← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

أما الفروقات التي تحدث في العمليات المتبادلة بين يوم وآخر فهي التي تمثل الخسارة أو الربح بالنسبة للأموال التي استثمرت خلال هذين اليومين. يمكن اقتباس طريقة لخلق سوق نشيطة تعطي تسعيرًا أفضل للشهادات الحلال من أسواق العالم التي يتنافس فيها عملاء تلك الأسواق في المزايدة لخلق الأسعار والسيولة للمستثمرين في الأسهم والسندات. الخاتمة: إذا أردنا أن نرسي قواعد نظام مصرفي إسلامي مبني على أساس تقاسم حقوق التملك أو حيازة الموجودات الحقيقية فإن علينا مراعاة الأولويات المقترحة التالية: - توفير سندات حلال قابلة للتداول (شهادات إيداع وشهادات استثمار) صالحة للتملك المباشر. وتكون صالحة للتحويل مع أية أرباح متحققة. - إيجاد سوق مركزية (فيها بيانات رسمية عن حجم التجارة والأسعار مع تسهيلات تسديد ومخالصة) للسندات الحلال، يعمل في هذه السوق وسطاء منافسون يؤكدون وجودهم في مواقعهم غير الثابتة ويعملون بوساطة الاتصالات الإلكترونية. - إيجاد مرونة في التصرف باستحقاقات الموجودات والمطلوبات لدى المؤسسات الوسيطة (البنوك) عن طريق استثمار جزء من موجوداتهم في سندات حلال قابلة للتداول.

стр. 5952

الجوانب القانونية لتطبيق عقد المرابحة الدكتور إسماعيل عبد الرحيم شلبي كلية الحقوق – جامعة الزقازيق دراسة مقدمة لندوة استراتيجية الاستثمار في البنوك الإسلامية الجوانب التطبيقية والقضايا والمشكلات التي ستعقد خلال الفترة من ١٨ – ٢١/ ٦/ ١٩٨٧م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجوانب القانونية لتطبيق عقد المرابحة "مقدمة" (١) من بين مجالات استثمار الأموال في البنوك الإسلامية يظهر نشاط البيوع، وقد شرع الله تعالى إلى جانب بيع المساومة وبيع المزايدة والاستئمان بيوعًا أخرى تقوم على الثقة بين المتبايعين والتي يطلق عليها الفقهاء "بيوع الأمانة" وهذه البيوع لها ثلاثة صور: ١- بيع التولية: وهو أن يتم عقد البيع بنفس سعر الشراء أو التكلفة دون زيادة أو نقص. ٢- بيع الوضيعة: وفيه يتم عقد البيع بنقص معلوم عن سعر الشراء أو التكلفة. ٣- بيع المرابحة: وفي يتم عقد البيع بالتكلفة مضافًا إليها زيادة نسبة معلومة محددة أو مبلغ مقطوع. أو يتم البيع بالنقد أو بالأجل. فبيع المرابحة مبني على صدق البائع في الإفصاح عن ثمن السلعة ومقدار ربحه فيها، ولهذا اعتبرها الفقهاء من بيوع الأمانة. فالمشتري الأول قام بعملية الشراء الأولى، وهي منفصلة عن بيعها لغيره. كما أنها تمت بعقد شرعي كامل ومنفصل عن قعد بيعه لها. كما أن بيع المرابحة بيع حاضر حيث إن البائع مالك للسلعة المباعة ومن ثم يستطيع التصرف فيها بالبيع للغير وإلا اعتبر بيع ما لا يملك. وهو بيع محرم شرعًا.

стр. 5953

وقد درجت البنوك الإسلامية على اتخاذ صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء كأسلوب من الأساليب الشرعية للتمويل، وتتلخص هذه العملية في أن يتقدم العميل للبنك طالبًا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد منه بشرائها مرابحة وبالنسبة التي يتفق عليها. وبدفع الثمن مقسطًا حسب إمكانياته. وهذه العملية مركبة من وعد بالشراء ووعد بالبيع وبيع بالمرابحة، فهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده لأن البنك لا يعرض أن يبيع شيئًا، ولكنه يتلقى أمرًا بالشراء، وهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب ويعرضه على المشتري الآمر ليرى ما إذا كان مطابقًا للمواصفات التي طلبها أم لا. كما أن هذه العملية لا تنطوي على ربح ما لم يضمن لأن البنك قد اشترى هذه السلعة فأصبح مالكًا يتحمل تبعة الهلاك. وقد ثار الكثير من الجدل عن الوعد بالشراء من جانب المشتري الآمر بالشراء والواعد بالبيع من جانب البنك هل هو وعد ملزم أم لا؟ ونود أن نشير إلى أن هذه الدراسة تتضمن ثلاثة فصول: الفصل الأول: ونشير فيه إلى الصعوبات القانونية التي تعترض تطبيق عقد المرابحة وهذا الفصل يتضمن ثلاثة مباحث وهي: المبحث الأول: عن الوعد بالشراء أو بالبيع ملزم أم لا. المبحث الثاني: عن الملابسات القانونية لعقود المرابحة في إطار الممارسات العملية بين العميل والبنك. المبحث الثالث: عن المشاكل القانونية التي تتضمنها القوانين المصرفية. الفصل الثاني: ونلقي فيه الضوء على حق الضمان وموقف البنوك الإسلامية منه وهذا الفصل يتضمن أربعة مباحث: المبحث الأول: عن الضمان في اللغة وعند الفقهاء وفي القرآن الكريم. المبحث الثاني: عن أقسام الضمان. المبحث الثالث: عن الضمان في البيع وفي عقد المرابحة. المبحث الرابع: عن العربون الفصل الثالث: ونشير فيه إلى التعويض.

стр. 5954

وهذا الفصل يتضمن أربعة مباحث: المبحث الأول: التعويض في الشريعة الإسلامية. المبحث الثاني: التعويض في القانون المدني المبحث الثالث: تقدير التعويض والوقت الذي يجب فيه. المبحث الرابع: ما يجري عليه العمل في البنوك الإسلامية. الفصل الأول "الصعوبات القانونية التي تعترض تطبيق عقد المرابحة" هناك بعض الصعوبات القانونية التي تعترض تطبيق عقد المرابحة في البنوك الإسلامية وسوف نشير فيما يلي إلى أهم هذه الصعوبات. المبحث الأول: الوعد بالشراء أو بالبيع، ملزم أم لا؟ بيع المرابحة للآمر بالشراء إحدى صيغ التمويل الحديثة والتي ظهرت وطبقت بصورة متطورة لبيع المرابحة حيث لم تكن مطبقة إلى وقت قريب (١) ولهذا فقد ثار الجدل حول ما إذا كان الوعد بالشراء أو البيع ملزمًا أم لا؟ وكما سبق أن أشرنا فإنها ليست أكثر من مواعدة على البيع لأجل معلوم بثمن محدد هو ثمن الشراء مضافًا إليه ربح معلوم تزيد نسبته أو مقداره عادة كلما طال الأجل ولكنه ثمن معلوم من أول الأمر. ولقد أثار البعض عدة اعتراضات حولها حيث يرون أن هذه المعاملة ليست بيعًا ولا شراء وإنما هي حيلة لأخذ الربا، وأن أحدًا من الفقهاء لم يقل بحلها، وأنها من بيوع " العينة " وهي محرمة، وأنها بيعتان في بيعة وذلك منهي عنه، وأنها تدخل في بيع ما لا يملك وهو ممنوع، وأن فيها إلزامًا بالوعد وهو إيجاب لما لم يوجبه الله تعالى وتقييد لما أطلقه. (٢)

стр. 5955

ولقد أجاب أكثر من فقيه وعالم وهيئات شرعية على هذه الادعاءات وفندوها، بل اتخذت المؤتمرات العلمية عدة قرارات بشأنها، وأوضحت هذه الردود عدم صحة الاعتراضات الموجهة إليها، ومن هذه الردود نشير بإيجاز إلى بعضها فيما يلي: بخصوص اعتبار هذه الصورة من قبيل الربا، فإن من ينظر إلى بيع الأجل أو التقسيط لا يجد فيه شيئًا من الربا وشبهته لأن الزيادة في بيع الأجل والتقسيط ليست خالية من عوض، بل هي في مقابلة العين المبيعة، وكما أن هذا البيع يفترق عن الربا بأنه إذا حل الأجل ولم يؤد الثمن فإنه لا زيادة عليه ولا مؤاخذة إن كان معسرًا بل يمهل حتى يوسر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] وإن تأخر بغير عذر فهو ظالم يستحق العقوبة كما في حديث رسول الله ﷺ ((: مطل الغني ظلم)) . (١) وحديث: ((: لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) (٢) وعلى ذلك يستطيع البنك الإسلامي أن يحصل على التعويض عن الضرر الفعلي الذي لحقه وذلك استنادًا إلى حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) . (٣) وقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت ((: اشترى رسول الله من يهودي طعامًا نسيئة ورهنه درعًا له من حديد)) . أما بخصوص اعتبار هذا البيع يدخل في النهي عن بيعتين في بيعة، فإن بيع الأجل بثمن أكبر من ثمن النقد أو الحال لا يدخل مطلقًا ضمن حديث بيعتين في بيعة؛ حيث إن البيع عقد والعقد يتم بالإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما. وهذا معنى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وأن هذا البيع لم يتم إلا بعقد واحد وبيع واحد، أما ثمن النقد أو ثمن الأجل وهو بذلك يخرج عن نطاق النهي عن بيعتين في بيعة.

стр. 5956

أما عن القول بأنها عبارة عن بيع الشخص ما ليس عنده فإنه من المعروف أن البنك لا يعرض أن يبيع شيئًا ولكنه يتلقى أمرًا بالشراء، ولا يبيع البنك حتى يملك ما هو مطلوب ويعرضه على الآمر بالشراء ليرى ما إذا كان مطابقًا للمواصفات. أما الآراء الأخرى والتي ترى أن الوعد ملزم فإنها تستند في ذلك إلى أن الوفاء بالوعد واجب ديانة؛ وذلك استنادًا إلى الآيات القرآنية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) ﴾ [الصف:٢،٣] ، ومن هذه الآية نجد عبارة " كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ " تعطي الدلالة إلى أنه كبيرة وليس مجرد حرام. (١) وفي آية أخرى يقول الله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] ، ومن هذه الآية الكريمة يتضح لنا ذم الله المنافقين، وأن نفاقهم كان سبب إخلافهم وعدهم مع الله. وقياسًا على ذلك إخلاف الوعد مع الناس، حيث لا فرق في أصل الحرمة بين الأمرين، كما أن نكث العهد محرم سواء كان مع الله أم مع الناس. (٢) وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وعندما أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] . وفي الأحاديث النبوية الكثير من هذه الدلالات الواضحة ففي الحديث الصحيح المتفق عليه من رواية أبي هريرة. قول رسول الله ﷺ ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) . (٣) وفي حديث عبد الله بن عمر وهو حديث صحيح قال رسول الله ﷺ ((: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) . (٤) كذلك ما روي عن بعض الفقهاء من المسلمين عن إلزام الوعد، ومنهم ما روي عن ابن شبرمة فيما نقله عن ابن حزم حيث قال: " الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد ويجبر" (٥) كذلك بالإضافة إلى الكثير من الآراء لجماعة من السلف في وجوب الوفاء بالوعد. (٦)

стр. 5957

هذا وإذا ما رجعنا إلى مؤتمرات المصارف الإسلامية وكذا لرأي البنوك الإسلامية القائمة على التطبيق الفعلي نجد موقفها كالآتي: مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي: وفي مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي جاءت توصيته على النحو التالي: يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعدًا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدًا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقًا لذات الشروط. إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقًا لأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفين ديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى، وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه. (١) ولكن هناك من يرى أن هذه التوصية قد جانبها الصواب من حيث إن العميل الواعد ملزم بالشراء على المذاهب الأربعة، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الإمام الشافعي في " الأم " يرى أن الواعد بالشراء ليس ملزمًا وإنما مخير في ذلك. (٢) وهناك من يرى أن توصية المؤتمر المذكور فيها من الإجمال ما لا يؤخذ به على طلاقه إذ لا خلاف أن الوعد مستحب، ولكنهم اختلفوا في وجوب الوفاء بالوعد. فالجمهور يرى أن الوفاء بالوعد غير واجب خلافًا للحنفية، والمشهور الراجح عند المالكية وابن شبرمة وابن العربي. وقد جاء في كتاب الأم للشافعي ما يؤيد رأي جمهور الفقهاء فيما يتعلق بالوعد من أن طالب الشراء ليس ملزمًا بالشراء وإنما هو بالخيار في ذلك. (٣) مؤتمر المصرف الإسلامي بالكويت: وفي مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني الذي عقد بالكويت في مارس ١٩٨٣ قرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة، وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أمر جائز شرعًا طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي. وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزمًا للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل. وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعًا، وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه. (٤)

стр. 5958

بنك فيصل الإسلامي السوداني: جرى العمل في بنك فيصل الإسلامي السوداني على أن الوعد ملزم للبنك وغير ملزم للآمر بالشراء، فهو بالخيار عندما يعرض عليه البنك السلعة فإن شاء اشتراها وإن شاء تركها، أما البنك فهو ملزم ببيع السلعة للآمر بالشراء إذا رغب فيها. ويبرر البنك موقفه بأن ذلك أولى وأبعد عن الشبهة؛ لأن اعتبار الوعد ملزمًا للطرفين والعميل بالشراء، والبنك بالبيع – يجعل هذه المعاملة في حقيقتها عقد بيع مرابحة قبل ملك البنك للسلعة. ولا يغير من هذه الحقيقة كون البنك والعميل ينشئان عقد بيع من جديد بعد وصول السلعة ما دام كل واحد منهما ملزمًا بإنشائه على الصورة التي تم بها الوعد. (١) بيت التمويل الكويتي: أصدر فضيلة مستشار بيت التمويل الكويتي فتوى جاء بها: "ما صدر من طالب الشراء يعتبر وعدًا، ونظرًا لأن الأئمة اختلفوا في هذا الوعد أهو ملزم أم لا، فإني أميل إلى الأخذ برأي ابن شبرمة ﵁ الذي يقول: إن كل وعد بالتزام لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا يكون وعدًا ملزمًا قضاء وديانة. وهذا ما تشهد له ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. والأخذ بهذا المذهب أيسر على الناس، والعمل به يضبط المعاملات؛ ولهذا ليس هناك مانع من تنفيذ مثل هذا الشرط ". (٢) ندوة البركة بالمدينة المنورة: جاء في الفتاوى الصادرة عن ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي والتي عقدت بالمدينة المنورة أن المؤتمر يقرر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الوعد السابق هو أمر جائز شرعًا، طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد في ما يستوجب الرد. وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزمًا للآمر أو للمصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل. وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعًا. وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه. (٣)

стр. 5959

الوعد بين الشريعة والقوانين المدنية الوضعية: أشرنا فيما سبق إلى الاتجاه الشرعي لمدى الإلزام بالوعد، ثم ألقينا الضوء على مؤتمرات المصارف الإسلامية، ثم وضحنا ما يسير عليه العمل في البنوك الإسلامية، ولا يتبقى لدينا سوى أن نعرف موقف القوانين المدنية الوضعية من مدى الإلزام بالوعد؛ ولهذا سوف نشير فيما يلي إلى الوعد في القانون المدني الأردني , وكذا في القانون المدني المصرفي وبعض القوانين العربية الأخرى لنرى موقف هذه القوانين من الوعد وهل هو ملزم أو غير ملزم. أ- القانون المدني الأردني: ينص القانون المدني الأردني في المادة ١٠٦ منه على أن الوعد الصادر من الآمر بالشراء ملزمًا. كما تنص المادة ١٠٥ على أن الاتفاق الذي يتعهد بموجبه كل من المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا ينعقد إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه. (١) ومن نص المادة ١٠٦ نلاحظ أن القانون الأردني قد قرر صراحة أن الوعد ملزم للآمر بالشراء، وهذه أول حالة نجدها في القوانين الوضعية تنص صراحة وبوضوح؛ وذلك يرجع إلى أن القانون المدني الأردني حديث وقد استطاع المشرعون أن يلموا بجميع المعاملات الإسلامية الجديدة، والتي ظهرت وبرزت بعد انتشار البنوك الإسلامية ومنها عقد المرابحة للآمر بالشراء ومدى الإلزام بالوعد. ب- القانون المدني المصري: يرى القانون المدني المصري أن الوعد بالتعاقد – من أي من الجانبين- عقد كامل لا مجرد إيجاب ولكنه عقد تمهيدي لا عقد نهائي. (٢) فالوعد بالتعاقد وسط بين مجرد الإيجاب والتعاقد النهائي. فالواعد بالبيع مثلًا قد التزم بأن يبيع الشيء الموعود ببيعه إذا أبدى الطرف الآخر رغبته في الشراء، وهذا أكثر من إيجاب؛ لأنه اقترن به القبول فهو عقد كامل. ولكن كلا من الإيجاب والقبول لم ينصب إلا على مجرد الوعد بالبيع؛ ولذلك يكون الوعد بالتعاقد مرحلة دون التعاقد النهائي. وتنص الفقرة الأولى من المادة ١٠١ من القانون المدني المصري (وكذلك المادة ١٠٢ /٢ من القانون المدني السوري والمادة ١٠١/ ٢ من القانون المدني الليبي، والمادة ٩١ /٢ من القانون المدني العراقي) على أن: " الاتفاق الذي يعد بموجبه كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا ينعقد إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها " (٣) ذلك أن الوعد بالتعاقد خطوة نحو التعاقد النهائي، فوجب أن يكون الطريق مهيأ لإبرام العقد النهائي بمجرد ظهور رغبة الموعود له. ولما كان الوعد هو خطوة نحو العقد النهائي كما سبق القول فإن شروط هذا العقد من حيث الانعقاد والصحة تكون بوجه عام مطلوبة في عقد الوعد ذاته. (٤)

стр. 5960

وإذا انعقد الوعد صحيحًا فإن الأثر الذي يترتب عليه يجب أن نميز فيه بين مرحلتين يفصل بينهما ظهور رغبة الموعود له في التعاقد النهائي. ففي المرحلة الأولى التي تسبق ظهور الرغبة لا يكسب الوعد الموعود له إلا حقوقًا شخصية حتى لو كان التعاقد النهائي من شأنه أن ينقل حقًّا عينيًّا كما في البيع. فإذا كان العقد الموعود بإبرامه عقد بيع فإن الموعود له بالبيع لا يكسب إلا حقًّا شخصيًّا في ذمة الواعد، ولا ينتقل إليه ملكية الشيء الموعود ببيعه. فيبقى الواعد مالكًا للشيء وله أن يتصرف فيه إلى وقت التعاقد النهائي ويسري تصرفه في حق الموعود له. فإذا باع العين فليس للموعود له إلا الرجوع بتعويض على الواعد. (١) وإذا هلك الشيء بسبب أجنبي تحمل الواعد تبعة هلاكه لا لأنه لم يسلمه إلى المتعاقد الآخر فحسب كما في العقد النهائي، بل أيضًا لأنه لا يزال المالك. (٢) وتحل المرحلة الثانية بظهور رغبة الموعود له في إبرام العقد الموعود به في خلال المدة المتفق عليها، فإذا لم تظهر هذه الرغبة قبل انقضاء المدة، سقط الوعد بالتعاقد (٣) أما إذا ظهرت صراحة، (٤) أو ضمنًا كأن تصرف الموعود له في الشيء الموعود ببيعه إياه فإن التعاقد النهائي يتم بمجرد ظهور هذه الرغبة، ولا حاجة لرضاء جديد من الواعد، (٥) ويعتبر التعاقد النهائي قد تم من وقت ظهور الرغبة، لا من وقت الوعد. وإذا اقتضى إبرام العقد النهائي تدخلًا شخصيًّا من الواعد، كما إذا كان العقد بيعًا واقعًا على عقار ولزم التصديق على إمضاء البائع تمهيدًا للتسجيل فامتنع البائع عن ذلك جاز استصدار حكم ضده، وقام الحكم متى حاز قوة الأمر المقضي مقام عقد البيع. فإذا سجل نقلت ملكية العقار إلى المشتري، وهذه الأحكام نص عليها التقنين المدني صراحة في المادة ١٠٢ مدني. (وكذلك المادة ١٠٣ من القانون المدني السوري، والمادة ١٠٢ من القانون المدني الليبي) . إذ تقول: "إذا وعد شخص بإبرام عقد ثم نكل وقاضاه المتعاقد الآخر طالبًا تنفيذ الوعد، وكانت الشروط اللازمة لتمام العقد وبخاصة ما يتعلق منها بالشكل متوافرة، قام الحكم متى حاز قوة الأمر المقضي به مقام العقد.

стр. 5961

مما سبق يتضح لنا أن هناك عدة آراء حول الإلزام بالوعد. فالبعض يرى أن الوعد ملزم والبعض الآخر لا يرى ذلك، وآخرون يرون أن الوفاء بالوعد ملزم ديانة وآخرون يرونه – الوفاء بالوعد - ملزم قضاء، هذا من وجهة نظر الفقهاء الشرعيين. أما من وجهة نظر القوانين المدنية الوضعية فنجد أن القانون المدني الأردني قد نص صراحة في المادة ١٠٦ منه بأن الوعد الصادر من الآمر بالشراء ملزم، وينفرد هذا القانون بهذا النص الصريح نظرًا لحداثة هذا القانون، ومن ثم استطاع أن يدرج فيه نصًّا صريحًا لهذه الواقعة الحديثة أيضًا وهي بيع المرابحة للآمر بالشراء ومدى التزام الآمر بالشراء بالوعد. أما القانون المدني المصري ويشاركه أيضًا القانون السوري والقانون الليبي والقانون العراقي – فقد نص على أن الوعد بالتعاقد عبارة عن عقد كامل لا مجرد إيجاب، ولكنه عقد تمهيدي لا عقد نهائي، فهو خطوة نحو التعاقد النهائي، فواجب أن يكون الطريق مهيأ لإبرام العقد النهائي بمجرد ظهور رغبة الموعود له، فإذا كان العقد الموعود بإبرامه عقد بيع فإن الموعود له بالبيع لا يكسب إلا حقًّا شخصيًّا في ذمة الواعد، ولا تنتقل إليه ملكية الشيء الموعود ببيعه. وإذا هلك الشيء المبيع تحمل الواعد تبعة هلاكه لا لأنه لم يسلمه إلى المتعاقد الآخر (المشتري) فحسب كما في العقد النهائي بل أيضًا؛ لأنه لا يزال المالك. ومن روح نص القانون المدني المصري – وكذا القوانين العربية سالفة الذكر- نجد أن الوعد بالتعاقد عقد كامل لا مجرد إيجاب وهو خطوة نحو التعاقد النهائي، ومن ثم ففيه شيء من الإلزام للواعد. حيث إنه في حالة نكوله عن تنفيذ الوعد يحق للطرف الآخر مقاضاته طالبًا التنفيذ، ومتى كانت الشروط اللازمة لتمام العقد متوافرة قام الحكم متى حاز قوة الأمر المقضي به مقام العقد، ومن ثم لا حاجة لإبرام العقد النهائي؛ لأن الحكم قام مقامه. أما بالنسبة للبنوك الإسلامية فنجد أن العميل يسير في معظمها على أن الوعد بالشراء ملزم للواعد، وذلك عدا القليل منها حيث يرون أن الوعد بالشراء غير ملزم للمشتري، وأن له الخيار، مع إلزام البنك بالوعد. ونحن نختار الرأي الذي يرى أن الوفاء بالوعد ملزم لكل من البنك والمشتري الآمر بالشراء من حيث إنه ملزم قضاء طبقًا لأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفين ديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى (١) وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه. ذلك هو الصالح العام لكلا الطرفين وكذا لاستقرار المعاملات والمحافظة على المؤسسات المالية الإسلامية.

стр. 5962

المبحث الثاني: الملابسات القانونية لعقد المرابحة في إطار الممارسات العملية بين العميل والبنك: يقوم كل بنك إسلامي بطبع نماذج خاصة بطلبات الشراء والوعد بالشراء وعقد البيع بالمرابحة، وقد لاحظنا على هذه النماذج ما يلي: (١) أ- الضوابط القانونية لتشكيل هيئة التحكيم: أسندت بعض البنوك الإسلامية للقضاء – الوطني بدولها الاختصاص في فض المنازعات بين البنك وعملائه. (٢) بينما نجد أن البعض الآخر منها قد أسند ذلك إلى محكمين ملتزمين بالشريعة الإسلامية يتم اختيارهم على الوجه التالي: ١- حكم يختاره الطرف الأول. ٢- حكم يختاره الطرف الثاني. ٣- حكم مرجح يختاره الطرفان. وإذا لم يقم الطرف الثاني باختيار الحَكَم المرجح أو اختلفا في اختياره اختارت هيئة الرقابة الشرعية بالبنك الحَكَم المرجح، ويتم الفصل في النزاع وفقًا للقوانين والأعراف التجارية السائدة في الدولة وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، ويكون حُكْمهم نهائيًّا وملزما للطرفين. (٣) ويلاحظ أن تشكيل هيئة المُحَكِّمِين قد اختلفت في بعض البنوك عن بعضها الآخر؛ ففي أحد هذه البنوك تبين أن تشكيل هيئة المُحَكِّمِين من ثلاثة يختار كل طرف مُحَكِّمًا عنه ويكون رئيس الهيئة شخصًا معينًا حدد بالاسم مسبقًا بمعرفة البنك، ونص في عقد البيع على أنه إذا لم يقم أي من الطرفين باختيار مُحَكِّمِهِ خلال خمسةَ عشرَ يومًا من إخطاره بذلك من الطرف الآخر يتولى رئيس الهيئة (السابق تحديده بالاسم) التحكيم وحده، كما نص على أن هيئة المحكمين تفصل في النزاع بحكم نهائي. (٤) وإذا ما رجعنا لقانون المرافعات المصري نجد أن المادة ٤١٢ منه تنص على أنه يترتب على الاتفاق على التحكيم – أيًّا كانت صورته - أثران هامان: أثر إيجابي هو الحق في الالتجاء إلى التحكيم، وأثر سلبي هو منع قضاء الدولة من نظر المنازعة محل التحكيم على أنه إذا حكم ببطلان الاتفاق على التحكيم عاد لطرفيه الحق في الالتجاء إلى قضاء الدولة. ويمكن الطعن في حكم المُحَكِّمِين بالبطلان طبقًا لنص المادة ٥١٢ من قانون المرافعات وذلك في حالات محددة نصت عليها تلك المادة، وهي: ١- إذا كان قد صدر حكم المُحَكِّمِين دون وجود شرط تحكيم أو استند إلى وثيقة باطلة أو شرط باطل أو صدر في غير حدود النزاع الذي اتفق على التحكيم بشأنه. ٢- إذا صدر من مُحَكِّمِين لم يتفق عليهم الخصوم. ٣- إذا كان حكم المُحَكِّمِين غير مسبب أو لم يوقع عليه، أو وجود بطلان في الإجراءات أثر في الحكم. مما سبق يتضح لنا مدى السلطة القانونية والحصانة القضائية التي تنوط بنظام التحكيم. ولهذا فقد جرى العرف والعمل على أن تشكل هيئة التحكيم من ثلاثة مُحَكِّمِين على الأقل، يتم اختيار أحدهم بمعرفة الطرف الأول والثاني بمعرفة الطرف الثاني. أما المحكم المرجح فيختار بمعرفة الطرفين، وفي حالة اختلافهما أو تقاعس الطرف الثاني على اختياره، تقوم هيئة الرقابة الشرعية باختياره.

стр. 5963

كل هذه الإجراءات من أجل كفالة الحياد التام لهيئة التحكيم؛ نظرًا لأن حكمها نهائي وملزم للطرفين ولا يستطيع أي من الطرفين – طبقًا لنص القانون المدني المصري- اللجوء للقضاء إلا في إطار ظروف وأسباب محددة- نصت عليها المادة ٥١٢- يصعب تحقيقها. أما أن يحدد الحكم المرجح بالاسم مسبقًا من قبل البنك ويرأس هيئة التحكيم، ويحكم في النزاع بمفرده في حالة عدم قيام أي من الطرفين باختيار مُحَكِّمِهِ خلال خمسة عشر يومًا من إخطاره بذلك فهذا يخالف العرف وما جرى عليه العمل بشأن التحكيم. ب- الموقف القانوني لناقل البضاعة: ورد بأحد نماذج الوعد بالشراء بأن الناقل للبضاعة يعتبر بصفته وكيلًا عامًّا للشحن – وكيلًا لطرفي العقد باستلام البضاعة من وقت تحميلها على ظهر الباخرة من قبل المصدر في ميناء الشحن وحتى ميناء الوصول. (١) ونحن نرى أن هذا النص قد جعل من ناقل البضاعة بصفته وكيلا عاما للشحن وكيلا للبائع، فهذا صحيح، حيث إنه مكلف من قبله بالقيام بعملية الشحن أما أن نجعله أيضًا وكيلا عن المشتري باستلام البضاعة فهذا غير صحيح قانونًا؛ نظرًا لأن البضاعة حتى تلك اللحظة لم تدخل في ملكية المشتري فعلًا أو مستنديًّا حيث إنها ما زالت في الخارج، كما أنها لم تدخل بعد في حوزة البنك فعليًّا. وإنه طبقًا لقواعد عقد البيع بالمرابحة للآمر بالشراء فإن عقد البيع بالمرابحة للآمر بالشراء يشترط فيه تملك البنك للسلعة المباعة، وهذا التملك إما بدخولها لمخازنه أو حصوله على مستندات الشحن الخاصة بها وهذا غير متوفر. وحتى لو توفرت شروط الملكية للبنك فإنه إذا حدثت أي تلفيات أو هلاك للبضاعة فإن البنك يتحمل هذه الخسارة كلية ولا يتحمل الآمر بالشراء شيئًا منها، فكيف يكون الناقل للبضاعة وكيلا له باستلامها وهو – أي الآمر بالشراء - لم يتملكها بعد. جـ- الوضع القانوني لرهن البضاعة المباعة ضمانًا لحق الطرف الأول: ورد بأحد عقود البيع بالمرابحة التزام الطرف الثاني بأن البضاعة ملكه موضوع هذا العقد مرهونة رهنًا تأمينيًّا لصالح الطرف الأول حتى استيفائه لكامل الثمن المتفق عليه وله عليها حق امتياز البائع. (٢) ونود أن نشير هنا إلى أن الرهن من التأمينات العينية الخاصة التي يقدمها المدين للدائن ضمانًا للدَّين. والرهن ينقسم لنوعين: رهن حيازي، ورهن رسمي. والرهن الحيازي يقتضي نقل حيازة المال المرهون من يد المدين "الراهن" إلى يد الدائن "المرتهن" ويكون للدائن أن يحبسه حتى يستوفيَ حقه. وهو يرد على العقار والمنقول. أما الرهن الرسمي فإنه يرتب للدائن حقًّا عينيًّا على المال المرهون دون أن تنتقل حيازة هذا المال إلى يد الدائن بل تبقى حيازته في يد المدين الراهن وهو لا يرد إلا على العقار دون المنقول، فهو الذي يمكن رهنه رهنًا رسميًّا. والرهن بنوعيه يعتبر من الحقوق العينية التبعية، بمعنى أن الرهن الذي يقوم ضمانًا للقرض يتبع القرض من حيث وجوده وعدمه ومن حيث صحته وبطلانه، وينقضي الرهن حتمًا بانقضاء الدَّين، كما أن الرهن بنوعيه يخول للدائن مزيتي التقدم والتتبع، فمزية التقدم تخول للدائن اقتضاء حقه من المال المرهون متقدمًا على سائر الدائنين العاديين ومتقدمًا على الدائنين المرتهنين التالين له في مرتبة الرهن، ومزية التتبع تخول للدائن اقتضاء حقه من المال المرهون تحت أي يد يكون قد انتقلت ملكية المال المرهون من المدين إلى الغير (كالمشتري مثلًا) يستطيع الدائن المرتهن التنفيذ على المال المرهون تحت يد من انتقلت إليه ملكيته واقتضاء حقه منه. (٣) والرهن بنوعيه مصدره العقد. حيث ينشأ كل منهما بموجب عقد.

стр. 5964

والسؤال هنا: هل يجوز للبنك الإسلامي رهن السلع المشتراة من البنك في عقد المرابحة للآمر بالشراء ضمان لما عليه من أقساط؟ أي هل يمكن للعميل أن يقوم برهن السلعة المشتراة ضمانًا للأقساط المتبقية عليه من الثمن على أن يأخذ من السلعة ما يقوم بسداد ثمنه. وذلك نظرًا لأن العميل سوف لا يقوم بدفع جميع الثمن بل سيدفع جزءًا ويقسط الباقي من الثمن على أقساط، وليس هناك ما يضمن العميل لدى البنك في باقي الثمن؟ عرض هذا الموضوع على هيئة الرقابة الشرعية بأحد البنوك الإسلامية فرأت بأنه طبقًا لما جاء بمذهب الإمام مالك يجوز الرهن في دَين أو في بيع ما لم يكن الرهن في البيع وسيلة للتأخير، فيصبح الرهن في هذه الحالة وسيلة إلى الربا فيحرم. (١) وقد رأت الهيئة عدم الموافقة على ما جاء بالموضوع من رهن السلعة ضمانًا للثمن بعدًا عن الشبهات ويمكن للعميل أن يقدم أي ضمان آخر. إلا أن المسؤولين بالبنك الإسلامي يرون أن تطبيق هذه الفتوى يترتب عليها عدة نتائج هي: ١- تعطيل سياسية البنك الرأسية إلى التعامل مع صغار العملاء الذين لا يملكون ضمانات عقارية والذي يحتاجون إلى مساندة البنوك الإسلامية لهم. وتشجيع الشباب الذين يمتلكون الخبرة على اقتحام مجالات الأعمال، بالإضافة إلى توسيع قاعدة التعامل مع صغار العملاء حتى يكون للبنك أثر ملموس في الحياة الاقتصادية للبلاد. ٢- إن البنك قد يضطر إلى رهن بعض السلع الراكدة أو الآلات القديمة لدى العميل وتكون قيمتها أقل من قيمة السلعة أو الآلات المباعة لهم مرابحة مما يعرض أموال البنك للضياع. ونود أن نشير بأنه لا يجوز حجب السلعة المباعة مرابحة عن المشتري، وأن العلاقة بين البنك والعميل تنتهي بتسليم العميل للسلعة موضوع المرابحة واستلام البنك لشيكات الأقساط – أو الأوراق الخاصة بالأقساط - وتصبح العلاقة حينئذ علاقة دائن بمدين. كما أن للبنك الحق في الحصول على ما يحتاجه من ضمانات لحفظ حقه بشرط ألا يكثر في طلب الكثير منها حتى لا يثقل على العميل أو المشتري، ومن ثم يحرم من التعامل معه. (٢)

стр. 5965

المبحث الثالث: المشاكل التي تتضمنها القوانين المصرفية: من المعروف أن البنوك التجارية الوضعية عبارة عن بنوك تتعامل في الدَّين أو الائتمان. فالبنك التجاري يحصل على ديون الغير ويعطي مقابلها وعودًا بالدفع تحت الطب أو بعد أجل وهذه البنوك تعمل في سوق النقد. وعملياتها تتميز بطابع الائتمان قصير الأجل. وأهمية هذه البنوك ترجع للدور الهام الذي تقوم به في التأثير على العرض الكلي للنقود. فهي لا تقبل ودائع الأفراد فقط ولكن تقوم بخلق هذه الودائع أي بخلق الائتمان (١) وعلى ذلك نجد أن نشاطها الإنتاجي يتمثل في التعامل في الديون أو الائتمان، وأن ما لديها من أصول مادية تعد ضئيلة للغاية حيث تقدم هذه البنوك خدمات ائتمانية لعلمائها المودعين والمقرضين وتحصل في مقابل ذلك على مدفوعات من هؤلاء العملاء. ومن هذا التعامل تحقق أقصى ربح ممكن. ويتلخص هذا التعامل في نوعين أحدهما الإتجار في الديون أو الائتمان والآخر هو خلق الائتمان. (٢) ونظرًا لصغر رأسمال هذه البنوك والتي يقف دوره عند حدود فترة الإنشاء فقط وطبيعة عملها السالف ذكره فإن البنوك المركزية قد وضعت لها عدة ضوابط ومحاذير لسياستها الائتمانية حتى لا تتعرض هذه البنوك للمخاطر. ومن هذه الضوابط السقوف الائتمانية وتحديد نسبة للسيولة لدى البنوك ونسبة للاحتياطي تودع لدى البنك المركزي وعدم السماح لهذه البنوك بتملك العقارات وتحديد نسبة للمساهمة في الشركات أو المشروعات. كل هذه الضوابط ترجع إلى طبيعة عمل هذه البنوك نظرًا لأنها تتاجر في الديون – أي تعمل بأموال المودعين - ومن ثم يجب أن يكون هناك ملاءمة ما بين السيولة والربحية حتى لا يتعرض البنك للمخاطر إذا ما زادت طلبات السحب. فالودائع عبارة عن دَين واقع في ذمة البنك قبل المودع وعليه أن يردها له وقت الطلب إن كانت تحت الطلب، أو في تاريخ استحقاقها إن كانت لأجل مضافًا إليها الفائدة الثابتة المتفق عليها. ومن المعروف أن هذه العلاقة التعاقدية قائمة ومستقلة بذاتها بين البنك والعميل المودع وليس لها أي ارتباط بأساليب استخدامات البنك لهذه الأموال ومدى شرعيتها وما إذا كانت قد حققت ربحًا أو خسارة. أما البنوك الإسلامية فإنها لا تتاجر في الديون، وإنما تكون العلاقة بينها وبين أصحاب الودائع ومستخدميها علاقة مشاركة ومتاجرة، وليست علاقة دائنية ومديونية. ومن ثم فهي تأخذ شكل المضاربة أو المشاركة. (٣) وعلى ذلك فهي لا تعمل على خلق الائتمان ومن ثم فهي تحد من ارتفاع نسبة التضخم. كما أن أرصدة الحسابات الاستثمارية لدى البنوك الإسلامية تختلف تمامًا عن نظيرتها لدى البنوك التجارية الوضعية. إذ أنها عبارة عن أرصدة أودعها أصحابها ليضارب البنك فيها وفقًا لقواعد التعامل الإسلامية حيث لا يوجد ضمان لعائد محدد. ومن ثم فهي معرضة للمكسب والخسارة، وفي حالة الخسارة يتحملها أصحاب الحسابات الاستثمارية.

стр. 5966

ورغم هذا الاختلاف الكبير بين أساليب وممارسات البنوك الإسلامية والبنوك الوضعية فإن البنوك المركزية ما زالت تنظر إلى البنوك الإسلامية نظرتها للبنوك التجارية الوضعية، ومن ثم تطبق عليها نفس التعليمات والضوابط، مما يثير الكثير من المشاكل والصعوبات في أداء البنوك الإسلامية لرسالتها، ومن هذه المشاكل ما يلي: أ- مشكلة السقوف الائتمانية: فالبنك المركزي المصري يعتبر عملية المرابحة بأنها عملية تمويل بالإقراض في بياناته ويترتب على ذلك أن كل السقوف الائتمانية الموضوعة بمعرفته تحد من عملية المرابحة، حيث إنه وضع ضوابط وشروط وحدود لاستخدام هذه السقوف ففي ١٥ /١٠ /١٩٨١ صدر قرار مجلس إدارة البنك المركزي بوضع ضوابط للتوسع الائتماني للبنوك التجارية بحيث لا تتعدى المطلوبات من العملاء نسبة ٦٥ % من إجمالي الودائع كمعيار عام رئيسي. مع تحديد معيارين فرعيين أحدهما للمطلوبات، من القطاع التجاري والآخر من القطاع العائلي واتخذ رصيد الائتمان لهذين القطاعين في ٣٠ /٩ /١٩٨١ أساسًا لتحديد هذين المعيارين مع السماح بزيادة قدرها ١٢ % من هذا الرصيد وطلب من البنوك الإسلامية الالتزام بهذه الضوابط. حاول المسؤولون عن البنوك الإسلامية توضيح وجهة نظرهم بأن طبيعة عمليات هذه البنوك من مرابحات ومشاركات ومضاربات هي نوع من البيوع الإسلامية أساسها عمليات الشراء والبيع، ومن ثم فإن التدفقات النقدية المترتبة عليها مرتبطة بتدفقات من السلع الضرورية وبما يخدم أهداف التنمية الاقتصادية، وذلك خلافًا لطبيعة عمليات منح الائتمان في البنوك التقليدية الأخرى التي تنطوي على زيادة كمية النقود بما يسمح بمزيد من الضغوط التضخمية، ومن ثم فلا يجوز تكييف عمليات البنك الشرعية على أنها من قبيل الائتمان الذي يعنيه قرار البنك المركزي. كما أن التاريخ الذي اتخذه البنك المركزي كأساس للمعايير وهو ٣٠ /٩ /١٩٨١ كانت البنوك الإسلامية في بداية عملها وحديثة العهد بالسوق المصرفية ومن ثم فإن ودائعها لم تكن ذات حجم كبير في تلك الفترة. بينما زادت نسبة هذه الودائع بأرقام كبيرة خلال فترات وجيزة. (١) مما أدى إلى زيادة حجم التوظيف ليتناسب مع حجم هذه الودائع. وقد طلب رسميًّا أكثر من مرة من البنك المركزي أن يعمل على إعادة تصحيح هذه المفاهيم إلا أن المشكلة ما زالت قائمة حتى الآن.

стр. 5967

ب- الحد من عملية الائتمان والمساهمة في رأس مال الشركات: كذلك من تعليمات البنك المركزي والقوانين المصرفية عدم السماح للبنك بمنح ائتمان أكثر من ٢٥ % من رأسماله. وكذلك عدم المساهمة في رأس مال الشركات بما يزيد عن ٢٥ % من رأس مال الشركة أو البنك أيهما أقل. وهذه التعليمات تحد كثيرًا من نشاط البنوك الإسلامية خاصة مساهمتها أو مشاركتها في المشروعات ذات الحجم الكبير، والتي تعود على المواطنين بالخير، حيث إن المشروعات الكبيرة تعطي الإنتاج الكبير، ومن ثم تحدث تنمية اقتصادية ويحصل المواطنون على السلع بأسعار منخفضة مما يساعد على رفاهيتهم. جـ- مشكلة تملك العقارات: تنص المادة ٣٩ من قانون البنوك رقم ١٦٣ لسنة ١٩٥٧ على عدم تملك البنوك التجارية للعقارات بغرض البيع. وكما نص أيضًا على إلزام هذه البنوك بالتصرف في العقارات التي تؤول إليها خلال سنتين على الأكثر. نظرًا لأن البنوك التقليدية تعتمد في نشاطها على أموال الغير والتي تكون في صورة ودائع لديها أي ديون عليها قابلة للدفع تحت الطلب أو في آجال محددة، وهي غالبًا ما تكون قصيرة الأمد فإن التشريعات المصرفية تحرص على وضع قيود على تملك البنوك لأصول ثابتة أو منقولة بخلاف ما يحتاج إليه نشاطها؛ وذلك حتى لا تتعرض للمخاطر إزاء صعوبة تسييل هذه الأصول في حالة الحاجة إلى مواجهة السحب على الودائع، وهذه الضوابط وإن كانت تتلاءم مع طبيعة نشاط البنوك التجارية والتي تتجر في الديون فإنها لا تتلاءم مع نشاط واستثمارات البنوك الإسلامية والتي لا تتجر في الديون ولا تقرض أموالًا وإنما تشارك في المشروعات وتضارب بالأموال في مشروعات إنتاجية وذات فائدة للمجتمع. وعلى ذلك لا تستطيع البنوك الإسلامية أن تساهم في حل إحدى المشكلات الرئيسية – في بلادها، وهي مشكلة الإسكان. بالإضافة إلى أنه لو آلت إليها عقارات فإنها تضطر إلى التصرف فيها على وجه العجلة مما يعرضها للخسارة. مما سبق يتضح لنا أن نشاط البنوك الإسلامية وعملياتها تختلف اختلافًا جذريًّا عن نشاط عمليات البنوك التجارية الوضعية سواء من ناحية الموارد والتوظيفيات، لهذا فإن الأمر يتطلب تغيير المفاهيم والأساليب التي تمارسها البنوك المركزية حيالها، وأن تبدأ بمفاهيم وضوابط تتواءم مع مفاهيم وممارسات البنوك الإسلامية؛ حتى تستطيع الدول التي انتشرت بها هذه البنوك أن تستفيد الاستفادة المرجوة منها.

стр. 5968

الفصل الثاني حق الضمان وموقف البنوك الإسلامية منه المبحث الأول: الضمان في اللغة: تقول العرب: ضمنت المال، وضمنت بالمال ضمانًا، فأنا ضامن وضمنته – التزمته. (١) الضمان في تعريف الفقهاء: ذكر الفقهاء تعريفات متعددة للضمان تتحدد في معناها وإن اختلفت ألفاظها. فكل هذه تعريفات تتفق من حيث المعنى على ضرورة تعويض المتلف من الأموال بمثله أو قيمته مع التفاوت في الألفاظ التي صيغت منها هذه التعريفات. عرف الشوكاني الضمان بأنه: عبارة عن غرامة التالف. (٢) وعرفه الغزالي: "أن الضمان هو وجوب رد الشيء أو بدله بالمثل أو بالقيمة". (٣) ويقول المالكية: الضمان شغل ذمة أخرى بالحق. (٤) ويقول الشافعية: الضمان لغة: الالتزام، وشرعًا: يقال للالتزام حق ثابت في ذمة الغير وإحضار من هو عليه أو عين مضمونة. (٥) ويقول الحنابلة: الضمان: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق. (٦) الضمان في القرآن الكريم: لم يرد في القرآن كلمة ضمن ولكن ورد فيه كفل والتي هي بمعنى ضمن. ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [سورة ص: ٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] . ومما يدل على وجوب الضمان عمومًا حديث نبوي يعتبر قاعدة أساسية في هذا الشأن، وهو قوله ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) .

стр. 5969

المبحث الثاني: أقسام الضمان: ينقسم الضمان إلى قسمين أساسيين هما ضمان النفس وضمان المال وما يهمنا هنا هو ضمان المال وهو تعويض المال عن الضرر اللاحق بالغير. وضمان المال يكون بقدر الضرر أو التعدي الحاصل. وينقسم إلى نوعين أحدهما ضمان كلي والآخر ضمان جزئي. والضمان الكلي هو الالتزام بدفع قيمة جميع الشيء المتلف إذا كان الإتلاف كليًّا أو جزئيًّا فاحشًا شبيهًا بالإتلاف التام. وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية. (١) أما في حالة الإتلاف الفاحش أو الجناية على الشيء بدون غصب فيرى كل من الحنفية والمالكية أن صاحب الشيء مخير بين أن يسلم الشيء للجاني ويأخذ منه قيمته، أو أن يأخذ قيمة الجناية الناقصة فقط. (٢) وقال الشافعي وأحمد: يضمن الجاني في النقصان ما نقص يوم الجناية. (٣) المبحث الثالث: الضمان في البيع: البيع عند صحته يوجب ضمان المبيع على البائع ما دام في يده قبل أن يسلمه، وهلاكه في هذه الحالة يكون بثمنه فيسقط عن المشتري ويسترده من البائع إن دفعه إليه ويبطل العقد. وأما إذا هلك في يد المشتري فإن هلاكه يكون عليه في حال صحة العقد. الضمان في عقد المرابحة: نظرًا لأن المرابحة ما هي إلا عقد بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح فإن ضمان البيع على البائع ما دام الشيء المباع في حوزته ولم يتم تسليمه للمشتري، ومن ثم فهلاكه أو تلفه يقع على البائع ولا يتحمل المشتري شيئًا وإذا كان المشتري قد دفع شيئا من الثمن أو الثمن كله فمن حقه استرداده. أما إذا هلك الشيء المباع أو تلف في يد المشتري بعد استلامه بمواصفاته المتفق عليها فإن الهلاك أو التلف يقع على المشتري. ونظرًا لأن عقد المرابحة للآمر بالشراء عادة ما يتم البيع فيها بالأجل ويقوم المشتري باستلام الشيء المباع حيث يقوم بدفع ثمنه على أقساط شهرية أو سنوية فإن البنك الإسلامي يعمل على الحصول على ضمانات من المشتري خشية تعرض الشيء المباع للتلف أو الهلاك أو التأخير في السداد. ومن هذه الضمانات ما يلي: ١- ضمانات شخصية بتقديم كفيل مليء أو أكثر. ٢- ضمانات عينية في صورة رهن عقاري أو تجاري ٣- التأمين على الأصول المشتراة أو البضاعة موضوع المرابحة ضد الحريق والسطو وخيانة الأمانة لصالح البنك. ٤- التوقيع على سند إذني. ٥- التوقيع على إيصال أمانة. ٦- حجز مبلغ في حساب الاستثمار بقيمة الضمان المطلوب أو إيداع صكوك مضاربة إسلامية أو أسهم قابلة للتداول. ٧- الاهتمام بسمعة العميل وسيرته الحسنة وخبرته وملاءته ومتانة مركزه المالي. ٨- أي ضمانات أخرى يراها البنك.

стр. 5970

المبحث الرابع: العربون: عادة ما يقوم الآمر بالشراء بدفع عربون للسلعة الراغب في شرائها للبنك وقد أقر مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت في مارس ١٩٨٣ أخذ العربون في عمليات المرابحة وغيرها جائز، بشرط أن لا يحق للمصرف أن يستقطع من العربون المقدم إلا بمقدار الضرر الفعلي المتحقق عليه من جراء النكول. وقد نصت بعض البنوك الإسلامية في طلب الوعد بالشراء على التزام المشتري بدفع نسبة من قيمة البضاعة عند التوقيع على هذا الوعد كعربون لضمان الجدية وتنفيذ التزاماته قبل الطرف الأول والقيام بتسديد باقي القيمة للطرف الأول (١) كما ورد نص آخر على دفع هذه النسبة كتأمين لضمان الجدية وتنفيذ التزامات الأمر بالشراء قبل البنك والقيام بتسديد باقي القيمة البيعية للطرف الأول. (٢) ويلاحظ أن أيًّا من هذه البنوك لم تنص على مصير هذا العربون في حالة عدم إتمام التعاقد. موقف القانون المدني من العربون: يحدث أن يدفع أحد المتعاقدين للآخر عند إبرام العقد مالا يكون عادة من النقد يسمى بالعربون وأكثر ما يكون ذلك في عقد البيع وفي عقد الإيجار فيدفع المشتري للبائع إما لحفظ الحق لكل من المتعاقدين في العدول عن العقد بأن يدفع من يريد العدول مقدار هذا العربون للطرف الآخر، وإما للبت في العقد عن طريق البدء في تنفيذه بدفع العربون. (٣) وقد انقسمت القوانين بين هاتين الدلالتين المتعارضتين، فالقوانين اللاتينية بوجه عام تأخذ بدلالة العدول. أما القوانين الجرمانية فتأخذ بدلالة البت. وكلتا الدلالتين قابلة لإثبات العكس. فإذا تبين من اتفاق المتعاقدين أو من الظروف أن المقصود بالعربون غير ما يؤخذ من دلالته المفروضة وجب الوقوف عند إرادة المتعاقدين. أما في القانون المدني المصري لم يشتمل التقنين المدني السابق على نص في هذه المسألة فكان القضاء المصري يتردد بين الدلالتين ويأخذ في ذلك بقية المتعاقدين مفسرًا إياها في ظل العرف الجاري. وحسم التقنين المدني المصري هذا التردد فأورد نصًّا يأخذ بدلالة العدول إذ تنص المادة ١٠٣ منه على أن: ١- دفع العربون في وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك. ٢- وإذا عدل مَنْ دَفَعَ العربون فَقَدَهُ. وإذا عدل مَنْ قَبَضَهُ رَدَّ ضِعْفَهُ. هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر. (٤) ويتبين من هذا النص أنه إذا لم يتفق المتعاقدان صراحة أو ضمنًا على أن العربون إنما دفع لتأكيد البتات في التعاقد كان دفعه دليلًا على الاحتفاظ لكل من المتعاقدين بالحق في العدول. فإذا لم يعدل أحد منهما عن العقد في خلال المدة المتفق عليها، أصبح العقد باتًّا واعتبر دفع العربون تنفيذًا جزئيًّا له. أما إذا عدل أحد المتعاقدين فإنه يجب عليه أن يدفع للآخر مقدار العربون فإذا كان هو الذي دفعه فإنه يفقده، وإذا كان هو الذي أخذه فإنه يرده ويرد معه مثله. (٥) وغرامة العربون على هذا النحو لا تعتبر تعويضًا عن ضرر إذ هي لازمة حتى لو لم يترتب على العدول أي ضرر. ولكنها المقابل الذي اتفق عليه المتعاقدان لحق العدول. مما سبق يتضح لنا أن مفهوم العربون في القانون المدني يختلف عن ما تسير عليه البنوك الإسلامية، حيث إنه بالنسبة للأخيرة يؤخذ لضمان الجدية من الآمر بالشراء وتنفيذ التزاماته قبل البنك. أما بالنسبة للقانون المدني المصري وغيره من القوانين العربية المطابقة له فإنه لا يعتبر تعويضا عن ضرر بل مقابل اتفق عليه المتعاقدان لحق العدول.

стр. 5971

الفصل الثالث التعويض يقصد بالتعويض تغطية الضرر الواقع بالتعدي أو الخطأ. والمبدأ المقرر في المسئولية المدنية هو عدم مقابلة الإتلاف بمثله. إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. والمقصود من منع الضرار نفي فكرة الثأر التي كانت سائدة في الجاهلية. (١) أما التعويض أو التضحية ففيه نفع يجبر الضرر وترميم الآثار. وعلى هذا فليس للمتضرر أن يتلف مال غيره كما أتلف ماله وإنما له القيمة أو المثل. (٢) لهذا قال ابن القيم بصدد تقدير مبدأ التضمين وعدم مقابلة الإتلاف بمثله: "إن مقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال شرع الظالمين المعتدين الذي تنزه عنه شريعة أحكم الحاكمين". (٣) ((وقد حكم رسول الله ﷺ "أن على أهل الحوائط –البساتين- حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أصحابها)) . (٤) وأما المبدأ المقرر في المسؤولية الجنائية على النفوس البشرية فهو مقابلة الجناية بمثلها – أي المماثلة بين الجناية والعقاب - لأن الجنايات لا تقمع إلا بعقوبة مماثلة لها من جنسها، منعًا لحزازة النفس وإطفاءً لنار الفتنة وأشفى لغليل أولياء المجني عليه وكظمًا لغيظهم. فمن قتل قُتل، ومن جرح جُرح، ومن قطع قُطع. هذا هو مبدأ التعويض في المسئوليتين الدينية والجنائية، وخلاصته هو شرعية القصاص في الدماء دون الأموال.

стр. 5972

المبحث الأول: التعويض في الشريعة الإسلامية: اتفق العلماء على تحريم الغصب والإتلاف ونحوهما من الاعتداء على أموال الآخرين لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: ٢٩] ، وقول رسول الله ﷺ في خطبة الوداع ((: إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم، من أخذ شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أَرَضِين)) (١) وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)) . (٢) لهذا فإن الأصل العام المقرر في الضمانات للتخلص من العهدة والمسئولية هو رد الحقوق بأعبائها عند الإمكان، فإن ردها كاملة الأوصاف برئ من المسؤولية وإن ردها ناقصة الأوصاف جبر الضامن أوصافها بالقيمة؛ لأن الأوصاف ليست بين ذوات الأمثال ولكن لا يضمن نقصها بسبب انخفاض الأسعار إلا عند الفقيه أبي ثور فإنه يوجب ضمان قيمة النقص بسبب ذلك. (٣) وقاعدة الضمان أو كيفيته بالنسبة للأموال بسبب الغصب أو الإتلاف أو نحوهما هو أنه يجب ضمان المثل باتفاق العلماء إذا كان المال مثليًّا (٤) لقوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ؛ لأن المقصود من التضمين جبرًا من الضرر وذلك أعدل وأتم في مثل الشيء المختلف؛ لأن المثل معادلة صورة ومعنى أي مراعى فيه جنس التالف وماليته فكان الإلزام بالمثل. والواجب في الضمان الاقتراب من الأصل بقدر الإمكان تعويضًا للضرر وكذلك إذا تعذر وجود المثل ينتقل إلى القيمة للضرورة وعملًا بالقواعد الشرعية" إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل (٥) إذ هو عندئذ كما لا مثل له. وأما إذا كان المال قيميًّا كالعروض التجارية والحيوان ونحوهما مما لا مثل له. فيجب ضمان القيمة باتفاق العلماء. (٦) لأنه تعذر الوفاء بالمثل تمامًا صورة ومعنى فيجب المثل معنى وهو القيمة لأنها تقوم مقامه ويحصل بها مثله واسمها ينبئ عنه. (٧) وتجب القيمة في ثلاث حالات وهي: (٨) ١- إذا كان الشيء غير مثلي كالحيوانات والدور والمصوغات فلكل واحد منها قيمة تختلف عن الأخرى باختلاف الصفات المميزة بكل واحد. ٢- إذا كان الشيء خليطًا مما هو مثلي بغير جنسه. ٣- إذا كان الشيء مثليًّا وتعذر وجود مثله إما حقيقة أو حكمًا (٩) مما سبق يتضح لنا أن الأصل العام في الضمان أو التعويض هو إزالة الضرر عينًا كإصلاح الحائط أو جبر المتلف وإعادته صحيحًا كما كان عند الإمكان كإعادة المكسور صحيحًا، فإن تعذر ذلك وجب التعويض المثلي أو النقدي.

стр. 5973

المبحث الثاني: التعويض في القانون المدني: وأما ما سار عليه القانون المدني فنجد أنه قد نص على أن التعويض له طرق ثلاثة وهي: (١) ١- التنفيذ العيني: في المسئولية التقصيرية يمكن في قليل من القروض أن يجبر المدين على التنفيذ العيني على سبيل التعويض، والقاضي ليس ملزمًا أن يحكم بالتنفيذ العيني ولكن يتعين عليه أن يحكم به إذا كان ممكنًا وطالب به الدائن أو تقدم به المدين. ٢- التعويض غير النقدي: فإذا تعذر التنفيذ العيني في المسئولية التقصيرية – وهذا هو الذي يقع غالبًا - لم يبق أمام القاضي إلا أن يحكم بالتعويض. وليس من الضروري أن يكون التعويض نقدا، فيصح في قروض نادرة أن يختار القاضي للتعويض طريقا غير النقض. ففي دعاوى السب والقذف يجوز للقاضي أن يأمر على سبيل التعويض بنشر الحكم القاضي بإدانة المدعى عليه في الصحف، بل إن الحكم بالمصروفات على المدعى عليه في مثل هذه الأحوال والاقتصار على ذلك قد يعتبر تعويضًا كافيًا عن الضرر الأدبي الذي أصاب المدعي وهو تعويض غير نقدي؛ لأن الملحوظ فيه هو المعنى الذي يتضمنه. ٣- التعويض النقدي: وهذا هو التعويض الذي يغلب الحكم به في دعاوى المسئولية التقصيرية، وكان كل ضرر حتى الضرر الأدبي يمكن تقويمه بالنقد.

стр. 5974

المبحث الثالث: تقدير التعويض والوقت الذي يجب فيه: يقدر القاضي التعويض بالاستعانة بالخبراء ويلاحظ ما حدث من الأضرار المادية الملموسة والواقعة فعلًا. أما الأضرار المحتملة فإن كان وقوعها مؤكدًا فهي في حكم الواقعية. وأما ضياع المصالح والخسارة المنتظرة غير المؤكدة فلا يعوض عنها في أصل الحكم الفقهي، لكن يمكن أن نجد مستندًا لها في السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي فيما لا نص عليه. وذلك عملًا بمبدأ السياسة الشرعية من إحقاق الحق وتقرير العدل ودفع الحرج والمشقة وأخذًا بمشروعية التعزيرات أو الغرامات المالية، يفعل القاضي ما يراه حسب الحاجة. والمبدأ العام في تعويض الأضرار الناشئة عن ضمان اليد أو المسئولية التقصيرية هو المماثلة بين التعويض والضرر؛ لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل في النص القرآني، وفي ضمان العقد أو المسئولية العقدية لا يشترط التقيد بالمثل وإنما ينفذ الشرط المتفق عليه قدر الإمكان عملًا بقاعدة يلزم مراعاة الشرط قدر الإمكان. (١) أما الوقت الذي يجب فيه التعويض فنفرق بين ما تلف بطريق الغصب أو بغير غصب. فأما الغصب فاختلفت آراء الفقهاء في الوقت الذي يجب فيه الضمان على أقوال متعددة. فمنهم من قال: إنه تجب القيمة أو المثل يوم الغصب، ومنهم من قال: يوم انقطاعه عن الأسواق، ومنهم من قال: يوم الحكم بهلاكه ووجب الضمان على الغاصب. (٢) أما الحالة الثانية، وهي تلف الشيء بدون غصب فلا خلاف بين الفقهاء في أن القيمة تجب يوم الهلاك. وعلى هذا تجب قيمة الشيء المستعار وقت التلف، وفي الرهن تجب القيمة وقت القبض إن كان المرتهن هو الذي أتلف المرهون، وإن كان المتلف هو الأجنبي أو الراهن فتجب قيمته يوم التعدي. أما القانون المدني فيرى أن التعويض مقياسه الضرر المباشر. فهو في أية صورة - كانت - يقدر بمقدار الضرر المباشر الذي أحدثه الخطأ. والضرر المباشر يشتمل على عنصرين جوهريين هما: الخسارة التي لحقت المضرور والكسب الذي فاته. فهذان العنصران هما اللذان يقدمهما القاضي بالمال. وتنص المادة ١٧٠ مدني على أن يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق بالمضرور فإن لم يتيسر له وقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعيينًا نهائيًّا فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير (٣) والظروف الملابسة التي يذكر النص أنها تراعى في تقدير التعويض هي الظروف الشخصية التي تحيط بالمضرور لا الظروف الشخصية التي تحيط بالمسئول. والأصل أنه لا ينظر إلى جسامة الخطأ الذي صدر من المسئول وإنما يقدر التعويض بقدر جسامة الضرر لا بقدر جسامة الخطأ، وفي حالة تغير الضرر ما بين وقت وقوعه إلى يوم النطق بالحكم فإن هذا التغيير يدخل في الحساب عند تقدير التعويض، فالعبرة إذن في تقدير التعويض بيوم صدور الحكم اشتد الضرر أو خف. وإذا كان الضرر لا يتيسر تعيين مداه تعيينًا نهائيًّا وقت النطق بالحكم جاز للقاضي أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب في خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير وفقًا لنص المادة ١٧٠ مدني.

стр. 5975

المبحث الرابع: ما يجري عليه العمل في البنوك الإسلامية: أولًا: بالنسبة لامتناع أحد الطرفين عن تنفيذ الوعد أو قدم بيانات أو معلومات أو مستندات غير صحيحة يتحمل أية أضرار تلحق الطرف الآخر نتيجة ذلك. (١) ثانيًا: في حالة تأخير الطرف الثاني "الآمر بالشراء" عن سداد أي قسط من الأقساط في موعد استحقاقه يحق للبنك أن يتخذ الإجراءات القانونية اللازمة لحفظ حقوقه قبل الطرف الآخر الذي عليه أن يتحمل ما يترتب على ذلك من مصاريف وأضرار. (٢) ثالثًا: أما بشأن ما يصيب البنك الإسلامي من ضرر نتيجة التأخير في السداد فإن البعض يرى أن تأخير سداد الأقساط المستحقة على العميل في مواعيد استحقاقها على الوجه المتفق عليه يؤدي إلى أضرار بالغة بالبنك يستحق معه التعويض، بحسبان أن القاعدة الشرعية وهي أساس المعاملات تقرر أنه لا ضرر ولا ضرار، وتحسب قيمة هذا الضرر على أساس متوسط نسبة إجمالي أرباح البنك المحققة عن ذات الفترة، فضلًا عن أية تعويضات أخرى فعليه، وأن أي منازعة في استحقاق التعويض أو قيمته تعرض على هيئة الرقابة الشرعية لحسمها نهائيًّا ورأيها فيه باتٌّ. (٣) ويرون آخرون أن تأخر المدين عن الوفاء بالدَّين عند حلول الأجل جاز للدائن أن يطالبه بتعويض ما أصابه من ضرر بسبب هذا التأخير إلا إذا أثبت المدين أن التأخير حدث بقوة قاهرة، أَيْ سَبَب لا يد له فيه فعندئذ لا يستحق الدائن تعويضًا عن التأخير وأساس هذا الحكم هو الضمان بالتسبب وشرطه التعدي. (٤)

стр. 5976

كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن تأخير الوفاء بالدين دون عذر شرعي مقبول يعد تعديًا؛ لأنه معصية لقوله ﵇: ((مطل الغني ظلم)) ، واستند هذا التُّجاه إلى نص المادة ١٤٣٠، ١٤٣١ من مجلة الأحكام الشرعية. (١) ويرى أنه يمكن تعويض الدائن تخريجًا على قواعد الغصب وذلك أن عدم الوفاء بالدين عند حلول الأجل وإمساكه عن الدائن دون عذر شرعي يجعل المدين في حكم الغاصب للدين؛ لأن إبقاؤه بعد حلول الأجل يعد تعديًا والغصب هو التعدي على حق الغير، وإذا كان المدين تاجرًا أي ممن يقوم باستثمار الدَّين نفسه أو بإعطائه للغير مضاربة وأخر الدين عن موعد استحقاقه فإن جميع أرباح الدين تكون للدائن، ويكن تقدير هذه الأرباح إما بإقراره بمتوسط أرباحه وإما بواسطة لجنة تحكيم أو بواسطة القضاء. كما يمكن عند إبرام الاتفاق معه في مضاربة أو مرابحة مثلًا أن يتفق على نسبة الربح من واقع دراسة الجدوى التي قدمها العميل أو التي قبلها وينبني على أن هذا هو الأساس ما لم يثبت المدين أن الأرباح الفعلية أقل من ذلك. (٢) وهذا يعني أن تعويض البنك لا يقاس بما لحقه من خسارة بسبب عدم الوفاء عند حلول الأجل بل يقاس بما حققه المدين من ربح خلال المدة التي امتنع فيها عن الوفاء ويمكن إثبات هذا بكافة وسائل الإثبات الشرعية. كما يجوز أن يعهد إلى لجنة تحكيم بتقديره في حين أن التعويض على أساس التسبب في الضرر المذكور يقاس بما لحق البنك من ضرر بسبب التعدي في التأخير وليس بما حققه المدين من ربح من جراء حبس الدين عن الدائن عند حلول الأجل فهما طريقان يمكن اختيار أحدهما.

стр. 5977

وأقترح طريقة ثالثة وهي تخريج تعويض البنك عن التأخير في الوفاء بالدين على أساس مضاربة المثل، فالمدين الذي يحبس الدين عن الدائن عند حلول الأجل دون عذر شرعي وهو ممن يمارسون التجارة ويعملون في مجال الاستثمار يكون قد استثمر مبلغ الدين دون اتفاق فيلزمه حصة رأس المال في الربح، كما فعل عمر بن الخطاب مع ولديه عندما اقترضا مالًا من أبي موسى الأشعري دون وجه حق لأن أبا موسى لم يقرض غيرهما. وأقترح طريقة رابعة وهي على أساس التعزير بأخذ المال ممن ارتكب معصية لا حد فيها ولا كفارة وإعطائه لمن أصابه ضرر من جراء ذلك. ولقد ثبت التعزير بأخذ المال عن رسول الله ﷺ ، وكما قال رسول الله ﷺ : ((مطل الغني ظلم)) ، "والعقوبة تجوز بأخذ المال وإعطائه للمضَّرِّر". وهذا الأساس لا ينظر في التعويض إلى ما حققه المدين المماطل من كسب أو ربح الامتناع عن الوفاء بالدين بل ينظر إلى أن التأخير كان معصية تكون جريمة تعزيرية وإن كان هناك شخص تضرر من هذه المعصية. ويمكن أن يعهد بتقدير هذا التعويض على هذا الأساس بواسطة لجنة التحكيم دون النص عليه في العقد بهذا التكييف إذ أن التعزير لا يملكه إلا ولي الأمر ونحن نحكم بالتعويض على هذا الأساس الشرعي دون حاجة إلى ذكره في العقد. والخلاصة هي جواز النص على تعويض البنك عن الأضرار التي تلحق به بسبب عدم قيام المدين بالوفاء بالدين عند حلول الأجل ما لم يكن هذا التأخير قد حدث بسبب لابد له فيه ولا يستطيع له دفعًا، أما تقدير التعويض فيؤخذ فيه بأحد المعيارين إما مقدار ما حصل المدين من ربح في مشروعاته وإما مقدار الضرر الذي وقع على البنك ويترك ذلك للجنة التحكيم وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وتستطيع اللجنة أن تؤسس حكمها على أحد الاعتبارات السابقة. (١)

стр. 5978

مقدمة رقم الصفحة الفصل الأول: الصعوبات القانونية التي تعترض تطبيق المرابحة ١٣٩٤ المبحث الأول: الوعد بالشراء أو بالبيع ملزم أم لا ١٣٩٤ المبحث الثاني: الملابسات القانونية لعقود المرابحة في إطار الممارسات العملية بين العميل والبنك. ١٤٠٤ المبحث الثالث: المشاكل القانونية التي تتضمنها القوانين المصرفية ١٤١٠ الفصل الثاني: حق الضمان وموقف البنوك الإسلامية منه ١٤١٥ المبحث الأول: الضمان في اللغة وعند الفقهاء وفي القرآن الكريم ١٤١٥ المبحث الثاني: أقسام الضمان ١٤١٦ المبحث الثالث: الضمان في البيع وفي عقد المرابحة ١٤١٧ المبحث الرابع: العربون ١٤١٨ الفصل الثالث: التعويض ١٤٢١ المبحث الأول: التعويض في الشريعة الإسلامية ١٤٢٢ المبحث الثاني: التعويض في القانون المدني ١٤٢٣ المبحث الثالث: تقدير التعويض والوقت الذي يجب فيه ١٤٢٤ المبحث الرابع: ما يجري عليه العمل في البنوك الإسلامية ١٤٢٦

стр. 5979

المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) ندوة عن: "خطة (استراتيجية) الاستثمار في البنوك الإسلامية الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات " بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب البنك الإسلامي للتنمية – جدة عمان ٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧ هـ ١٨ / ٦ – ٢١ / ٦ / ١٩٨٧ م

стр. 5980

بحث الدكتور سامي حسن حمود عن "تطبيقات بيوع المرابحة للآمر بالشراء من الاستثمار البسيط إلى بناء سوق رأس المال الإسلامي مع اختيار تجربة بنك البركة في البحرين كنموذج عملي" "تطبيقات بيوع المرابحة للآمر بالشراء من الاستثمار البسيط إلى بناء سوق رأس المال الإسلامي مع اختيار تجربة بنك البركة في البحرين كنموذج عملي" بحث مقدم إلى ندوة "استراتيجية الاستثمار في البنوك الإسلامية" المنظمة بالتعاون بين المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع. للبنك الإسلامي للتنمية في جدة والمقرر عقدها أثناء المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي في الفترة الواقعة يبن ٢٢ – ٢٥ شوال ١٤٠٧ هـ الموافق ١٨ – ٢١ حزيران ١٩٨٧ في عمان – المملكة الأردنية الهاشمية. إعداد الدكتور سامي حسن حمود مدير عام بنك البركة الإسلامي للاستثمار المنامة – دولة البحرين تقديم البحث وبيان المحتويات يعتبر بيع المرابحة للآمر بالشراء عصب النجاح في التطبيق المصرفي الإسلامي الحديث، سواء كان ذلك على مستوى التعامل المحلي أم كان على المستوى الدولي. لذلك لم يكن مستغربًا –في ضوء أهمية هذا النوع المستحدث من التعامل أن يخصص له المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب هذه الندوة الخاصة التي تعالج مختلف جوانب هذا التعاقد الفريد، وهو التعاقد الذي دعت إليه الحاجة، وأغنته التجربة وتوجته الآمال المزدانة بطموحات العمل المتصل لاستمرار الاجتهاد فيه من أجل التطوير والإبداع. وإذا كان يحق للأردن أن يفخر بما قدمه العالم الإسلامي من بنات فكر أبناءه في مجال ترسيخ بناء هذه الصورة المركبة من الوعد بالشراء والبيع بالمرابحة، سواء كان ذلك في مرحلة البناء النظري أم في ميدان العمل التطبيقي، (١) فإنه ليجدر بمن يسجل الأحداث بحقائقها أن يذكر بالخير ذلك الدور الرائد الذي قام به ابنك الإسلامي للتنمية في بواكير دخوله ميدان العمل حيث تبنى رئيس البنك الأخ الفاضل الدكتور أحمد محمد علي فكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء وطبقها على تمويل عمليات التجارة الدولية التي تحتاج إليها الدول الإسلامية.

стр. 5981

وإذا كان قد اجتمع في هذه الندوة المباركة السهم الحضاري المتمثل في المجمع الملكي العتيد مع القوس المشدود بعزم الإرادة على العمل المشترك وهو العزم الذي تمثل في إيجاد البنك الإسلامي للتنمية، فإن اجتماع هذا السهم مع ذلك القوس إنما يعبر عن وحدة الفكر والعمل في سبيل استمرار بناء صرح الحضارة الإسلامية المجيد لكي تظل هذه الحضارة مرتفعة الأعلام على مر العصور والأزمان. ويتألف البحث المقدم من أربعة فصول وخاتمة حيث اشتمل الفصل الأول على نبذة تاريخية عن بيع المرابحة وتطوره المعاصر في صورة التعامل المركب من آمر بالشراء ووعد بالتبايع. أما الفصل الثاني فقد تضمن بيان النموذج الأردني في تطبيق بيع المرابحة للآمر بالشراء باعتباره الأساس الذي نسجت على منواله البنوك الإسلامية الأخرى الصور المختلفة للتطبيق مع بعض الاختلافات في الشكل دون الجوهر. وتناول الفصل الثالث آلية (ميكانيكية) تطبيق بيع المرابحة للآمر بالشراء ومجالاته والمشكلات والحلول الفقهية لهذه المشكلات. وتضمن الفصل الرابع الآفاق المستقبلية لبيع المرابحة من ناحية التخطيط المتصور للانتقال بالعملية من مجرد عملية استثمارية بسيطة إلى قاعدة راسخة لإيجاد أدوات استثمارية ملائمة بحسب طبيعتها لإيجاد نواة سوق رأس المال الإسلامي مع الإشارة في ذلك إلى تجربة بنك البركة الإسلامي في البحرين. وقد أوجزت الخاتمة خلاصة البحث وما يراه الباحث من توصيات. ولا يسع الباحث إلا أن يتقدم بالشكر والتقدير لهذه المبادرة الطيبة التي رعاها كل من معالي الدكتور ناصر الدين الأسد – رئيس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية – في عمان ومعالي الدكتور أحمد محمد علي – رئيس البنك الإسلامي للتنمية – في جدة من أجل بحث موضوع المرابحة على هذا المستوى العلمي الرفيع، كما يشكر الباحث كذلك معالي البروفيسور كوركوت أوزال مدير المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب وجميع المشاركين في إغناء التراث الإسلامي بخلاصة الفكر والإبداع. ونسأل الله – أن يديم لقاءات الخير في ظل مجد هذه الحضارة التي نرجو لها دوام الازدهار لترسيخ مفاهيم العدل والإحسان في تعامل الإنسان مع إخوانه من بني الإنسان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. الباحث الدكتور سامي حسن حمود البحرين في ١٤ شعبان ١٤٠٧ الموافق ١٢ أبريل ١٩٨٦م الفصل الأول نبذة تاريخية عن بيع المرابحة وتطوره المعاصر ١- أساس بيع المرابحة في الفقه الإسلامي: يعتبر بيع المرابحة نوعًا من أنواع البيوع المعروفة في الفقه الإسلامي. والبيع في الشرع هو كما جاء في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (مبادلة المال بالمال بالتراضي وفي اللغة هو مطلق المبادلة من غير تقييد بالتراضي. (١)

стр. 5982

والأصل في البيع أنه جائز بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد ورد فيه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [من سورة البقرة الآية: ٢٧٥] وأما السنة فقد وردت روايات كثيرة عن رسول الله ﷺ في البيوع وكان الناس يتعاملون بها فأقرهم على ما يجيزه الشرع ونهاهم عما لا يجوز. وأما الإجماع فإن الأمة قد أجمعت على جواز البيع في الجملة وأنه أحد أسباب التملك. (١) ويتميز بيع المرابحة بأن فيه بيانًا لرأس المال في الشيء المبيع، فهو من بيوع الأمانة (٢) وقد عرفه ابن قدامة في كتابه المغني بأنه "البيع برأس المال وربح معلوم ويشترط علمهما (أي البائع والمشتري) برأس المال فيقول رأس مالي فيه أو هو علي بمائة بعتك به وربح عشرة فهذا جائز لا خلاف في صحته ولا نعلم فيه عند أحد كراهة". (٣) ثم أورد أبو محمد –رحمه الله تعالى- ما نقل من آراء عن ربط الربح بنسبة من رأس المال، كما لو قال البائع للمشتري بعتك هذا الشيء –مثلًا- برأس مالي فيه وهو مائة وأربح في كل عشرة درهمًا، فقال بأنه نقل عن الإمام أحمد بن حنبل كراهة ذلك كما نقل القول بالكراهية أيضًا عن ابن عمر وابن عباس، وأورد أبو محمد أيضًا القول بالترخيص في هذه المسألة عن سعيد بن المسيب وابن سيرين وشريح والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. (٤)

стр. 5983

والذي يظهر من استعراض آراء من قالوا بالكراهة في بيان الربح بطريق النسبة إلى رأس المال هو الظن بوجود الجهالة في الثمن، وهذا الظن ليس واردًا طالما أن الأمر معلوم أو يمكن العلم به بنتيجة الحساب، لذلك فقد انتهى أبو محمد من تحرير المسألة بالقول بأن الكراهة المروية عن ابن عمر وابن عباس إنما هي كراهة تنزيه وإن البيع صحيح. وإن من يتفحص حقيقة هذا البيع المبني على الأمانة في بيان رأس المال أو إعلان حقيقة تكلفة المبيع بما قام به على البائع يجد أن البيع بهذه الصورة يكون من أشرف البيوع لأنه يمسح من نفس الشاري أي تشكك قد يراوده من ناحية الثمن الذي يدفعه. ٢- الصورة المستحدثة في بيع المرابحة للآمر بالشراء: يختلف بيع لمرابحة الذي تتعامل به المصارف الإسلامية عن صورة المرابحة المعروفة عمومًا والمبحوثة في المؤلفات الفقهية لمختلف المذاهب الفقهية المعتبرة. فالمرابحة عند الفقهاء هي نوع من التجارة يكشف فيها التاجر البائع للمشتري رأسماله في السلعة الموجودة بحوزته وذلك بحسب ما اشتراها أو بما قامت عليه، ثم يضيف ربًحا مبينًا ومعلومًا ويقول أبيعها لك برأسمالي فيها وهو كذا وربحي فيها كذا أما بيع المرابحة الذي تتعامل به المصارف الإسلامية فيبدأ من عند صاحب الحاجة الذي يأتي إلى المصرف ليطلب شراء سلعة معينة ليست موجودة بحوزة المصرف وذلك على أساس أن الطالب يعد بأن يشتري السلعة التي يطلبها من المصرف بما تقوم عليه من تكلفة زائدًا الربح الذي يتفق عليه معه. وهذه هي الصورة المستحدثة لهذا التعامل المركب من وعد وبيع، فما هو أصل هذه الصورة وما هو سندها من الفقه وما مدى احتياج الناس والمصارف الإسلامية إلى تطبيقها في الحياة المعاصرة؟ أساس ظهور الصورة في الفقه الإسلامي: ليس لهذا العنوان بالشكل الذي أصبح معروفًا بيع المرابحة للآمر بالشراء وجود في المؤلفات الفقهية القديمة حيث لم تكن هذه الصورة معروفة أساسًا في التعامل قبل عام ١٩٧٦ عندما اكتشف الباحث –ولأول مرة- وجود الأساس الفقهي لهذه الصورة المركبة من مواعدة وبيع، (١) وقد جاء هذا الاكتشاف من خلال البحث العلمي الذي كان يعده الباحث لنيل درجة الدكتوراه في موضوع –تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية وهي الرسالة التي جرت مناقشتها في كلية الحقوق بجامعة القاهرة في ٣٠/٦/١٩٧٦.

стр. 5984

وقد جاءت بداية الخيط في تحقيق هذا الكشف العلمي من خلال مراجعة كتاب الأم للإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- حيث ورد فيه ما يلي: "وإذا أرى الرجل الرجل السلعة فقال: اشتر هذه وأربحكم فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال أربحكم فيها بالخيار إن شاء أحدث فيها بيعًا وإن شاء تركه. وهكذا إن قال اشتر لي متاعًا ووصفه له أو متاعًا أي متاع شئت وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت، إن كان قال ابتاعه (الصواب ابتعه) وأشتريه منك بنقد أو دين، يجوز البيع الأول ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز ... " (١) وهذا يعني إمكان قيام صاحب الحاجة إلى سلعة ما (سواء كانت خاصة بالاستعمال الشخصي أم كانت للمتاجرة) بتكليف شخص آخر بأن يشتري هذه السلعة في مقابل وعد من الآمر بأن يشتري هذه السلعة في مقابل وعد من الآمر بأن يشتري منه ما اشتراه مع تحديد الربح الذي يعطيه إياه. وعندما نظر الباحث على هذه الصورة بعين المصرفي المطلع على احتياجات الناس ومتطلباتهم وجد أن هذا الباب يسد حاجة الناس بصورة أوسع مما يسده به باب المضاربة الشرعية لو كان هو المنفذ الوحيد للتمويل في نطاق عمل البنك الإسلامي، فقد كانت المضاربة التي هي صورة من صور المشاركة بين رأس المال وعمل الإنسان هي المخرج الوحيد الذي كان يطرحه المفكرون الإسلاميون في العقدين السادس والسابع من هذا القرن لحل مشكلة الاستثمار والتمويل الإسلامي، ولكن لم يقل لنا هؤلاء المفكرون كيف يمكن أن يمول البنك الإسلامي بالمضاربة شخصًا يريد شراء سيارة لاستعماله الشخصي مثلًا أو أثاثًا لمسكنه حيث لا يوجد ربح ولا توجد تجارة، كما لم يقل لنا أحد منهم كيف يمول البنك الإسلامي شراء أنابيب نقل المياه مثلًا إذا رغبت دائرة المياه الحكومية في أن تتمول للشراء. فهل يقف البنك الإسلامي مكتوفًا أمام هذه الاحتياجات المعتبرة ولا يمول إلا التجارة والتجاريين؟ وهب أن تاجرًا لا يريد شريكًا بل يريد بضاعة يشتريها بالأجل ويتصرف فيها بالبيع والتقليب، أو صانعًا يريد شراء المواد الخام لصناعته ولا يريد لأحد أن يدخل شريكًا معه في مصنعه وعمله، فهل يلزم الناس بالمشاركة من أجل التمويل وهم لا يرغبون؟ ولو كان هناك طبيب بحاجة إلى جهاز للأشعة أو آلة للجراحة المتقدمة فهل يجري معه البنك الإسلامي عقد مضاربة على العمل في الآلة؟ إن قاعدة الإسلام مبنية على رفع الحرج عن الناس، وإن عدل الشريعة مبني على التيسير في دين الله، وإنه لا يمكن النظر في إلزام الناس بقبول ما لا يريدون قبوله طالما أن في الشرع متسع للاختيار ولكن الضيق يأتي من نقصان العلم والمعرفة بالأحكام. فكيف تطورت هذه الصورة من النظرية إلى التطبيق، هذا ما سنعرض إليه في الفصل الثاني.

стр. 5985

الفصل الثاني النموذج الأردني لبيع المرابحة للآمر بالشراء ١- خلفية التطوير وأثره في العالم كان للتجربة الأردنية أثر واضح في إدخال مفهوم الوعد الملزم على بيع المرابحة للآمر بالشراء وذلك من خلال ما قدمه النموذج الأردني لهذه الصورة عندما صدر قانون البنك الإسلامي رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨. فقد رأت لجنة الفتوى التي كلفها معالي وزير الأوقاف في ذلك الوقت معالي الأستاذ كامل الشريف بدراسة مشروع قانون البنك –الذي كان للباحث شرف إعداده وتقديمه- إن الأخذ بالقول بلزوم الوعد في هذا التعامل أمر ممكن باعتباره أن الإلزام القضائي بالوعد أمر معروف في الفقه المالكي، فقد نقل الأستاذ الجليل مصطفى أحمد الزرقاء في مؤلفه الجامع "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" إن الرأي المشهور عند المالكية يعتبر الوعد بالعقد ملزمًا للواعد قضاء إذا ذكر فيه سبب ودخل الموعود تحت إلزام مالي بمباشرته ذلك السبب بناء على الوعد. (١) كما إن القول بلزوم الوعد قضاء منقول كذلك عن ابن شبرمة. (٢) ونظرًا لما يؤدي إليه القول بلزوم الوعد قضاء من استقرار في المعاملات ودفع للضرر الذي قد يتعرض له البنك الإسلامي من جراء النكول عن إتمام البيع فيما يكون الآمر قد طلب شراءه من سلع أو معدات قد لا تكون صالحة لغير الغاية التي طلبها من أجلها، كل ذلك قاد الباحث إلى الاطمئنان إلى عدالة القول بلزوم الوعد قضاء لدفع الضرر والوصول إلى استقرار المعاملات وتجنب الضرر والتغرير. وإن من يستعرض قواعد الشرع الحنيف يجد أنه كما يقول الرسول الكريم ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) . وفي ضوء هذا التصور المنظور ومن أجل سلامة الأساس الذي سيبني عليه عمل البنك الإسلامي الأردني تم وضع التعريف الشامل لبيع المرابحة للآمر بالشراء وهو التعريف الذي أقرته لجنة الفتوى (٣) وتضمنه القانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٧٨ ونصه كما يلي: (٤) بيع المرابحة للآمر بالشراء: قيام البنك بتنفيذ طلب المتعاقد معه على أساس شراء الأول ما يطلبه الثاني بالنقد الذي يدفعه البنك كليًا أو جزئيًا وذلك في مقابل التزام الطالب بشراء ما أمر به وحسب الربح المتفق عليه عند الابتداء.

стр. 5986

ومع صدور هذا التعريف لبيع المرابحة للآمر بالشراء بالصورة التي أقرتها لجنة الفتوى (١) فقد بدأ عهد جديد لدخول هذه الصورة نطاق الاستعمال المتسع سواء على مستوى البنوك الإسلامية المحلية (٢) أم على مستوى التعامل الدولي في داخل العالم الإسلامي وخارجه. (٣) وهكذا أصبح النموذج الأردني في بيع المرابحة منهجًا معروفًا وتسير على منواله العديد من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية مع بعض التفريعات والاختلافات التي لا تؤثر في جوهر التعاقد وطبيعته.

стр. 5987

٢- النقد الموجه للنموذج الأردني واجه النموذج الأردني لبيع المرابحة للآمر بالشراء جبهات متعددة من النقد والتجريح وهو أمر طبيعي في مناهج السلوك والتفكير الإنساني، ذلك أن بيع المرابحة أصبح يمثل حجر الأساس في نجاح البنوك الإسلامية كما أن حجم الاستثمارات المالية المبنية عليه تمثل الحجم الأكبر من استثمارات البنوك الإسلامية التي تستطيع أن تنافس فيها البنوك العادية في كل مجال وميدان. ورغم كثرة الانتقادات إلا أن أحدًا لم يستطع الاعتراض على أساس التعامل وإنما انصب النقد على جوانبه باستثناء ما أورده البعض من أقوال المالكية الذي أوردوا صورًا مماثلة لبيع العينة رغم إن صورة المرابحة ليست منها. فقد ورد في المقدمات لابن رشد إن من صور العينة أن يقول: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدًا وأنا ابتاعها منك باثني عشر إلى أجل، حيث قال المؤلف أن ذلك حرام لا يحل ولا يجوز لأنه رجل ازداد في سلفه. ورغم أن المنع هنا هو اجتهاد مأخوذ من باب سد الذرائع الذي توسع فيه فقهاء المذهب المالكي إلا أنه لا يعدو أن يكون رأيًا فقهيًا يقابله رأي آخر للإمام الشافعي يجيز فيه ذلك صراحة، فلماذا يلزم الناس ويجبر المفكر الإسلامي على اتباع الرأي الأشد في حين أن التيسير ورفع الحرج هما سمة مميزة من سمات الدين الإسلامي الحنيف. وذهب آخرون إلى القول بأن جهة الحرمة في هذا التعامل (بحسب زعمهم) تتمثل في القول بالإلزام وأنه لو لم يكن هناك إلزام لكان التعامل صحيحًا ومقبولًا شرعًا. وهذا أمر أكثر غرابة من سابقه، فهل يكون القول بلزوم الوعد مخالفة في حين أن الله يأمر بالوفاء بالوعود والعهود؟

стр. 5988

ثم من قال بأن الإضرار بالبنك الإسلامي يكون مقبولًا شرعًا؟ فإذا أمر المتعامل البنك بشراء آلة لا يحتاجها غيره وجاء له البنك بالآلة حسب ما طلب ثم عن له أن يخلف الوعد، فهل يكون هذا الخلف بالوعد حلالًا، وإذا كان ذلك يجوز فمن يجبر الضرر الذي يتعرض له البنك بسبب هذا النكول الذي ليس له ما يبرره؟ وبالغ بعضهم في القول بأن هذه المعاملة لم يقل بها أحد من السابقين وكأن شرع الله يلقي الحجر على العقول مع أنه الدين الذي يعطى للمجتهد أجرًا إذا أخطأ وأجرين إذا أصاب. ورغم أن النقد والاعتراض صفة من صفات الإنسان بوجه عام إلا أن محاولة فرض الآراء الضيقة من أجل التضييق على الناس أمر لا يجوز في دين الله الذي رفع به الحرج، وأن هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا من أفهامهم الضيقة موازين لمصالح الناس دون أن يرتفعوا بهذه الأفهام إلى مقاصد الشرع وغاياته ومراميه هم أناس ظالمون لأنفسهم أولًا وظالمون لأمتهم المتطلعة للصعود إلى المجد من جديد. لقد كانت البنوك الربوية متفردة في الساحة لإجبار الناس على التعامل بالربا طوعًا وكرهًا وكان هؤلاء المدعون بحماية الإسلام والمسلمين نائمين على الطريق وليس من عمل إلا أنهم يحوقلون. (١) فلما جاء الفكر الإسلامي المستنير يفتح الطريق للعمل الحلال ويحل المشاكل ويقدم الحلول قام هؤلاء النفر ينقدون ويجرحون، فلا هم جاهدوا من قبل ولا تركوا المجاهدين يقاتلون بأي جهد. ونظرًا لكثرة ما تعرض له بيع المرابحة للآمر بالشراء من هجوم فقد تصدى الأستاذ الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي لكل ما يقال من ادعاءات حول هذا التعامل بالصورة التي تقوم بها البنوك الإسلامية وأصدر بذلك كتابًا شاملًا يتضمن الرد على الشبهات المثارة فجزاه الله خيرًا. (٢)

стр. 5989

الفصل الثالث تطبيقات بيوع المرابحة " الميكانيكية والمجالات والصعوبات " ١- ميكانيكية التطبيق ونطاقه يقوم تطبيق بيع المرابحة للآمر بالشراء في البنوك الإٍسلامية على آلية (ميكانيكية) محددة مؤداها أنه لابد من وجود الأطراف التالية: ١- الآمر بالشراء وهو الراغب في شراء السلعة. ٢- المصرف الإسلامي وهو الجهة المستعدة لتلقي الطلب. ٣- البائع وهو مالك السلعة. وتتم العملية كما يلي: أ – يأتي الراغب في شراء السلعة للمصرف الإسلامي الذي يتعامل معه ويعرض عليه طلب شراء السلعة التي يرغب في شرائها مبينا أوصافها ومصدرها وثمنها الذي يكون قد سامه وعرفه. ب – إذا وافق المصرف وكان للمتقدم سقف محدد للتعامل، فإنه يتلقى طلب عميله (الآمر بالشراء) ويحدد معه شروط الدفع ويبين له الثمن الذي سوف يبيعه على أساسه وهو السعر المبني على كلفة الشراء (الثمن الأساسي للسلعة زائدا مصاريف الشحن والتأمين والرسوم الجمركية ومصاريف النقل إذا كان المتفق عليه أن يكون البيع في خارج الميناء في حالة الاستيراد) . جـ- يقوم المصرف بدفع ثمن البيع للبائع مباشرة كذلك والمصاريف الداخله في حساب الثمن مثل مصاريف الشحن والرسوم الجمركية وغيرها ولا يجوز دفع النقود للآمر بالشراء ليشتري لنفسه تجنبا للوقوع في الشبهات مع أنه يجوز التوكيل في الشراء إلا أن الابتعاد عن ذلك أسلم وأتقى إلا إذا أمن المصرف تماما.

стр. 5990

د – عندما يقبل الآمر بالشراء السلعة المشتراة بناء على طلبه فإن هذا القبول يعتبر شراء (سواء كان ذلك كتابة أو شفاهة أو تعاطيا مستفادا من توقيع الكمبيالات بالثمن المتفق عليه) حيث يتسلم المشتري المبيع ويقدم الثمن الذي هو عبارة عن كمبيالات موقعة بالأقساط حسب تواريخ الاستحقاق المتفق عليها من الابتداء. وبذلك تصل العملية إلى نهايتها. أما إذا كانت تصرفات مخالفة سواء من البنوك الإسلامية أو من غيرها فإن التصرف المخالف لا يجوز قبوله. من ذلك مثلا ما قيل أن هناك حالات تعطي فيها بعض البنوك الإسلامية النقود للآمر بالشراء ليشتري السلعة بنفسه ثم يبيع لنفسه ويقدم للبنك كمبيالة بالثمن فيكون كأنما خذ الفا نقدا وقدم سندا بألف ومائتين إلى أجل فإن هذا لا يجوز سدا للذرائع وإن كان من الجائز توكيل الإنسان بأن يشتري لنفسه. كذلك التصرف الذي تتبعه البنوك في عكس عملية المرابحة بخصم قيمة الربح أو جزء منه بعد إتمام البيع وهو ما تطلق عليه هذه البنوك Mark down فإن هذا التصرف غير صحيح بالمعيار الإسلامي الدقيق لأنه عملية خصم كمبيالة. وكذلك الحال بالنسبة لبيع المرابحة الذي تجريه هذه البنوك على أساس شراء سلعة من العميل ثم بيعه نفس سلعته مع ربح مضاف فإن ذلك لا يعتبر مرابحة لأنه ليس فيه تمليك جديد وإنما هو حيلة لبيع النقد بالدين وزيادة وهذا هو الربا الحرام. فالمرابحة بمفهومها الشرعي الكامل هي المرابحة التي تفيد ملكا جديدا في عملية مركبة من ثلاثة أطراف هي البائع والمشترى والمتوسط بالشراء الذي يملك السلعة أولا من البائع ثم ينقل الملك إلى المشترى ويقصد بالتملك هنا حقيقته وآثاره وليس شكله ومظاهره. فلو اشترى البنك الإسلامي سلعة وإبقاها في مخازن البائع ثم طلب منه تسليمها إلى المشترى الآخر فإن ذلك التصرف مقبول طالما أن البنك هو البائع في نظر المشتري وإنه يتحمل تبعة الهلاك وإليه يتم رد المبيع بسبب العيب إن وجد وكان من الأسباب الموجبة لرد المبيع.
следующие страницы →