← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أما الإمام أحمد، فقد قال بجوازها لأنها عمل من الإعمال فجاز انعقاد الاشر عليها. وهذا هو الظاهر من مذهب الإمام أبي حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ومنها شرط الخيار في البيع، فقد قال الإمام مالك والشافعى وأبو حنيفة: لا يجوز الخيار فوق ثلاثة أيام إلا أن الإمام مالكًا قال لا يزاد الخيار على ثلاثة أيام إلا بقدر الحاجة، كأن يصل إلى البلد وهو لا يصل إليها إلا فوق ثلاثة أيام. أمام الإمام أحمد، فإنه قال بجواز شرط الخيار على ما يتفقان عليه زادت المدة أو قصرت حتى ولو زاد على الشهر، لأنه حق ثابت بالشرع فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل ويحكم بالملك في مدة الخيار للمشترى له غنمه وعليه غرمه. ومنها إذا باع شيئًا واستثنى نفعه المباح مدة معلومة غير الوطء، ودواعيه، كما لو باع بيتًا واستثنى سكناه حولًا أو أكثر. فقد قال الإمام أبو حنيفة والشافعى: لا يصح هذا الشرط، لأنه ينافى مقتضى البيع، أشبه ما لو اشترط أن لا يسلمه إليه. أمام الإمام أحمد، فقد قال بصحة هذا الشرط ولزوم ما يترتب عليه، لقصة جابر حين باع بعيره على النبى ﷺ واستثنى حملانه إلى المدينة. وتأخير تسليم المبيع إلى المدة المحدودة لا ينفى صحة البيع كالدار المؤجرة فإنه يصح البيع فيها مع تأخير تسليمها. ومنها بيع التلجئة وهى إذا خشى إنسان سلطانًا أو ظالمًا أن ينتزع ملكه منه قهرًا فاتفق مع إنسان بأن يظهر للناس أنه اشتراه منه ليحتمى بذلك من هذا الظالم ولا يريد بيعه على الحقيقة، فإن هذا يسمى بيع تلجئة. وقد قال الإمام أبو حنيفة والشافعى هو بيع صحيح، تم بأركانه وشروطه فلزم العقد فيه.

стр. 562

أما الإمام أحمد، فقد قال بعدم لزوم البيع لأنهما لم يقصدا البيع الحقيقى الذي هو انتقال المبيع إلى المشترى فلم يصح بناء على ما اتفقا عليه قبل العقد، لكون العقود محمولة على القصود. ومنها بيع العربون وهو أن يشترى شيئًا فيسلم بعض ثمنه ويقول أن جئتك ببقية الثمن وإلا فالعربون لك. فقد قال مالك والشافعى وأبو حنيفة: هذا لا يصلح لأنه بمثابة الخيار المجهول. أما الإمام أحمد، فقد قال: لا بأس به وفعله عمر وأجازه ابن عمر، وضعّف حديث النهى عن بيع العربون. ومنها لو اشترطت الزوجة في صلب العقد بأن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى عليها أو أن لا يخرجها من دار أهلها أو بلدها ونحو ذلك. فقد قال أبو حنيفة ومالك والشافعى: هذا شرط باطل لحديث ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط)) . وحديث ((إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) ، وهذا الشرط يقتضى تحريم الحلال من التزوج بغيرها أو التسرى أو السفر. أما الإمام أحمد، فقد قال بصحة هذا الشرط ولزومه، وأنه أن لم يف به فلها الخيار بين البقاء أو فسخ النكاح، لما روى البخاري أن النبى ﷺ قال: ((إن أحق الشروط أن توافوا به ما استحللتم به الفروج)) ، وحديث ((المسلمون على شروطهم)) . والقول بصحة هذا الشرط لزومه يروى عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعًا. وتزوج رجل بامرأة واشترطت عليه دارها فأراد نقلها بغير اختيارها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها. فقال الرجل: إذا يطلقننا يا أمير المؤمنين. فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط.

стр. 563

فهذه العقود والمشاركات والشروط وما يترتب عليها من الالتزامات والضمانات كلها من الأشباه والأمثال والنظائر التى يقاس بعضها على بعض في الإباحة لملاءمتها للمعاملات المستحدثة في هذا العصر والتى لا توجد عند غيره من الأئمة. وكل ما يصححه من العقود والشروط، فإن لديه دليلًا خاصًا من أثر أو قياس لكونه يستنبط دلائل مذهبه من مسنده وقد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبى ﷺ وعن الصحابة ما لم يبلغ غيره من الأئمة فقال به. فهذا الاشتراك الاجتماعى الأهلى المنعقد لضمان تأمين السيارات والطائرات والسفن ونحوها، يعتبر من التعاون المباح ويدخل في حدود التعامل الجائز، وما ينتج عنه من الأرباح فحلال لا شبهة فيه، أشبه شركة الكهرباء والأسمنت ونحوهما. لأن حمل معاملة الناس على الصحة، حسب الإمكان أولى من حملها على البطلان بدون دليل ولا برهان لكون العقد الصحيح عند أهل الأصول هو ما يتعلق به النفوذ من بلوغ المقصود ويعتد به. والباطل بخلافه وهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به، وهذا الاشتراك وما يترتب عليه مستكمل لشروط الصحة شرعًا.

стр. 564

ومن تأمل هذا تبين له أن جواز هذا الاشتراك وإباحة ما يترتب عليه من الربح أنه أشبه بأصول الشريعة وأبعد عن كل محذور. لكون الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه وأصول الإمام أحمد ونصوصه وقواعد مذهبه تقبل مثل هذا العقد وتنافى تحريمه. لكن بعض العلماء في هذا العصر القائلين بمنعه إنما أخذوه من العموميات اللفظية والقياسات الفقهية التى اعتقدوا شمولها لمثل هذا العقد ظنًا منهم أنه جهالة أو غرر، وما عارضوا به لم يصح عن الشارع القول بموجبه ولم يدخل في عموم المنهى عنه في أصل الشرع ولا في نصوص أحمد وأصوله، لكون الجهالة فيه مغتفرة وليست من الغرر المنهى عنه، بل هى من النوع الجائز كسائر أمثاله من الضمانات والشركات. وبهذا تندفع الاعتراضات وتبقى الأدلة الشرعية كافية للإقناع العلمى الذي تزول به الشكوك والشبهات. لهذا يجوز للقاضى الشرعى أن يحكم بصحة هذا العقد ولزوم ما يترتب عليه من الضمان. ومتى صدر الأمر به من الحكومة يتمحض للحتم والإلزام. وهو يدخل في ضمن عقد الضمان الذي ذكره الفقهاء من الحنابلة والمالكية والأحناف، حيث قالوا بصحة ضمان ما لم يجب وضمان المجهول وضمان أروش الجنايات، سواء كانت نقودًا أو ديات وكونه لا يشترط لصحة مثل هذا الضمان معرفة الضامن للمضمون عنه ولا قدر المضمون به فمتى قابل العاقل بين هذا الضمان الموصوف بما ذكر وبين ضمان التأمين على السيارات وجده منطبقًا عليه بجميع صفاته وإن اختلفت مسمياته وقواعد الشرع تعطى الشيء حكم نظيره. والله أعلم.

стр. 565

التأمين على الحياة وبيان بطلانه بالبراهين والبيّنات أن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيّه نصب أعلامًا وحدودًا للحلال يعرف بها الحلال، وأعلامًا وحدودا للحرام يعرف بها الحرام، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وحدود الله محرماته، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ . وقد أنزل الله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، فالكتاب هو الهادى إلى الحق، والميزان هو الذي توزن به أعمال الخلق فيعرف عدلها من عائلها، وصحيحها من فاسدها، فترد الفروع إلى أصولها ويلحق النظير بنظيره ويعطى حكمه في الجواز والمنع كما في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعرى –رضى الله عنهما- حيث قال: "ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما لم يكن في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال والنظائر وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق" انتهى.

стр. 566

لهذا يعتبر من الجور وعدم العدل إلحاق الحرام بالحلال، وكذا عكسه بحجة رواجه بين الناس أو مسايرته للتطور الجديد أو حكم الأنظمة بموجبه ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ . لأن كل تعامل أو اشتراك أو اشتراط ينافيه الشرع فهو باطل وإن كان مائة شرط. إن التأمين على اختلاف أنواعه لا ينبغى أن ينظر إليه بنظرات سلبية سطحية ليس لها غرض إلا في المادة والحصول على المادة والتشجيع على كسب المادة بشتى الطرق الملتوية والحيل المنحرفة عن المكاسب الصحيحة إلى المكاسب الخبيثة. وربما تحاملوا بالملام والإنحاء بالمذام على ما قال في الحرام هو حرام، كأنهم يريدون توسيع الطرق لكسب المال من حلال أو من حرام، كما في البخاري أن النبى ﷺ قال: ((يأتى على الناس زمان لا يبالى الرجل من أين أخذ المال أمن حلال أو من حرام)) .

стр. 567

صفة عقد التأمين على الحياة هو أن يأتى من يريد التأمين على حياته إلى شركة التأمين، فيتفق معها على تأمين حياته عشرين عامًا أو أقل أو أكثر، في مقابلة شيء معلوم من النقود، كأربعة آلاف أو أقل أو أكثر، يدفعها مقسطة بين عشر سنين كل سنة يدفع مثلًا أربعمائة ريال، على أنه أن مات في خلال هذه المدة المحدودة، فإن شركة التأمين ملزمة بدفع أربعين ألفًا أو خمسين ألفًا، على حساب ما يتفقان عليه، حتى ولو لم يكمل دفع الأقساط كلها. فإن دفع بعض الأقساط ثم عجز عن دفع الباقى ذهب عليه كل ما دفعه. وفيه شروط ومصطلحات بينهما، منها كون الشركة تشترط على نفسها أن تدفع ربحًا خمسة في المائة في حالة استمرار عقد التأمين. ولا شك أن هذا العقد بهذه الصفة باطل قطعًا، ولن تجد له محملًا من الصحة وإن حذلقة من يحتال لإباحته فإن وسائل البطلان محيطة به من جميع جهاته.

стр. 568

منها أنها تسليم دراهم مقسطة في دراهم أكثر منها مؤجلة قد يتحصل عليها وقد تفوت عليه في حالة عجزه عن بعض الأقساط فحقيقتها أنها شراء دين بدين وشراء دراهم بدراهم أكثر منها وتشبه بيع الآبق المنهى عنه في حالة جهالة الحصول على العوض المشروط وقد يفوت عليه مع رأس ماله ومع ما فيه من الربا وسائر وسائل البطلان، فإنها لا تقضيه الحاجة ولا توجبه المصلحة ويمجه العقل فضلًا عن المشرع. والحاصل أن قضية التأمين على الحياة هى من المعاملات المستحدثة الفاسدة لمشابهتها لعقد الميسر حقيقة ومعنى من باب اجتماع الفرع بالأصل ومساواته له في المعنى والحكم، لأن الصحابة –رضى الله عنهم- كانوا يمثلون الوقائع بنظائرها ويشبهونها بأمثالها ويردون بعضها إلى بعض في أحكامها. لأنه بمقتضى تحقيق النظر في حكم هذا العقد. ثم في تطبيقه على ما يشاكله من نظائره، ثم الحكم فيه بالميزان العادل غير العائل على ضوء النصوص الصحيحة المبنية على حفظ الدين والنفس والمال.

стр. 569

بدراسة عميقة سليمة من الأهواء النفسية والأغراض الشخصية دراسة تبين الأحكام وعللها وشمول مصالحها وترد الأشياء إلى أصولها بدون اطراد عرفى ولا اقتضاء عقلى، فإنه حينئذ يتبين بذلك فساد هذا العقد وخروجه عن حدود ميزان العدل والحق. لأن الحلال هو ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ، وإنما حرم الله الميسر من أجل أنه أكل للمال بغير حق، مع كونه يورث العداوة والبغضاء على أثر سلب المال بغير حق. والله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . والنبى ﷺ قد فصّل ما أجمله الله في كتابه من شئون تحريم بعض العقود والمعاملات صيانة للأموال عن التلاعب بها بغير حق، فنهى عن بيع الغرر وهو المجهول العاقبة وغير الموثوق بالحصول عليه، كبيع الآبق، وبيع ما في بطون الأنعام، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة والملامسة والمنابذة وضربة الغائص، وبيع ما ليس عندك، كما حرم الربا والميسر وهو القمار، وكما حرم الخمر شربه وبيعه وأكل ثمنه، كما حرم الخداع والغش والكذب. كل هذه حرمها الشاعر في أجل أنها تفضى إلى مفسدة الميسر الذي يثير العداوة والبغضاء بين الناس والذى هو أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 570

وقد أخذ الناس تتجارى بهم الأهواء في تأمين الحياة حتى أخذوا يؤمنون على أعضاء الإنسان، فبعضهم يؤمن على يده، وبعضهم يؤمن على رجله، وبعضهم يؤمن على صوته (١) وحيث قلنا ببطلان التأمين على الحياة من أصله، فإنه مفض للبطلان في أبعاضه من باب الأولى والأحرى، كما قلنا ببطلان الميسر بكل أنواعه. وقضية عقد التأمين على الحياة هى من نوع ذلك بمقتضى المطابقة والتضمن. فإن المؤمن على حياته يدفع نقودًا قليلة مقسطة في نقود كثيرة مؤجلة وغير موثوق بالحصول عليها، فقد تفوت عليه بعجزه عن دفع بقية الأقساط، وقد يفوت عليه معظمها ببقائه حيًا إلى نهاية المدة المحدودة. والفرق بينه وبين التأمين على السيارات والطائرات ونحوهما واضح جدًا، فإن المؤمن على سيارته لا يريد بتأمينها الحصول على نقود أكثر مما دفع ولا أقل لا في حياته ولا بعد مماته، وإنما يريد الأمان والاطمئنان عن الحوادث منها أو عليها، بحيث تتكفل الشركة بضمان ما وقع عليها فقط وهذا الأمان والاطمئنان هو مما يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان والضامن غارم كما ثبت بذلك الحديث بقوله: ((الزعيم غارم والعارية مؤداة)) .

стр. 571

فدعوى المبيحين له بأن عقد التأمين على الحياة يقع بالتراضى وأن شركة التأمين تدفع العوض المتفق عليه بحالة الاختيار بدون إجبار وأنه لن يثير العداوة والبغضاء كما يثيرها القمار وأنه قد يخلف هذا المال لأولاده الضعاف الذين قد تحيط بهم الحاجة والفقر بعد موته. فهذا ليس على إطلاقه ولا يبرر انعقاده. فدعوى انعقاده بالتراضى يبطله كون العقود المحرمة كلها تقع بالتراضى ولا يحللها رضى المتعاقدين، وقد سبق حكم الله بتحريمها وبطلانها. وأما دفع الشركة للعوض بمقتضى الرضا بدون أن يقع فيه عداوة ولا بغضاء فهذا ليس على إطلاقة، فمتى أردت أن تعرف عدم صحته فافرض أن رجلًا اتفق مع شخص آخر على تأمين حياته لكون عقد التأمين على الحياة يصح من الفرد مع الفرد كما يصح مع الشركة، إذ الحكم واحد. فاتفق معه على أن يدفع المؤمّن على حياته قدر أربعة آلاف أو أقل أو أكثر مقسطة، بحيث يدفع في كل سنة جزءًا منها على حساب تأمين حياته عشرين سنة أو عشر سنين. أن مات في خلال هذه المدة المضروبة لزم الملتزم للضمان خمسون ألفًا أو أربعون على حسب ما يتفقان عليه، بحيث يدفعها إلى ورثة المؤمّن لحياته، فبعد إبرام العقد ودفع أول الأقساط توفى المؤمّن لحياته أفتراه يدفع هذا القدر الذي التزمه أي أربعين أو خمسين ألفًا إلى الورثة بطريق الرضى والاختيار، أم تراه يتهرب عن الدفع ويعمل ألف حيلة في الامتناع وعدم السماح بالدفع وعلى أثره يقع النزاع بينه وبين خصمه في حالة امتناعه، ثم تنعقد بينهما العداوة والبغضاء أعظم مما يقع بين أهل القمار؟!. وفى حالة الاصرار على الامتناع تستدعيهما الحاجة والضرورة إلى الترافع إلى قاضى الشرع ليقطع عنهما النزاع ويريحهم من مشقة الخصام بالحكم بالعدل. أفترى هذا القاضى يحكم بالتزام الملتزم بدفع ما التزم به على نفسه، سواء كان أربعين أو خمسين ألفًا إلى ورثة المؤمّن على حياته، أم تراه يرد الأشياء إلى أصولها والفروع إلى نصوصها، فيحكم بإرجاع ما قبضه كل واحد منهما، ثم التحاسب فيما لكل واحد منهما أو عليه لا وكس ولا شطط، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ .

стр. 572

وكيف ننسى في مثل هذه القضية حكم رسول الله ﷺ وقضاءه في وجوب رد المال على صاحبه عند تعذر أخذ عوضه. كما روى مسلم في صحيحه عن جابر، أن النبى ﷺ قال: ((لو بعت على أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حق)) . فهذا حكم رسول الله في مثل هذا العقد الواقع صحيحًا في بداية الأمر وبطريق الرضى والاختيار من كل منهما، ولكنه لمّا لم يقبض عوض ما اشتراه القبض التام الذي يحصل به الانتفاع حكم رسول الله برد الثمن على صاحبه، وكونه لا يحل للبائع أن يأكل مال أخيه بغير حق والذى لا يحل هو الحرام لكون الأموال محترمة لا يحل أخذها إلا عن طريق الحق. أفترى شرع الإسلام المبنى على مصالح الخاص والعام وعلى حفظ الدماء والأموال، أفتراه يحكم بفسخ هذا العقد ووجوب رد الثمن على المشترى كاملًا لمّا لم يتحصل على قبض ما اشتراه، ثم يبيح أخذ هذا المال الكثير بدون مقابل من العوض ما عدا الالتزام على نفسه به فلا يقول بصحة هذا العقد وإباحة ما يترتب عليه من العوض إلا من يقول بصحة عقد الميسر، أي القمار وإباحة ما يترتب عليه من المال، إذ هما في الحكم سواء والكل واقع بالتراضى بينهما.

стр. 573

ثم أن العقود المحرمة مقرون بها الشؤم والفشل ومحق الرزق وانتزاع البركة يقود بعضها إلى بعض في الشر كما قيل من أن المعاصى بريد الكفر. لهذا يظهر من مساوئ مثل هذا العقد أن الورثة من الأولاد والزوجة متى عرفوا من موروثهم تأمين حياته بهذا المال العظيم، أي قدر خمسين ألفًا أو أربعين وخشوا فوات هذا المال بطول حياته وتجاوزه للمدة المحدودة، فإنهم سيعملون عملهم مباشرة أو بالتسبب بالقضاء على حياته حرصًا على الحصول على هذا المال وحذرًا من فواته بطول حياته، لكون المال مغناطيس النفوس يسيل لعابها على حبه والتحيل على فنون كسبه، مع العلم أن الناس قد ساءت طباعهم وفسدت أوضاعهم وضعف إيمانهم وفاض الغدر والخيانة بينهم. وقد قص الله علينا خبر من كان قبلنا ليكون لنا بمثابة العظة والعبرة، وخير الناس من وعظ بغيره. فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ﴾ ، فمعنى ادَّارأتم، أي: تدافعتم في الخصام. وذكر ابن كثير في التفسير عن ابن أبي حاتم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلمانى، قال: كان رجل من بنى إسرائيل عقيمًا لا يولد له وكان له مال كثير وكان ابن أخيه هو وارثه فاستبطأ موته فقتله ثم حمله فوضعه ليلًا على باب رجل منهم ثم أصبح يدعيه عليهم ويقول: أنتم قتلتم عمى حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض، فقال عقلاؤهم وذوو الرأى منهم: علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا نبى الله موسى فيكم فاسألوه، قال: فأتوا نبى الله موسى –﵇ فذكروا ذلك له فأمرهم أن يذبحوا بقرة وأن يضربوه ببعضها ففعلوا ذلك فبعثه الله حيًا سويًا، فقال: قتلنى ابن أخى فلان فلم يورث قاتل من قتله بعد ذلك. ورواه ابن جرير بنحوه.

стр. 574

وتاريخ هذا العصر يحكى عن مثله، وهو أن رجلًا أمَّن حياة والدته لدى شركة التأمين، فبعد إبرام العقد وتسليم بعض الأقساط صنع له قنبلة ووضعها تحت كرسى ثم أمر والدته أن تجلس على الكرسى فثارث بها القنبلة حتى جعلتها قطعًا فذهب إلى شركة التأمين يطالبهم بعوض حياة والدته، فبعد إجراء البحث والتفتيش عرفوا تمام المعرفة أنها خيانة ومكيدة من الولد على والدته حرصًا منه على الحصول على عوض حياتها، وقد اعترف لهم بذلك بعد تحديه بالأمارات والدلائل. وأما قولهم: إنه قد يخلف هذا المال لأولاده الضعاف فإن حسن المقاصد لا يبيح المحرمات ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ فكم من غنى خلف أموالًا كثيرة فاجتاحتها أيدى الظلمة وأجلسوهم على حصير الفقر أو صار هذا المال سببًا في فسقهم وفسادهم. وكم من رجل نشأ فقيرًا فرزقه الله مالًا كثيرًا، وفى الحديث ((من أحب أن يحفظ في عقبه وعقب عقبه فليتق الله)) فاحفظ الله يحفظك أي في دينك ودنياك وفى أهلك وعيالك. ثم أن القائلين بإباحة التأمين على الحياة لّما لم يجدوا نصًا يعتمدون عليه ولا قياسًا يستندون إليه، أخذوا يركبون التعاسيف في الصدر والورود ويستدلون بما يعد بعيدًا عن المقصود، شأن العاجز المبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك العنكبوت، اشبه من يحاول اقتباس ضوئه من نار الحباحب والتماس ريه من السراب الكاذب، من ذلك استدلالهم ببيع الوفاء، وهو أجنبى عن البحث في الحقيقة والمعنى فلا يمت إليه بصفة ولا صلة.

стр. 575

وصفته عند الأحناف هو أن يضع الرجل عقاره الذي تساوى قيمته ألفًا أو ألفين فيضعه عند رجل في خمسمائة أو أكثر ويكتب عليه بيع وفاء يريدون من هذه التسمية أن يستحل المرتهن غلته هذا لعقار ما دام باقيًا في يده بدون أن يرجع عليه مالكه في شيء من قيمة غلته في مقابلة ما ينتفع صاحبه بالدراهم، وإذا تحصل صاحب العقار على النقود استرجع عقاره بدون منازعة لاعتقاد الجميع بأنه باق على ملك صاحبه. وقد حدث هذا التعامل بهذه الصفة في بلدان فارس. قبل في القرن الخامس وأفتى الكثير من الفقهاء بكونه رهنًا لا ينصرف إلى غيره وإن سموه بيعًا لكون الاعتبار في العقود بالمقاصد وهما لم يقصدا التبايع الحقيقى وهذا هو الصحيح، لأنهما إنما قصدا بهذه التسمية محض التوثقة واستباحة الغلة فقط. والأسماء لا تغير الأشياء عن حقائقها. ثم إنه على فرض صحة ما ذكروا من أنه بيع مستقل بحالته وعلى صفته، فإنه مخالف للقياس في صيغ البيوع الصحيحة وما خالف القياس لا يقاس عليه عند أهل الأصول. مع كونه بعيدًا في القياس عن مشابهة التأمين على الحياة (١) .

стр. 576

ثم استشهدوا أيضا على جوازه بقضية عقد الموالاة عند الأحناف. وصفته.. أن يقول رجل لآخر: أنت مولاى ترثنى إذا مت وتعقل عنى فيصح ذلك عندهم ويرثه أن لم يوجد من يرثه بفرض أو تعصيب أو ذى رحم ويستدلون عليه بما روى عن تميم الداري، قال: سألت رسول الله عمن أسلم على يد رجل؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هو أحق الناس به محياه ومماته)) وفسروا محياه بالعقل ومماته بالميراث ينسبون القول به عن على وابن عمر وابن مسعود، وهذا الحديث ضعيف جدًا، قال في المغنى: إنه ضعيف لا يصح، وقال الشافعى: الموالاة ليست بشيء. والإمام أبو حنيفة يعترف على نفسه بأنه مزجى البضاعة من الحديث وقد ظنه صحيحًا فبنى على ظنه القول به وأخذه عنه أصحابه كما في الهداية وبدائع الصنائع وغيرهما، وكان أصل الحديث صحيحًا في بداية الأمر ثم نسخ الحكم به وانقطع العمل بموجبه.

стр. 577

وأصل الموالاة في بدء الإسلام هو أن النبى ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار وكانوا تسعين رجلًا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار فآخى النبى ﷺ بينهم على المؤاساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوى أرحامهم إلى حين وقعة بدر، قال ابن عباس: كان المهاجرى يرث الأنصاري دون قرابته وذوى رحمه للأخوّة التى آخى بينهما رسول الله. ولهذا يقول الزبير بن العوام: إنا معشر قريش لمّا قدمنا المدينة قدمناها ولا مال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم ووارثناهم فآخى أبو بكر خارجة بن زيد وآخى عمر فلانًا وآخى عثمان رجلًا من بنى زريق بن سعد، قال الزبير: وآخيت أنا كعب بن مالك فوالله يا بنى لو مات عن الدنيا ما ورثه غيرى حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ فرجعنا إلى مواريثنا وبقيت المناصرة الدينية. ذكره ابن كثير في التفسير عن أبي حاتم. فما ينسب عن عمر وعلى وابن مسعود فمحمول على ذلك في بداية الإسلام والا فقد أجمع الصحابة على نسخه، فلم يحفظ عن أحد منهم القول به ولا الحكم بموجبه. والوصية بماله كله ممن لا وارث له جائز في ظاهر مذهب الإمام أحمد، ولهذا قالوا: وتجوز الوصية بماله كله ممن لا وارث له. والحكم في الموالاة على العقل هو الحكم في الإرث، على حسب ما ذكرنا وأنه منسوخ، وقد حكم رسول الله ﷺ بإيجاب دية الخطأ على العاقلة كما في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله فقضى رسول الله أن دية الجنين غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم فقام حمل بن النابغة الهذلى، فقال: يا رسول الله، كيف نغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إنما هذا من اخوان الكهان)) من أجل سجعه الذي سجعه. فمضى الأمر على هذا وانعقد عليه الإجماع.

стр. 578

فكانت القبيلة تجلس لتوزيع الدية بينهم فيحمّلون كل شخص ما يستحقه على حسب مقدرته وقربه، وهذا من التعاون الواجب بحكم الشرع. ومن محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد في المعاش والمعاد أن أوجب الله دية الخطأ على من عليه موالاة القاتل ونصرته، بحيث أن هذا القاتل هو قريبهم ورحمهم، ولم يتعمد القتل وإنما وقع بغير اختياره وقصده فوجب عليه في خاصة نفسه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله كما أوجب الدية على العاقلة. ومن المعلوم أن الجناية في الأصل تتعلق بالجانى، فلا يجنى جان إلا على نفسه ولا تزر وازرة وزر أخرى. أي لا يحمل أحد ذنب الآخر وكانت الدية في الأصل مائة من الإبل وفى الغالب أن القاتل لا يستطيع حملها بجملتها فإيجاب الدية مع الكفارة عليه في ماله فيها ضرر عليه لعدم قدرته عليها، وإهدار دم القتيل من غير ضمان فيه ضرر على ورثته. فكان من محاسن الشريعة أو أوجبت دية الخطأ على أقارب القاتل، أي عاقلته، كما أوجب الله النفقة على الأقارب، فإيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجب الشارع من النفقة على المضطرين ونحوهم والأقربون هم أحق بالمعروف.

стр. 579

لأن المؤمن كثير بإخوانه غنى بأعوانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . وهذه هى حقيقة التعاون بين الأرحام الواجبة في دين الإسلام. ولا تحمل العاقلة العمد المحض ولا المال من قيمة عبد ونحوه ولا ما دون ثلث الدية. والحاصل هو أن الأمة التى يبذل أغنياؤها المال وتقوم بفريضة التعاون على الأعمال فيكفل أغنياؤهم فقراءهم ويعول أقوياؤهم ضعفاءهم ويعودوا بفضل ما أتوا إلى إخوانهم المعوزين ويعطفوا على البائسين والمنكوبين أنها لابد أن تتسع تجارتها وأن تتوفر سعادتها وأن تدوم على أفرادها النعمة ما استقاموا على هذه الفضيلة ثم يكونون مستحقين لسعادة الدنيا والآخرة.

стр. 580

قرار المجمع الفقهى بمكة المكرمة القرار الخامس التأمين بشتى صوره وأشكاله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله واصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن مجمع الفقه الإسلامى قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك وبعد ما اطلع أيضا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/٤/١٣٩٧هـ. من التحريم للتأمين بأنواعه. وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأى في ذلك قرر المجلس بالأكثرية تحريم التأمين بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك من الأموال. كما قرر مجلس المجمع بالاجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء من جواز التأمين التعاونى بدلًا من التأمين التجاري المحرم والمنوه عنه آنفًا وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة. تقرير اللجنة المكلفة بإعداد قرار مجلس المجمع حول التأمين: بناء على قرار مجلس المجمع المتخذ بجلسة الأربعاء ١٤ شعبان ١٣٩٨هـ المتضمن تكليف كل من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد محمود الصواف والشيخ محمد بن عبد الله السبيل بصياغة قرار مجلس المجمع حول التأمين بشتى أنواعه وأشكاله. وعليه فقد حضرت اللجنة المشار إليها وبعد المداولة أقرت ما يلى: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

стр. 581

أما بعد: فان مجمع الفقه الإسلامى في دورته الأولى المنعقدة في ١٠ شعبان ١٣٩٨هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامى قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطلع أيضا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/٤/٩٧هـ. بقراره رقم (٥٥) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه. وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأى في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهى بالاجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك للأدلة الآتية: الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطى أو يأخذ فقد يدفع قسطًا أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلًا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئًا وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطى ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبى ﷺ النهى عن بيع الغرر.

стр. 582

الثانى: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ فإن المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارا ودخل في عموم النهى عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والآية بعدها. الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ فان الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نسأ وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما. دفعه لها يكون ربا نسأ فقط وكلاهما محرم بالنص والإجماع.

стр. 583

الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة ولم يبح الشرع من الرهان الا ما فيه نصرة للإسلام وظهور لإعلامه بالحجة والسنان وقد حصر النبى ﷺ رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله ﷺ ((لا سبق الا في خف أو حافر أو نصل)) وليس التأمين من ذلك ولا شبيهًا به فكان محرمًا. الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم لدخوله في عموم النهى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه ولم يتسبب في حدوثه وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له والمؤمن لم يبذل عملًا للمستأمن فكان حرامًا. وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقًا أو في بعض أنواعه فالجواب عنه ما يلى: (أ) الاستدلال بالاستطلاح غير صحيح فان المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة. وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة وهذا محل اجتهاد المجتهدين، والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه. وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.

стр. 584

(ب) الإباحة الاصلية لا تصلح دليلًا هنا لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة. والعمل بالاباحة الأصلية مشروط بعدم المناقل عنها وقد وجد فبطل الاستدلال بها. (ج) الضرورات تبيح المحظورات لا يصح الاستدلال به هنا، فان ما اباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافا مضاعفة مما حرمه عليهم فليس هناك ضرورة معتبرة شرعًا تلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين. (د) لا يصح الاستدلال بالعرف فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في إيمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين فلا اعتبار به معها. (هـ) الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة أو في معناه غير صحيح؛ فإن رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضى به نظام التأمين، وأن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفى التأمين قد يستحق الورثة نظاما مبلغ التأمين ولو لم يدفع مورثهم إلا قسطا واحدًا، وقد لا يستحقون شيئًا إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته، وأن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبًا مئوية مثلًا بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة وليس للمستأمن الا مبلغ التأمين أو مبلغ غير محدد.

стр. 585

(و) قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به غير صحيح، فإنه قياس مع الفارق ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادى المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة فالقصد الأول فيه التآخى في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال وما يكون من كسب مادى فالقصد إليه بالتبع. (ز) قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به لا يصح لأنه قياس مع الفارق ومن الفروق أو الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلًا من باب المعروف المحض فكان الوفاء به واجبًا أو من مكارم الأخلاق بخلاف عقود التأمين فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح المادى فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر. (ح) قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب قياس غير صحيح لأنه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولًا الكسب المادى فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع ما دام تابعًا غير مقصود إليه. (ط) قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق لا يصح فإنه قياس مع الفارق كما سبق في الدليل قبله. (ى) قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح فإنه قياس مع الفارق أيضا لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولى الأمر باعتباره مسئولًا عن رعيته وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذى هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التى يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة. لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقًا التزم به من حكومات مسئولة عن رعيتها وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه وتعاونًا معه جزاء تعاونه ببدنه وفكره وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة.

стр. 586

(ك) قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة لا يصح فإنه قياس مع الفارق ومن الفروق أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ وشبه العمد ما بينهما وبين المقاتل خطأ أو شبه العمد من الرحم والقرابة التى تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو دون مقابل وعقود التأمين التجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة لا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصلة. (ل) قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة غير صحيح لأنه قياس مع الفارق أيضًا. ومن الفروق أن الأمان ليس محلًا للعقد في المسألتين وإنما محله في التأمين الأقساط ومبلغ التأمين، وفى الحراسة الأجرة وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة والا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس. (م) قياس التأمين على الإيداع لا يصح لأنه قياس مع الفارق أيضا فإن الأجرة في الايداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه بخلاف التأمين فان ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن ويعود إلى المستأمن بمنفعة إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة وشرط العوض عن الضمان لا يصح بل هو مفسد للعقد وان جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جعل فيها مبلغ التأمين أو زمنه فاختلف في عقد الإيداع بأجر. (ن) قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البزمع الحاكة لا يصح. والفرق بينهما أن المقيس عليه من التأمين التعاونى وهو تعاون محض والمقيس تأمين تجاري وهو معاوضات تجارية فلا يصح القياس. كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (٥١) وتاريخ ٤/٤/١٣٩٧هـ. من جواز التأمين التعاونى بدلًا عن التأمين التجاري المحرم والمنوه عنه آنفًا للأدلة الآتية: الأول: أن التأمين التعاونى من عقود التبرع التى يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر فجماعة التأمين التعاونى لا يستهدفون تجارة ولا ربحًا من أموال غيرهم وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.

стр. 587

الثانى: خلو التأمين التعاونى من الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسأ فليس عقود المساهمين ربوية ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية. الثالث: أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاونى بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة بخلاف التأمين التجاري فإنه عقد معاوضة مالية تجارية. الرابع: قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذى من أجله أنشئ هذا التعاون سواء كان القيام بذلك تبرعًا أو مقابل أجر معين. ورأى المجلس أن يكون التأمين التعاونى على شكل شركة تأمين تعاونية مختلطة للأمور الآتية: أولًا الالتزام بالفكر الاقتصادى الإسلامى الذى يترك للأفراد مسئولية القيام بمختلف المشروعات الاقتصادية ولا يأتى دور الدولة الا كعنصر مكمل لما عجز الأفراد عن القيام به وكدور موجه ورقيب لضمان نجاح هذه المشروعات وسلامة عملياتها. ثانيًا الالتزام بالفكر التعاونى التأمينى الذى بمقتضاه يستقل المتعاونون بالمشروع كله من حيث تشغيله ومن حيث الجهاز التنفيذى ومسئولية إدارة المشروع. ثالثًا تدريب الأهالى على مباشرة التأمين التعاونى وإيجاد المبادرات الفردية والاستفادة من البواعث الشخصية فلا شك أن مشاركة الأهالى في الإدارة تجعلهم أكثر حرصًا ويقظة على تجنب وقوع المخاطر التى يدفعون مجتمعين تكلفة تعويضها مما يحقق بالتالى مصلحة لهم في إنجاح التأمين التعاونى إذ أن تجنب المخاطر يعود عليهم بأقساط أقل في المستقبل، كما أن وقوعها قد يحملهم أقساطا أكبر في المستقبل.

стр. 588

رابعًا أن صورة الشركة المختلطة لا يجعل التأمين كما لو كان هبة أو منحة من الدولة للمستفيدين منه بل بمشاركة منها معهم فقط لحمايتهم ومساندتهم باعتبارهم هم أصحاب المصلحة الفعلية وهذا موقف أكثر إيجابية ليشعر معه المتعاونون بدور الدولة ولا يعفيهم في نفس الوقت من المسئولية. ويرى المجلس أن يراعى في وضع المواد التفصيلية للعمل بالتأمين التعاونى على الأسس الآتية: الأول: أن يكون لمنظمة التأمين التعاونى مركز له فروع في كافة المدن وأن يكون بالمنظمة أقسام تتوزع بحسب الأخطار المراد تغطيتها وبحسب مختلف فئات ومهن المتعاونين كأن يكون هناك قسم للتأمين الصحى وثان للتأمين ضد العجز والشيخوخة..الخ. أو يكون هناك قسم لتأمين الباعة المتجولين وآخر للتجار وثالث للطلبة ورابع لأصحاب المهن الحرة كالمهندسين والأطباء المحامين..الخ. الثانى: أن تكون منظمة التأمين التعاونى على درجة كبيرة من المرونة والبعد عن الأساليب المعقدة. الثالث: أن يكون للمنظمة مجلس أعلى يقرر خطط العمل ويقترح ما يلزمها من لوائح وقرارات تكون نافذة إذا اتفقت مع قواعد الشريعة.

стр. 589

الرابع: يمثل الحكومة في هذا المجلس من تختاره من الأعضاء ويمثل المساهمين من يختارونه ليكونوا أعضاء في المجلس ليساعد ذلك على إشراف الحكومة عليها أو اطمئنانها على سلامة سيرها وحفظها من التلاعب والفشل. الخامس: إذا تجاوزت المخاطر موارد الصندوق بما قد يستلزم زيادة الأقساط فتقوم الدولة والمشتركون بتحمل هذه الزيادة. ويؤيد مجلس المجمع الفقهى ما اقترحه مجلس هيئة كبار العلماء في قراره المذكور بأن يتولى وضع المواد التفصيلية لهذه الشركة التعاونية جماعة من الخبراء المختصين في هذا الشأن. والله ولى التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 590

[توقيع] نائب الرئيس محمد على الحركان الأمين العام لرابطة العالم الإسلامى [توقيع] الرئيس عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى فى المملكة العربية السعودية الأعضاء [توقيع] عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد فى المملكة العربية السعودية [توقيع] محمد محمود الصوّاف [توقيع] صالح بن عثيمين [توقيع] محمد بن عبد الله السبيل [توقيع] محمد رشيد قبانى [توقيع] مصطفى الزرقاء [توقيع] محمد رشيدى [توقيع] عبد القدوس الهاشمى الندوى [سافر قبل التوقيع] أبو بكر جومى

стр. 591

المجمع الفقهى الإسلامى بمكة المكرمة ب- د/٦/٢ – ١٤٠٦/٣ مخالفة الأستاذ الدكتور مصطفى الزرقاء اخوانى الأستاذة الفضلاء أعضاء المجمع الفقهى.. إنى أخالف ما ذهبتم إليه من اعتبار التأمين الذى أسميتموه تجاريًا بمختلف أنواعه وصوره حراما. وميزتم بينه وبين ما أسميتموه تعاونيًا، وأرى أن التأمين من حيث إنه طريق تعاونى منظم لترميم الأضرار التى تقع على رؤوس أصحابها من المخاطر التى يتعرضون لها هو في ذاته جائز شرعًا بجميع صوره الثلاث وهى: التأمين على الأشياء والتأمين من المسئولية المسمى (تأمين ضد الغير) ، والتأمين المسمى خطأ بالتأمين على الحياة جائز شرعًا. وان أدلتى الشرعية من الكتاب العزيز والسنة النبوية وقواعد الشريعة ومقاصدها العامة والشواهد الفقهية بالقياس السليم عليها ودفع توهم أنه يدخل في نطاق القمار أو الرهان المحرمين، ودفع شبهة أنه ربا، كل ذلك موضح تمام الإيضاح في كتابى المنشور بعنوان (عقد التأمين، وموقف الشريعة الإسلامية منه) وأنتم مطلعون عليه مع بيان حاجة الناس في العالم كله إليه.

стр. 592

وقد بينت لكم في هذه الجلسة أيضا أن التمييز بين تأمين تعاونى وتجاري لا سند له، فكل التأمين قائم على فكرة التعاون على تفتيت الأضرار وترميمها ونقلها عن رأس المصاب وتوزيعها على أكبر عدد ممكن بين عدد قليل من الأشخاص الذين تجمعهم حرفة صغيرة –أو سوق- ويتعرضون لنوع من الأخطار فيساهمون في تكوين صندوق مشترك حتى إذا أصاب أحدهم الخطر والضرر عوضوه عنه من الصندوق الذى هو أيضا مساهم فيه هذا النوع الذى يسمى في الاصطلاح تبادليًا وسميتموه (تعاونيًا) لا تحتاج إدارته إلى متفرغين لها ولا إلى نفقات إدارة وتنظيم وحساب الخ.. فإذا كثرت الرغبات في التأمين وأصبح يدخل فيه الألوف –عشراتها أو مئاتها أو آلافها- من الراغبين وأصبح يتناول عددًا كبيرًا من أنواع الأخطار المختلفة فإنه عندئذ يحتاج إلى إدارة متفرغة وتنظيم ونفقات كبيرة من أجور محلات وموظفين ووسائل آلية وغير آلية الخ.. وعندئذ لابد لمن يتفرغون لإدارته وتنظيمه من أن يعيشوا على حساب هذه الإدارة الواسعة كما يعيش أي تاجر أو صانع أو محترف أو موظف على حساب عمله. وعندئذ لابد من أن يوجد فرق بين الأقساط التى تجبى من المستأمنين وبين ما يؤدى من نفقات وتعويضات للمصابين عن أضرارهم لتربح الإدارة المتفرغة هذا الفرق وتعيش منه كما يعيش التاجر من فرق السعر بين ما يشترى ويبيع. ولتحقيق هذا الربح يبنى التأمين الذى أسميتموه تجاريًا على حساب إحصاء دقيق لتحديد القسط الذى يجب أن يدفعه المستأمن في أنواع من الأخطار. هذا هو الفرق الحقيقى بين النوعين. أما المعنى التعاونى فلا فرق فيه بينهما أصلًا من حيث الموضوع.

стр. 593

كما أنى أحب أن أضيف إلى ذلك أن هذه الدورة الأولى لهذا المجمع الفقهى الميمون الذى لم يجتمع فيها الا نصف أعضائه فقط والباقون تخلفوا أو اعتذروا عن العضوية لظروفهم الخاصة لا ينبغى أن يتخذ فيها قرار بهذه السرعة بتحريم موضوع كالتأمين من أكبر الموضوعات المهمة اليوم خطورة وشأنًا لارتباط مصالح جميع الناس به في جميع أنحاء المعمورة والدول كلها تفرضه إلزاميًا في حالات كالتأمين على السيارات ضد الغير صيانة لدماء المصابين في حوادث السيارات من أفئدة تذهب هدرًا إذا كان قائد السيارة أو مالكها مفلسًا. فإذا أريد اتخاذ قرار خطير كهذا وفى موضوع اختلفت فيه آراء علماء العصر اختلافا كبيرًا في حله أو حرمته يجب في نظرى أن يكون في دورة يجتمع فيها أعضاء المجمع كلهم أو إلا قليلًا منهم وعلى أن يكتب لغير أعضاء المجمع من علماء العالم الإسلامى الذين لهم وزنهم العلمى ثم يبت في مثل هذا الموضوع الخطير في ضوء أجوبتهم على أساس الميل إلى التيسير على الناس عند اختلاف آراء العلماء لا إلى التعسير عليهم. ولابد لى ختامًا من القول بأنه إذا كانت شركات التأمين تفرض في عقودها مع المستأمنين أمورًا لا يقرها الشرع، أو تفرض أسعارًا للأقساط في أنوع الأخطار غالية بغية الربح الفاحش فهذا يجب أن تتدخل فيه السلطات المسئولة لفرض رقابة وتسعير لمنع الاستغلال، كما توجب المذاهب الفقهية، وجوب التسعير والضرب على أيدى المحتكرين لحاجات الناس الضرورية وليس علاجه تحريم التأمين. لذلك أرجو تسجيل مخالفتى هذه مع مزيد الاحترام لآرائكم. دكتور مصطفى الزرقاء

стр. 594

العَرض وَالمناقشَة ١٢/٤/١٤٠٦ = ٢٤/١٢/١٩٨٥ الساعة: ١٧.٤٥ – ٢٠.١٥ ١٣/٤/١٤٠٦ – ٢٥/١٢/١٩٨٥ الساعة: ٩.٣٠ – ١٣.٢٠ الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فى هذه الجلسة المسائية المباركة على جدول أعمالنا بحث "مسألة التأمين وإعادة التأمين" وقد تسلمتم مسبقا البحوث التى أعدت في هذا الموضوع وهى في ثلاثة أطر: الإطار الأول: بحوث معدة من المشايخ الزحيلى، التميمى، والشيخ عبد اللطيف صالح، والثانى بحث معد من الشيخ مصطفى الزرقاء. والإطار الثالث: في بحث البديل للتأمين، وفيه بحث تبعى وهو بحث الأستاذ محمد عبد اللطيف الفرفور، وبحث مستقل للشيخ عبد اللطيف جناحى المدير العام لبنك البحرين الإسلامى. ونبتدئ بالرغبة من الشيخ مصطفى ليتفضل بإعطاء ملخص عما حرره في التأمين، ونظرا لكثرة البحوث والمشايخ المطلوبة كلماتهم ورغبة في أن يستوعب الوقت هذه القضية، فأرجو أن يكون الزمن المحدد لكل واحد من أصحاب الفضيلة لا يتجاوز ما قرر سابقا، عشرين دقيقة.

стр. 595

الشيخ مصطفى الزرقاء: بسم الله الرحمن الرحيم.. سيادة الرئيس، إخوانى الأستاذة الكرام. إننى لم أقدم بحثا في ورقة في هذه الدورة وإنما أجبت فضيلة الأستاذ الأمين العام بأن رأيى مدون في كتاب جديد ظهر لى في العام الماضى وفيه خلاصة كتابى السابق القديم والذى بينت فيه أن رأيى في التأمين بجميع أنواعه الثلاثة وهى، التأمين على الأشياء، والتأمين من المسؤولية والذى يسمى خطأ تأمينا على الحياة، هذه التسمية الموهمة لغير موضوعه. ولى أدلة مبسوطة في السابق معروفة وقد ظهر في كتابى الجديد الذى تناول السابق وأضاف له أمورا كثيرة في البحث الجديد وعالج جميع الشبهات والآراء التى أثيرت في موضوع التأمين خلال ربع القرن الماضى. وإن كل شيء حرصت على أن ينضج بحثا ولا يترك منه أي شيء لم يعالج، الشيء الذى وفقنى الله إليه وارتضيته، وكان بحثى الجديد مؤكدا فيما تراءى لى، خلاصة رأيى السابق المعروف فيه لم يتغير. وبما أن كل ما يمكن أن أقوله موجود في هذا الكتاب الجديد فلا حاجة لأن أكتب أوراقا جديدة وإنما قدمت نسخة لفضيلة الأمين العام رجوت أن يصورها ويوزعها على أعضاء المجمع عند الاجتماع وتكون هى بحثى، ولكنى لخصت مضمون الكتاب في أقسامه وما تضمنه والإحالة في كل نقطة من النقاط التى يثار حولها النقاش، مكان وجودها في الكتاب وقلت أيضا إنه تضمن فهرسا هجائيا مرتبا على الحروف لكل نقطة ولكل موضوع محالا بها على موطنها من الكتاب. هذه خلاصة ما قدمته لفضيلة الأمين العام. الأمين العام: بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بودى أن سماحة الشيخ مصطفى الزرقاء يتكرم بإعطائنا خلاصة لرأيه مع التعليل. أما قصة الكتاب وما يتصل به فهو يعلم بأننا اتصلنا به واتصلنا بدار النشر حتى يبعثوا الينا بنسخ نوزعها على الأعضاء ومع ذلك لم تصلنا حتى الآن. فمثل هذه القصة لا أريد أن أتحدث عنها لكن المهم نحن الآن، ولو حتى الذين كتبوا ولهم دراسات مطبوعة موجودة بين أيدينا، يحتاج المجمع للاستماع اليهم. فنحن نرجو من سماحة الشيخ أن يقدم لنا رأيه من جديد ملخصا مع الاستدلال أن شاء وذلك في الوقت المحدد. وشكرا لكم.

стр. 596

الشيخ مصطفى الزرقاء: سيدى أنا أقول إنكم طلبتم إرسال نسخ من الكتاب وأنا اتصلت بدار النشر قالوا إنهم أرسلوا مائة نسخة. الأمين العام: ولكن لم تصل حتى الآن ولسنا ملومين في هذا، ولكن كلمة منكم لبيان الرأى لأن كل عضو من الأعضاء يريد أن يستفيد من وجهة نظركم، فنحن في حاجة للاستنارة بهذا الرأى. الشيخ مصطفى الزرقاء: حسب رأى أستاذنا الأمين العام الكريم، فأنا أبين ولكن في عشرة دقائق هل يمكن عرض الأدلة في كل الموضوع، أنا استوفيت في الكتاب الأدلة بالتفصيل وناقشت وعرضت رأى الآخرين. فأنا إذا أردتم أن ألخص لكم رأيى وهو معروف فيما أعتقد ولا يوجد من يجهله. رأيى أن نظام التأمين في ذاته هو نظام تعاونى في أساسه وأنه لا يوجد في الشرعية ما يوجب منعه بل بالعكس أنا أعتقد أن مبادئ الشريعة وقواعدها تتقبله بل تستحسنه، ذلك لأن فيه تفتيتا للمصائب التى قد تقع على رأس المؤمن لولا التأمين أو المستأمن لولا التأمين فتحطمه، ولكن طريقة التأمين تؤدى إلى تفتيت المصيبة وتوزيعها بدلا ما تحطم رأس صاحبها، توزيعها على أكبر عدد من الرؤوس وهم عدد المستأمنين الآخرين الذين دفعوا أقساط التأمين، فعندئذ ترمم مصيبته أو يعوض عنها من هذه الأقساط، وبذلك تكون مصيبته وزعت، بقيت ذرات على مجموعة كبيرة من الرؤوس لا تثقل أحدا. هذا نظام التأمين يقوم على هذا الأساس وهو لا يقبل نظام التأمين الا في الحوادث غير المصطنعة وغير العمد، في أنواعه الثلاثة: التأمين على الأشياء، كالتأمين على السيارة ذاتها، والتأمين من المسؤولية وهو ما يلحق من الشخص من ضرر لغيره غير متعمد، الضرر الخطأ، والثالث التأمين على الحياة. وأن التأمين على الحياة تسميته خاطئة نتيجة ترجمة حرفية من اللغة الأجنبية، فإنها توهم كثيرين وقد وقع هذا فعلا. ونوقشت فيه، توهم كثيرين أن شركة التأمين لما تؤمن على الحياة إنما تتكفل للإنسان بأن يعيش المدة المحددة في العقد، وهذا وهم وخطأ وإن كان قد وقع فعلا سببه التسمية الموهمة في عقد التأمين. ثم بينت الأدلة الشرعية التى لا يتسع المقام لبسطها وشبهت التأمين بأنه ليس افتياتا على قدر الله وليس ربا وليس قمارا وليس رهانا وليس كما يثار حوله، وكل واحد من هذه الشبهات فندتها وحللت أمرها وبينت الفرق العظيم بينها وبين التأمين.

стр. 597

وبينت أن شأن التأمين أشبه ما يكون. "قضيب الصاعقة" السافود الحديدى الذي ينصب دقيق الرأس في أعلى البنايات الثمينة حتى إذا الصاعقة قذف بها السحاب بدلا من أن تنزل على البناية فتحرقها، وقضيب الصاعقة لا يمنع السحب أن تقذف بشرارتها الكهربائية الصاعقة وإنما إذا قذفت هذه الشرارة فإن القضيب يسحبها ويجذبها وتأخذها إلى مدفنها في باطن الأرض بدلا من أن تنزل فتضر تلك الأضرار المعرفة.. هذا شأن التأمين، فهو في ذاته نظام صالح. وأما ما يشاع من أنه عقد جديد لا يجوز إحداثه أو أنه ربا أو أنه قمار كله مبين ومردود عليه ومبين له الأمثلة المماثلة من فقه الشريعة المسلم به، وكذلك في الدراسة الجديدة التى تضمنها الكتاب الجديد بين فيه من زاوية جديدة أخرى تناولتها من النواحى الاقتصادية وآثارها العامة وبينت أن التأمين أصبح يعتبر من عصب الأعمال بدونه تكون المصائب كبيرة، فهو نظام توق واجتناب ولا يوجد في الشريعة ما يمنع الإنسان من التوقى. ثم عالجت الشبهات التى تكررت أو اجترت أو استجدت لدى كثيرين خلال ربع القرن الأخير وكلها أيضا عولجت معالجة جديدة وبينت أن هذه الشبهات شبهات داحضة ولي لها ثبات وبينت الردود عليها. وكذلك تعرضت لرأى المجمع الفقهى الكريم في مكة المكرمة وقراره بالتمييز بين تأمين تجاري وهو ما تمارسه الشركات وبين تأمين تعاونى أنه يجوز وأما ذاك فممنوع، وبينت ذلك، وبينت مخالفتى إذ ذاك لقرار المجمع التى سجلت وطبعت معه فنشرتها أيضا في هذا الكتاب الجديد وبينت أن التمييز بين تأمين تجاري هو ما تمارسه الشركات وتأمين تعاونى لا ربح فيه، هذا كله تمييز غير صحيح، وأن معنى التعاون موجود في كلا النوعين ما يسمونه تعاونيا وما يسمونه تجاريا، ولكن الفرق الوحيد بينهما أن التأمين لما بدأ في أصل ما بدا قبل أربعة قرون إنما بدأ بالشكل الذى سمى تبادليا أو تعاونيا وذلك لأن أهل سوق معينة تجمعهم اخطار مشتركة في بضائعهم وتجارتهم كالحريق مثلا أو الغرق فيضعون صندوقا يمول بما يدفعه كل منهم ويحفظ حتى إذا طرأ على أحدهم مصيبة فانها تعوض من هذا الصندوق.

стр. 598

فلما ظهر نفع هذا الترتيب التعاونى، الناس أقبلت عليه ثم شمل أخطارا متنوعة كثيرة لما ظهر من فائدته والمصلحة فيه. فلما كثرت الأعداد الكبيرة الراغبة في التأمين أصبح لا يمكن أن يديره أشخاص مع أعمالهم كأهل سوق معينة، بل لابد له من إدارة متفرغة تنصرف إليه كما ينصرف التاجر إلى تجارته فيسهر عليها صباح مساء ويتابعها ويريح منها ويعيش. فلابد من جهاز إداري أصبح ينظم عمليات التأمين الواسعة التى أصبحت تتناول الآلاف المؤلفة وأحيانا الملايين من الناس وفى مختلف الأنواع من الأخطار. هذا إذا حصل ووجدت هيئة متفرغة فلابد لها أن تعيش من هذا العمل كما يعيش التاجر من تجارته وكيف تعيش؟ عندئذ ظهر ما يسمى الحساب قوانين الأعداد الكبيرة التى تبنى على الإحصاء، الإحصاء الذى هو إحصاء الأعداد الكبيرة وهو معروف في عالم الرياضيات وهذا القانون، قانون الأعداد الكبيرة يعطى نتائج ثابتة تقريبا إلا الكوارث الطارئة كالزلازل والفيضانات.. الخ، وإنما يعطى نسبة ثابتة في الأخطار في كل أنواع الأخطار، لأنه كلما كثر العدد الكبير من الداخلين تحت الخطر عنئذ تنضبط نسبة الخطر فيهن وهذا شى، قانون رياضى، يعنى ليس عائدا إلى التقويم والتقدير، وبناء عليه يستخدمون قانون الاعداد الكبيرة ليضبطوا ويحصوا الأخطار في كل نوع، وبناء على ذلك يحسبون تكاليف ما سيلحقهم من تعويضات ويضعون أقساطا تتناسب مع هذه التكاليف، وزيادة، هذه الزيادة هى ما يربحونه كما يربح كل تاجر من تجارته ربحا مشروعا. بينت أن الشريعة الإسلامية لا تمانع في أن يكون لكل من يتفرغ لعمل نافع أن يعيش منه وأن يربح منه، هذا شيء طبيعي ولذلك شركات التأمين لا تبدل طبيعة التأمين من تعاونى إلى تجاري، التأمين يبقى تعاونيا في جميع الأحوال ولكن الفرق بين ما يسمونه تجاريا أن الهيئة المتفرغة والتى تربح من فرق الأقساط بين ما تأخذ وبين ما تدفع من تعويضات، هذا الربح يريدون أن يسموه التأمين به تأمينا تجاريا، وهو تعاونى، نفس الشيء، وضربت أمثلة بالضمان الاجتماعى والتأمينات التى تحصل للموظفين والحكومة، ومنها تأمينات على الحياة وكلها مقبولة لدى المعارضين أنفسهم، فما الفرق بينهما؟ وانتهيت إلى أن هذا التأمين لا يوجد في الشرع ما يمنعه وعالجت بشكل خاص شبهة الغرر وهى من أهم وأقوى الشبهات لدى الذين يعارضون وبينت أن هذا الغرر نقلت آراء الفقهاء من مختلف المذاهب فيه وبينت كيف أن الغرر يغتفر بأقوال فحول علمائنا الأقدمين يغتفر حتى الفاحش منه إذا كان فيه مصلحة تقتضيها الحاجة، ونقلت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في هذا الموضوع وفيه كلام شبه حاسم، كل هذا بينته بما يدحض فكرة الغرر وأنها هذه تجعله عملا محرما، وبينت كيف أن كبار الفقهاء اغتفروا الغرر الفاحش وعللوه بأنه للمصلحة والحاجة، والأمثلة كثيرة في الكتاب. وهذا خلاصة ما أراه ولا أزال على هذا الرأى، ولإخواننا الكرام أن يناقشوه، ومتى جاء الكتاب الذى أمر فضيلة الأستاذ الأمين العام، متى وصل مع أن دار النشر تقول إنها شحنته منذ شهر تقريبا وعندها الإيصال وكيف لم يصل؟ لا أدرى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 599

الأمين العام: سيدى جزاكم الله كل خير ونحن قد اتصلنا بالبريد وأخذنا معنا الورقة التى فيها رقم إرسال هذه المجموعة من الكتب، ومع ذلك قالوا حتى الآن لم يصلنا، فالقضية هى قضية البريد، أرجو إذا وصل أن يوزع على كل الأعضاء هذا الذى نقدر عليه. الشيخ مصطفى الزرقاء: على كل، في ختام بيان رأيى بهذا الشكل الموجز الذى لا يتسع المقام لأكثر منه أقترح أن موضوع التأمين هذا، موضوع بالشكل والإطار الذى شرحته وأهميته وكثرة اختلاف الآراء فيه، أنه لا يجوز أن يبت فيه في هذه الدورة، بل أقترح تأجيله حتى يأتى كتابى وأقول وأصرح غير متباه ولا مدع، ولكن هذا أعده من فضل الله. أقول أن كل بحث يبنى عليه قرار في هذا الموضوع قبل الاطلاع على كتابى الجديد سيكون ناقصا مبتورا، ولذلك اقترح أن يؤجل النظر فيه وبحثه والقرار فيه إلى دورة قادمة لأنه لم يعد في الإمكان احتمال مجيء الكتاب وأن يوزع وأن يقرأ في هذين اليومين الباقيين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس: شكرا لفضيلة الشيخ، والآن انتهينا من بيان فضيلته للرأى الذى ليس لدينا أي بحث إلا من قبل فضيلتة، أما المجموعة الثانية، والتى تمثلها البحوث الموجودة لدينا من الشيخ الزحيلى والشيخ التميمى والشيخ عبد اللطيف وعدد من المشايخ فإن شاء الله تعالى نستأنف ذلك بعد صلاة المغرب مباشرة، وبالله التوفيق.

стр. 600

بعد الصلاة الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم نستأنف الجلسة وأرجو من فضيلة الشيخ وهبة الزحيلى أن يتفضل مختصرا للبحث الموجود بين أيدينا وشكرا. الشيخ وهبة الزحيلى: بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلى وأسلم على نبى الرحمة وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد، فبعد أن تحدث فضيلة أستاذنا الجليل علامة العصر الأستاذ مصطفى الزرقاء عن هذا الموضوع، يكاد يقف الإنسان مترددا، هيوبا أمام علمه وقدره وجلالته كما نعهده في كل مجلس وفى كل منبر وفى كل مكان. ولكن عذرى وعذر غيرى أن كثير من أئمة الفقهاء خالفوا مشايخهم أحيانا، فربما يكون هذا مجرئا لى أن أتكلم في هذا الموضوع وقد يكون لى رأى مخالف لرأيه لأنه بالرغم من تقديرى الكبير لما فتحه من آفاق علمية دقيقة في موضوع التأمين منذ عام ٥٦ في جامعة دمشق وإلى الآن لا أكاد بالرغم من قراءتى المتكررة لكتابه القديم والحديث لم أر تغيرا في هذا الرأى، تغيرا يذكر ولكن لم أجد طمأنة نفسية للأخذ بكل ما قاله فضيلة أستاذنا، ولذلك عندما صممت على الكتابة في هذا الموضوع وجدت نفسى بينى وبين الله ﷻ واستخرت الله على أن يهدينى إلى الحق والصواب، لذلك كتبت هذا الموضوع ولا أقول كما أشار فضيلته أن كلامى وكلام غيرى اجترار لما مضى فأنزه الفقه والفقهاء من هذا المعنى، ولعله لا يقصدها بالمعنى الواسع الذى فهمناه.
следующие страницы →