Полный текст (22 276 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الشيخ مصطفى الزرقاء:
سيدى أنا أقول إنكم طلبتم إرسال نسخ من الكتاب وأنا اتصلت بدار النشر قالوا إنهم أرسلوا مائة نسخة.
الأمين العام:
ولكن لم تصل حتى الآن ولسنا ملومين في هذا، ولكن كلمة منكم لبيان الرأى لأن كل عضو من الأعضاء يريد أن يستفيد من وجهة نظركم، فنحن في حاجة للاستنارة بهذا الرأى.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
حسب رأى أستاذنا الأمين العام الكريم، فأنا أبين ولكن في عشرة دقائق هل يمكن عرض الأدلة في كل الموضوع، أنا استوفيت في الكتاب الأدلة بالتفصيل وناقشت وعرضت رأى الآخرين. فأنا إذا أردتم أن ألخص لكم رأيى وهو معروف فيما أعتقد ولا يوجد من يجهله.
رأيى أن نظام التأمين في ذاته هو نظام تعاونى في أساسه وأنه لا يوجد في الشرعية ما يوجب منعه بل بالعكس أنا أعتقد أن مبادئ الشريعة وقواعدها تتقبله بل تستحسنه، ذلك لأن فيه تفتيتا للمصائب التى قد تقع على رأس المؤمن لولا التأمين أو المستأمن لولا التأمين فتحطمه، ولكن طريقة التأمين تؤدى إلى تفتيت المصيبة وتوزيعها بدلا ما تحطم رأس صاحبها، توزيعها على أكبر عدد من الرؤوس وهم عدد المستأمنين الآخرين الذين دفعوا أقساط التأمين، فعندئذ ترمم مصيبته أو يعوض عنها من هذه الأقساط، وبذلك تكون مصيبته وزعت، بقيت ذرات على مجموعة كبيرة من الرؤوس لا تثقل أحدا. هذا نظام التأمين يقوم على هذا الأساس وهو لا يقبل نظام التأمين الا في الحوادث غير المصطنعة وغير العمد، في أنواعه الثلاثة: التأمين على الأشياء، كالتأمين على السيارة ذاتها، والتأمين من المسؤولية وهو ما يلحق من الشخص من ضرر لغيره غير متعمد، الضرر الخطأ، والثالث التأمين على الحياة. وأن التأمين على الحياة تسميته خاطئة نتيجة ترجمة حرفية من اللغة الأجنبية، فإنها توهم كثيرين وقد وقع هذا فعلا. ونوقشت فيه، توهم كثيرين أن شركة التأمين لما تؤمن على الحياة إنما تتكفل للإنسان بأن يعيش المدة المحددة في العقد، وهذا وهم وخطأ وإن كان قد وقع فعلا سببه التسمية الموهمة في عقد التأمين. ثم بينت الأدلة الشرعية التى لا يتسع المقام لبسطها وشبهت التأمين بأنه ليس افتياتا على قدر الله وليس ربا وليس قمارا وليس رهانا وليس كما يثار حوله، وكل واحد من هذه الشبهات فندتها وحللت أمرها وبينت الفرق العظيم بينها وبين التأمين.
стр. 597
وبينت أن شأن التأمين أشبه ما يكون. "قضيب الصاعقة" السافود الحديدى الذي ينصب دقيق الرأس في أعلى البنايات الثمينة حتى إذا الصاعقة قذف بها السحاب بدلا من أن تنزل على البناية فتحرقها، وقضيب الصاعقة لا يمنع السحب أن تقذف بشرارتها الكهربائية الصاعقة وإنما إذا قذفت هذه الشرارة فإن القضيب يسحبها ويجذبها وتأخذها إلى مدفنها في باطن الأرض بدلا من أن تنزل فتضر تلك الأضرار المعرفة.. هذا شأن التأمين، فهو في ذاته نظام صالح. وأما ما يشاع من أنه عقد جديد لا يجوز إحداثه أو أنه ربا أو أنه قمار كله مبين ومردود عليه ومبين له الأمثلة المماثلة من فقه الشريعة المسلم به، وكذلك في الدراسة الجديدة التى تضمنها الكتاب الجديد بين فيه من زاوية جديدة أخرى تناولتها من النواحى الاقتصادية وآثارها العامة وبينت أن التأمين أصبح يعتبر من عصب الأعمال بدونه تكون المصائب كبيرة، فهو نظام توق واجتناب ولا يوجد في الشريعة ما يمنع الإنسان من التوقى. ثم عالجت الشبهات التى تكررت أو اجترت أو استجدت لدى كثيرين خلال ربع القرن الأخير وكلها أيضا عولجت معالجة جديدة وبينت أن هذه الشبهات شبهات داحضة ولي لها ثبات وبينت الردود عليها. وكذلك تعرضت لرأى المجمع الفقهى الكريم في مكة المكرمة وقراره بالتمييز بين تأمين تجاري وهو ما تمارسه الشركات وبين تأمين تعاونى أنه يجوز وأما ذاك فممنوع، وبينت ذلك، وبينت مخالفتى إذ ذاك لقرار المجمع التى سجلت وطبعت معه فنشرتها أيضا في هذا الكتاب الجديد وبينت أن التمييز بين تأمين تجاري هو ما تمارسه الشركات وتأمين تعاونى لا ربح فيه، هذا كله تمييز غير صحيح، وأن معنى التعاون موجود في كلا النوعين ما يسمونه تعاونيا وما يسمونه تجاريا، ولكن الفرق الوحيد بينهما أن التأمين لما بدأ في أصل ما بدا قبل أربعة قرون إنما بدأ بالشكل الذى سمى تبادليا أو تعاونيا وذلك لأن أهل سوق معينة تجمعهم اخطار مشتركة في بضائعهم وتجارتهم كالحريق مثلا أو الغرق فيضعون صندوقا يمول بما يدفعه كل منهم ويحفظ حتى إذا طرأ على أحدهم مصيبة فانها تعوض من هذا الصندوق.
стр. 598
فلما ظهر نفع هذا الترتيب التعاونى، الناس أقبلت عليه ثم شمل أخطارا متنوعة كثيرة لما ظهر من فائدته والمصلحة فيه. فلما كثرت الأعداد الكبيرة الراغبة في التأمين أصبح لا يمكن أن يديره أشخاص مع أعمالهم كأهل سوق معينة، بل لابد له من إدارة متفرغة تنصرف إليه كما ينصرف التاجر إلى تجارته فيسهر عليها صباح مساء ويتابعها ويريح منها ويعيش. فلابد من جهاز إداري أصبح ينظم عمليات التأمين الواسعة التى أصبحت تتناول الآلاف المؤلفة وأحيانا الملايين من الناس وفى مختلف الأنواع من الأخطار. هذا إذا حصل ووجدت هيئة متفرغة فلابد لها أن تعيش من هذا العمل كما يعيش التاجر من تجارته وكيف تعيش؟ عندئذ ظهر ما يسمى الحساب قوانين الأعداد الكبيرة التى تبنى على الإحصاء، الإحصاء الذى هو إحصاء الأعداد الكبيرة وهو معروف في عالم الرياضيات وهذا القانون، قانون الأعداد الكبيرة يعطى نتائج ثابتة تقريبا إلا الكوارث الطارئة كالزلازل والفيضانات.. الخ، وإنما يعطى نسبة ثابتة في الأخطار في كل أنواع الأخطار، لأنه كلما كثر العدد الكبير من الداخلين تحت الخطر عنئذ تنضبط نسبة الخطر فيهن وهذا شى، قانون رياضى، يعنى ليس عائدا إلى التقويم والتقدير، وبناء عليه يستخدمون قانون الاعداد الكبيرة ليضبطوا ويحصوا الأخطار في كل نوع، وبناء على ذلك يحسبون تكاليف ما سيلحقهم من تعويضات ويضعون أقساطا تتناسب مع هذه التكاليف، وزيادة، هذه الزيادة هى ما يربحونه كما يربح كل تاجر من تجارته ربحا مشروعا. بينت أن الشريعة الإسلامية لا تمانع في أن يكون لكل من يتفرغ لعمل نافع أن يعيش منه وأن يربح منه، هذا شيء طبيعي ولذلك شركات التأمين لا تبدل طبيعة التأمين من تعاونى إلى تجاري، التأمين يبقى تعاونيا في جميع الأحوال ولكن الفرق بين ما يسمونه تجاريا أن الهيئة المتفرغة والتى تربح من فرق الأقساط بين ما تأخذ وبين ما تدفع من تعويضات، هذا الربح يريدون أن يسموه التأمين به تأمينا تجاريا، وهو تعاونى، نفس الشيء، وضربت أمثلة بالضمان الاجتماعى والتأمينات التى تحصل للموظفين والحكومة، ومنها تأمينات على الحياة وكلها مقبولة لدى المعارضين أنفسهم، فما الفرق بينهما؟ وانتهيت إلى أن هذا التأمين لا يوجد في الشرع ما يمنعه وعالجت بشكل خاص شبهة الغرر وهى من أهم وأقوى الشبهات لدى الذين يعارضون وبينت أن هذا الغرر نقلت آراء الفقهاء من مختلف المذاهب فيه وبينت كيف أن الغرر يغتفر بأقوال فحول علمائنا الأقدمين يغتفر حتى الفاحش منه إذا كان فيه مصلحة تقتضيها الحاجة، ونقلت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في هذا الموضوع وفيه كلام شبه حاسم، كل هذا بينته بما يدحض فكرة الغرر وأنها هذه تجعله عملا محرما، وبينت كيف أن كبار الفقهاء اغتفروا الغرر الفاحش وعللوه بأنه للمصلحة والحاجة، والأمثلة كثيرة في الكتاب. وهذا خلاصة ما أراه ولا أزال على هذا الرأى، ولإخواننا الكرام أن يناقشوه، ومتى جاء الكتاب الذى أمر فضيلة الأستاذ الأمين العام، متى وصل مع أن دار النشر تقول إنها شحنته منذ شهر تقريبا وعندها الإيصال وكيف لم يصل؟ لا أدرى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 599
الأمين العام:
سيدى جزاكم الله كل خير ونحن قد اتصلنا بالبريد وأخذنا معنا الورقة التى فيها رقم إرسال هذه المجموعة من الكتب، ومع ذلك قالوا حتى الآن لم يصلنا، فالقضية هى قضية البريد، أرجو إذا وصل أن يوزع على كل الأعضاء هذا الذى نقدر عليه.
الشيخ مصطفى الزرقاء:
على كل، في ختام بيان رأيى بهذا الشكل الموجز الذى لا يتسع المقام لأكثر منه أقترح أن موضوع التأمين هذا، موضوع بالشكل والإطار الذى شرحته وأهميته وكثرة اختلاف الآراء فيه، أنه لا يجوز أن يبت فيه في هذه الدورة، بل أقترح تأجيله حتى يأتى كتابى وأقول وأصرح غير متباه ولا مدع، ولكن هذا أعده من فضل الله. أقول أن كل بحث يبنى عليه قرار في هذا الموضوع قبل الاطلاع على كتابى الجديد سيكون ناقصا مبتورا، ولذلك اقترح أن يؤجل النظر فيه وبحثه والقرار فيه إلى دورة قادمة لأنه لم يعد في الإمكان احتمال مجيء الكتاب وأن يوزع وأن يقرأ في هذين اليومين الباقيين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس:
شكرا لفضيلة الشيخ، والآن انتهينا من بيان فضيلته للرأى الذى ليس لدينا أي بحث إلا من قبل فضيلتة، أما المجموعة الثانية، والتى تمثلها البحوث الموجودة لدينا من الشيخ الزحيلى والشيخ التميمى والشيخ عبد اللطيف وعدد من المشايخ فإن شاء الله تعالى نستأنف ذلك بعد صلاة المغرب مباشرة، وبالله التوفيق.
стр. 600
بعد الصلاة
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم نستأنف الجلسة وأرجو من فضيلة الشيخ وهبة الزحيلى أن يتفضل مختصرا للبحث الموجود بين أيدينا وشكرا.
الشيخ وهبة الزحيلى:
بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلى وأسلم على نبى الرحمة وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد،
فبعد أن تحدث فضيلة أستاذنا الجليل علامة العصر الأستاذ مصطفى الزرقاء عن هذا الموضوع، يكاد يقف الإنسان مترددا، هيوبا أمام علمه وقدره وجلالته كما نعهده في كل مجلس وفى كل منبر وفى كل مكان. ولكن عذرى وعذر غيرى أن كثير من أئمة الفقهاء خالفوا مشايخهم أحيانا، فربما يكون هذا مجرئا لى أن أتكلم في هذا الموضوع وقد يكون لى رأى مخالف لرأيه لأنه بالرغم من تقديرى الكبير لما فتحه من آفاق علمية دقيقة في موضوع التأمين منذ عام ٥٦ في جامعة دمشق وإلى الآن لا أكاد بالرغم من قراءتى المتكررة لكتابه القديم والحديث لم أر تغيرا في هذا الرأى، تغيرا يذكر ولكن لم أجد طمأنة نفسية للأخذ بكل ما قاله فضيلة أستاذنا، ولذلك عندما صممت على الكتابة في هذا الموضوع وجدت نفسى بينى وبين الله ﷻ واستخرت الله على أن يهدينى إلى الحق والصواب، لذلك كتبت هذا الموضوع ولا أقول كما أشار فضيلته أن كلامى وكلام غيرى اجترار لما مضى فأنزه الفقه والفقهاء من هذا المعنى، ولعله لا يقصدها بالمعنى الواسع الذى فهمناه.
стр. 601
فالاجترار يحدث شيئًا في النفس ولكن يمكن أن تكون هذه مرادفة بالمعنى الضيق لمعنى التكرار. فحقيقة كما أن كتابه الجديد تكرار لما مضى، الكتابات الحديثة التى تعارض رأيه لا مانع من أن تكون تكرارا، لأن رأيه في الحقيقة إذا أخذنا به يكاد ينسف كل ما نعرفه من قواعد الفقه الإسلامى في باب المعاملات كما نعهدها بالمفهوم الذى عرفناه عن العقود وعن قواعدها وعن شروط الفقهاء فيها، المتمثلة في النهى عن الجهالة والغرر والقمار والمخاطرة. فإذا نظرنا إلى هذا العقد بالمعنى الضيق الفردى وليس بالمعنى الجماعى الذى يعتمد على الإحصاءات الدقيقة كما يقول القانونيون إنه أي التأمين لا ينافى الأخلاق لاعتماده على إحصاءات دقيقة لا تكاد تخطئ، هذا في الحقيقة إحصاء نظرة إلى المعنى العام بالنسبة لشركات التأمين، لا بالنسبة إلى المستأمن نفسه، فشركات التأمين هى في الحقيقة دائمًا تستهدف من وراء هذه الإحصاءات أن تحقق ربحًا أكبر من هذه العملية، وأن تفيد نفسها ولا تفيد المستأمن، فالمستأمن إذا طبقنا الفقه الإسلامى هو في الحقيقة عندما يعتمد عقد التأمين مع شركات التأمين التجارية ذات القسط الثابت هو في الحقيقة أولًا عقد معاوضة وهو عقد غرر بدليل أن القانونيين يدرجون هذا العقد ضمن عقود الغرر، والغرر هو الاحتمال المتردد بين أمرين الوجود والعدم، وهو أيضا فيه قمار وهو أيضا بالرغم من رأيه الجليل وأنا أعرف ذلك من سنة ٥٦ من فضيلته، بالرغم من كل هذا فهو يقول بغض النظر عما تتعاطى به شركات التأمين من ربا، الحقيقة شركات التأمين التجارية كلها تقوم على الاسترباح والاستغلال والاتجار وما هى وكل البنوك إلا تنفيذ للمخططات الصهيونية لأن بيوت رؤوس المال في العام هى وراء شركات التأمين، كما أن أيضا الأهداف التى تقصدها من وراء إساءة ما بحثناه من أحوال بنوك الحليب وأنابيب الأطفال كل ذلك وراءه الصهيونية العالمية لتدمير القيم الإسلامية والأحكام الشرعية. فمن المعروف حتى بنص القرآن الكريم أن اليهود والصهاينة موغلون منذ القديم بأكلهم الربا وأكلهم السحت وقد نهوا عنه ويمثلون ذلك بذكائهم ومخططاتهم واعتمدوا على علوم دقيقة ونشروا هذه المؤسسات في البلاد الإسلامية.
стр. 602
فينبغى أن نعرف جميعا أن كل أغلب ما يدور حول هذه القضايا الجديدة وراءه الدماغ الصهيونى. لذلك هذا العقد الذى هو عقد التأمين ذو القسط الثابت الذى تمثله شركات التأمين التجارية لا يمكن أن نعفيه من المفاسد التى نعرفها عند فقهائنا الأجلاء والعظام والذين ندرس كتبهم وندرس قواعدهم، فإذا طبقنا هذا العقد على هذه القواعد المعروفة لا يطمئن المسلم إلى أن يجد في التأمين إباحة بالشكل المطلق الذى عليه شركات التأمين في الوقت الحاضر.
هناك تأمين تعاونى، هناك التأمينات الاجتماعية وهناك التأمين الإجباري هذه الأصناف الثلاثة لاشك في جوازها وقد أكد ذلك الجواز مؤتمر علماء المسلمين الثانى في القاهرة سنة ٨٥/٦٥ ومؤتمر علماء المسملين سنة ٩٢/٧٢ ثم جاء مجمع الفقه الإسلامى في مكة المكرمة وأكد هذا القرار وقرأت بالتفصيل مستندات هذا القرار في قرار مجمع الفقه في مكة المكرمة، وتحفظات أستاذنا فضيلة الأخ مصطفى الزرقاء، ولكن مازلت أقول: لم أطمئن إلا إلى الرأى الذي يقول بالتحريم نظرا لأن هذا العقد يشتمل أولًا وهو عقد معاوضة بالمعنى الضيق، هو عقد يراد به من شركات التأمين الاسترباح والاستغلال والاتجار، هو عقد فيه ربا لأن المستأمن يدفع بعض الأقساط وهو يقصد أحيانا أن يحصل على فائض من التعويضات الكبرى عند حدوث الحادث، وهو أيضا عقد يشتمل على غرر كثير وليس على غرر يسير، لأن الغرر اليسير مغتفر. وأما الغرر الكثير فهو واضح في هذا العقد إذ لا يدرى كل من المستأمن والمؤمن مقدار التعويض الذى يدفعه وأيضا المستأمن في هذا يدفع قسطا واحدا ويقع الحادث وقد يدفع كل الأقساط ومع ذلك يسلم من الحوادث وتضيع عليه كل الأقساط التى دفعها. وكذلك في هذا العقد جهالة إذا قيس هذا الموضوع على قضية ضمان الطريق وعقد موالاة.
стр. 603
الحقيقة أن من هنا نبدأ، عقد التأمين التجاري هو عقد معاوضة وأما التأمين التعاونى وقياس التأمين التجارى على ما هو معروف من أن جمهور الفقهاء يجيزون ضمان المجهول غير الشافعية وأن ضمان الطريق مقرر أيضا وعقد الموالاة، الحقيقة كل هذه الأمور الهدف والباعث والشكل قائم على أساس من التبرع، ولذلك أجيز عقد التأمين لأنه تبرع وأما عقد التأمين ذو القسط الثابت التأمين التجاري فهو عقد معاوضة، بالمعنى الدقيق الكامل لذلك يصعب القول بجوازه. أما ما يقال بأنه لا غرر فيه ولا احتمال بالنسبة للمستأمن وهو ما يريده فضيلة أستاذنا، فالحقيقة هذا كلام محل نظر لأن محل العقد في التأمين هو الأمان كما يقولون دون توقف على الخطر، هذا الكلام غير سديد لأن الأمان هو الباعث على عقد التأمين وليس هو محل العقد. وإنما محل العقد هو ما يدفعه كل من العاقدين، المؤمن والمستأمن، وعنصر الخطر جاثم وقائم ولذلك لا يمكننا أن نتهاون في هذا الموضوع. لهذا نهى النبي ﷺ عن بيوع الغرر ويقاس عليها كل العقود الأخرى وكما قال الإمام النووى: "الغرر النهى عن الغرر أصل من أصول الإسلام، أما النواحى الإنسانية التى يسترحم بها شركات التأمين الناس ويحاولون الدعاية، وإننا جماعة أنصار الإنسان وأنصار الرحمة وأنصار الضعف وأنصار هذا الشخص إذا تعرض لحادث أو حريق أو موت أو ما شاكل ذلك وهددت الأسرة بالمجاعة، أولًا الدولة هى المسئولة عن كفالة هؤلاء المحتاجين هذا شيء معروف في الإسلام،
стр. 604
الشيء الثانى هذه الحاجة للتأمين، نحن مع فضيلته في أنه إذا تعينت الحاجة وليس كل حاجة تجيز الخروج على قواعد الشرع وإنما الحاجة العامة أو الخاصة التى تكون متعينة. وحيث أن هذه الحاجة لم تعد متعينة بقيام ونجاح. ونحن أظن فضيلته يريد أن يدعم أولًا البنوك الإسلامية التى لا تقوم على الربا. وأظن أنه يفضلها مائة بالمائة على البنوك الربوية، وكذلك شركات التأمين الإسلامية التى نجحت نجاحا باهرا ونافست حتى أننى زرت إحدى هذه المؤسسات في السودان فقال لى بالحرف الواحد، ومدير الشركة كان باكستانيا قال لى أصيبت شركات التأمين الأخرى بالذعر لنجاح شركات التأمين الإسلامية. فحيث وجد البديل ونجح ولله الحمد فلماذا نصر على تأمين مشبوه ومنغمس إلى الأذقان في الربا وأموالنا ودخلنا وثروتنا تعود كلها في النهاية إلى مؤسسات وبيوت المال الصهيونية. لذلك حيث نجح هذا النظام، نظام التأمين التعاونى لماذا لا ندعمه ونقول إنه هو الحل الأفضل المتعين؟ وليس نظريا أو بدائيا. القانونييون درسوا هذا العقد. عند علماء القانون يصفون التأمين التعاونى بأنه عملية بدائية، هذه العملية البدائية نحن نرحب بها وقد نجحت في العصر الحديث نجاحا منقطع النظير، وأكرر أن مدير هذه الشركة في السودان قال لى أصيبت شركات التأمين الأخرى بالذعر حينما نجحت شركات التأمين الإسلامية.
стр. 605
فلذلك نظرا لكل هذه العيوب التى اشتمل عليها عقد التأمين من ربا وغرر ومخاطر وقمار وشبهات كثيرة وقصد استرباح، ثم اتصال هذه المؤسسات ببيوت أخرى هى في الحقيقة تعارض ما عليه عقيدتنا وما عليه ديننا وما عليه مبادئنا، فلذلك أؤكد بضرورة القول والإصرار على تحريم شركات التأمين ذات القسط الثابت والتأكيد على ضرورة إقامة هذه الشركات على أسس إسلامية وهى التبرع ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فهو تعاون محض، والتعاون هو الذى يحبذه ويفضله الإسلام، فهو تعاون محض وليس فيه قصد الاسترباح ولا الاتجار، وهو عمل إنسانى وملطف ويشعر كل إنسان أنه فعلا يقصد بعمله هذا وجه الله يريد ثواب الدار الآخرة عندما يشارك في عمليات التأمين التعاونى، أما ذلك فهو لا يهدف إلا إلى ربح مادى، والعملية مادية إذا كنا نعيش في تيار الاتجاهات المادية في العالم الحاضر، فالحقيقة هو أن مادة العصر أحرقتنا، فهلا عدنا إلى نظام شرعنا القائم على أسس من التكافل والتضامن التى تقوم على الرحمة والتعاون وإشعار الإنسان بسمو ارتباطه إلى الجماعة الإسلامية وإلى أخوة الإسلام.
стр. 606
بقى شيء واحد وهى قضية إعادة التأمين. شركات التأمين التعاونية اصطدمت في الوقت الحاضر بأنها مضطرة إلى إعادة التأمين سوكرة وإعادة السوكرة.. يعنى مع شركات كبرى في العالم تدعمها لأنه ربما حدثت أضرار كثيرة، حدثت مثلا زلازل، أشياء من توقعات وتقديرات هذه الشركة في بلد من البلدان كما حدث من زلازل وبراكين وانفجارات ومجاعات، ففى هذه الحالة تريد هذه الشركة أن تضمن وجودها وبقاءها ولذلك تؤمن مع شركات تأمين أخرى كبرى عالمية. لابد أن أؤيد ما جنحت إليه لجنة الرقابة الشرعية في السودان وأخونا الدكتور الصديق الضرير هو من عمد هذه اللجنة، أؤيد ما قررته اللجنة بأنه من الضرورى أن ننشيء شركات تعاونية إسلامية كبرى تدعم وتحتضن هذه الشركات الصغيرة في البلاد الإسلامية، وإلى أن توجد مثل هذه الشركات وكانت بحاجة متعينة برأينا نحن دائما في قراراتنا الشرعية نعتمد على رأى أهل الخبرة، فإذا قالوا أن الحاجة متعينة، وقد قرروا أن الحاجة متعينة إلى إعادة التأمين، فالحاجة تقدر بقدرها كما أن الضرورة تقدر بقدرها، فلا مانع من إعادة التأمين مع شركات التأمين الكبرى ريثما يتم وجود شركات تأمين تعاونية إسلامية كبرى تحتضن هذه الشركات في البلاد الإسلامية بشروط مذكورة هنا في البحث. ولذلك لا مانع من الأخذ بهذه الفتوى وربما أكون مخطئا فيما تصورت ويكون الصواب في جانب فضيلة أستاذنا الجليل ولكن هذا ما اجتهدت فيه وما اطمأنت إليه نفسى. والله الموفق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 607
الشيخ رجب التميمى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الأخوة.. عقود التأمين لا يوجد لها أي أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية. ولم يبحثه الفقهاء المتقدمون، ذلك لأن نظام التأمين نظام حديث جلب من الغرب مع ما جلب إلينا ونقل إلينا من أنظمة الغرب المادية.. أول من كتب عن نظام التأمين من الفقهاء المسلمين ابن عابدين ﵀ ، فقد ذكر ابن عابدين في كتاب الجهاد أحكام التجار الأجانب الذين يدخلون دار الإسلام مستأمنين، فذكر ما يلى قال "جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربى يدفعون له أجرة المركب ثم يدفعون له أيضا مالا معلوما لرجل منهم يقيم في بلادهم حتى إذا حصل أي شيء للمال, للمركب من حرق أو غيره يدفع لهم تعويضًا" ويسمى ذلك الرجل سوكرة، الذى يعرف في هذا الزمن بشركات التأمين، يقول ابن عابدين: أن هذا المال الذى يدفعه هذا الحربى لمن استأجر المركب ودفع له مالا معلوما، هذا العقد هو عقد فاسد، ذلك لأنه التزام ما لا يلزم والتزام ما لا يلزم هو عقد فاسد ولا يجوز للمسلم أن يأخذ بدل الهالك أن غرقت البضاعة أو حرقت بدلا عن ذلك لأنه أخذه بعقد لا يلزم الأخذ، والأخذ هنا حرام شرعا، كما ذكره ابن عابدين أول من تكلم عن موضوع التأمين. وابن عابدين يقول لا يحل للتاجر أن يأخذ بدل هالك لأن صاحب السوكرة لن يتعدى ولن يتلف هذه البضائع وأنه دفعه التزام ما لا يلزم كما ذكرنا. واعتبر ابن عابدين مسألة التأمين كالوديعة والمستعيض والمستأجر. الوديعة لا تضمن إذا هلكت قضاء وقدرا وكذلك المستعار لا يضمن إذا هلك قضاء وقدرا، وكذلك المأجور لا يضمن إذا هلك قضاء وقدرا.
стр. 608
وإنما يضن بالتعدى. وهنا بدل التأمين حرام لأنه كالوديعة وكالمستعاض. فابن عابدين تحدث عن التأمين البحرى وهو الذى كان معروفا في ذلك الوقت. وقد ذكر الشيخ بخيث المطيعى مفتى الديار المصرية الأسبق المتوفى سنة ١٩٣٥ عن موضوع التأمين فقال "أن من المقرر شرعا أن الأموال لا تضمن إلا بثلاثة أشياء: بالكفالة أو التعدى أو الإتلاف"، وعقد التأمين ليس من تلك العقود التى قرر الشارع الضمان فيها. وقال أيضا "إن الضمان الذى قررته الشريعة الإسلامية له أسباب وليس من أسبابه هذا العقد الذى هو عقد فاسد، ذلك لأنه معلق على حظ تارة يقع وتارة لا يقع، فهو قمار، لأنه لا يحل للمسلم أن يأخذ بدل المال الهالك بسبب هذا التأمين الذى هو يكون مبنيا على احتمال أن يقع أو لا يقع فهو مبنى على الحظ أي مبنى على القمار". ولذلك الشيخ بخيت ﵀، أيضا والفقهاء المسلمون الذين تكلموا في هذا الموضوع في العصور الماضية حرموا موضوع التأمين. طبعا التأمين التجاري الموجود الآن هو ما ذكره ابن عابدين لأنه مثل التأمين البحرى الذى كان معروفا في عصره من الجماعة الذين كانوا يقومون بعمل شركات التأمين الذين يسمونهم السوكرة الذين هم للآن. أيضا التأمين على الحياة هو أيضا عقد فاسد كالتأمين التجاري لأن التأمين على الحياة هو عقد مجهول فيه احتمالات وفيه مخاطرة وفيه قمار وفيه ربا، لأن الإنسان إذا أمن نفسه على الحياة مقابل أقساط قد يموت بعد القسط الأول ويكون المبلغ المؤمن عظيما، فإذا مات بعد القسط الأول استحق أن يأخذ بدل التأمين وهو مبلغ عظيم، كبير، قد يكون مبلغا كبيرا اتفق عليه وهذا مقدر بين العاقدين هذا المؤمن لماذا يأخذ هذا المبلغ؟ بأى حق حتى يأخذ بعد القسط الأول هذا المبلغ العظيم؟ أليس هذا مقامرة؟ أو ماذا يسمى أن لم نسمه مقامرة؟ فماذا نسميه؟ ثم إذا دفع جميع الأقساط ولم يمت يأخذ ما دفعه مضافا إليه الفوائد الربوية. فهو إما قمار وإما ربا، وهو من العقود الاحتمالية المجهولة، متى يقع؟ وبأى تاريخ يقع؟ وبأى أمر يمكن أن يكون معروفا؟ فهو من العقود الاحتمالية المجهولة حرمها الإسلام. وكتب القواعد الفقهية الكلية تخالف ما عليه التأمين، لأن كلا من المتعاقدين لا يدرى أحدهما وقت إبرام عقد التأمين مدى ما يأخذ أو ما يدفع ولا يعرف إلا في المستقبل نتيجة هذا العقد لأمر غير محقق الحصول ولا معروف وقت حصوله.
стр. 609
إذن عقد فاسد لأنه لم بين على القواعد الفقهية الصحيحة المستنبطة من كتاب الله وسنة ورسوله ﷺ ، وهو أيضا عقد فيه غرر، وغرر فاحش والرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر، فكيف نجيز الغرر الفاحش. الغرر اليسير أجازه بعض الفقهاء، لكن الغرر الفاحش لم يجيزوه وجعلوه سببا في فساد العقود. هذا الأصل في عقود التأمين، عقود ليست مبنية على أسس من الشرع، قمار، مخاطرة، ربا، ابدا تؤدى إلى المقامرة، يدفع الإنسان شيئا ويأخذ أكثر، وإن دفع كل شيء ولم يحصل شيء يأخذ ربا، هذا أمر واقع لاشك فيه. بقى شيء، أن شركات التأمين، وهذا معروف لدى الجميع ولم أثبته في كلمتى، أن شركات التأمين هى شركات ربوية تتعامل بالربا وجل مالها من التعامل بالربا أو بالأعمال التى لا يقبلها الإسلام أساسا للعمل. تتعامل في كل شيء لأجل الحصول على المال والأرباح، وأساس الأموال عندها هى ما تأخذه من المؤمن له. تأخذ هذه الأموال ثم تستغلها في الربا أو في الأعمال المحرمة عند المسلمين أو في أمور لا يقبلها المسلم. ثم تدفع له عندما يحصل ما يحصل له، على أن هذا فيه مخاطرة أخرى من نوع آخر أن عقود التأمين كثيرا ما تؤدى إلى المنازعات بين شركات التأمين وبين المؤمن له لأن ما نراه في المجتمع من الحوادث التى تحصل والمنازعات التى تحصل بين شركات التأمين والمؤمن له كثيرة. ومن أراد أن يتحقق من ذلك فليرجع إلى سجلات المحاكم. واحد مؤمن على تجارته وهو مشرف على الإفلاس يفتعل حادثا ليأخذ مالا وهذا كثيرا ما حصل. واحد مؤمن على سيارته يفتعل شيئا ليأخذ بدل التأمين، على أن أيضا التأمين على الحياة هى أيضا هذا النزاع، فقد نشرت جريدة الجمهورية بالقاهرة بتاريخ ٢٤ يناير ١٩٦٠م أن أحد الأطباء أمن على حياته ٤٧ ألف دولار تقريبا. هذا الرجل عمل حادثة شنيعة من أجل أن يحصل على التأمين إذ قطع تذكرة طائرة ليسافر وأعلن انه سيسافر بالطائرة وفي الموعد الذي سيسافر فيه اتفق مع صديق له وأقنعه أن يسافر بدله واختفى.
وسافر الصديق في الطائرة وفى الطريق طبعا تحطمت الطائرة لأنه وضع فيها ما ينسفها ليحصل على التأمين واختفى، وجهات التحقيق توصلت إلى الرجل قد ظهر بعد شهرين، الذى اختفى وسافر. وتبين أنه عمل على نسف الطائرة وفيها كذا من الناس أربعين أو خمسين ليحصل على بدل التأمين، وهذه حادثة من جملة الحوادث التى تحصل كثيرا بين شركات التأمين والمؤمن له. لذلك فإن التأمين هو عقد فاسد وفيه غرر فاحش والرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر، والله نسأل أن يوفقنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 610
الشيخ محمد على التسخيرى:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد النبيين وآله وصحبه الطاهرين.. بكل اختصار أود أن نحذف من بحوثنا الفهقية ما يؤثر عليها من تأثيرات عاطفية كربط قضية معينة أو مورد معين بجانب سياسى مع احترامى الشديد لكل الإخوة الذين ربطوا بين عقد التأمين مثلا وبين التخطيطات الصهيونية لتحطيم العالم، أو عقد التأمين وما نتج عنه من نزاع وتفجير طائرة وما إلى ذلك، فيمكن أن يجرى هذا أو ذاك في عقود نسلم جميعا بصحتها وإنما يجب أن نبحث بحثا علميا متجردا نرضى به الله تعالى، ومعنى إرضاء الله يعنى إرضاء الحقيقة والوصول على صخرة الواقع. الحقيقة يجب أولا أن نخرج عقد التأمين، ما هو هذا العقد؟ هل هو هبة معوضة؟ هل هو ضمان معوض أن قلنا بصحته ولم نقل بأنه ضمان ما لم يجب؟ هل هو صلح؟ هل هو عقد من العقود الجديدة التى يعترف بها العرف ويطلق عليها لفظ عقد فيحقق موضوع ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ؟ وهذا ما قال به الكثير من الفقهاء والحنفية أيضا قالوا به، موضوع اشتغال شركات التأمين بالربا وإعطائنا مما اشتغلت فيه بالربا، هذا أمر ثانوى وجانبى ونحن نستطيع أن نتعامل مع هذه الشركات ونعمل فيها قواعد اليد وما إلى ذلك، يقال أن مثلا عقد التأمين ينفى بعض موارد مصرفية الزكاة وهنا نشكره على أنه وفر للموارد الأخرى الزكاة دون أن نعارضه. يجب أن نركز إذن على هذه النقطة، إذا أردنا أن نخرج، الواقع يحتاج الأمر إلى وقت طويل وإلى بحث فقهى، هناك تخريجات تطرح لعقد التأمين، وإذا طرحت هذه التخريجات حينئذ يجب أن نبحث هذه الإشكالات الواردة، هل هى تتناول شروط ذلك التخريج؟ مثلا إذا جلعناه صلحا بين هذا الشخص وذاك، فهل يرد على الصلح إشكال غرر؟ أم أن الصلح المفروض به التغاضى عن الغرر؟ فالتخريجات المذكورة هنا أذكرها بشكل سريع جدا. هناك تخريج كما قلت على أنه عقد مستقل عقلانى مشمول لقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ويلزم الوفاء به فالآية القرآنية تشمل كل عقد عرفى ما لم يتناف مع الحدود التى منع الشرع من الاقتراب منها. فكل شرط ليس في كتاب الله باطل. الناس غير محصورين هم أيضا في العقود المعروفة.
стр. 611
الأسلوب الثانى أن نخرجه على أساس أنه هبة معوضة ولا يرد على هذا التخريج تخريج إشكال، إلا أن المتعارف اليوم الذى هو في ذهن المتعاملين في عقد التأمين ليس هو الهبة المعوضة. هناك مسألة الصلح، مصالحة بين هذا الإنسان الذى يريد أن يؤمن على تجارته وبين شركة التأمين على هذا المعنى. هذا العقد أيضا عقد صحيح معاوضى، وآتى للإشكالات إن شاء الله.
الأسلوب الرابع، الضمان المعوض، عقد ضمان يلتزم فيه أحد الطرفين بجبران الخسارة لقاء التزام الآخر بعوض، قد يقال كما قال شيخنا الجليل المرحوم الشيخ بخيت المطيعى قال: إن المعروف من الشريعة أن الضمان له أسبابه، الكفالة، والتعدى، والإتلاف. فمن أين جئتم لنا بهذا الشكل وليس هنا كفالة ولا تعد ولا إتلاف. الواقع بنفس دليل ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الذى قلنا إنه يشمل حتى العقود الجديدة، اليوم مثل هذا الضمان عرفى بلا ريب، لنتغاض عن شرعيته، عرفى لا ريب، هذا الضمان العرفى يعنى العقد، عقد ينتج الضمان، عرفى ويمكن أن تشمله الآية الكريمة أو المقطع الشريف ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .
النقطة الأخرى طبعا هناك اشكالات.
стр. 612
الرئيس:
ممكن يا شيخ تذكر لنا حقيقة الصلح شرعا عند الفقهاء؟
الشيخ محمد على التسخيرى:
الصلح هو عقد يجرى بين طرفين يتصالحان على شيء فيه عوض ومعوض وطبيعة هذا الصلح غررية، يعنى يدخلها الغرر، طبيعته يدخلها الغرر وأنا سوف أشير إلى الغرر يا سماحة الشيخ، طبعا هناك من لا يجيز ضمان الأجنبى هناك من لا يجيز ضمان من لا يجب، يعنى ضمان ما لا يلزم وما إلى ذلك، الشيء الآخر الذى أود أن أشير إليه هو الإشكالات، إذن هناك أساليب ويجب أن نحرر هذه الأساليب لا نترك الأمر عائما ثم نشكل.
الرئيس:
كلمة بسيطة بس عارضة.. في حقيقة الصلح، المعروف أن الصلح أنه لا ينشأ إلا في حق بين الطرفين أصلا.
الشيخ محمد على التسخيرى:
فى حق بين الطرفين، لا لا، إن هذا لا نقول به، أي صلح عندنا جائز والصلح جائز بين المسلمين، على أي حال إن هذا اختلاف مبدئى قد يكون.
стр. 613
نعود إلى الإشكالات، الإشكالات المطروحة، الإشكالات التى طرحت هنا. أول إشكال هو الغرر وأهم إشكال هو الغرر كإمامى أجد أن الغرر إنما ورد في البيع فقط، يعنى النص الوارد في الغرر وارد في البيع، ثم نحن نعمل على تعميمه إلى شتى العقود الأخرى. كما قلت كإمامى القياس عندى غير معمول به لكن لنفترض القياس ألا يمكن أن نسأل أنفسنا؟.
الرئيس:
يعنى أمران الآن متوفرة عندنا: أن القياس غير معمول به، إضافة إلى حقيقة الصلح.
الشيخ محمد على التسخيرى:
لا هذا أمر ندعه الآن.. كاختلاف في المبدأ.
الرئيس:
لا هذا أمر ندعه الآن.. كاختلاف في المبنى وكما تفضلتم في التفريع عليه أنتم تفترضون القياس في بحثكم هذا الموجود عندى على فرض التسليم بالقياس هذه قضية، القضية الاختلاف الحاصل في حقيقة الصلح.
الشيخ محمد على التسخيرى:
نعم ومعذرة سيدى الرئيس، مسألة القياس لنفترض أنه يجرى ولكن ألا لاحظنا الفوارق بين العقود الأخرى ولها شروطها وللبيع شروط. ثم توسعة دائرة الغرر هل تشمل كل العقود؟ أو لها حدود معينة؟ هذا أمر متروك للعلماء الأجلاء. مسألة الغرر، لنفترض أن الغرر شرط في كل العقود الأخرى مسألة الغرر يجب أن نلاحظ أن العقد تارة يكون مبهما إبهاما كاملا أو كما يسمى جهالة فاحشة. تارة هكذا نفترض وأخرى نفترض لا. المؤمن والمستأمن كلاهما يعرف الشروط بكاملها، الإمام القائد حفظه الله يقول هكذا ويشترط هذا المعنى. يقول "يجب تعيين المؤمن عليه من شخص أو مال أو مرض، تعيين طرفى العقد، تعيين المبلغ المدفوع، تعيين الخطر الموجب للخسارة، تعيين المبلغ الذى يدفعه المستأمن، تعيين زمان التأمين ابتداء وانتهاء" يمكن أن نضيف إلى هذه الشروط كل ما يدخل في الدقة في معرفة كل خطوات هذا العقد بشكل كامل، حينئذ هنا هذا العقد واضح المعالم. لكن تقولون قد تحدث وفاة، وقد تأتى صاعقة، في كل العقود الأخرى أيضا يوجد غرر من هذا القبيل يا سيدى، في المضاربة لا أعلم أنا كم أربح، في المزارعة، في المساقاة لا أعلم هل تصل المسألة إلى مستويات عالية أو لا ينتج هذا الزرع، لا يأتى مطر أو لا يكون كذلك، هناك نسبة من الغرر هناك إذا لوحظت الحوادث التى تحدث هناك نسبة من الغرر، وإذا لوحظ وضوح العقد، هنا العقد واضح. واضح لدى شركة التأمين. وواضح لدي أنا المستأمن، هذه نقطة، النقطة الأخرى مسألة الربا، لا أعتقد أن هذا الإشكال وارد هنا أبدا خصوصا إذا أخرجنا المسألة من شكل قرض، يعنى لا نعتبر المسألة مسألة قرض يعطى حتى يقال هنا ربا يأتي في البيع. هناك مسألة المقامرة والرهان يعتمد على الحظ والمصادفات، الرهان ليس فيه ترميم للأضرار وما إلى ذلك، وجواب الدكتور جواب واف، قيل إنه أخذ مال الغير بلا مقابل وهذا وجه غريب، قيل إنه إلزام بما لا يلزم شرعا مسألة الضمان، قلنا أن الضمان يمكن تصحيحها على أساس أنها عقد مستقل، قيل إنه صرف باطل وما أبعده عن الصرف، قيل إنه يؤدي إلى تعطيل سهم الغارمين ويجب أن نشكره على ذلك لأنه يوفر للسهام الأخرى الزكاة، وهكذا هناك إشكالات أهم إشكال هو الغرر. وأرجو أن نركز على الغرر حتى نعرف واقعا عقود غررية أم لا هذا ثانيًا طبعًا، أولا التخريج الفقهى المهم. أعتذر كثيرا وهى جسارة منى على أساتذتى.
стр. 614
فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأزواجه وصحبه أجمعين.
كم نود أن نجد مخرجا للمسلمين وسندا صالحا من كتاب الله وسنة رسوله أو من القياس، أو من أقوال الفقهاء، ليبيح هذه المعاملة. ولكننى مع الأسف لم نجد هذا السند. أن كل ما قدم في هذا الموضوع لم ينقع الغليل ولم يشف العليل. فكأنه حوار الصم كما يقولون:
تقول هذا لُعاب النحل تمدحه وإن ذممت فقل قييء الزنانير
هذا يقول هذا تعاون من باب ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهذا يقول هذه شركات تجارية تشكل لأغراض التجارة ويدخلها المساهم ولا يدرى ما هى نتيجة العقد، وما هى النتيجة التى سيحصل عليها بعد دخوله في هذا العمل يدخلها تارة طائعا ويدخلها تارة مجبرا. لأن كثيرا من الحكومات تجبر الإنسان على أن يؤمن السيارة وإذا لم يؤمنها فإن سيارته توقف وتسحب منه الرخصة. إذن في الحقيقة.
стр. 615
والوفق في الحكم لدى الخصمين شرط جواز القيس دون مين نحن لم نتفق أساسا في الماهية فكيف نقيس على هذه الماهية، إنها مسألة في غاية الصعوبة، التحليل والتحريم مسألة كبيرة، حذر الله منها في أكثر من آية ويجب أن نتذكر ذلك دائما هنا ونحن نتحدث عن هذه المسائل فالكلام الذى نقوله ولما نقدمه للمسلمين من حلول. يقول الله ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فهذا تحذير شديد ويقول الله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ هذا تحذير آخر شديد. إذن أمام هذا الوضع ليس لنا إلا أن نلجأ إلى النصوص الشرعية، لاستقرائها والاستنباط منها وأن نحاول عن طريق هذه النصوص أن نفهم طبيعة القضية التى نعالجها اليوم. لأن هذه النصوص لم تذكر هذه القضية باسمها، وهذا ليس عيبا، وإنما ذكرت كثيرا من القضايا التى تشبه هذه القضية شبها شديدا، بل أن الله أشار إشارة واضحة إلى أن المنافع لا تكفى للتحليل في قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ما هو الميسر؟ هى العرب كانوا ينحرون الناقة ويضعون جملة من السهام منها السهم الظافر ومنها المنبج وجملة من السهام لكل سهم اسمه، يضعون عليها الاسم، فمن ربح بالسهم الأعلى قمر، أي أخذ الناقة كلها ولا يقضى شيئا، لا يبذل مالا، ومن فاز بالوغد، أو كان من حظه الوغد وهو من آخر السهام فإنه لا يفوز بشيء ويدفع المال المترتب. العرب كانوا ينتفعون بهذا في زمن الشتاء إذا لم يجدوا من ينحر لهم. تعلمون أن العرب كانوا ينحرون في الشتاء ويتمدحون بذلك فكانوا ينتفعون بذلك، والله قال نعم، هذا فيه منافع ولكن الإثم أكبر من النفع فانتهوا، توقفوا عن هذه المعاملة السيئة لأنها ليست مقبولة شرعا لما فيها من الغرر، حينئذ يبقى أن نتكلم عن الغرر.
стр. 616
لقد قلت أولا إنه يجب تحديد مفهومنا للتأمين، أنا لست من المختصين في عقود التأمين، ولكنى أراه هكذا، لقد كنت في بعض البلاد الإسلامية في مسئوليات معينة ومتطلع على بعض الملفات وأيضا أعرف إلى حد ما بعض القوانين الغربية واللغات الغربية. فالتأمين تابع لأى من الوزارات؟ هل هو تابع لوزارة الشئون الاجتماعية أو وزارة الأوقاف؟ لا هو تابع لوزارة المالية ووزارة التجارة. إذن تأمين الشركة التجارية إذا كان للدولة فالدولة تجنى من ورائه أرباحا وإذا كان للأفراد فالأفراد يجنون من ورائه أرباحا. وهذه هى المهمة الكبرى وهى الباعث. هذا الذى أراه والله أعلم. قلت: إنه يمكن للبلاغة أن يقول الواحد هذا لعاب النحل والآخر يقول هذا قيء الزنانير، للتنفير، فالذى نعرفه أن التأمين هو من الأعمال التجارية المحضة الواضحة جدًا وأن الشخص قد يدخل فيه مجبرا، كما ذكرت في السيارات التى يجب تأمينها في البلاد التى يطبق فيها عقد التأمين ولا يمكن أن تسير بسيارة بدون أن تكون مؤمنة وإلا فإن الشرطة توقفك وتطلب منك ورقة التأمين. هل هذا الشخص مجبر أم مختار؟ إذا كان مختارا لقال أنا أريد أن أذهب بسيارتى بدون تأمين واتركونى لأتحمل أخطائى، فيقولون له: لا، لابد أن تأخذ عقد التأمين. هو مجبر إذن وليس مختارا وليس عقدا والعقد فاسد من هذه الناحية لأن الاختيار شرط لابد أن يكون الطرف الآخر راضيا بهذا العقد، فإذا لم يكن راضيا فإن هذا العقد من باب الجبر فهو مجبر عليه والمكره لا يلزمه عقد كما جاء في الحديث "وما استكرهوا عليه" وكما قال إمامنا مالك رحمه الله تعالى: طلاق المكره. وتعرفون ما وقع لمالك ﵀ في المسألة. التأمين ليس فيه غرر هذا صحيح. التأمين عقد ليس فيه غرر بيع الغائب، يثبت بيع الغائب بالوصف، هذا عقد فيه غر، عقود المساقاة عقود فيها غرر، عقد الغرر لا يجوز مطلقا، حتى عند من يقول بأن النهى لا يبطل العقد وبعضهم قال أن النبى لا يبطله وإنما يفسده وفرق بين الفساد والبطلان. فالبطلان هو تدمير الماهية تدميرا تاما، والفساد يمكن انجباره بالخيار في البيع مثلا بثبوت حق الخيار في البيع أو بثبوت حق الخيار في النكاح أو بثبوت الصداق في نحو نكاح الشغار مثلا بالنسبة لمن يعلل الخلاف لإمامنا مالك رحمه الله تعالى الذى لم يعلل في قضية الشغار.
стр. 617
النهى إذن، ما هو النهى الذى يوجب البطلان؟ بالتتبع لمذاهب العلماء نجد أن النهى الذى يوجب البطلان هو النهى الذى ينصب على الماهية، بمعنى يفقد الماهية ركنا أساسيا من أركانها، أو النهى الذى ينصب على الصيغة بأن تكون صيغة غير شرعية، هذا هو النهى الذى يؤدى إلى البطلان. وهذا واقع في العقد الذى نتحدث عنه اليوم. النهى الذى يفقد الماهية ركنا من أركانها، معلوم أن الركن العاقد والثمن والمعقود عليه ومتعاقدين هذه هى أركان البيع. شرط البيع الذى لا تنفك عنه الماهية هو القدرة على التسليم، الصيغة أيضا هى دليل الماهية وليست من الماهية على خلاف بين العلماء، يقول صاحب القواعد:
الشرط عن ماهية قد خرج والركن لها قد ولج وصيغة دليلها والعدل لها من الأركان في بعدها إذن الصيغة إذا كان البيع معيبا من ناحية الصيغة فإنه يكون باطلا، ولنخرج من هذه العمومات المقدمة أدلة: نهى النبى ﷺ عن بيع الغرر في الجملة ومع ذلك نجد بيوعا فيها غرر قبلها العلماء وليست بيوع غرر. نهى النبى ﷺ عن بيع المضامين والملاقيح.
стр. 618
هذا ما أسميه بيع الغرر. لأن ذات المعقود عليه لا يمكن تسليمها وبالتالى يفقد البيع شرطا كبيرا من شروطه وهو القدرة على التسليم والحكمة في البيوع وهى القدرة على التسليم. إذن هذا من بيوع الغرر التى نهى عنها النبى ﷺ والتى أجمعت الأمة على أن النهى فيها دليل على البطلان، وليس دليلا على الفساد، لا يمكن انجباره فعقد التأمين الذى نتحدث عنه هو شبيه جدا ببيع المضامين والملاقيح فألا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها، قريبا جدا منها كأنه هى. إذن إذا كان البيع منصبا على ركن من الماهية كبيع الميتة فهذا البيع باطل قطعا. إذا كان البيع منصبا على صيغة كبيوع الربا فهذا البيع باطل قطعا ولا يمكن انجباره. إذا احترمت الماهية واحترمت الصيغة فإن البيع حينئذ يمكن انجباره كتلقى السلع إذا كان البيع منهيا عنه كتلقى الركبان واشتراء السلع قبل وصولها إلى السوق. وكبيع النجش الذى يزيد الغرر فإن هذا البيع منجبر بعد ذلك صحيح عند الجمهور إذا كان فيه غبن فاحش يؤدى إلى الخيار عند الإمام أحمد ورواية عن مالك مشى عليها ابن عاصم رحمه الله تعالى، أما خليل فقال: أن الغبن الفاحش لا يرد به، لا بغبن ولو خالف العادة، أما ابن عاصم فذهب إلى أن الغبن يؤدى إلى وجوب الخيار في البيع. الحقيقة أننا في وضع إذا تباحثنا فيه لا نصير في الحقيقة إلى كبير فائدة إلا أن كلا من الناس يعرب عن وجهة نظره عندما يقول هذا التأمين الذي ترونه أمامكم ليس عقدا نحن نقول له: هو ليس يصح في الأذهان شيء يحتاج النهار إلى دليل، ليس عقدا تجاريا وإنما هو تعاون كقول النبى ﷺ : ((إن الاشعريين يجمعون أزواجهم)) هذا يجعل التأمين من هذا النوع، هذا في الحقيقة نصبح أمام وضع صعب جدا في نقطة الانطلاق ونقطة البداية، وتصحيح البدايات شرط في تصحيح النهايات.
стр. 619
لابد من تصحيح هذه البداية التى ننطلق منها، أن نعترف بالحقيقة ماثلة أمامنا، نحن لا نعرف شيئا عن أصول التأمين وعن تاريخ التأمين، يمكن أن يكون تاريخ التأمين كان طبيبا ولكن التأمين الذى نشاهده الآن وفى البلاد التى تؤمن والتى تؤمن على الحياة وعلى السفن وعلى البضائع هو يدخل فيما ذكرته آنفا وأنه عقد غرر وليس فيه غرر. وعقد مجهول لأن الشخص لا يدرى هل يعود إليه شيء من هذه الأقساط أو لا يعود له مطلقا وهو حريص جدا على أن يجد ما فقد أو لا يعمل شيئا مطلقا ولا يصير له شيء من هذا المال الذى قدمه. فبعد ما ذكرته الآن وأحترم رأى بعض الإخوان الذى يقول إنه يجب أن نتجنب الأمور العاطفية، أعتقد أننى لم أذكر أمورًا عاطفية، الذي أذكره أننى حاولت التركيز جدا على هذه النقطة وأن التأمين عقد غرر وأن النهي إذا كان يتعلق بذات العقد فإنه يؤدي إلى البطلان والرد الذي جاء بالحديث ((من اعتدى بأمرنا على أعمالنا ليس منا، فهو رد)) ، يدل على بطلان النهى كما وعند جمهور العلماء وحتى من لا يقول بالبطلان كأبي حنيفة رحمه الله تعالى الذي يقول أن النبي يدل على وجود الماهية فإنه في هذه العقود بالذات يقول بالبطلان وهو فناء الماهية فناء مطلقا. والحمد لله رب العالمين.
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
الرئيس:
شكرا أثابكم الله، أيها المشايخ، نحن أمامنا البحث ذو جهتين أما الجهة الاولى فهو البحث في التأمين حلا وحرمة. وأما الجهة الثانية فهي في البديل الإسلامى والذي تقدم به الأستاذ عبد اللطيف جناحي ولدى الشيخ عبد اللطيف صالح الذى يشتغل في إحدى اللجان الآن بحث كذلك وهو بين أيديكم. ولهذا فإنه قد ترون مناسبا أن البحث في البديل الإسلامى نؤجله إلى جلسة غير الصباحية باذن الله تعالى ونطلب من أصحاب البحوث أن يتفضلوا بإعطاء مختصرات عن بحوثهم كما جرى عليه العمل. وأما الآن فنسمع القسط من المداولات حول ما سمعتموه من ملخصات لهذه البحوث وأعطي الكلمة للشيخ أحمد الخليلى.
стр. 620
الشيخ أحمد الخليلى:
بسم الله الرحمن الرحيم، شكرا معالي الرئيس، في الواقع أنا لست من أهل الخبرة في موضوع التأمين لأننى لم أدرسه من مصادره ومن مظانه وينبغى أن يكون الإنسان دائما متوقفا أمام الشيء الذى يجهله، وإنما تكونت عندى فكرة الآن مما سمعته من هذه البحوث القيمة التى تليت على مسامعنا، وبقي عندي شيء من الإشكال وأريد أن استفسر عما أشكل علي، الموضوع الذي أشكل علي والذي لم أعرف حقيقته هو موضوع التأمين الاجتماعي أو التأمين غير التجاري كيف طريقته حتى أستطيع أن أتحدث عن هذا الموضوع بعدما نتصوره، أنا حسب ما سمعت من هذه البحوث الآن. وحسب ما تبين لي أيضا بعض الشيء من أحاديث الناس حول التأمين، وجدت الدخول في التأمين أمرًا فيه حرج كبير، لأن التأمين كما تفضل أصحاب الفضيلة المشايخ الذين تحدثوا عن حرمة التأمين، هو عقد بين متعاقدين، عقد فيه غرر بحيث لا يدري هذا المستأمن هل يسترد شيئا مما أعطى أو لا يسترد شيئا قط، وهل يبقى مستمرا في عقده هذا وقتا طويلا أو يمل آخر شيء بعدما يرى الخسائر تتتابع ويحاول أن ينسحب، وفى نفس الوقت تكونت عندي صورة من بعض ما سمعته من الناس، منذ سنين سمعت أحدا ممن استأمن على سيارته يقول بأن ريحا شديدة أو إعصارا حل وكانت سيارته تحت شجرة فكان يتمنى أن تسقط هذه الشجرة على سيارته حتى يدفع له العوض، وفى الأيام القريبة أيضا نفس الشيء سمعت أحدا يذكر عن ابنه بأنه اتفق مع الشباب بأن يعملوا صداما مصطنعا ما بين سياراتهم حتى ينالوا تعويضا من شركة التأمين عن طريق هذا الصدام المصطنع. وقد تم ذلك فعلا، فلو كان هذا الإنسان الذي شارك في هذه الشركة "شركة التأمين" حريصا على ما لها لما كان ذلك، ولو كان يراعي أن هذا المال هو شريك فيه لما حدث مثل ذلك، وإنما هذا يدل على أنه يريد أن يسترد بعض ما أخذه، لأن أن كان هذا التأمين مفروضا بالقهر فهو يريد أن يستنصر لنفسه باسترداد بعض مما أعطى، وأن لم يكن مفروضا فهو يريد من وراء هذا ربحا، لعله يعوض سيارة جديدة بدلا من تلك السيارة القديمة. وبجانب هذا، كما تفضل فضيلة الشيخ رجب، نحن لا نأمن من شركات التأمين أن تكون تعنى بتنمية ثروتها أو رأس مالها من طريق الربا وهذا واقع طبعا لأن المعاملة إنما تكون مع البنوك وعن طريق بيع المحرمات كالخمر وغيرها، وعن طريق الاشتراك في الملاهي والمراقص إلى ما وراء ذلك، وعلى كل حال مما جاء في الأثر: أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه. على الأقل في القضية شبهة أن لم تكن حرمة ظاهرة صريحة فهناك شبهة، والشبهة يجب علينا أن لا نتخطاها. فمن هذه الناحية أنا أضم صوتي إلى أصحاب الفضيلة المشايخ الذين قالوا بمنع التأمين وبجانب ذلك أيضا أنا أضم صوت إلى الذين يرون البديل الإسلامى، فماذا عسى أن يضيرنا إذا نحن كونا شركة إسلامية، هذه الشركة الإسلامية عليها أمناء يراقبونها تجمع تبرعات، هذه التبرعات تنمى بطريقة مقبولة شرعا يبقى رأس مالها ومن الربح يعطى الذين يرزأون بحوادث وقضايا، في هذا البديل ما يغني عن اتباع المناهج والنظم التى عند غيرنا وعلى كل حال أصحاب الرأى الحصيف كل منهم يدلي إن شاء الله برأيه ورأي الجماعة لا تشغل بلاد به.
стр. 621
الرئيس:
شكرا أثابكم الله، أرجو من الشيخ الضرير أن يتفضل بإعطاء لمحة عن التأمين التعاونى وإن كان موجودا لدى أصحاب الفضيلة وهو في قرار مجمع مكة وهو موجود لديكم في آخر البحث، عن التأمين التعاونى.
الشيخ الصديق الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا الموضوع "التأمين" بدأ البحث فيه منذ سنين عديدة ولعل أول مؤتمر بحث فيه هذا الموضوع كان في أسبوع الفقه الإسلامى الثاني وكان فيه أستاذنا الزرقاء وكان لي شرف الحضور بهذا المؤتمر وقد عرضت فيه الآراء وأوردت شبه كثيرة في هذا وكان رأيي ورأي الأستاذ الزرقاء يكاد يكون واحدا إلا في مسألة واحدة اختلفنا فيها وهي موضوع الغرر. وكان رأي الأستاذ الزرقاء في ذلك الوقت أن الغرر غير موجود في عقد التأمين، أو أنه ليس عقد غرر، إذا أن الغرر فيه يسير بحيث يكون مغتفرا. وكان رأيي ولا يزال أن الغرر هو السبب الأساسى في منع عقد التأمين التجاري. ونظرية الغرر قد كتبت فيها كتابا وتعرضت فيه لعقد التأمين وأصل هذا العقد وانتهيت إلى أن الغرر الذي يؤثر في العقد وهو قد قاله بعض الإخوان، هو الغرر في عقود المعاوضات المالية وبشرط أن يكون كثيرا وفي المعقود عليه أصالة وألا تدعو إلى العقد حاجة، وهذه مسائل استنبطها من أقوال الفقهاء، وارتضيتها لأنها محل خلاف، فان يكون في عقود المعاوضات المالية، وهذا هو الشاهد الذي أريد أن أقف فيه قليلا هذا الشرط محل خلاف. أما بقية الشروط الثلاثة فلا خوف فيها، الغرر اليسير لا يؤثر في العقود مطلقا عند جميع الفقهاء. وكذلك كونه في المعقود عليه. أصالة لا يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، وإذا دعت إلى الأصل حاجة، الفقهاء يكاد يتفقون على أن الغرر هنا لا يؤثر ولو كان كثيرا. ولو كان في عقد المعاوضات. لكن الخلاف حصل في عقود المعاوضات، فبعض أو أكثر الفقهاء عمموا، وقالوا الغرر يؤثر في جميع العقود، وإن كان النص ورد في البيع خاصة، وخالف المالكية في هذا ولهم فيه رأي صريح ومبدأ ثابت، وهو أن الغرر لا يؤثر في عقود التبرعات. قالوها صريحة، وإن كان بعض الفقهاء لهم آراء أيضا بالنسبة لعقود التبرعات، الهبة هل يؤثر فيها العقد كما يؤثر في البيع؟ لكن لم يصرحوا كما صرح المالكية بهذا المبدأ، وهو أن عقود التبرعات يؤثر فيها الغرر، فيجوز في الهبة، لا يجوز أن تبيع ما تثمر الحديقة في العام القادم ولكن يجوز أن تهب ما تثمره الحديقة في العام القادم. والسبب واضح في هذا، وجهة نظر المالكية في هذا سليمة وقد أخذت بها، ولذلك اشترطت في الغرر المؤثر أن يكون في عقود المعاوضات. ومن أجل هذا رأيت أن عقد التأمين التعاوني وهو عقد تعاوضي يؤثر فيه الغرر إلا إذا دعت إليه حاجة. وأن عقد التأمين التعاوني إذا كان قائما على أساس غير معاوضة، على أساس التبرع، فهو عقد جائز، بناء على هذه القاعدة، وأن كان فيه غرر، الغرر موجود في الحالتين سواء كان عقد تأمين تعاوني أو عقد تأمين تجاري، الغرر واحد، لكن الفارق هو أن في العقود التجارية هناك جهة تسعى إلى التجارة في هذا العمل، في التأمين، إلى التجارة في التأمين وهي التى تغنم وقد تغرم. أما في التأمين التعاونى فالمؤمن والمؤمن له واحد، وليست هناك جهة تتاجر في التأمين. المشتركون هم أصحاب الشركة وهم الذين يستفيدون من أرباحها إذا فاضت أو من أموال الاشتراكات إذا فاضت عن التعويضات وتعود إليهم هذا الفائض، وهم الذين يغرمون إذا زادت التعويضات عن الاشتراكات. والمبالغ التى يدفعونها كما قلت هى تبرع منهم. لمن تقع عليه كارثة يحتاج إلى أخذ المال منها.
стр. 622
الرئيس:
فضيلة الشيخ هنا أود أن تسمح لى بكلمة بسيطة. طالما أن التأمين التعاونى هو عقد تبرع ممكن أن نصفه بهذا أو لا؟ هل نصفه بأنه عقد تبرع؟.
الشيخ الصديق الضرير:
نعم.
الرئيس:
نصفه بهذا، طالما أنه عقد تبرع، والتبرعات الأصل فيها الارفاق والإحسان وحب الخير والتعاون على البر والتقوى، فكيف نصف أن التأمين التعاوني يستوى مع التأمين التجاري في الغرر؟ وكيف يرد الغرر والحالة هذه؟ لأن عنصر الاحتساب وطلب الثواب هو الأصل الذي قام عليه التأمين التعاوني.
الشيخ الصديق الضرير:
الغرر هو يرجع إلى طبيعة العقد. فكما وجد الغرر في المثال الذى ذكرته في عقد البيع، بيع ما تثمره الشجرة في العام القادم، هذا عقد غرر لأننا لا ندرى هل ستثمر هذه الشجرة في العام القادم أو لا تثمر، وإذا أثمرت هل ستثمر كثيرا أو قليلا. ففى عقد المعاوضة المشتري دفع مبلغا، إذ لم تثمر الشجرة فيضيع عليه هذا المبلغ، وكذلك إذا أثمرت أقل مما كان يتوقع، وقد تثمر أكثر مما كان يتوقع البائع فيأخذ المشتري أكثر مما دفعه، وهبة ما تثمره الشجرة في العام القادم فيه نفس هذا الغرر وهو عقد تبرع، فالغرر موجود في عقود التبرعات كما هو موجود في عقود المعاوضات، لكن في عقود التبرعات لا يؤثر، لأن هذا الشخص الذي وهبت له ثمرة هذه الشجرة في العام القادم لم يدفع شيئا، فإذا أثمرت يستفيد وإذا لم تثمر لا ضرر عليه، وهذه وجهة نظر المالكية في التفرقة بين تأثير الغرر في عقود المعاوضات وفي عقود التبرعات، أيضا عقد التأمين هو عقد التأمين. إذا أنا دفعت مائة جنيه قسطا عن سيارتى لشركة تجارية في هذا العقد غرر لأن السيارة قد لا يصيبها شيء فالشركة تأخذ كل المائة جنيه وأنا لا آخذ شيئا، هذا في الشركات التجارية. إذا دفعتها اجتمعنا عشرة أو مائة شخص ودفع كل منا مائة جنيه قسطا على أن من يحصل لسيارته يأخذ من هذا المبلغ وإذا فضل شيء يعاد إلينا ودخلنا من أول الأمر على أننا جميعا متبرعون بهذه المبالغ لمن تصيب سيارته مصيبة، فالغرر موجود وبنفس القدر لا يختلف.
الرئيس:
لكن هل الفقهاء أو العلماء أطلقوا عليه غررا؟
стр. 623
الشيخ الصديق الضرير:
نعم، أطلقوا عليه غررا ولذلك قلت أن المالكية نصوا..
الرئيس:
لا، قصدي أنا على عقود التبرع يا شيخ،
ولكن هل يطلقون على ما أصله الإرفاق والإحسان من التبرعات غررا؟ هذا هو السؤال، أما أنا فحسب التتبعات، وفوق كل ذي علم علم الله، أعرف أنهم يطلقون على هذا غررا.
الشيخ الصديق الضرير:
هذا موجود في كل كتب الفقه التى اطلعت عليها وفي كل المذاهب عندما يتحدثون عن أثر الغرر يذكرون العقود التى يؤثر فيها الغرر والتى لا يؤثر فيها. فهم بإجماع اتفقوا على أن عقود المعاوضات تقاس على عقد البيع إذا كان فيها غرر، ثم تحدثوا عن بقية العقود ومنها عقود التبرعات هذه، فتحدثوا عن الغرر في الهبة وهي من عقود التبرعات بنصوص صريحة في كل المذاهب، وهي موجودة عندي. فما من شك أن العقد من حيث هو سواء كان معاوضة أو تبرعا أو حتى عقود الزواج، عقد الزواج تحدثوا عن الغرر فيه، فكلها يدخلها الغرر لكن هل يؤثر فيها جميعا أو لا يؤثر؟ هب هو الفارق، والواقع أننا نحن في السودان بدأنا، ولعل شركة التأمين في السودان والتى أشار إليها الأخ الزحيلى هى أول شركة تأمين تعاوني هي قامت على هذا الأساس ولها نظام مكتوب ووضع فيه كل ما يجنبها المسائل العرضية التي تدخل على عقد التأمين، مثل موضوع الربا، هذا ليس من أصل العقد، فمسألة عرضية قد توجد وقد لا توجد، ولكن الذي يدخل في أصل العقد هو الغرر ولم نجد مخرجا من هذا إلا بتحويل عقد التأمين من عقد معاوضة إلى عقد تبرع، ولذلك عندما أنشئت شركة التأمين التعاونى بهذا الأساس وقلنا أن رأس مال هذه الشركة هو الاشتراكات ولا نريد رأس مال من الخارج، ما فيه مؤسسين لهذه الشركة، لكن اصطدمنا بالواقع القانونى الذى يشترط في كل شركة أن يكون لها رأس مال ومؤسسون. فوافقت الهيئة على أن تقوم الشركة بحيث تتفق مع المتطلبات القانونية وجعل لها رأس مال دفعه البنك ومعه شخص أو شخصان لكى تتم العملية من الناحية القانونية. لكن اشترطنا على رأس المال هذا ألا يستفيد مطلقا من عمليات التأمين، بل استفادت الشركة من رأس المال هذا، بأن أصحاب رأس المال قبلوا أن يوضع نص بأنه إذا حصل عجز ونقصت الاشتراكات عن التعويضات، الشركة تأخذ من رأس المال هذا بصفة قرض لتسدد به العجز لأننا اصطدمنا بمشكلة عملية أنه حسب القاعدة في التأمين التعاونى أنه إذا حصل عجز نرجع على المشتركين، والمشتركون آلاف فكيف نرجع عليهم؟ حلت هذه المشكلة بأن وافق أصحاب رأس المال على أن يكون رأس المال هذا أيضا بمثابة تأمين لهذه الشركة في حالة إذا ما حصلت خسارة والحمد لله لم تحصل خسارة في هذه السنوات الثمانية. فالشركة ماشية الآن ووزعت أرباحا على المشتركين في العام الماضى بمقدار ٨ % لأن هذا فاض، الأموال تستثمر وتدفع التعويضات، فحصل ربح زيادة على الاحتياطات الموجودة.
стр. 624
ثم وضعنا في نظام الشركة هذه ما يميزها عن الشركات الأخرى، فيها جمعية للمشتركين لأنهم أصحاب الشركة، وهذا لا يوجد في أي شركة تجارية أخرى، المشترك ليس له غرض ولا يسأل عن أخيه في الشركات التجارية لأنه يتعاقد مع أصحاب رأس المال، لكن هنا، المشتركون يعرفون بعض ويجتمعون كل سنة وتصدر منهم توصيات فيما يتعلق بسير هذه العملية، فسار العمل والحمد لله في كل هذه السنوات، والعقبة التى اصطدمنا بها هي موضوع إعادة التأمين وهنا طبقنا أيضا نفس القاعدة، والتى هى قاعدة الغرر، لإعادة التأمين لم نجد في ذلك الوقت شركة إعادة تأمين إسلامية، فليس هناك إلا الشركات التجارية، شركات إعادة التأمين، أيضا صدرت فتوى بجواز إعادة التأمين في الشركات التجارية عملًا بمبدأ الحاجة، ومبدأ الحاجة التى تجعل الغرر غير مؤثر لأنه ليست هناك شركة إسلامية يمكن أن يعاد فيها التأمين، وتبين لنا من أقوال المتخصصين في التأمين أنه لا يمكن قيام شركة تأمين من غير أن تعيد التأمين في شركات أخرى لأنه سيكون مصيرها الفشل والخسارة، وناقشنا هذا الموضوع طويلا ثم أصدرنا هذه الفتوى بقيود وهى مدونة في كتابى "فتاوى" وسوف أعطيكم نسخة منه، هذا فيما يتعلق بإعادة التأمين. وأنا في رأيي أن هذا الموضوع أصبح الآن موضوعا عمليا، شركات التأمين التعاونية انتشرت الآن في أكثر من بلد، وأصبح الآن موضوعا عمليا، شركات التأمين التعاونية انتشرت الآن في أكثر من بلد، وأصبح المطلوب هو تنمية هذه الشركات وتقويتها والخروج من الحرج الذى نحن فيه بإعادة التأمين في شركات أجنبية. في الواقع أننا عندما أصدرنا هذه الفتوى اشترطنا على البنك أن يسعى لإقامة شركة إعادة تأمين، والآن والحمد لله بدأت هذه الشركات، توجد شركات إعادة التأمين إسلامية، بعض شركات التكافل، وتوجد شركات يمكن الاخ الذي تكلم عن البديل، يتحدثون عنها في البحرين أيضا شركة إعادة تأمين، لكنها لا تكفي. وأنا في رأيى أن المطلوب من هذا المؤتمر أن يوصي بالإكثار من إنشاء شركات التأمين التعاونية، والتعاون فيما بينها للخلاص من إعادة التأمين في الشركات التجارية، والنظر فيما تقوم به هذه الشركات، قد يكون فيها بعض المسائل التى تحتاج إلى تعديل هذا هو المطلوب الآن في رأيي، أما البحث في جواز التأمين التجاري أو عدم جوازه، في رأي أن هذا الموضوع تخطاه الزمن وما دام وجدت الآن الشركات الإسلامية، وهي من غير شك، على أقل تقدير، أقرب إلى القبول من الشركات التجارية، فلا معنى للبحث في جواز التأمين في الشركات التجارية بعد أن وجد هذا الآن ونجح والحمد لله، فمهمتنا ينبغي أن تنحصر في تحسين ما بدأنا فيه، وأكتفي بهذا. وشكرًا.
الرئيس:
الشيخ أحمد لديه استفسار بسيط.
стр. 625
الشيخ أحمد حمد الخليلى:
أستفسر عن المشتركين في هذا التأمين التعاونى. هؤلاء المشتركون هل يعتبرون ملاكا يملكون هذه الشركة أو يعتبرون متبرعين، أخرجوا ما دفعوه من ملكهم تبرعا واحتسابا؟
الشيخ الصديق الضرير:
هم متبرعون، وهم في نفس الوقت كما قلت أصحاب الشركة، لأنه لهم جمعيتهم، جمعية للمشتركين تستطيع أن توصى بكل ما تراه فيه المصلحة لهذه الشركة، والذين يديرون الشركة لا يملكون الشركة، هم موظفون يتقاضون مرتبات، فالأصحاب الحقيقيون للشركة هم المشتركون، وهذا هو الأساس في التأمين التعاونى، حتى يعبر عنه بأنه المؤمن والمؤمن له واحد.
الرئيس:
شكرًا، ونحن إن شاء الله تعالى غدا سنستكمل البحث ولكن قبل أن نستكمل البحث أعطي الكلمة للشيخ معروف مع أملي بمراعاة الزمن لأننا ملتزمون أولا بأداء الصلاة ثم وراءنا التزام وبقية البحث والمداولة إن شاء الله سنكملها غدا بإذن الله تعالى.
стр. 626
الشيخ معروف الدواليبى:
شكرا سيادة الرئيس.. وأنا كعادتى سأتكلم كلمات برقية سريعة. كنت أريد أن أقصر كلامي على التعاون الذي جرى حوله البحث أولا في التجاري ولكن سؤال فضيلة استاذنا الجليل الشيخ أحمد الخليلى طلب معلومات عن التأمين الاجتماعي، ولما كان التأمين الاجتماعي قد جرى في المملكة هنا وطبقناه وكنت مشرفا على وضع قانونه وقد حدث في الأول خلاف حوله ما بين إخواننا السادة العلماء من خمس عشرة سنة ولكن كلفت بشكل رسمي وبقينا مع المرحوم الشيخ عبد الله بن حميد وسماحة الأستاذ الشيخ عبد الله بن باز نحو ستة أشهر حتى اتضحت لهم الأمور وخرجنا بالتأمين الاجتماعي.
الرئيس:
الذى هو تعاونى.
الشيخ معروف الدواليبى:
الذى هو قائم الآن في المملكة العربية السعودية، التأمين التعاوني للعمال طال عمرك، يعني هو القائم الآن، وصدر كتاب من المرحوم الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ عبد العزيز بن باز إلى الملك وأشرفنا على المواد كلها وصدر. وسوف أتكلم أيضا عنه بسرعة، وكما أتكلم عن البقية، فأولا هناك أيها السادة تنوير لمن لم يقرأ شيئا أو قليلا عن التأمين. التأمين الآن بشكل عام هو حاجة في العالم ولا يمكن لأحد أن يبيع تجارة أو يركب سيارة في أوربا إلا وهناك القانون إجباري وأصبح العرف به قائما ويؤمن حاجة حتى راكب السيارة لو قلت ما فيه سائل هو لا يرغب لأنه قد تحدث حادثة ويذهب فيها هو والآخرون ولذلك يجد أن من مصلحته أن يؤمن والدولة تجبره.. الخ، فالتأمين في العرف الدولى في العالم أصبح حاجة ضرورية.
فأبدأ بالتأمين الاجتماعي الذي قام في المملكة وبموافقة السادة العلماء فإذا كان التأمين المعروف دوليا هو التأمين التجاري ثم التأمين التعاوني ثم التأمين أيضا الاجتماعي الذي تفرضه الدولة بدون الشركات، التأمين التعاوني يجري ما بين أصحاب العلاقة بشكل رضائى ويضعون دستوره، ولعل من أكبر شركات التأمين في الغرب الآن هى الشركات، بعض الشركات التعاونية، هى شركة تضع دستورها ومنها شركة "نيويورك لايف" ومعها "مشوال" كذلك هذه من أكبر الشركات وهي تعاونية ولكن هم شركة فيما بينهم أصحاب العلاقة، بمعنى أنهم ما يجمعونه من أقساط سنوية حسب الحاجة قد يرفعونه فيما بينهم بالاتفاق إذا أدت الحاجة، وقد يهبطون بالحصص عندما يجدون عندهم وفرا. أما الشركات التجارية فهى أيضا، ولكن هنا في التعاونية ليس فيه ربح لأحد، وإنما في الشركات التجارية فيه ربح. أما فيما يتعلق بالتأمين الاجتماعي فهو ما تفرضه الدولة على أصحاب العلاقة ويدار من قبل موظفين والدولة تزيد أو تنقص عن طريق الفرض على أصحاب العلاقة ليتأملوا الحاجة التى تدعو إليها لأصحاب العلاقة، ونحن هنا في المملكة العربية الواقع خرجنا بنوع جديد في التأمين الاجتماعي، فأوجدنا تأمينا اجتماعيا ما بين أصحاب العمل والعمال بفرض من ولي الأمر.
الرئيس:
تقصد مؤسسة التأمينات الاجتماعية، هكذا اتضحت الصورة.
стр. 627
الشيخ معروف الدواليبى:
نعم يا سيدى، ولكننى أحب أن أعطي صورة عنها للإخوان ولن أزيد أكثر من ذلك، فهو نوع جديد من التأمين الاجتماعى في المملكة وأدى الغرض، إلا إن الشيء الجديد فيها أن الدولة قالت عندما تعجز المخصصات التى فرضها ولى الأمر جزء من راتبه وجزء من أرباح الشركة لمصلحة العامل وما يصيبه من أحداث في حياته أو مرضه أو في عطله، فالدولة هي التى تتبرع عندئذ إذا عجز. وأقول لكم عندما وضعنا هذا القانون وأعطينا للعمال ما لم يعط الموظف في أي دولة من الدول، فوضع العمال عندنا الآن هو خير من وضع الموظفين، وتجنبنا كل حركة عمالية وشيوعية يمكن أن تدخل إلى قلب العمال بل جاءني مندوب الشرق الأوسط في الشئون الاجتماعية للحكومة بالولايات الامريكية ويقول إننا دهشنا كيف استطاعت المملكة أن تصدر مثل هذا القانون أو النظام في التأمين الاجتماعي الذي أعطت فيه للعمال ما لم تستطع أن تعطيه اياه الدول اليسارية في المنطقة، وأذكر أن مظاهرة قامت من العمال اليساريين في لبنان في ذلك الوقت وقالت تتطالب الحكومة اعطونا ما أعطته الدولة الرجعية المملكة السعودية لعمالها، والمرحوم الملك فيصل لما جاءته أنباء المظاهرة فيها الخبر تبسم من قلبه، الواقع أننا عملنا عملا كان فيه الخير لهذه البلاد وفيه مصلحة، شيء واحد الذين وقفوا أمام التأمينات الاجتماعية بعد أن عملناه هى شركات الأجانب التى تعمل هنا وكانت بصورة خاصة شركة التابلاين، لأنه ما كان منه عندنا بعض مصانع منذ خمس عشرة سنة كانوا العمال المؤمنون هم فقط الذين يدخلون شركة التابلاين وحسب القوانين لا تستطيع شركة التابلاين أن تقبل عاملا بدون أن تؤمنه في أمريكا، لا تقبل موظفا حتى لا تكون مسئولة، وفى السنة التى أعلنا وجدنا أنها تدفع عشرة ملايين دولار في السنة عن العمال فقط السعوديين ولكن تذهب إلى شركة أجنبية. طبعا ونحن بصورة عامة أيضا لا نشتري من الدبوس إلى الطيارة ولا أحد يبيعنا لنأتي بها من الخارج وندفع بها التأمين شئنا أو أبينا، فالتاجر لا يبعنا، الطيارة الآن لا يبيعونها قبل ما تؤمن وقبل نقلها ولا الدبوس التاجر لا يبيعه قبل أن يؤمن ما دام سينقل. فنحن إذن في كل الأحوال ندفع التأمين وعمليا تذهب إلى الشركات الأجنبية. فلما أصررنا على الإخوان بضرورة إقامة التأمين ونبدأ بالتامين الاجتماعي لأننا ننقل عمالنا السعوديين الذين يدفع عنهم عشرة ملايين دولار إلى شركات أجنبية صهيونية كما قال الأخ ونريد أن نجعلها هنا من أجل العمال وتبقى في أراضينا.
стр. 628
وأجبرنا عندئذ أيضا المهندسين الأمريكان لأنهم يدفعون هناك وقلنا إنه عندما يكون لدينا شركة تأمين اجتماعية فكنتم تأخذون من عمالنا وتضعونها في أمريكا أما وقد أقمنا مؤسسة هنا، ولذلك فالمؤسسة تأمين اجتماعي أصبحتم ملزمين أن تمشوا مع العمال فاحتجوا ومن مهازل الدهر أنهم تمكنوا، لأنه وضعنا وقلنا أن الأجنبي ينال نفس الحقوق لأنه في ذلك لما ضمنا أيضا التأمينات الاجتماعية التى يأخذها المهندسون غير العمال السعوديين الذين رواتبهم بسيطة المهندسون والاخصائيون ضماناتهم الاجتماعية أكثر بكثير. ولما أصررنا على أن المؤسسة هنا وطنية والشركة التابلاين وطنية إذن كلهم يجب أن يجروا التأمين هنا وإلا لن نسمح بها، فعندئذ خضعوا ولكن ذهبوا وأثاروا علينا رجال الأعمال قبل أن يكون عندهم مصانع وتقدموا إلى جلالة الملك ﵀ وقالوا لماذا تدخلون الأجانب وتلزموننا نحن أن ندفع لهم تقاعدًا، فاجتمعنا بهم وبعدها فهمنا أن شركة "التابلاين" هى التى حاولت أن ترسل رجال الأعمال أن أخرجوا الأجانب على الأقل ولكن أجبرناهم، واليوم عندكم شركة التأمين الاجتماعية في هذه السنة كما نشر فقط عن التعويضات التى دفعتها، أولا أغنى مؤسسة عندنا هنا جمعت المليارات وأصبح عندها أملاك وخيراتها تعود على العمال ويمكن أن تزيد دائما في مصالحه وربما سوف تبني لهم مساكن وسوف تبني لهم مستشفيات، لكن في هذه السنة الأخيرة، كما نشر قريبا في الصحف ما دفعته من تعويضات أو تأمينات صحية أو عمالية أو إصابية وأيضا من أجل الوفاة ومن أجل أيضا البدل العائلى.. الخ، التأمين الاجتماعي في جميع نواحيه وجدناه بلغ خمسمائة مليون، هذه كان العامل السعودى ممنوعا عنها وما كان يدفع من تأمين عن عمله فقط فيما إذا أصابته مصيبة دون أن يكون له تأمين عائلى كلها كانت تذهب إلى أوربا. ولذلك هذه المؤسسة أدت خدمات كبيرة جدا والحمد لله أن إخواننا العلماء وافقوا عليها.
стр. 629
ننتقل الآن بعد هذه الفكرة الموجزة إلى كلمات لن تكون إلا أقصر منها فأقول أن التأمين أولا واقع شئنا أو أبينا، والأصل في المعاملات المدنية في الشريعة الإسلامية كما تعلمون أيها السادة الجواز ما لم يكن هناك نص. وكل شرط كان مزيلا للنزاع لأن الشروط القصد منها إزالة النزاع من العقود فكل شرط كان سببا من الأسباب التى تزول فيه أسباب النزاع كان مقبولا. ولذلك العقود عندما تعقد بشكل عام الآن (أنا لا أقول بالشركة التجارية ولا بالتعاونية) العقود تلزم أصحابها وإذا كان هناك شروط قد لا تكون معروفة من قبل ولكنها وجدت لتزيل النزاع فهي لا شك أنها مقبولة. ولذلك هنالك الغرر الذى تفضل به بعض الإخوان بشكل عام وإن كنت أرجح أن نقول بالتأمين التجاري ندخله في التأمين الاجتماعي إضافة إلى التأمين الاجتماعي ولكن عن طريق مؤسسة عامة كما جعلناها في التأمين الاجتماعي وتفرضه الدولة ولي الأمر على أن يدفع فليست عندئذ تجارية وليست اجتماعية ولكن ولى الأمر وجد من المصلحة أن يوزع المصيبة عند الاقتضاء من فرض ضريبة من قبل ولى الأمر حتى إذا أصابت أحدا في تجارته مصيبة يجد هناك تعويضا وفي هذا الشكل نكون تجنبنا التجارة وتجنبنا أيضا الموضوع التعاوني الذى يخضع للزيادة والنقص وفتحنا مجالا بأن تكون شركة التأمين التى توجدها الدولة كما أوجدت مؤسسة التأمينات الاجتماعية توجد مؤسسة التأمين التجارية من قبل ولي الأمر تفرض على كل من يشتري أو يبيع أن يؤدى جزءا دون ما تدفعه في الحقيقة إلى شركات أجنبية لأننا إذا بعنا أيضا من عندنا أشياء فالشركات الأجنبية لا تقبل إذا أرسلنا سمادا إلا أن يكون مدفوع التأمين خشية أنه في الطريق أن يفقد. ولذلك أن بعنا من عندنا مضطرين إلى أن نؤمن وإذا اشترينا مضطرين إلى أن نؤمن، فأتمنى لو نطلب إقامة مؤسسة من قبل الدولة أيضا تجارية وهي نوع من الأنواع. لذلك كل ما أبدى من ملاحظات حول الغرر، الغرر له تأثير على العقود عندما يؤدى إلى النزاع.
وأما ما ذكره فضيلة أستاذنا الجليل التميمى ما ذكره من منازعات تنشأ، الواقع، نشأت في الواقع من الاحتيال من أحد المؤمنين ولم تنشأ بسبب العقود مع أن العقود إذا جرى فيها غرر، وجرى عليه العرف كما إذا استأجر أرضا لأجل الزراعة ولكن لم يشأ الله أن تنبت تلك السنة، فيكون دفع الإيجار فالغرر موجود ولكن هذا جرى عليه العرف ولم يعد مكانا للنزاع ولكن الغرر الأصل في العقود يؤثر على العقد إذا كان يؤدى إلى النزاع أما إذا جرى العرف على أنه لم يعد فيه مجال للنزاع فلا بأس به وأكتفى بهذا القدر تنويرا للموضوع.. وشكرًا.
стр. 630
الرئيس:
شكرًا فضيلة الشيخ، والذى أحب أن التأمينات الاجتماعية في الذى يظهر لي أنه لا دخل لها في موضوعنا هذا لا من قرب ولا من بعد. وهذا طيب أيدتمونى على هذا على كل حال فيه إنارة وإحاطة للذي حصل وعلى كل أحب أن يفهم الإخوان أنه لا دخل لها في موضوعنا لا من قرب ولا من بعد هذا رقم واحد.
رقم اثنين: يظهر لي أن لدي فضيلتكم ضمنيا بأن التأمين غير مقبول شرعا نظرا لاقتراحكم بالبديل، هو تأمين تجاري حكومي في كل دولة فهذا قد يكون فيه تأييد ضمني للقول بالمنع شرعا. وعلى كل ما تفضلتم به هو وجهة نظر وأرى أن ما يتعلق بالبديل سنعقد له جلسة خاصة بإذن الله. وأشكر لمعالي الشيخ ولجميع الإخوة وفى الجلسة الصباحية إن شاء الله تعالى نستأنف البحث عن بقية هذا الموضوع ومن بعده يأتي البحث في البديل.. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. ومعالي الأمين.
الأمين العام:
أريد قبل أن نفارق هذه القاعة أن أشير إلى أن قضية إعادة التأمين والتفكير فيها لنتوقى التعاون مع شركات إعادة التأمين الأجنبية لعل البت فيها يتم بحول الله في مؤتمر وزراء الخارجية الذي سينعقد بفاس في الأيام القريبة القادمة. وشكرًا لكم.
стр. 631
الجلسة الصباحية
١٣/٤/١٤٠٦ = ٢٥/١٢/١٩٨٥
الساعة: ٩.٣٠ – ١٣.٢٠
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،
فإن جلستنا هذه تعتبر استئناف عمل امتدادا للجلسة المسائية في بحث التأمين وقد صار استعراض البحوث المعدة في التأمين وسماع بعض المداولات وفى هذه الجلسة نود أن نسمع من الشيخ عبد اللطيف صالح الفرفور مختصرا لبحثه في التأمين دون البديل، لأن البديل سيكون له مناقشة مستقلة، فسواء البحث المقدم من قبل الشيخ عبد اللطيف جناحى أو البحث المقدم من قبل الشيخ عبد اللطيف الفرفور أو وجهة النظر المقدمة من بعض الإخوة فإن البديل سيكون له جزء من الوقت مستقل بنفسه، ولهذا أرجو من الشيخ عبد اللطيف أن يقتصر على ما يتعلق بالتأمين فقط.
стр. 632
الشيخ عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم.. شكرًا معالي
الرئيس.. الذى يبدو من ظواهر الأدلة التى احتج بها الفريقان، أن أدلة من ذهبوا إلى تحريم عقود التأمين هى أقوى استنباطا وأتم دلالة وأمتن احتجاجا وأرسخ ارتباطا بنصوص الشريعة ومقاصدها وقواعدها العامة وذلك للأمور التالية:
أولًا: المجوزون للتأمين اعتمدوا في أدلتهم استنادات قياسية استنبطوها من استنتاج الفقهاء المجتهدين، بينما القائلون بحرمته استندوا على نصوص تشريعية وقواعد أساسية أجمع المجتهدون على الأخذ بها والعمل بمقتضاها والفرق واضح بين الاستدلالين.
ثانيًا: المجوزون للتأمين اعتمدوا على تعليلات وتأويلات في الجواز أقل ما يقال فيها أن فيها معنى الغرر المحرم، بينما اعتمد القائلون بالحرمة نصوصا قطعية تحرم الغرر، وفرق كبير بين الأمرين.
ثالثًا: من القواعد المقررة شرعا، إذا تعارض المحرم والمبيح قدم المحرم وكذا تعارض المانع والمقتضى قدم المانع، لذا نأخذ بجانب الحرمة بعقود التأمين باعتبار أنه يتعارض مع الجانب المبيح على افتراض وجود التعارض، ولا تعارض لظهور أدلة المحرمين.
رابعًا: رد القائلون بالتحريم على المبيحين في مسألة القياس على نظام العواقل ونظام التقاعد والمعاش وعقد الموالاة بأنها عقود تعتمد التبرع والدافع الذاتى والمساهمة في أوجه الخير، ولا كذلك نظام التأمين التجاري القائم على الاسترباح والاستغلال وابتزاز الأموال، وكذلك رد القائلون في التحريم على المبيحين في استدلاهم بالاتفاق بمرتب عمري عند المالكية بأن أشهب قال: أكره ذلك، وهو عند المالكية اصطلاح في المنع لا في الإباحة كما قالوا، لذا فإنه يصبح دليلا للمحرمين لا عليهم.
خامسًا: واستدلالهم بقول مالك رضى الله عنه لا يفيدهم لأن مدة الاتفاق معينة هناك وفي عقد التأمين مجهولة فلا يصح.
سادسًا: وكذلك ردوا على المبيحين في استدلالهم بضمانهم لخطر الطريق عند الحنفية بأن هذا تغرير لا غرر، وفي التغرير يضمن.
سابعًا: وردوا على قاعدة الالتزامات عند المالكية بأن ذلك المتحمل معلوم وهذا المتحمل في عقد التأمين غير معلوم فحصل الغدر فبطل القياس.
ثامنًا: وكذلك ردوا على المبيحين بأن الغرر غير مؤثر بقولهم أن الغرر هنا مؤثر في صحة العقد لأنه ينبنى عليه أكل مال كثير بالباطل في جمهور غفير من الناس ليربح أناس ربحا فاحشا على أكتاف الآخرين بلا سبب مشروع.
تاسعًا: وأما عقد الاستئجار على الحراسة فلا يجوز القياس عليه هنا لأنه قياس مع الفارق، فهناك العقد قائم على عمل وهو الحراسة وبذل الجهد واليقظة وليس في عقد التأمين أي عمل تقوم به الشركة لقاء دفع الخطر عن المؤمنين المساكين.
عاشرًا: أما قول الدكتور السنهورى أن الضرورة تبيح التأمين للضرورة مع الغرر كما ذهب إليه مالك، فإن المحرمين قالوا لا نسلم بالضرورة هنا ولا بالحاجة مطلقا لأن الأمة الإسلامية تستطيع أن تتخلص من هذا النظام الاستغلالي إلى تأمين من صنع الشريعة الإسلامية ومن قواعدها وليس في ذلك أي حرج ولا مشقة فيما إذا أراد المسلمون بصدق أن يحكموا شريعة ربهم.
стр. 633
رأينا في عقود التأمين نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، هل في عقد التأمين غرر؟ الجواب نعم، وليس غير الغرر في نظرى دليلا ظاهرا يناطح الخصم ويظهر عليه ويشهد لذلك علماء القانون الذين عدوا بالإجماع هذا العقد من عقود الغرر. وقد مر أنه من العقود الاحتمالية في خصائصه، والغرر إذا استطاع المبيحون أن ينفوه عن أحد طرفي العقد المؤمن فلابد في أن ينتفي الغرر بالنسبة للمستأمن أيضًا، وهو ما لم يستطع المبيحون أن يثبتوه بوجه ما، ثم هل الغرر في التأمين كثيرا مانع أم لا؟ ضابط الغرر الكثير لدى الفقهاء هو ما غلب على العقد حتى صار العقد يوصف به. وأرى مع أخي الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير حفظه الله في كتابه القيم الغرر وأثره في الفقه الإسلامى أن هذا الضابط ينطبق على عقد التأمين، فإن من أركان عقد التأمين التى لا يوجد دونها الخطر والخطر هو حادثة محتملة لا تتوقف على إرادة أحد الطرفين، ولذا لا يجوز قانونا التأمين إلا من حادث مستقبل غير متحقق الوقوع، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين ومن الخصائص التى يتميز بها ومما يدل على أن الغرر تمكن من عقد التأمين وأصبح صفة لازمة له، أن كثيرا من القوانين تذكره تحت عنوان "عقود الغرر". ثم هل هناك حاجة أو ضرورة لعقد التأمين تجعل الغرر الذي في عقد التأمين غير مؤثر، من المعلوم أن الحاجة أدنى من الضرورة منزلة إذ يلزم بلزومها الحرج والضيق ويشترط أن تكون الحاجة لاعتبار الغرر غير مؤثر أن تكون عامة أو خاصة وأن يكون ذلك العقد متعينا لسد تلك الحاجة بحيث لو أمكن سد الحاجة عن طريق عقد لا غرر فيه فلا يصح اللجوء إلى العقد الذي فيه غرر، والذي يبدو لى أن الحاجة عامة لعموم البلوى ولكن عقود التأمين بقسط ثابت ليست متعينة لسد تلك الحاجة، وهذه ناحية مهمة جدًا، فالذي تقتضيه قواعد الفقه الإسلامى منع هذا العقد لما فيه من غرر كثير من غير حاجة ملجئة، إذ من الممكن أن نحتفظ بعقد التأمين في جوهره ونستفيد بكل مزاياه مع التمسك بقواعد الفقه الإسلامي وذلك بإبعاد الوسيط الذي يسعى إلى الربح وجعل التأمين كله تأمينا تعاونيا خيريا بحتا تتولاه الحكومات في البلاد الإسلامية بكافة أنواعه فتجعل له منظمة تشرف عليه على أن يكون المعنى التعاوني بارزا فيه بروزا واضحا وذلك بالنص صراحة في عقد التأمين حينئذ على أن المبالغ التى يدفعها المشترك تكون تبرعا منه للشركة يعان منها من يحتاج للمعاونة من المشتركين حسب النظام المتفق عليه.
стр. 634
فالخلاصة: انى أكره تحريما كل عقود التامين التبادلى والتجاري لما فيها من الغرر ولزوم ما لا يلزم شرعا ولعدم الحاجة إليها عينا. وحكم التأمين التجاري كعقد، الفساد، لتمكن الغرر منه وفكرة الاسترباح ولزوم ما لا يلزم شرعا. وحكم عقد التأمين التبادلى الجواز مع الإثم، هذا كله في التأمين التجاري والتعاوني أي التبادلي فقط، علما بأن كل عقد فاسد شرعا عقد ربوي. أما التأمين الاجتماعي الذي تقوم به الحكومات فهو جائز شريطة خلوه من الربا نهائيا. وأما صور التأمين الأخرى الجديدة التى ابتدعها الغرب ولم نصل إلى معرفة حقيقتها بعد بشكل مفصل فهي تحت مجهر البحث العلمى ولكل عقد منها حكمه الشرعي حسب ما تقتضيه طبيعته وخصائصه.
ثانيًا: إعادة التأمين في الفقه الإسلامى كما توصلنا إليه. رأينا من تعرض لعقد التأمين المباشر من الفقهاء الإسلاميين وأدلى بدلوه في هذه القضية ولكنا لم نر من تكلم في هذه المسألة المتفرعة عن عقد التأمين المباشر فيما رأيته أنا شخصيا إلا وهي عقد إعادة التأمين من الفقهاء المسلمين القدامى ولا المعاصرين، والذي يبدو لنظري والله تعالى أعلم أن هذا العقد الفرعي هو كعقد التأمين المباشر يسرى عليه ما يسرى على الأصل من الأحكام الرئيسية كما ذكر علماء القانون في التكييف الفقهى لهم. لذا فإنه يأخذ الحكم الشرعى الذى يتناول عقد التأمين المباشر بقسط ثابت كما مر آنفا ولا يتصور هنا في إعادة التأمين وجود عقد تعاوني ذى هدف إنسانى محض حتى نقول بجوازه، فلا عقد إعادة التأمين تعاونى في القانون، لذا فلا حكم له في الشرع.
وعلى هذا فالقائلون بالإباحة المطلقة لعقد التأمين المباشر يقولون بمثل ذلك لعقد إعادة التأمين، والقائلون بالمنع المطلق للأصل يقولون بمثل ذلك العقد المتفرع عنه، والقائلون بالانتفاء يقولون بمثل ذلك لكل ما يشمل التأمين المباشر وإعادة التأمين، والقائلون بالكراهة للتأمين المباشر يقولون بمثل ذلك لعقد إعادة التأمين. أما ما يبدو لنا فهو ما ذكرناه من القول بالكراهة لكل عقد تأمين مباشر بقسطه الثابت وما يتفرع عنه من عقد إعادة التأمين في جميع صوره واشكاله تبعا للأصل، والكراهة هنا تحريمية وقد قلنا بها تأدبا مع الشريعة المطهرة بألا يقال حرام إلا لما جاء تحريمه بالنص القطعي فقط وما عدا ذلك فقد اعتادالعلماء من قبل أن يقولوا نكره كذا بما يرون تحريمه ونحن نقول: نكره العقد الأصلى أو نكره العقد الأصلى التعاوضى وما يتفرع عنه من عقد إعادة التأمين، قلت هذا ما ظهر للعبد الفقير لله تعالى والله تعالى أعلم، وكتبه خادم العلم الشريف. أخوكم.
الرئيس:
شكرًا وبهذا انتهى استعراض البحوث المعدة في التأمين وحصل طرف من المداولات حولها بالأمس ولعله من خلال جميع ذلك يمكن لى أن أعلن ما اتجهت إليه الأنظار بعد مستخلص للآراء في ذلك.
стр. 635
الشيخ محمد على التسخيرى:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أرجو أن يركز الإخوة وطبعا الإخوة ركزوا ولا ريب لكنه جانب أرجو التركيز عليه وهو أن الغرر لو وقع على ما وقعت المعاوضة عليه فيمكن التسليم بأنه مضر أما ما وقعت المعاوضة عليه في هذا العقد فهو واضح لدى الطرفين بشكل كامل. نعم هناك لواحق فيها غرر، نتصور أن الغرر فيها لا يؤثر على الإبطال. هنا لو شخصنا الطرفين في المعاوضة لما رأينا أيا منهما لا المتعاقدين ولا العوضين يتطرق إليه الغرر. الشيء الآخر، الغرر هنا المطروح في التأمين التجاري موجود في التأمين التعاونى والتأمين الحكومى وهو أشد قربا من مسألة التأمين التعاونى ورأيت أن الكثير من العلماء قبلوا هذا التأمين الحكومى، يعنى أن تكون الحكومة هى المنشئة لشركة التأمين وحينئذ فما يعود يعود على المجتمع وروح التبرع المذكور في التأمين التعاونى.
الرئيس:
كلمة بسيطة يا شيخ.. وإذا قبلت أحد الجهات يكون حجة على الشرع.
следующие страницы →