وعلى المسلم أن لا يرضى بهذه الممارسة. لقد أشار الله تعالى إلى نعمته علينا كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [سورة النحل: ٧٢] الذي يعني أن الله خلقكم وأعطاكم زوجاتكم والنسل والذرية منهن، وفوق هذا منحكم من الطيبات.
في الواقع إن تحديد النسل الذي يمارس بسبب الفقر ومن دون مبرر صحي، غير مقبول في شرائع الإسلام، إذ يطلب الإسلام من الحكومة والمجتمع أن يسهرا على تكاثر أعضائهما لكي يصبح المجتمع قويًّا منيعًا عزيزًا في نظر الأمم الأخرى.
وبالاختصار، إن حكم الشرائع الدينية في هذا الموضوع يتوقف كثيرًا على وضع كل من الزوج والزوجة. لذلك فإني أقترح بشدة أن تنتخب الحكومة هيئة من الأفراد المسؤولين حقًّا، المؤمنين بالله للتأكد من أن أهداف هذه الجمعيات تنفذ بإخلاص لصالح الأمة التي هي بأمس الحاجة إلى ذرية صالحة تتسلم مسؤوليات المستقبل. إن هيئة كهذه من نساء ورجال متجردين تضمن أن تعمل الجمعيات بانضباط داخلي، وبانسجام مع أدق شرائع الإسلام.
فمن أغراض جمعيات كهذه، أن تسدي النصح الحكيم والدقيق للأزواج والزوجات لكي يتمكنوا من الحفاظ على الانسجام العائلي وعلى صحة الأسرة، إنه لمشروع قيم حقًّا وهو جدير بأن يعطى كل تشجيع ممكن.
стр. 5392
فتوى رئيس المحكمة العليا الاستئنافية
الجمهورية العربية اليمنية
سؤال:
السيد رئيس المحكمة العليا الاستئنافية.
تحية طيبة وبعد:
فأرجو إفتاءنا في امرأة متزوجة ولديها عدة أولاد. ولجهلها للوسائل الحديثة لمنع الحمل أصبحت حاملًا الآن وتطلب إجهاضها طبيًّا.
فهل تجيز قوانيننا عملية الإجهاض، علمًا بأن ذلك برضاها ورضى زوجها.
نرجو الإفتاء سريعًا، ومفصلًا ليكون منا العمل به.
جواب:
الشريعة المطهرة لا تمنع من ذلك مع رضاء الزوج وبشرط ألا تكون الروح قد نفخت في الجنين. وقد قررت الشريعة أن الروح تنفخ في الطفل من أول الشهر الخامس والله الموفق. ٢٣/ المحرم/ ١٣٨٨ هـ.
стр. 5393
من مقررات وتوصيات مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة
المؤتمر الأول سنة ١٩٦٤
١-تشخيص مواطن الضعف في المجتمعات الإسلامية والعمل على علاجها.
٢-العمل على إصدار الفتاوى والأحكام المستمدة من أصول الإسلام وتعاليمه في المشكلات التي جدت وتجد في حياة المسلمين حتى تسير نهضتم على هدى من دينهم الحنيف.
٣-إن الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان في الأحكام الشرعية. وإن الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية منها حق لكل من استكمل شروط الاجتهاد المقررة. وكان اجتهاده في محل الاجتهاد.
٤-السبيل لمراعاة المصالح، ومواجهة الحوادث المتجددة، هي أن يتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفي بذلك. فإن لم يكن في أحكامها ما يفي فالاجتهاد الجماعي المذهبي. فإن لم يف كان الاجتهاد الجماعي المطلق.
المؤتمر الثاني سنة ١٩٦٥
١- إن تعدد الزوجات مباح بصريح نصوص القرآن الكريم، بالقيود الواردة فيه، وإن ممارسة هذا الحق متروكة إلى تقدير الزوج. ولا يحتاج في ذلك إلى إذن القاضي.
٢- إن الطلاق مباح في حدود ما جاءت به الشريعة الإسلامية. وإن طلاق الزوج يقع دون إذن القاضي.
٣- إن الإسلام رغب في زيادة النسل وتكثيره؛ لأن كثرة النسل تقوي الأمة الإسلامية، اجتماعيًّا واقتصاديًّا وحربيًّا، وتزيدها عزة ومنعة.
٤- إذا كان هناك ضرورة شخصية تحتم تنظيم النسل فللزوجين أن يتصرفا طبقًا لما تقتضيه الضرورة، وتقدير هذه الضرورة متروك لضمير الفرد ودينه.
٥-لا يصح شرعًا وضع قوانين تجبر الناس على تحديد النسل بأي وجه من الوجوه.
٦-إن الإجهاض بقصد تحديد النسل أو استعمال الوسائل التي تؤدي إلى العقم لهذا الغرض، أمر لا يجوز ممارسته شرعا للزوجين أو لغيرهما، ويوصي المؤتمر بتوعية المواطنين، وتقديم المعونة لهم في كل ما سبق تقريره بصدد تنظيم النسل.
стр. 5394
بيان حول السكان من رؤساء بعض الدول والحكومات
أصدر السكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت، في ١٠ كانون الأول ١٩٦٦ البيان التالي نصه حول السكان. وقد وَقَّعَ هذا البيان تسعة عشر زعيمًا من زعماء العالم، بينهم ستة من زعماء الدول الإسلامية وهم:
الإمبراطور محمد رضا بهلوي إيران
الملك حسين الأردن
الرئيس تنكو عبد الرحمن ماليزيا
الملك الحسن الثاني المغرب
الرئيس الحبيب بورقيبة تونس
الرئيس جمال عبد الناصر الجمهورية العربية المتحدة
نص البيان
إن للسلام العالمي أهمية عظمى لدى جميع الأمم. وتكرس حكوماتنا جهودًا كبيرة لتحسين إمكانات السلام في هذا الجيل وفي الأجيال القادمة. غير أن مشكلة كبيرة أخرى تهدد العالم. مشكلة أقل بروزًا ولكنها ليست أقل إلحاحًا. إنها مشكلة نمو السكان غير المخطط له.
لقد قضت الإنسانية الفترة من بدء عصورها التاريخية إلى منتصف القرن الماضي حتى بلغت مليار نسمة في حين أنها ازدادت مليارا آخر في أقل من مائة سنة. ولم تكد تمضي ثلاثون سنة أخرى حتى بلغت ثلاثة مليارات. وإذا استمر معدل الزيادة هذا، فإنها ستبلغ أربعة مليارات في سنة ١٩٧٥، وما يقرب من سبعة مليارات سنة ٢٠٠٠. ويضعنا هذا التزايد الذي لم يسبق له مثيل وجهًا لوجه أمام حالة فريدة بالنسبة للشؤون الإنسانية، وحيال معضلة تزداد خطورة في كل يوم.
стр. 5395
إن هذه الأرقام مذهلة بحد ذاتها، بيد أن دلالاتها أعظم من ذلك أهمية بكثير.
فتزايد السكان البالغ السرعة، يعيق الجهود لرفع مستويات المعيشة، وتقدم التعليم، وتحسين الصحة العامة، وتأمين السكن ووسائل نقل أفضل، وتعزيز فرص الثقافة والترفيه، بل وتأمين الغذاء في بعض الأقطار، وباختصار، فإن طموح الإنسانية برمتها إلى تحقيق حياة أفضل، أخذ في الانهيار.
وبوصفنا رؤساء حكومات معنية فعلًا بمشكلة السكان، فإننا نشارك في هذه القناعات، ونعتقد بأنه ينبغي أن تعتبر مشكلة السكان عنصرًا رئيسيًّا في التخطيط القومي البعيد المدى، هذا إذا أدت الحكومات بلوغ أهدافها الاقتصادية وتحقيق مطامح شعوبها.
نعتقد بأن الغالبية العظمى من الآباء يرغبون في أن تتوافر لديهم المعرفة عن تنظيم أسرهم ووسائله، وبأن فرصة تقرير عدد الأولاد والمباعدة بين الولادات هي حق من حقوق الإنسان الأساسية.
نعتقد بأن السلام الدائم والمجدي يتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي يواجه بها تحدي نمو السكان.
نعتقد بأن هدف تنظيم الأسرة هو إغناء الحياة البشرية، لا تقييدها، وبأن تنظيم الأسرة بتأمينه المزيد من الفرص لكل فرد، يطلق الإنسان كي يحقق كرامته الشخصية، ويبلغ كامل إمكاناته.
وإذ نعترف بأن تنظيم الأسرة هو من المصالح الحيوية للأمة وللأسرة فإننا نحن الموقعين أدناه نعقد أكبر الآمال على زعماء العالم لكي يشاركونا في رأينا ويضموا جهودهم إلى جهودنا في مواجهة هذا التحدي الكبير من أجل خير شعوب الأرض قاطبة وسعادتها.
стр. 5396
تنظيم النسل
وثيقة من المجلس الإسلامي الأعلى
بالجمهورية الجزائرية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن المجتمع الذي ترمي إلى إقامته تعاليم الإسلام الأساسية، مجتمع ميزته الصحة والقوة ومؤسس على العدالة الاجتماعية والأخلاق الفاضلة.
وهذا مما جعل الإسلام ـ المفهوم بهذه المعاني السامية المنبع الذي ننهل منه
باستمرار لاستكمال الثورة الاجتماعية القائمة اليوم في بلادنا.
ففي قضية تنظيم الأسرة مثلا نجد الإسلام الذي هو دين الدولة الجزائرية وموجهها التشريعي يهدي إلى مبادئ يتم صلاح البشرية جمعاء بتطبيقها.
فالآيات الكريمة الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في الموضوع وكذا الآثار المروية عن الصحابة رضوان الله عليهم وآراء كبار الفقهاء وشروحهم تضفي على هذه المسألة الضوء الكافي لاستبانة توجيهات الإسلام الهامة في هذا الميدان، ونذكر من بينها:
أولا: احترام الحياة والحفاظ عليها:
فلقد كرم الله الإنسان ونفخ فيه من روحه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا إذ يقول في كتابه الحكيم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الاسراء:٧٠] ويقول: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] ، فقيمة الحياة عند الله عظيمة إلى حد أن قتل النفس بغير موجب شرعي يعتبر قتلا للناس جميعا، كما أن إحياءها بمثابة إحياء الناس جميعا، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ؛ لذلك كله نجد القرآن الكريم يحرم الوأد الذي يلجأ إليه العربي في الجاهلية لسببين أساسيين، أحدهما أخلاقي: خشية العار والهون الذي يلحقه بزعمه من الأنثى، وثانيهما اقتصادي: خشية الإملاق.
стр. 5397
وقد دحض القرآن هاتين الحجتين الجاهليتين الواهيتين بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) ﴾ [لنحل ٥٨-٥٩] كما قرر: أن مكانة المرأة عند الله مثل مكانة الرجل يقول ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]
إن الله هو الرزاق لكل مخلوقاته: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] على أن يتخذ الإنسان الأسباب فيؤدي الجهد والعمل اللازم لتحصيل قوته: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وعلى أن يسود العدل في توزيع الأقوات على العباد ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] إن الطفل يجب أن يحظى بالاحترام والعناية المطلقة من النطفة إلى الولادة إلى البلوغ ولو كانت ولادته من غير زواج شرعي ومعلوم أن الشرع قد فرض الكفالة على المجتمع للأولاد المشردين ولهذا الاعتبار خاصة نجد الفقهاء يبيحون العزل إذا دعت إليه الضرورة، رغم ضرره النفسي على الزوج والزوجة فالعزل الظرفي بالقياس إلى وسائل منع الحمل الحديثة مباح لكونه لا يلحق أذى بحياة موجودة ولا يمس أيضا بمبدأ حفظ النسل وقد بين الإمام علي كرم الله وجهه وأقره على ذلك الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ أن العزل ليس الموءودة الصغرى ولا تكون كذلك حتى تمر عليها الأطوار السبعة (١) وذلك بخلاف الإجهاض فإنه محرم تحريما قطعيًّا إلا لضرورة الحفاظ على صحة المرأة أو الولد؛ لأنه تَعَدٍّ واضح على حياة موجودة كما أنه خلاف التعقيم بكل الوسائل المؤدية إليه؛ لأنه تعطيل نهائي لوظيفة التناسل فهو ممنوع شرعا.
стр. 5398
ثانيا: مسؤولية الوالدين عن أولادهما:
إن القدرة على تحمل أعباء الزواج ومنها النفقة على الزوجة شرط يعتبره الفقهاء.
بدرجات متفاوتة في حِلِّيَّةِ الزواج والمذهب المالكي يجعل النكاح حراما على من كان عاجزا عن الإنفاق على المرأة من كسب حلال ولم يخش الزنا إلا أن ترضى الزوجة بذلك فلا يحرم.
كما أن القيام بنفقات الأولاد وتربيتهم إلى أن يبلغوا فرض على الوالدين ويتحملان إثما كبيرا إذا أهملاهم فقد قال الرسول ﷺ : ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)) رواه أبو داود ويقول أيضا في الحديث المشهور: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها " رواه أحمد في مسنده.
وتتجلى في هذا الحديث النبوي الشريف خطورة المسئولية الملقاة على كاهل كل إنسان في شتى ميادين الحياة ومنها إنجاب الأولاد فإنجابهم وإهمالهم والرمي بهم إلى الشارع عمل يكرهه الإسلام ويحذر منه.
ثالثا: وجوب تحلي الأمة الإسلامية بالعزة والقوة.
إن الإسلام يحث المسلمين على أن يكونوا أقوياء في جميع الميادين: الجسمي الخلقي العسكري العلمي الاقتصادي. . . إلخ، فالله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فالرسول ﷺ يقول ((: المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير)) .
إلى غيرهما من الآيات والأحاديث الدالة على أن المسلم يجب أن تتمثل فيه صفات العزة والرفعة لا الذلة والمهانة، حقًّا إن الرسول ﷺ دعا المسلمين إلى التناسل والتكاثر، ولكن الكثرة المنشودة هي الكثرة التي تصلح للمباهاة لا الكثرة السلبية التي وصفها الرسول ﷺ بأنها كغثاء السيل أي لا قيمة لها ولا وزن سواء عند الله أو عند العباد، فعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها)) فقال قائل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل , ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: " الوهن حب الدنيا وكراهية الموت ")) رواه أبو داود والبيهقي. وبهذا يتضح أن المعتبر في الإسلام هو النوعية قبل الكمية.
стр. 5399
رابعا: مراعاة صحة الزوجة والأولاد:
إن الأحاديث الداعية إلى العناية الكاملة بالصحة عموما وبصحة الزوجة والأولاد
خصوصا لا تكاد تحصى، وهدفها الواضح هو بناء الأسرة المسلمة سليمة قوية.
ونكتفي بذكر حديث واحد لأهميته، إذ يقرر بوضوح في نظرنا شرعية مبدأ
المباعدة بين الولادات إن لم نقل: يحث عليه ويستحبه.
هذا الحديث هو حديث الغيل وهو الاتصال بالزوجة المرضعة لتحمل من جديد قبل
أن يستكمل الرضيع الأول الفترة الشرعية المحددة، (١) وقد سماه النبي ﷺ غيلا؛ لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد،
وإنما سماه غيلا لأنه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرا (٢)
ولفظ الحديث هو: ((لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة))
رواه أبو داود، و: ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ثم رأيت فارس والروم يصنعون ولا يضر أولادهم شيئا)) رواه مسلم.
ويستخلص ابن القيم أن المقصود من الحديث الإرشاد والاحتياط للولد، وأن لا يعرضه لفساد اللبن بالحمل الطارئ عليه كما يستخلص الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي، بعد تحليل هذا الحديث ما يلي:
(وقد استحدث في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل ما يحقق المصلحة التي هدف إليها رسول الله ﷺ وهي حماية الرضيع من الضرر مع تجنب المفسدة الأخرى وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع وما في ذلك من مشقة وعلى ذلك نستطيع أن نقرر أن المدة المثلى في نظر الإسلام بين كل وليدين هي ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون شهرا، لمن أراد أن يتم الرضاعة) و (٢٤ شهرا + ٩ أشهر = ٣٣ شهرا) (٣)
стр. 5400
خامسا: احترام إرادة الزوجين وحرية اختيارهما:
إن الإمام مالكا ﵁ ومعظم الفقهاء قرروا أن رضى الزوجة ضروري في الامتناع عن الحمل وأثبتوا للزوجة الحق في الولد وهذا منذ ١٤ قرنا ...
سادسا: التشريع الإسلامي يعتبر المصلحة العامة:
إن المصلحة العامة معتبرة شرعا وقد صنفت في باب المصالح المرسلة التي يرى جمهور علماء المسلمين والمالكية منهم خاصة أنها حجة شرعية يبنى عليها تشريع الأحكام إذا ثبت أنها مصلحة حقيقية، وأنها مصلحة عامة لا مصلحة شخصية ولا تعارض نصا أو حكما شرعيا صريحا.
سابعا: احترام الأخلاق الإسلامية:
لقد شرع الله الزواج وحرم الزنا تحريما قطعيا؛ فلذلك ينبغي اتخاذ الإجراءات اللازمة حتى لا تصبح وسائل منع الحمل المعدة أساسا للزواج لتنظيم أسرة، تيسيرا أو تشجيعا للإباحية الاخلاقية، إذ أن المصلحة المرجوة منها قد تنقلب إلى مفسدة وقاعدة سد الذرائع في الشريعة الإسلامية تمنع ذلك وتقضي بإغلاق الباب الذي يؤدي إلى المضرة والفساد.
نص فتوى المجلس الإسلامي الأعلى
بدعوة من السيد عبد الرحمن شيبان وزير الشئون الدينية اجتمعت لجنة الفتوى والدعوة والإرشاد للمجلس الإسلامي الأعلى بمقر الوزارة تحت رئاسة الشيخ أحمد حسين النائب الأول لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى وبحضور الأمين العام لوزارة الشئون الدينية نيابة عن السيد الوزير والأستاذ أحمد درار مستشار بالوزارة.
وبعد أن قدم السيد الأمين العام للوزارة موضوع الاجتماع وهو: النظر في توسيع المدة الفاصلة بين الولادتين، نوقشت المسألة من طرف الأعضاء الحاضرين واتفقوا على ما يلي:
стр. 5401
أولا: التأكيد على المبادئ التي أقرها المجلس في جلسات سابقة حول تنظيم النسل وخاصة خلاصة الفتاوى التي قدمت في شهر محرم ١٤٠٠هـ الموافق لشهر ديسمبر ١٩٧٩م، وهذا نصها:
وإن اختلف علماء الإسلام ماضيا وحاضرا في إباحة العزل ومنعه أو تقييده بشروط معينة وقياس بعض الأدوية والطرق المانعة للحمل بصفة مؤقته عليه، فهم مجمعون على تقييده بالاختيار الفردي لاستعماله أو عدم استعماله حسب الظروف والمبررات وعدم اللجوء إلى التقنين الشامل الذي يدفع الناس مكرهين إلى تحديد النسل أو تنظيمه، أو إجبارهم عليه أو على استعمال الوسائل المستحدثة بدلا عنه، وإنما يترك الأمر إلى الأفراد ومبادرة كل واحد حسب قناعته والدوافع الشخصية التي تحمله على ذلك من غير أن يخشى الوقوع في الحرام. ويكون بث الوعي هو وحده الطريقة المثلى لمعالجة هذا الموضوع الشديد الحساسية.
ثانيا: ترى اللجنة أن مسالة توسيع المدة الفاصلة بين الولادتين موكولة لاتفاق الزوجين وتراضيهما وحكمهما يخضع لظروفهما النفسية والمادية والاجتماعية.
والله الموفق..
حرر بالجزائر في ٢١ محرم ١٤٠٣هـ
الموافق ٧ نوفمبر ١٩٨٢ م
عن اللجنة.
الشيخ / أحمد حسين
الشيخ / محمد الصالح بن عتيق
الشيخ / حمزة بكوشة الشيخ /علي المغربي
الأستاذ / بلحاح شريفي
стр. 5402
مناقشة البحوث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرئيس:
نرجو من الأستاذ حسان حتحوت أن يتفضل بالعرض عن موضوعنا اليوم وهو منع تحديد النسل وأرجو أن يكون العرض في ظرف عشرين دقيقة.
الدكتور حسان حتحوت:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أسهبت أقلام فاضلة ومؤتمرات سابقة في هذا الموضوع فلا أجد محلا لتكرار ما تعرفون وإنما أجمل فأقول: إن أغلبية الفقهاء اتجهت إلى أن منع الحمل في ذاته ليس حراما شرعا وإن كان للقلة رأي آخر ولكل من الرأيين حجته وأسانيده، واستندت الغالبية إلى روايات عن الصحابة بأنهم كانوا يمارسون العزل بعلم الرسول ﷺ فلم يحرمه، وبأن الغزالي أجازه على مدى واسع من المبيحات الطبية أو الاجتماعية أو الشخصية، وإنما قيدت الإباحة بشروط شرعية معروفة، فليس من الجائز تعطيل المقصدين الشرعيين للزواج في الإسلام وهما الجنس والإنجاب أحدهما أو كليهما في حال القدرة عليهما، وليس من الجائز انفراد الزوج بقرار منع الحمل فلابد أن يكون ذلك بإذن الزوجة؛ لأن الأمر شركة بينهما، ومن الواجب أن تكون وسيلة منع الحمل خالية من المضار ولا يجوز أن تكون الوسيلة مهدرة لحياة تكونت ولو في أدوارها الأولى.
وهنا أود أن أشير في موضوع اللولب إلى أن منظمة الصحة العالمية في أكتوبر سنة ١٩٨٧ م أصدرت تصريحا بأن اللولب يعمل مانعا للحمل وليس مجهضا كما كان يظن في السابق ولا يجوز أن تنطوي الوسيلة على مصادرة نهائية لوظيفة الإنجاب إلا تحت الظروف الاستثنائية التي تبيحها الشريعة، ومع ذلك فهناك اعتبارات هامة لابد منها من باب العلم أولا ثم من باب ضبط خطانا إزاء خُطَى الآخرين حتى لا يظن بنا النية الواحدة إن اتفقنا في مرحلة من المراحل، وأود في البداية أن أشير إلى أن الإباحة الشرعية ليست هي المصفاة الوحيدة التي يستعملها المسلم وهو يقرر ما يأخذ أو يدع، فالحرام بطبيعة الحال حرام، أما الحلال فرقعته واسعة بحكم أن الأصل في الأشياء الإباحة. والمسلم فردا أو مجتمعا كل منهما مطالب بأن ينظر في المباحات العديدة فيختار أنسبها وأصلحها وأوفاها.
ولا غرابة في ذلك فما ألبسه في بيتي قد لا يصلح أن ألبسه في عملي وكلاهما حلال. وسنجد لذلك تطبيقاته في موضوع منع النسل وتنظيمه.
стр. 5403
خلال عملي أجريت كل طرائق تحديد النسل وطالما أطنبت وبشرت بين مريضاتي أو طلابي عن المخاطر الصحية التي تتعرض لها النساء غزيرات الإنجاب وقناعتي أن منع الحمل في ذاته ليس حراما، ولكن هل معنى ذلك أن أكتفي بإجابة مبسطة عن سؤال بسيط هو حلال أو حرام، أو أن أكتفي بأن الاعتبار الطبي هو المرجع الوحيد فيما ينبغي للناس أن يأخذوا أو يدعوا؟ لا، لأن شواهد العصر ترينا بوضوح أن بين الحروب المستعرة في عالمنا هذا حربا تسمى الحرب الديموغرافية، تلك التي تهدف إلى تغيير الأنماط السكانية لتجعل الأغلبيات أقليات والأقليات أغلبيات وهي تستعين على ذلك بأسباب، منها التبشير بمنع الحمل ولعل من الأمثلة البليغة على ذلك شعب فلسطين، فإن الصداع الأكبر في الدماغ الإسرائيلي ليس الدولة العربية وليس الجيوش العربية وإنما التفاوت الكبير في معدل الإنجاب بين السكان العرب واليهود فإن استمر أفضى إلى أن يجد اليهود أنفسهم بعد بضعة أجيال أقلية مغلوبة، أفيعقل أن نقيم حملة بين نساء العرب لتهويل مخاطر الإنجاب وتزيين مزايا التحديد معتمدين على أن الحكم الشرعي أن منع الحمل حلال؟ إن الأمة التي فقدت كل شيء إلا عدد أفرادها، لا يجوز لها شرعا أن تفرط في هذه الميزة الباقية وليست فلسطين هي المثال الوحيد للحرب الديموغرافية، بل أعلم بالاطلاع الشخصي أن هذه الحرب الديموغرافية دائرة الرحى منذ زمن في أكثر من بلد من بلاد الشرق الأوسط دونما تسمية حتى لا يظن بنا إشعال فتنة طائفية.
أذكر في مطالع حياتي الجامعية أن العلاقات ساءت بيننا وبين دولة غربية كبرى وانقطعت الصلات حتى نبه علينا بأن لا ندخل المكتبة التابعة لهم، إلا بإذن من مجلس الوزراء وكانت هي المكتبة الوحيدة التي تتيح لنا الاطلاع على ما أقفرت منه مكتباتنا؛ نظرا لقيود العملة وطالت القطيعة كل شيء إلا شيئا واحدا هو تمويل أبحاث تحديد النسل في بلادنا من قبل تلك الدولة العظمى ظاهرة في الواقع توحي بسوء الظن حتى بت أعتقد أن مشكلة الانفجار السكاني وقصور موارد الأرض إزاء تفاقم سكانها إنما تمثل جانبا من الحقيقة لا الحقيقة كلها، وإلا فكيف نفسر أن بعض الدول الكبرى لا تتورع عن إحراق الفائض من حاصلاتها الغذائية أو إلقائه في اليم حتى لا تهبط أسعاره وفي عالمنا الذي أصابته المجاعات نرى فائض المحاصيل سلعة استراتيجية للضغط السياسي ولا يستخدم منه في وجوه البر إلا نزر يسير عن طريق هيئات خيرية أو تبشيرية لها هي الأخرى أهداف ومقاصد، ومعلوم أن موارد ضخمة للغذاء في البر والبحر جاهزة لكشف النقاب عنها.
стр. 5404
وأن التقنيات العلمية على استعداد لمضاعفة تلك الموارد وأن جزءا من مائة من ميزانيات التسلح لو وجه هذه الوجهة لكان بليغ الأثر في سد هذه الهوة، أما العالم الثالث الفقير الذي انهمرت دموع العالم الأول أسفا عليه فأحسب أن الذي يقصم ظهر اقتصاده حقيقة ليس النمو السكاني بقدر ما هو الربا الباهظ الذي يستأديه منه العالم الأول عن ديونه حتى بات الاقتصاد القومي عاجزا عن الوفاء بفوائد الديون فضلا عن الديون نفسها على أنني لا أريد أن أطوي بعض الحقيقة، وإذا بدا حديثي وكأنه ضد تحديد النسل فعلي أن أسائل نفسي ماذا يستطيع بلد من البلاد كمصر أن يفعل إذا كان مقدار التنمية أقل من أن يشبع عدد الأفواه الجديدة التي تولد في كل عام؟ وكيف ألوم أسرة بذاتها إن طحنتها أعباء الحياة فلجأت إلى التحديد؟ ولقد هبت على ذلك عاصفة من الانتقادات بعضها يرتكز على حجج سليمة ولكن بعضها يستشهد بقول الله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء ٣١] وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام ١٥١] الاستشهاد هنا في غير موضعه فليس في منع الحمل قتل ولد، لا بعد أن يولد ولا قبل أن يولد وهو ما فرق فيه الغزالي بين منع الحمل والإجهاض، فقال: (وليس ذلك كذلك، فإن الإجهاض عدوان على موجود حاصل ... إلخ ما قال) وعلى الرغم من أنني أبصر وجه الضرورة التي تلجئ مصر وأمثالها إلى الأخذ بسياسة تحديد النسل فإن هذه السياسة في اعتقادي لا تمثل العلاج الإسلامي لهذه المشكلة، كما أنها مرفوضة إن كانت قهرية والجفوة بينها وبين الحل الإسلامي ليست مسئولية مصر وحدها ومن لف لفها وإنما أصل الخلل أن العالم الإسلامي لا يتصرف على أنه عالم إسلامي ما زال القطر من أقطاره ينظر إلى غيره على أنه الآخر وليس الأنا ما زال هناك الذي ينوء بالغنى والذي ينوء بالفقر الأرض الخصبة في مكان والسواعد الدربة في مكان والمال الوافر في مكان ثالث، ولكنها لا تلتقي، ولو كانت كلها للإسلام لالتقت، ويقول الله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢] فنسمع ولا نلبي ولسنا هنا ندعو لمظهرية وحدة، ولكن الحقيقة الوحدة تراحما وتلاحما وتنسيقا إذن لوجدنا الحل لا لمسألة تنظيم النسل ولكن لكافة العقبات التي تحول بين العالم وبين الاهتداء بنور الله الذي جائنا وكلفنا بنشره.
стр. 5405
إن موضوع تحديد النسل في العالم حديث نسبيا ولعله بدأ بصورة مسموعة عندما تبنت بعض الحكومات سياسة التحديد من باب الضرورة الاقتصادية فدعت الفقهاء إلى أن يبينوا للناس أنه ليس حراما شرعا وكانت من ذلك كتابات وأحاديث وإسهامات فقهية في مؤتمرات قومية وإقليمية وعالمية ولا نشكك في إخلاص فقهائنا الذين اضطلعوا بذلك، ولا نقدح فيما وصلوا إليه من رأي الإباحة ورغم اشتراكهم في هذا الرأي مع الهيئات الدولية الداعية إليه فإننا نود أن نؤكد أن هؤلاء وأولئك لم يكونوا جيادا تجري في عنان واحد وبنية واحدة، فحركة تحديد النسل العالمية نبعت من آراء داروين ثم مالثيوس اللذين تحدثا من جانب عن تكاثر الناس أكثر من تكاثر الموارد ولكن من الجانب الآخر عن أن الأجناس المتخلفة تشكل عبئا على الأسرة الإنسانية وتلويثا لنقائها فينبغي أن لا يسمح لها بالتكاثر غير المقنن ثم كان امتدادهما في حمل لواء الحركة على الأخص سيدتين هما ميري ستوبس في بريطانيا ومارجريت سنجر في أمريكا تحت شعار حركة الدفاع عن المرأة الذي خلط صالحا وسيئا، فكان فيه الفوائد الصحية لتحديد النسل ولكن كان فيه كذلك ضرورة مساواة المرأة بالرجل في الحريات ومنها حرية الجنس مشروعا أو غير مشروع غير مهددة بحدوث حمل غير مرغوب وبأموال مرجريت سنجر مولت الأبحاث التي أنتجت حبة منع الحمل الأولى، وبنفوذها تأسس الاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية وله صلاته ونشاطه في كثير من بلادنا.
ولقد رأيت له في مؤتمرنا هذا ورقة لي عليها بعض الاحتراز واستقر للحركة النصر فيما يختص بمنع الحمل فإذا هو الأن حق أكيد للمتزوجات وغير المتزوجات والقاصرات وتلميذات المدارس بصحبة تغيير شامل في القيم والمفاهيم أفضى إلى أن ما نسميه نحن زنا ونعترض عليه أصبح نشاطا إنسانيا عاديا لا غبار عليه وهو حق لمن أراده كانت المعركة التالية معركة إباحة الإجهاض وجعله حقا لكل من تطلبه وكانت الآثار الأخلاقية لذلك بالغة المدى فأغلبية المجهضات على مستوى العالم غير متزوجات وفيما طالعت من مؤتمرات فقهية سابقة من تناول لموضوع الإجهاض واختلاف عليه فإن الصاحي لمجريات الأمور في عالمنا الحاضر يدرك بوضوح أنه لو لم يكن هناك من داع لمنع الإجهاض إلا باب سد الذرائع لكفى وزاد، ونحسب أن موضوع الإجهاض قد حسم الآن في أكثر من مؤتمر إسلامي باعتبار حياة الإنسان محترمة في كافة أدوارها فلا يجوز إهدارها إلا لإنقاذ حياة الأم وبينما ظن الفقهاء السابقون منذ قرون أن بدء الحياة قرين نفخ الروح الذي أورده حديث الأربعينات أو إحساس الأم بحركة الجنين في بطنها وكلاهما يكون في نهاية الشهر الرابع للحمل تنبئنا المعطيات العلمية الحديثة أن حياة الفرد منا قد بدأت قبل ذلك بكثير بدأت في الواقع منذ بدايتها بالتحام الحيوان المنوي والبويضة وكل منهما نصف خلية ليكونا الخلية الكاملة ذات الحصيلة الإرثية التي تميز الجنس الآدمي عامة كما تميز إنسانا فردا بعينه لم يتكرر بتمامه ولن يتكرر منذ آدم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 5406
والمطلع على أحكام الفقه عن الجنين في باب الإرث والديات ورعاية الحامل وعبادتها وأحكامها يدرك أن للجنين في الإسلام أهلية وجوب ناقصة من حيث أن له حقوقا وإن لم تكن عليه واجبات ويزيد الأمر وضوحا أن نعلم أنه إذا حكم على امرأته بالإعدام وكانت حاملا في أية مرحلة من الحمل مهما كان باكرا فإن تنفيذ الحكم يؤجل حتى تلد وترضع احتراما لحق هذا الجنين في الحياة مهما كان باكرا وحتى لو كان الحمل من سفاح.
وأما الثالثة في مجال التحديد بعد المنع والتجهيض فجراحات التعقيم وهي كذلك موجة عالمية اجتماعية سياسية خارج نطاق الطب يدعو أهلها إلى تعقيم أعداد أزيد وأزيد في أعمار أصغر وأصغر وعدد أولاد أقل وأقل، وجراحة التعقيم محدث لم يرد فيه نص ولكن مما يدل على أن اتخاذ القرار بها أمر خطير للغاية أن نعلم أنه في باب الديات فإن الإصابة التي تفضي إلى منع القدرة على النسل تستحق دية نفس كاملة ولهذا نرى حصرها في الضرورة الطبية أو عندما تكون الفترة الإنجابية قد قاربت النهاية خاصة وفي الوسع تدبير البديل من وسائل منع الحمل المؤقتة بدلا من إجراء جراحة لا تضمن الرجعة فيها إن تغيرت الظروف بتغيير الزوجة وفقد الأولاد ويكون الندم ولات حين مندم وغير صحيح أن إعادة الخصوبة آنذاك مضمون بالجراحة كما يروج بعض الزملاء.
نقول: تنظيم النسل وتحديده فما الفرق بينهما؟ أسماء سموها فعندما ثارت اعتراضات على المنع والتحديد سموه التنظيم وأدخلوا فيه علاج العقم أي بالنقص والزيادة وقبل أن نتطرق إلى موضوع علاج العقم نشير إلى أن مسألة إرضاع الأمهات أولادهن من أثدائهن رضاعا طبيعيا حازت رضاء الإسلام بلا شك بل قدر القرآن له سنتين لمن أراد أن يتم الرضاعة ولو تم ذلك لكان أنجع وسيلة للمباعدة بين الأحمال نظرا لأن للرضاع أثرا سلبيا على الخصوبة فضلا عن ما فيه من فوائد للمواليد والوالدات جسمية ونفسية ولو كان الأمر بيدي لطوعت كل الظروف واستعنت بكل الوسائل للاستغناء عن الحليب الصناعي وتمكين الوالدات العاملات المتفرغات من أداء الرضاع الطبيعي.
وننتقل إلى علاج العقم فنقول: إن الحرص على الذرية أمر فطري وإن السعي إليها لمن حرمها مطلب مشروع ما دام يتم بوسائل مشروعة ووسائل ذلك الآن عديدة بتعدد الأسباب ولا يستطيع الطب الآن ولا نحسبه سيستطيع في المستقبل أن يكفل الشفاء في مائة بالمائة من الحالات فمن يشأ الله يبق عقيما وقد عرضت مؤتمرات طبية فقهية سابقة لطائفة من الوسائل الحديثة التي ابتكرها الطب الغربي والمعروف أنه لا يتقيد بدين وكان لعلماء المسلمين رأيهم فيها ونرى أن نوجزها هادفين إلى التذكرة عازفين عن التكرار وحبذا لو قدمنا لذلك بالأسس الشرعية التي تحكم هذا الموضوع وهي ثلاثة:
стр. 5407
الأول: إن الزواج بعقده الشرعي المعتبر هو الآن الوعاء الوحيد المشروع لكل من الجنس والإنجاب.
الثاني: إن عقد الزواج غاية أقرب الأجلين طلاقا أو مماتا وكلاهما ينهي الزوجية.
الثالث: إن الزواج كما يدل ظاهر التسمية إنما ينتظم اثنين لا ثالث لهما ولا رابع ولا خامس وليس هناك عقد زواج يسع أكثر من اثنين هما الزوجان فإذا تعددت الزوجات تعددت العقود وكل دائما بين اثنين.
إن طبقنا هذه الأسس وجدنا إذن التلقيح الصناعي جائز بمني الزوج لزوجته حال قيام الزوجية وإن تقنية أطفال الأنابيب جائزة بين الزوج وزوجته أي بمني منه وبويضة منها وذلك حال قيام الزوجية وبدون إقحام طرف غريب من مني أو بويضة أو جنين أو رحم وعلى هذا فمسألة الرحم الظئر مستأجرة أو موهوبة لا تجوز وكما لا يحل المني الغريب لا تحل البويضة الغريبة ولا الجنين الغريب لا استقبالا من غريب ولا إيداعا في غريب ولا يجوز أن تحمل الضرة جنين ضرتها ولو اشتركا في الزوج وإلا أقحمنا طرفا ثالثا على ثنائية عقد الزواج وهي ثنائية لا تقبل التثليث وتشكل مسالة الرحم الظئر منعطفا خطيرا في تاريخ الإنسانية فلأول مرة في التاريخ تحمل أنثى الإنسان طواعية وقد قررت سلفا أنها ستتخلى عن جنينها لغيرها ولما كان هذا في الغالب الأعم يحدث لقاء مال متفق عليه فقد اختزلت الأمومة من قيمة إلى ثمن والأصل أن صلة الرحم في فطرة الإنسان وفي شرعة الإسلام قيمة تجل عن معيار المادة وتقدير الثمن ولقد نشأت عنها في بلاد مروجيها مشاكل عديدة لعل أشهرها تحرك عاطفة الأمومة في نفس الحامل حتى إذا ولدت وتهيأت للإرضاع تشبثت بالوليد ونشب النزاع بينها وبين صاحبة البويضة وراحت كلٌّ أمام القضاء تسوق حجتها في موقف أقل ما يوصف به أنه اختلاط أنساب فالإسلام يأباه ويأبى ما يؤدي إليه ولكن إن حدث فغالب علماء المسلمين اليوم يرون الأمر على بداهته وهو أن الوالدة هي الوالدة هذه سياحة سريعة في موضوعنا ومن الخير أن نحكم خطوط دفاعنا الإسلامية حتى لا تغزونا تلك الجدائد على علاتها وإنما بعض أرضها على أحكام الإسلام فما اتفق أخذناه وما خالف نبذناه ويبقى في رقابنا واجب آخر نحو بقية العالم الذي أوشك أن يعبد العلم من دون الله وأن يتخذ إلهه هواه ذلك هو واجب الهداية ونعلم أن الغرب في حاجة لاهبة إليه فتلك رسالتنا إن كنا حقا ورثة النبوة التي أرسلها الله رحمة للعالمين فلقد استطال العلم واستطال الإلحاد ولم يزد الإنسان إلا شقاء فعسى الله أن يهدينا ويهدي بنا ويجعلنا أهلا للرسالة وأوفى بالأمانة. بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨] وقد انتقل الرسول ﷺ إلى جوار ربه فعسى أن نكون ممن اتبعه والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 5408
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
السيد رئيس الجلسة المحترم أساتذتي الحضور لقد أغناني أستاذنا الكريم حسان حتحوت في الكلام عن تحديد النسل من الوجهة الاجتماعية والشرعية بصورة عامة وسوف أتجنب الكلام فيما ذكره الأستاذ الفاضل مقتصرا على ذكر أهم النصوص الفقهية في هذه المسألة فأقول وبالله التوفيق:
هناك فرق كبير بين تنظيم النسل المقصود بالبحث هنا وبين منعه بصورة دائمة.
وذلك بإجراء بعض العمليات الجراحية وبعض الطرق العلمية التي تحقق هذا الغرض ومنع الإنجاب نهائيا يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية من الزواج الذي من أهم أغراضه ومقاصده التناسل كما بينت ذلك النصوص الشرعية ثم إن قواعد الشريعة تدل على منع ذلك الأمر وتحريمه من غير ضرورة فإن في الحرمان من النسل نهائيا مضرة ظاهرة يأباها الشارع وتدخل فيما نهى عنه بقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) وواضح وجه المضرة في الحرمان من النسل فإن الشريعة الإسلامية وما تعارفه الناس في أمر النكاح يقتضي أن يكون هناك تناسل لعمارة الأرض وبقاء الإنسان.
لتنظيم النسل وسائل متعددة منها ما تتم قبل تكوين الجنين في رحم المرأة وذلك بأن يمتنع الزوج من وطء زوجته في فترة معينة من طهرها وغالبا ما يكون ذلك في العشرة الوسطية من الطهر عندما تكون بويضة المرأة مهيأة للتلقيح أو في استعمال بعض العقاقير الطبية التي تقلل فرصة الحمل وأحيانا يلجأ الزوج إلى العزل وذلك بأن يقذف ماءه خارج رحم زوجته وهناك وسائل أخرى تلجأ إليها بعض الأسر بعد تكوين الجنين في رحم أمه سواء كان في مراحل تكوينه الأولى أم الأخيرة ولكل حالة من هاتين الحالتين حكمها الخاص.
حكم الحالة الأولى: وهي ماذا استعمل الزوجان الوسائل الكفيلة بمنع الحمل بصفة مؤقتة قبل تكوين الجنين ومنع الحمل بهذه الصفة أمر معروف لدى الأمم قبل الإسلام وبعده ومنهم الفرس والرومان وقد اتخذ العرب في الجاهلية العزل وسيلة لمنع الحمل أيضا ولما جاء الإسلام والناس على هذا الحال وكان بعض من دخلوا في الإسلام يتبعون هذه الوسيلة سأل بعضهم الرسول ﷺ عن حكم العزل باعتباره وسيلة للتحكم في الحمل طالما وجدت الرغبة في عدم حصوله فأدلى الرسول ﷺ بما يشعر من إباحته.
فما هو العزل؟ هو أن ينزع الرجل بعد الإيلاج ليقذف مائه خارج الرحم ويلجأ إليه لأحد سببين: إما خوفا على الرضيع من أن يلحق به من ضرر إن وجد أو لئلا تحمل المرأة.
стр. 5409
رأي الفقهاء في العزل: الأصل عند الجمهور هو جواز العزل إلا أنهم اختلفوا في اشتراط إذن الزوجة له أو عدم اشتراطه وذلك على النحو التالي:
نص الحنفية على إباحة العزل بعد إذن الزوجة إذا كانت بالغة إذ غير البالغة لا ولد لها وكالبالغة المراهقة إذ يمكن بلوغها وحبلها وقد نقل ابن عابدين عن بعض كتب المذهب أن الزوج إذا خاف من الولد السوء فله العزل بغير رضاها بسبب فساد الزمان وهذه وجهة نظر الحنابلة أيضا قال ابن قدامة: ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها وهل الاستئذان واجب أو مستحب؟ قال القاضي الحنبلي: ظاهر كلام أحمد وجوب استئذان الزوجة في العزل ويحتمل أن يكون مستحبا لأن حقها في الوطء دون الإنزال وإباحة العزل قال المالكية به أيضا وفي مذهب الشافعية ما يؤيد هذا الرأي أيضا.
دليل الجمهور فيما ذهبوا إليه: استدل الجمهور على إباحة العزل للزوج من زوجته سواء من اشتراط منهم إذنها أو لم يشترط بالروايات الصحيحة الواردة عن النبي الكريم ﷺ والتي تشعر بجواز ذلك وقد جزم ابن حزم الظاهري بتحريم العزل وقالت الزيدية بكراهيته مستدلين بما روي عن النبي ﷺ عندما سئل عن العزل قال: ((ذلك الوأد الخفي)) .
الحالة الثانية: وهي إذا ما تعمدت المرأة إسقاط النطفة بعد تكوينها في رحمها وذلك باستعمال العقاقير الطبية أو إجراء عملية جراحية أو ما أشبه ذلك وهو ما يعبر عنه بالإسقاط أو الإجهاض.
وقبل أن أنقل رأي الفقهاء في الاعتداء على الجنين بما ذكرناه أود أن أبين هنا مراحل تكوين الجنين بقدر ما له صلة بموضوع بحثنا هذا.
أطوار الجنين في الرحم: لقد تناول القرآن الكريم أطوار الجنين في رحم أمه من وقت التلقيح الذي هو أصل التكوين الجنيني حتى مرحلة نفخ الروح فيه وتكوين العظام أو إكسائها باللحم ثم جعله إنسانا كامل الخلقة وكل هذه الأطوار يتناولها قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . [المؤمنون ١٢-١٤] يتعرض القرطبي في تفسيره للأطوار الثلاثة التي يمر بها الجنين عند بدء تكوينه ويفسر كل طور من هذه الأطوار ومن المفيد أن ننقل ما قاله ﵀ بهذا الخصوص النطفة: هو المني سمي نطفة لقلته وهو القليل من الماء وقد يقع على الكثير منه، العلقة: وهو الدم الجامد، المضغة: وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ومنه الحديث "ألا وإن في الجسد مضغة"، والأطوار المذكورة عدتها أربعة أشهر.
وحكي عن العباس قوله: "وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح فذلك عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر".
стр. 5410
ومما مضى تأكد بأن نفخ الروح في الجنين يكون بعد مائة وعشرين يوما وذلك محل اتفاق بين جميع العلماء وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف.
رأي العلماء في الاعتداء على الجنين بالإجهاض: بعد هذا العرض لتكوين الجنين في رحم أمه أذكر ما قاله فقهاؤنا ﵏ بخصوص جواز إسقاطه أو عدم جوازه وفي أي مرحلة من مراحله يجوز الإسقاط وفي أي مرحلة لا يجوز اتفق الفقهاء على القول بتحريم الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين أما قبل النفخ فقد اختلفت أراؤهم في ذلك على النحو التالي:
أجاز الحنفية في كثير من كتبهم الإسقاط بعد الحمل ما لم تنفخ فيه الروح ولن يتحقق ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوما كما قلنا ولم يشترط أصحاب هذا الرأي من فقهائهم إذن الزوج في الإسقاط قبل المدة المذكورة جاء في الدر المختار (يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج) وحكى ابن عابدين عن بعض كتب المذهب ما يفيد الكراهية إن تم الإسقاط بدون عذر فقد نقل عن الذخيرة ما نصه (لو أرادت الإلقاء قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه) وكان الفقيه علي بن موسى يقول: إنه يكره فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة فيكون له حكم الحياة كما في بيضة صيد الحرم ونحو ذلك في الظهيرية.
وقد تشدد المالكية في هذه المسألة إذ منعوا إسقاط الجنين ولو قبل الأربعين يوما على ما هو المعتمد في المذهب جاء في الشرح الكبير للدردير: " ولا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا ".
أما الشافعية فإن مذهبهم تصوره عبارة البجيرمي نقلا عن ابن حجر إذ يقول: اختلف الشافعية في سبب الإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه والذي يتجه وفاقا لابن عماد وغيره الحرمة وفرق بين ذلك وبين العزل فإن المني حال نزوله محض جماد ولم يهيأ للحياة بوجه بخلافه بعد استقراره في الرحم وأخذه في مبادئ التخلق ثم يمضي البيجرمي قائلا: إن في بعض الكتب خلاف ذلك أخذا من قول ابن حجر والذي يتجه الحرمة ومقتضى ذلك أن بعض الشافعية يقول بعدم حرمة الإسقاط قبل نفخ الروح وقد نص الشبرامسلي أنهم اختلفوا في جواز التسبب في إلقاء النطفة بعد استقرارها في الرحم وجاء في موضع آخر من نهاية المحتاج اختلف في النطفة قبل تمام الأربعين على قولين: منهم من أجاز ذلك ومنهم من منع.
стр. 5411
وذكر الخطيب الشربيني أن المرأة الحامل إذا دعتها الضرورة إلى شرب دواء فشربته ثم أجهضت فينبغي أن لا ضمان عليها في هذه الحالة كما قال الزركشي بخلاف ما إذا صامت فأجهضت فإنها تضمن دية الجنين.
ومن هنا يظهر لي بأن الإجهاض لعذر لا إثم فيه على رأي الشافعية بناء على قول الزركشي هذا وبهذا يتضح أن الشافعية لا يختلفون عن غيرهم ممن قدمنا كثيرا في مسألة العزل وإن كانو يقتربون في مسلكهم الفقهي وذكر الخلافات من مسلك الحنفية على ما أوردناه ويصور لنا ابن قدامة مذهب الحنابلة فيقول: تجب في الجنين إذا سقط من الضربة ميتا وكان من حرة مسلمة الدية وقيمتها خمس من الإبل ولا فرق بين أن يخرج جميع أجزاء الجنين من الضربة أو بعضه ولو أن رجلا ضرب حاملا أو ضرب من في جوفها حركة أو انتفاخا فأسكن الحركة وأذهبها لم يضمن الجنين معللا ذلك بقوله: لأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت ولا يجب الضمان بالشك فإن أسقطت المرأة من جراء الضربة ماليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه لعدم التيقن من كونه جنينا وإن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة وإن شهدت أنه مبتدأ خلق الآدمي لو بقي تصور، ففيه وجهان: أحدهما لا شيء فيه لأنه لم يتصور فلم يجب فيه كالعلقة؛ ولأن الأصل براءة الذمة فلا نشغلها بالشك ومن خلال ما قاله ابن قدامة هنا بعدم إلزام الضارب بشيء فيما لو أسقط ما لم يتصور أو كان نطفة أو علقة يظهر بان الحنابلة لا يختلفون عن غيرهم من الفقهاء الآخرين في القول بجواز إسقاط الجنين ما دام في مراحل تكوينه الأولى من نطفة أو علقة بخلاف ما لو تصور بمعنى بان خلقه.
ويرى الظاهرية كما يصور مذهبهم ابن حزم بقوله: صح أن من ضرب حاملا فأسقطت جنينا فإن كان قبل الأربعة أشهر فلا كفارة في ذلك وإن كان الإجهاض قد حدث بعد الأربعة أشهر فإنه يوجب مع الغرة الكفارة التي هي كفارة القتل الخطأ لأن الجنين بعد مضي أربعة أشهر يكون قد نفخت فيه الروح الإنسانية وفي مذهب الزيدية ما يؤيد اتجاه الفقهاء الآخرين فيرون كما يحكي مذهبهم صاحب البحر الزخار أنه يجوز إلقاء النطفة والعلقة والمضغة لأنه لا حرمة لهذه الأشياء.
стр. 5412
خلاصة الآراء: ومن كل ما عرضنا في هذا الموضوع يتبين أن الاتجاه لا تختلف فيه وجهة النظر في أن الإجهاض بعد نفخ الروح عمدا محرم شرعا وقد حكى اتفاق العلماء هذا ابن قدامة حيث قال:: (وإذا شربت الحامل دواء فألقت جنينا فعليها غرة) .
وقد انفرد الزركشي من أئمة الشافعية بجواز ذلك للأم عند الضرورة كما حكاه الخطيب الشربيني، والذي أشرنا إليه سابقا، أما قبل نفخ الروح في الجنين فقد اختلفت وجهات نظرهم على ما بينا.
والذي أرجحه في هذه المسألة هو حرمة الاعتداء على الجنين بعد نفخ الروح فيه بأي وسيلة كانت بشرب دواء من الأم، أو بإجراء عملية جراحية، أو غير ذلك فيما لو تأكد لنا بث الروح فيه؛ لأن الإجهاض عليه إزهاق لروحه وهذ لا يجوز وما ذهب إليه الزركشي من جواز ذلك عند الضرورة ينقصه الدليل.
أما قبل نفخ الروح في الجنين فإن دعت الضرورة لإسقاطه كالخوف على هلاك الأم من مرض أو ما أشبهه فلا أرى مانع من إسقاطه، أما إجهاض لغرض تنظيم النسل بعد استقراره في رحم المرأة فلا أرى جوازه؛ لأنه ليس بضرورة، إذ بإمكان الزوجين الأخذ بالوسائل المشروعة لتنظيم النسل والتي فصلنا فيها القول عند كلامنا عن العزل.
في ختام بحثنا لموضوع النسل وتحديده أود أن أبين ما يلي:
أولا: إن تنظيم النسل وتحديده بالوسائل المشروعة التي تطرقنا إليها خلال البحث وقبل تكوين الجنين في رحم المرأة ينطبق عليه حكم العزل الذي فصل العلماء فيه القول وقد أباحه جمهورهم على أن لا يتخذ ذلك ذريعة لمنع الحمل بصورة دائمة؛ لأنه يتنافى مع توجيهات الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى تكثير النسل.
ثانيا: بعد استقرار الماء في رحم المرأة وأخذ دوره التكويني سواء كان في طوره الأول النطفة أو الثاني العلقة أو الثالث المضغة وقبل نفخ الروح فيه فلا يباح إسقاطه إلا إذا دعت الضرورة إليه كما ذكرنا ذلك قبل قليل.
ثالثا: وبعد بث الروح في الجنين ويعرف ذلك عن طريق الأم أو إخبار طبيبة أو مولدة فلا أرى جواز إسقاطه لأي سبب من الأسباب لما فيه من إزهاق روح وهو محرم شرعا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 5413
الدكتور محمد سيد طنطاوي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة تنظيم الأسرة من المسائل التي اهتمت بها كثير من الدول والهيئات.
وقبل أن نبدأ في الحديث عن هذه المسألة من الناحية الدينية نحب أن نتفق على الحقائق التالية:
أولا: الأديان السماوية أنزلها الله تعالى لسعادة البشر ولهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ولغرس المعاني الفاضلة في نفوسهم وأن الكتب الذي أنزلها سبحانه على أنبيائه قد قررت هذه الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ . [إبراهيم ١] .
ثانيا: الكلام في الأمور الدينية بصفة خاصة وفي غيرها بصفة عامة يجب أن يكون مبنيا على العلم الصحيح والفهم السليم والدراية الواسعة الواعية لأصول الدين وفروعه ولمقاصده وأحكامه، وأن يكون لحمته وسداه الأمانة والصدق وخدمة الحق والعدل والتنزه عن الأحقاد والأطماع والبعد عن المآرب والأهواء، والترفع عن النفاق وكتمان الحق قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل ١١٦] وفي الحديث الصحيح ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))
ثالثا: إن الخلاف في الأمور التي تقبل الاجتهاد لا غبار عليه ولا ضرر منه ما دام القصد الوصول إلى الحق وإلى ما تتحقق معه المصالح النافعة للأفراد والجماعات.
وما دام هذا الخلاف مصحوبا بالنية الحسنة وبالكلمة الطيبة وبالمناقشة الرصينة التي يزينها الأدب ومكارم الأخلاق ولقد سما النبي ﷺ بهذا الاجتهاد فبشر أصحابه بأنهم مأجورون سواء أصابوا أم أخطأوا فقال في حديث صحيح ((: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) .
رابعا: إن الأولاد هم ثمرة القلب وإحدى زينتي الحياة الدنيا ولكن الأولاد في الوقت نفسه أمانة في أيدي آبائهم، ويجب على الآباء أن يرعوا هذه الأمانة حق رعايتها وأن يحسنوا تربيتهم دينيا وجسميا وعلميا وخلقيا، وبأن يقدموا لهم ما هم في حاجة إليه من عناية مادية ومعنوية.
خامسا: إن هذا الكون قد أقامه الله تعالى على نظام دقيق بديع محكم فكل شيء فيه يسير وفق تدبير متقن وتنظيم بديع، فالشمس تشرق وتغرب في وقت معلوم ومثلها القمر والليل والنهار كما قال سبحانه ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
стр. 5414
سادسا: إننا نعيش في عصر لا تتباهى فيه الأمم بكثرة أفرادها ولا باتساع أراضيها وإنما نحن نعيش في عصر تتنافس فيه الأمم بالاختراع والابتكار ووفرة الإنتاج والتقدم العلمي بشتى صوره وألوانه هذا التقدم الذي يجعل احتياج الغير إليك أكثر من احتياجك إليه ونحن نشاهد أمما أقل عددا من غيرها ولكنها أقوى وأغنى من ذلك الغير، والأمثلة على ذلك يعرفها عامة الناس فضلا عن علمائهم.
سابعا: من مزايا شريعة الإسلام أن الأمور التي لا تختلف المصلحة فيها اختلاف الأوقات والبيئات والاعتبارات تنص على الحكم فيها نصا قاطعا كتحليل البيع وتحريم الربا أما الأمور التي تخضع فيها المصلحة للظروف والأحوال فإن شريعة الإسلام تكل الحكم فيها إلى أرباب النظر والاجتهاد والخبرة في إطار قواعدها العامة، ومن هذه الأمور مسألة تنظيم الأسرة فإنها من المسائل التي تختلف فيها الأحكام باختلاف ظروف كل أسرة وكل دولة وباختلاف إمكانياتها، فمثلا هناك دول في حاجة إلى الكثرة البشرية؛ لأن وسائل الإنتاج والرقي فيها تحتاج إلى هذه الكثرة القوية وأمثال هذه الدول يقال لها مرحبا بهذه الكثرة القوية المؤمنة العاقلة وهناك دول لا تحتاج إلى الكثرة في عدد أفرادها؛ لأن هذه الكثرة موجودة، ولأن إمكانياتها لا تتحملها، ولأن السواد الأعظم من أفرادها يعيش على جهود القلة فيها، ولأنها مع كثرتها تستورد من غيرها معظم ضروريات حياتها وأمثال هذه الدول يكون تنظيم الأسرة فيها أمرا مرغوبا فيه، إننا مرة أخرى نقول: إن الكثرة الصالحة المنتجة القوية مرحبا بها، أما الكثرة الهزيلة الضعيفة الشاردة عن الطريق القويم المعتمدة في كثير من ضروريات حياتها على غيرها فالقلة خير منها.
بعد هذه الحقائق التي أرجو أن تكون محل اتفاق نحب أن ندخل إلى موضوع تنظيم الأسرة والنسل بأسلوب السؤال والجواب فنقول:
стр. 5415
أولا: ما معنى تنظيم الأسرة؟ وهل هناك فرق بينه وبين التحديد والتعقيم والإجهاض؟ والجواب ببساطة تنظيم الأسرة معناه أن يتخذ الزوجان باختيارهما واقتناعهما الوسائل التي يريانها كفيلة بتباعد فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان يتفقان عليهما فيما بينهما، وهناك فرق شاسع بينه وبين التحديد والتعقيم والإجهاض إذ تحديد النسل بمعنى منعه منعا مطلقا ودائما حرام شرعا، ومثله التعقيم الذي هو بمعنى القضاء على أسباب النسل نهائيا، وأما الإجهاض وهو قتل الجنين في بطن أمه أو إنزاله فقد أجمع الفقهاء أيضا على حرمته، وأنه لا يجوز إلا إذا حكم الطبيب الثقة بأن في بقاء هذا الجنين هلاكا للأم أو ضررا بليغا سيصيبها بسبب بقائه في بطنها.
ثانيا: هل تنظيم الأسرة بتلك الصورة المحددة التي سبق بيانها جائز من الناحية الدينية؟ وبينا في الجواب أن تنظيم الأسرة بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز شرعا، وسقنا الأدلة على ذلك.
ثالثا: هل تنظيم الأسرة هو الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة تزايد السكان ورفع مستوى المعيشة وحصول كل فرد على مطالب حياته بصورة مقبولة؟ والجواب ما قال عاقل بأن تنظيم النسل أو الأسرة هو الوسيلة الوحيدة لحل هذه المعضلات، وإنما هو وسيلة من بين كثير من الوسائل التي من أهمها: أداء كل فرد من أفرادها لواجبه قبل مطالبته بحقوقه، وحرص هذا الفرد على أن يكون لبنة نافعة في بناء كيان مجتمعه، لبنة تقوي كيان المجتمع ولا تضعفه وتعطيه من إنتاجها أكثر مما تأخذ منه وآفة الآفات في كل أمة تثقلها الديون والمتاعب المتشابكة تتمثل في تقديري في تمزق أبنائها وتفرقهم وسلبيتهم، وفي شيوع سوء الظن بينهم بدون موجب واهتمام معظمهم بالحصول بكل طريق على مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] .
رابعا: أهناك فتاوى رسمية صدرت في موضوع تنظيم الأسرة أو النسل؟
والجواب: نعم هناك فتاوى متعددة صدرت في هذا الموضوع وأوردنا جانبا لا بأس به من هذه الفتاوى.
خامسا: أيصح للدولة أن تصدر قانونا لتنظيم الأسرة أو النسل؟
والجواب: لا يصح ذلك إطلاقا؛ لأن مسألة تنظيم الأسرة من المسائل الشخصية التي تتعلق بالزوجين وحدهما والتي تختلف من أسرة إلى أسرة على حسب ظروفها وأحوالها وما يتعلق بالزوجين لا تعالجه القوانين، وإنما خير وسيلة لتنظيم الأسرة فهم الدين فهما سليما وإشاعة هذا الفهم بين جميع أفراد الأمة، وإني أرجح أن على رأس الأسباب التي جعلت بعض الناس يتهاون في هذه المسألة إنما هو عدم الفهم السليم لأحكام الدين ولشئون الدنيا والاستخفاف بالمسئولية نحو الأبناء.
стр. 5416
سادسا: هل تتعارض الدعوة إلى تنظيم الأسرة مع قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] أو مع قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] أو مع قوله سبحانه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] أو مع الحديث الشريف ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) ؟ والجواب: لا تتعارض الدعوى إلا تنظيم النسل متى سيقت بأسلوب حكيم مع هذه النصوص التي سقناها، والجواب أمام فضيلتكم حرصا على العشر دقائق ولا أحب أن أزيد ننتقل إلى النقطة السابعة.
سابعا: هل الدين يدعو إلى اتخاذ وسائل معينة لتنظيم الأسرة؟ والجواب أن الدين يدعو إلى الحياة السعيدة بين الزوجين، ويرسم لهما طريقهما ويحدد لهما ما هو حلال وما هو حرام ثم بعد ذلك يعطيهما الحرية الكافية لتصريف حياتهما في إطار شريعة الله وفي إطار مكارم الأخلاق.
ثامنا: هل يتنافى أو يتعارض تنظيم الأسرة مع الإيمان بقضاء الله وقدره؟
والجواب لا تنافي ولا تعارض بين تنظيم الأسرة وبين الإيمان بقضاء الله وقدره؛
لأن تنظيم الأسرة ما هو إلا لون من مباشرة الأسباب التي أمرنا الله تعالى بمباشرتها لتنظيم حياتنا وهذه الأسباب قد تنجح وقد لا تنجح وقد تتخذ المرأة وسائل منع الحمل لفترة معينة ومع ذلك يأتي الحمل، كما أن المريض قد يذهب إلى الطبيب فيعطيه علاجا معينا ولكن هذا العلاج قد يؤدي إلى الشفاء وقد لا يؤدي إلى ذلك ونحن مطالبون دينيا وعقليا بمباشرة الأسباب التي شرعها الله تعالى لنجاحنا في الحياة مع إيماننا المطلق بأن ما قدره الله وقضاه لابد أن يكون إلا أن ما قدره الله وقضاه نحن لا نعلمه ولا نعرفه؛ لأن مرده إليه وحده وهو سبحانه علام الغيوب والأمر كما قال القائل:
إنما الغيب كتاب صانه
عن عيون الخلق رب العالمين
ليس يبدو منه للناس سوى
صفحة الحاضر حينا بعد حين
وإذن فتنظيم الأسرة لا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن ما قدره الله تعالى نحن لا نعلمه وإنما نحن نباشر الأسباب التي شرعها سبحانه لسعادتنا، ثم نكل الأمور بعد ذلك لله يصرفها كيف يشاء، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وشكرا.
стр. 5417
الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه لي تعقيب على ما تفضل به بعض الباحثين من قبلي شكر الله لهم مساعيهم وتفضلهم بالبحوث القيمة، فلقد ذكر بعض الإخوة الزملاء أن للحنفية في قضية تحديد النسل أي الإجهاض بالذات مسلكا واحدا، واستشهد على ذلك بكتاب العلامة ابن عابدين ﵀ وذكر ما لبقية المذاهب من أقوال وآراء، وإنني لم أكتب بحثا في هذا الموضوع حيث بحثي يتعلق بموضوع آخر غير أنني توقفت مليا عند مسلك الحنفية هذا، والذي أعرفه وتذكرته وأذكره بالضبط والتوثيق أن الجمهور لهم مسالك متعددة من جملتها مسلك أربعين يوما وهو مسلك مشهور لديهم، أما الحنفية فلهم مسلكان؛ مسلك بجواز الإجهاض قبل الأربعين فقط، ومسلك بجواز الإجهاض قبل مائة وعشرين يوما وهو المسلك الذي ذكره أخي الباحث مقتصرا عليه حصرا ولعله لم يطلع على المسلك الآخر والذي ذكره العلامة ابن عابدين ﵀، هذين المسلكين معا وهما قولان مصححان وذهب جمهور المتأخرين إلى ترجيح القول بقبول ما ذهب إليه الجمهور من الأربعين وإن رجح أيضا القول بأربعة أشهر بعض الحنفية المتأخرين الآخرين، فيظهر لنا أن للحنفية مسلكين معا وليس مسلكا واحدا وللجمهور مسالك وأظن أن أغلب الجمهور عند الأربعين لا عند المائة وعشرين وربما هذا الذي ذكرته في نفسي ولا أستطيع أن أجزم مائة بالمائة أنه عين الحقيقة، ولكن هو ما أذكره يوم كنت على مقاعد الدرس والله تعالى أعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 5418
الدكتور إبراهيم بشير الغويل:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أولا: هناك ملاحظة تنظيمية قد أقولها في بداية هذا الحديث، وهناك ثلاث ملاحظات متعلقة بالموضوع، وملاحظة تخص بحث الأستاذ حتحوت كما قدمت.
الملاحظة التنظيمية: في دورتنا السابقة لاحظتم أن الذي يقدم للموضوع يتناول لا وجهة نظره فقط بل إلى حد كبير وجهات النظر الأخرى التي عرضها الباحثون حتى على الرغم أعتقد أننا جميعا قد اطلعنا على هذه الآراء ودرسناها وقرأناها، ولكن من المناسب ما سرنا عليه في السابق وهو تقديم الذي يقدم هذا الموضوع يتناول مختلف الأبحاث والآراء وليس مجرد بحثه أو رأيه هو بالذات، هذه من الناحية التنظيمية.
بالنسبة للموضوع لعل الدكتور حتحوت أشار إشارة، ولكنه اهتم لأحد جوانب المشكلة، وإذا كان الحكم على الشيء فرع من تصوره فلابد أن نذكر أين بدأت هذه المشكلة؟ بدأت هذه المشكلة في الغرب بناء على نظرية مالتوس التي تقول: إن الموارد محدودة والحاجات متزايدة. هل نحن نوافق أصلا أن الموارد محدودة وربنا هو الذي قدر فيها الأقوات وربنا هو الذي قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وربنا هو الذي جعل فيها المعايش وربنا هو القائل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وربنا هو القائل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وربنا هو القائل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾ [الأعراف: ٩٦] ، إذن بداية التصور للمشكلة الاقتصادية هو مخالف للتصور الإسلامي القرآني ولابد أن يقال هذا وأن يقرر في جامعات العالم الإسلامي، وإنه من الخطورة أن تظل المشكلة الاقتصادية هي الموارد المحدودة والحاجات المتزايدة، ولا أريد أن أزيد في هذا الموضوع ولكن هذا الباب كان قد يفتح أمامنا قضية. إذن إن هذه النعم التي لا تحصى كيف يكون شكرها؟ شكرها بالعمل ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] وشكرها بعدم احتكارها وعدالة توزيعها ولفتحنا أبوابا أخرى في قضية النظام الاقتصادي كله لو نظرنا إلى الأمر من منشئه على وجهة النظر القرآنية الإسلامية إذن هذه هي النقطة الأولى.
стр. 5419
النقطة الأخرى: أشار إليها أيضا الدكتور حتحوت، ولكنه لامسها بمثل ما سبق أن تكرر في العالم الإسلامي، وأود أن يتغير إلى غيره وهو أن هناك مالا يزيد في بعض البلاد ويفيض ولكنه لا يقابل المتحوجين إليه فيعدم، هذه إحدى مشكلات الجانب الاقتصادي كما عالجه الغرب الذي يقول بالموارد المحدودة، ولكنها مشكلة أخرى بالنسبة للعالم الإسلامي، قضية احتكار المعرفة ونقل ما يسمونه بالمعرفة أو أن تعرف كيف (الناو هاو) هذه قضية في مثل هذا المجتمع وفي العالم الإسلامي لابد أن تكون محل نظر ليس مجرد أنهم يحرقون ما يفيض عن حاجاتهم ويمثل هذا جزءا من المشكلة ولكنهم يحتكرون المعرفة ويمنعونها عن العالم الإسلامي، والذي يظن أن القضية قضية نقل للتكنولجيا بمعنى نقل المصانع والمعامل قد أخطأ القضية، القضية قضية نقل المعرفة وعدم احتكارها وهي قضية لابد أن تثار في هذا الموضوع ولو نقلت المعرفة العلمية كما فعل المسلمون في جولتهم الحضارية الأولى للبشرية لكان هناك ما يكفي جميع الإنسانية ويفيض، إذن لابد أن يدان هذا النظام الذي يشوه الحقائق ويحتكر المعرفة ويمنعها ويقتل الناس.
الأمر الثالث أنه لابد أن ينظر في هذه المشكلة وأشير إليها أيضا على ضوء تكتل إسلامي يضم القوميات وشعوب العالم الإسلامي كلها، فإن وجدت هناك مشكلة تستدعي النظر في تحديد النسل نظر في هذا الأمر.
هذه الملاحظات الثلاث: الملاحظة التي تخص خصيصا بحث الدكتور حتحوت حينما قال: ظن الفقهاء السابقون منذ قرون عديدة أن بدء الحياة قرين نفخ الروح بينما أن الحقائق العلمية اليوم تنبئنا أن حياة الفرد منا قد بدأت قبل ذلك بكثير وهو يشير إلى معنى الحياة البيولوجية الذي يبدأ مع الجنين من أول يوم، وهذا التصور الفكري الغربي مقبول؛ لأن الإنسان عند الغرب حيوان عاقل ولكنه عند المسلمين كائن من الكائنات كما لا يمكن أن يقال عن الحيوان إنه نبات ولكنه متحرك أو متنفس؛ لأن حتى النبات يتنفس وينمو ويتغذى، لا يقال على الإنسان إنه حيوان. هو كائن يحمل أمانة جديدة وهو إنشاء أنشأه الله خلقا آخر، ربنا يقول بعد خلق النطفة ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] الحديث عن الخلق الآخر هو التكوين الإنساني. الروح الإنسانية التي هي محل البحث عند الفقهاء فهم لم يخطئوا وفي الحديث الصحيح أن يكون الإنسان نطفة اثنين وأربعين يوما ويكون علقة اثنين وأربعين يوما ويرد في مجموعهما إلى مائة وستة وعشرين وهي الأربعة أشهر وعشر التي أوضحها القرآن الكريم في ذلك الوقت تنفخ الروح ويتكون الإنسان وينشأ خلقا آخر، وهذا ما بحثه الفقهاء السابقون؛ لأنهم ينظرون إلى الإنسانية أنها إنشاء وأنها خلق آخر وليست مجرد امتداد للحياة البيولوجية الحيوانية المعتادة التي يشير لها الفكر الغربي.
هذه هي الملحوظة التي وددت أن أبديها، وهذه هي الملاحظات الثلاث وتلك هي الملاحظة التنظيمية، وشكرا.
стр. 5420
الدكتور عجيل جاسم النشمي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أود أن أشير إلى أمرين أظنهما هامين وهما ليسا كلاما في الموضوع وإنما في إطاره الصحيح.
الأولى هي التي أشار إليها الزميل الدكتور إبراهيم الغويل فلا أطيل فيها وهي أن المراد من اختيار أحد الباحثين أو أكثر لإلقاء البحث وهو تلخيص اتجاهات زملائه الذين كتبوا في نفس الموضوع، وأنا شخصيا من خلال عرض الأستاذين الفاضلين لم أعرف اتجاهات البحوث الأخرى فنود أن يؤخذ ذلك في الاعتبار في البحوث القادمة إن شاء الله.
الملاحظة الثانية: وهي في إطار الموضوع أيضا أن هذا الموضوع بحث في ندوتين متخصصتين أقامتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الأولى كانت ((الإنجاب في ضوء الإسلام)) والثانية كانت ((بداية الحياة ونهايتها في الإسلام أو من منظور إسلامي)) ، وأود أن يكون تركيز البحث في الجديد كي يكون عملنا مكملا لا منشئا أو مبتدئا وشكرا.
الرئيس:
شكرا ما يتعلق بالملاحظة التي آثارها الشيخ إبراهيم وثنى عليها الشيخ عجيل هذا صحيح؛ ولهذا نرجو من أصحاب الفضيلة المشايخ في البحوث التي في الغد وبعده إن شاء الله تعالى أن ينتبه العارضون إلى أن يكون العرض هو ملخص للأبحاث التي طبعت ووزعت في الموضوع ذاته محل المناقشة وشكرا.
стр. 5421
الشيخ عبد الله البسام:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ليس عندي ما يقال؛ لأن الإخوان والأساتذة قد أوفوا الموضوع حقه وإنما أحب أن أركز على نقطة واحدة، وهو أننا في بحثنا هذا وفي البحوث المستقبلية إن شاء الله إننا نركز على الموضوع نفسه، فموضوعنا هذا تطرقنا فيه إلى الإجهاض هل يجوز أم لا يجوز؟ وهل يجوز قبل نفخ الروح أو بعد نفخ الروح؟ ثم تطرقنا إلى وسائل منع الحمل القديمة كالنزع والحديثة كالعقاقير الموجودة، أنا في اعتقادي أن مثل هذه المسائل ليس لها مساس في الموضوع وليس لها دخل، نحن نتكلم الآن في حكم الشريعة في تحديد النسل هل الشريعة تجيز تحديد النسل أو لا تجيزه؟ وإذا كانت لا تجيزه هل هناك تنظيم أو ليس هناك تنظيم؟ أحب مثلا أن البحث يقتصر على هذا الموضوع؛ لأن الوقت محدود والبحوث كثيرة جدا، الوقت لا يكفينا فإذا تطرقنا إلى مسائل أخرى هي طيب أن نعرفها وأن نفهم كلام العلماء عنها هذا جيد ولكنه يضيع علينا وقتنا في هذه البحوث وفي هذه الاستطرادات البعيدة وهذا مما يضيع الوقت ومما يجعلنا نخرج من ندوتنا دون أن نحقق البحث المراد من جلستنا.
هذا ما أردت أن أقوله، ومن هذا يعني أنا أحب مثلا تحديد النسل أننا نعرف حكم الشريعة فيه يكفينا هذا نعم البحوث فيها استطرادات لكن هذه الاستطرادات لا بأس بها أن تكتب، وأصحابها عرضوها وقرأناها وكلنا كتبنا هذه الاستطرادات، لكننا عند البحث وفي وقت محدد نحصر موضوعنا في المراد وهو تحديد النسل في مثل هذه المسألة، وشكرا.
стр. 5422
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد.
فإني أشكر أصحاب الفضيلة الذين بحثوا هذه القضية وأشبعوها بحثا، ولا أريد أن أطيل في الموضوع وإنما أقول: إن إصدار حكم في قضية ما يجب أن يكون بعد تصور أبعاد تلك القضية وملابساتها المختلفة فقضية تنظيم النسل الآن تكتنفها أمور كثيرة، من بين هذه الأمور مؤامرات اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم على المسلمين بإقلال عددهم مع أنهم يحرصون على تكثير عدد الكفار كما هو معلوم، فالقضية ليست هينة حتى يصدر من هذا المجمع قرار أو تصدر منه فتوى بإباحة تحديد النسل والنظر إلى الموارد هذا أمر قد كفينا إياه فإن الله تكفل بأرزاق العباد، والذي هيأ في هذا العصر من موارد الرزق ما لم يكن متصورا عند أسلافنا قادر على أن يهيئ في المستقبل من هذه الموارد ما لا نتصوره نحن، فليس ببعيد أن يكون في المستقبل القريب من الموارد من البر والبحر ما لا نتصوره نحن، فكيف نحن نحرص على بذل المال الكثير لأجل هذه الدعاية لتحديد النسل كما هو واقع في بعض الدول؟
على أننا علينا أيضا أن ننظر إلى القضية بالمنظار الطبي فإن درء المفاسد واجب وسد الذرائع لابد من مراعاته، وحسب ما قرأت لبعض الأطباء الذين كتبوا في هذه القضية بالذات من بينهم د. البار: أمر تحديد النسل له آثار سلبية على صحة المرأة نفسها وعلى صحة الجنين المنتظر الذي يأتي بعد ترك هذه الموانع التي تمنع من النسل، وأنا بنفسي عرفت زوجين كانا لا يريدان الإنجاب فترة من الفترات ثم بعد ذلك رغبا في الإنجاب ورفعا ما كانا يستعملانه للوقاية من الحمل، ولكن المرأة لم تحمل ورجعت إلى الأطباء وحقنت بالعديد من الإبر، وعندما ولدت ولدت مولودا واحدا لم يكن طبيعيا وقد سمعنا في دورة سابقة في هذا المجمع عندما بحث حكم ما يسمى بطفل الأنابيب عندما بحث ذلك سمعنا في هذا المجمع من الدكتور البار أن من جملة الأسباب الدافعة إلى استعمال هذه الوسائل للإنجاب منع الحمل أولا بوسيلة أو بأخرى، فإن ذلك يؤدي إلى تقلص الرحم وعدم إمساكه للجنين فلماذا نلجأ أولا إلى منع الحمل ثم نلجأ آخرا إلى وسيلة أو أخرى لأجل الحمل؟ فلندع الأمور طبيعية وأرجو ألا يصدر من هذا المجمع قرار في مسألة تحديد النسل إلا بعد دراسة القضية من كل جوانبها وبشرط أن يقصر ذلك على الضرورة فحسب، وأسأل الله التوفيق وشكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 5423
الشيخ مصطفى كمال التارزي:
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أشكر أصحاب الفضيلة الذين كتبوا في هذا الموضوع وبودي أن أضيف بعض بيانات حول تحديد النسل الجماعي، لقد بينت في أول البحث الذي قدمته إلى مجمعكم الموقر أن المنع الفردي للنسل بالعزل أو بغيره من الوسائل هو ترك الأفضل أو فعل المكروه، وإذا وجد موجبه عند الفرد كان العزل مباحا على مقدار هذه الرخصة الفردية، والسؤال المطروح: هل يجوز الفقه الإسلامي قياس الرخصة الجماعية لأمة من الأمم أو لدولة من الدول على الرخصة الفردية في منع الحمل وتحديد النسل ولو لمدة معينة حتى يزول المانع؟ المعروف عند الفقهاء أن الرخصة الفردية محدودة بحدود الضرورة، والضرورة تقدر بقدر نسبة لكل واحد حدة حسب ظروفه المادية والمعنوية، فإذا أبيح التحديد فإنما يباح للشخص الذي كانت عنده رخصه ولا يباح كقاعدة عامة تعم جميع الناس في بلد أو إقليم فينتفع بالإباحة صاحب الرخصة وغيره؛ ولهذا فإن من قاس تحديد النسل على العزل فقد أخطأ إذ هو قياس مع وجود الفارق والقاعدة في القياس اتفاق المقيس مع المقيس عليه من جميع الوجوه، ولا يوجد في الفقه الإسلامي ما يجعل الرخصة جماعية إذ من المقررات الشرعية أن المباح بالشخص أو بالجزء يكون إما مطلوبا بالكل أو ممنوعا بالكل على حسب موافقته المبادئ الكلية المكررة في الشريعة أو مناقضتها، فإن كان خادما للمبادئ الشرعية الثابتة كان مطلوبا بالكل مباحا بالجزء، وإن كان مناقضا للمبادئ الكلية العامة كان مباحا بالجزء حراما بالكل، وقد بين هذا الموضوع الشاطبي في الموافقات بيانا شافيا.
وبهذا نعلم أن الشرع الإسلامي لا يجوز منع النسل بالكل ولا يبيحه كأمر عام بدون قيود؛ لأن اعتبار حق الأمة في الولد حق تقرره الشريعة الإسلامية لحفظ كيانها ولنهوضها القومي، أما معاكسة الطبيعة في كف أجهزتها عن القيام بوظيفتها التي خلقت لها مما لا تقره الشريعة الإسلامية والله يقول: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] .
فالتحديد الجماعي لا تجوزه الشريعة الإسلامية ولا تبيحه مهما كانت الأعذار، ولا تحدد الأولاد الذين ينبغي أن تنجبهم الأسرة؛ لأن الحكمة في عدم تحديد العدد الأقصى للأولاد ما دام ذلك يتعلق بالاختيار الإنساني في الأسرة وقدرة كل أسرة على تربية الأولاد تربية واعية.
стр. 5424
ولذلك فإن كثيرا من العلماء يرون أن تحديد النسل الجماعي ليس معناه جبر الأمة أو جبر إقليم من أقاليم البلاد على اتخاذ تدابير معينة لتحديد النسل للوصول إلى نسبة ولادية معينة فهذا مما لا يجيزه الشرع قطعا بل معناه توعية الآباء والأمهات بمسئولياتهم الزوجية والأبوية وإقناعهم بهذه المسئولية المرعية حتى يصبحوا أكثر احتياطا لمستقبل أولادهم وأحرص على الاكتفاء بعدد من الأولاد حسب قدراتهم المادية والأدبية، وحتى يمدوا المجتمع بجيل قادر على مواجهة مشاكل الحياة؛ لأن من اهتمامات الشريعة الوصول بحياة المجتمع إلى المثل الأعلى ولا يتم ذلك إلا بتدخلها تدخلا مباشرا في تنظيم الأسرة وإخراجها من دائرة الحيرة والفوضى والتعسف إلى دائرة الوعي والنشاط والإنتاج وذلك بتوعيتها توعية دينية واجتماعية وطبية تدفع الضرر الذي يلحق الزوجة أو الأمة من جراء الإنسان الأهوج وإطلاق الحرية غير الواعية في تحسين النسل وكثرته؛ لأن الكثرة الهزيلة التي تتملكها عوامل الضعف والانهيار كثرة لا خير فيها، فالدعوة إلى تنظيم الأسرة لا يجوز أن تكون دعوة إلى محاربة الزواج أو محاربة النسل، فوجود الذرية بين البشر أمر فطري لابد منه، والقرآن نفسه يوجهنا إلى الذرية الطيبة الصالحة النافعة والمنتفعة ويوجهنا أن ندعو ربنا بدعاء زكريا ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] كما علم عباد الرحمن أن يدعوه ليهبهم الذرية القوية الصالحة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] ، وإنما تكون الذرية سببا للسعادة إذا كانت سليمة قوية ومستعدة لخوض غمار الحياة، ولا خلاف بين الفقهاء في أن الإسلام يشترط في الزواج أن يكون الرجل صالحا للنهوض بواجبه قادرا على تحمل تبعاته، فإن كان عاجزا غير قادر طالبه بالتعفف والانتظار حتى يتوافر لديه المال والاقتدار لقول الله ﵎: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ ... الآية [النور: ٣٣] ، وإذا أباح عدد من العلماء توعية الأسرة توعية دينية واجتماعية قصد تعريفها بحقوقها وواجباتها إزاء الأخطار التي تهدد حياة المجتمعات، فلا ينبغي أن يقتصر جهدنا على هذا الجانب وحده بل يجب أن نبذل كل الجهود لمضاعفة الإنتاج وتطوير الصناعة والزراعة ومواصلة السعي لكسب خيرات الأرض.
الرئيس:
يا شيخ مصطفى معذرة أنا أحب أن يكون تعقيدا عاما وهو أن الإخوان المشايخ الذين يأخذون الكلمة هو للمناقشة لا لقراءة ملخص البحوث.
الشيخ مصطفى كمال التارزي:
على كل الموضوع الذي أريد أن أتكلم عنه زيادة على هذا هو موضوع الشبهات التي تثار حول الإنجاب وحول تدخل الصهيونية، أو تدخل هذه الدول الأجنبية فإن هذا التدخل هل وقع بالفعل أو لم يقع؟ ينبغي أن نأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار أولا في بلادنا، ونقدر الطاقات التي نملكها، ونقدر القدرات المادية التي لدى الدولة هل تستطيع أن تأخذ قرارا في هذا الموضوع؟ ثم هذه الشبهات التي تثار حول مشاركة بعض الدول كالدول الغنية هذه التي تريد التنقيص من عدد المسلمين ينبغي أن تدرس دراسة موضوعية؛ لأننا نقرؤه في الكتب وفي المجلات، ولكن لا نرى بحثا مستفيضا في هذا الموضوع بحثا اقتصاديا أو بحثا ديموغرافيا صحيحا، ينبغي أن تدرس هذه المواضع دراسة موضوعية حتى نتمكن من أخذ قرار نهائي بعد أن توضح لنا كل الجوانب في هذا الموضوع والسلام عليكم.
стр. 5425
حجة الإسلام محمد علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لا أريد أن أكرر ما تفضل به الأساتذة المحترمون ولكن أشير إلى بعض النقاط بصورة سريعة جدا.
أولا: يجب كما قال الأساتذة من قبلي أن نفصل هذا الموضوع عن الأمور التي تلابسه، هناك موضوع التعقيم الكامل وهناك موضوع الإجهاض، هذه الأمور لا تلازم طبيعة موضوع مسألتنا، وإذا لم تكن تلازم هذه الطبيعة يجب أن نفرد لها بحثا خاصا مستقلا ولا علاقة لنا بها.
الشيء الثاني: المهم نحن يجب أن ندرس هذا الموضوع على مستويات تارة ندرس الموضوع على ضوء حكم الإسلام الأول له ثم هناك موضوع آخر وهو هل يجوز للدولة أن تلزم بهذا كأمر تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا؟ وهناك أيضا مرحلة ثالثة هل يلزم منه الضرر أو الحرج الاجتماعي أو تلزم به ضرورة أو لا؟
هذه مراحل ثلاث للحكم يجب أن يدرس على ضوئها، فعلى ضوء المرحلة الأولى يعني لو لاحظنا الحكم في نفسه بعيدا عن مسألة التعقيم الكامل والإجهاض وبعيدا عن ما يشار إلى المؤامرات الدولية، وما إلى ذلك درسنا الموضوع في نفسه ثم نأتي إلى تلك المواضيع لا أجد في الواقع ما يمنع من تنظيم النسل بالطرق المشروعة الصحيحة خصوصا مع رضا الزوجين وبعد ملاحظة أن العزل أجازه الإسلام بشكل كامل لا يقاس على العزل، العزل هو أسلوب من أساليب تنظيم النسل ولا يقاس عليه في الواقع (أسلوب أجازه الإسلام وحتى وهذا ما أصر عليه حتى لو لم يثبت لدينا جواز العزل مع أن لجواز مقول به من قبل أئمة المذاهب الأربعة، بل كل المذاهب تقريبا وبالخصوص مع رضا الزوجة وحتى لو لم يثبت لدينا جواز العزل هناك أساليب أخرى ليس فيها ما في العزل من خصائص، ولا يمكن أن يقاس حكمها على حكم العزل، يبقى تنظيم الأسرة حكما مشكوك التكليف وهنا نشير إلى بحث مبنائي أشرت إليه في بحثي وهو مسألة أصل الإباحة عندما يشك في الحكم البراءة العقلية جارية البراءة الشرعية جارية القواعد الشرعية في هذا المجال كلها تجري ويبقى الأصل هو الإباحة في مسألة التنظيم.
أما على المستوى الآخر مستوى قدرة الدولة على إصدار قانون ينظم لها النسل هذه طبعا مسألة تحتاج إلى دراسة وحبذا لو أمكننا في دوراتنا الآتية أن نبحث عن قدرة ولي الأمر أو الحاكم الشرعي في سن القانون هل هذه القدرة محدودة في إطار المباحات؟ هل أوسع من ذلك؟ هل أضيق من ذلك؟ هذه أمور تحتاج إلى دراسة ولكن بشكل إجمالي ومبنائي أقول: ولي الأمر يمكنه إذا رأى المصلحة الاجتماعية العليا فضلا عن الضرورة الاجتماعية المصلحة الاجتماعية لسير مجتمع متوازن يمكنه أن يصدر أمرا يلزم بمباح تحريما أو واجبا يعني يوجب ذلك المباح أو يحرم ذلك المباح لتحقيق هذه المصلحة.
стр. 5426
وعلى ضوء هذا يمكننا أن نقول بأن الدولة الإسلامية والحاكم الشرعي يمكنه إذا رأى المصلحة أن يصدر قانونا في ذلك ولا مانع من ذلك والإباحة هنا هي التي تجيز له هذا الإصدار، وخصوصا إذا لاحظنا أن الأمر قد يتطلب أو قد يؤدي إلى فساد النظام الاجتماعي، هناك مناطق اليوم نسبة التوالد فيها أكثر من القدرة الاستيعابية التي تملكها الدولة أكثر من القدرة بشكل واضح، عندنا في إيران أذكر أننا في خلال عشر سنوات زاد شعبنا سبعة عشر مليون نسمة في خلال عشر سنوات وهؤلاء كلهم يحتاجون إلى صحة وتغذية وتربية ومسكن و ... و ... إلخ، فلا مانع إذن من صدور قانون من قبل الحاكم الشرعي إذا رأى ذلك، ولكني مع ذلك أرجح أن لا تلجأ الدولة الإسلامية أو الحاكم الشرعي إلى مسألة التحديد؛ لأن ذلك خلاف التوجه الإسلامي، وأكرر خلاف التوجه الإسلامي، التوجه الإسلامي لكثرة الإنجاب، لكثرة التوالد للإزدياد الكمي للأمة الإسلامية واضح جدا من خلال نصوص كثيرة وفي مواضيع متعددة، فالأفضل للدولة الإسلامية أن لا تلجأ لهذا الحل وتلجا للبدائل في هذا المعنى، أما ما يلزم القضية من أضرار وما أشير إلى الأضرار فيمكن لكل طرف أن يدعي الضرر كما يمكن للطرف المانع أن يدعي الضرر يمكن للطرف المجيز أن يدعي الضرر، وتبقى المسألة إذا كانت على المستوى الفردي تتبع الضرر الفردي، وإذا كانت على المستوى الاجتماعي تتبع الضرر الاجتماعي، إذا قلنا: إن حديث ((لا ضرر)) يمكنه أن يشمل الضرر الاجتماعي وسوء الحال.
أشير في ختام هذا التدخل إلى ما أشار إليه الأستاذ الغويل من قضية المشكلة الاقتصادية أيضا، أنا أعتقد أن المشكلة الاقتصادية ليست في عدم التناسب بين التوالي العددي والتوالي الهندسي الذي يشير له مالتس المشكلة الاقتصادية كما يشير القرآن الكريم إليها تكمن في ظلم الإنسان وكفره بالنعمة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، فإذا تآزرت وتلاحمت كل أجزاء وقطاعات الأمة الإسلامية لم تعد لدينا مشكلة لا بل على الصعيد البشري لو أن كل هذه الطاقات تلاحمت لم تبق لدينا مشكلة.
أعتذر عن هذه الإطالة، وأركز على لزوم الرجوع إلى مبادئ الموضوع وعدم الدخول في القضايا الجانبية وشكرا.
стр. 5427
الدكتور محمد علي البار:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على أفضل المرسلين.
أصحاب الفضيلة، موضوع تحديد النسل أو تنظيم النسل له جانبان؛ الجانب الأول على المستوى العام أو المستوى الحكومي، والجانب الآخر على المستوى الفردي؛ على المستوى الحكومي ظهرت هذه الدعوة بنطاق واسع وأجبر كثير من الحكومات شعوبها لإجراء ما سمته تنظيم النسل، وقامت بعض هذه الحكومات بتعقيم الرجال أو النساء قسرا كما حدث في أيام أنديرا غاندي فقد عقمت أكثر من عشرة مليون شخص من بينهم عدد من المسلمين كبير، وفي الباكستان عقم ما يقرب من مليون شخص هناك كثير من الحكومات تقوم بمحاولات إغراء هذه الشعوب بشتى الوسائل لتنفيذ وسائل منع الحمل وإيجادها لهم رخيصة جدا أو بأثمان رمزية أو بدون ثمن بينما تتكلف الدولة هذه الأموال وتستدين مبالغ طائلة لتنفيذ سياسة ما يسمى بتنظيم الأسرة فعلى المستوى الآخر كما تعلمون الولايات المتحدة الأمريكية بريطانيا فرنسا ألمانيا الاتحاد السوفيتي إسرائيل، وألمانيا على وجه الخصوص تشجع النسل وتكاثر النسل وتدفع الأموال الكبيرة حتى لو كان.. طبعا سمعتم خطاب بيجن عندما كان رئيسا للوزارة في إسرائيل، كان يطلب من الإسرائيليات أن تزيد نسلها ولو كان بطريق الزنا في الاتحاد السوفيتي ملاحظة: رغم تشجيع النسل هناك بصورة عامة إلا أن كثرة المسلمين في الفترة الأخيرة أدت إلى أن الحكومة تشجع عدم زيادة النسل بين المسلمين وزيادة النسل بين الروس والأكران هذه سياسة رسمية وسائرة في الاتحاد السوفيتي إلى الآن بالنسبة للموارد كما أسلف الفضلاء الباحثون الموارد كثيرة، وسأورد مثالا واحدا فقط في البلاد العربية من بحث كبير للجامعة العربية أصدرته عن الأمن الغذائي سنة ١٩٨٠ وذكرت فيه أن سكان البلاد العربية سنة ١٩٧٦م كان مائة وستة وأربعين مليونا، وأن مساحة البلاد العربية تشكل عشر اليابسة بينما كان سكان العالم أربعة آلاف مليون في ذلك الوقت، وأن المفروض في البلاد العربية أن يكون عدد سكانها في ذلك الوقت أربعمائة مليون؛ لأن الأرض الصالحة للزراعة في البلاد العربية مائتان وستة وثلاثون مليون هكتار لا يستغل سوى ستة وأربعين مليونا واستغلالا سيئا جدا، وهناك أمثلة كثيرة كثافة السكان مثلا على وجه المثال في المملكة العربية السعودية وهي بلاد كبيرة شاسعة لا تزيد عن ثلاثة أشخاص في كل كيلو متر مربع بينما هي في بريطانيا مائتان وأربعة وأربعون شخصا لكل كيلو متر مربع هذه هي النقاط بالنسبة للسياسة العامة ونرى كما أشار إلى ذلك كثير من الباحثين أن السياسة العامة في إجبار الشعوب أو محاولة إغراء هذه الشعوب بشتى الوسائل على ما يسمى بتحديد النسل أو تنظيم النسل سياسة غير سليمة لا من الناحية الديموغرافية ولا من الناحية الاقتصادية ولا من الناحية الشرعية كما أشار إلى ذلك سادتي الفقهاء، ويأتي الوضع مختلفا بالنسبة للأفراد، ذكر الباحثون الأحاديث الكثيرة التي تبيح موضوع العزل وغيره، ولكن يبقى هناك نقاط معينة بالنسبة للتعقيم.
стр. 5428
التعقيم في الحقيقة يعتبر وسيلة من وسائل منع الحمل ويقصد به قطع الأنابيب بالنسبة للمرأة قناتي الرحم وبالنسبة للرجل قطع الحبل المنوي، ولا يقصد به الإخصاء كما لا يقصد به إزالة المبيض أو الرحم في هذه العمليات التي انتشرت على نطاق واسع تجري في كثير من المستشفيات في البلاد العربية والإسلامية عامة على اعتبار أن هناك أسبابا عديدة منها تكرر العمليات القيصرية ومنها الأمراض الوراثية، بينما كل هذه الأسباب في الواقع ليست أسبابا قطعية يعني هو نفس الطبيب في بعض الأحيان يقول للمرأة إذا كان ما لديها أطفال وتريد الأطفال وعندها مرض في القلب: تستطيعين أن تحملي ونستطيع أن نعالج هذا المرض، وإذا كان لديها عدد كاف من الأطفال طبعا ينظر إلى القضية من زوايا مختلفة وتختلف الآراء بناء على تَوَجُّهَات هذا الشخص وميوله واعتقاداته في هذه القضية، لا شك أن وسائل منع الحمل لها أضرار ولها فوائد، من الفوائد التي يقال عنها طبعا من الناحية الصحية هي تنظيم الفترة بين كل حمل وآخر وجعل الفترة حوالي ثلاث سنوات وهي تعتبر أفضل الفترات بين كل طفل وآخر أو بين كل حمل وآخر تعتبر هذه أفضل الفترات لكن لا يعني ذلك أن الأم إذا ولدت بعد عام آخر أن النسل لابد أن يكون ضعيفا أو لابد أن يكون هزيلا أو ... ، ليس ذلك شرطا، المشكلة أن وسائل منع الحمل التي تباع في الأسواق وبدون وصفات طبية لها أضرار كثيرة حتى في البلاد الأوروبية التي تبيح ذلك لا تسمح ببيع وسائل منع الحمل وخاصة الحبوب؛ لأن هناك موانع كثيرة لإعطاء المرأة حبوب منع الحمل، فالمرأة التي تعاني مثلا من البول السكري أو من أمراض القلب وضغط الدم أو من مرض الكبد أو الكلى أو هي فوق سن خمسة وثلاثين أو لديها أمراض نفسية أو كذا وكذا هذه المرأة تمنع من أخذ حبوب منع الحمل المكونة من مواد السيروجين وغيرها إذن سياسة منع إعطاء الحبوب على نطاق واسع وبدون تمييز أيضا حتى على النطاق الفردي سياسة غير سليمة، وينبغي أن تحدد هذه الوسائل بإشراف الطبيب، وأن لا تعطى بدون وصفة طبية أو بدون إشراف طبي لما يعتور ذلك من أضرار كثيرة على صحة المرأة أو على صحة الرجل أو على صحة الجنين، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 5429
الدكتور علي محي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة العالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أشكر الأستاذين الباحثين العارضين على ما أتحفانا به فجزاهما الله عنا خيرا كما أشكر رئاسة الجلسة حيث جمعت بين طبيب فقيه وشيخ جليل، ثم بعد ذلك أستسمح الباحثين الكريمين عذرا في بعض التعليقات على بحثيهما الكريمين وهي:
أولا: إن استنتاج الأستاذ الدكتور حسان على أن الأصل عند الفقهاء في منع الحمل هو الإباحة لا أوافق عليه؛ وذلك لأن القول بجواز حادثة لا يعني أن الأصل فيها الإباحة، وذلك لأن جوازها قد يكون لدليل خاص مع أنه إذا ثبت أن الأصل في الشيء الفُلاني الإباحة لا نحتاج إلى دليل بل نحتاج إلى الدليل لحرمته، ومن هنا فما قاله جماهير الفقهاء في جواز العزل ليس دليلا على أن الأصل فيه الإباحة؛ لأنهم استدلوا على جوازه بحديث جابر في العزل فلو كان الأصل فيه الإباحة لاكتفوا بهذا الأصل، أو لاستندوا على هذا الأصل مع أنني لم أطلع على أحد من فقهائنا الكرام استند على هذا الأصل، ثم إن هذه القاعدة الأصل في الأشياء الإباحة ليست على إطلاقها إنما هي خاصة بالمعاملات المالية والإفادة من الكون ولذلك قال المحققون: الأصل في الإبضاع ما يتعلق بالمرأة وما أشبه ذلك الحظر والحرمة كما قالوا: الأصل في العقائد والعبادات التوقف على النص هذا من جانب، ومن جانب آخر أن العزل في نظري هو غير المنع كما تفضل بذلك كثير من الإخوة المتداخلين، فالعزل لا يمنع الحمل منعا مطلقا إذ يمكن معه التفلت والتسرب كما أشار إلى ذلك الرسول الكريم ﷺ في حديثه، أما المنع بالوسائل الحديثة فيكاد تصل نسبة المنع فيه أو في بعضها إلى مائة بالمائة إذ يمكن أن نقول: إن قياس المنع على العزل فيه بعض شيء إن لم يكن قياسا مع الفارق فهو قريب منه، وهذا بخصوص المنع كمبدأ أما تنظيم النسل للضرورة والحاجة فجائز كما ذكره الإخوة الفضلاء.
стр. 5430
ثانيا: إن أستاذنا الدكتور حسان حتحوت أشار إلى عدة قضايا في غاية الأهمية لمخاطر الجري وراء المنع ونضيف إليها فنقول: إن الغرب الآن كما أشار إلى ذلك بعض الإخوة أيضا يستشعر مخاطر كثرة النسل بين المسلمين حيث إن نسبة الأطفال والشباب بين المسلمين تكاد تصل إلى سبعين بالمائة في حين أن نسبتهما في الغرب في حدود ثلاثين إلى أربعين بالمئة، فمعنى ذلك أن الغرب يسير نحو الشيخوخة؛ ولذلك تنبهت كثير من الدول الغربية منها فرنسا حيث خصصت عام ١٩٨٦ وبالتأكيد في ١٥/٦/١٩٨٦م على لسان وزير الشئون الاجتماعية خصصت مبلغ خمسة عشر مليارا وتسعمائة مليون فرنك فرنسي لتكثير النسل، واتخذت عدة وسائل تشجيعية لا نستطيع ذكرها الآن، أما ما نقول أو يقال في مشاكلنا الاقتصادية فالواقع ليست مرتبطة بكثرة النسل وإنما هي نابعة عن عدم الاستغلال أو عن عدم استغلال الكون كما ينبغي أو عن سوء الاستغلال أو عن سوء التوزيع، كما أشار إلى ذلك الأستاذ الفاضل الدكتور حسان، وكذلك أستاذنا الفاضل إبراهيم حيث أشار إلى ذلك بوضوح، كما عقب على ذلك أيضا الأستاذ الكريم الدكتور البار فجزاهم الله عنا خيرا.
ثالثا: إننا كنا نتوقع من الأبحاث التي ألقيت أن يقوم الباحث بالجمع والترجيح والتوجيه والمناقشة، بالإضافة إلى الجمع بين حديث العزل وحديث قول النبي ﷺ فيه: ((ذلك الوأد الخفي)) مع أن كثيرا من الإخوة الفضلاء ولا سيما الذين ألقوا البحث لم يشيروا حتى في بحثهم إلى ذلك مع أن ذلك حقيقة لابد من الجمع بينهما.
رابعا: إن العارضين ذكروا أن إجماع الفقهاء على حرمة الإجهاض بعد مائة وعشرين يوما مع أن العلم الحديث كما قال أستاذنا الدكتور حسان يقول بأن الحياة تبدأ بالتقاء الحيوان المنوي بالبويضة، وكنت أتوقع من الأستاذ الدكتور وهو خبير جوابا ولكن هذه المشكلة قد أرقتني وقد بحثت عنه ووصلت إلى جواب أعرضه على أصحاب الفضيلة والعلم مجرد عرض وهو أن ذلك في نظري: هناك فرق بين الحياة وبين الروح، فالحياة شاملة لجميع الحيوانات بل لبعض النباتات، بينما الروح خاصة بالإنسان، كما تشير إلى ذلك الآيات الكريمة ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] من هذا الروح التي فيها صفات العلم وفيها صفات العقل ومنها التكليف وغير ذلك والتسخير التي لم يعط لأي جنس آخر.
إذن ممكن أن نجمع بين ما يقوله العلم الحديث وبين ما يقوله الرسول ﷺ إذ لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين العلم الصحيح والحقائق العلمية دون النظريات بينما قاله الرسول الكريم ﷺ ، إذن فالجمع جدا ميسور في نظري والله أعلم.
هذا جانب والجانب الثاني أن فقهائنا الكرام ولا سيما الأصوليون لم يغفلوا عن ذلك، وقد أثبتوا الحياة وأهلية الوجوب الناقصة للجنين بمجرد استقراره في الرحم.
إذن من هنا أدركوا وقالوا: إن الحياة فيها مقدرة ومن هنا لا يكون لهم أن يقولوا لو قالوا بأن الحياة هي نفس الروح لما عارضوا الشريعة، ولما عارضوا الحديث لا سيما أن العلم لم يظهر آنذاك بهذه الصورة التي نحن نراها.