رأي الإمامية في هذه المعاملة:
يلتزم الإمامية ببطلان مثل هذه المعاملة إذا كانت على نحو الإلزام للنصوص الكثيرة الواردة عن أهل البيت ومنها:
١- صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت للصادق (ع) : يجيئني الرجل فيطلب " منى" بيع الحرير، وليس عنده منه شيء، فيقاولني عليه، وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شيء ثم أذهب فاشتري له الحرير فأدعوه إليه، فقال: أرأيت إن وجد بيعًا هو أحب إليه مما عندك أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك؟ أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه؟ قلت: نعم. قال فلا بأس (١) وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن الإلزام في هذه المعاملة الثانية يوجد فيها البأس وهو معنى البطلان، وأما إذا كانت المعاملة الثانية خالية من الإلزام للمشتري وللبائع فلا بأس بها.
٢- صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت الصادق (ع) عن العينة فقلت يأتيني الرجل فيقول: اشتر المتاع واربح فيه كذا وكذا، فأراوضه على الشيء من الربح فنتراضى به، ثم أنطلق فأشتري المتاع من أجله، لولا مكانه لم أرده، ثم آتيه به فأبيعه، فقال: ما أرى بهذا بأسًا – لو هلك منه المتاع قبل أن تبيعه إياه كان من مالك، وهذا عليك بالخيار إن شاء اشتراه بعد ما تأتيه، وإن شاء رده فلست أرى به بأسًا (٢) .
٣- صحيحة منصور بن حازم قال: " قلت للصادق (ع) الرجل يريد أن يتعين من الرجل عينة، فيقول له الرجل: أنا أبعد بحاجتي منك، فأعطني حتى أشتري فيأخذ الدراهم فيشتري حاجته ثم يجيء، بها الرجل الذي له المال فيدفعه إليه، فقال: أليس إن شاء اشترى وإن شاء ترك، وإن شاء البائع باعه وإن شاء لم يبع؟ قلت نعم، قال: لا بأس (٣) .
٤ – وعن منصور بن حازم أيضًا قال: " سألت الصادق (ع) عن رجل طلب من رجل ثوبًا بعينة قال: ليس عندي. هذه دراهم فخذها فاشتر بها، فأخذها فاشترى بها ثوبا كما يريد، ثم جاء به أن يشتريه منه؟ فقال: أليس إن ذهب الثوب ثمن مال الذي أعطاه الدراهم؟ قلت: بلى، قال: إن شاء اشترى، وإن شاء لم يشتر؟
قلت: نعم، قال: لا بأس (٤) .
стр. 5812
٥- صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن العينة وقلت إن عامة تجارنا اليوم يعطون العينة، فأقص عليك كيف نعمل؟ قال: هات، قلت: يأتينا المساوم يريد المال فيساومنا وليس عندنا متاع، فيقول: أربحك " ده يازده"، وأقول أنا " ده دوازده " فلا نزال نترواض حتى نتراوض على أمر فإذا فرغنا قال: قلت أي متاع أحب إليك أن أشتري لك؟ فيقول: الحرير لأنه لا يجد شيئا أقل وضيعة منه، فأذهب وقد قاولته من غير مبايعة، فقال: أليس إن شئت لم تعطه، وإن شاء لم يأخذ منك؟ قلت: بلى، قال: فأذهب فأشتري له ذلك الحرير وأماكس بقدر جهدي، ثم أجيء به إلى بيتي فأبايعه، فربما أزددت عليه القليل على المقاولة، وربما أعطيته على ما قاولته، وربما تعاسرنا فلم يكن شيء فإذا اشترى مني ... فقال: أليس إنه لو شاء لم يفعل ولو شئت أنت لم تزد؟ فقلت: بلى لو أنه هلك فمن مالي، قال: لا بأس بهذا، إذا أنت لم تعد هذا فلا بأس به " (١) .
٦ – وعن خالد بن الحجاج قال: " قلت للصادق (ع) الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به ... " (٢) .
ولا بأس بالتنبيه: إلى وجود روايات تصحح هذه العملية من دون تفصيل بين صورة وجود الإلزام وعدمه، ولكن بواسطة هذه الروايات المتقدمة نعيدها بصورة عدم وجود الإلزام. فمن تلك الروايات المطلقة:
١ – " عن ابن سنان عن الإمام الصادق (ع) قال: " لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه، ثم تشتري له نحو الذي طلب، ثم توجبه على نفسك ثم تبيعه منه بعد " (٣) .
٢ – وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت الصادق (ع) عن الرجل يأتيني بطلب مني بيعًا وليس عندي ما يريد أن أبايعه به إلى السنة أيصلح لي أن أعده حتى أشتري متاعًا فأبيعه منه؟ قال: نعم " (٤) .
стр. 5813
٣ – صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (ع) قال: " سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لي متاعًا لعلي أشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من أجله، قال: ليس به بأس إنما يشتريه منه بعد ما يملكه" (١) .
وهناك صورة أخرى لمعاملة المرابحة للآمر بالشراء خلاصتها أن يقول الأول للثاني اشتر لي سلعة بعشرة دراهم نقدًا وأنا أشتريها منك باثنى عشر درهمًا إلى أجل.
وهذه معاملة باطلة وهناك نص صحيح يدل على ذلك.
فعن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل أمره نفر ليبتاع لهم بعيرًا بنقد ويزيدونه فوق ذلك نظرة فابتاع لهم بعيرًا ومعه بعضهم فمنعه أن يأخذ منهم فوق ورقه نظرة.
وتبطل أيضا صورة أخرى وهي ما لو قال الأول للثاني اشتر لي سلعة باثنى عشر إلى أجل وأنا أشتريها منك بعشرة نقدًا.
ويمكن أن يقال إن الروايات الآنفة شاملة لجميع هذه الصور في روحها، ولذا نفتي بعدم جواز هذه المعاملة إن كان فيها إلزام، اللهم إلا أن يأتي الإلزام من مصدر آخر كالنذر والعهد والشرط ضمن معاملة أخرى لازمة، فحينئذ يمكن التصحيح، إلا أن يقول أحد بأن الشارع قصد من مثل هذه المعاملة عدم الإلزام، وأصر عليه نظير إصراره على بقاء بعض الأمور مباحة، كالطلاق والزواج فلا يمكن الإلزام أو الالتزام بعدمه، وهذا القول رغم كونه قابلًا للتأمل لا يمكن الالتزام به كما نعتقد، كما أنه قد يقال بأن الشرط ضمن معاملة أخرى لازمة غير صحيح في هذا المورد، لأنه يعني إيجاب شيء لم يستوجب. وعلى أي حال يكفى النذر والعهد مع وجود إلزام حكومي للفرد بالعمل بما التزم به فيهما.
الشيخ / محمد علي التسخيري
стр. 5814
بيع المرابحة في الإصطلاح الشرعي
وآراء الفقهاء المتقدمين
فيه
إعداد
الشيخ محمد عبده عمر
باحث علمي في المركز اليمني للأبحاث الثقافية
بوزارة الثقافة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله. والصلاة والسلام على من قال: الدين المعاملة: أبي القاسم محمد خاتم الأنبياء وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وترسم خطاه إلى يوم الدين. وبعد.
فهذا بحث في موضوع: بيع المرابحة للآمر بالشراء.
واستجابة لرغبة مجمع الفقه الإسلامي المتضمنة خطاب سماحة أمينه العام المؤرخ ١٥ / ٨/ ١٤٠٨هـ في الكتابة في المواضيع التي تعرض على المجمع في دورته الخامسة المزمع انعقادها في ديسمبر ٨٨ م بدولة الكويت الشقيق فقد وقع اختياري على المواضيع التالية:
منزلة العرف من الأدلة الشرعية، وقد فرغت من الكتابة فيه. والآخر: بيع المرابحة.
وهو ما سوف نتناوله في بحثنا هذا إن شاء الله وقد قسم إلى المباحث التالية:
١- المبحث الأول:
تعريف بيع المرابحة في الاصطلاح الشرعي وآراء الفقهاء المتقدمين فيه.
٢- المبحث الثاني:
الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية إلخ.
٣- المبحث الثالث:
النظرة الفقهية إلى أدلة الخلاف ووجه الدلالة منها ومخارج الاستدلال. هذا والله وحده الهادف إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.
стр. 5815
المبحث الأول:
١- تعريف المرابحة في الاصطلاح الشرعي: هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحًا كأن يقول البائع أنا اشتريت هذه السلعة بمائة دينار أو هي علينا بمائة دينار وأبيعك إياها بمائة وعشرة. وهناك عدة تعاريف وكلها تدور حول هذا المعنى وكلها تعني الزيادة على رأس المال. فعند الحنفية: المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح. وقال بعض المالكية: المرابحة عبارة عن بيع السلعة بالثمن المشتراه به مع زيادة ربح معلوم للمتعاقدين: أما الحنابلة فقالوا: هو البيع برأس المال وربح معلوم. هذه التعاريف متقاربة المعنى كما نجدها مشتركة في مدلولها اللغوي: فالمرابحة في اللغة مشتقة من رابح واربح وكلا اللفظين يعنيان البيع أو الشراء بزيادة على رأس المال وهو الربح (١) وهذا هو المعنى الشرعي لمعنى المرابحة فاجتمع المدلول اللغوي مع المدلول الشرعي في الاصطلاح. وهذا التعريف للمرابحة ليس هو المقصود هنا بالبحث لأن بيع المرابحة بالتعريف المتقدم يكاد ينعقد الإجماع على صحته عند العلماء سلفا وخلفا بل إنه قد نقل الإجماع على صحة بيع المرابحة بالمعنى المتقدم وإن كان البعض من العلماء يفضل بيع المساومة عليه وهذا خلاف أفضلية وليس خلاف في عدم صحة بيع المرابحة. فبحثنا هذا لا يتعلق ببيع المرابحة بالمعنى الآنف الذكر على اعتبار أنه ليس هناك أي خلاف في صحته وجوازه وإن كانت هناك خلافات جزئية تفصيلية بين الفقهاء سلفا وخلفا وهذا شيء متعارف عليه بين الفقهاء في مسائل عديدة من فقه المعاملات وإن كنا لا بد وأن نتناول بيع المرابحة بالمعنى المذكور ولكنه ليس مقصودا لذاته بل لتحرير المسألة التي يتعلق بها بحثنا هذا وللإيضاح الكافي الذي يجلي المسألة المراد بحثها من أي ملابسة عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره ولكن بحثنا يتعلق بصورة التعامل التي تزاولها البنوك والمصارف الإسلامية تحت عنوان: بيع المرابحة للآمر بالشراء وصورتها: أن يتقدم العميل إلى البنك أو المصرف طالبا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد منه أي من العميل بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلا مرابحة بالنسبة التي يتفقان عليها ويدفع الثمن مقسطا حسب إمكانيته. فهذه الصورة كما يفهم من التعريف ذات شقين: أحدهما عندما يأتي العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة أو موصوفة ليست عند البنك فيعده البنك بأنه سيشتري السلعة التي يطلبها العميل ويبيعها له ويعده أي يعد العميل البنك بأنه سوف يشتري السلعة عند ما يقدمها البنك. وفي هذه الفترة يحددان الشراء والربح وطريقة الدفع نقدا أو مؤجلًا أو مقسطًا، وبعض المصارف أو البنوك تطلب دفع عربون مقدما.
والسلعة المطلوبة قد لا تكون موجودة في الأسواق المحلية فيستوردها البنك من الخارج.
٢- الشق الآخر: إبرام العقد وتبدأ بعد شراء البنك البضاعة وعرضها على العميل وقبوله لها: ما حكم هذه المعاملة في فقه الشريعة الإسلامية؟ فهذه هي نقطة البحث التي تتعلق بها الأنظار الشرعية. وإن كانت كما تقدمت الإشارة أتناول في البداية الموضوع بصفة عامة لتحرير وإيضاح نقطة البحث لا أكثر من ذلك.
المبحث الثاني: الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية إلخ.
стр. 5816
تقدمت الإشارة إلى أن بيع المرابحة بالتعريف الفقهي المتقدم باستثناء تعريف نقطة البحث من البيوع الجائزة بين الفقهاء ويشترط في بيع المرابحة ما يشترط في البيع بصفة عامة ويختص بشروط خاصة أهم ما فيها علم المتابيعين برأس المال والربح كأن يقول البائع: رأس مالي مائة وربح عشرة. وفي هذا المبحث مسائل لا بد من تناولها. منها ما هو الذي يعد من رأس المال مما لا يعد وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبنى عليه الربح. والأخرى حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن.
فأما ما يعد في الثمن مما لا يعد: أي مما ينوب البائع على السلعة زائد على الثمن فإن المالكية يقسمونه إلى ثلاثة أقسام: قسم يعد في أصل الثمن ويكون له حظ من الربح. وقسم يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح وقسم لا يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح. فأما الذي يحسب في رأس المال ولا يجعل له حظ من الربح فهو الذي لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن البائع أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد وقال أبو حنيفة بل يحتمل على ثمن السلعة كل ما نابه عليها وقال أبو ثور: لا تجوز المرابحة إلا بالثمن الذي اشترى به السلعة فقط. إلا أن يفصل ويفسخ عند البيع إن وقع، قال: لأنه كذب لأنه يقول: أي صاحب السلعة ثمن سلعتي كذا وكذا وليس الأمر كذلك وهو عنده أي عند أبي ثور من باب الغش. وأما الذي يحسب في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثرا في عين السلعة مثل الخياطة والصباغ. وأما صفة رأس المال: أي الثمن الذي يجوز أن يخبر به فإن مالكًا والليث بن سعد قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير والصرف يوم اشتراها صرف معلوم ثم باعها بدنانير تختلف عن الدنانير التي اشترى بها أو بدراهم والصرف قد تغير إلى زيادة أنه ليس له أن يطلب سعر الصرف الذي كان يوم شرائه للسلعة. كما اختلف بعض فقهاء المالكية: فيمن ابتاع سلعة بعروض هل يجوز له أن يبيعها مرابحة أم لا يجوز فقال ابن القاسم يجوز له بيعها بالثمن الذي اشتراها به من العروض ولا يجوز له على القيمة. وقال أشهب: لا يجوز لمن اشترى سلعة من العروض أن يبيعها مرابحة لأنه يطالبه بعروض على صفة عرضه. وفي الغالب لا يكون عنده فهو من باب بيع ما ليس عنده. كما اختلف مالك وأبو حنيفة فيمن اشترى سلعة بدنانير ثم أخذ بالدنانير عروضا أو دراهم فهل يجوز له بيعها مرابحة دون أن يعلم (١) بما نقد أم لا يجوز؟ فقال مالك لا يجوز إلا أن يعلم بما نقد وقال أبو حنيفة يجوز أن يبيعها منه مرابحة على الدنانير التي ابتاعها: أي التي ابتاع بها السلعة دون العروض التي أعطى فيها أو الدراهم. وقال مالك أيضا فيمن اشترى سلعة بأجل فباعها مرابحة أنه لا يجوز حتى يعلم بالأجل وقال الشافعي إن وقع كان للمشترى مثل أجله. وقال أبو ثور هو كالعيب وله الرد به أما حكم ما وقع فيه من الزيادة والنقصان في خبر البائع بالثمن. فقد اختلف فيه فقهاء السلف ومن هذه المسائل مسألة من ابتاع سلعة مرابحة على ثمن ذكره ثم ظهر بعد ذلك إما بإقراره أو ببينة أنه كان أقل، والسلعة قائمة فقال مالك وجماعة: المشتري بالخيار.
стр. 5817
إما أن يأخذ بالثمن الذي صح أو يترك إذا لم يلزمه البائع أخذها بالثمن الذي صح، وإن ألزمه لزمه. وقال أبو حنيفة ونفر بل المشتري بالخيار على الإطلاق ولا يلزمه الأخذ بالثمن الذي إن ألزمه البائع لزمه. وقال الثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة بل يبقى البيع لازمًا لهما بعد حط الزيادة وعن الشافعي قولان قول بالخيار مطلقا وقول باللزوم بعد الحط وحجة من أوجب البيع بعد الحط أن المشتري إنما أربحه على ما ابتاع به السلعة لا غير ذلك فلما ظهر خلاف ما قال وجب أن يرجع إلى الذي ظهر كما لو أخذه بكيل معلوم فخرج بغير ذلك الكيل إنه يلزمه توفية ذلك الكيل. وحجة من رأى أنه الخيار مطلقًا تشبيه الكذب في هذه المسألة بالعيب أعنى أنه كما يوجب العيب الخيار كذلك يوجب الكذب.
وأما إذا فاتت السلعة فقال الشافعي يحط مقدار ما زاد من الثمن وما وجب له من الربح وقال مالك: إن كانت قيمتها يوم القبض أي يوم البيع على خلاف عنه في ذلك مثل ما وزن المباع أو أقل فلا يرجع عليه بشيء: أي فلا يرجع عليه المشتري بشيء وإن كانت القيمة أقل خير البائع بين رده للمشتري القيمة أورده الثمن أو إمضائه السلعة بالثمن الذي صح. وأما إذا باع الرجل سلعته مرابحة ثم أقام البينة أن ثمنها أكثر مما ذكره وأنه وهم في ذلك والسلعة قائمة. فقال الشافعي: لا يسمع منه تلك البينة لأنه كذبها آخر. وقال مالك في هذه المسألة إذا فاتت السلعة يخير المبتاع أن يعطى قيمة السلعة يوم قبضها أو أن يأخذها بالثمن الذي صح. ومعرفة أحكام هذا البيع في مذهب السادة المالكية. ينبني على معرفة أحكام ثلاثة وما تركب منها وهي حكم مسألة الكذب وحكم مسألة الغش وحكم مسألة وجود العيب فأما حكم الكذب فقد تقدمت الإشارة، وأما حكم الرد بالعيب فهو حكمه في البيع المطلق. وأما حكم الغش عنده فهو تخيير البائع مطلقا وليس للبائع أن يلزمه البيع وإن حط عنه مقدار الغش كما له ذلك في مسألة الكذب (١) .
стр. 5818
ومما تقدم يتضح لنا بأن هذه المعاملة معروفة في كتب الفقه الإسلامي. أما الخلاف فيما يتعلق ببحثنا فهو وقوع البيع على الإلزام من أول الأمر بمعنى أن البنك ملزم بالبيع مرابحة للآمر بالشراء. والآمر بالشراء ملزم بتنفيذ وعده بالشراء عندما يقدم له البنك السلعة المطلوبة. فهذه معاملة مركبة من وعد بالشراء وبيع المرابحة فهي في الحقيقة ليست من باب بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأن البنك لا يبيع شيئا ابتداء، وإنما يتلقى أمرًا بالشراء وبالتالي فهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب منه ويعرضه على المشتري ليرى ما إذا كان مطابقًا لما وصف أم لا. وبالتالي فإن هذه المعاملة لا تنطوي على ربح ما لم يضمن؛ لأن البنك قد اشترى فأصبح مالكا يتحمل تبعة الهلاك.
هذه خلاصة وجهة نظر المجيزين لهذه المعاملة من بعض الفقهاء المعاصرين، أما علماء السلف بما فيهم أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة فلا أعلم أحدًا منهم أجاز هذه المعاملة، والمشهور من بعض علماء السلف ﵃ جواز هذه المعاملة إذا جعل الخيار للطرفين أو لأحدهما. أما الفقهاء المعاصرون فإن أول خلاف ظهر بينهم في هذه المسألة عندما طرح هذا الموضوع على بساط البحث في مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩م، وكان رأي الأغلبية جواز الإلزام بالوعد في هذه المعاملة وقد جاءت توصية المؤتمر كالتالي: " يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعدًا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذلك الشرط. إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقا لأحكام المذهب المالكي. وملزم للطرفين ديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه. تحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية وقد يحتاج الإلزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية إلى إصدار قانون بذلك " نصًّا: (١) .
стр. 5819
وطرح هذا الموضوع نفسه في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت في جمادى الآخر ١٤٠٣ هـ مارس ١٩٨٣، وأصدر المؤتمر فيه التوصية التالية:
٨ – " يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أمر جائز شرعًا طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي. وأما بالنسبة للوعد ملزما للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة المصرف، والأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات وقيمة مراعاة لمصلحة المصرف والعميل وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعًا وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه " نصًّا.
بهذا الاستعراض للسوابق التاريخية للموضوع وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بنقطة البحث نخلص من تحرير الموضوع إلى النقاط التالية:
١ – أولا عنوان بحث الموضوع والمحدد تسميته من قبل المجمع: ببيع المرابحة للآمر بالشراء غير دقيق؛ لأن هذا العنوان تدخل فيه صور من بيع المرابحة للآمر بالشراء أجازها العلماء سلفا وخلفا مما جعل البحث في الموضوع محل التباس تبعًا لالتباس العنوان. وأرى ضرورة التسمية التالية: بيع الأمانة للآمر بالشراء لمقابل ربح معلوم للبائع المؤتمن على شراء السلعة للآمر بالشراء؛ لأن هذا البيع في نظري هو بيع أمانة أقرب منه للمرابحة، وهذا التخريج لهذا النوع من البيع يخرجنا من الخلاف الفقهي وعلى وجه الخصوص يخرجنا من النص النبوي الشريف الذي يتمسك به بعض الفقهاء من قوله ﵊: " لا تبع ما ليس عندك " على أن لي بعض الملاحظات على وجه الاستدلال بهذا الحديث سوف أوضحها في مكانها من هذا البحث إن شاء الله. كما يخرجنا من الخلاف الفقهي الذي يمثل من وجهة نظري جوهر الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة سلفا وخلفا والخاص بالوفاء بالوعد من جانب العميل خاصة إذا علمنا بأن جمهور الفقهاء قد جوزوا هذا النوع من البيع إذا جعل الخيار للطرفين أو لأحدهما. كما أن الفقهاء المعاصرين مجمعون ولا يوجد بينهم خلاف حسب علمي بأن الخيار في هذا النوع من البيع، إذا جعل الطرفان بالخيار أو أحدهما فإنه يعتبر جائز شرعًا، وإنما الخلاف بين السلف والخلف منصب في هذه المسألة على الوعد الذي يعد به العميل البنك أو المصرف من أخذ السلعة عندما يقدمها له البنك وتكون مطابقة للمواصفات التي اشترطها العميل في توفرها في السلعة. هل الوعد شرعًا ملزم للعميل بأخذ السلعة أو ليس ملزما. وقد تقدم لنا في هذا البحث استعراض أقوال الفقهاء وخلاصة مؤتمرَي دبي والكويت.
стр. 5820
٢ – ثانيا: استدلال بعض الفقهاء بحديث: لا تبع ما ليس عندك، ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مسألتنا مناط البحث واضح: وهو أن البنك أو المصرف عندما يعد العميل ببيع السلعة لا يكون البنك أو المصرف قد ملك تلك السلعة، وبالتالي فإن هذا البيع لا يجوز استنادًا إلى نص الحديث. ولكن هذا الاستدلال من وجهة نظري غير دقيق للأسباب التالية.
١ – أولا: أن قوله ﵊: ((لا تبع ما ليس عندك)) يحتمل أن النهي منصب على تحريم بيع الإنسان لأخيه شيئًا لا يقدر على تسليمه للمشتري وقت العقد؛ لأن هذا النوع من البيع نوع من بيوع الغرر التي نهى الشارع عنها، ومن الأمور التي لا يستطيع البائع تسليمها وقت العقد كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء ومن باب أولى يشمل النهي بيع الفضولي ما ليس يملكه وإن كان بعض الفقهاء قد أجازوه إذا أجازه من يملك عين المبيع بالشروط المعتبرة، كما يحتمل أن ينصب النهي على كل بيع لا يستطيع البائع تسليمه للمشتري وقت إبرام العقد وإن كان يملكه، هذا من ناحية وجه الاستدلال بهذا الحديث على مسألتنا فالحديث بهذا الاحتمال تصبح دلالته ظنية أي غير قائمة الحجة على المخالف؛ لأنها غير قطعية الدلالة على محل الخلاف، أما من ناحية أصولية فإن الحديث يشتمل على عموم وخصوص مطلق يجتمعان في النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، وينفرد الجواز في بيع الإنسان ما يملكه مما هو قادر على تسليمه؛ لأنه يسمى عرفًا عنده وإن كان غير قادر على تسليمه وقت العقد إذا أخبر المشتري بذلك وهذا ما جرى عليه عرف المسلمين في معاملاتهم.
وبالنظر إلى مناط الاستدلال بهذا الحديث على مسألتنا نجد وجه الاستدلال غير دقيق؛ لأن هذه المسألة مركبة من طرفين أو جزأين من وعد بالشراء من جانب العميل طرف، وبيع بالمرابحة من جانب البنك أو المصرف وبالتالي فهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده، فجهة النهي منفكة؛ لأن البنك لا يبيع شيئا ابتداء وإنما يتلقى أمرا بالشراء وبالتالي فهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب منه وطبقًا للمواصفات الدقيقة التي يحددها الآمر بالشراء، فإذا جاءت السلعة على خلاف الشروط والمواصفات الدقيقة فإن المشتري بالخيار إن شاء عقد الصفقة وأبرم العقد، وإن شاء فسخ البيع باتفاق المذاهب الفقهية، وليس في هذا النوع من البيع شيء من الغرر المحتمل وجوده في حديث: لا تبع ما ليس عندك، كما تقدمت الإشارة، ومعلوم عند علماء سلف الأمة وخلفها بأن نصوص الكتاب والسنة الخاصة بالمعاملات معللة ومعقولة المعنى وخاضعة للحكمة والمصلحة التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، ومن هذا المنطلق كانت المذاهب الفقهية وزخرت المكتبات بإنتاج العقول المتفقهة في كنوز الكتاب والسنة. وهذه هي مهمة المجمع الذي بدأ بخطى ثابتة ومباركة مما جعله الآن موضع اهتمام أمتنا الإسلامية التي تأمل من علمائها وفقهائها الأجلاء مساندتها ومساعدتها على جمع كلمتها في الرأي خاصة في هذا الظرف الذي نجد فيه أمتنا الإسلامية مستهدفة من الطامعين في خيراتها وموقعها والذين ما برحوا يخططون لزرع الفتن بين أبنائها.
стр. 5821
فإذا لم نجد للمسألة حكمًا من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ولا القياس الصحيح فإن الواجب على المجتهد والحالة هذه أن يلجأ للالتماس في حكم المسألة إلى المصادر الشرعية المعتبرة.
المبحث الثالث: النظرة الفقهية إلى أدلة الخلاف ووجه الدلالة منها ومخارج الاستدلال:
أن أدلة الخلاف في المسألة مناط البحث تنحصر أصولها في الآتي:
١ – عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال ((: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) رواه الخمسة إلا ابن ماجه. الحديث: في ج٢ من كتاب المنتقى لابن تيمية الجَدّ، طبعة أولى عام ١٣٥١ هـ- ١٩٣٢ م ص٣٣٢ (١) .
٢ – عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط)) ثم قال ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في الأوسط وهو غريب، متن بلوغ المرام (٢) .
стр. 5822
٣ – عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: ((قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق. فقال: لا تبع ما ليس عندك)) ، رواه الخمسة، هذه هي النصوص الثابتة بالسنة ومكان الدليل منها على المسألة عند القائلين به هو قوله ﵊: ((لا تبع ما ليس عندك)) ، وقد سبق في المبحث الثاني مناقشتي لوجه الدلالة، ووجهة نظر المستدلين بها. وقصدت بجمع نصوص الحديث وكان بالإمكان الاكتفاء بحديث حكيم بن حزام لولا أن الإمام محمد بن علي الشوكاني ﵁ قال في سنده عند شرحه للحديث: ما يلي " الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن حيكم، انتهى. وفي بعض طرقه عبد الله بن عصمة زعم عبد الحق أنه ضعيف جدا، قال: والكلام للشوكاني:ولم يتعقبه ابن القطان بل نقل عن ابن حزم أنه مجهول. قال الحافظ وهو جرح مردود فقد روى عنه ذلك ثلاثة كما في التلخيص وقد احتج به النسائي، وفي الباب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أبي داود والترمذي، وصححه النسائي وابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ ((:لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا في ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) قال الإمام الشوكاني: قوله: " ما ليس عندك "، أي ما ليس في ملكك وقدرتك. ثم قال: والظاهر أنه يصدق على العبد المغصوب الذي لا يقدر على انتزاعه ممن هو في يده، وعلى الآبق الذي لا يعرف مكانه، والطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه، ويدل على ذلك معنى عند لغة، قال الرضى: إنها تستعمل في الحاضر القريب وما هو في حوزتك وإن كان بعيدا، انتهى. فيخرج عن هذا ما كان غائبًا خارجا عن الملك أو داخلًا فيه خارجًا عن الحوزة. وظاهره أنه يقال لما كان حاضرا وإن كان خارجا عن الملك فمعنى قوله ﷺ وآله وسلم ((لا تبع ما ليس عندك)) أي ما ليس حاضرا عندك ولا غائبا في ملكك وتحت حوزتك. قال البغوي: النهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان التي لا يملكها، أما بيع شيء موصوف في ذمته فيجوز فيه السلم بشروطه فلو باع شيئا موصوفا في ذمته عام الوجود عند المحل المشروط في البيع جاز، وإن لم يكن المبيع موجودا في ملكه حالة العقد كالسلم. قال: وفي المعنى بيع ما ليس عنده في الفساد بيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه إلى محله، فإن اعتاد الطائر أن يعود ليلًا لم يصح عند الأكثر إلا النحل، فإن الأصح فيه الصحة كما قاله النووي في زيادات الروضة وظاهر النهي تحريم بيع ما لم يكن في ملك الإنسان ولا داخلا تحت مقدرته. وقد استثنى من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم.
وكذلك إذا كان المبيع في ذمة المشتري إذ هو كالحاضر المقبوض، هذه خلاصة وجهة نظر الإمام الشوكاني ومن نقل عنهم، نجد فيها الاحتمالات التي أشرنا إلى بعضها في المبحث الثاني من هذا البحث. ولكنا نجد الإمام النووي يصرح بجواز البيع إذا كان البيع في ذمة المشتري إذ هو - أي المبيع - كالحاضر المقبوض، انتهى.
стр. 5823
وإذا أمعنا النظر في حديث حكيم بن حزام وفي استفتائه للنبي ﵊ بهذه الصيغة: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق، إن المعنى المتبادر إلى الذهن من منطوق الحديث أن الرجل طالب السلعة يأتي إلى حكيم ليأخذ منه سلعة في الحال، فيتفقان على الثمن دون علم المشتري أن السلعة التي أبرم بشأنها العقد غير موجودة عند حكيم، ثم يذهب حكيم خلسة إلى السوق فيبحث عن السلعة التي عقد بشأنها العقد مع المشتري فيأخذها من السوق فيأتي بها ليسلمها إلى المشتري. فكانت فتوى هذا السؤال: لا تبع ما ليس عندك، لما في ذلك من الغرر والمخاطرة.
أما الغرر فلما فيه من إيهام المشتري بأن السلعة المطلوبة موجودة لدى البائع وقت إبرام العقد حيث لم يقل حكيم: إنه ليأتيني الرجل فيسألني عن البيع، فأقول له السلعة المطلوبة ليست عندي ولكني أعدك بعد إبرام العقد بالذهاب إلى السوق، وأخذها وأعرضها لك وتسليمك إياها حسب المواصفات المتفق عليها في صيغة العقد. فلو كان السؤال على هذا الوجه الذي يحاول المستدل على تحريم نوع البيع في مسألتنا هذه لربما كانت الفتوى بقوله ﵊ ((لا تبع ما ليس عندك)) على خلاف ما هي عليه.
فوجه الدلالة في الحديث افتراضية على خلاف منطوق الحديث ومفهومه وسببه. وأما المخاطرة فلربما ذهب إلى السوق فلم يجد السلعة المباعة مما يثير الخلاف والمنازعة بين البائع ما ليس عنده والمشتري. . . إلخ.. وربما كانت حاجة المشتري إلى السلعة لا تحتمل التأخير إما لحاجته إليها في الحال وإما لنفاذها من السوق بسبب إيهام المشتري بأن السلعة المطلوبة بحوزة البائع مما يجعل المشتري يطمئن إلى محادثة البائع المدلس وضياع جزء من الوقت كان بإمكان المشتري طالب السلعة الحصول عليها بيسر وسهولة لو أن البائع المدلس قال لطالب السلعة: السلعة المطلوبة لا توجد الآن عندي فإن أحببت أحضرتها لك عند الحصول عليها، وإن كنت تريدها الآن فبإمكانك الذِّهَاب إلى السوق أو إلى التاجر الفلاني وهذا من باب النصيحة.
٢ – الدليل الثاني من أدلة الخلاف يتعلق بالعميل: أي الوفاء بالوعد بمعنى هل الوفاء بالوعد من جانب العميل يأخذ السلعة عند إحضارها من قبل البنك أو المصرف ملزم أو غير ملزم. ومما زاد الخلاف في المسألة: صيغ الوفاء بالوعد من الكتاب والسنة مختلفة حسب اختلاف الآثار المترتبة عليها فليست كلها تحمل على الوجوب، وليست كلها تحمل على الندب والاستحباب. مما حدا ببعض الفقهاء إلى التفريق بين الوفاء بالوعود التي يترتب على عدم الوفاء بها إضرار للطرف الآخر فجعلوا الوفاء بها واجب وملزم مثل أن يقول فلان من الناس لآخر: اهدم دارك هذه وابن مكانها أخرى وأنا أسلفك ما تحتاج إليه من تكاليف بناء للدار. فيقوم صاحب الدار بهدمها، فإن الوفاء بالوعد ملزم؛ لأن الواعد أدخل الموعود في ورطة، وعلى ذلك فقس مثل قول الواعد لآخر: تزوج وأنا أسلفك تكاليف الزواج، ونحو ذلك، فقالوا: بلزوم كل وعد أدخل الموعود في ضرر من جراء تسبب عدم وفاء الواعد بوعده كما ذهب فريق من الفقهاء إلى الإلزام بالوفاء بالوعد مطلقًا.
стр. 5824
وفريق آخر ذهب إلى عدم الإلزام بالوعد مطلقا، ومن هذا الفريق الأئمة الثلاثة ورواية عن الإمام مالك. علمًا بأن الأئمة الثلاثة ما عدا مالك يجوزون هذا النوع من البيع إذا كان الخيار لهما أو لأحدهما، ولم يحتجوا بحديث حكيم بن حزام المتقدم على فساد البيع مما أضعف الاستدلال به في مسألتنا هذه، ومما يلاحظ في هذه المسألة أن كلام الفقهاء منصب في باب الوفاء بالوعد على العميل دون صاحب البنك أو المصرف فيما إذا لم يلتزم بالوفاء للعميل حسب الاتفاق الذي تم بينهما، فحسب علمي لم أجد أحدًا تناول الطرف الآخر بالإلزام أو بعدمه أو غير ذلك، كما هو الخلاف بالنسبة للعميل علمًا بأن الأضرار التي تلحق بصاحب البنك أو المصرف قد تلحق بالعميل إذا كان يترتب على عدم وفاء البنك بما التزم به من إحضار السلعة بوقت معين معلوم إضرار بالعميل: والخلاصة لهذا المبحث تتحدد في أن النصوص التي وردت في إطار الظنية في ثبوتها أو دلالتها، وهنا يتصدى الاجتهاد للبحث عن صحة السند من خلال دراية السند وطرق روايته أو يتصدى الاجتهاد للبحث في تفسير تلك النصوص بما يؤدي إلى وضوح الدلالة على المعاني المراد منها: الأمر (١) الذي يحتم على مجمعنا الموقر حسم الخلاف في هذه المسألة التي أصبحت ملحة وضرورية في حياة الأمة الإسلامية ولنا في مصادر الاجتهاد النبع الذي لا ينضب فإذا كانت النصوص ظنية الدلالة وشقة الخلاف فيها متسعة، والمسألة المطروحة ضرورية وملحة فإننا نلجأ لترجيح أحد القولين أو الأقوال على الآخر باستلهام روح التشريع الإسلامي الذي استهدف في أحكامه تحقيق مصالح الناس ودفع المفاسد عنهم، وهو الذي يقدر ما إذا كان عملا معينا يحقق لهم مصلحة: أي يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم مفسدة، أي يدرأ عنهم ضررًا. وقد ذهب المالكية إلى أن المصلحة تخصص النص غير القطعي ومنها كل النصوص العامة، ومن ذلك تخصيص الحديث النبوي ((البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر)) فإن المصلحة تقتضي عدم تحليف المدعى عليه إلا إذا كان بينه وبين المدعي خلطة حتى لا يسيء السفهاء استغلال هذا الحق ويكيدون لغيرهم رفع دعاوى أمام القضاء، كما أن المذهب الحنفي ويخصص النص بالمصلحة وإن كان عندهم يأخذ اسم الاستحسان ومنها تخصيص الحديث الذي يوجب رؤية العيان في الشهادة فأباحوا قبول شهادة التسامع في إثبات بعض الحقوق إذا اقتضت المصلحة فيها ذلك، مثل إثبات أصل الوقف صيانة للأوقاف القديمة من الضياع، وأجازوها في إثبات النسب والوفاة والدخول بالزوجة ومنها حديثنا محل الخلاف. فقد خصصوا النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده. فأباحوا بيع الثمار المتلاحقة بعد بدو صلاحها. وكذلك تخصيص النصوص التي توجب أن يكون الشهود من الرجال وحدهم أو من الرجال والنساء معًا، فأباحوا قبول شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه سوى النساء مثل الجرائم التي تقع في الحمامات الخاصة بالنساء وشهادة القابلة على واقعة الولادة وتعيين المولود عند النزاع فيه.
стр. 5825
خلافًا للحنابلة الذين يرون عدم جواز تخصيص النص بالمصلحة على الرغم من أخذهم بنظرية المصالح المرسلة وحجتهم في أنه لا محل للنظر إلى المصلحة إلا عند فقدان النص، ولا مجال للنظر إليها عند وجوده؛ لأن دلالة النص وعمومه مقدمان على النظر إلى المصلحة. كما ذهب الشافعي إلى رفض الأخذ بنظريتي الاستحسان والمصالح المرسلة إلى عدم تخصيص النص، ولو كان غير قطعي الدلالة بالمصلحة؛ لأنه يرفض التسليم بالمصلحة كأصل للتشريع، غير أنه يصل إلى ذات النتيجة التي يصل إليها من يأخذ بالمصلحة المرسلة كأساس للتشريع، ويخصصون بها النص ولكن عن طريق أصل آخر هو تحكيم قاعدة الضرورات تبيح المحظورات (١) . وعلى الرغم من الخلاف الشكلي بين الأئمة الثلاثة فإن المصلحة المرسلة أصبحت مصدرًا خصبا للفقه الإسلامي تخصص بعض النصوص وتفسر البعض الآخر منها فمن أمثلة الاعتماد عليها في تفسير النصوص وفهمها منع عمر بن الخطاب ﵁ إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمًا في الزكاة رغم الأمر بذلك في القرآن كما أوقف عقوبة السرقة في عام المجاعة وأبقى أرض العراق وغيرها من الأرض المفتوحة في أيدي أصحابها، وفرض ضريبة الخراج عليها بدلا من توزيعها على الفاتحين: وفي هذا الصدد يقول المالكية تعبيرهم المشهور: " فحيث تكون المصلحة العامة للمسلمين يكون شرع الله " (٢) .
وبعد هذا الاستعراض، ولكون هذا النوع من البيوع أصبح اليوم في حكم الضرورة وبما أن القاعدة الشرعية: هي أن الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما قام الدليل المعتبر شرعًا على تحريمه فإنني أرجح جواز إباحة التعامل بهذا البيع مع وضع الشروط والضوابط اللازمة شرعًا، ولو لم يكن في نظري أي مرجح لهذا النوع من البيع إلا تخصيص الحديث النبوي الذي ينهى عن بيع ما ليس عند البائع على فرض سلامة وجه الاستدلال منه لكانت المصلحة وحدها كافية لتخصيصه، ولا يفوتني هنا أن أذكر أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع الموقرين بترابط النظرة الفقهية للمجمع في هذه المسألة. وبين القرار رقم (١) و٢/٧. /٨٦ بشأن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية الذي أصدره في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ إلى ١٢ صفر ١٤٠٧ هـ / ١٢ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م. حيث جاء فيه ما يلي: " المبدأ الأول: أن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعا.
المبدأ الثاني: أن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء بعد حيازة الوكيل لها هو توكيل مقبول شرعا. والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.
стр. 5826
المبدأ الثالث: إن عقد الإيجار يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات وأن يبرم بعقد منفصل عن عقد الوكالة والوعد.
المبدأ الرابع: أن الوعد بهبة المعدات عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل.
المبدأ الخامس: أن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكا للمعدات ما لم يكن ذلك لتعد أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذ عليه. . . إلخ.
والله أسأل أن يهدينا سواء السبيل ويلهمنا طريق الحق والصواب
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بقلم عضو المجمع محمد عبده عمر
أهم مراجع البحث:
١ – البداية والنهاية لابن رشد.
٢ – المدخل لفضيلة الشيخ الزرقا.
٢ – المغني لابن قدامة.
٣ – الأم للإمام الشافعي.
٤ – زاد المعاد للإمام ابن القيم.
٥ – نيل الأوطار للإمام الشوكاني.
٦ – متن بلوغ المرام على شرح سبل السلام.
٧ – الجامع الصحيح.
٨ – الغرر وأثره لفضيلة الشيخ الصديق الضرير.
٩ – المستصفى للإمام الغزالي.
١٠- محمد يوسف موسى المدخل.
١١- أصول الفقه للبرديسي.
١٢- أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.
١٣- إعلام الموقعين لابن القيم.
١٤- غمز عيون البصائر لشهاب الدين الحموي.
стр. 5827
المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت)
ندوة عن:
"خطة (استراتيجية) الاستثمار في البنوك الإسلامية:
الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات".
بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب/ البنك الإسلامي للتنمية/ جدة.
عمان ٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧ هـ
١٨/٦ – ٢١/٦/١٩٨٧م
بحث الدكتور عبد الستار أبو غدة
عن
أسلوب المرابحة والجوانب الشرعية
التطبيقية في المصارف الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فلا تخفى الحاجة الماسة إلى استمرار البحث المتأني المتعمق في أنشطة المصارف الإسلامية، سواء ما أصبح منها جادة مسلوكة يستبعد التنكب عنها، أو الطرق التي لم تبلغ هذه المنزلة لإعوازها إلى التمهيد أو التعبيد، وجميع هذه المناشط تعتبر ضرورية لتغلب المصارف الإسلامية على مصاعب النشأة، ووحشة الغربة، وبواعث المواكبة العصرية لتحقيق نفس الأغراض المبتغاة في الميدان الاقتصادي ولكن بوسائل شتى منها المتوافق مع المتبع من غيرها، ومنها المهذب أو المشذب، ومنها المستحدث بأصله من حيث هو، أو بوصفه والملابسات الإجرائية لتطبيقه.
و (المرابحة) هي من هذا النوع الأخير، وقد أدى هذا الطابع القديم الحديث فيها إلى أن لا تقتحمها أبصار الباحثين إلا من خلال الاعتراض عليها أو المنافحة عنها، ولم يسلم هذا ولا تلك من الإفراط أو التفريط.
وقد أردت أن أسلط بعض الضوء على (أسلوب المرابحة) من خلال النواحي التالية:
- أسلوب المرابحة قديما وحديثا
- التأصيل الجماعي لأسلوب المرابحة
- الجوانب الفقهية المطبقة في المرابحة
- جوانب تطبيقية أخرى للمرابحة
- أساليب وصنع طرحت في شأن المرابحة
ولا أدعي أن هذا كل ما يقال في هذا المقام فقد اقتصرت على ما رأيت أنه أهم مع بعض المهم، ثقة بما تكشف عنه اللقاءات الجماعية من تكامل، وعسى أن تتمخض البحوث المطروحة في الندوات المتخصصة لموضوع واحد، كهذه الندوة عن تأصيل لذلك الموضع الوحيد من استعراض ما له وما عليه وإحلاله موقعه الجدير به، بعيدا عن ضغط الحاجة، والاسترواح للسهولة أو الشهرة.
والله ولي التوفيق.
د. عبد الستار أبو غدة
стр. 5828
(أولا)
أسلوب المرابحة قديما وحديثا
(تمهيد وجيز في ماهية المرابحة) :
المرابحة صيغة (مفاعلة) من الربح، وهي بيع بزيادة ربح على الثمن الأول، وصيغ المفاعلة للمشاركة وهي هنا اشتراك البائع والمشتري في قبول الإرباح بالقدر المحدد، والمرابحة: نوع من أنواع بيوع الأمانة التي يقوم فيها التبايع على أساس (رأس المال) ، وهو ثمن شراء السلعة أو (التكلفة) وهي ما قامت به السلعة على البائع.
ففي بيع المرابحة يتم عقد البيع بإضافة نسبة مئوية معلومة أو مبلغ مقطوع على رأس المال أو التكلفة.
أسلوب المرابحة قديما:
وهذا البيع بهذه الصورة الساذجة لم يخل منه كتاب من كتب الفقه على شتى المذاهب، ولم ينازع أحد في مشروعيته؛ لأنه بهذه الكيفية الخاصة لتحديد الثمن لم يخرج عن مطلق البيع الذي جاء النص بإباحته في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، بل جاء في السنة تطبيق للتولية (شقيقة المرابحة) حين اشترى أبو بكر ﵁ الناقتين اللتين أعدهما للهجرة عليهما، وأراد أبو بكر ﵁ إعطاء إحداهما للنبي ﷺ على سبيل الهبة، فقال له النبي ﷺ : بل بالثمن، أي يأخذها تولية بمثل الثمن الذي اشتراها به أبو بكر ﵁.
وللفقهاء تفصيلات في أحكام المرابحة وآثارها وما يترتب على ظهور الخلف (التغاير) بين ما أخبر به البائع وبين الثمن الحقيقي (الخيانة في الإخبار عن الثمن) من تصحيح للثمن المستحق على المشتري وثبوت خيار له بين المضي في العقد مصححًا أو الفسخ عند من يثبت له ذلك الخيار، ويسمى (خيار المرابحة) أو (خيار تخبير الثمن) (١) – مع الأخذ بالاعتبار أن هذه التسمية الثانية تشمل بالإضافة إلى المرابحة كلا من (التولية) و (الوضيعة) .
ولسنا بمعرض البحث في هذه الأحكام المستقرة بل الغرض مناقشة الطرح الجديد للمرابحة والجوانب الفقهية العصرية لتطبيقها، ولذا آثرت استخدام عبارة (أسلوب المرابحة) .
стр. 5829
أسلوب المرابحة حديثا:
أما أسلوب المرابحة حديثا فالحق أن أول من طرحه للتطبيق على نطاق المعاملات المصرفية هو الدكتور سامي حسن حمود، وقد أنصف الحقيقة حين أشار إلى (سابقة) قديمة لهذا الأسلوب، هي ما أورده عن الإمام الشافعي في كتاب الأم و (بارقة) جديدة لسند هذا التطبيق، هي ذلك التكييف الشرعي الدقيق الذي أسعفه به العلامة الشيخ محمد فرج السنهوري (١) .
أما السابقة فهي قول الشافعي في كتاب الأم:
" وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعةَ، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: (أربحك فيها) بالخيار: إن شاء أحدث فيها بيعا وإن شاء تركه، وهكذا إن قال: " اشتر لي متاعا، ووصفه له، أو متاعا أي متاع شئت، وأنا أربحك فيه، فكل هذا سواء يجوز البيع الأول، ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: أبتاعه وأشتريه منك بنقد أو دَيْن، يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر. فإن جدداه جاز. وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما فهو مفسوخ من قبل شيئين: أحدهما أنه تبايعاه قبل أن يملكه البائع. والثاني أنه على مخاطرة إنك وإن اشتريته على كذا أربحك فيه على كذا " (٢) .
وأما التكييف الشرعي لهذا الأسلوب مقولا على لسان العلامة الشيخ محمد فرج السنهوري كما جاء في مقابلة أجراها معه الدكتور سامي حمود بتاريخ (٩/٨/١٩٧٥) (٣) :
" هذه العملية مركبة من وعد بالشراء وبيع بالمرابحة.
- وهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأن المصرف لا يعرض أن يبيع شيئا، ولكنه يتلقى أمرا بالشراء، وهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب، ويعرضه على المشتري الآمر ليرى ما إذا كان مطابقا لما وصف.
- كما أن هذه العملية لا تنطوي على ربح ما لم يضمن؛ لأن المصرف وقد اشترى فأصبح مالكا يتحمل تبعة الهلاك ".
стр. 5830
واستكمالا لتأريخ هذا التطبيق فإن الكيفية التي طرح بها أول مرة لم تلبث أن اتسعت أفقيا وعموديا – إن صح التعبير – فقد ذكر الدكتور سامي هذا الأسلوب على أنه بديل يطرحه لمواجهة مسألة خصم الكمبيالات لدى البنوك الربوية ممن يشترون السلع، وليست لديهم الملاءة للدفع والعاجل ... وأنه: " للمساعدة على تمكين الشخص من الحصول على السلعة التي يحتاجها على أساس دفع القيمة بطريق القسط الشهري، أو غير ذلك من ترتيبات مشابهة، ولكن هذا الخط يبدأ من المستهلك وليس من التاجر ". وهذا الخط أصبح خطوطا حيث صار يصل بين التاجر المستورد وبين المصدر، ويصل بين صاحب المصنع وبين مصدري المصانع، ويصل بين مستغلي منافع البواخر والطائرات وبين صانعيها وهكذا.
كما أن المرابحة اتسعت في الشمول بحيث زاحت (المضاربة) ، بل كادت تزيحها من التطبيق، مع أنها وهي الأسلوب الرائد في المصارف الإسلامية، وكانت مطروحة وحدها في الساحة حتى قرنت بها المرابحة.. وسنرى أن هذه المزاحمة أو الإزاحة لم تنج من المخاوف بل المآخذ أحيانا مما سيأتي بيانه في موقعه المناسب. مما جعل الحاجة داعية إلى تقديم ردائف للمرابحة من حيث هي، أو للعنصر الشائك منها وهو أن يسبقها وعد بالشراء باعتباره إجراء يتوقف عليه تطبيقها، وأصبح مثارا للجدل من حيث لزومه وعدم لزومه، وأثر ذلك على جوهرية شراء المصرف السلعة لنفسه وتحمله للضمان. وهو ما طرح في الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي (٧ مارس ١٩٨٧) من خلال خيار الشرط على ما سيأتي:
стр. 5831
(ثانيا)
التأصيل الجماعي لأسلوب المرابحة
لم يلبث أسلوب المرابحة المقدم إلى المصارف الإسلامية أن أخذ طريقه إلى الإقرار الجماعي له من خلال قنوات شتى؛ (١) .
(إحداها) : ظهوره بصورة أساسية في أنظمة المصارف الإسلامية الأولى ونشراتها، كبنك دبي الإسلامي، وبيت التمويل الكويتي، والبنك الإسلامي الأردني، وبنك فيصل الإسلامي المصري، وبنك فيصل الإسلامي السوداني ... إلخ.
(الثانية) : إدراجه في الكتابات المهتمة بتنظير أنشطة المصارف الإسلامية، كالموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية في جزأين منها: الأول ص٢٨، والخامس، الجزء الشرعي، المجلد الأول ص ٣٢٩، وإن كان معظم ما جاء عنه فيهما يدور على ما كتبه الدكتور سامي حمود.
(الثالثة) : صدور التوصيات من المؤتمرات بتنظيم وتعزيز أسلوب المرابحة، كان ذلك في مؤتمر الصرف الإسلامي الأول بدبي ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩م. ثم في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت.
(الرابعة: تأكيد ذلك في ندوة البركة الأولى للمصارف الإسلامية بالمدينة المنورة. رمضان ١٤٠٣هـ = يونيو ١٩٨٣م. والتي عنيت بالرد على بعض الشبهات المثارة حول المرابحة.
والجدير بالذكر أن هذين المؤتمرين لم يحسما أعسر الجوانب الفقهية في هذا الأسلوب وهي مسألة إلزامية الوعد، ولا تركاها غفلا، بل جاءا بمبدأ التخيير لكل مصرف في الأخذ بإحدى الوجهتين اللتين اختلف فيهما طويلا، وهما: الإلزام، وعدمه (٢) .
стр. 5832
وفيما يلي نص قرار المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي بدبي بشأن اعتبار (الوعد بالشراء مرابحة) بين صور التمويل:
" يطلب العميل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع أوصافها ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به العميل بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما. وهذا التعامل يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذات الشروط.
ومثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقًا لأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفين ديانة طبقا لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه.
وتحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية، وقد يحتاج الإلزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية إلى إصدار قانون بذلك.
ويلحظ بوضوح أن الغرض الأساسي من القرار بيان مشروعية (إلزام الوعد) . أما المؤتمر الثاني بالكويت فقد جاء فيه عن المرابحة ما نصه.
" يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة للآمر وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الوعد السابق هو أمر جائز شرعا طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي.
وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزما للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعا، وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.
وخلاصة هذا القرار:
- ضرورة أن يسبق تملك المصرف السلعة لنفسه وحيازتها قبل بيع السلعة للواعد.
- تحمل المصرف تبعة الهلاك قبل التسليم
- تحمل المصرف تبعة الرد بالعيب الخفي
- جواز إلزامية الوعد وعدمها
- تخيير المصارف في الأخذ بالإلزام وعدمه من خلال قرار هيئة رقابة المصرف.
стр. 5833
أما ندوة البركة الأولى فقد جاء في التوصية الثامنة منها ما يلي:
" أورد بعض الناس شبهات على جواز بيع المرابحة بالأجل بأنه ينطوي على شبهة ربوية، كما أوردوا شبهات على جواز بيع المرابحة للآمر بالشراء. وهذه الشبهات هي:
(أولا) أن هذا العقد يتضمن بيع ما ليس عند البائع
(ثانيا) تأجيل البدلين
(ثالثا) أنه بيع دراهم بدراهم والمبيع مرجأ، أو أنه نوع من التورق
(رابعا) أن المالكية منعوا الإلزام بالوعد في البيع
(خامسا) أن هذا العقد يتضمن تلفيقا غير جائز
فما هو الجواب عن ذلك؟
الفتوى: بيع المرابحة المعروف في الفقه الإسلامي جائز باتفاق سواء كان بالنقد أو بالأجل، وأن هذه الشبهة الربوية المثارة على بيع المرابحة بالأجل ليست واردة لا في هذا البيع ولا في البيع المؤجل.
وأما صورة المرابحة للآمر بالشراء فإن اللجنة تؤكد ما ورد في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي المنعقد في الكويت مع ما تضمن من تحفظات بالنسبة للإلزام ".
(ثالثا)
الجوانب الفقهية المطبقة في المرابحة
إن المرابحة من حيث هي غنية عن الاستدلال على مشروعيتها هنا، لما أشرت إليه من اشتمال كتب الفقه جميعها على باب للمرابحة تستوفي فيه أدلة مشروعيتها وأحكامها ومستند كل حكم، ولكن بالنظر إلى (أسلوب) المرابحة المتبعة في البنوك الإسلامية هناك بعض الجوانب الفقهية المرعية فيه حتى يمكن تطبيقها بصورة عملية مأمونة.
وهذه الجوانب المستحدثة تزيد أو تنقص تبعا لمجالات التطبيق المختلفة، وما دمنا في معرض البحث والمناقشة فإن المناسب استيعاب جميع ما حفت به المرابحة من نقاط مع مستند كل منها بقطع النظر عن كونه مسلما أو محل اعتراض، مع إيراد النقاش المتعلق بكل منها. وفضلا عن ذلك سأشير في الأخير إلى جوانب فقهية وقع الربط بينها وبين أسلوب المرابحة مع أنها لا علاقة لها بهذا الأسلوب.
стр. 5834
وفيما يلي الكلام عن تلك الجوانب، مع مناقشة ما أورد في ذلك من اعتراضات وشبهات:
استعراض الجوانب الفقهية المعترض بها على أصل المرابحة:
لعل ما أورده كل من الدكتور يوسف القرضاوي من اعتراضات على أسلوب المرابحة بصدد الدفاع عنها (١) وما أورده الدكتور محمد سليمان الأشقر في كتابه الهادف إلى نقدها (٢) . هو أجمع ما قيل في هذا المجال، حيث أورد الدكتور القرضاوي ستة أمور، اثنان منها لا داعي للتوقف عندهما لما فيهما من التكلف، ومجافاة المنطق الفقهي:
(أولهما) إن هذه المعاملة ليست بيعا ولا شراء وإنما هي حيلة لآخذ الربا، (وثانيهما) أن أحدا من فقهاء الأمة لم يقل بحلها. وما جاء به المعترضون بهذين لا يزيد عن التهويل اللفظي، وقد نهض الدكتور القرضاوي بكشفه بما لا مزيد عليه.
ثم أورد الدكتور القرضاوي – على لسان المعترضين – أربعة أمور أخرى؛ اثنان منها تكفي لمحة يسيرة في الكلام عنها، في حين يقتضي الأمران الآخران شيئا من التفصيل (الآتي فيما بعد) لما لهما من جذور في المراجع الفقهية، كما تكررت بعض هذه الاعتراضات في دراسة الدكتور محمد الأشقر مع زيادات سيأتي الكلام عنها بمناسبتها.
* القول بأن أسلوب المرابحة من بيعتين في بيعة:
وذلك لما فيها من البيع للواعد بالأجل وهو بسعر مغاير للسعر الحال ... والحقيقة أن هذا الاعتراض ليس موجها للمرابحة لذاتها، بل لما فيها من بيع الأجل؛ لأن تطبيق المرابحة لدى المصارف الإسلامية لا ينفك عن بيع الأجل.. وقد جاء تفسيران (للبيعتين في بيعة) : أحدهما أنها قول البائع: بعتك بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة، والتفسير الثاني أنها بيع العينة؛ لأن فيه بيعتين إحداهما بثمن آجل، والأخرى بثمن حال، لتحصل بذلك الحيلة على الربا.
وسيأتي الكلام عن علاقة أسلوب المرابحة ببيع العينة، أما البيع بالأجل فقد اعتبر التشكيك فيه من سقط القول بعد أن أخذ به جماهير الفقهاء، وضبطوا صحته بأن ينفصل المتعاقدان (بعد المساومة في الثمن المتعدد) على ثمن واحد محدد، فلا تكون هناك إلا بيعة واحدة، وينتفي الغرر الذي يحصل لو كانت المساومة أساسًا دون إبرام وجه واحد مما دار فيها.
والذي يقع في أسلوب المرابحة هو بيعة واحدة للاتفاق على ثمن واحد هو تحديد ثمن البيع الأجل مع تحديد الأجل، فلا جهالة ولا غرر.
стр. 5835
* القول بأن أسلوب المرابحة فيه بيع ما لا يملك:
وهذا الاعتراض لا مساغ له أيضا في الأسلوب المطبق في المصارف الإسلامية، اللهم إلا ما قد يقع مخالفا لما هو مقرر من مؤتمراتها وندواتها أو هيئاتها ومستشاريها، فما وقع كذلك فهو أسلوب منحرف، وعليه تنصب معظم الاعتراضات (١) .
وهذا المحذور من أول ما طرح بالنسبة لأسلوب المرابحة فقد احترزت منه البيانات التي رافقت نشأته.
* القول بأن الوعد لازم:
لا يخفى أن هناك صلة شديدة بين مسألة (بيع ما لا يملك) وبين الجانب الآخر المهم في أسلوب المرابحة وهو القول بلزوم الوعد، من حيث إن ما ينشأ عن هذا اللزوم يحول الوعد إلى شبه عقد فيقع المصرف في بيع ما لم يملكه بعد.
وليست الإشارة إلى هذه العلاقة حديثة بل جاءت في أقوال المتقدمين على ما أورده الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير في إشارة له إلى المرابحة ضمن أشكال وأساليب الاستثمار في الفكر الإسلامي حيث قال: " وجدت في أقوال المتقدمين من الفقهاء صورة من التعامل شبيهة بما نتحدث عنه يؤيد حكمهم فيها ما ذهبت إليه، فقد روى مالك في الموطأ: أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل، فسأل عن ذلك عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فكرهه ونهى عنه.
وقد ذكر مالك هذه المسألة في باب " بيعتين في بيعة " فكأنه يرى أن ابنَ عمرَ يعتبرها داخلة فيما نهى عنه من بيعتين في بيعة. (٢)
قال الباجي: " ولا يمتنع أن يوصف بذلك من جهة أنه انعقد بينهما أن المبتاع للبعير بالنقد إنما يشتريه على أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من ذلك الثمن فصار قد انعقد بينهما عقد بيع تضمن بيعتين، إحداهما الأولى وهي بالنقد، والثانية المؤجلة، وفيها مع ذلك بيع ما ليس عنده؛ لأن المبتاع بالنقد قد باع من المبتاع بالأجل البعير قبل أن يملكه، وفيها سلف بزيادة؛ لأنه يبتاع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضمن ذلك أنه سلفه عشرة في عشرين إلى أجل، وهذه كلها معان تمنع جواز البيع، والعينة فيها أظهر من سائرها ".
стр. 5836
ولابد من التعقيب بأن هذا المحذور يقع حقيقة إذا صدر الشراء من العميل والبيع إليه قبل تملك المصرف للسلعة، وهو ما صوره الدكتور محمد الأشقر بقوله: " إن العميل يقول في شأن السلعة: إذا اشتريتموها بمائة فقد أشتريتها منكم بمائة وعشرين نقدا أو مؤجلة "، ثم قال عن هذه الصورة: " فهو عقد بلا ريب ولو سمي وعدا فهو عقد أيضًا ... وهذا لا يسلم إلا بوجود الضميمة التي فيها فإذا اشتريتموها بمائة فقد أشتريتها منكم ... "
وليس هذا هو الأسلوب المتبع في المصارف الإسلامية أصوليا، ولا عبرة بما شذ، كما هذه الصورة المنتقدة فيها شراء معلق والبيع والشراء لا يقبل التعليق ولا يقع، خلافا للبيع المضاف إلى زمن مستقبل حيث تلغى الإضافة ويقع البيع.
المواقف تجاه لزوم الوعد:
بما أن توصية المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي تركت الحرية لكل مصرف في الأخذ بلزوم الوعد أو عدمه فإن المصارف اختلفت مواقفها في هذا الشأن:
- فبعضها كالبنك الإسلامي الأردني أخذ بإلزام الوعد مطلقا.
- وبعضها كمصرف فيصل الإسلامي السوداني أخذ بالإلزام بالنسبة للمصرف دون العميل، وهو ما رأى الدكتور الضرير أنه أبعد عن الشبهة؛ لئلا تجعل المعاملة عقد بيع مرابحة قبل ملك البنك للسلعة إذا اعتبر ملزما للطرفين. .
- وبعضها كبيت التمويل الكويتي أخذ بالإلزام في المرابحات الخارجية، حيث تكثر المخاطر لعدم معرفة حال الواعد، والأخذ بعدم الإلزام في المرابحات الداخلية.
والحقيقة أن زوال الشبهة تماما هو في القول بعدم لزوم الوعد رغم ما يحف بذلك من المخاطر التي لا تخلو عنها طبيعة التجارة وأسلوب المرابحة أسلوب تجاري، وليس أسلوبا مصرفيا للتمويل دون مخاطر.
وقد رأينا في كلام الشافعي اشتراط الخيار لكل من الطرفين، كما رأينا في كلام المالكية إدراج صور من المرابحة في العينة المكروهة، أو المحظورة حسب الصيغة المتبعة فيها لموضع اللزوم الذي جعل الشراء كما لو كان لصالح الواعد، ثم يتقاضى منه زيادة عن المدفوع وهي نظير الأجل.
كما أن من صور هذه المواعدة بأنها عقد لم يحالفه الصواب؛ لأنه أعدم الفوارق بين العقد والوعد لمجرد توثيق الوعد ديانة أو قضاء في حين أن العقد يترتب عليه الحصول على ثمن المبيع، وبمجرد العقد.
والوعد لا يزيد عن الحصول على تعويض للضرر إن وقع، وللقضاء فيه مدخل ومجال. . .
وقد حان الآن الكلام عن قضية إدراج المرابحة في بيع العينة، وعن مسألة إلزام الوعد:
стр. 5837
إدراج المرابحة في بيوع العينة:
للعينة صورة مشهورة وقع فيها خلاف بين الجمهور القائلين بحرمتها أو كراهتها تحريما وبين الشافعية القائلين بجواز العقد نظرا إلى اكتمال مقوماته وطرح ما التبس به من نية، وهذه الصورة هي أن يشتري شخص سلعة من مالكها بالأجل، ثم يبيعها إليه نقدا، وهناك صورة أخرى بكون الرغبة للحصول على المال لدى مالك السلعة نفسها حيث يبيع سلعته نقدا إلى شخص، ثم يشتريها منه بالأجل، وهاتان الصورتان لم تتبدل فيهما عين السلعة وعين العاقدين (البائع والمشتري) وهي تتخذ حيلة للاقتراض بفضل خال عن عوض وليس تمليك السلعة مرادا في الصورتين، بل المراد تحصيل السيولة لكن تحت اسم المبايعة.
ولا يخفى أنه لا علاقة حقيقة بين أسلوب المرابحة وبين العينة في تحقيق ما يراد من العينة من السلف الذي يجر نفعا دون أن يكون لأحد العاقدين غرض في تملك أو تمليك السلعة؛ لأن هناك سلعة لم تكن لدى كلا المتعاملين بأسلوب المرابحة، بل كانت لدى طرف ثالث (المصدر) وتم تملكها لأحدهما (المصرف) ، ثم بيعها بالأجل للمتعامل الآخر (الواعد بالشراء) ولم يقم المصرف بشرائها ثانية من الوعد بالشراء كما هو الحال في العينة حيث يكون الغرض الحصول على (العين) أي النقد، وليس الحصول على السلعة: ومن هنا جاءت تسمية هذه المعاملة قال الفيومي في المصباح المنير: " قيل لهذا البيع عينة؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا أي نقدا حاضرا، وذلك حرام إذا اشترط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم، فإن لم يكن بينهما شرط فأجازها الشافعي لوقوع العقد سليما من المفسدات، ومنعها بعض المتقدمين وكان يقول: هي أخت للربا.
والربط بين الاشتراط وبين الحرمة هو مذهب الشافعية خلافا للجمهور الذين لم يعلقوا الحرمة على هذا الاشتراط الملفوظ أو الملحوظ. فلو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس فهي عينة أيضا لكنها جائزة بالاتفاق "، وهذا الصورة الأخيرة تسمى (التورق) " وهو الحصول على الورق، أي الفضة فهو بمعنى (العينة) التي هي الحصول على العين، أي النقد الحاضر من ذهب أو فضة.
ويبدو للمتأمل في مذهب المالكية أنهم اتجهوا وجهة مغايرة كل المغايرة لما أخذ به الشافعية من ربط الحرمة باشتراط الصفقة الثانية التي تعود بها السلعة إلى مالكها الأول، فالمالكية منعوا كثيرا من صور البيع على سبيل الحرمة أو الكراهة أو التورع لوجود الغرض المشابه لبيع العينة على تقدير أنه من الممكن اتخاذ صور من البيع ذريعة للربا، وسموها عِينة، وما أجازوها منه غيروا آثاره ونتائجه لإجراء تغيير في تكوينها مع أنها لا يقع فيها عود السلعة إلى مالكها الأول، ولكن لمجرد قابلية المجال لسلوك سبل أخرى كالقرض، فإذا لم يتم القرض وتم ما يغني عنه مع ترتب زيادة على أحدهما فهي من الذريعة للربا، وهم قد توسعوا في الذرائع.
стр. 5838
وفيما يلي إيجاز ما أورده ابن رشد (الجد) في " البيان والتحصيل " وهو أصل لِمَا جاء في كتب المالكية التالية له حول تقسيم العينة إلى جائزة وهي إذا لم يقع تواعد بل مجرد استفادة البائع من وجود الرغبة، ومكروهة وهي إذا حصل تواعد على أصل الشراء والإرباح دون تحديد مقدار الربح، ومحظورة قال عنها ما نصه " وهي أن يقول الرجل للرجل: اشتر سلعة كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتريها منك بكذا وكذا، وهذا الوجه فيه ست مسائل تفترق أحكامها بافتراق معانيها " ثم سردها معقبا عليها بأحكام شتى، كالجواز، أو الكراهة " لوجود المراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور "، وقال في إحداها: " ويستحب له أن يتورع فلا يأخذ منه إلا ما نقد فيها " ولولا خشية الإطالة لأوردت كلامه بكامله فيرجع إليه من شاء (١) .
ومن هذا يتبين أن الممنوع هو ما كان فيه قرض بزيادة وظهر في صورة بيع. أما أسلوب المرابحة فهو بيع خالص ولو كان من الممكن أن يقرض البائع المشتري المبلغ الذي يتمكن به من الشراء لصالحه دون فرق الربح الذي حصل لموضوع التأجيل في الثمن، والأمر لا يعدو أن يكون من قبيل الورع والحذر من مشابهة من يتخذ صورة البيع حيلة للإقراض بالربا. . .
هذا وقد أورد الدكتور رفيق المصري على (أسلوب المرابحة) بصدد رفضه له أنه لا يخرج عن أسلوب (حسم الأسناد التجارية) قائلا: " فليس الحسم إلا نتيجة عملية مشابهة حيث يقوم البائع بالبيع لأجل مع زيادة السعر، ثم يتقدم إلى المصرف للحسم، فيأخذ الثمن النقدي، على أن يسترد المصرف الثمن المؤجل في الاستحقاق. والفرق بين العمليتين هو أن المصرف يمنح المال للبائع في حال الحسم، ويمنحه للشاري في حال " بيع المرابحة ". وهذا وإن كان (أي المصرف) يطالب الشاري بسداد الثمن عند الاستحقاق قبل الرجوع على البائع (بافتراض أن السند لم يظهر) أي وكأن المصرف في حال الحسم يمنح المال للبائع عوضا أو نيابة عن الشاري، فماذا يبقى من الفرق بين الحسم وما دعاه الدكتور حمود بالمرابحة. هذا مع أن المرابحة فرأينا (أي رأي د. المصري) ليست كما صورها الدكتور حمود.. أن بيع المرابحة يتم ضمن علاقة ثنائية بين البائع والمشتري فيما يريد أن يجعله الدكتور حمود ذا علاقة ثلاثية بإضافة المصرف الممول وهو في هذه الحالة عبارة عن قرض بفائدة يقدمه المصرف إلى الشاري والفائدة ليست إلا فرق السعرين: المؤجل والمعجل فهو يشبه بهذا نظام بطاقة الائتمان المعروف في الغرب. . . وإن هذه الصورة من بيع المرابحة للأمر بالشراء إنما تطابق صورة من بيع العينة المحرم.
стр. 5839
وقد استكملت كل كلام الدكتور رفيق؛ لأنه أقسى وأغرب ما أثير على أسلوب المرابحة. وقبل مناقشة بعض ما جاء في كلامه عنه تجدر الإشارة إلى أن هذه النقطة التي وقف عندها طويلًا (وهي المشابهة بينه وبين الحسم) ليست كل ما أبداه من اعتراضات على أسلوب المرابحة، ففي دراسة قدمها في ورقة عمل إلى المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي أضاف إلى هذا الجانب أمورًا أخرى هي أنه من (بيعتين في بيعة) و (بيع ما ليس عند البائع) و (فيها سلف وزيادة) أي قرض مع فضل خال عن عوض. وقد سبق الكلام عن هذه الاعتراضات، وهي قد جاءت أيضًا في بحث للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير بصدد أسلوب المرابحة مع الإلزام بالوعد ونقلها على سبيل التشبيه واستند في ذلك إلى عبارة للباجي، وسبق تفصيل ذلك". (١) .
أما الجواب عن الجديد منها وهي (تشبيه أسلوب المرابحة بالحسم) فهو لا يلحق بأسلوب المرابحة أي ضير؛ لأنه تشبيه في الأثر والنتيجة مع إغفال الفروق الجوهرية في السبب الشرعي المقتضي التحريم في الحسم، والحل في المرابحة، فكم من صيغتين تشابهتا في تحقيق الغرض مع اختلاف المنهج والحكم.
ويلحظ أن الدكتور حسن الأمين – في بحثه عن أسلوب المرابحة (٢) استرسل في تكييف هذا الاعتراض بما ربما لم يخطر على بال صاحبه وهو أن الحسم هو بيع بطريق الحوالة، وأن الحوالة مختلف فيها هل هي بيع أم وفاء ثم ضعف ذلك وأشار إلى أن عملية الحسم قرض وفيها مبادلة نقد بنقد زائد في مقابل الأجل على حين أن المرابحة تتضمن مبادلة سلعة بنقد، هذا ما ختم به الدكتور الأمين مناقشته لهذا الاعتراض وهو يغني عن كل ما سواه؛ لأن مرده إلى اختلاف السببين ما بين حلال وحرام.
ويضاف إلى هذا أنه لا صحة لكون العلاقة ثلاثية في المرابحة فقد اشتبهت على قائل ذلك المراحل المتعددة لأسلوب المرابحة وفي كل منها علاقة ثنائية، والمرابحة نفسها علاقة ثنائية بين الواعد والبنك، ثم بين البنك والمصدر، ثم بين البنك والعميل. . ثم كيف يسلم للدكتور رفيق المصري قوله: إن " الفائدة ليست إلا فرق السعرين المؤجل والمعجل " مع أن هذا الفرق إذا وقع خلال البيع حلال وهو نفسه مصرح بذلك. (٣)
стр. 5840
رابعًا: جوانب تطبيقية شرعية للمرابحة:
توجد هناك لدى بعض المصارف جوانب شرعية تطبقت في المرابحة حتى أصبحت من لوازمها حسب الأسلوب المتبع عمليًّا مع أن هذه الجوانب ليست لازمة لأصل الأسلوب، فمن ذلك:
أ- أخذ العربون من الواعد:
وموجز الكلام في الحكم الشرعي للعربون أن الإمام أحمد قال بجوازه مستدلًّا بفعل عمر ﵁، وأن للعربون صورتين: أن يكون جزءًا مقدمًا من الثمن في حال تمام البيع على كل حال، ثم إما أن يعاد لدافعه إن لم تتم الصفقة، أو أن لا يعاد بل يؤخذ في حال العدول من دافعه عن إتمام الصفقة.
وما دام حكم العربون خلافيًّا وقد قام الدليل على جوازه ولم يصح الحديث في النهي عن بيع العربون، فوجوده في بيع المرابحة لا يختلف في الحكم عن وجوده في بيع المساومة، لكن بعض من تكلم في مسألة لزوم الوعد ربط بين العربون وبين هذا اللزوم الذي يفضل عدم وجوده، أبعادًا لصورة الوعد عن ملامح العقد المبرم، مع أن العربون ليس فيه مزيد إلزام في لزوم الوعد في ذاته بل هو في معنى التعويض عما لحق بالطرف الآخر من ضرر وليس حملًا على إبرام العقد، فإبرام العقد شيء، وبذلك المال تعويضًا عن ترك التعاقد شيء آخر.
وقد اختلفت صور العربون بعد شمول حالته للطرفين للواعد الذي سيؤول إلى مشتر، أو البائع. كما ظهرت صورة يدفع فيها الواعد عربونًا ثم إذا أخل بالتعاقد لا يرد إليه إلا إذا هيأ بمعرفته مشتريًا آخر بحيث لا يقع الضرر.
وقد يدفع الواعد قبل دخوله في المواعدة عربونًا للمصدر، ثم يأتي للمصرف الذي يبدي رغبته في شراء السلعة (التي هي موضوع المرابحة) فيفرج المصدر عن عربون الواعد، ثم يشتري المصرف السلعة ويبيعها مرابحة للعميل الواعد.
ب- أخذ الضمان من الواعد:
الأصل في الضمان (أي الكفالة) أن يؤخذ في الحق الذي وجب أو انعقد سبب وجوبه، وقد أجاز بعض الفقهاء ومنهم الحنفية والحنابلة أن يطلب الضمان لحق سيجب فيما بعد وسموا هذا (ضمان الدرك) ؛ لأنه لما سيدرك الشخص من حقوق عليه، كما سماه بعضٌ: (ضمان السوق) ؛ لأنه يحصل لتمكين غريب يريد العمل في السوق فيكفله تاجر معروف تجاه كل ما سيترتب بذمته وبذلك يعمل في السوق.
стр. 5841
وبما أن المصرف الإسلامي يجري المرابحة عن طريق استيراد ما يحتاجه العميل، ومن خلال البيانات التي يقدمها العميل عن البضاعة وعن المصدر، وقد يكون في ذلك بعض التوريط للمصرف إذا تعامل مع مصدر لا يعلم جديته في التعامل وأمانته فيه، وقد يدفع له الثمن أو جزءًا منه – من خلال فتح الاعتماد - ثم لا يفي بما التزم تجاه المصرف، وحينئذ يحتاج الأمر إلى جهد كبير لاستخلاص المصرف حقه ومع هذا الجهد قد يرجع بخفي حنين، وهذا ما دعا بعض المصارف إلى أن تطلب من الواعد قيامه بكفالة المصدر – وهي معاملة مستقلة عن المرابحة وإن كانت قد أصبحت من إجراءات أسلوبها المتبع لدى بعض المصارف.
على أن الالتزام الذي تغطيه هذه الكفالة ليس هو التزام البيع بالمرابحة؛ لأنه لم يحصل بعد، وإنما هو نتيجة التزام مستقل، وهو التزام تبعي للالتزام الأصيل بين المصرف وبين المصدر الذي منه يتم الحصول على السلعة موضوع المرابحة.
ج- تخفيض الثمن بالسداد المبكر:
لا يخفى أن أسلوب المرابحة يشتمل على البيع بالأجل، والأجل في البيع له حصة من الثمن، لكنها مدمجة فيه وعليه لا يمكن شرعًا أن يزاد الثمن إذا زاد الأجل، كما لا يمكن أن ينقص إذا نقص الأجل.
وهاتان الحالتان من صور الربا في الجاهلية ويطلق على الأولى (زِدْنِي أُنْظِرْك) وعلى الثانية (ضع وتعجل) ..
وبما أن أسلوب المرابحة، بل بيع الأجل نفسه يتم في ساحة ترتبط فيها الأسعار بالفائدة وحساباتها الزمنية فإن من يشتري بالأجل لمدة ما، ثم يقوم بالسداد قبل مضيها يشعر أنه قد غبن؛ لأنه اشترى حالًّا بسعر الآجل، مما أدى بالمصرف المركزي بباكستان إلى إصدار تعليماته للمصارف بشأن التزام تخفيض الثمن في حالة السداد المبكر. (١)
ولا يخفى ما في ذلك من خلل شرعًا، بالرغم من وقوع الخلاف في قاعدة " ضع وتعجل " فإن ما استقر عليه الفقه منع الحط من الثمن المؤجل إذا تم تعجيله ما دام ذلك الحط بشرط ملفوظ أو عُرْف ملحوظ.
(خامسًا)
أساليب وصيغ طرحت في شأن المرابحة
لقد أتى على المصارف الإسلامية حين من الدهر لم تزل – إلى جانب خدماتها المصرفية - متشبثة في جوهر أعمالها الاستثمارية بالتجارة في ظل قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . [البقرة: ٢٧٥]
فإن إقدامها على التجارة لا يحصل بالصورة التقليدية المتبعة في الأسواق والتي يصدق عليها قول القائل: (وفازَ باللذةِ الجسورُ) بل إنها – في ظروف استئمان أصحاب الأموال إياها ومناشدتهم لها بلسان الحال في مزيد الحرص على مصالح المودعين المستثمرين في سلامة رأس المال وريعه ما أمكن- لا تتردد في توفير أي ضمان أو أمان لا يخل بقاعدة الرحب الحلال المتمثلة في (الغرم بالغنم) و (الخراج بالضمان) ولا يوقع المتعامل في المحذور بظلم المراباة أو التجارة باختلال التراضي وحصول الخلابة.. والمصارف الإسلامية إن وجدت في (بيع المرابحة المسبوق بالمواعدة) واحة الأمان ليس لها أن تكتفي به؛ لما يعتري هذا الأسلوب من الاحتمالات الناشئة عن إلزامية الوعد وعدمها، ولكثرة الصور العملية التي تستدعي فيها الأسواق اتباع أسلوب المبادرة لتوفير ما يظن اتجاه الرغبات إليه، ولو كانت غير معينة ولا موثقة بالوعد المحترم.
стр. 5842
أ- أسلوب (بيع المخابرة)
وتطبيقه للمصارف الإسلامية
المستند الشرعي:
أسلوب شرعي يحقق – في الأصل- التروي وتدبر العواقب لصاحب الخيار سواء كان هو المشتري ليرى هل يصلح له المبيع أو لا، أو البائع ليرى هل يناسبه الثمن أو لا، لكن الغاية الخاصة هنا هي حفظ خط الرجعة فيما إذا لم يف الواعد بوعده في شراء السلعة، التي سيتملكها (المصرف الإسلامي) بناء على هذا الوعد، ولا ضير من تعدد الغايات والمصالح من تصرف ما، ولا أثر لذلك على مشروعيته.
السابقة العلمية:
إن الإمام محمد بن الحسن الشيباني هو أول من أرشد إلى هذه الوسيلة سائلًا سأله (حقيقة، أو تقديرًا على سبيل التعليم) وقد سماها ذلك السائل (حيلة) بمعنى المخرج الشرعي أو الحل الموافق لحالة السائل. وفي ذلك أورد محمد بن الحسن في كتاب "المخارج" ص ٣٧ على لسان من سأله قوله:
- أرأيت رجلًا أمر رجلًا أن يشتري دارًا بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى الدار في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟
- قال: يشتري المأمور الدار، على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر إلى المأمور فيقول له: قد أخذت منك هذه الدار بألف درهم ومائة درهم، فيقول المأمور: هي لك بذلك. فيكون ذلك للآمر لازمًا، ويكون استيجابًا من المأمور للمشتري.
الخطوات العملية:
١- يتلقى المصرف الإسلامي رغبة من عميله مع وعد بالشراء وهو إن كان لا يبالي – في الواقع- بمصير هذا الوعد، فإن من الضروري الإبقاء على جدية الوعد تفاديًا للدخول في المصفقة وإلغائها مما إذا تكرر يخل بسمعة المصرف كمستورد.
٢- يشتري المصرف السلعة الموعود بشرائها مع اشتراطه الخيار (حق الفسخ) خلال مدة معلومة يظن كفايتها للتوثق من تصميم الواعد على الشراء وصدور إرادته بذلك.
٣- يطالب العميل الواعد بتنفيذ وعده بالشراء فإذا اشترى السلعة باعه المصرف إياها وبمجرد موافقته على البيع يسقط الخيار الذي له.
стр. 5843
مزايا هذا الأسلوب:
ليس الاستباق والتروي هو الأهم في مزايا أسلوب (بيع المخايرة) فإنه يتيح للمصرف الإسلامي الدخول في مبادرات لشراء ما يتوقع اتجاه الرغبات إليه، كما أنه يجعل المصرف الإسلامي جهة أصيلة في السوق حيث يتلقى رغبات البيع من المصدرين كما يتلقى رغبات الشراء من العملاء.
وهذا الأسلوب كان أول ما طرحته جوابًا عن مسألة أثيرت في إحدى جلسات هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التمويل وقد شد انتباه رئيس مجلس إدارته بصفته رئيسًا لتلك الجلسات وعنصرًا مصرفيًا ضروريًا لاكتمال مداولاتها وحسن أداء مهامها فاقترح أن يكون أحد موضوعات الندوة الفقهية الأولى التي أقامها بيت التمويل الكويتي، وذلك لكي يمر بقنوات جماعية بحيث تستطلع الآراء الشرعية والفنية في تطبيقه وأدائه الدور المطلوب. وقد اشتملت الندوة على أربعة أبحاث في هذا الموضوع شاركت بأحدها وهو منشور ضمن أعمال الندوة المذكورة.
ولعل من لطيف التوافق أن هذا الأسلوب الذي يمكن اختصار تسميته بكلمتي (بيع المخايرة) سبق إلى تقريره وسيلة للأمان في الاستثمار الأمام محمد بن الحسن الشيباني، كما أن (بيع المرابحة للواعد بالشراء) – وموقعه معروف في أمان الاستثمار- قد سبق إلى الإبانة عنه الإمام الشافعي، مع أن الموضعين يمثل كل منهما بابًا أصيلًا بين أبواب فقه المعاملات. وهذا يزيد من الدلائل على ما في هذا التراث الفقهي من ثروة تشريعية لا تفتقر إلا للترتيب والمواكبة العصرية في صور التطبيق ومجالاته.
وفيما يلي بعض ما انتهت إليه الندوة في هذا الأسلوب تأكيدًا لموقعه رديفًا للمرابحة أو بديلًا لها حسب الرغبة:
الفتاوى والتوصيات الفقهية:
بشأن خيار الشرط وتطبيقه في معاملات المصارف الإسلامية
(١) أحكام مختارة في خيار الشرط:
أ- خيار الشرط حق يثبت باشتراط المتعاقدين لهما أو لأحدهما أو لغيرهما، يخول من يشترط له إمضاء العقد أو فسخه خلال مدة معلومة.
ب- اشتراط الخيار كما يكون عند التعاقد يكون بعده باتفاق العاقدين.
جـ- يتم اشتراط الخيار بكل ما يدل عليه.
стр. 5844
د- يمكن اشتراط الخيار في جميع العقود اللازمة القابلة للفسخ مما لا يشترط القبض لصحته، فيمكن اشتراطه في البيع والإجارة مثلًا، ولا يسوغ اشتراطه في الصرف والسلم وبيع المال الربوي بجنسه.
هـ- لا يجب تسليم البدلين (المبيع أو الثمن) في عقد البيع بشرط الخيار، ولكن يجوز قيام أحد العاقدين أو كليهما بالتسليم طواعية لا سيما بهدف التجربة والاختبار.
و ينتقل ملك المبيع إلى المشتري (المصرف الإسلامي مثلًا) بموجب العقد إذا كان الخيار له وحده.
ز- نماء المبيع في مدة الخيار يتوقف فيه إلى إمضاء البيع أو فسخه، فإن أمضى كان النماء للمشتري (المصرف) وإن فسخ كان للبائع.
حـ- إذا كان الخيار للمشتري وحده (المصرف) فإن تصرفاته، من بيع وإجارة ونحو ذلك، تصرفات صحيحة ناقلة للملك مسقطة للخيار ولو لم يسق ذلك التصرف قبض المصرف الإسلامي للسلعة ما لم تكن قوتًا.
ط- يسقط الخيار ويصبح العقد باتًا بمجرد انقضاء مدة الخيار إذا لم يصدر من المشتري (المصرف) فسخ العقد أو التصرف في السلعة.
ى- لا يشترط قيام المشتري (المصرف) بإعلام البائع بإبرامه للعقد أو فسخ له، لأن البائع بموافقته على جعل الخيار للمشتري خوله صلاحية اختيار الإمضاء أو الفسخ خلال المدة المعينة.
ك- يضمن المشتري (المصرف) المبيع إذا قبضه وتلف مدة الخيار.
(٢) تقديم صورتين لخيار الشرط للممارسة:
يمكن تطبيق إحدى الصورتين التاليتين:
الأولى: بناء على رغبة ووعد بالشراء:
أ- يتلقى المصرف الإسلامي رغبة من عميله مع وعد بالشراء، وهو وإن كان لا يبالي –في الواقع- بمصير هذا الوعد، فإن من الضروري الإبقاء على جدية الوعد، تفاديًا للدخول في الصفقة بدءًا ثم إلغائها انتهاءً، مما إذا تكرر يخل بسمعة المصرف كمستورد.
ب- يشتري المصرف السلعة الموعود بشرائها مع اشتراط الخيار له (حق الفسخ) خلال مدة معلومة تكفي عادة للتوثق من تصميم الواعد على الشراء وصدور إرادته بذلك.
جـ- يطالب المصرف الواعد بتنفيذ وعده بالشراء فإذا اشترى السلعة باعه المصرف إياها، وبمجرد موافقته على البيع يسقط الخيار.
الثانية: المبادرة لتوفير سلع مرغوبة في السوق:
أ- يشتري المصرف الإسلامي سلعة من الأسواق المحلية أو العالمية مع اشتراطه الخيار (حق الفسخ) خلال مدة معلومة تكفي عادة للتوثق من وجود راغبين يبرم معهم عقودًا على تلك الصفقة.
ب- يحق للمشتري (المصرف) أن يبرم عقودًا على تلك الصفقة مع الراغبين في شرائها وبمجرد إتمام العقد ينتهي الخيار.
стр. 5845
من المراجع المستخدمة في البحث
أ- من كتب الفقه:
- الأم للإمام الشافعي
- المغني لابن قدامة
- المبسوط للسرخسي
- مواهب الجليل للحطاب
- البيان والتحصيل، لابن رشد الجد
- بداية المجتهد لابن رشد الحفيد
- المخارج في الحيل، لمحمد بن الحسن الشيباني
ب- من كتب أنشطة المصارف الإسلامية:
- تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية، د. سامي حسن حمود
- الأعمال المصرفية التي يزاولها بنك دبي.
- أعمال مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني، بيت التمويل الكويتي.
- البنوك الإسلامية، للدكتور جمال الدين عطية
- قرارات مؤتمر المصرف الإسلامي الأول، بنك دبي
- قرارات ندوة البركة الأولى
- فتاوى وتوصيات الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي.
стр. 5846
المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت)
ندوة عن:
"خطة (استراتيجية) الاستثمار فلي البنوك الإسلامية:
الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات:
بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب / البنك الإسلامي للتنمية / جدة.
عمان
٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧هـ
١٨/٦ – ٢١/٦/١٩٨٧م
стр. 5847
بحث الدكتور حاتم القرنشاوي
عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لتطبيق عقد المرابحة
مقدمة:
عقود المرابحة هي إحدى صيغ التوظيف التي تستأثر بجانب رئيسي من التمويل الذي تقدمه البنوك الإسلامية في الوقت الحالي حيث تتراوح نسبة التوظيف قصير الأجل في تلك البنوك –وعماده المرابحات - بين ٤٠ % - ٦٠ % من إجمالي التوظيفات في المتوسط.
ومضمون بيع المرابحة أن يقوم البنك بشراء سلعة ما بناء على طلب عميل ويعرضها للبيع بالثمن الذي اشتريت به مع زيادة ربح معلوم للبائع والمشتري فيدفع المشتري الثمن مضافًا إليها لربح الذي يتفقان عليه.
وفي التطبيق العملي فإن العميل يتقدم للبنك طالبًا شراء سلعة معينة تحدد مواصفاتها بدقة وقد يحدد مصدرها ويعد بشرائها بتكلفتها زائد ربح يتفق عليه. وقد يطلب البنك دفع جانب من الثمن (عربون) مقدمًا عند طلب الشراء ويقوم البنك بعد ذلك بالحصول على السلعة إن لم تكن متاحة لديه ويعرضها للعميل الذي يشتريها بحسب ما اتفق عليه أو قد يرفضها. وقد يتفق على أن يتم دفع كامل ثمن السلعة أو المتبقي منه مضافًا إليه ما اتفق عليه من ربح عند توقيع عقد البيع واستلام السلعة وقد تكون مرابحة لأجل- وهي الصورة الأعم في بعض البنوك- بحيث يتم دفع باقي القيمة على أقساط يتفق على مواعيد استحقاقها.
وقد ثارت حول عقد المرابحة –وما زالت- العديد من التساؤلات الفقهية والاقتصادية والتطبيقية. فمن الناحية الفقهية أثيرت التساؤلات حول شرعية العقد ذاته ومدى شرعية إلزام المشتري بوعده بالشراء ومن ثم جواز إلزامه بالتعويض في حالة تحمل البنك لأية خسائر قد تنتج عن عدم التزام المشتري بوعده وكذلك أثيرت التساؤلات حول جواز الربط بين بيع المرابحة والبيع لأجل وجواز قبض العربون ومدى حق المشتري فيه إن عدل عن وعده بالشراء. وكذلك فيما يجوز حسابه ضمن الثمن الذي يحتسب الربح على أساسه وهل يحتسب الربح كنسبة أو كقيمة. وهي كلها تساؤلات لها انعكاساتها التطبيقية فضلًا عن جانبها الفقهي.
ومن الناحية الاقتصادية فقد أثار توسع البنوك الإسلامية في عمليات المرابحة تساؤلات حول مدى جدية هذه البنوك في تدعيم جهود التنمية الاقتصادية في البلاد الإسلامية والتي تتطلب توجيه جانب متزايد من مواردها لعمليات الاستثمار الإنتاجي وهو طويل الأجل بالضرورة. وعن تأثير ذلك من الناحية الاجتماعية على ترسيخ قيمة الربح السريع وتجنب المخاطرة وهو ما قد يتعارض مع قيم إسلامية أخرى.
وبطبيعة الحال لن تعرض هذه الورقة - ولا تستطيع - لكل هذه التساؤلات التي ما زال بعضها موضع أخذ ورد والتي سيتم مناقشة جانب رئيسي منها في أوراق بحثية أخرى مقدمة لهذه الندوة وإنما ستحاول أن تفتح الباب لحوار مثمر – إن شاء الله- حول بعض الآثار الاقتصادية والاجتماعية لتطبيق عقد المرابحة والإطار المحاسبي لتلك العقود.
стр. 5848
أولًا: الآثار الاقتصادية لتطبيق عقد المرابحة:
لا خلاف على أن لصيغة المرابحة جوانب إيجابية عديدة لعل أهمها يتمثل في توفير بديل "شرعي" لعمليات التمويل الربوي قصير الأجل الذي تقدمه البنوك التقليدية وكذلك في تأمين انسياب السلع المطلوبة للمجتمع بتكلفة نهائية يمكن أن تكون أقل مما هي عليه في حالة التمويل بالفائدة. وكلا الهدفين لازم لحركة النشاط الاقتصادي ولخدمة جماهير المستهلكين.
ولكن الذي يمكن أن يثور حوله الخلاف هو الشروط والضوابط التي يمكن من خلالها تجنب المزالق التي نشأت في بعض الأحيان ليس من المرابحة كصيغة شرعية للتعامل –في حدودها المتفق عليها- وإنما في طريقة تطبيقها ومداه. وبصورة أكثر تحديدًا فإننا يمكن أن نبرز ما يلي:
١- نظرًا لأن صيغة المرابحة قد قدمت للبنوك الإسلامية صورة للتوظيف أقرب ما تكون شكلًا لصيغة الائتمان القصير التقليدية من حيث انخفاض درجة المخاطرة نتيجة توافر درجة عالية من الضمانات – وخاصة في حالة الأخذ لإلزام طالب الشراء بوعده وأخذ العربون وعد رده كليًا أو جزئيًا مقابل الضرر الذي قد ينشأ- وكذلك سرعة دوران رأس المال أدى ذلك كله إلى إقبال تلك البنوك على توجيه كم متزايد من أموالها لتلك الصيغة.
٢- ساهم عدم توافر الكفايات المهنية اللازمة لدراسة مجالات المشاركة الدائمة أو المتناقصة، واتخاذ القرار بشأنها وعدم الرغبة –أو المقدرة- على تحمل مسئولية ذلك القرار ساهم ذلك كله في تدعيم الاتجاه نحو توظيف كم متزايد من الأموال في عمليات المرابحة وكان ذلك بالضرورة على حساب التوظيف طويل الأجل ومتوسط الأجل.
٣- أدت رغبة البنوك الإسلامية –أو بعضها- في الدخول في منافسة غير مطلوبة ولا مرغوبة مع البنوك التقليدية في مجال العائد الذي يحصل عليه العميل ومدى دورية ذلك العائد ليس فقط إلى توجيه الأموال للمرابحات وإنما لتوجيه جانب ليس بالبسيط منها إلى تمويل عمليات شراء السلع نصف الكمالية والكمالية حيث يكون هامش الربح الممكن الحصول عليه أعلى ودرجة المخاطرة أقل كما في حالة السيارات التي تظل قانونًا مملوكة للبنك حتى تمام السداد. وقد كان ذلك بطبيعة الحال على حساب ما يمكن توجيهه للسلع الضرورية ذات هامش الربح المنخفض فضلًا عن تفضيل المرابحات ذات المدى الزمني القصير ما أمكن أو فرض معدلات ربح عالية مقابل الأجل وهو ما أثار بالضرورة تساؤلات لا ترتبط فقط بالشرعية بل بطبيعة البنوك الإسلامية ذاتها.
стр. 5849
٤- ارتبط التطبيق أيضًا في نماذج عديدة منه بتفضيل ضمني لتمويل عمليات شراء السلع المستوردة لأسباب عديدة منها نمطيتها وسهولة تحديد مواصفاتها وانخفاض درجة المخاطرة فيها نسبيًا ولازدياد درجة تحكم البنك في تدفقها وسهولة تصريفها بالمقارنة بالسلع المحلية في بعض البلاد.
ومؤدى ذلك كله أن تضاءل نشاط البنوك الإسلامية –أو انعدم- في مجال تمويل المضاربات وكذلك تمويل المشاركات الدائمة أو المتناقصة وتحول هيكل الموارد تدريجيًا إلى موارد قصيرة الأجل في المقام الأول وتعرضت عديد من البنوك الإسلامية في البلاد التي تعاني من مشاكل في موازينها التجارية –إلى عديد من المخاطر غير المحسوبة والتي نشأت من وضع قيود على عمليات الاستيراد أو من تقلبات في أسعار العملات أدت لعجز المدينين عن السداد أو نتيجة لتزايد الديون المعدومة التي ترتبت على اندفاع بعض البنوك في القيام بعمليات المرابحة دون دراسة دقيقة مسبقة –وتحت افتراض أن هناك من الضمانات ما يكفي- مما أدى لاستغلال ثغرات العمل أو العقود.
والأهم من ذلك كله هو تدني الأثر الكلي لنشاط البنوك الإسلامية على الاقتصاد القومي حيث انصرف ذلك النشاط إلى تمويل التجارة- وهي نشاط مشروع ومطلوب- ولكن على حساب الأنشطة الأخرى ولم يكن ذلك مطلوبًا خاصة في المجتمعات التي تعاني في المقام الأول من قصور هياكلها الإنتاجية ومن حاجتها الملحة إلى إيجاد فرص عمل منتجة لمواطنيها. ولا شك أن مثل ذلك الأثر السلبي لسيطرة توظيفات المرابحة سيتفاوت حسب طبيعة المجتمع وتكوينه والأهمية النسبية لقطاعاته الاقتصادية ومدى التوازن بينها وفرص الاستثمار المتاحة فيه.
стр. 5850
ثانيًا: بعض الجوانب الاجتماعية وأخلاقيات العمل المرتبطة بتطبيق عقود المرابحة:
يرتبط تطبيق عقد المرابحة بمجموعة من المتطلبات السلوكية والأخلاقية التي تعكس الاشتراطات الإسلامية في مشروعية وطيب عائد النشاط الاقتصادي، فالتطبيق المقبول شرعًا لعقد المرابحة يتطلب فضلًا عن سلامة العقد:
١- الأمانة وعدم الخيانة أو التحايل حيث إن مدار تحديد الربح وما يلحق به ومن ثم كان هذا الأمر مدار بحث وتدقيق من الفقهاء فيما يترتب على عدم الأمانة في تحديد الثمن أو في مكوناته أو في التحايل على ذلك ببيع السلعة صوريًا ثم شرائها وغير ذلك.
٢- جدية البائع والمشتري وترسيخ سلوك الوفاء بالعهد والالتزام بالوعد خلقًا وليس بالضرورة قضاءً.
٣- ضرورة إظهار عيوب المبيع أو ما يكره فيه إن علمها البائع قبل التسليم وإن خفيت على المشتري وهو ما قد يندرج تحت باب أمانة التعامل.
٤- الالتزام الديني حيث قد يداخل تحديد الربح أو مقابل الأجل في حالة المرابحة لأجل شبهة استخدام الفائدة الدائنة في البنوك التجارية أو التسهيلات البنكية الأخرى في احتساب " الربح " وهو ما ينقل العملية من دائرة الحل إلى الشبهة المحرمة إن لم يكن إلى الحرمة ذاتها.