وزيادة الثمن للأجل جائزة، وليست ربا محرما كما وهم بعض الناس، وقد دافعت عن ذلك نقلا وعقلا في غير هذا الموضع " انظر مقالي بمجلة الأمة: القول الفصل في بيع الأجل ص ٥٤: وكتابي: الربا والحسم الزمني ص ٣٣) .
ولكن زيادة الثمن للأجل قد تصير حراما إذا اتخذت ذريعة للربا الحرام. فالبائع قد يبيع بثمن مؤجل مقداره مائة، ثم يخصم هذا الثمن (الممثل بورقة تجارية: سفتجة أو سند إذنى) لدى مصرف، فيحصل مثلا على تسعين في الحال. فالبيع بثمن مؤجل أعلى من المعجل جائز، ولكن قيام البائع بخصم الثمن المؤجل لدى المصرف حرام، لأن من شأنه أن المصرف يقرض البائع تسعين حالّة في مقابل مائة مؤجلة، وهذا ربا قرض أو ربا نسيئة محرم.
وقد تصير الزيادة في الثمن المؤجل على المعجل موضوعا لبعض الحيل الربوية، فيبيعه بثمن مؤجل ويشتري منه ما باعه بثمن معجل، أو يبيعه بثمن مؤجل إلى أجل معلوم، ويشتري منه ما باعه بثمن مؤجل إلى أجل معلوم أدنى من الأجل الأول، فهذا ينقل البيوع من بيوع أجل جائزة إلى بيوع آجال غير جائزة (بيوع عينة) . فلا بد إذن من التفريق بين بيوع الأجل وبيوع الآجال، وهذه العبارة الأخيرة استخدمها بعض الفقهاء (المالكية وغيرهم) للتعبير عن الحيل الربوية.
ومن هذا الباب حديث عائشة مع زيد بن أرقم، إذ بيع العبد بثمن نقدي مقداره ٦٠٠ دينار، ومؤجل مقداره ٨٠٠دينار (الأم ٣/٦٨، والمحلى ٩/٦٠، وبداية المجتهد ٢/١٣٩) . والخلاف بين العلماء في هذا الحديث ليس خلافا في زيادة الثمن المؤجل على المعجل، بل هو خلاف فيما وراء ذلك، حول بيع العبد بـ ٨٠٠ دينار مؤجلة وإعادة شرائه بـ٦٠٠ دينار معجلة.
وقد ميزت فيما كتبت سابقًا بين جواز البيع بثمن مؤجل أعلى من المعجل، وبين عدم جواز اتخاذ هذا الجواز سبيلًا إلى العينة أو بيوع الآجال، فحسبه بعض القراء من باب التناقض (أبو غدة ص٢١) .
стр. 5777
اختلاف صور المرابحة المصرفية من مصرف إسلامي إلى آخر
لا يمكن القول إن المصارف الإسلامية تستوي جميعا في موقفها من بيع المرابحة، بحيث تتفق على صورة أو صور موحدة منه. فهناك مصارف تطبق الإلزام بالمواعدة على كل من المصرف والعميل، فيلتزم المصرف بشراء السلعة وبيعها إلى العميل، كما يلتزم العميل بشراء السلعة من المصرف. وثمة مصارف أخرى تطبق الإلزام بالوعد على المصرف فقط، دون العميل. فإذا اشترى المصرف السلعة التزم ببيعها إلى العميل إذا رغب العميل في ذلك. وربما لا توجد مصارف تطبق عدم الإلزام، أي الخيار، بالنسبة لكل من المصرف والعميل، إلا أنه يمكن القول بأن المصارف التي تلزم نفسها دون العميل ليست بعيدة عن الخيار للطرفين، لأن المصرف غير ملزم بشراء السلعة، إنما يلزم فقط ببيعها إذا اشتراها.
وهناك مصارف تطبق الإلزام في المرابحات الخارجية، والخيار في المرابحات الداخلية (أبو غدة ص٦ و ١٤) .
وهناك مصارف تحدد الثمن الأول والربح منذ المواعدة (حمود: تطبيقات ص١٤) . ومصارف تحدد الربح عند المواعدة، ولكنها لا تحدد الثمن الأول إلا بعد شراء السلعة.
وهناك مصارف تشتري السلعة لنفسها أولا، وربما تودعها في مخازن لها، قبل بيعها، وهناك مصارف أخرى لا تشتري السلعة إلا بناء على طلب العميل، ولحسابه.
وربما أخذت المرابحة، في بعض الأحيان، صورة " اتفاق مسبق بين البنك وبعض الموردين على تصريف سلعهم "، فإذا اتجه العميل إلى المورد أرسله المورد إلى البنك لكي يصدر له أمر توريد، ويوكله في عمليات المرابحة (محمد عبد الحليم عمر ص ١٥) .
وقد تكون المرابحة بأن يمنح المصرف النقود للآمر بالشراء ليشتري السلعة بنفسه، ثم يبيعها لنفسه (حمود: تطبيقات ص١٥) .
وربما جرت المرابحة بأن يشتري المصرف سلعة ما من عميله بثمن نقدي، ثم يبيعها إليه بثمن مؤجل أعلى. وقد لا يكون مهما حضور السلعة أو غيابها في مجلس العقد، بل قد لا يكون مهما أن يكون وجودها حقيقيا أو موهوما، لأنها دخلت في المجلس لتخرج في المجلس نفسه (محمد فهيم خان ص٣) .
لقد أغرق بعض الفقهاء في الحيل، وزادها بعض " المنفذين " إغراقا، وجعلوا العملية أشبه باللعبة منها بالجد. وربما لهذا السبب يعتبر البنك المركزي المصري عملية المرابحة عملية قرض (شلبي ص٢٧) .
стр. 5778
هل المرابحة المصرفية عملية مستحدثة؟
زعم بعض الكاتبين أن المرابحة المصرفية عملية مستحدثة، إما لعدم اطلاعه على أقوال الفقهاء في هذا الباب، وإما لأنه أراد الذهاب فيها إلى مذهب آخر لا يوافق فيه مذاهبهم. وسنبين في هذه الدراسة أن شراء شيء بثمن نقدي وبيعه بثمن مؤجل ليس أمرا جديدا على الفقه الإسلامي، كما سنبين أن المواعدة في هذه العملية إذا كانت ملزمة لم يجزها أي مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة. وهذا دليل على أن العملية ليست مستحدثة.
ويبدو أيضًا أن العثمانيين قد لجأوا أيضا إلى المرابحة وأصدروا قانونًا سمى " قانون المرابحة العثماني في المسائل المدنية" (ذكره السنهوري في مصادر الحق٣/٢٤٨، وانظر أيضا نظام المرابحة في الجزء الثاني من مجموعة القوانين ليوسف صادر، ص ٢٦٢- ٢٦٣. وننقل نصه لعدم تيسر الرجوع إليه) :
نظام المرابحة
المادة ١- اعتبارا من تاريخ نشر هذا النظام تعين تسعة في المائة فائدة سنوية حدا أعظم لكل أنواع المداينات العادية والتجارية (١) .
المادة ٢- إن مقاولات الفائدة التي عقدت على حساب ١٢ في المائة قبل تاريخ نشر هذا النظام هي مرعية ومعتبرة إلى يوم إعلان هذا النظام.
المادة ٣- إذا تبين وقوع مقاولة على فائدة زائدة عن حدها النظامي، إما صراحة في السند بين الدائن والمديون، أو بثبوت ضمها إلى رأس المال، فيصير تنزيل مقدار الفائدة السنوية إلى تسعة في المائة.
المادة ٤- فائدة الديون مهما مر عليها من السنين، فلا يجب أن تتجاوز مقدار رأس المال، وجميع الحكام ممنوعون من الحكم بالفائدة التي تتجاوز رأس المال.
المادة ٥- إن إجراء الفائدة المركبة في الاقتراضات غير جائز إلا:
أولا – إذا لم يصر تسليم دفعات من طرف المديون في ظرف ثلاث سنوات على حساب المبلغ المستقرض.
ثانيا – إذا حصل اتفاق بين الدائن والمديون على ضم فائدة الثلاث السنوات التي صار إجراء تمشية حساب الفائض بها إلى أصل المال، فيمكن حينئذ تمشية فائدة مركبة لأجل ثلاث سنين فقط. وإن معاملات الفائض المركب الناشئ عن الحساب الجاري بين التجار توفيقا لأحكام قانون التجارة هي مستثناة.
стр. 5779
المادة ٦- إنه ما دامت معاملة الإقراض والاستقراض جارية بين الدائن والمدين، فسواء أريد نقل (لعله خطأ صوابه: قفل) الحساب أو تجديد سند الدين، فإن دعوى تنزيل الفائدة إلى الحد النظامي هي مسموعة، أما إذا صار أداء الدين وصار قطع المعاملات بين الدائن والمديون فإن دعوى استرداد الفائض الفاحش تكون غير مسموعة.
المادة ٧- إن نظام المرابحة المؤرخ في ١٦ أيلول سنة ١٢٨٠هـ (لعل صواب هذه السنة ١٨٨٠م) هو مفسوخ اعتبارا من تاريخ نشر هذا النظام.
المادة ٨- أن نظارة العدلية مكلفة بتنفيذ أحكام هذا النظام.
في ٩ رجب سنة ١٣٠٤ هـ
وفي ٢٢ مارس سنة ١٣٠٣ م (لعل الصواب ١٨٨٦م)
ومن هذا النظام نستنتج ما يلي:
١- أنه في أيام العثمانين قد صدر نظام مرابحة مؤرخ في ١٦ أيلول (سبتمبر) ١٨٨٠م، نسخه هذا النظام الجديد المؤرخ في ٢٢ آذار (مارس) ١٨٨٦م.
٢- الفائدة، والفائض (انظر المادة ٥و٦) ، والمرابحة في لغة هذا النظام أو القانون هي بمعنى واحد.
٣- المقصود بالمرابحة هو الزيادة في المداينة في مقابل الزمن.
٤- وقد تدخل القانون العثماني لوضع حد أعلى (سقف) لهذه المرابحة لا يجوز تجاوزه، كان ١٢ % قبل صدور هذا النظام، وصار في ظله ٩ %، وهذا المعدل لا يزال يعتبر في بعض القوانين العربية أعلى معدل فائدة مسموح به قانونا، وهو معدل فوائد التأخير في السداد الذي يكون أعلى من معدل الفوائد التعويضية.
٥- لا يجوز أن تتجاوز الفوائد مقدار أصل المال مهما كان أجل الدين. ومن شأن هذا بالطبع أن لا يتم الإقراض إلا لآجال قصيرة.
стр. 5780
٦- حدد القانون الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى الفائدة المركبة (= الفائض المركب)
وهذه الحالات هي:
أ – إذا تأخر المدين في دفع أحد الأقساط لمدة بلغت ثلاث سنوات، أو لم يسدد أي قسط خلال هذه المدة، لا نتيجة تأخير، بل نتيجة اتفاق.
ب – واتفق الطرفان (الدائن والمدين) على سريان هذه الفائدة المركبة لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات. ويلحظ أن القانون استخدم لفظ " التمشية " بمعنى اللفظ المستخدم اليوم وهو " سريان " أو " تحقيق سريان ".
جـ – الحسابات الجارية بين التجار.
٧- لا تسمع دعوى تنزيل الفائدة إلى الحد النظامي إذا تم سداد الدين، وصفي الحساب بين الطرفين، ولم يبق منه شيء.
هذا ويلاحظ أن مجلة الأحكام العدلية، وهي القانون المدني العثماني، قد سكتت عن أي نص فيها يحرم الربا. وسادت أيام العثمانيين حيل فقهية كثيرة للتغلب على حرمة الربا، من هذه الحيل ما أطلق عليه بيع المعاملة، وهو أن يبيعه المقرض شيئا بأكثر من ثمنه، أو يبيعه المقترض شيئا بأقل من ثمنه، تمكينا للمقرض من وصوله إلى منفعة القرض (انظر حاشية ابن عابدين، فصل في القرض، مطلب كل قرض جر نفعا حرام، ج٥ ص١٦٦، وانظر التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري، لصالح أحمد العلي بيروت، دار الطليعة، ط ٢، ١٩٦٩م ص٢٩٠) .
стр. 5781
ويبدو أن ابن عابدين قد استخدم أيضا المرابحة بمعنى الربح لأجل الأجل. قال " إذا قضى المديون الدين قبل الحلول، أو مات (فحل بموته) فأخذ من تركته فجواب المتأخرين أنه لا يأخذ من المرابحة (أي من الربح المقابل للأجل) التي جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام" (الحاشية ٥/١٦٠ والعقود والدرية ١/٢٧٨) .
وأوضح هذا الشيباني النحلاوي فقال: " صورته: اشترى شيئا بعشرة نقدا، وباعه لآخر بعشرين إلى أجل هو عشرة أشهر، فإذا قضاه بعد تمام خمسة أشهر، أو مات بعدها، يأخذ خمسة ويترك خمسة " (الدرر المباحة ٥٣) .
فكيف يقال بعد هذا إن المرابحة المصرفية عملية مستحدثة؟
بل لقد روى الإمام مالك في الموطأ ٢/٦٦٢، في باب النهي عن بيعتين في بيعة، أنه بلغه أن رجلًا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد، حتى أبتاعه منك إلى أجل، فسئل عن ذلك عبد الله بن عمر، فكرهه ونهى عنه.
وهذا مطابق تماما للمرابحة المصرفية، إذا كان الوعد فيها ملزمًا، وسيأتي الكلام عنه في هذه الورقة.
المرابحة المصرفية الملزمة غير جائزة بإجماع المذاهب الأربعة
قررنا آنفا أن المرابحة المصرفية الملزمة ليست مستحدثة، وهاك آراء الفقهاء من المذاهب الأربعة التي أجمعت على عدم جوازها.
١ – من الفقه المالكي:
روى الإمام مالك في الموطأ ٢/٦٦٣، باب النهي عن بيعتين في بيعة: أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد، حتى ابتاعه منك إلى أجل، فسئل عن ذلك عبد الله بن عمر، فكرهه ونهى عنه.
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية ص٢٨٤: " إن العينة ثلاثة أقسام الأول: أن يقول رجل لآخر: اشتر لي سلعة بعشرة، وأعطيك خمسة عشر إلى أجل، فهذا (ربا) حرام. والثاني: أن يقول له: اشتر لي سلعة، وأنا أربحك فيها ولم يسم الثمن، فهذا مكروه. والثالث: أن يطلب السلعة عنده فلا يجدها، ثم يشتريها الآخر من غير أمره، ويقول: قد اشتريت السلعة التي طلبت مني، فاشترها مني إن شئت، فهذا جائز ". وانظر ابن رشد في المقدمات ص ٥٣٨، والباجي في المنتقى ٥/٣٩، والشرح الكبير للدردير ٣/٨٩، والكافي لابن عبد البر ٢/٥٧٢.
стр. 5782
٢ – من الفقه الشافعي
قال الإمام الشافعي في الأم ٣/٣٣، كتاب البيوع، باب في بيع العروض: " إذا أرى الرجل الرجل السلعة فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها، بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعا، وإن شاء تركه. وهكذا إن قال: اشتر لي متاعا، ووصفه له، أو متاعا أي متاع شئت، وأنا أربحك فيه، فكل هذا سواء: يجوز البيع الأول، ويكون هذا فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: ابتاعه (كذا أي ابتعه) أشتريه منك بنقد أو دين: يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز. وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ من قبل شيئين: أحدهما أنه تبايعاه قبل يملكه (كذا صحيح مثل: قبل أن يملكه، خلافا لما ظنه بعض الكتاب) البائع، والثاني أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه " وانظر مقالي في المسلم المعاصر، ص ١٧٩- ١٨٩.
٣- من الفقه الحنفي:
في كتاب الحيل للإمام محمد بن الحسن ص٧٩ و١٢٧ رواية السرخسي: قلت: أرأيت رجلا أمر رجلا أن يشتري دارًا بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام ( ... ) وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، فيدفع عنه الضرر بذلك. وانظر بيع المرابحة للأشقر ص٤٦.
فلو كان من الممكن أن يكون الوعد بالبيع أو بالشراء ملزما لما احتاج المأمور أن يشتري بالخيار لثلاثة أيام أو غيرها. وفي النص ما يدل على أن " الآمر بالشراء " غير ملزم بالشراء، فقد يأمره بالشراء، ثم يبدو له ألا يشتري، ألا يرغب في الشراء، فهو بالخيار: إن شاء اشترى وإن شاء ترك.
٤ – من الفقه الحنبلي:
في إعلام الموقعين ٤ / ٢٩ لابن القيم نص مثل هذا النص الذي تقدم في الفقه الحنفي. فلو كان الوعد ملزما لما اشترى المأمور بالخيار، ولما رجع الآمر عن رغبته.
وتجدر الإشارة إلى أن كلا من نص الإمام ابن القيم ونص الإمام محمد لم يرد فيهما ما يدل على أن المرابحة حالّة أو مؤجلة، لكن المهم فيهما أن الإلزام في المرابحة لا يجوز.
الوعد في المرابحة هل هو ملزم أو غير ملزم؟
ذكرنا أن المرابحة المصرفية تجري في المصارف الإسلامية، أو في فتاوى المفتين لها، على مرحلتين: مرحلة المواعدة، ثم مراحلة المعاقدة. فإذا اشترى المصرف السلعة، عرضها على العميل، فكان هذا العميل بالخيار، على رأي من خيره ولم يلزمه بوعده. أو كان ملزما بالشراء وإبرام عقد البيع، على رأي من ألزمه ولم يترك له الخيار.
стр. 5783
ومن المصارف الإسلامية التي أخذت بإلزام المصرف دون العميل المصارف السودانية التالية:
- بنك فيصل الإسلامي
- بنك التضامن الإسلامي
- بنك البركة
- البنك الإسلامي لغرب السودان (أحمد على عبد الله ص ٢٥٣)
ولا ريب أن ذلك بتأثير الاتجاه السوداني الذي يتزعمه الدكتور الصديق الضرير.
والحقيقة أن الإلزام بالمواعدة ولو ملنا إليه، وأخذنا به على العموم، إلا أننا نجد أن الآخذ به في المرابحة يؤدي إلى محظورات شرعية، وهو ما بينته في مواضع متعددة، وبينه كذلك كل من الدكتور الصديق الضرير، والدكتور أحمد على عبد الله، والدكتور محمد سليمان الأشقر، والدكتور عبد الله العبادي والدكتور حسن عبد الله الأمين.
فهناك حالات لا يكون فيها الوعد ملزمًا، بل يجب فيها إخلافه، فلو وعد أحدهم، بل نذر أو حلف، أن لا يفعل خيرًا أو أن يفعل معصية أو حرامًا، ألا ترى أن عليه أن يخلف وعده، ويفعل الخير، ويمتنع عن المعصية والحرام، ويكفر عن يمينه إذا حلف؟ (انظر مقالي في الأمة، ص٢٧) .
إذن لا يمكن القول بالإلزام بالوعد مطلقا، فبالإضافة إلى ما ذكر، فإن المتبايعين في خيار المجلس العقد أعطى لهما الشارع خيار المجلس (العبادي ص ٥٩) ، ولا يستطيع أحد أن يتذرع بعدم الخيار مدعيا بأن الالتزام قد قام بينهما، أو أن المواعدة بينهما ملزمة.
والإلزام للطرفين، عند من ذهب إليه، يدخله أن إلزام العميل لا يتقابل ولا يتناظر تماما مع إلزام المصرف، ذلك بأن المصرف لا يلتزم حيال العميل إلا بعد شراء السلعة، فإذا رأى أن الشراء في مصلحته اشترى، وإلا فلا، وهذا من شأنه أن يؤدي في الواقع إلى إلزام العميل حقيقة والمصرف ظاهرًا.
стр. 5784
ومما يشكل أيضا أن إلزام العميل بالشراء، لا يمكن شرعا إذا لم يكن الثمن معلوما في وقت الإلزام، فمعلومية الثمن مطلوبة في كل بيع شرعي لأجل تحقيق التراضي، فكيف يتم التراضي على مجهول؟ وكذلك المواعدة إذا كانت ملزمة للعميل، فكيف يلتزم، والثمن الأول للمرابحة لم يعلم بعد؟ إن الذي دعا إلى العلم بالثمن في البيع هو نفسه الذي يدعو إلى العلم بالثمن في المواعدة الملزمة بالبيع ألا وهو التراضي على المعلوم، فالتراضي على مجهول غير متصور. إن الإلزام بالوعد في المرابحة يتنافى مع الرضا المطلوب شرعا في البيوع والتجارات (مقالي في الأمة ص٢٦، وأحمد علي عبد الله ص٢١٥) ، ولا سيما على رأي من رأى أن للمصرف أن يشتري السلعة للعميل بدون تحديد الثمن في وقت المواعدة، بل بالاقتصار على تحديد نسبة الربح إلى التكلفة، فهذا رضا بالمجهول، والرضا بالمجهول لا يصح في البيع (قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/١٧٦، والطرق الحكمية لابن القيم ص٢٦٤ حيث ذكر أن البيع " يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم ") .
ومن اضطر إلى إخلاف وعده، دون أن يكون في نيته الكذب أو الإخلاف وقت المواعدة، فليس بمنافق ولا آثم. قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة ٧٧ – ٧٨) .
وفي بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي ٥/٢٣٧ ((العدة دين)) رواه الطبراني في الأوسط عن علي وابن مسعود (الفتح الكبير) ، ((والعدة عطية)) رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود (الفتح الكبير) . فلا يقال إذن إن العدة دين بإطلاق، ولا عطية بإطلاق.
إن الله لا يخلف وعده، لأنه عالم وقادر، بخلاف البشر، فإنهم يعدون أحيانا ولا يعقدون، لاحتمال الإخلاف نتيجة نقص علمهم وقدرتهم. فليس من المناسب أن نجعل الوعد ملزما كالعقد، ولا أن نجعل العقد كالوعد غير ملزم فلكل منهما دور ووظيفة لا يجب التعدي عليهما.
وقد بحث فقهاؤنا السابقون المواعدة في المعاوضات، بمناسبة الصرف (المواعدة في الصرف) ، فمنهم من أجاز المواعدة، ومنهم من لم يجزها، ولكن أحدا منهم لم يجعلها ملزمة، لأن الإلزام بها يؤدي إلى الربا، وإلى الصرف المؤجل (الأم ٣/٢٧، والمحلى ٨/٥١٣، ومقدمات ابن رشد ٢/١٨١، والقوانين الفقهية لابن جزي ص٢٧٦، والخرشي على خليل ٥/٣٨) .
стр. 5785
هذا وقد توسع بعض العلماء المعاصرين في الوعد الملزم، فأخذوا به في المرابحة، وفي المصارفة (محمد خاطر ص٢٢٥ و٢٨٨ و٢٣٠، وفتاوى بيت التمويل الكويتي، ط ١، ص٨٩- ٩٠) ، وفي الإجازة التمويلية Leasing (قرارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة، صحيفة الشرق الأوسط ليوم السبت ٢٥/١٠/١٩٨٦م ص١٠) ، وفي التأمين (الزرقا: نظام التأمين ص٥٨ و١٣١) ، وفي سندات المقارضة (سامي حمود: تصوير حقيقة سندات المقارضة ص٧ من المذكرة) ، فاحتاج الأمر إلى دراسة منفردة لمسألة الوعد الملزم وتطبيقاتها المعاصرة، لتأصيل هذه المسألة ودراستها قبل الأخذ بها مفتاحا سحريا في كل مناسبة ومناسبة.
المالكية برغم قولهم بالوعد الملزم لم يصححوا الإلزام بالوعد في المرابحة
استند العلماء في المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي بدبي على مذهب المالكية في الوعد فقالوا: " إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقا لأحكام المذهب المالكي".
علي أن صور بيع المرابحة ليست جديدة على المذهب المالكي، ولم يرتضوا الإلزام فيها، برغم مذهبهم بالوعد الملزم قضاء، في بعض الحالات. فقد نُقل عن الإمام مالك أنه كره أن تكون بين الطرفين مواعدة أو عادة، بأن يقول له: ارجع إلي، (المنتقى للباجي ٤/٢٨٨. وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٦/٤٣٤ و٧/٤٨ و٢٥٣، ومصنف عبد الرزاق ٨/ ٢٣٢- ٢٣٣، وسنن البيهقي ٥/٣٣٠، والمحلى ٩/١٤) .
وروي عن الحسن أنه كان يكره أن يأتيك الرجل يساومك بشيء ليس عندك فتقول: ارجع إلي غدا، وأنت تنوي أن تبتاعه له. وعن طاوس. لا تؤامر ولا تواعد. قل: ليس عندي (مصنف عبد الرزاق ٨/٤٢) .
فلا يجوز إذن تجزئة العملية إلى جزأين: وعد، وبيع، ثم الاستعانة بإلزامية الوعد بما يؤدي إلى الغرر في البيع أو الربا أو ربح ما لم يضمن أو بيع ما ليس عنده أو أي محظور شرعي آخر.
وقد دافع بعضهم عن أن الإلزام بالوعد في البيع وسائر المعاوضات أولى منه في التبرعات (القرضاوي في كتابه ص ١٠٢- ١٠٣) ، فقلب بذلك القاعدة الفقهية المعروفة، وهي أن الغرر يغتقر منه في التبرعات ما لا يغتقر في المعاوضات (الصديق الضرير ص٥٢١)
стр. 5786
مناقشة الرأي القائل بالخيار للعميل والإلزام للمصرف
الدكتور الصديق الضرير شارك في المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي بدبي عام ١٣٩٩هـ، وفي المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت عام ١٤٠٣هـ. وكان من المعارضين لإلزام الطرفين (المصرف، والعميل) بمواعدتهما، ومن المنافحين عن إلزام المصرف دون العميل.
وقد أشرف الدكتور الصديق على رسالة دكتوراة، وتوصل فيها صاحبها، وهو الدكتور أحمد علي عبد الله، إلى ما وصل إليه أستاذه المشرف.
ومن ناحية اعتراض الدكتور الصديق، والدكتور أحمد علي عبد الله، على الإلزام للعميل، يمكن اعتبارهما متفقين مع من يعترض على الإلزام للطرفين، فالحجج تكاد تكون واحدة (لكنها صلحت عندهما لتخيير العميل فقط، لا للطرفين معا) . ولا خلاف لي معهما في هذا الباب. وأشير هنا إلى أن الحكم الصحيح على مثل هذه المرابحة إنما يتوقف بشكل خاص على مدى التمكن من فهم الربا والغرر في الإسلام، والدكتور الصديق هو ممن كانت له عناية خاصة بدراسة الغرر، فقد كان موضوع رسالته للدكتوراة منذ عام ١٣٨٦هـ- ١٩٦٧م.
غير أنني لم أفهم كيف ارتضى أستاذنا الصديق إلزام المصرف دون العميل؟ قد يمكن القول بأن المصرف عنده مخير أيضا، لأن إلزامه لا يبدأ حيال العميل إلا بعد شراء السلعة. فإذا أراد ألا يلتزم أمكنه اختيار عدم شراء السلعة. وهذا ما يقرب رأيه من رأي أنصار الخيار للطرفين، وهو الرأي الصحيح المريح عندي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن إلزام المصرف، حتى عند أنصار إلزام الطرفين، لا يبدأ إلا بعد شراء المصرف للسلعة. ولهذا جعلوها في المرحلة الأولى مواعدة، فالمصرف لا يلتزم بوعده إلا إذا اشترى السلعة، والعميل يلتزم بوعده إذا اشترى المصرف السلعة.
стр. 5787
ولكني أرى أن الحكم الشرعي يجب أن يدور ههنا بين تخيير الطرفين معا أو إلزامهما معا، حتى يكونا على قدم المساواة، أي مستويين في الغنم والغرم، فكما تعرض للعميل أسباب تدفعه لعدم إمضاء وعده، فكذلك تعرض للمصرف مثل هذه الأسباب، كتغير سعر السلعة بين تاريخ المواعدة وتاريخ المعاقدة، أو انحراف المصاريف الواقعة عن المتوقعة، مثل مصاريف الشحن والتأمين والجمرك وأسعار صرف العملات، ولذلك لا أرى من الناحية الشرعية إلا وجوب اعتبار الطرفين في حالة خيار لا لزوم. فكيف نلزم المصرف بعد الشراء، ولا نلزم العميل لا قبل الشراء ولا بعده؟
وقد لاحظت أن الدكتور الصديق قد اعتمد على نص كتاب الأم للشافعي في استمداد الخيار للعميل والإلزام للمصرف. مع أن التأمل في نص الأم يفضي إلى خيار الطرفين لا إلى خيار أحدهما دون الآخر (راجع ما كتبته في مجلة المسلم المعاصر، ص١٨٤ و١٨٨، وأبو غدة ص١٤) .
قال في الأم ٣/٣٣: " ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز، وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ ".
الفرق بين المرابحة والوعد بالمرابحة
قد يتساءل: لماذا لجأ بعض الفقهاء المعاصرين إلى تقسيم العملية إلى مرحلتين: مرحلة مواعدة، ومرحلة معاقدة؟ فما دامت المواعدة، عند بعضهم ملزمة، فلماذا لم تنعقد العملية بيعًا منذ البداية؟ فأي فرق بين البيع والوعد بالبيع إذا كان الوعد ملزما؟
الجواب أن المصرف لا يملك السلعة عند المواعدة، وقد لا يستطيع شراءها لسبب أو لآخر، كارتفاع ثمنها أو غير ذلك. لذلك لجأوا إلى المواعدة، وهي حتى لو كانت ملزمة، إلا أنه يجب الانتباه إلى معنى الإلزام عندهم، حتى يلحظ الفرق بين البيع والوعد الملزم بالبيع.
فالمواعدة من جانب المصرف لا تصير ملزمة إلا بعد شرائه السلعة، والمصرف ليس ملزما بشراء السلعة، ولكنه إذا اشتراها صار ملزما ببيعها إلى العميل، سواء كان المذهب إلزام المصرف وحده دون العميل، أو كان المذهب إلزام الطرفين.
كما لجأوا إلى المواعدة (الملزمة) بدل البيع، لأن هناك نصوصا تمنع من بيع ما لا يملك، فاختاروا لفظ " المواعدة " بدل البيع حتى لا يتطابق بيع المرابحة المصرفية مع بيع ما لا يملك، ومع محرمات أخرى (كربح ما لا يضمن وخلافه) فجعلوها مواعدة أولًا على سبيل الهرب المؤقت من لفظ البيع، ثم ملزمة ثانيا على سبيل الرجوع إلى حقيقة البيع.
стр. 5788
تناقض بعض الكتاب في أمر المرابحة:
على الكاتب أن يتدبر ما يكتب، والتدبر معناه أن يرد الآخر على الأول، والأول على الآخر أي بأن يذكر في موضع ما قاله في الموضع الآخر، فلا يكون هناك تناقض يترك بلا إزالة.
ففي معرض الدفاع عن المرابحة المصرفية قد يقال لك: إن المصرف يتحمل تبعة الرد بعيب خفي. وفي معرض التطبيق أو الرغبة في التحصن من المخاطر قد يقال لك: إن المصرف يشترط على العميل إبراءه من كل عيب!
وفي معرض التهجم على بعض الكتاب، يقول أحدهم في موضع: إن المشتري مرابحة لا تكون لديه الخبرة في الشراء، ولا القدرة التنظيمية لإتمام عملية الشراء (محمد عبد الحليم عمر ص٥) ، ثم يقول في موضع آخر، بعد خمس صفحات فقط: " قيام العميل بتحديد السلعة ومصدرها والسعر المبدئي لشرائها أمر طبيعي، لأنه الذي يحتاج السلعة، وهو أقدر على تحديد مواصفاتها، ويعرف مصادرها، ولديه خبرة بها " (محمد عبد الحليم ص١٠) .
وقد رأيت من رجاحة عقل الكاتب في تصميم استمارة المرابحة الملحقة بورقته، ما يجعلني أشك في جدية تهجمه المنوه به آنفا. فللكتاب لغات، وعلى القارئ أن يعرف اللغة المختارة للكاتب في التعبير عن موضوع ما، لكي يفهم مقاصده.
كواشف المرابحة (= روائز المرابحة)
بالاعتماد على بحوث العلماء والخلاف الجاري بينهم، قام الدكتور عبد الحميد البعلي في كتابه فقه المرابحة (ص١٨٤ – ٢٠٠) بتصميم استمارة استقصاء لاستبيان مدى جدية بيع المرابحة المطبقة في مختلف المصارف الإسلامية: هل هو بيع حقيقي أم هو بيع صوري هل هو أقرب إلى البيع أم هو أقرب إلى القرض بزيادة؟
ثم طور الدكتور محمد عبد الحليم عمر هذه الاستمارة في ورقته " التفاصيل العملية لعقد المرابحة في النظام المصرفي الإسلامي ".
ويمكن الوقوف على مدى جدية المرابحة من خلال الكواشف (= الروائز) التالية:
- هل المواعدة غير ملزمة للمصرف والعميل، أم ملزمة لهما؟
- وإذا كانت المواعدة ملزمة، فهل ثمن البيع معلوم أم مجهول في مجلس المواعدة؟
- هل المصرف يقبض السلعة من بائعها، أم يقبضها العميل نفسه من البائع مباشرة، بتوكيل أو سواه من الأساليب؟
- هل قائمة حساب (= فاتورة) البيع وسائر الوثائق، كوثيقة الشحن والتأمين، تصدر باسم المصرف أم باسم العميل؟
- إذا كانت السلعة عقارا أو سيارة، فهل تسجل ملكيتها باسم المصرف أولًا، ثم باسم العميل ثانيا، أم تسجل باسم العميل مرة واحدة، لكي لا يدفع إلا رسم تسجيل واحد؟ (حمود: تطبيقات ص١٦، ومحمد عبد الحليم عمر ص١٦، وشحادة ص٦، ١٦، ٢٢) .
стр. 5789
- هل المصرف يتحمل تبعة الرد بعيب خفي، أم يشترط على العميل براءته من كل عيب؟ (محمد فهيم خان ص٢٣، ومحمد عبد الحليم عمر ص١٩) .
- إذا ظهر عيب في السلعة، أو سلمها البائع (أو المصدر) ناقصة، أو مختلفة المواصفات؟ (البعلي ص١٨١، وأحمد علي عبد الله ص٢٦٦) .
- هل هناك فعلا سلعة حقيقية، أم أن السلعة وهمية والمراد فقط هو القرض بمنفعة؟، (محمد فهيم خان ص٣) .
- هل المصرف هو الذي يشتري السلعة فعلا، بحيث يكون خبيرًا بالسلعة وأسواقها، ويتصل بالباعة الموردين؟ أم أن هذا العمل يقع على عاتق العميل، فهو الذي يحدد السلعة وبائعها؟ " قارن زاد المعاد لابن القيم ٥/٨١٦، والبعلي ص١٠٣ و١٦٣".
- هل المصرف يشتري السلعة لنفسه أم للعميل؟
- هل المصرف يشتري السلعة بنفسه أم يوكل العميل بالشراء؟
- هل المصرف يملك الأجهزة الفنية والإدارية الخبيرة بتجارة السلع، أم أن أجهزته لا تتعدى الأجهزة المعتادة في المصارف الأخرى التي تقوم عملياتها على التمويل والائتمان والمتاجرة بالنقود والديون؟ (القرنشاوي ص٧) .
- هل المصرف يشتري السلعة من البائع بدون كفالة عميله أم بكفالة عميله؟ (أبو غدة ص٢٤) .
إذا كان الجواب بالثاني لا بالأول كانت العملية أقرب إلى المراباة منها إلى المرابحة، أو أقرب إلى الحرام منها إلى الحلال. وكلما كثرت الأجوبة بالثاني كانت العملية أقرب إلى الصور والحيل والشكليات الورقية والعكس بالعكس.
стр. 5790
حد التباس المرابحة بالمراباة
في ضوء ما ذكرناه في " كواشف المرابحة " كلما كان الجواب بالأول لا بالثاني كان الفرق أوضح بين المرابحة والمراباة، وكلما تزايدت الأجوبة بالثاني غمض الفرق بينهما وتضاءل إلى حد قد يصل إلى التلاشي الكامل.
وربما وصل الأمر إلى ما هو أسوأ من الربا، وذلك في حالات الربا الحرام عن طريق الحيل، فالحيلة لا تحل الربا بل تزيده حرمة، ففي الحيلة معنى الاستهزاء والسخرية، نعوذ بالله.
ولعل هذا الاتجاه الشكلي في الفتوى أو في التطبيق هو الذي كان وراء توجه المصارف الأجنبية إلى المرابحة واستساغتها لها، فهي تضيف على المشتري نسبة إلى الثمن النقدي، لا تختلف كثيرا في المحصلة عن خصم نسبة من الثمن المؤجل، عن البائع.
يقول الدكتور سامي حمود: " تنبهت البنوك الأجنبية إلى صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء، وأحدثت صورا من التعامل الذي تتوسط فيه لشراء سلع أو معادن، بالنقد، من طرف، لبيعها إلى طرف آخر بالأجل، بفارق ربح يتوازى مع أسعار الفائدة الرائجة. وقد اجتذبت هذه الطريقة مئات الملايين من أموال البنوك الإسلامية والمستثمرين الإسلاميين، بسبب توافر المواد، وانتظام الأسواق" (حمود: تطبيقات ص١١) .
ويقول أريك ترول شولتز: " كما يظهر في التقرير السنوي لسنة ١٩٨٥م، فإن التجربة العملية للمصرف الإسلامي الدولي الدانماركي، في ضوء أهدافه المزدوجة، قد أثبت أن أي مصرف دانماركي يمكن أن يتعامل بموجب الشريعة الإسلامية تماما " (شولتز ص٣) .
وذكر الدكتور منذر قحف " أن عددا من المصرفيين الغربيين الذين شاركوا في ندوة لندن ٣١/١٠- ١ / ١١/١٩٨٥م لم يروا فيه (أي في بيع المرابحة) اختلافا عن التمويل الربوي إلا من حيث الشكل (قحف ص٨) .
لا ريب أن التحول من الاقتصاد الربوي إلى الاقتصاد الإسلامي أصعب مما يتصوره هؤلاء الغربيون، وهؤلاء الذين يعتقدون أن الأمر لا يحتاج لأكثر من محاولات إضفاء الشرعية على قوانين الغرب وأعرافه وتقاليده، على علم بهذه القوانين والأعراف والتقاليد أو على غير علم بها.
стр. 5791
المرابحة الملزمة وسد الذرائع
ظن بعض العلماء أن المرابحة الملزمة حرام فقط عند من يقول بسد الذرائع (القرضاوي في كتابه ص٥٥) .
والحق أن الإمام الشافعي قد صرح في الأم بحرمة الإلزام فيها، مع أنه لا يقول بسد الذرائع في العينة أو بيوع الآجال، كما تقول المالكية (راجع كتب أصول الفقه، سد الذرائع، وما كتبه الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه عن الإمام مالك ص ٣٦٩، وكتابه الآخر عن الإمام الشافعي".
قال الإمام الشافعي في الأم ٣/٣٣: " وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول، فهو مفسوخ من قبل شيئين، أحدهما أنه تبايعا قبل يملكه البائع، والثاني أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه". والمخاطرة هي الغرر، فقد يتمكن من شرائه بالثمن المحدد أو لا يتمكن.
وهكذا ترى أن المرابحة بوعد ملزم لم تجز لا عند الشافعية الذين يضيقون من مبدأ سد الذرائع، ولا عند المالكية الذين يتوسعون في سد الذرائع (راجع نصوص المذاهب في موضع آخر من هذه الدراسة) .
стр. 5792
المرابحة الملزمة والحيل
يتوسع بعض المذاهب، أو بعض الفقهاء، في الأخذ بالحيل الفقهية في المعاملات المالية وغيرها، حتى تشعر أنك أحيانا أمام جملة من الألاعيب والأبواب والمخارج المضحكة والمبكية في آن واحد معا.
ومن أحسن من تصدى لهذه الحيل شيخ الإسلام ابن تيمية في " كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل"، المطبوع مع الفتاوى الكبرى طبعة دار المعرفة، ج٣، ص٩٧ –٤٠٥، وغير المطبوع مع الطبعة السعودية للفتاوى، وكذلك تلميذه ابن القيم في كتابه " إعلام الموقعين "، فإني أرتضي مذهبهما في محاربة الحيل، حفاظا على جمال الشريعة وكمالها، وحفاظا على جدية المسلمين وأصالتهم، ودفعا لهم إلى الابتكار والبعد عن التقليد والتلفيق والدوران في آفاق محدودة.
وقد استشهد بعض أنصار الإلزام بالوعد في المرابحة بحديث التمر ((بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا)) (متفق عليه) ، ورأوا أن الفرق بين (التمر بالتمر) و (التمر بالنقد، ثم النقد بالتمر) مجرد فرق في الصورة (القرضاوي في كتابه ص ٤٤ – ٤٥) .
وهذا غير مسلم، لأن الذي باع الجمع بالدراهم، هو بعد ذلك قد يشتري الجنيب من هذا البائع نفسه أو من غيره. ولو كان ملزما بالشراء من البائع نفسه لأمكنهم القول أنه مجرد فرق في الصورة، ولكن هيهات!
للشريعة مقاصد، وللعقود مقاصد، لابد من الحفاظ عليها. ومقصد العميل من اللجوء إلى المصرف هو الحصول على المال. نعم له غرض بالسلعة المطلوبة، ولكن غرضه يتحقق باللجوء إلى بائعها مباشرة، ولولا حاجته للمال لما لجأ إلى المصرف. والمصرف إذا كان مصرفا فعلا فلا غرض له من التعامل بالسلع، يقبضها حقيقة لإعادة بيعها في زمان آخر أو مكان، كتجار السلع.
стр. 5793
المرابحة الملزمة والتلفيق
اعتمد أنصار الإلزام بالوعد في المرابحة على التلفيق بين المذاهب، فاخذوا من الإمام الشافعي مرابحته، وتركوا له خياره، وأخذوا من المالكية وعدهم وتركوا لهم مرابحتهم، فقد رأى المالكية إمكان الإلزام القضائي بالواعد في تعض الحالات، فطبقه أنصار الإلزام على هذه الحالة، فخرجوا بنص فقهي لم يقل به فقيه.
وهذا التلفيق لم يكن من النوع الجائز، لما دخله من اعتراضات شرعية. وإذا شاع التلفيق في عصر ومصر، فلابد من وضع ضوابط له وحدود، وإلا لأمكن بالتدريج، لا سمح الله، استباحة كثير من المكروهات أو المحرمات.
ومعلوم في الشرع أنه قد يجمع بين أمرين، كل منهما جائز على انفراد، ولكن جمعهما حرام. فالسلف (= القرض) منفردا جائز، والبيع كذلك جائز، ولكن لم يجز الجمع بينهما، كما في السنة النبوية، لإفضاء هذا الجمع إلى محظور، وهو أخذ منفعة (= فائدة) السلف من ربح البيع (انظر كتابي: ربا القروض ص٢٢) .
ولم يعترف بعضهم بالتقليد والتلفيق بين المذاهب في هذه المسألة، مع أن ذلك واضح في فتاوى المفتين في المصارف والمؤتمرات وبحوث الباحثين، وقد كان حاضرا هذه الفتاوى والمؤتمرات، وكان من الواضح أن نص الإمام الشافعي قد حذفت من آخره القطعة التي فيها الحرمة الصريحة للإلزام، لتستبدل بها قطعة أخرى من المذهب المالكي فيها الإلزام في موضوع آخر. ولكن الكاتب ذكر أنه يجتهد ولا يقلد، وإن وافق مذهبا في جزء وغيره في جزء آخر (القرضاوي في مقاله ص١٢) . لاشك أن الاجتهاد في شيء سبق الاجتهاد فيه، إذا وصل صاحبه إلى رأي مخالف، عليه أن يرد على الاجتهادات كلها، ولا يصح تجاوزها وغض النظر عنها.
المرابحة الملزمة وخصم الأوراق التجارية
المرابحة المصرفية اقترحت في الأصل بديلًا لعملية خصم الأوراق التجارية (= الخصم المصرفي) (حمود: تطوير، ط ٢، ص٤٣٠ – ٤٣١) والموسوعة العلمية والعملية، ٥/٤٩٨ – ٥٠٠ و٥٠٦ و١/٢٨- ٢٩) . ولكنها بالإلزام لا تختلف عن الخصم إلا في أن المال فيها يمنحه المصرف الوسيط إلى الشاري، وفي الخصم إلى البائع. ففي كل منهما ثلاثة أطراف: بائع حقيقي، ومشتر حقيقي، ومصرف وسيط. وقد ذكر أصحاب المرابحة أن هذا الخط التمويلي أو الائتماني يبدأ من المستهلك لا من التاجر. مع ما في هذا من أن العميل قد يكون أيضا تاجرا لا مستهلكًا، وهو الغالب.
وإذا صح أنها تمويل استهلاكي ثلاثي الأطراف، فهي تشبه في الغرب نظام التمويل المعروف بـ" بطاقة الائتمان " credit card, carte de credit وتفصيل هذا في غير هذا الموضع.
وقد حاول بعضهم أن يجيب عن هذا بأن الخصم المصرفي مبادلة نقد بنقد والمرابحة سلعة بنقد (حسن الأمين ص٨٩، وأبو غدة ص.٢) . ولكن الناقد قد غفل عن أن تشبيه المرابحة بالخصم يختص بالمرابحة ذات الوعد الملزم، وهي التي تؤول إلى نقد بنقد أكثر منه، والسلعة لغو.
стр. 5794
آراء منقحة
الدكتور عبد الستار أبو غدة عضو هيئة الرقابة الشرعية في بيت التمويل الكويتي، والمراقب الشرعي للبنك الإسلامي في الدانمارك، قد انتقد في ورقته " أسلوب المرابحة والجوانب الشرعية التطبيقية في المصارف الإسلامية "، الذين انتقدوا المرابحة المصرفية الملزمة (أي ذات المواعدة الملزمة) . ومع ذلك فقد توصل، بعد صمت طويل، إلى أن " الحقيقة أن زوال الشبهة تماما هو في القول بعدم لزوم الوعد رغم ما يحف بذلك من المخاطر التي لا تخلو عنها طبيعة التجارة؛ وأسلوب المرابحة، أسلوب تجاري، وليس أسلوبا مصرفيا للتمويل دون مخاطر" (أبو غدة ص١٤) . فيستفاد من كلامه:
١ – أن رأيه بعدم لزوم الوعد.
٢- وأن ذلك فيه مخاطر، ولكن هذا من شأن التجارة، والمرابحة منها.
٣ – المرابحة الجائزة ليست أسلوبا مصرفيا للتمويل على المضمون، بل هي أسلوب تجاري من شأنه أن يعرض الآخذ به للمخاطرة.
ولكن لفظ " تماما " قد يفهم منه أن لزوم الوعد فيه شبهة، ولا بأس عنده بالعمل به مع بعض الشبهة، وأن عدم اللزوم يصفي العملية من كل شبهة.
والأستاذ مصطفى الزرقا كان من بين العلماء الذين اشتركوا في المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي الذي انعقد في دبي في الفترة ٢٣- ٢٥ جمادى الآخرة ١٣٩٩هـ (= ٢٠-٢٢مايو ١٩٧٩م) ، ووافق على الإلزام في المرابحة. وأكد موافقته هذه في ورقته عن " المصارف " (ص١٢- ١٣) (وانظر أيضا كتاب قراءات في الاقتصاد الإسلامي ص ٣٣٦ حيث أعيد فيه طبع الورقة نفسها؛ وانظر الفتاوى الشرعية لبيت التمويل الكويتي ص ٧١) .
стр. 5795
غير أنه كتب مؤخرا في مجلة المجتمع الكويتي (العدد ٨٤٣لعام ١٤٠٨هـ = ١٩٨٧م) أن " الأمر الذي يمكن أن يلام عليه القائمون على هذه المؤسسات الإسلامية الهامة هو أخذهم بطريق جانبي في إدارة الأعمال الاستثمارية وتركهم للطريق الرئيسي والطبيعي. وأعني بذلك أنه عندما تأسست " بيوت الاستثمار" كان أمامها طريقان: أن تنزل إلى السوق وتنفذ مشاريعها الاستثمارية بصورة مباشرة، فتدير أعمالها بنفسها، أو بالمشاركة في مؤسسات تجارية عاملة في مجالات التجارة والصناعة، وهو الطريق الرئيسي المطلوب منها، والطريق الجانبي هو " المرابحة " ( ... ) لقد بدأت " بيوت الاستثمار" بالطريق الأول الطبيعي، وهو الاستثمار المباشر، لكنها ما لبثت أن انحرفت عنه إلى طريق المرابحة، والسبب في ذلك أن القائمين على بعض تلك البيوت الاستثمارية لا يريدون تحمل مسؤوليات العمل الاستثماري في السوق. فالمرابحة طريقة مريحة للبنك، وتتم في المكاتب وعلى المناضد المريحة، وبدون مشقة، فالعميل يحدد المصدر وجهة الشراء، ووظيفة البنك الشراء، وممارسة الأعمال الورقية المكتبية (....) ما تفعله بعض بيوت الاستثمار أنها تختصر العقدين في عقد واحد، بل ويطلبون من العميل التوقيع على وثيقة تلزمه بتحمل جميع المسؤوليات والمصاريف بل وحتى التأمين على البضاعة. فهذا الاختصار الذي أرادوا به الراحة وعدم تحمل المشقة أوقعهم في ملاحظات شرعية وانتقاد من العملاء الذين شكك بعضهم بالفرق بين هذا الأسلوب في المرابحة وبين ما تفعله البنوك الربوية العادية (ص٢٧) .
وتعليقا على كلام الأستاذ الزرقا نقول:
١- إن بعض الفقهاء أيضا مسؤولون، لأن القائمين على أمر المصارف إذا رأوا أن ما يفتي به هؤلاء الفقهاء هو مجرد حيل، فإنهم يرون من الجدية أن ينفذوا الأمر بلا حيلة ولا تطويل ولا كلفة.
٢- اعتبر الأستاذ الزرقاء أن المرابحة طريق ثانوي (جانبي) ولو جازت.
٣- اعتبر التوسع فيها انحرافا عن الجادة.
٤ – رأى أن المرابحة أعمال مكتبية ورقية مريحة.
٥ – ذكر أن العميل هو الذي يحدد جهة الشراء (المورد) .
٦ – يختصر أحيانا الطريق، فيجعل عقدان في عقد.
٧ – قد يوقع العميل وثيقة تلزمه بتحمل كل المسؤوليات.
٨ – ربما يعتبر هذا الكلام تنقيحا لرأيه السابق. فقد كان من الضروري أن يبين المفتي درجة ثقته بفتواه، وشروط تطبيقها، ومكانة العملية في سلم المصالح (المرابحة بالنسبة للقراض أو الشركة) .
وأخيرا يبدو أن الدكتور على أحمد السالوس كان تحفظ على الإلزام مع المتحفظين في المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي بدبي. ولكنه اليوم عضو هيئة الرقابة الشرعية في مصرف قطر الإسلامي التي أفتت بجواز الإلزام، ولا أدري إن كان رجع عن رأيه.
стр. 5796
المصرف الإسلامي هل هو وسيط مالي يتاجر بالنقود والديون أم هو تاجر سلع؟
عن قصد أو غير قصد، لم يتعرض المفتون وكثير من الدارسين لهوية المصرف الإسلامي، هل هو وسيط مالي يتاجر بالنقود والقروض، ويتجنب المتاجرة بالسلعة كالبضائع والعقارات وغيرها، أم هو تاجر سلع يتجنب المتاجرة بالنقود والقروض. فالمصارف (الربوية) كما بين الدكتور جمال الدين عطية تحل الربا لنفسها وتحرم البيع (مجلة الأمة، العدد ٥٦ لعام ١٤٠٥ هـ، ص٤٦) ، أما المصارف الإسلامية فهي تحرم الربا على نفسها وتحل البيع كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة ٢٧٥] .
وتنص النظم المصرفية على أن المصارف لا يجوز لها شراء العقارات بقصد بيعها، وإذا آل إليها عقار، فعليها التصرف به خلال مدة قصيرة، سنتين أو ثلاث على الأكثر. كما تحظر على المصارف العمل بتجارة الجملة أو التجزئة، أو بالاستيراد أو التصدير (انظر على سبيل المثال المادة ١٠ من نظام مراقبة البنوك في المملكة العربية السعودية) .
والظاهر أن المصارف الإسلامية تتأرجح بين البيع وسواه، فتود البيع ولكن من دون تحمل أعبائه؛ وتحاول اجتناب الربا، ولكن دون الدخول في عمق البيع. وترى في كتابة البعض تأرجحًا مماثلًا بين اعتبار المصرف الإسلامي بائع سلع، أو وسيطا ماليا أو بيت تمويل (القرضاوي في كتابه ص١١٠) .
ولاشك أن إطلاق لفظ المصرف أو بيت التمويل على أي منشأة إنما يفيد معنى معروفا هو الاقتراض والإقراض والمتاجرة بالقرض والنقود، عن طريق عمليات الائتمان والمصارفة.
فكلما جنح المصرف الإسلامي نحو حقيقة البيع كان أقرب إلى تاجر السلع، ولا معنى لإطلاق لفظ المصرف عليه، وكلما جنح نحو صورة البيع كان أقرب إلى تاجر القروض والنقود، أي إلى المصرف معنى ولفظًا.
ولو تفكر العلماء في هذا لسهلت عليهم الفتوى فيما بعد، ولصدروا في كل جزئية عن هذه الكلية، عن هذه الهوية، ولما كان لكل فتوى هوية (قحف ص٦) .
الخاتمة
١ – بيع المرابحة بالمعنى الفقهي المنقول في كتب الفقه القديم جائز عند جمهور الفقهاء، ولا نأخذ فيه بقول من قال أنه ربا، أو إنه بيع أعاجم، أو أن المساومة أفضل منه، فلكل دور. وربح البائع فيه يكون في مقابل خبرته وجهده ووقته ومخاطرته. والحكمة من هذا البيع هي أن المشتري قد يكون جاهلا بالسلع وأثمانها، وله ثقة بخبرة البائع مرابحة وأمانة، ويفضل أن يشتري بناء على أمانة البائع، لا بناء على مساومته ومماكسته.
٢ – بيع المرابحة للآمر بالشراء في المصارف الإسلامية يقوم على شراء المصرف سلعة بطلب عميله، بثمن معجل، ومن ثم بيعها إليه بثمن مؤجل، وذلك بناء على مواعدة بينهما، ملزمة في بعض المصارف، وغير ملزمة في مصارف أخرى. وفي كل الأحوال لا تكون ملزمة للمصرف إلا إذا اشترى المصرف السلعة.
стр. 5797
٣ – يحتل بيع المرابحة للآمر بالشراء، في المصارف الإسلامية، مكانة مهمة إذا ما قورن بعمليات المشاركة والقراض، حتى إن بعض المصارف تكاد تقصر عملياتها التمويلية عليه. وذلك لأن مال المصرف فيه يكون مضمونا بأصله وربحه معا، في صورة تدفقات نقدية معلومة المبالغ والآجال مسبقا.
٤ – عبارة " بيع المرابحة للآمر بالشراء " أفضل منها عبارة " بيع المرابحة للواعد بالشراء "، لأن لفظ " الآمر " يفيد أن المصرف مأمور، أي كأنه وكيل مأجور، أو يفيد على الأقل أن الطرفين (المصرف والعميل) ملزمان، في حين أن بعض المصارف لا تلزم العميل.
وقد يمكن تسمية العملية أيضًا " مواعدة على المرابحة "، سواء كانت المواعدة ملزمة بعد ذلك أو غير ملزمة.
٥ – لا يحسن أن يكون المصرف وكيلا للآمر بأجر، خشية اجتماع الإجارة والقرض، لأن المصرف يقبض أجرة الوكالة مع كونه مقرضا، وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع وسلف)) ، والإجارة ضرب من البيع (بيع المنافع) .
وذلك لما في هذا من فتح الذريعة لأخذ منفعة السلفة من ربح البيع.
٦ – لبيع المرابحة للآمر بالشراء، في نظر أنصاره مزايا. فبالإضافة إلى ما ذكر من مزايا الضمان للأصل والعائد، والمعلومية المسبقة للتدفقات النقدية لأقساط استرداد التمويل، هناك أيضا بعض العمليات التي لا يمكن تمويلها بطريق القراض أو المضاربة، حيث لا يكون ثمة ربح يتم الاشتراك فيه، أو حيث لا تمكن الشركة، مثل عمليات القطاع العام؛ أو حيث لا تراد الشركة.
٧ – هناك فروق بين المرابحة بمفهومها الفقهي المنقول في كبت الفقه القديم، والمرابحة بمفهومها المصرفي الإسلامي الحديث، وقد بينا هذه الفروق في فصل خاص.
٨ – المرابحة في المصارف الإسلامية غالبا ما تكون مرابحة مؤجلة، لا حالة ومن الجائز عند جمهور الفقهاء أن يكون الثمن المؤجل أعلى من الثمن الحالي، وقد برهنت على صحة هذا الرأي وقوته في مقالي " الحسم الزمني في الإسلام " عام ١٤٠٥هـ، ثم زدته تفصيلا وتوثيقا في مقالي " القول الفصل في بيع الأجل" عام ١٤٠٦هـ، لمواجهة من قال إن زيادة الثمن الآجل على العاجل ربا محرم، ثم بسطته في كتابي " الربا والحسم الزمني " عام ١٤٠٦هـ، ولدي الآن صيغة منقحة ومزيدة بالمعلومات والمراجع، أرجو نشرها قريبا.
فلا شك عندي نقلًا ولا عقلًا في جواز أن يكون الثمن المؤجل أعلى من المعجل، وهذا مهم لطمأنة إدارة المصارف الإسلامية وعملائها والمتعاملين معها من مودعين ومساهمين.
стр. 5798
٩ – ولكن جواز الفرق بين الثمن المؤجل والمعجل لا يجوز الاستناد إليه لتمرير بعض الحيل الربوية، مثل بيع العينة، أو ما يماثله من حيل تستند إلى الحلال وصولا إلى الحرام.
والعينة هي أن يبيعه شيئا بثمن مؤجل، ثم يشتريه منه بثمن معجل، وهي عند الفقهاء جميعًا حرام ديانة إذا كانت نية المتعاملين الحيلة الربوية، وحرام قضاء عند الفقهاء الذين سدوا الذرائع. وسد الذرائع ثابت بحديث رسول الله ﷺ ، فقد منع بيع الذهب بالذهب بفضل ونساء كي يسد الطريق على المقرضين بالربا أن يلجأوا إلى مثل هذا البيع. كما منع بيع الذهب بالفضة نساء، كي يسد الذريعة إلى عقد القرض بالذهب يرد بالفضة، أو بالعكس، لا سيما وأن منفعة الذهب والفضة واحدة، فكلاهما نقد. كما ثبت سد الذرائع بحديث النهي عن بيع وسلف، كي لا يتوصل إلى منفعة السلف من ربح البيع. وهناك نصوص شرعية أخرى، لكننا اخترنا ما هو مفيد في هذا السياق.
ومن المحتمل جدا أن يلجأ المرابون إلى البيع لتحقيق أغراضهم، فقد حرم الله الربا وأحل البيع. وقد يصبح جواز الفرق بين الثمنين المؤجل والمعجل مرتعًا لأهل العينة للوصول إلى مآربهم الربوية.
ولهذا يجب التنبه إلى الفرق بين بيوع الأجل وبيوع الآجال، فبيوع الأجل جائزة، ولو بثمن مختلف باختلاف الأجل، أما بيوع الآجال فهي بيوع مختلفة الآجال تتقابل وتتعاكس لتصبح السلعة فيها لغوا، وليخلص أصحابها إلى مقصودهم وهو القرض بزيادة.
لقد توسعت في هذا دفعا لما رأيته من التباس في أذهان البعض.
١٠ – المرابحة في المصارف الإسلامية تختلف صورها من مصرف إلى آخر، باختلاف إدارته وهيئة الرقابة الشرعية فيه. فهي بيع جاد في بعض المصارف، وصوري في مصارف أخرى، وبينهما درجات.
стр. 5799
١١- المرابحة المصرفية ليست عملية مستحدثه كما ذكر البعض. وقد سبق لي أن أشرت إلى هذا في مقالي حول الموضوع بمجلة المسلم المعاصر عام ١٤٠٢هـ، ثم في مجلة الأمة القطرية عام ١٤٠٦ هـ، كما أشار إلى هذا عدد من الباحثين، منهم الدكتور أحمد علي عبد الله في رسالته للدكتوراه عن " المرابحة " عام ١٤٠٧هـ.
وقد ضربت، في هذه الورقة، عددا من الأمثلة على قِدم هذه العملية، من التاريخ القديم والحديث، مثل نظام المرابحة المطبق في العهد العثماني، والمرابحة في كتاب متأخري الحنفية، كابن عابدين في حاشيته وعقوده الدرية، والشيباني النحلاوي في درره المباحة.
١٢- المرابحة المصرفية إذا كانت المواعدة فيها ملزمة فهي غير جائزة بإجماع المذاهب الأربعة، ولا نعلم لها مخالفا. وقد ذكرنا نصوصا في الموضوع من كل مذهب من المذاهب المذكورة.
١٣ – بينا عددًا من الأدلة على عدم جواز الإلزام بالمواعدة في المرابحة، لما في هذا الإلزام من محظورات شرعية وعقلية تترتب عليه.
١٤- توسع بعض العلماء المعاصرين في الأخذ بالمواعدة أولًا، ثم في الإلزام بها ثانيا، حتى صارت حلًا سحريا لعدد من المشكلات والقضايا القانونية المعاصرة، كالتأمين والإجارة التمويلية والمصارفة وسندات المقارضة والمرابحة.. إلخ. فوجب إفراد دراسات مستقلة لهذه المواعدة وتطبيقاتها الحديثة، فما هو موجود منها حتى الآن لا يشفي غليل الباحث.
١٥ – استند بعض العلماء المعاصرين إلى مذهب المالكية في الوعد متى يكون ملزمًا قضاء، وذلك لتجويز المواعدة في المرابحة، هذا والمالكية أنفسهم قد بحثوا هذه المرابحة ولم يجيزوا فيها الإلزام. فلا يصح طرد قاعدة الإلزام في الوعد حتى لو سلمنا بمذهب الإلزام به في الجملة.
١٦ – زعم بعض الباحثين المعاصرين أن الإلزام بالوعد في المعاوضات أولى من الإلزام به في التبرعات، فكان في هذا خروج على أحكام الغرر وقواعده، منها قاعدة الغرر يغتفر منه في التبرعات ما لا يغتفر منه في المعاوضات.
١٧- الأستاذ الدكتور الصديق الضرير، والدكتور أحمد علي عبد الله، يريان جواز إلزام المصرف بوعده، إذا اشترى السلعة، دون العميل. وقد بينت أوجه مخالفتي لهذا الرأي، في موضعها من هذه الورقة، ورأيت أن أستاذنا الكريم الدكتور الصديق قد بنى رأيه على نص كتاب الأم للشافعي، فأخذ منه جواز الإلزام للمصرف والخيار للعميل، وإني أختلف معه في هذا النص الذي فهمت منه ضرورة الخيار لكل منهما.
стр. 5800
١٨ – بينت الفرق بين المرابحة والوعد بالمرابحة إذا كان ملزمًا أي بينت لماذا لجأ بعض العلماء المعاصرين إلى تقسيم العملية إلى مواعدة ثم مرابحة.
١٩ – بينت أيضا تناقض بعض الكتاب في أمر المرابحة. فهنا يقولون لك: " إن المصرف يتحمل تبعة الرد بعيب خفى "، وهناك يقولون لك: " إن المصرف يشترط على العميل إبراءه من كل عيب "!.
وفي موضع يقولون " إن العميل ليست لديه الخبرة في الشراء، ولا القدرة التنظيمية والإدارية عليه ". وفي موضع آخر " إن العميل هو الذي يحدد السلعة وبائعها وثمنها، لأنه أكثر خبرة وقدره "!.
٢٠- وضعت بالاستناد إلى دراساتي ودراسات الباحثين السابقة رائزًا (= كاشفًا) للمرابحة على صورة أسئلة لاختبار مدى جدية المرابحة أو صوريتها.
ومن فوائد هذا الرائز أنه يجمع الفتاوى المشتتة في مشهد شامل، للوقوف على اتجاهها الكلي، وتجميع جزئياتها، واستخراج كوامنها.
٢١- ذكرت أمثلة وشواهد على الحالات التي لا يكاد يرى فيها الفرق بين المرابحة والمراباة.
٢٢- أوضحت، خلافًا للبعض، أن المواعدة الملزمة في المرابحة لا تجوز لا عند الفقهاء المتوسعين في الذرائع، ولا عند غيرهم.
٢٣- تغلب الحيل على بعض صور المرابحة، والحيل من الأمور الفقهية الدقيقة، وهي أوضح ما تكون دراسة لدى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
وقد استدل بعضهم بحديث التمر، ولم ير فرقًا بين (التمر بالتمر) و (التمر بالنقد، ثم النقد بالتمر) إلا في الصورة. وقد دفعت هذا التوهم بأن من يشتري التمر بالنقد ليس ملزما بعد ذلك بالشراء من البائع نفسه، ولو كان ملزما أو مقيدا بذلك لأمكن الاستدلال للحيلة بهذا الحديث.
٢٤- يجب ألا يغيب عن البال في كل فتوى وبحث مقاصد الشريعة ومقاصد العقود، ولا يجوز بحال تفريغ الشريعة من جوهرها، ولا العقود من مقاصدها، ولا المعاملات من روحها.
стр. 5801
٢٥ – ليس التلفيق جائزًا في كل حال. وقبل استمراء التلفيق، يحسن وضع ضوابط وقواعد لهذا التلفيق. ومن البدهي أن العلماء الجديرين بوضع هذه الضوابط والقواعد ليسوا علماء التلفيق أنفسهم، بل هم علماء الاجتهاد والابتكار والأفق العلمي الواسع.
ولا يجوز التلفيق أولًا، ثم الادعاء لتصحيحه بأن هذا الرأي مبنى على اجتهاد مطلق.
٢٦ – المواعدة الملزمة في المرابحة تجعل العملية غير مختلفة عن عملية خصم الأوراق التجارية لدى المصارف. فالمرابحة مبلغ يزيده المصرف على الشاري، والخصم مبلغ يقتطعه المصرف من البائع، الأول ربا والثاني حطيطة.
٢٧ – ربما تكشف لبعض علماء العصر ما في الإلزام بالمواعدة من آثار سلبية، فجعلتهم يبدون وساوسهم وشكوكهم، فسجلوا تراجعا ولو جزئيا عن آرائهم.
٢٨ – من المهم جدا لاستقامة الفتوى والبحث أن تحدد أولًا هوية المصرف الإسلامي هل هو تاجر سلع أم هو تاحر نقود وديون (= وسيط مالي) ؟
يبدو أن وضع المصرف في نظر الكثير من المفتين والباحثين: بين بين، فلا هو وسيط مالي تماما فلا يختلف إذن عن غيره، ولا هو تاجر سلع تماما فتنتفي عنه صفة المصرف بالمرة: عيني ببيع السلع، ولا أقدم عليه، إقدام على البيع شرعا، وإحجام عنه تطبيقا.. هذا هو سر التأرجح! (قارن زاد المعاد لابن القيم ٥/٨١٦، وفقه المرابحة للبعلي ص١٠٣ و١٦٣) .
٢٩- والخلاصة أنني من الناحية الشرعية مع العلماء الذين قالوا بالخيار لكل من المصرف والعميل، وهم الشيخ عبد العزيز بن باز، والدكتور محمد سليمان الأشقر، ومن لحق بهذا الرأي مؤخرًا، تمامًا أو على تردد، ومن هو على هذا الرأي ولكنه لم ينشره، أو لم يجد مناسبة لنشره.
٣٠ – أن خدمة الاقتصاد الإسلامي لا تكون إلا من طريق الأصالة والابتكار وكد الذهن، ولا تكون إلا من طريق الحلال المؤيد بكل أداة قوية من أدوات الاستدلال.
لقد توسعت في الخاتمة، عسى لضيق الأوقات أن لا يقرأ بعضهم من هذه الورقة غيرها.
وهذا ما بلغ العلم القاصر، وفوق كل ذي علم عليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د/ رفيق يونس المصري
стр. 5802
المراجع
- ابن أبي شيبة: المصنف في الأحاديث والآثار، الدار السلفية، بومباي (الهند) ، ط١، ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠م.
- ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
- ابن جزي: القوانين الفقهية، عالم الفكر، القاهرة، ط١، ١٩٧٥م.
- ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، طبعة رئاسة إدارات البحوث، الرياض، د. ت.
- ابن حزم: المحلى، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د. ت.
- ابن رشد (الحفيد) : بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، د. ت.
- ابن رشد (الجد) : المقدمات، دار صادر، بيروت، د. ت.
- ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩هـ =١٩٧٩ م.
- ابن عابدين: العقود الدرية، دارا لمعرفة، بيروت، ط٢، د. ت.
- ابن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تعليق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠ م.
- ابن قدامة: المغنى مع الشرح الكبير، دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٢هـ = ١٩٧٢م.
- ابن القيم: إعلام الموقعين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ط١، ١٣٧٤ هـ = ١٩٥٥م.
- ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد. تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م.
стр. 5803
- ابن القيم: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.
- الباجي: المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت.
- البيهقي: السنن الكبرى، دار الفكر، بيروت، د. ت.
- أبو عبيد: الأموال، تحقيق محمد حامد الفقي، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ١٣٥٣ هـ.
- الخرشي: الخرشي على مختصر خليل، دار صادر، بيروت، د. ت.
- الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر، بيروت، د. ت.
- الشافعي: الأم، طبعة دار الشعب، القاهرة، د. ت.
- الشيباني النحلاوي: الدرر المباحة في الحظر والإباحة.
- الشربيني: مغنى المحتاج، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ١٣٧٤ هـ = ١٩٥٥م.
- عبد الرزاق: المصنف، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمى، المكتب الإسلامي، بيروت، ط٢، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م.
- العيني: البناية في شرح الهداية، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠١ هـ = ١٩٨١م
- الفيروز آبادي: بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، المكتبة العلمية، بيروت، د. ت.
- مالك: الموطأ، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، د. ت.
стр. 5804
مراجع أخرى
- أبو زهرة: الشافعي، دار الفكر العربي، القاهرة، د. ت.
- أبو زهرة: مالك، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٩٧٨ م.
- خاطر (محمد) : جهاد في رفع بلوى الربا، بدون ناشر، وبدون تاريخ.
- الزرقا (مصطفى) : المصارف، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، ١٤٠٤هـ. ومنشور أيضا في كتاب " قراءات في الاقتصاد الإسلامي "، مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، ط١، ١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م.
- الزرقا (مصطفى) : نظام التأمين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٠٤ هـ.
- السنهوري (عبد الرزاق) : مصادر الحق في الفقه الإسلامي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
- صادر (يوسف) : مجموعة القوانين، بيروت. ١٩٢٩ م.
- الضرير (الصديق محمد الأمين) : الغرر وأثره في العقود، بدون ناشر، القاهرة، ط١، ١٣٨٦هـ = ١٩٦٧ م.
- المصري (رفيق يونس) : الحسم الزمني في الإسلام، مجلة المال والاقتصاد، بنك فيصل الإسلامي السوداني، الخرطوم، العدد ٢، لعام ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥ م.
- المصري (رفيق يونس) : الربا والحسم الزمني في الاقتصاد الإسلامي، دار حافظ، جدة، ط٢ –١، ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦ م.
- المصري (رفيق يونس) : ربا القروض وأدلة تحريمه، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة،١٤٠٨هـ.
- المصري (رفيق يونس) : القول الفصل في بيع الأجل، مجلة الأمة القطرية، العدد ٦٦ لعام ١٤٠٦ هـ= ١٩٨٦ م.
- مؤسسة النقد العربي السعودي: نظام مراقبة البنوك، صدر بموجب المرسوم الملكي رقم م /٥ وتاريخ ٢٢ / ٢/ ١٣٦٨ هـ، الرياض.
- الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، ج ٥ الشرعي، القاهرة، ط١، ١٤٠٢ هـ = ١٩٨٢م.
стр. 5805
مراجع في بيع المرابحة للآمر بالشراء
(قائمة مرتبة زمنيا)
- سامي حسن حمود: تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية القاهرة، ط١، ١٣٩٦ هـ.
- رفيق يونس المصري: كشف الغطاء عن بيع المرابحة للآمر بالشراء، في مجلة المسلم المعاصر، العدد ٣٢، لعام ١٤٠٢ هـ.
- حسن عبد الله الأمين: الاستثمار اللاربوي في نطاق عقد المرابحة، ورقة مقدمة إلى المؤتمر الثاني للاقتصاد الإسلامي، المنعقد في إسلام آباد ١٩- ٢٣ آذار (مارس) ١٩٨٣ م، ومنشورة في مجلة المسلم المعاصر، العدد ٣٥، لعام ١٤٠٣هـ.
- محمد سليمان الأشقر: بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية، ورقة مقدمة إلى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي، المنعقد في الكويت (بيت التمويل الكويتي) ٦ – ٨ جمادى الآخرة ١٤٠٣هـ = ٢١- ٢٣ آذار (مارس) ١٩٨٣م، ومنشورة لدى مكتبة الفلاح، الكويت، ط١، ١٤٠٤هـ = ١٩٨٤ م.
- عبد الرحمن عبد الخالق: شرعية المعاملات التي تقوم بها البنوك الإسلامية المعاصرة، مجلة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، العدد ٥٩، لعام ١٤٠٣ هـ.
- سامي حسن حمود: رد على نقد حول بيع المرابحة للآمر بالشراء، في مجلة المسلم المعاصر،. العدد ٣٦ لعام ١٤٠٣ هـ.
- عبد الحميد البعلى: فقه المرابحة، نشر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، د. ت. ثم نشر موسعا بعنوان " فقه المرابحة في التطبيق الاقتصادي المعاصر"، نشر السلام العالمية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، د. ت.
стр. 5806
- بدر عبد الله المطوع: المرابحة في البنوك الإسلامية ومناقشة وضعها على ضوء الأدلة، دون ناشر ولا تاريخ.
- يوسف القرضاوي: بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية، دار القلم، الكويت، ١٤٠٤ هـ.
- عبد الله العبادي: المرابحة والفوارق الأساسية بينها وبين السلم، مجلة منار الإسلام، العدد ٦ لعام ١٤٠٥هـ.
- رفيق يونس المصري: بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية، في مجلة الأمة القطرية، العدد ٦١ لعام ١٤٠٦ هـ، وصحيفة " المسلمون " العدد ٣٧ لعام ١٤٠٦ هـ.
- يوسف القرضاوي: بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية، في مجلة الأمة القطرية، العدد ٦٤ لعام ١٤٠٦ هـ، وصحيفة " المسلمون " العدد ٥٤ لعام ١٤٠٦هـ.
- محمد الشحات الجندي: عقد المرابحة بين الفقه الإسلامي والتعامل المصرفي، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٤٠٦هـ.
- أحمد علي عبد الله: المرابحة أصولها وأحكامها وتطبيقاتها في المصارف الإسلامية (رسالة دكتوراة بإشراف الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير) ، الدار السودانية للكتب الخرطوم، ط١، ١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م.
- أوراق ندوة استراتيجية الاستثمار في البنوك الإسلامية، بالتعاون بين المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب (البنك الإسلامي للتنمية) ، المنعقدة خلال المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي في الفترة ٢٢ – ٢٥شوال ١٤٠٧هـ = ١٨ – ٢١ حزيران (يونيو) ١٩٨٧م، في عمان (المملكة الأردنية الهاشمية) :
* حاتم القرنشاوي: الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لتطبيق عقد المرابحة.
* محمد فهيم خان: تطبيق عقد المرابحة في البنوك التجارية في باكستان.
* موسى شحادة: تجربة البنك الإسلامي الأردني.
* ايريك ترول شولتز: تجربة البنك الإسلامي في الدانمارك.
* شوقي إسماعيل شحاتة: تجربة بنوك فيصل الإسلامية، عقد المرابحة.
* محمد عبد الحليم عمر: التفاصيل العملية لعقد المرابحة في النظام المصرفي الإسلامي (مع استمارة استقصاء) .
* إسماعيل عبد الرحيم شلبي: الجوانب القانونية لتطبيق عقد المرابحة.
* أوصاف أحمد: الأهمية النسبية لطرق التمويل المختلفة في النظام المصرفي الإسلامي.
* سامي حسن حمود: تطبيقات بيوع المرابحة للآمر بالشراء.
* عبد الستار أبو غدة: أسلوب المرابحة والجوانب الشرعية التطبيقية في المصارف الإسلامية.
* منذر قحف: تعليق على الورقة السابقة.
стр. 5807
نظرة إلى عقد
المرابحة للآمر بالشراء
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
مسئول العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الدولية
وعضو مجمع الفقه الإسلامي
عن إيران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيد البشرية محمد خاتم الأنبياء وآله وصحبه
ربما أدعي الإجماع على صحة بيع المرابحة وهو (البيع مع الإخبار برأس المال ونوع الزيادة عليه) ووردت في ذلك روايات كثيرة عن أهل البيت ﵈ منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال – سألته عن الرجل يبيع السلعة ويشترط أن له نصفها: ثم يبيعها مرابحة أيحل له ذلك؟ قال: لا بأس (١) .
ورواية علي بن سعيد قال: سئل أبو عبد الله عن رجل يبتاع ثوبًا فيطلب مني مرابحة ترى ببيع المرابحة بأسا إذا أصدق في المرابحة وسمى ربحا دانقين أو نصف درهم؟ قال: لا بأس.
إلا أنه وردت أدلة أخرى على كراهتها من قبيل ما رواه محمد بن مسلم قال قال الصادق ﵇ : إني أكره بيع عشرة بإحدى عشرة ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة فقال: أتاني متاع من مصر فكرهت أن أبيعه كذلك وعظم علي فبعته مساومة " (٢) .
ولكي يتم التأكد من وقوع هذا البيع على الوجه الصحيح رأينا الفقهاء يشترطون شروطًا كثيرة فيه من قبيل:
العلم بقدر الثمن وقدر الربح والغرامة والمؤن.
ذكر البائع لما طرأ من نقص بعد الشراء.
ذكر البائع للأجل إذا كان الثمن مؤجلًا.
ذكر البائع لما عمله في السلعة
إذا كان البائع دلالًا فإنه يقول: تقوم علي بكذا ولا يقول ... اشتريته بكذا الثمن على البائع أن يسقط الأرش المأخوذ من مجموع الثمن لأن الأرش جزء الثمن إلى ما هنالك من شروط يشترطونها لتحقيق تلك الغاية وهي مقتضى الأمانة فإذا تبين بعد ذلك تخلف أي من هذه الشروط كان البائع آثمًا ولكن البيع صحيح يتخير فيه المشتري بين الأخذ بالثمن والرد.
بعد هذه المقدمة نركز على موضوع
стр. 5808
المرابحة للآمر بالشراء
فنقول: إن المعروف من هذه المعاملة يلخصها بأنها عملية يتقدم فيها شخص إلى آخر ليقوم هذا الآخر بشراء سلعة بأوصاف معينة ويعده الشخص الأول بشرائها منه مرابحة بنسبة يتفق عليها معه مقسطة وللعملية مراحل:
طلب الأول من الثاني شراء سلعة معينة.
وعد الثاني للأول بأنه سيشتري السلعة ويبيعها له.
وعد الأول للثاني بأنه سوف يشتري السلعة مرابحة بنسبة معينة بالأقساط شراء الثاني للسلعة.
بيعها للأول مرابحة
فما حكم هذه المعاملة؟
لا ريب في أنها معاملة صحيحة إذا كان فيها رضا الطرفين إلى نهاية المطاف لأنها تحقق كل مقومات العقد المقبول شرعًا أما إذا أردنا أن ندخل عنصر الإلزام في البين فهل يمكننا ذلك؟ وهل تصح المعاملة؟
أما إدخال عنصر الإلزام في معاملة غير ملزمة في الأصل – لو افترضنا ذلك – فهو ممكن من جهة ولا يضر من جهة أخرى.
ذلك أن الإلزام قد يأتي من شرط في عقد آخر، أو من نذر أو من يمين وحينئذ يكون ملزمًا ولا يغير من ماهية المعاملة ولا تنافي بينه وبين كونها في الأصل غير ملزمة.
ولكن هل يكفي الوعد هنا في تحقيق الإلزام؟
وفي الجواب لا بد من الرجوع إلى البحث التفصيلي في هذا الموضوع، ولكن نقول إجمالًا: بأن الوعد قد يكون ابتدائيًا دون أي أثر يترتب عليه، وهنا قد يمكن القول بأنه غير ملزم وقد يكون بمعنى التعهد والالتزام، وحينئذ فهناك من الأدلة ما يدعو بكل قوة للإلزام به – وفي طليعتها أدلة الوفاء بالوعد والعهد.
وكذلك للفهم العرفي لهذا الوعد على أساس الوجوب مما يجعله مصداقًا لقاعدة (المؤمنون عند شروطهم) .
ثم إنه يمكن القول بأن الوعد الابتدائي الآنف ذكره، إذا ترتب عليه ضرر عاد مصداقًا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وقد يقال هنا إن عدم الربح ليس من الضرر وإنما هو من عدم النفع، ولا يمكن القول هنا بأن حديث ((لا ضرر)) يشمل الواعد أيضًا لأنه هو الذي أوقع نفسه في هذا الضرر.
стр. 5809
كل هذا كان طبق القواعد الأولية في التعامل مع الحوادث، إلا أنه تطرح في البين أدلة خاصة يقال عنها إنها تخالف مقتضى القواعد الأولية، وهذه الأدلة هي:
١- دخول هذه المعاملة تحت عنوان بيع العينة المنهى عنه.
٢ – دخولها تحت عنوان (لا تبع ما ليس عندك) .
٣ – دخولها تحت عنوان النهي عن بيعتين في بيعة.
٤ – دخولها تحت عنوان المخاطرة.
٥ – دخولها تحت عنوان السلف والزيادة.
وهنا نقول في هذا الصدد.
إن هذه المعاملة لا تدخل تحت عنوان بيع العينة.
ذلك أن بيع العينة يصور بصور متفاوتة منها:
أن تباع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها البائع من المشتري بثمن معجل أقل مما باع به.
ومنها: أن يبيع صاحب السلعة سلعته نقدا، ثم يشتريها من المشترى نسيئة بمقدار أكثر قيمة – وهذه هي الصورة التي وردت فيها روايات الإمامية ومنها:
أن يبيع صاحب السلعة سلعته نسيئة بالسعر السوقي، ثم يشتريها منه بأقل من السعر السوقي نقدًا.
وعلى أي حال فقد وردت نصوص الإمامية، ببطلان هذه المعاملة منها صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر قال: سأله عن الرجل باع ثوبا بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشترها بخمسة دراهم بنقد أيحل؟ قال: إذا لم يشترطا ورضيا فلا بأس (١) وهي بمفهوم الشرط تدل على البطلان عند الاشتراط.
وعلى أي حال فإن هذا العنوان لا ينطبق على ما نحن فيه رغم وجود عنصر الإلزام في المعاملتين.
стр. 5810
كما أن عقدنا هذا لا يندرج تحت " بيع ما لا يملك " فإن عقد البيع إنما يقع بعد شراء البنك للسلعة ووضعها بين يدى العميل، وقبل ذلك لا يوجد إلا وعد بالبيع على أن بعض الفقهاء ذكروا أن المراد من حديث " لا تبع ما ليس عندك " النهي عن بيع العبد الآبق أو الجمل الشارد، حيث لا يتمكن المشتري فيه من تسلم المبيع ولا البائع من تسليمه، ويحصل منه الضرر، وهذا احتمال وجيه جدًا ويؤكده الفهم العرفي للأحاديث.
أما بالنسبة لمصداقية العقد لحديث (بيعتين في بيعة) فيقال فيه إن هذا الحديث وارد فيما إذا تمت المعاملة بعقدين كاملين وهنا قبل قبض العين لا يوجد بيع وإنما يوجد وعد بالبيع.
أما بالنسبة للمخاطرة فهو ما لم نتبين وجهه وربما كان في عدم الإلزام مخاطرة. وأخيرا فهل يمكن أن نعد هذه المعاملة من الربا، أو السلف والزيادة؟ الصحيح أنه لا يمكن عده كذلك لترتب أحكام الملكية، والبيع حقيقة على هذا المورد، فلو تلفت العين قبل بيعها تلفت من مالكها، فكيف يمكن عده تحايلًا على الربا؟ وهذا الجواب نقوله أيضا لمن قال بأن هذه المعاملة هي بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل (بينهما سلعة محللة) غايته قرض بفائدة.
والواقع أن كل بيع نسيئة أو بنقد يتضمن هذا المعنى فهل نحرم كل البيوع؟!
стр. 5811
رأي الإمامية في هذه المعاملة:
يلتزم الإمامية ببطلان مثل هذه المعاملة إذا كانت على نحو الإلزام للنصوص الكثيرة الواردة عن أهل البيت ومنها:
١- صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت للصادق (ع) : يجيئني الرجل فيطلب " منى" بيع الحرير، وليس عنده منه شيء، فيقاولني عليه، وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شيء ثم أذهب فاشتري له الحرير فأدعوه إليه، فقال: أرأيت إن وجد بيعًا هو أحب إليه مما عندك أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك؟ أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه؟ قلت: نعم. قال فلا بأس (١) وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن الإلزام في هذه المعاملة الثانية يوجد فيها البأس وهو معنى البطلان، وأما إذا كانت المعاملة الثانية خالية من الإلزام للمشتري وللبائع فلا بأس بها.
٢- صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت الصادق (ع) عن العينة فقلت يأتيني الرجل فيقول: اشتر المتاع واربح فيه كذا وكذا، فأراوضه على الشيء من الربح فنتراضى به، ثم أنطلق فأشتري المتاع من أجله، لولا مكانه لم أرده، ثم آتيه به فأبيعه، فقال: ما أرى بهذا بأسًا – لو هلك منه المتاع قبل أن تبيعه إياه كان من مالك، وهذا عليك بالخيار إن شاء اشتراه بعد ما تأتيه، وإن شاء رده فلست أرى به بأسًا (٢) .
٣- صحيحة منصور بن حازم قال: " قلت للصادق (ع) الرجل يريد أن يتعين من الرجل عينة، فيقول له الرجل: أنا أبعد بحاجتي منك، فأعطني حتى أشتري فيأخذ الدراهم فيشتري حاجته ثم يجيء، بها الرجل الذي له المال فيدفعه إليه، فقال: أليس إن شاء اشترى وإن شاء ترك، وإن شاء البائع باعه وإن شاء لم يبع؟ قلت نعم، قال: لا بأس (٣) .
٤ – وعن منصور بن حازم أيضًا قال: " سألت الصادق (ع) عن رجل طلب من رجل ثوبًا بعينة قال: ليس عندي. هذه دراهم فخذها فاشتر بها، فأخذها فاشترى بها ثوبا كما يريد، ثم جاء به أن يشتريه منه؟ فقال: أليس إن ذهب الثوب ثمن مال الذي أعطاه الدراهم؟ قلت: بلى، قال: إن شاء اشترى، وإن شاء لم يشتر؟
قلت: نعم، قال: لا بأس (٤) .
стр. 5812
٥- صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن العينة وقلت إن عامة تجارنا اليوم يعطون العينة، فأقص عليك كيف نعمل؟ قال: هات، قلت: يأتينا المساوم يريد المال فيساومنا وليس عندنا متاع، فيقول: أربحك " ده يازده"، وأقول أنا " ده دوازده " فلا نزال نترواض حتى نتراوض على أمر فإذا فرغنا قال: قلت أي متاع أحب إليك أن أشتري لك؟ فيقول: الحرير لأنه لا يجد شيئا أقل وضيعة منه، فأذهب وقد قاولته من غير مبايعة، فقال: أليس إن شئت لم تعطه، وإن شاء لم يأخذ منك؟ قلت: بلى، قال: فأذهب فأشتري له ذلك الحرير وأماكس بقدر جهدي، ثم أجيء به إلى بيتي فأبايعه، فربما أزددت عليه القليل على المقاولة، وربما أعطيته على ما قاولته، وربما تعاسرنا فلم يكن شيء فإذا اشترى مني ... فقال: أليس إنه لو شاء لم يفعل ولو شئت أنت لم تزد؟ فقلت: بلى لو أنه هلك فمن مالي، قال: لا بأس بهذا، إذا أنت لم تعد هذا فلا بأس به " (١) .
٦ – وعن خالد بن الحجاج قال: " قلت للصادق (ع) الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به ... " (٢) .
ولا بأس بالتنبيه: إلى وجود روايات تصحح هذه العملية من دون تفصيل بين صورة وجود الإلزام وعدمه، ولكن بواسطة هذه الروايات المتقدمة نعيدها بصورة عدم وجود الإلزام. فمن تلك الروايات المطلقة:
١ – " عن ابن سنان عن الإمام الصادق (ع) قال: " لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه، ثم تشتري له نحو الذي طلب، ثم توجبه على نفسك ثم تبيعه منه بعد " (٣) .
٢ – وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت الصادق (ع) عن الرجل يأتيني بطلب مني بيعًا وليس عندي ما يريد أن أبايعه به إلى السنة أيصلح لي أن أعده حتى أشتري متاعًا فأبيعه منه؟ قال: نعم " (٤) .
стр. 5813
٣ – صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (ع) قال: " سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لي متاعًا لعلي أشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من أجله، قال: ليس به بأس إنما يشتريه منه بعد ما يملكه" (١) .
وهناك صورة أخرى لمعاملة المرابحة للآمر بالشراء خلاصتها أن يقول الأول للثاني اشتر لي سلعة بعشرة دراهم نقدًا وأنا أشتريها منك باثنى عشر درهمًا إلى أجل.
وهذه معاملة باطلة وهناك نص صحيح يدل على ذلك.
فعن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل أمره نفر ليبتاع لهم بعيرًا بنقد ويزيدونه فوق ذلك نظرة فابتاع لهم بعيرًا ومعه بعضهم فمنعه أن يأخذ منهم فوق ورقه نظرة.
وتبطل أيضا صورة أخرى وهي ما لو قال الأول للثاني اشتر لي سلعة باثنى عشر إلى أجل وأنا أشتريها منك بعشرة نقدًا.
ويمكن أن يقال إن الروايات الآنفة شاملة لجميع هذه الصور في روحها، ولذا نفتي بعدم جواز هذه المعاملة إن كان فيها إلزام، اللهم إلا أن يأتي الإلزام من مصدر آخر كالنذر والعهد والشرط ضمن معاملة أخرى لازمة، فحينئذ يمكن التصحيح، إلا أن يقول أحد بأن الشارع قصد من مثل هذه المعاملة عدم الإلزام، وأصر عليه نظير إصراره على بقاء بعض الأمور مباحة، كالطلاق والزواج فلا يمكن الإلزام أو الالتزام بعدمه، وهذا القول رغم كونه قابلًا للتأمل لا يمكن الالتزام به كما نعتقد، كما أنه قد يقال بأن الشرط ضمن معاملة أخرى لازمة غير صحيح في هذا المورد، لأنه يعني إيجاب شيء لم يستوجب. وعلى أي حال يكفى النذر والعهد مع وجود إلزام حكومي للفرد بالعمل بما التزم به فيهما.
الشيخ / محمد علي التسخيري
стр. 5814
بيع المرابحة في الإصطلاح الشرعي
وآراء الفقهاء المتقدمين
فيه
إعداد
الشيخ محمد عبده عمر
باحث علمي في المركز اليمني للأبحاث الثقافية
بوزارة الثقافة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله. والصلاة والسلام على من قال: الدين المعاملة: أبي القاسم محمد خاتم الأنبياء وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وترسم خطاه إلى يوم الدين. وبعد.
فهذا بحث في موضوع: بيع المرابحة للآمر بالشراء.
واستجابة لرغبة مجمع الفقه الإسلامي المتضمنة خطاب سماحة أمينه العام المؤرخ ١٥ / ٨/ ١٤٠٨هـ في الكتابة في المواضيع التي تعرض على المجمع في دورته الخامسة المزمع انعقادها في ديسمبر ٨٨ م بدولة الكويت الشقيق فقد وقع اختياري على المواضيع التالية:
منزلة العرف من الأدلة الشرعية، وقد فرغت من الكتابة فيه. والآخر: بيع المرابحة.
وهو ما سوف نتناوله في بحثنا هذا إن شاء الله وقد قسم إلى المباحث التالية:
١- المبحث الأول:
تعريف بيع المرابحة في الاصطلاح الشرعي وآراء الفقهاء المتقدمين فيه.
٢- المبحث الثاني:
الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية إلخ.
٣- المبحث الثالث:
النظرة الفقهية إلى أدلة الخلاف ووجه الدلالة منها ومخارج الاستدلال. هذا والله وحده الهادف إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.
стр. 5815
المبحث الأول:
١- تعريف المرابحة في الاصطلاح الشرعي: هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحًا كأن يقول البائع أنا اشتريت هذه السلعة بمائة دينار أو هي علينا بمائة دينار وأبيعك إياها بمائة وعشرة. وهناك عدة تعاريف وكلها تدور حول هذا المعنى وكلها تعني الزيادة على رأس المال. فعند الحنفية: المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح. وقال بعض المالكية: المرابحة عبارة عن بيع السلعة بالثمن المشتراه به مع زيادة ربح معلوم للمتعاقدين: أما الحنابلة فقالوا: هو البيع برأس المال وربح معلوم. هذه التعاريف متقاربة المعنى كما نجدها مشتركة في مدلولها اللغوي: فالمرابحة في اللغة مشتقة من رابح واربح وكلا اللفظين يعنيان البيع أو الشراء بزيادة على رأس المال وهو الربح (١) وهذا هو المعنى الشرعي لمعنى المرابحة فاجتمع المدلول اللغوي مع المدلول الشرعي في الاصطلاح. وهذا التعريف للمرابحة ليس هو المقصود هنا بالبحث لأن بيع المرابحة بالتعريف المتقدم يكاد ينعقد الإجماع على صحته عند العلماء سلفا وخلفا بل إنه قد نقل الإجماع على صحة بيع المرابحة بالمعنى المتقدم وإن كان البعض من العلماء يفضل بيع المساومة عليه وهذا خلاف أفضلية وليس خلاف في عدم صحة بيع المرابحة. فبحثنا هذا لا يتعلق ببيع المرابحة بالمعنى الآنف الذكر على اعتبار أنه ليس هناك أي خلاف في صحته وجوازه وإن كانت هناك خلافات جزئية تفصيلية بين الفقهاء سلفا وخلفا وهذا شيء متعارف عليه بين الفقهاء في مسائل عديدة من فقه المعاملات وإن كنا لا بد وأن نتناول بيع المرابحة بالمعنى المذكور ولكنه ليس مقصودا لذاته بل لتحرير المسألة التي يتعلق بها بحثنا هذا وللإيضاح الكافي الذي يجلي المسألة المراد بحثها من أي ملابسة عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره ولكن بحثنا يتعلق بصورة التعامل التي تزاولها البنوك والمصارف الإسلامية تحت عنوان: بيع المرابحة للآمر بالشراء وصورتها: أن يتقدم العميل إلى البنك أو المصرف طالبا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد منه أي من العميل بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلا مرابحة بالنسبة التي يتفقان عليها ويدفع الثمن مقسطا حسب إمكانيته. فهذه الصورة كما يفهم من التعريف ذات شقين: أحدهما عندما يأتي العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة أو موصوفة ليست عند البنك فيعده البنك بأنه سيشتري السلعة التي يطلبها العميل ويبيعها له ويعده أي يعد العميل البنك بأنه سوف يشتري السلعة عند ما يقدمها البنك. وفي هذه الفترة يحددان الشراء والربح وطريقة الدفع نقدا أو مؤجلًا أو مقسطًا، وبعض المصارف أو البنوك تطلب دفع عربون مقدما.
والسلعة المطلوبة قد لا تكون موجودة في الأسواق المحلية فيستوردها البنك من الخارج.
٢- الشق الآخر: إبرام العقد وتبدأ بعد شراء البنك البضاعة وعرضها على العميل وقبوله لها: ما حكم هذه المعاملة في فقه الشريعة الإسلامية؟ فهذه هي نقطة البحث التي تتعلق بها الأنظار الشرعية. وإن كانت كما تقدمت الإشارة أتناول في البداية الموضوع بصفة عامة لتحرير وإيضاح نقطة البحث لا أكثر من ذلك.
المبحث الثاني: الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية إلخ.