جـ- إن المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير للمسلم عن ارتكاب هذه الخصال أو اعتيادها، والتي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وهذا المعنى حكاه الخطابي وارتضاه، ودعم هذا التفسير بما روى عن النبي ﷺ أنه قال ((: التاجر فاجر وأكثر منافقي أمتي قراؤها)) فإن معناه التحذير من الكذب إذ هو في معنى الفجور فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص في العمل وبعض الرياء، وهو لا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين، ثم إن النفاق ضربان: أحدهما- يظهر الإيمان ويبطن الكفر وهكذا كان المنافقون في عهد رسول الله ﷺ ، والثاني- ترك المحافظة على أمور الدين ومراعاتها علنًا وهذا أيضًا يسمى نفاقًا، كما جاء ((:سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)) وإنما هو كفر دون كفر وفسق دون فسق، وكذلك فهو نفاق دون نفاق (١) .
د- إن الحديث ورد في رجل منافق بعينه، وكان رسول الله ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول: يا فلان أنت منافق أو: فلان منافق، بل كان ﷺ يشير إشارة كقوله ﵇: ((: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)) فههنا عبر بالآية- آية المنافق – حتى يعرف ذلك الشخص بها، وهذا المعنى حكاه الخطابي (٢) .
وقال العسقلاني: إن أصحاب هذا التفسير قد استدلوا بأحاديث ضعيفة لو صحت لوجب المصير إليها (٣) .
هـ- إن المراد بالحديث: المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم وكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري أن كان على خلافه (٤) .
إلا أن ابن رجب الحنبلي نفى أن يكون الحسن البصري قد رجع إلى قول عطاء (٥) .
وقال القاضي عياض الفقيه المالكي بأن كثيرا من أئمتنا مالوا إلى هذا الرأي (٦) .
стр. 5497
و قال حذيفة: ذهب النفاق وإنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ ، ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه فمن نافق بأن أظهر الإسلام وأبطن خلافه فهو مرتد (١) .
وعلى قول حذيفة فإن النفاق إظهار الإسلام وإبطان الكفر فلا يكون إخلاف الوعد من النفاق، إنما النفاق إما نفاق العمل أو التساهل في أمور الدين سرا والاهتمام بها علنا.
ز- قال ابن حزم: لا حجة في الحديث؛ لأنه ليس على ظاهره، لأن من وعد بما لا يحل له أو عاهد على معصية، فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك. كمن وعد بخمر أو زنى وما شابه ذلك فصح بعد ذلك أنه ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا، بل قد يكون مطيعا مؤدي فرض، فإذا كان الأمر كذلك فلا يكون فرضا من إنجاز الوعد والعهد إلا من وعد بواجب عليه كإنصاف من دَيْنٍ أو أداء حق (٢) .
من كل ما تقدم يتضح أن الجمهور القائلين بعدم وجوب الوفاء بالوعد، قد صرفوا ظاهر الحديث إلى المعاني التي تقدمت، ومن ثَمَّ فإنهم لا يرون في الحديث دليلا على وجوب الوفاء بالوعد.
стр. 5498
٢٣- الدليل الرابع- قال المسور بن مخرمة: سمعت النبي ﷺ وذكر صهرا له فقال ((: ((وعدني فوفاني)) )) أخرجه البخاري وذكره في معرض الاحتجاج لوجوب إنجاز الوعد (١)
٢٤- الدليل الخامس – عن جابر ﵁ قال: ((لما مات النبي جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، وكان في البحرين فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دَيْنٌ أو كانت له قبله عِدَةٌ فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة)) (٢) .
وأخرجه البخاري بلفظ قريب في باب من تكفل عن ميت دَيْنًا (٣) .
قال العيني: وقد استدل بعض الشافعية على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي ﷺ ؛ لأنهم زعموا أنه من خصائصه ولا دلالة فيه أصلا لا على الوجوب ولا على الخصوصية (٤) .
كذلك أورد البخاري جملة أحاديث بهذا المعنى في باب من أمر بإنجاز الوعد (٥) ولكنها محمولة على الاستحباب عند الجمهور.
٢٥- الدليل السادس – قال ﷺ ((:وَأْيُ المؤمن واجب)) أي: وعده واجب الوفاء به (٦) ، وأورده ابن حزم بلفظ ((وَأْيُ حق واجب)) وقال عنه: فيه هشام بن سعيد وهو ضعيف والحديث مرسل (٧) .
وأورده الغزالي بلفظ ((الْوَأْيُ مثل الدَّيْنِ أو أفضل)) وقال العراقي: أخرجه ابن أبي الدنيا مرسلا، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف (٨) . والوأي بمعنى الوعد وهو صريح في وجوب الوفاء لكنه ضعيف كما عرفت.
стр. 5499
٢٦- الدليل السابع- أورد ابن حزم جملة أحاديث استدل بها من أوجب الوفاء بالوعد ثم ضعفها، من ذلك (١) :
عن طريق الليث عن ابن عجلان: ((أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر قالت لي أمي: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله ﷺ : أما أنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة)) (٢) .
قال عنه ابن حزم: هذا الحديث ليس بشيء؛ لأنه عمن لم يسم. والآخر: من طريق ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق أن رسول الله ﷺ قال: ((ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة)) قال عنه ابن حزم: حديث مرسل وابن عياش ضعيف. وأضاف ابن حزم: كان على أبي حنيفة ومالك أن يقولا بوجوب الوفاء بالوعد مطلقا؛ لأنهما يحتجان بالمراسيل، أي أن كلام ابن حزم يعني: لو أن الوفاء واجب لتناقض أبو حنيفة ومالك في قولهما بعدم وجوب الوفاء مع أصلهم بالأخذ بالمراسيل.
٢٧-الدليل الثامن – ((أن النبي ﷺ كان إذا وعد وعدًا قال: عسى)) ، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ لا يعد وعدًا إلا ويقول: إن شاء الله، وقد حمل الغزالي ذلك بعد ذكره أنه إذا جزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان عند الوعد جازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق (٣) ، لكن صاحب مرقاة المفاتيح قال بعد نقل هذا عن الغزالي (٤) .
وهذا كله يؤيد الوجوب إذا كان الوعد مطلقا غير مقيد بعسى أو المشيئة ونحوهما مما يدل على أنه جازم في وعده فقول الغزالي محل بحث.
стр. 5500
٢٨- الدليل التاسع – روى الترمذي وقال عنه حسن غريب: أن النبي ﷺ قال ((لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه)) (١) .
فقد ذكر شراح الحديث أنه يحتمل أن يخلفه- بالرفع- فيكون المنهي عنه الوعد المستعقب للإخلاف، فالمعنى لا تعده موعدا فأنت تخلفه على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية، ويحتمل النصب أي: فيكون- فتخلفه- جوابا للنهي على تقدير: فيكون مسببًا عما قبله فعلى هذا يكون التنكير في موعد النوع من الموعد وهو ما يرضاه الله تعالى بأن يعزم عليه قطعًا ولا يستثني فيجعل الله ذلك سببًا للإخلاف أو ينوي في الوعد كالمنافق فإن آية المنافق الخلف في الوعد (٢) .
المذهب الثالث – التفصيل في وجوب الوفاء بالوعد:
٢٩- ذهب فقهاء المذهب المالكي إلى التفصيل فيما يجب الوفاء به من الوعود وما لا يجب وكانوا في ذلك فريقين:
الفريق الأول – ويمثله مشهور مذهب مالك وابن القاسم وسحنون وعليه المدونة، ومفاد رأيهم: أن الوعد يكون لازما يجب الوفاء به ويقضي القاضي به على الواعد إذا كان الوعد قد تم على سبب، ودخل الموعود له بسبب الوعد في شيء (٣) .
стр. 5501
وبمعنى أوضح أن الوعد لو تم وكان له سبب، ثم باشر الموعود ذلك السبب معتمدا على وعد الواعد، فإن على الواعد وجوب الوفاء ويقضي عليه به، مثال ذلك: أن يقول الرجل للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، ثم باشر الموعود شيئا من هذه التصرفات لزم الواعد الوفاء (١) .
وحيث يتنازع الواعد والموعود له فيما يلزم الواعد بسبب وعده فقد قالوا (٢) ٠ إن زعم الموعود أنه أراد شيئًا سماه فله ما أراد اتفاقا، وإن لم يكن أراد شيئًا أرضاه الواعد بما شاء، وحلف بالله أنه ما أراد أكثر من ذلك، وهذا هو رأي أشهب، أما على رأي ابن وهب واستحسنه أصبغ فإن على الواعد إرضاء الموعود بما يشبه أي بالمثل، وهو ما يكون مرضيا عند الناس، أما لو حلف الواعد ليرضينه فإن عليه أن يوفيه بما يرضيه ويرضي الناس.
٣٠- الفريق الثاني – ويمثله مذهب أصبغ، وقالوا عنه بأنه مذهب قوي (٣) ومفاده أن الوعد يكون لازما يجب الوفاء به ويقضي به عليه إذا تم الوعد على سبب وإن لم يدخل الموعود له في مباشرة شيء، مثال ذلك: قولك: أريد أن أتزوج، أو: أريد أن أشتري كذا، أو: أن أقضي غرمائي فَأَسْلِفْنِي كذا، أو: أريد أن أسافر غدا إلى مكان كذا فَأَعِرْنِي دابَّتَك، أو: أن أحرث أرضي فأعرني بقرتك، فقال: نعم، ثم بدا للواعد الرجوع قبل أن يتزوج أو أن يشتري أو أن يسافر فإن ذلك يلزمه ويقضي به عليه (٤) . وهذه الصورة تمثل طلبا واستجابة، وكذلك لو لم تسأله بل هو قال لك من نفسه: أسلفك كذا أو أهب لك كذا لتقضي دينك أو لتتزوج أو نحو ذلك فإن ذلك يلزمه ويقضي به عليه (٥) . وهذه الصورة تمثل التزاما من جانب واحد.
ويعلم من ذلك أن الوعد المجرد عن سبب كما لو قلت: أسلفني كذا أو أعرني بقرتك ولم تذكر سببًا ولا حاجة، ثم وعدك وبدا له أن يرجع فله الرجوع ولا شيء عليه عند الفريقين، ويلاحظ أن هذه الصيغ تكون لازمة على رأي من أوجب الوفاء بالوعد مطلقًا، وهم ابن شبرمة وموافقوه؛ لأنهم لم يشترطوا وجود سبب في الوعد بل إن مجرد الوعد يوجب الوفاء به.
стр. 5502
٣١- ويظهر الفرق بين فريقي المالكية في مسائل منها:
الأولى – لو قال له: إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضهم، فقال الواعد: نعم، ثم بدا له الرجوع فإن على مذهب أصبغ يجب الوفاء؛ لأنه وعد على سبب، وعلى مذهب مالك ومن وافقه لا يجب؛ لأن الموعود له لم يدخل في شيء إلا إذا اعتقد منه الغرماء على موعد أو أشهد بإيجاب ذلك على نفسه (١) .
الثانية – لو سألك مدين أن تؤخره إلى أجل كذا وكذا فقلت: أنا أؤخرك لزمك تأخيره إلى الأجل؛ لأنه وعد على سبب وهذا مذهب أصبغ، أما على مذهب مالك وموافقيه فلا يلزمه ذلك إلا إذا ورطه بذلك أو تدل قرينة على أنه أراد التأخير لا الوعد، والتورط يكون بأن يدفع ما بيده إلى دائن آخر أو شراء حاجة له بسبب بنائه على وعد الواعد (٢) .
٣٢- وحجة المالكية في تفصيلهم هذا أن النصوص الشرعية بهذا الصدد قد تعارضت فمنها ما أوجب الوفاء بالوعد مطلقا، وهي الأدلة التي ساقها موجبو الوفاء بالوعد، ومنها ما لم يجعل إخلاف الوعد من الكذب كحديث الموطأ وأبي داود حيث إن الآية ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] نزلت في قوم كانوا يقولون: جَاهَدْنَا، وما جاهدوا، وفعلنا أنواع الخيرات وما فعلوا (٣) . ولا شك أن هذا محرم لأنه كذب، وأما كون مخلف الوعد منافقا فهو محمول على حالة كون الإخلاف سجية له أو تعمدا كما تقدم، فكان لا بد من حمل هذه النصوص على خلاف ظاهرها وأن يجمع بين الأدلة، فوافق هذا الرأي من أوجب الوفاء بالوعد إذا كان الوعد على سبب وباشره، ووافق من لم يوجب الوفاء بالوعد فيما عداها من الوعود المجردة، هكذا ذكر القرافي (٤) ، وقد رد ابن الشاط كلام القرافي هذا في حاشيته على الفروق: بأن جمع الأدلة ينبغي أن يكون بحمل حديث الموطأ وأبي داود بما يتسق مع الآية، وحديث خصال المنافق بأن تكون المسامحة في إخلاف الوعد اضطرارا (٥) .
٣٣- وقد انتقد ابن حزم تقسيم المالكية هذا وتفصيلهم وقال: بأنه لا وجه له ولا برهان يعضده لا من قرآن ولا سنة ولا قول صحابي ولا قياس، فإن قيل: قد أضر الواعد بالموعود إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة، قلنا: فهب أنه كما تقولون فمن أين وجب على من أضر بآخر وظلمه وغره أن يغرم له مالا (٦) ؟
стр. 5503
المذهب الراجح
٣٤- تبين لنا أن للعلماء في وجوب الوفاء بالوعد ثلاثة مذاهب: مذهب الجمهور الذي يرى استحباب الوفاء بالوعد، ومذهب ابن شبرمة وموافقيه في وجوب الوفاء بالوعد مطلقا إلا لعذر، ومذهب المالكية على التفصيل الذي ذكرناه.
والذي يظهر لي راجحا من المذاهب الثلاثة هو مذهب الجمهور، فالوفاء بالوعد مستحب ويكره للواعد الإخلاف في وعده كراهة شديدة فليس الوفاء بالوعد واجبًا يقضى به على الواعد؛ وذلك لأمرين:
الأول – أن الوعد كما عرفه الفقهاء: إخبار عن إنشاء خير في المستقبل فهو بهذا الاعتبار محض تبرع، والمتبرع ليس ملزما بالوفاء بتبرعه في المستقبل إذ له الرجوع عنه.
الثاني – لو أقمنا الوعد مقام العقد في حكمه فإن الوعد على رأي كل الفقهاء يرد على عقود التبرعات، وعقود التبرعات ذاتها غير لازمة قبل قبض محل العقد فيجوز فسخها، فجواز فسخ الوعد بها أولى فلا يمكن القول بلزوم الوعد فيها.
وإذا كان فقهاء المذهب المالكي بناء على ما ذكر عن إمامهم مالك ﵀ يرون أن من ألزم نفسه معروفا لزمه ما لم يمت أو يفلس، إلا أنهم قالوا (١) :
واعلم أن الالتزام إذا لم يكن على وجه المعاوضة فلا يتم إلا بالحيازة ويبطل بالموت والفلس كما في سائر التبرعات.
فتحصل من كل ذلك أن القول بوجوب الوفاء بالوعد مطلقًا أو على التفصيل كما يرى المالكية يكون مذهبا مرجوحًا والله أعلم.
стр. 5504
رأي القانون في الوعد:
٣٥- يذهب علماء القانون إلى أن الوعد عقد (عقد الوعد) ينعقد بإيجاب وقبول من الواعد والموعود له، ويجوز أن يكون أي عقد موضوعا للوعد سواء كان عقدًا رضائيا يتم بإيجاب وقبول، أم عينيا يتم بإيجاب وقبول مع قبض محل العقد؛ لذلك يجوز الوعد بالبيع والإيجار والقرض والرهن وغير ذلك من العقود (١) ، فعلى هذا إذا وعد شخصٌ آخرَ بأن يبيعه قطعة أرض في وقت معلوم فإن التزاما قد ترتب على الواعد فيجب عليه الوفاء بالتزامه، وكذلك إن وعد بقرض يجب عليه الوفاء، وقد خالف القانون مذهب فقهاء الشريعة الإسلامية قاطبة في إجازته الوعد بعقود المعاوضات، فنظر فقهاء الشريعة على أن عقود المعاوضات ليست من التبرعات فلا يدخلها الوعد، إضافة إلى أن عقود المعاوضات إنما هي عقود تمليك وطبيعة عقود التمليك أن يكون طريقها الجزم لا الوعد المستقبل، فلا ينفض مجلس العقد إلا وقد انعقدت وترتب عليها حكمها وإلا فلا أثر للوعد فيها، أما رجال القانون فقد أعطوا للوعد في البيع والشراء حكم العقد الموعود به من ترتيب حق شخصي للموعود له على الواعد، وقيدوه بقيود يلتزم من خلالها بالوفاء بوعده وحيث أخل بوعده فإن عليه التعويض، وأنت ترى أن هذا تحكم في ملكية الواعد وحريته في تصرفه في ملكه، مع أن العقد الناقل للملكية لم يتم بعد. وإنما يتم حين يبدي الموعود له رغبته والتي حدد لظهورها مدة معلومة.
وإذا كان رجال القانون قد خالفوا فقهاء الشريعة في جواز الوعد في عقود المعاوضات إلا أنهم وافقوهم في جواز الوعد في عقود التبرعات وفاقًا لمذهب ابن شبرمة وموافقيه في لزوم الوعد بها مطلقا.
стр. 5505
٣٦- وحين يعد شخص آخر بالبيع ويعده الآخر بالشراء فإنه وعد ملزم للجانبين، وقد أسماه رجال القانون بالاتفاق الابتدائي. والفرق بين الاتفاق الابتدائي والاتفاق النهائي، هو أن الاتفاق الابتدائي تم ليستكمل المتواعدان مستلزمات العقد النهائي، كاستشارة آخرين أو تهيئة ثمن، في حين أن الاتفاق النهائي يعتبر عقدًا ناقلا للملكية لا يتوقف على شيء (١) .
وليس لهذا شبه في الفقه الإسلامي؛ لأن الاتفاق على البيع يعتبر على رأي الفقه الإسلامي عقدا كاملا صحيحا؛ لأنه تم بإيجاب وقبول، نعم هناك عقود تتم وفيها خيار الشرط أو خيار الرؤية، ففي هذه العقود يتم العقد صحيحا لكن لزومه متوقف على أمر آخر هو الخيار، فإذا اختار صاحب الخيار الإمضاء مضى العقد وإن اختار الفسخ ألغى العقد.
٣٧- على أن الدكتور حسن علي الذنون يرى تنافيا بين فكرة عينية العقود مع فكرة الوعد بالتعاقد، فلا عبرة عنده بالوعد بالتعاقد في القرض (٢) وذلك بناء على أن العقود العينية لا تتم إلا بقبض محل العقد.
وبناء على رأي الدكتور الذنون فإن فكرة الوعد في القانون تختلف تمامًا مع فكرة الوعد في الفقه الإسلامي؛ وذلك لأن مجال الوعد في الفقه الإسلامي هو عقود التبرعات التي هي من العقود العينية باصطلاح رجال القانون، ولا مجال للوعد في عقود المعاوضات في حين أن رأي الدكتور الذنون: أن مجال الوعد هو عقود المعاوضات ويتنافى مع عقود التبرعات (العينية) ، ورأي الدكتور الذنون لا يتفق مع رأي الدكتور السنهوري الذي يرى جواز الوعد في كل العقود.
٣٨- هذا وإن الوعد في النكاح لا ينشئ التزاما في ذمة الواعد على رأي القانون (٣) ، وهو متفق مع الفقه الإسلامي؛ لأن إلزام الواعد يؤدي إلى قيام الزوجية في ظل الإكراه.
الدكتور محمد رضا عبد الجبار العاني
стр. 5506
مراجع البحث
بعد القرآن الكريم
١- أحكام القرآن لأحمد بن علي الرازي الجصاص نشر دار الكتاب العربي، بيروت.
٢- إحياء علوم الدين لأبي حامد محمد الغزالي، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة.
٣- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
٤- جامع البيان للطبرسي، شركة المعارف الإسلامية.
٥- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، نشر دار الكتاب العربي بالقاهرة.
٦- جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، نشر دار العلوم الحديثة بيروت ودار الشرق الجديد – بغداد.
٧- الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأخيار النووي، الطبعة الرابعة.
٨- صحيح مسلم بشرح النووي، دار الفكر – بيروت.
٩- عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني، إدارة الطباعة المنيرية.
١٠- فتح الباري بشرح البخاري للعسقلاني: راجعت الجزء الأول في طبعة دار المعرفة- بيروت والجزء السادس في طبعة البابي الحلبي.
١١- فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ محمد عليش، الطبعة الأخيرة ١٣٧٨هـ ١٩٥٨م.
١٢- الفروق لأبي العباس الصنهاجي القرافي مع حاشية قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط مع تهذيب الفروق لمحمد بن الشيخ حسين.
١٣- الفقه الإٍسلامي في ثوبه الجديد للأستاذ مصطفى الزرقا، الطبعة الثالثة.
١٤- المحلى لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم، المكتب التجاري، بيروت.
١٥- من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: لعلي بن سلطان محمد القاري، نشر المكتبة الإسلامية.
١٦- الموطأ للإمام مالك بهامش كتاب المنتقى للباجي، الطبعة الأولى.
مراجع قانونية
١٧- أصول الالتزام للدكتور حسن علي الذنون، مطبعة المعارف.
١٨- الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد للأستاذ مصطفى الزرقا، ط٣.
١٩- نظرية العقد للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري.
٢٠- الوسيط للدكتور عبد الرزاق السنهوري.
٢١- الوسيط في نظرية العقد للدكتور عبد المجيد الحكيم.
стр. 5507
الوفاء بالوعد
إعداد
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
الأستاذ بكلية الشريعة / جامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبعد: قد يلزم الشخص نفسه بالتزامات يطلب منه الوفاء بها حالا أو مستقبلاً؛ ذلك لأن الحياة العملية للأفراد اقتضت ذلك، بسبب طبيعة الحياة الاجتماعية لهؤلاء الأفراد، حيث إنهم أعضاء في مجتمع تربط أعضاءه روابط منها اجتماعية ومنها اقتصادية. فالعقود مثلا صورة شائعة معروفة بين الأفراد تتولد عنها التزامات يراد الوفاء بها.
ومن مظاهر التزامات الأشخاص قبل بعضهم "الوعد" فقد شاع هذا الأمر بين الناس، فأخذ يعد بعضهم بعضا، سواء رافق ذلك عزم على الوفاء أم لم تصحبه نية الوفاء.
وحيث إن الوعد يحقق معروفا لشخص من قبل شخص آخر بأمر من الأمور النافعة فلا شك حينئذ أن يكون للوفاء بالوعد وإنجازه أثره البالغ في التأثير في العلاقات الاجتماعية إيجابيا حين يوفي الواعدون بوعدهم، أو سلبيا حين يخلفونه.
ومن المعلوم أن مثل هذه الوعود غالبا ما ينجم عنها التزامات مالية، فأصبح من المفيد جدا البحث في مدى قوة مثل هذه الوعود.
وها أنا في بحثي هذا أستقصي رأي فقهائنا رحمهم الله تعالى في هذه المسألة.
وأستمد منه العون والسداد، إنه سميع مجيب.
الباحث
стр. 5508
معنى الوعد لغة:
قال ابن سيده: وعده الأمر وبه عدة ووعدا وموعودا وموعدة، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة، وقد تواعد القوم واتعدوا، وواعده الوقت والموضع، وواعده فوعده، وقد أوعده وتوعد.
قال الفراء: يقال، وعدته خيرا ووعدته شرا بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته، وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرا وهو نادر.
وفي الصحاح، تواعد القوم، أي وعد بعضهم بعضا، هذا في الخير، وأما في الشر فيقال: اتعدوا، والإيعاد أيضا قبول الوعد (١) .
أما تعريف الوعد في الاصطلاح الفقهي: فقد قال ابن عرفة المالكي (العدة إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل (٢) .
وعرفه العيني بقوله: (الوعد، هو الإخبار بإيصال الخير في المستقبل، والإخلاف، جعل الوعد خلافا، وقيل: هو عدم الوفاء به (٣) .
وعند النظر في التعريفين يتضح:
أ- أن التعريف الاصطلاحي للوعد اعتمد التعريف اللغوي، فقرر الوعد الذي هو للخير واستبعد الوعيد الذي هو للشر. فالوعد لا بد أن يكون بمعروف فحين يكون الوعد بشر، لا يجب الوفاء به (٤) .
ب- إن زمن الوفاء بالوعد هو المستقبل، وليس الآن (حين الوعد) . وينبغي أن يفرق بين الوعد والنذر لكون الوفاء بهما في المستقبل فيتشابهان من هذا الوجه، لكن هذا التشابه لا يمنع وجود الفرق بينهما، فالنذر وإن كان فيه معنى الوعد، إلا أن فيه معنى القربة إلى الله تعالى، وأن في عدم الوفاء به الكفارة وليس كذلك الوعد.
стр. 5509
وهل هناك فرق بين الوعد والعهد؟
لا شك أن هناك فرقا بينهما في اللغة، إذ العهد، يراد به الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية، فتقول: عهد الله علي لأفعلن كذا (١) أما معنى الوعد في اللغة فهو ما تقدم، لذلك قيل للتفريق بين الوعد والعهد: إن العهد يراد به ما تعبد الله به من أمور الدين، أو ما يكون بين العباد مما يكون بخلفه إتلاف مال أو نفس، أو إدخال ضرر كثير. أما الوعد ففيما لا يتعلق ذلك به حق لمخلوق. أو ما لا يؤدي إلى إخلافه كثير ضرر، فمن نقض عهده فذلك من كبائر الذنوب ويبلغ به الهلاك، ومن أخلف وعده كان إثما ولا يبلغ فاعلوه إلى الكفر والهلاك (٢) . والله أعلم.
ومع ما نقلناه من خلاف بين العهد والوعد، فإن العسقلاني ذكر أنه قد يتحد معناهما (٣) . ولعل ما يؤيد هذا الرأي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) .
إذ بدأ الذكر الحكيم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فلما أخلفوا رتب عليهم ما رتب، ثم علله بقوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ .
стр. 5510
صيغة الوعد:
جاء في فتح العلي المالك: " العدة أن يقول الرجل: أنا أفعل، وأما إذا قال: قد فعلت فهي عطية، وقوله: لك كذا وكذا أشبه بقوله: قد فعلت منه بأنا أفعل " (١) .
ومنه يفهم أن الصيغة التي ينبغي استعمالها في الوعد، هي صيغة الاستقبال المقترنة بسوف أو السين، أما اللفظ الماضي فإنه لا ينبئ عن الوعد وإنما هو يفيد التنجيز حالا (٢) .
على أنه لا يكون استعمال الفعل المضارع دائما يفيد الوعد، بل إن ذلك يعتمد القرائن الموجودة في سياق اللفظ، فإذا كان الفعل المضارع الذي يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال أنه يفيد الالتزام جزما فهو ليس وعدا، أما إذا وجد مع المضارع ما يفيد إرادة المستقبل فإنه الوعد (٣) .
مشروعية الوعد:
الوعد مباح (٤) ، فلكل شخص أن يعد بالمعروف والخير من يشاء من الناس، لكن الذي ينبغي الإشارة إليه هو أن يتحفظ الشخص في إطلاق الوعود. للناس؛ لأن الوفاء بالوعد أمر مستقبل، والشخص لا يملك معرفة أحواله المستقبلية قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٥) .
إذ قد يكون الواعد عاجزًا عن الوفاء فيكون مخلفا للوعد فيوصم بخصلة من خصال النفاق؛ لذلك فإن الإمام الغزالي ﵀ قد اعتبر وعد الكاذب آفة، إذ يقول: "إن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا، وذلك من أمارات النفاق" (٦) .
هذا فضلا عما يثيره إخلاف الوعد من العداوة بين الواعد والموعود له، وهذا المحذور يؤيده ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة)) أورد الحديث ابن حزم، وقال بأنه حديث مرسل (٧) .
ومع أن الإباحة هي الأصل في الوعد لكنه قد يكون محرما إذا كان الموعود به محرما، كالوعد بخمر أو زنا، فإن هذا الوعد محرم، يحرم الوفاء به.
стр. 5511
مدى وجوب الوفاء بالوعد:
اختلف الفقهاء في الوعد، هل يلزم الواعد به شرعا أم لا؟ وذلك على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: ذهب فريق من العلماء إلى أن الوفاء بالوعد مستحب مندوب إليه وليس بفرض، فلا يقضى به على الواعد، لكن الإخلال بالوعد يفوت الواعد الفضل، ويرتكب بسبب خلفه هذا المكروه، هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي وأبو سليمان، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:
أولًا: أخرج الإمام مالك ﵀ في الموطأ ((أنه قال رجل لرسول الله ﷺ : أكذب لامرأتي، فقال ﷺ : " لا خير في الكذب "، فقال: يا رسول الله: أفأعدها وأقول لها؟ فقال ﵇: لا جناح عليك)) (١) . وجه الاستدلال من الرواية كما يذكر القرافي (٢) .
أ- أن الرسول ﵊ منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل ونفى الجناح على الوعد.
ب- أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا؛ لأنه ﵊ قد جعله قسيم الكذب، ولو كان منه لما جعله قسيما له.
ج- كما يستدل من الرواية على أن إخلاف الوعد لا حرج فيه.
د- " لو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب ". فتبين بأن قصد السائل إصلاح حال امرأته بما لا يفعله، فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه.
стр. 5512
وقد أجاب ابن الشاط على استدلال القرافي هذا بما يلي (١) :
١- إن القول بأن الرسول ﵊ منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل، غير سليم وهي دعوى لا حجة عليها، ولعل السائل كان قصده من الكذب على زوجته أن يخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله أو غير ذلك مما يقصد به إغاظة زوجته، فلم يتعين أن المراد ما ذكره. كيف وأن ما ذكره هو عين الوعد، وما معنى الحديث إلا أنه ﷺ " منعه من أن يخبرها بخبر كاذب يقتضي تغييظها به، وسوغ له الوعد؛ لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما، ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح ... من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به، إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع في الإخلاف" (٢) .
٢- إن القول بأن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب، غير مسلم أيضًا؛ لأنه جعله قسيم الخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب، فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا، وذلك غير مستقبل، أو من جهة كونه قد تعين أنه كذب، والوعد لا تعيين كونه كذبا.
٣- أما دعوى إخلاف الوعد لا حرج فيه، فليس بصحيح، بل فيه الحرج بمقتضى ظواهر الشرع إلا حيث يتعذر الوفاء، كما سنرى ذلك من الأدلة.
٤- إن القول بأنه لو كان قصد السائل الوعد الذي يفي به لما احتاج السؤال منه ... إلخ، فيجاب عليه، بأن السائل لم يقصد الوعد الذي يفي فيه على التعيين، وإنما قصد الوعد على الإطلاق وسأل عنه؛ لأن الاحتمال في عدم الوفاء اضطرارا أو اختيارا قائم، ورفع النبي ﷺ عنه الجناح لاحتمال الوفاء، ثم إن وفى فلا جناح، وإن لم يف مضطرا فكذلك، وإن لم يف مختارا فالظواهر المتظاهرة قاضية بالحرج.
٥- إن القول: بأن قصد السائل إصلاح حال امرأته.... إلخ، إن هذا القول غير صحيح، إذ من أين يحصل العلم بأن الزوج لا يفعله وعلى أن يكون في حال الوعد غير متمكن مما وعد به؟ ومن أين يعلم عدم تمكنه منه في المستقبل؟ وإذا تعذر العلم بجميع ذلك، تعين أن يكون سؤال الزوج لاحتمال عدم الوفاء أو العزم على عدم الوفاء، فسوغ له ﵊ ذلك؛ لأن عدم الوفاء لا يتعين أو لأن العزم على عدم الوفاء على تقدير أن عدم الوفاء معصية، ليس بمعصية (٣) .
стр. 5513
ثانيا: ومما استدل به هذا الفريق على قولهم: بأن الوعد غير ملزم، ما أخرجه أبو داود أنه ﵊ قال: ((إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه)) (١) .
وأجيب عن هذا الحديث بما أجيب به عن الحديث الذي سبقه.
ثالثا: ومما استدل به أصحاب هذا الرأي أيضا، أن الرجل إذا وعد وحلف واستثنى- بأن قال: إن شاء الله- فقد سقط عنه الحنث بالنص والإجماع المتيقن، فإذا سقط عنه الحنث، دل على أنه لم يلزمه فعل ما حلف عليه.
وبما أن الوعد لا يصح بدون استثناء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) .
دل على أن من وعد ولم يستثن، فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد على معصية، فإن استثنى فقال: إن شاء الله تعالى، أو: إلا أن يشاء الله تعالى، أو نحوه مما يعلقه بإرادة الله ، فلا يكون مخلفا لوعده إن لم يفعل (٣)
ويجاب على هذا الاستدلال، بأن الاستثناء في الوعد سنة وليس بواجب، ولم ينقل عن أحد من العلماء بأنه يحرم الوعد بغير استثناء، حكى القرطبي عن ابن عطية قوله " وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين " (٤) .
стр. 5514
المذهب الثاني: وهو رأي الفقيه المالكي ابن شبرمة.
ويقضي: بأن الوعد ملزم مطلقا ويجب الوفاء به ديانة وقضاء، حكى ذلك عنه ابن حزم حيث قال: " قال ابن شبرمة: الوعد كله لازم ويقضي به على الواعد ويجبر" (١) .
وهو مذهب كثير من فقهاء السلف، منهم الحسن البصري والخليفة عمر بن عبد العزيز، وقضى به سعيد بن عمر بن الأشوع (٢) . ونقل ذلك عن الصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁، وذكر البخاري في صحيحه بأنه رأي إسحاق بن رَاهُوَيْهِ مستدلا بحديث ابن الأشوع في القول بإيجاز الوعد (٣) .
ووجوب الوفاء بالوعد مطلقا مذهب بعض المالكية وإن وصفوه بأنه مذهب ضعيف (٤) . وذهب إلى وجوب الوفاء بالوعد كذلك أبو بكر بن العربي المالكي (٥) .
وهذه وجهة نظر ابن الشاط المالكي وقد دافع عن رأيه هذا من خلال رده على القرافي (٦) . وحكى ابن رجب الحنبلي وجوب الوفاء بالوعد مطلقا عن طائفة من علماء أهل الظاهر وغيرهم (٧) .
وقال الإمام الغزالي الشافعي: إذا فهم الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر وقد يفهم الجزم في الوعد إذا اقترن به حلف أو إقامة شهود على الوعد أو قرائن أخرى (٨) .
стр. 5515
أدلة أصحاب هذا الرأي:
استدل أصحاب هذا الرأي بنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
١- فما استدلوا به من الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) .
وجه الاستدلال من الآية: أن العقود تعني المربوط، واحدها عقد، يقال: عقدت العهد والحبل، والعقد: هو كل ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة، وكل ما كان غير خارج عن الشريعة، وكذا ما عقده الإنسان على نفسه لله من الطاعات. قال الزجاج: " المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض (٢) .
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) .
فالوعد إذا أخلف، قول نكل الواعد عن فعله، فيلزم أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا (٤) .
كما استدل هذا الفريق من العلماء بالآيات التي أثنى الله فيها على من بر بوعده وأوفى بعهده، منها قوله تعالى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (٥) .
وقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٦) . ومدح إسماعيل لصدقه في وعده بقوله عز شأنه: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٧) .
وقد حمل أصحاب المذهب الأول هذه الأدلة على الندب والاستحباب (٨) .
стр. 5516
٢- ومن السنة النبوية التي استدل بها القائلون: بوجوب الوفاء بالوعد ما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وفي رواية: " من علامات المنافق ثلاث ... إلخ " (١) .
الدليل في هذه الأخبار، أن إخلاف الوعد قد عده النبي ﷺ في خصال المنافقين، والنفاق مذموم شرعا، وقد أعد الله للمنافقين الدرك الأسفل من النار، حيث قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) .
وعلى هذا يكون إخلاف الوعد محرمًا فيجب الوفاء به.
وقد صرف بعض شراح الحديث معنى النفاق الوارد في الروايات المذكورة عن حقيقته، فقالوا: إن المراد بإطلاق النفاق، الإنذار والتحذير للمسلم عن ارتكاب هذه الخصال أو اعتيادها والتي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وهذا المعنى حكاه الخطابي وارتضاه (٣) .
كما قال البعض منهم، بأن المراد بالحديث، المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم وكذبوا، وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوه بالخروج معه للجهاد فأخلفوه. وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، وأنه قال: حدثني به جابر، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا عند بلوغه الخبر.
وقد رد ابن رجب الحنبلي على كلام محرم هذا بقوله: " هذا كذب والمحرم شيخ كذاب معروف بالكذب" (٤) .
стр. 5517
فالحديث عام في كل إنسان يظهر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الأكبر، والنفاق الأصغر وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صَالِحَهُ ويبطن ما يخالف ذلك.
والنفاق هذا ترجع أصوله إلى الخصال المذكورة في هذا الحديث وغيره (١) .
واستدل أصحاب هذا الرأي أيضًا بقوله ﵊: ((والمسلمون على شروطهم)) (٢) ولما كان الوعد مما ألزم به الإنسان نفسه فعلى هذا يلزمه الوفاء.
واستدلوا أيضا بما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: ((لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دَيْنٌ أو كانت له قبله عِدَةٌ فليأتنا، قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة)) (٣) .
وأخرجه البخاري بلفظ قريب في باب من تكفل عن ميت دَيْنًا (٤) . قال العيني: وقد استدل بعض الشافعية على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي ﷺ ؛ لأنهم زعموا أنه من خصائصه ولا دلالة فيه أصلا لا على الوجوب ولا على الخصوصية (٥) .
ومما استدل به أصحاب هذا الرأي ما أخرج البخاري وذكره في معرض الاحتجاج لوجوب الوفاء بالوعد عن المسور بن مخرمة أنه قال: " سمعت النبي ﷺ وذكر صهرا له فقال: وعدني فوفاني (٦) .
ومن ذلك أيضا قوله ﵊: ((وَأْيُ المؤمن واجب)) (٧) . بمعنى وعده واجب الوفاء به.
واستدلوا كذلك بما رواه الترمذي عنه ﷺ أنه قال: ((لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه)) (٨) .
وقد حمل أصحاب الرأي الأول الروايات التي استدل بها الفريق الثاني على الندب والاستحباب.
стр. 5518
المذهب الثالث: التفصيل في وجوب الوفاء بالوعد:
ذهب فقهاء المذهب المالكي إلى التفصيل فيما يجب الوفاء به من الوعود وما لا يجب، وكانوا في ذلك فريقين.
الفريق الأول: وهو المنقول عن مالك وابن القاسم وسحنون، ويقضي رأيهم: بأن الوعد يكون لازما يجب الوفاء به ويقضي القاضي به على الواعد إذا كان الوعد تم على سبب، ودخل الموعود له بسبب الوعد في شيء.
قال القرافي: " اختلف العلماء في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ قال مالك: إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت نعم ثم بدا لك، لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله، لزمك؛ لإبطالك مغرما بالتأخير. قال سحنون: الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو: اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو: اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك؛ لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به بل الوفاء به من مكارم الأخلاق" (١) .
وإذا تنازع الواعد والموعود له فيما يلزم الواعد بسبب وعده، فقد قالوا: إذا اشترى رجل من آخر كَرْمًا فخاف الوضيعة، فأتى المشتري إلى البائع ليستوضعه، فقال له البائع: بع وأنا أرضيك، فإن باع المشتري الكَرْمَ برأس ماله أو بربح، فلا شيء على الواعد، وإن باع بالوضيعة، كان عليه أن يرضيه، " فإن زعم الموعود أنه أراد شيئًا سماه، فله ما أراد اتفاقا، وإن لم يكن أراد شيئا، أرضاه الواعد بما شاء، وحلف بالله أنه ما أراد أكثر من ذلك". وهذا هو رأي أشهب. أما على رأي ابن وهب واستحسنه أصبغ، فإن على الواعد، إرضاء الموعود بما يشبه، أي بالمثل، وهو ما يكون مرضيا عند الناس. أما لو حلف الواعد ليرضينه فإن عليه أن يوفيه بما يرضيه ويرضي الناس (٢) .
стр. 5519
الفريق الثاني: ويمثله مذهب أصبغ، وقالوا عنه بأنه مذهب قوي، ويقضي بلزوم الموعود له في مباشرة شيء. نقل ذلك ابن عليش المالكي حيث قال: والقول بأنه يقضي بها إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء هو قول أصبغ في كتاب العِدَة (١) .
فعلى هذا الرأي، لو قال رجل لآخر: إن غرمائي يلزمونني بِدَيْنٍ فأسلفني أقضهم، فوعده المقابل، ثم بدا له الرجوع، فإن على مذهب أصبغ يجب الوفاء؛ لأنه وعد على سبب، وعلى مذهب مالك ومن وافقه، لا يجب؛ لأن الموعود له لم يدخل في شيء إلا إذا أعتقد منه الغرماء على موعد أو أشهد بإيجاب ذلك على نفسه (٢) .
وحجة المالكية في تفصيلهم هذا، أن النصوص الشرعية بهذا الصدد قد تعارضت، فمنها ما أوجب الوفاء بالوعد مطلقا، وهي الأدلة التي ساقها موجبو الوفاء بالوعد، ومنها ما لم يجعل إخلاف الوعد من الكذب كحديث الموطأ وأبي داود.
وأما قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: ٣] فإنها نزلت في قوم كانوا يقولون: جَاهَدْنَا، وما جاهدوا، وفعلنا أنواع الخيرات وما فعلوا (٣) . ولا شكل أن هذا محرم؛ لأنه كذب.
وأما كون مخلف الوعد منافقا فهو محمول على حالة كون الإخلاف سجية له أو تعمدا فكان لابد من حمل هذه النصوص على خلاف ظاهرها، وأن يجمع بين الأدلة. فوافق هذا الرأي من أوجب الوفاء بالوعد إذا كان الوعد على سبب وباشره، ووافق من لم يلزم الوفاء بالوعد فيما عداها من الوعود المجردة، هكذا ذكر القرافي (٤) .
وقد رد ابن الشاط على كلام القرافي هذا، حيث قال: بأنه ينبغي الجمع بين الأدلة وتأويل ما يناقض ذلك، فيحمل حديث الموطأ وأبي داود بما يتسق مع الآية.
وحديث خصال المنافق، وذلك بأن تكون المسامحة في إخلاف الوعد اضطرارا (٥) .
وقد انتقد ابن حزم تقسيم المالكية هذا وتفصيلهم، حيث قال: " بأنه لا وجه له ولا برهان يعضده لا من قرآن ولا سنة ولا قول صحابي ولا قياس، فإن قيل قد أضر الواعد بالموعود إذ كفله من أجل وعده عملا ونفقة، قلنا: فهب أنه كما تقولون، فمن أين وجب على من ضر بآخر وظلمه وغره أن يغرم له مالا (٦) .
وقول ابن حزم هذا غير مسلم، فلقد ساق أصحاب الرأي الثاني من الأدلة ما فيه الكفاية، للقول بلزوم الوفاء بالوعد.
стр. 5520
الرأي الراجح:
لقد تبين لنا من خلال ما نقلنا عن أئمة الفقه رحمهم الله تعالى، أنهم اتجهوا ثلاثة اتجاهات في القول بإلزام الواعد بالوفاء بوعده أو عدم إلزامه، ومن خلال ما استدل به كل فريق من أدلة، فقد تبين لنا وجاهة الرأي القائل: بوجوب الوفاء بالوعد مطلقا وكما يلزم الواعد بالوفاء بوعده ديانة، يلزم قضاء، وذلك لرجحان الأدلة التي ساقها أصحاب هذا الرأي (١) .
إلا أنه خروجا عن خلاف الفقهاء وجمعا بين الأدلة التي ذكرها القائلون بوجوب الوفاء بالوعد، والذاهبون إلى خلاف ذلك، فإني أؤيد وجهة نظر الإمام مالك ومن نحا منحاه في الرأي من فقهاء المذهب القائلة: بأن الوعد إن أدخل الموعود في سبب لزم صاحب الوعد الوفاء بوعده، وكذا لو وعده مقرونا بذكر السبب، كما قال أصبغ، وذلك لتأكد العزم على الدفع حينئذ. والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
стр. 5521
مراجع البحث
بعد القرآن الكريم
١- الجامع لأحكام القرآن- لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. الطبعة الثالثة – دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ١٣٨٧هـ – ١٩٦٧م.
٢- عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني إدارة الطباعة المنيرية.
٣- فتح الباري بشرح صحيح البخاري- العسقلاني – مطبعة البابي الحلبي.
٤- صحيح مسلم بشرح النووي- دار الفكر بيروت.
٥- إحياء علوم الدين لأبي حامد محمد الغزالي- المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
٦- فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ محمد عليش- الطبعة الأخيرة ١٣٧٨هـ- ١٩٥٨م.
٧- الفروق لأبي العباس الصنهاجي القرافي مع حاشية قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط مع تهذيب الفروق لمحمد بن الشيخ حسين. دار المعرفة للطباعة والنشر في بيروت.
٨- المحلى- لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم- المكتب التجاري.
٩- جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي. نشر دار العلوم الحديثة، بيروت ودار الشرق الجديد بغداد.
١٠- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري- نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
١١- من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان محمد القارني – النشر مكتبة الإسلامية.
١٢- الموطأ- للإمام مالك بهامش كتاب المنتقى للباجي، الطبعة الأولى.
١٣- بحث في قوة الوعد الملزمة في الشريعة والقانون- للأستاذ محمد رضا عبد الجبار العاني، والمنشور في مجلة كلية الشريعة ببغداد، العدد الثامن.
стр. 5522
١٤- نظرية العقد للدكتور السنهوري.
١٥- أصول الالتزام. للدكتور حسن علي علي الذنون،. طبعة المعارف ببغداد.
١٦- الوسيط في نظرية العقد، للدكتور عبد المجيد الحكيم، ببغداد.
١٧- الوسيط. الدكتور السنهوري.
١٨- أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، الناشر دار المصحف، مطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
١٩- شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، لسيدي محمد الزرقاني، الناشر المكتبة التجارية الكبرى، تاريخ الطبع ١٣٥٥هـ – ١٩٣٦ م.
٢٠- عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الناشر محمد عبد المحسن، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
٢١- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني. مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
стр. 5523
الوفاء بالوعد
إعداد
الدكتور عبد الله محمد عبد الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التعريف:
قال في لسان العرب: وعده الأمر وبه عدة ووعدا وموعدا وموعدة وموعودا وموعودة – وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة كالمحلوف والمرجوع والمصدوقة والمكذوبة.
قال ابن جني: ومما جاء في المصادر مجموعا معملا قوله:
مواعيد عرقوب أخاه بيثرب.
والوعد من المصادر المجموعة، قالوا: الوعود، حكاه ابن جني. وقال ابن فارس في المقاييس: الوعد لا يجمع (١) .
وقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ البقرة (٥١) وعدنا بغير ألف.
وهي قراءة ابن عمرو، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: واعدنا – بالألف.
قال ابن إسحاق: اختار جماعة من أهل اللغة: (وإذ وعدنا) بغير ألف. وقالوا: إنما اخترنا هذا؛ لأن المواعدة إنما تكون من الآدميين فاختاروا وعدنا، وقالوا: دليلنا قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ . [إبراهيم: ٢٢] . وما أشبهه.
قال: وهذا الذي ذكروه ليس مثل هذا، وأما واعدنا هذا فجيد؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فهو من الله وعد، ومن موسى قبول واتباع، فجرى مجرى المواعدة.
قال الأزهري: من قرأ وعدنا، فالفعل لله تعالى، ومن قرأ واعدنا، فالفعل من الله تعالى ومن موسى.
وقال ثعلب: فواعدنا من اثنين، ووعدنا من واحد.
وقال أبو معاذ: واعدت زيدا إذا وعدك ووعدته، ووعدت زيدا إذا كان الوعد منك خاصة (٢) .
стр. 5524
وفي الاصطلاح
هو قريب من التعريف اللغوي.
قال ابن عرفة: المواعدة، قال ابن رشد: أن يعد كل واحد منهما صاحبه؛ لأنها مفاعلة لا تكون إلا من اثنين (١) .
وذكر الخطاب تعريفًا آخر فقال: العِدَة إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل (٢) .
حكمها:
عقد الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري - رحمه الله تعالى – في جامعه الصحيح في كتاب الشهادات بابًا قال فيه (باب من أمر بإنجاز الوعد) قال: وفعله الحسن البصري أي أمر به وذكر الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] قال: وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة، وقال المسور ابن مخرمة: سمعت النبي ﷺ – وذكر صهرًا له فقال: " وعدني فوفاني " قال أبو عبد الله: رأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن الأشوع.
حدثني إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله: أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره وقال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي.
ثم عقد بابا آخر ذكر فيه حديث أبي هريرة في آية المنافق.
وحديث جابر في قصته مع أبي بكر فيما وعده به النبي – ﷺ – من مال البحرين.
وحديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى.
قال الإمام ابن حجر في صنيع البخاري هذا: وجه تعليق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه: (٣) وذلك نقلا عن الكرماني (٤) ذكر نحوه عن الكرماني بدر الدين العيني (٥) .
стр. 5525
مذاهب العلماء في حكم إنجاز الوعد
اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على مذاهب:
* المذهب الأول: وهو مذهب الجمهور وهو أنه لا يلزم الوفاء وأن الأفضل لو وفى به ويكره الخلف، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والأوزاعي وسائر الفقهاء. (١) .
* المذهب الثاني: يلزم الوفاء به ويقضى به على الواعد ويجبر، وهو قول ابن شبرمة قال في المحلى (٢) وعمر بن عبد العزيز حكاه عنه ابن عبد البر وابن العربي ذكره ابن حجر (٣) .
وأصبغ قال: يلزمه في ذلك ما وعد.
ومالك قال: ولو كان في قضاء دَيْنٍ فسأله أن يقضي عنه، فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.
وهو قول سحنون قال: الذي يلزمه في العدة في السلف والعاريَّة أن يقول لرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به، أو: اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو: اشتر سلعة كذا، أو تزوج وأنا أسلفك، كل ذلك مما يدخله فيه ويتشبه به فهذا كله يلزمه: (٤) .
стр. 5526
وقال ابن حجر: وقرأت بخط أبي – ﵀ – في إشكالات على الأذكار للنووي ولم يذكر جوابا عن الآية يعني قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] . وحديث " آية المنافق ".
قال: والدلالة للوجوب منها قوية، فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد؟
وينظر هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي: يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك (١) .
وذكر البخاري أن الحسن البصري فعل إنجاز الوعد، وأن ابن الأشوع (٢) كان يقضي بإنجاز الوعد.
وكان إسحاق ابن إبراهيم بن راهويه يحتج بحديث سمرة في القول بوجوب إنجاز الوعد (٣) .
وقال العيني في عمدة القاري: وفي (تاريخ المستملي) أن عبد الله بن شبرمة قضى على رجل بوعد وحبسه فيه وتلا: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . [الصف:٣] .
* المذهب الثالث:
قال ابن العربي: والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر (٤) .
стр. 5527
أدلة المذاهب
أدلة المذهب الأول:
إن الوفاء بالوعد وإن كان يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخلف الذم، وإن الله تعالى قد أثنى على من صدق وعده، ووفى بنذره، وإن العرب وكذلك سائر الأمم تمتدح بالوفاء وتذم بالخلف والغدر.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال ((العِدَةُ دَيْنٌ)) إلا أن ذلك لا يخرجه عن كونه مندوبا إليه وليس بواجب، وقد اتفق العلماء على أن الموعود لا يضارب بما وعد به من الغرماء (١) .
وقالوا: إن العدة منافع لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها (٢) .
واستندوا أيضا إلى الإجماع على أن إنجاز الوعد مندوب إليه وليس بفرض (٣) .
أدلة من قال بالوجوب:
استدلوا أولا بقوله تعالى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف آية: ٣] .
وقالوا: إن سبب نزولها أنهم كانوا يقولون: لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ابن العربي وهو حديث لا بأس به.
وروي عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسًا في سبيل الله حتى أقتل (٤) .
стр. 5528
واستدلوا ثانيا بحديث الصحيحين، عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ ، ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) وحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ : " من علامة النفاق ثلاثة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". (١) .
وقد نوقشت أدلتهم من قبل الجمهور فقال ابن حزم: أما الحديثان اللذان صدر بهما فصحيحان إلا أنه لا حجة فيهما؛ لأنهما ليسا على ظاهرهما؛ لأن من وعد بما لا يحل، أو عاهد على معصية فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا بل قد يكون مطيعا، فإذا كان ذلك كذلك فلا يكون فرضا من إنجاز الوعد والعهد إلا على من وعد بواجب عليه كإنصاف من دَيْنٍ أو أداء حق فقط.
وأيضا فإن من وعد وحلف (واستثنى فقط سقط عنه الحنث بالنص والإجماع المتيقن) فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعدٍ أقسم عليه وبين وعدٍ لم يقسم عليه.
والآية محمولة على ما يلزمهم. (٢) .
وناقش ابن حجر الجمهور في مستنده الإجماع فقال، نقل الإجماع في ذلك مردود فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل (٣) .
стр. 5529
المواعدة في المذهب المالكي
المذهب المالكي أحد المذاهب الإسلامية الكبرى الواسعة الانتشار، وخاصة في المغرب ومصر وغيرهما من أقطار العالم الإسلامي. نقل الشيخ محمد أبو زهرة عن المدارك للقاضي عياض: قوله: (غلب مذهب مالك على الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس وصقليه والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا وضعف بها بعد أربعمائة سنة، وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة وغلب في بلاد خراسان على قزوين أبهر، وظهر بنيسابور، وكان بها وبغيرها أئمة ومدرسون) (١) .
وقد تكلم الفقهاء المالكيون أكثر من غيرهم عن حكم العدة أو المواعدة بتفصيل لا نجده عند غيرهم، ولعل مرجع هذا إلى أن المصلحة في هذا المذهب أصل من الأصول التي قام عليها، خاصة في الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات الجارية بين بني الإنسان بعضهم مع بعض، وهو ما يسمى في اصطلاح الفقهاء بالعادات، وأن الأصل في هذا القسم هو الالتفات إلى المعاني والبواعث التي شرعت من أجلها الأحكام.
قال الشاطبي: إنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معها حيث دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز، كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة، ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس وحيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كانت فيه مصحلة راجحة، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وفي الحديث ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) و ((لا ضرر ولا ضرار)) وقال ((القاتل لا يرث)) ((ونهى عن بيع الغرر)) وقال ((كل مسكر حرام)) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] إلى غير ذلك مما لا يحصى من الأحكام والنصوص، وكلها تشير إلى الصريح باعتبار المصالح أساسًا للإذن والنهي، وأن الإذن دائر معها أينما دارت.
стр. 5530
وإن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في بيان أحكام المعاملات بين الناس، والأمور العادية بينهم، وأكثر ما علل به الحكم المناسبة التي تتصل بالمصالح، والتي تتلقاها العقول بالقبول. ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني، لا الوقوف مع النصوص، بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيه خلاف ذلك، وقد توسع في هذا القسم مالك – ﵀ حتى قال فيه بقاعدة المصالح المرسلة وقال فيه بالاستحسان، ونقل عنه أنه قال: (إنه تسعة أعشار العلم) (١) .
وقد استوعب الإمامان: أبو العباس الونشريسي وأبو عبد الله محمد الحطاب، بتركيز شديد أحكام العدة أو المواعدة، في كتابيهما إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للأول وتحرير الكلام في مسائل الالتزام، للأخير وسأقتصر في اقتناص أهم ما أورداه في الموضوع:
قال الحطاب: وأما العدة فليس في إلزام الشخص نفسه شيئا الآن، وإنما هي كما قال ابن عرفة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل، ولا خلاف في استحباب الوفاء بالوعد.
فالوفاء بالعدة مطلوب بلا خلاف، واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال، حكاها ابن رشد في كتاب جامع البيوع وفي كتاب العارية وفي كتاب العدة، ونقلها عنه غير واحد.
القول الأول: - يقضى بها مطلقا.
القول الثاني: - لا يقضى بها مطلقا.
القول الثالث: - يقضى بها إن كانت على سبب، وإن لم يدخل الموعود لسبب العدة في شيء كقولك أريد أن أتزوج، أو أن أشتري كذا، أو أن أقضي غرمائي فأسلفني كذا، أو أريد أن أركب غدا إلى مكان كذا فأعرني دابتك، أو أن أحرث أرضي فأعرني بقرتك، فقال نعم ثم بدا له قبل أن يتزوج، أو أن يشتري أو أن يسافر فإن ذلك يلزمه ويقضى عليه به ما لم تترك الأمر الذي وعدك عليه، وكذا لو لم تسأله، وقال لك هو من نفسه أنا أسلفك كذا أو أهب لك كذا لتتزوج أو لتقضي دينك أو نحو ذلك فإن ذلك يلزمه ويقضى عليه به. ولا يقضى بها إن كانت على غير سبب، كما إذا قلت أسلفني كذا ولم تذكر سببا، أو أعرني دابتك، أو بقرتك ولم تذكر سببا ولا سفرا ولا حاجة فقال نعم ثم بدا له أو قال هو من نفسه أنا أسلفك كذا أو أهب لك كذا ولم يذكر سببا ثم بدا له.
القول الرابع: - يقضى بها إن كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شيء وهذا هو المشهور في الأقوال (٢) .
стр. 5531
الأمثلة
المثال الأول: قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن رجل اشترى من رجل كرمًا فخاف الوضيعة فأتى ليستوضعه فقال له بع وأنا أرضيك، قال: فإن باع برأس ماله أو بربح فلا شيء عليه.
وإن باع بوضيعة كان عليه أن يرضيه، فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد، وإن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد أكثر من ذلك، وإن لم يكن أراد شيئًا يوم قال ذلك.
قال أصبغ: وسألت عنها ابن وهب فقال: عليه رضاه بما يشبه ثمن تلك السلعة والوضيعة فيها.
قال أصبغ: وقول ابن وهب هو أحسن عندي، وهو أحب إلي إذا وضع فيها.
قال محمد بن رشد: قوله بعه وأنا أرضيك عدة، إلا أنها عدة على سبب وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت لحصول السبب في المشهور من الأقوال
وقد قيل: إنها لا تلزمه بحال.
وقيل: إنها تلزمه على كل حال.
وقيل: إنها تلزم إذا كانت على سبب، وإن لم يحصل السبب.
وقول أشهب إن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد يريد مع يمينه.
ومعناه: إذا لم يسم شيئا يسيرا لا يشبه أن يكون أرضاه، والدليل على أنه يحلف على مذهبه إذا قال: أردت كذا وكذا، لما يشبه قوله إنه إن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء، وحلف أنه ما أراد أكثر من ذلك، وجوابه هذا على أصله في كثير من مسائله إذ لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه واليمين في هذا يمين تهمة إذ لا يمكن المستوضع أن يدعي بينه فيحقق الدعوى عليه بخلاف ما ذكر أنه أراده فيدخل فيه من الخلاف ما يدخل في يمين التهمة.
وأما ابن وهب: فأخذه بمقتضى ظاهر لفظه وألزمه إرضاءه إلا أن لا يرضى بما يقول الناس فيه إنه أرضاه فلا يصدق أنه لم يرض، ويؤخذ بما يقول الناس فيه إنه أرضاه.
هذا معنى قوله: ولو حلف ليرضينه لم يبر إلا باجتماع الوجهين وهما أن يضعا عنه ما يرضى به، وما يقول الناس فيه إنه أرضاه.
стр. 5532
المثال الثاني: إذا قال: إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضينهم.
فقال: نعم، ثم بدا له.
فقال أصبغ في سماع عيسى من كتاب العدة يلزمه ذلك ويحكم به عليه وهو جار على قوله بلزوم العدة إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء.
وقال ابن القاسم: إنما يلزمه إذا اعتقد الغرماء منه على وعد أو أشهر به على نفسه وذلك على أصله في أنه لا يقضى بالعدة إلا إذا دخل بسببها في شيء.
ولو قال: أشهدكم أني فاعل أو أفعل، فظاهر كلام مالك في سماع ابن القاسم من العارية أنه تردد في الحكم عليه بذلك، وأن الظاهر اللزوم.
وقال ابن رشد: ولو قال: أشهدكم أني قد فعلت لما وقف في إيجابه عليه ولزوم القضاء به (١) .
المثال الثالث: قال أصبغ في سماع عيسى من كتاب العدة: لو سألك مداينك أن تؤخره إلى أجل كذا وكذا فقلت: أنا أؤخرك لزمك تأخيره إلى الأجل، قلت: سواء قلت: أنا أؤخرك أو: قد أخرتك، قال: نعم، سواء في الحكم عليه غير أن قولك: أنا أؤخرك عدة تلزمك، وقولك: قد أخرتك، شيء واجب عليك كأنه في أصل حقك لم تبتدئه الساعة، وكلاهما يلزمك الحكم به غير أن قولك: قد أخرتك أوجبهما وأوكدهما (٢) .
وقال الونشريسي في القاعدة الخامسة والستين: -
الأصل منع المواعدة بما لا يصح وقوعه في الحال حماية، ومن ثَمَّ منع مالك المواعدة في العدة وعلى بيع الطعام، ووقت نداء الجمعة وعلى ما ليس عندك.
وفي الصرف مشهورها المنع، وثالثها الكراهة، وشهرت أيضا لجوازه في الحال، وشبهت بعقد فيه تأخير، وفسرت به المدونة (٣) .
стр. 5533
المواعدة في مذهب الأحناف
المعروف عن الحنفية أنهم لا يقولون بوجوب إنجاز الوعد، قال بدر الدين العيني: أما الوعد فاختلف الفقهاء فيه، قال أبو حنيفة والشافعي والأوزاعي:
لا يلزم من العدة؛ لأنها منافع لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. (١)
وقال: وقد تنزل الهبة التي لم تقبض بمنزلة الوعد بها. وقال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه وليس بواجب، والدليل على ذلك اتفاق الجميع على أن من وعد بشيء لم يضرب به مع الغرماء، ولا خلاف أنه مستحسن ومن مكارم الأخلاق. (٢)
ونصت مجلة الأحكام العدلية في المادة ١٧١ على أن صيغة الاستقبال التي هي بمعنى الوعد المجرد مثل: سأبيع وأشتري لا ينعقد بها البيع، قال شراحها المرحوم علي حيدر: صيغة الاستقبال في اللغة العربية هي المضارع المقترن بالسين أو سوف كأن يقال: سأبيعك أو سوف أبيعك، وإنما لا ينعقد البيع بها؛ لأنها وعد مجرد وفي معنى المساومة في البيع. (٣)
لكن ذهب فريق منهم إلى القول بلزوم المواعيد لحاجة الناس إليها، وأما الحاجة التي دعتهم إلى القول بلزومها فهي بمناسبة البيع الذي اعتاده أهل سمرقند ويسمونه بيع الوفاء.
وقد اختلفوا فيه على أقوال، وقد ذكر في البزازية تسعة أقوال في بيع الوفاء، والمعروف في كتبهم أن بعضهم يعتبره رهنًا، وهو القول المعتبر عند فقهائهم وبعضهم يراه بيعًا، قال قاضيخان: الصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا؛ لأن كلًّا منهما عقد مستقل شرعًا لكل منهما أحكام مستقلة بل يكون بيعًا. (٤)
стр. 5534
ومبنى الخلاف على اعتباره رهنًا أو بيعًا، هو الخلاف في أن العبرة في العقود، هل هو للمقاصد والمعاني أم للألفاظ والمباني؟ فمن قال بالأول قال: إن بيع الوفاء هو في الحقيقة رهن، والمبيع في يد المشتري كالرهن في يد المرتهن لا يملكه، ولا يطلق له في الانتفاع إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلكه من شجره، والدَّيْن يسقط بهلاكه إذا كان به وفاء الدَّيْن، ولا ضمان عليه في الزيادة إذا هلك عن غير صنعه، وللبائع استرداده إذا قضي دَيْنه، لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام؛ لأن المتعاقدين وإن سمياه بيعًا ولكن غرضهما الرهن والاستيثاق بالدَّيْن؛ لأنَّ البائع يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانًا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. (١)
ومن قال: العبرة للألفاظ اعتبره بيعًا جاء في مجموع النوازل: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف؛ لأنهما تلفظا بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه، والعبرة للملفوظ نصًّا دون المقصود، فإن من تزوج امرأة ومن نيته أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد. (٢)
وهؤلاء احتاجوا إلى القول بلزوم المواعدة؛ لأن المتعاقدين وفاء يشترطون الفسخ في العقد والبيع يفسد بالشروط عندهم.
قالوا: وكذا يفسد أيضًا إن لم يشترط الفسخ، ولكن تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء؛ لأن هذا الشرط مفسد له.
أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما أي والحال أن في زعمها هو بيع غير لازم، فإنه أيضًا يفسد حينئذ بزعمهما.
стр. 5535
قالوا: وإن ذكر العاقدان البيع من غير شرط، ثم ذكراه أي الشرط على وجه الميعاد جاز، أي البيع لخلوه عن المفسد ويلزم الوفاء به؛ لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجعل هذا الميعاد لازمًا لحاجة الناس. (١)
وقال في الأشباه والنظائر في كتاب الحظر والإباحة: الخلف في الوعد حرام كذا في أضحية الذخيرة وفي القنية: وعده أن يأتيه فلم يأته لا يأثم ولا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقًا كما في كفالة البزازنة، وفي بيع الوفاء كما ذكره الزيلعي. (٢)
ونصت مجلة الأحكام العدلية في المادة (٨٤) على أن المواعيد بصور التعاليق تكون لازمة لأنه يظهر فيها حينئذ معنى الالتزام والتعهد.
قال الشيخ علي حيدر: يفهم من هذه المادة أنه إذا علق وعدًا على حصول شيء أو على عدم حصوله فثبوت المعلق عليه أي: الشرط كما جاء في المادة (٨٢) يثبت المعلق أو الموعود.
مثال ذلك: لو قال رجل لآخر: بع هذا الشيء من فلان وإذا لم يعطك ثمنه فأنا أعطيك إياه. فلم يعطه المشتري الثمن لزم على الرجل أداء الثمن المذكور بناء على وعده. (٣)
أما إذا كان الوعد وعدًا مجردًا أي: غير مقترن بصورة من صور التعليق فلا يكون لازمًا.
مثال ذلك: لو باع شخص مالًا من آخر بثمن المثل أو بغبن يسير، وبعد أن تم البيع وعد المشتري البائع بإقالته من البيع إذا رد له الثمن، فلو أراد البائع استرداد المبيع وطلب إلى المشتري أخذ الثمن وإقالته من البيع فلا يكون المشتري مجبرًا على إقالة البيع بناء على ذلك الوعد؛ لأنه وعد مجرد.