيها أن تضع المرأة شيئًا بداخل رحمها لمنع وصول ماء الرجل إليه ومعنى ذلك أن الإباحة ليست مقصورة على العزل ولكن تتعداه إلى الوسائل الأخرى كحبوب منع الحمل، واللولب، والحجاب الحاجز، والمواد الكيمياوية وما يستجد من وسائل لمنع الحمل.
وكان هذا الرأي مطمئنًا لكثير من المسلمين والمسلمات فهناك ملايين في العالم الإسلامي اليوم يستعملون هذه الوسائل كما أن العدد يزيد يومًا بعد يوم.
الدواعي الاجتماعية والاقتصادية والأسرية لتنظيم الأسرة:
يمكن أن نستخلص من مناقشات المؤتمر أن تنظيم الأسرة يُلْجَأ إليه لدواع اجتماعية واقتصادية وأسرية نذكر منها:
١-حسب ما يقوله الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين": "الخوف من كثرة الحرج لسبب كثرة الأولاد، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب، ودخول مداخل السوء"، ويقول الغزالي: "وهذا أيضًا غير منهي عنه، فإن قلة الحرج معينة على الدين".
٢-تمكين الأسرة المسلمة من تنشئة أطفالها تنشئة إسلامية سليمة وهذا يستدعي تخصيص الأوقات والجهود لهم، ولا يمكن ذلك إذا كان عدد الأطفال كثيرًا.
٣-أما على المستوى القومي فقد تلجأ الدولة إلى ترويج تنظيم الأسرة لرفع مستوى المعيشة بين مواطنيها، ولتخفيف حدة التضخم السكاني إذا حدث، أو الوقاية قبل أن يحدث، كذلك فإن تنظيم الأسرة يساعد الدولة على القضاء على البطالة وتشجيع النمو الاقتصادي.
стр. 5344
الدواعي الصحية لتنظيم الأسرة:
كذلك ناقش المؤتمر الدواعي الصحية لتنظيم الأسرة وهي دواع خاصة بالمحافظة على صحة الأم والطفل ومنها:
١-أن يكون هناك مرض من الأمراض المعدية أو الوراثية يخشى انتقاله من الأبوين إلى الذرية فتشقى به حياتهما.
٢-الخوف على صحة الأم وسلامتها بسبب الحمل المتتابع، إذا كانت مريضة وسيزيد مرضها بحملها، أو سيتأخر شفاؤها، أو سيحدث لها المرض بسبب الحمل.
٣-الإشفاق على الولد الرضيع من الحمل مدة الرضاع وهو ما يعرف في الفقه بالغيل.
٤-الخوف على صحة الجنين والأطفال إذا حدث الحمل على فترة قريبة من حمل آخر، أو إذا حدث لفتاة صغيرة السن أو لامرأة فوق الخامسة والثلاثين.
стр. 5345
الفصل الثالث الإسلام والإجهاض
تقدمة
كان الموضوع الثالث الذي تعرض له المؤتمر هو موضوع الإجهاض ورأي الإسلام فيه. وبخلاف تنظيم الأسرة فإن موضوع الإجهاض مشحون بالعاطفة كما أنه أمر يهم الجميع من ناحية صحة الأم ومستقبل الطفل؛ لذلك فقد اتسمت مناقشات المؤتمر بالشدة نسبيا، لتحمس بعض الأعضاء لآرائهم في هذا الشأن، وقد اعتمدت كل الآراء المتعارضة على نصوص من الفقه بعضها يبيح الإجهاض وبعضها لا يبيحه.
والإجهاض من الموضوعات التي تعرض لها الفقه الإسلامي في العهد الأول ببعض التفصيل، ومن يومئذ تغيرت ظروف المسلمين تغيرا كبيرا وتغيرت الدواعي للإجهاض، فبعد أن كان أمرًا يخص إنزال الجنين في حادث تلزم فيه الدية أحيانًا، أصبح الإجهاض وسيلة طبية لإسقاط الجنين لظروف اجتماعية ونفسية وصحية عديدة لم تكن مألوفة من قبل ولهذا لزم التعرض له بالتفصيل.
ولقد انتشر الإجهاض العمد في العالم كله بحيث تقدر عدد حالاته من الثلاثين إلى خميس مليون كل عام. ولم يقتصر الانتشار على الأمم غير الإسلامية بل امتد أيضا إلى أمم مسلمة عديدة منها تركيا، وإيران، ومصر، والأردن، وأندونيسيا، وتونس، والمغرب، وبنغلاداس وغيرها، بل إن بلادا إسلامية قد أباحت الإجهاض بقانون " تونس، الجمهورية العربية اليمنية، والجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية" كما أن بعض الدول الإسلامية الأخرى تنظر الآن في السماح به " أندونيسيا " بينما لا تزال البلاد الإسلامية الأخرى تطبق قوانين وضعية نقلتها عن الدول الغربية، وهي قوانين تحرم الإجهاض، وتعاقب عليه، وقد احتفظت هذه الدول بتلك القوانين حتى بعد أن لجأت الدول الغربية نفسها إلى إباحة الإجهاض بقانون في بلادها.
стр. 5346
وهناك عده أسئله تدور بخاطر المسلمين عن الإجهاض منها:
١-علام يعتمد رأي الإسلام في الإجهاض، على القرآن والسنة أم على الاجتهاد والتأويل؟
٢-ما هي تطورات الجنين حسب النصوص الفقهية؟ وهل يتفق ذلك مع الطب الحديث؟
٣-متى تدب الحياة في الجنين، وهل يعتبر الجنين قبل نفخ الروح جمادا لا حياة فيه؟ ومتي يصير إنسانا يحرم قتله؟ وما هي الروح؟ وكيف نعرف أنها دخلت الجنين؟ وهل حركة الجنين علامة على ذلك؟
٤-هل الإجهاض حلال كله أو حرام كله، أم أنه حلال في ظروف بعينها وحرام في غيرها؟
٥-إذا كان الإجهاض مسألة تختلف فيها الآراء فما هو وضع امرأة أجهضت نفسها. هل هي آثمة أم غير آثمة؟ وهل الطبيب الذي أجهضها آثم أم غير آثم؟
٦-ما هي دواعي الإجهاض المسموح به؟ هل هو المحافضة على حياة الأم؟ وهل يشمل أيضا المحافظة على صحتها أو حالتها النفسية؟ وهل هناك دواع جنينية للإجهاض؟
٧-هل الضغط السكاني من دواعي الإجهاض؟
٨-هل للدولة المسلمة أن تبيح الإجهاض بقانون؟
стр. 5347
خلاصة بحوث ومناقشات مؤتمر الرباط:
مفهوم الإجهاض المتفق عليه في المؤتمر هو خروج الجنين أو إخراجه أو سقوطه أو إسقاطه بصورة غير طبيعية، ويشمل ذلك الإجهاض العفوي والإجهاض العمد.
وفي الفقه الإسلامي نوعان من الإجهاض وهما:
(١) الإجهاض قبل نفخ الروح في الجنين أي قبل مرور ١٢٠ يوما من ابتداء الحمل.
(٢) الإجهاض بعد نفخ الروح أي بعد مرور ١٢٠ يوما على الحمل.
ذكر الدكتور حسان حتحوت أن المؤتمر الذي نظمة الاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية في بيروت سنة ١٩٧١ (١) عن " الإجهاض العمد وأخطاره الصحية" أظهر وجود تيار قوي يشيد بفوائد الإجهاض القانوني الصحية، كما أظهر خلافا سديدا حول موقف الإسلام من الإجهاض، ولما لم يكن بعض أعضاء الندوة شيوخ مسلمون أو علماء في الفقه الإسلامي فقد اقترح الدكتور حتحوت أن يجرى البحث في هذا الموضوع في مؤتمر آخر يعقد فيما بعد فاستجاب الدكتور عصام الناظر لهذا الاقتراح وأعد العدة للمؤتمر الذي عقد في الرباط والذي نحن بصدده. وتكلم حتحوت عن الإجهاض من ناحية تاريخية وتشريعية فقال: إن الإجهاض كان ممنوعا ولا يسمح للطبيب بإجرائه. وبقي الأمر على ذلك حتى الأمس القريب حينما كاد الإجماع على تحريم الإجهاض أن يكون تامًّا، باستثناء الحالات التي يكون فيها استمرار الحمل خطرا عاجلا أو آجلا على حياة المرأة، أو الحالات التي يترجح أو يتأكد فيها أن الجنين مصاب بالتشوه أو الخلل الخطير. فإباحة الإجهاض كانت في عمومها مبنية على دواع طبية قاهرة تعترف بها القوانين، وتعتبر الإجهاض في غيره جريمة ذات عقوبة منصوص عليها في قانون العقوبات، ولو أن كثيرا من حوادث الإجهاض غير المشروع كانت تجري في الخفاء ولا يصل إليها القانون أو تجرى بتزوير شرعي، غير أن السنين الأخيرة قد شهدت نزعة قوية لدى الكثير من البلاد في العالم إلى توسيع نطاق الإجهاض المباح، لا بالتوسع في مبرراته الطبية، ولكن بالاعتراف بدواع أخرى غير طبية، تتيح للمرأة أن تطلب الإجهاض من الطبيب كما تبيح للطبيب إجراءه.
стр. 5348
وبدلا من أن يكون " الإجهاض القانونى" مرادافًا " للإجهاض الطبي" انقسمت دواعي الإجهاض القانوني إلى عدة شعب هي:
١- الدواعي الطبية. ٢- الدواعي الجنينية. ٣- الدواعي الإنسانية. ٤- الدواعي الطبية الاجتماعية. ٥- الدواعي الاجتماعية.
الدواعى الطبية:
كان المفهوم أن الظروف التي يسمح فيها بإجراء عملية الإجهاض هي إنقاذ حياة الأم. ثم اتسع مفهوم هذه الظروف حتى شمل إنقاذ صحتها، واتسع بعد ذلك حتى شمل أيضا المحافظة على صحتها النفسية، ثم وسعه البعض أكثر من ذلك لينطبق على تعريف " الصحة" الذي أورده دستور منظمة الصحة العالمية ووافقت عليه جميع الدول وهو " الصحة هي حالة من السلام الجسمية والنفسية والاجتماعية وليست مجرد حالة انتفاء المرض أو العجز"، وما زالت معظم الدول الإسلامية تقصر إباحة الإجهاض على غرض إنقاذ حياة المرأة فقط، في حين أن الكثير من الدول تسمح بالإجهاض للحفاظ لا على حياة المرأة فقط وإنما على صحتها أيضًا.
الدواعى الجنينية:
تشمل مع انتشار الأمراض الوراثية – والحيلولة دون ولادة أطفال ذوي عاهات جسمية أو عقلية تنتج عن تعرض الجنين داخل الرحم للعدوى بأمراض معينة أو لجرعات خطرة من الإشعاع أو العقاقير تناولتها الأم أثناء الحمل، وهذه الدواعي بالطبع ملحقة بالدواعي الطبية، وتعترف بها الكثير من الدول.
ولقد كان للحصبة الألمانية لما قد تسببه من تشويه خلقي للجنين ولدواء الثاليدومايد لما أحدثه من تشويه فاحش في الأطفال باعثا قويا على الاعتراف بالدواعي الجنينية.
стр. 5349
الدواعي الإنسانية:
أباحت بعض البلاد الإجهاض لمثل هذه الدواعي كالحمل الناتج عن الاغتصاب أو من محرم أو من مواقعة قاصر أو ضعيفة العقل، أو حينما يكون الحمل ثلما لشرف الحامل أو شرف أسرتها.
الدواعي الطبية الاجتماعية:
وهي دواع تقرها دول كاليابان والدول الإسكندنافية ودول أوروبا الشرقية، وأقرتها بريطانية مؤخرًا، وكانت أيسلندة أول دولة فتحت الباب أمام الإقرار بالدوافع الطبية الاجتماعية، إذ نص تشريعها سنة ١٩٣٥ على أن تقدير حالة " الخطر" بالنسبة إلى الأم ينبغي أن يأخذ في الاعتبار غزارة الإنجاب، وتقارب الولادات، والمدة الزمنية منذ الولادة الأخيرة، والأعباء المنزلية الناجمة عن كثرة الأولاد، ثم الضيق الاقتصادي، ومرض بعض أفراد الأسرة الآخرين، وبعد ذلك حذت حذو أيسلندة دول أخرى كثيرة، فعدلت السويد في سنة ١٩٤٦ قانونها لسنة ١٩٣٨ ليبيح الإجهاض آخذا في الاعتبار ظروف المرأة المعيشية التي تجعل إنجاب الطفل يؤثر تأثيرا ضارا على حالتها الجسمية والنفسية، ثم عدلت الدنمارك في سنة ١٩٥٦ قانونها لسنة ١٩٣٧ ونص التعديل على ضرورة اعتبار ظروف المرأة كلها، بما في ذلك ظروف الحياة التي تعيشها، مع أخذ الآثار الجسمية والنفسية بالاعتبار، وإلى مثل ذلك ذهبت فنلندا سنة ١٩٥٠، وينص قانون النرويج لعام ١٩٦٠ على أن أية قابلية خاصة لدى المرأة للمرض الجسماني أو النفساني ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار لإجراء الإجهاض، بالإضافة إلى ظروفها المعيشية أو أية ظروف أخرى من الجائز أن تؤثر في صحتها فتفضي إلى انهيار في صحتها الجسمانية أو النفسانية، وفي اليابان يباح الإجهاض بقصد حماية المرأة من الإرهاق الصحي أو العنت الاقتصادي، وفي بريطانيا قانون الإجهاض الجديد لعام ١٩٦٧ على أنه عند تقرير مدى توقع الخطر على المرأة ينبغي النظر إلى البيئة التي تعيش فيها المرأة فعلا وإلى البيئة التي تعيش فيها في المستقبل المنظور. ومثل ذلك في جنوب أستراليا " ١٩٧٠" وبالولايات المتحدة الأمريكية "١٩٦٩"، كما أقرته الهند سنة "١٩٧١".
стр. 5350
الظروف الاجتماعية:
قد أخذت بها بعض الدول لإباحة الإجهاض، ولا سيما دول أوروبا الشرقية، وفي قوانين سنة ١٩٧٠ في فنلندا والدنمارك وألمانيا الشرقية يسمح بالإجهاض إذا كان للمرأة أربعة أولاد وكانت الفترة بين ولادة وأخرى أقل من خمسة عشر شهرًا. وإذا وقع الحمل الحاضر بعد أقل من ستة أشهر منذ انتهاء الحمل السابق، أو إذا كانت الزوجة " وحدها أو مع زوجها" تقوم بشأن خمسة أولاد أو أكثر، وفي بلغاريا يجوز الإجهاض للمرأة التي لديها ثلاثة أولاد، وفي رومانيا يجوز الإجهاض في تشيكوسلوفاكيا لمن لديها ثلاثة أولاد أو أكثر، وفي الدنمارك يباح بدون إذن لمن لديها أربعة أولاد، وفي تونس " بقانون ١٩٦٥" (١) يباح الإجهاض لمن لديها خمسة أطفال أحياء، وبدون تحديد عدد الأطفال بقانون ١٩٧٣ (٢) وثمة دوافع اجتماعية أخرى، ففي تشيكوسلوفاكيا يباح الإجهاض لوفاة الزوج أو عجزه أو بعده عن زوجته ووقوع مسؤولية العيال على كاهل المرأة وحدها والظروف الحرجة التي تجابه المرأة غير المتزوجة من جراء الحمل، وفي سنغافورة يعتبر الوضع الاقتصادي وحده مبررا للإجهاض.
وبعض الدول تبيح الإجهاض قبل سن معينة لأسباب إنسانية أو اجتماعية أو فوق سن معينة لأسباب طبية اجتماعية أو طبية جنينية. فهو مباح في ألمانيا الشرقية دون سن ١٦ وفوق ٤٠ وفي فنلندا دون ١٧ وفوق ٤٠، وفي تشيكوسلوفاكيا دون ١٦ وفوق ٤٥، وفي الدنمارك فوق ٣٨ أو إذا قضت لجنة طبية أن الحامل لم تبلغ من النضج الجسمي أو العقلي درجة تمكنها من رعاية المولود وتشترط بلغاريا موافقة الوالدين دون سن ١٦ وتبيحه إطلاقا فوق ٤٥.
стр. 5351
والدكتور حتحوت في هذا العرض يشير إلى أن المطالبة بإباحة الإجهاض قد نجحت نجاحا في كثير من بلدان العالم ومع هذا مازالت بعض الدول تضع العراقيل في سبيل ذلك ومنها غالبية البلدان الإسلامية، فالإجهاض الذي يجري في هذه البلاد وأمثالها خلافا للقانون يعتبر إجهاضا إجراميا، أما الذي يجري لدواع طبية مشروعة وبإشراف طبيب مختص فهو الإجهاض الطبي. والاتجاه لا يزال نحو إزالة جميع العوائق حتى يكون للمرأة الحق في إجهاض نفسها عند الحاجة دون حرج، أو الإجهاض إطلاقا عند الطلب.
وتكلم الدكتور عبد الرحيم عمران عن الديموغرافية والإجهاض وانتشاره من الناحية التاريخية وخاصة في المرحلة الانتقالية وهي الانتقال من ارتفاع نسبة الوفيات والمواليد إلى مرحلة انخفاضها، فربط بين الحاجة إلى الإجهاض والحاجة إلى تخفيض عدد السكان وخاصة مع انتشار الوعي بضرورة تحديد حجم العائلة وتصغيرها بحيث تكون عائلة آحادية غير موسعة.
وقال: إنه يرى أن هناك أربعة اعتبارات أساسية يلزم ذكرها إزاء بحث رأي الإسلام في الإجهاض بروح عملية وهي:
١- الضغط السكاني الملزم. ٢- التخطيط الواقعي.
٣- مراعاة الجوانب الإنسانية. ٤- المرونة الدينية في الإسلام.
стр. 5352
وذكر الدكتور عمران الظروف التي طرأت في المجتمع وأدت إلى ازدياد الوعي بالأخطار الناجمة عن الارتفاع الشديد في معدل المواليد، وقال: إن من العوامل في انخفاض نسبة المواليد وفي انتشار فكرة العائلة الصغيرة، الجهود الحثيثة التي تبذل لتنظيم الأسرة سواء أقامت بهذه الجهود مؤسسات أهلية طوعية أم حكومية، وسواء كانت على أساس محلي أو على أساس قومي، ورافق هذه الجهود القبول المتزايد لفكرة تحديد النسل في الأقطار الإسلامية، وذكر بشيء من التفصيل ظهور موجة الإجهاض في الأقطار الإسلامية بسبب العوامل المختلفة المؤدية إلى الوعي بضرورة تحديد حجم العائلة، إما بالوسائل الفعالة لمنع الحمل وإما باللجوء إلى الإجهاض.
وكان من نتيجة الضغط السكاني وإدراك عواقبة اتخاذ موقف تحرري من قوانين الإجهاض في معظم أنحاء العالم وفي الكثير من الدول الإسلامية. وكان الاتجاه على الوجه الأغلب نحو تنظيم الأسرة، ولا سيما نحو منع الحمل أولا قبل اللجوء إلى الإجهاض ولكن الدكتور عمران يرى أنه لا بد لنا من أن نقر " أن منع الحمل وحده لا يساعدنا على تحقيق انخفاضات سريعة في نسبة المواليد، أضف إلى ذلك أن نذر نفشي الإجهاض أخذت تبدو ماثلة للعيان في عدة أقطار إسلامية". كما ثبت في البيانات المتوافرة من الأقطار الإسلامية التي تشير بوضوح إلى أن الإجهاض أخذ يسري وينتشر، وقد أثبتت هذه الدراسات التي قدمت في مؤتمر الاتحاد الدولي لتنظيم الوالدية والذي انعقد في بيروت لمناقشة مشكلات الإجهاض (١) .
فقد أثبتت هذه الدراسات في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأن أكثر من ثلث الأمهات المتزوجات فوق الخامسة والثلاثين واللواتي اكتملت أسرهن قد مارسن الإجهاض غير القانوني، كما أثبتت هذه الدراسات بأن الإجهاض غير القانوني هو أكثر انتشار في المدن منه في الريف وزيادة ممارسته مع ارتفاع المستوى التعليمي للمرأة.
стр. 5353
تعريف الجنين:
وهنا رأى المؤتمرون ضرورة تعريف الجنين عند بحث الإجهاض فوصف الدكتور حسان حتحوت نمو هذا الجنين منذ أن يصل الحيوان المنوي إلى البويضة ويلقحها في قناة فالوب فيكونان خلية واحدة، تحدث داخلها تغيرات تؤدي إلى قسمة الخلية إلى اثنين، ثم تتوالى الانقسامات بسرعة إلى أربع ثم ثمان ثم ست عشرة وهكذا وعندما يبلغ الجنين شهر الثالث يكون في الواقع إنسانا صغيرا ثم قال: إن الجنين في الإسلام إنسان له حق الحياة.
وتناول الدكتور محمد سلام مدكور ما قيل في تعريف الجنين فأورد الأقوال الفقهية في ذلك، ومنها أن النويري نقل عن بعض الحكماء أنهم أطلقوا اسم الجنين على ما بعد خلق الروح، ويؤيد ذلك ما قاله القرطبي عند تفسير قوله تعالى (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) " سورة النجم ٣٢" إذ قال: " الجنين ما دام في البطن"، ويقول البستاني في دائرة المعارف: " الجنين هو الولد ما دام في البطن، ويكون أولا نطفة، ثم يصير علقة، ثم يصير مضغة، ثم جنينا". ويقول الدكتور نجيب محفوظ " في نهاية الشهر الرابع يطلق على العلقة اسم الجنين" وتقول الدكتورة أيدث سيرول في كتابها " جسم الإنسان" " ويسمى الجسم النامي في الرحم مضغة فيما بين الأسبوعين الثالث والثامن من حياته، ولكنه يسمى جنينا منذ الأسبوع الثامن إلى نهاية مدة الحمل" ومع هذا فبعض كتب الفقه تطلق الجنين على ما في الرحم من وقت العلوق، لكن الإمام المزني الشافعي ينقل عن الإمام الشافعي أن الاستعمال الحقيق للجنين يكون في ما بعد مرحلة المضغة، وينبني عليه أن استعماله في ما قبل هذه المرحلة من باب المجاز باعتبار أنه مقدمة للجنين الحقيقى. إذ قال الشافعي في الجنين: " أقل ما يكون به جنينا أن يفارق المضغة والعلقة حتى يتبين منه شيء من خلق آدمي.." وعلى هذا فإننا نرجح أن ما نقله ابن رشد عن الإمام مالك لا يعم أول الحمل وآخره، وإنما هو خاص بما بعد الأربعين عندما يسمى جنينًا".
стр. 5354
وأشار الدكتور عبد الرحيم عمران إلى الحديث النبوي الشريف المعروف بحديث الأربعينات عن مراحل تكون الجنين وهو " أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك". وهذا هو الأساس الذي يبنى عليه حساب المئة والعشرين يوما التي يشار إليها في المراجع الدينية باعتبارها المدة التي تسبق نفخ الروح، ومعني ذلك أن الإجهاض إذا حدث قبل نفخ الروح لا يكون قتلا أو وأدا، وإنما يكون القتل أو الوأد عندما يصير الجنين خلقا آخر – أي بعد مرور الجنين في التارات السبع التي أشار إليها علي بن أبي طالب ﵁ بقوله: " لا يكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ثم تكون لحما، ثم تكون خلقا آخر". وهذا القول مأخوذ من القرآن الكريم من قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)) سُورَةُ المؤمنون " ١٢ – ١٤".
وللإجهاض تاريخ قديم فقد حرم أبقراط الإجهاض وحرم إعطاء الأدوية التي تسببه.
وذكر الدكتور محمود نجم أبادي أن الأطباء المسلمين المشهورين الذين بحثوا قضية الإجهاض في الماضي هم أبو بكر محمد بن زكريا الرازي وعلي بن عباس المجوسي وابن سينا والحسن بن محمد وابن البيطار المالقي والشيخ داود الأنطاكي، وقال " بأن غالبية الأطباء المسلمين يعتقدون أنه لابد من الحيلولة دون وصول ماء الرجل إلى الرحم إذا كان هناك خطر متوقع على حياة الأم، وعليه فلا بد من إخراج هذا الماء إذا وصل، وإن تعذر ذلك جرى إخراج الجنين من الرحم بوسائل ميكانيكية أو بغيرها من الوسائل المعروفة، كالأدوية التي كانت تستخدم لإخراج الجنين منذ الأزمنة القديمة ومازالت. وينبغي أن نذكر أن أغلبية الأطباء لم يقبلوا فكرة الإجهاض إلا بعد الاستشارة وأنه من الأفضل تبصير المرأة بالطرق التي يمكنها بها تجنب الحمل، ويؤكد الأهوازي أن قسم أبقراط يقضي بتحريم الإجهاض والأدوية التي تسببه تحريما مطلقا.
стр. 5355
ويضيف إلى ذلك أنه ينبغي أن لا تلجأ الحامل إلى الأدوية المؤدية إلى الإجهاض. أما الرازي فيقول: إن على الحوامل اللائي تتعرض صحتهن للخطر من جراء الحمل أن تدخل الواحدة منهن قطعة من الخشب في رحمها، وتبقيها مدة أسبوعين ولا بد من ربط طرف الخشبة التي تبقى خارج الرحم إلى فخذ المرأة إلى أن يبدأ نزيف الرحم ".
ويتبين أن الفقه الإسلامي عموما يقسم حياة الجنين قسمين (١) قبل نفخ الروح (٢) بعد نفخ الروح، وذلك من حيث تحريم الإجهاض أو إباحته مع العلم بأن عددًا من أعضاء المؤتمر ذكروا استنادا إلى أقوال الفقهاء أن الإجهاض محرم على الإطلاق سواء قبل نفخ الروح أو بعده ما لم يكن خطر على حياة الأم أو لضرورة أخرى كاحتمال ولادة مشوة أو مريض ... والمحافظة على حياة الأم بالإجهاض تكون عند الخطر على حياتها اتباعا للقاعدة الفقهية: " إذا تضرر الأصل بالفرع وجب تقديم مصلحة الأصل على فرعه"، حتى إن البعض في المؤتمر كالشيخ أحمد سحنون والشيخ عبد الرحمن الخير والشيخ محمد مهدي شمس الدين وغيرهم قالوا بأن الإجهاض محرم قبل نفخ الروح وبعده ولا يجوز بحجة الانفجار السكاني، مالم يكن لإنقاذ حياة الأم فقط وليس لأسباب أخرى، وذهب الشيخ سحنون إلى القول بأن الإجهاض والتعقيم لا يقرهما الإسلام.
وكان السيد أحمد الغزالي وسطا بين الطرفين إذ يقول " إن الاعتبارات الطبية لا تقف عند حد صحة الأم بل قد تتجاوزها إلى حالتها النفسانية أيضا"، وذكر أن الإجهاض قبل الأسبوع السادس عشر أي قبل نفخ الروح جائز إذا توافرت الشروط التالية:
стр. 5356
١-إذا كان الحمل يعرض الأم لمرض نفساني يضر بصحتها.
٢-عند احتمال ولادة الجنين مصابا بأمراض معينة.
٣-إذا كان الحمل بسبب الاغتصاب أو بسبب اقتراف الزنا مع النساء المحارم.
٤-إذا كان الحمل يمس سمعة المرأة المصابة بمرض نفساني.
٥-إذا كان الحمل يدفع بالمرأة إلى الانتحار أو تعريض نفسها للهلاك.
وقد ناقش الشيخ محمد الحسيني بهشتي الفكرة التي يتبناها معظم الأطباء والاختصاصيين القائلة بأن الإجهاض لا يكون قتلا إلا بعد التخلق " خَلقا آخر" ولكنهم من وجهة علمية يريدون تحديد موعد معين لهذا التخلق حتى يقولوا: إن الإجهاض قبل هذا الموعد مباح، فأشار إلى هذه النقطة بنفسها، وأثار من جديد علاقة أطوار الجنين في نموه بدرجة العقوبة وتساءل " ما هي النفس المحرمة التي عد الإسلام قتلها من أكبر الكبائر؟ وهل يكون الجنين إنسانًا؟ ففي أي طور من هذه الأطوار اعتبر القرآن الجنين إنسانًا؟ حينما كان سلالة من طين أي قبل أن يكون جنينا؟ حينما صار نطفة في قرار مكين؟ حينما صارت النطفة علقة؟ حينما تبدلت العلقة مضغه؟ حينما ظهر فيها العظم؟ حينما تم ظهور العظام فيه فصار الجنين ذا عظام يكسوها اللحم؟ فمتى إذَنْ؟ وقال " الذي يظهر من الآيات التي تَلَوْنَاهَا أن الجنين يصير إنسانا حينما ينشئه الله خلقا آخر أي خلقا يمتاز به عن سائر الحيوانات فيكون إنسانا، وماذا يكتسب في هذا الطور؟ " ثم أورد قوله تعالى: (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) سورة السجدة [٦-٩] وقوله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) سورة الحجر [٢٩] وقرر السيد بهشتي أن الإنسان لا يكون إنسانا بعد تسوية جسده في بطن الأم بل بعد نفخ الروح، والروح ليست الروح التي في النبات أو الحيوان وإنما هي روح تختص بالإنسان دون غيره، حتى إذا نفخت هذه الروح في الجنين أصبح الجنين خلقا آخر.
стр. 5357
أقوال الفقهاء: ملخص أحكام الإسلام في الإجهاض.
ثم عاد الدكتور محمد سلام مدكور وتوسع في الناحية الفقهية واستعرض أقوال المذاهب الإسلامية في الإجهاض وفي أطوار الجنين وقال: " إن الإجهاض متفق عليه بأنه محرم بعد نفخ الروح إلا لعذر أو لضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، وأما الإجهاض قبل نفخ الروح أي قبل تمام أربعة أشهر من الحمل ففيه اختلاف. من حيث الإباحة والكراهة والحرمة ومن حيث مقدار العقوبة المترتبة بحسب أطوار الجنين، " وحالة العذر لا ينبغي أن تكون موضوع خلاف أو جدل إلا في تقدير العذر المقتضي للإجهاض، وإذا مثل العذر حالة ضرورة فإن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرر الأكبر يدفع بالضرر الأدنى، والحكم يتبع أخف الضررين كما هي القاعدة الشرعية. وعلى هذا فإنه لو ترتب على بقاء الحمل هلاك الأم مثلا لا محالة، فإن الشرع الإسلامي يبيح الإجهاض، بل يوجبه محافظة على حياة الأم؛ لأن حياتها ثابته بيقين، وحياة الجنين محتملة، كما أن الأم هي الأصل والجنين فرع منها، والأصل مقدم على الفرع".
وحكم الإجهاض قبل نفخ الروح عند الحنفية يتفاوت بين مباح ومكروه، فقد نص الحصكفي الحنفي على أنه يباح للمرأة إسقاط الولد قبل أربعه أشهر ولو بغير إذن الزوج، وعلق على هذا ابن عابدين الفقيه الحنفي بما نقله عن كتاب " النهر" وعبارته " هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يومًا".
وعلق الدكتور مدكور على هذا بقوله: ويمكننا أن نقول: إن التخلق في قولهم " نعم يباح ما لم يتخلق" ليس هو نفخ الروح ولا بعد مائة وعشرين يوما، وإنما هو يكون في مدى نحو أربعين يوما من بدء الحمل، وهو عند وصول البويضة الملقحة إلى المرحلة التي عبر عنها القرآن بالمضغة في قول الله تعالى:
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) " سورة الحج ٥ ".
стр. 5358
فمرحلة المضغة هي المرحلة التي يقع فيها التخلق، وقد يمتد ذلك التخلق حتى يصير في طور آخر، وعلى هذا نستطيع فهم هذا الرأي على أنه يبيح الإجهاض في الفترة قبل مضي أربعين يوما على الحمل.
ونقل ابن عابدين أيضا عن ابن وهبان الحنفي قوله: " إن وجود العذر يبيح الإجهاض من قبل أربعة أشهر كأن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه". ونقل عن " الذخيرة" أن المرأة إذا ألقت ما في بطنها قبل نفخ الروح فهو مكروه.
وأردف الدكتور مدكور بقوله: إن هناك قولا بأن الإجهاض قبل نهاية الشهر الرابع يباح مطلقا سواء وجد عذر أو لا، وأن منهم من اتجه إلى أنه مكروه من غير عذر، والكراهة كما هو معروف مرتبة دون مرتبة الحرمة.
وقصر هؤلاء الإباحة على حالة وجود عذر واعتبروا من الأعذار مجرد الشعور بالهزال والضعف عن تحمل أعباء الحمل.
أما المالكية فكانوا أكثر تشددا من الحنيفة في الإجهاض قبل نفخ الروح إذ أنهم منعوا الإجهاض ولو قبل الأربعين يوما على ما هو المعتمد في المذهب. وفي رأي آخر في المذهب أنه مكروه في هذه المدة، ولا خلاف عندهم في التحريم بعد نفخ الروح لغير عذر، وهذا ما نص عليه الدردير من فقهاء المالكية بقوله: " لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا". ويقول الدسوقي تعليقا على الدردير: " ولو قبل الأربعين يوما". " هذا هو المعتمد". وقيل: يكره إخراجة قبل الأربعين.
وعلق الدكتور مدكور على ذلك بقوله: " وهذا يفيد أن مراد الدردير بعدم الجواز هو التحريم، كما يفيد النقل جميعه أنه ليس عند المالكية قول بإباحة إخراج الجنين قبل نفخ الروح فيه، وأضاف الدكتور مدكور قوله: ويلاحظ أن التعبير (المتكون في الرحم) يفيد أنه قبل تكون المني في الرحم واستقراره بالعلوق يجوز إخراجه. يدل على ذلك ما قاله القرطبي من فقهاء المالكية في كتابه " الجامع لأحكام القرآن": " إن النطفة لا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة قبل أن تستقر في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل". وهذا صريح في أن للزوجة أن تخرج النطفة بأية وسيلة ما دامت لم تستقر ودون أن يترتب على ذلك إثم. أما قول ابن رشد الفقيه المالكي عن أن الإمام مالك استحسن الكفارة في إسقاط الجنين فيرجع صرف قوله باستحسان الكفارة إلى ما بعد نفخ الروح.
стр. 5359
أما الشافعية فقد اختلفوا في حكم الإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه والذي يتجه وفاقا لابن العماد وغيره الحرمة، على حد ما نقله البجيرمي الشافعي عن ابن حجر الشافعي، وفرق بين الإجهاض والعزل المباح بأن المني حال نزوله محض جماد ولم يتهيأ للحياة بوجه، على خلاف حاله بعد استقراره في الرحم وأخذه في مبادئ التخلق، وقال البجيرمي: إن مقتضى قول ابن حجر " والذي يتجه على الحرمة" أن بعض الشافعية يقول بعدم حرمة الإجهاض قبل نفخ الروح، كما استنتج من قوله (وأخذه في مبادئ التخلق) بأنه يفيد عدم الحرمة قبل الأربعين وأشار الشبراملسي بوجود هذا الخلاف عند الشافعية بقوله: " إنهم اختلفوا في جواز التسبب في إلقاء النطفة والعلقة بعد استقرارها في الرحم" وقال: " إن أبا اسحاق المروزي يُجَوِّزُ إلقاء النطفة والعلقة"، ونقل عن الغزالي أنه أورد في بحثه عن حكم العزل ما يدل على تحريمه وقال: " إنه الأوجه؛ لأنه بعد الاستقرار آيلة للتخلق"، ونقل الشبراملسي عن الغزالي أن الإجهاض قبل نفخ الروح لا يقال إنه خلاف الأولى، بل يحتمل الكراهة والتحريم أي الكراهة التنزيهية والتحريمية، ويقوى التحريم كلما قرب من زمن النفخ.
ثم نقل ما قاله الغزالي في " الإحياء" وعلق عليه بقوله: " والمرجح تحريمه بعد نفخ الروح فيه مطلقا، وجوازه قبله". ويرى الدكتور مدكور بعد هذا العرض للمذهب الشافعي أن من الشافعيه من يرى عدم حرمة الإجهاض قبل نفخ الروح أو قبل الربعين يوما من بدء الحمل، وأن بعضهم يرجح هذا الرأي. وقال: " وبهذا يتضح أن الشافعية يقتربون في مسلكهم الفقهي من مسلك الحنفية، كما يتضح أن المالكية لا يبعدون كثيرا من ذلك، خاصة بعد أن عرضنا ما استحسنه الإمام مالك".
ثم انتقل الدكتور مدكور إلى موقف الحنابلة فأورد قول ابن قدامة الحنبلي وعلق عليه بقوله: " إن العلقة لا يجب فيها شيء وإن المضغة غير المخلقة لا يجب فيها شيء أيضا، فكان الإجهاض على هذا غير محظور عندهم في هذه الفترة".
وفي المذهب الظاهري، كما جاء في كتاب " المحلى" لابن حزم، أن الإجهاض قبل نفخ الروح أو قبل مضي الأربعة الأشهر تلزم فيه الكفار والغرة والإجهاض بعد نفخ الروح ففيه القود أو الفداء.
стр. 5360
والزيدية، كما جاء في كتاب " البحر الزخار"، يرون أنه " إذا جاز العزل جاز تغيير النطفة والعلقة والمضغة إذ لا حرمة لجماد"، ومعنى ذلك أن الإسقاط جائز بعلتين: الأولى أن الإسقاط قبل نفخ الروح لا حرمة فيه؛ لأن الجنين يكون في حكم الجماد، والثانية أنه جائز قياسا على العزل.
وعند الشيعة الجعفرية والإباضية تحريم للإجهاض في أي طور.
وبعد هذا العرض للمذاهب الإسلامية خرج الدكتور محمد سلام مدكور بقوله: " ومن هذا العرض لحكم الإجهاض يتبين أنه محرم اتفاقا بعد نفخ الروح إلا لعذر يقتضيه، وأما قبل ذلك من غير عذر فقد اختلفت وجهات النظر. ويتردد الرأي بين الإباحة والكراهة والتحريم ويمكن أن نستخلص أن في المسألة أربعه أقوال:
١- الإباحة مطلقا دون توقف على عذر، وهو ما نقلناه عن الزيدية وبعض الحنفية وبعض الشافعية، وما استخلصناه من قول المالكية والحنابلة.
٢-الإباحة عند وجود عذر، والكراهة عند انعدام العذر، وهو رأي بعض من الحنفية ومن الشافعية.
٣-الكراهة مطلقا، وهو رأي لبعض المالكية.
٤- التحريم وهو المعتمد عند المالكية، والمتفق مع مذهب الظاهرية، وما يفيده كلام الشيعه الجعفرية وصريح قول الإباضية، ثم أورد الدكتور مدكور رأيه الشخصي " ونحن نميل بالنسبة إلى ما قبل الأربعين – مرحلة التخلق – إلى القول الثاني من الاباحة لعذر ومن الكراهة لغير عذر. وأما بعد ذلك وقبل نهاية الشهر الرابع فنتجه إلى التحريم، أما بعد الشهر الرابع فهو بالاتفاق حرام بكل صور التحريم إلا لضرورة، ويعجبنا قول الغزالي في جعله الخطر بالنسبة للإجهاض على درجات " الإجهاض جناية على موجود حاصل، فأول مراتب الوجود دفع النطفة في الرحم فتختلط بماء المرأة فإفسادها جناية، فإن صارت علقة أو مضغه فالجناية أفحش، فإن نفخت الروح واستقرت الخلقة زادت الجناية تفاحشا فيقوى التحريم كلما قرب من زمن النفخ؛ لأنه جريمة".