Полный текст (22 276 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
أما المرابحة: فالمرابحة بشكلها الحالي الموضوع في المجمع فهو تعبير جديد أضيف إلى بيع المرابحة المعلوم، وبيع المرابحة المعلوم قال فيه ابن رشد: أجمع جمهور العلماء على أن البيع صنفان: مساومة، ومرابحة، وأن المرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحًا ما بالدينار أو الدرهم، ثم حلل خلاف العلماء في أنواع الزيادات التي يمكن أن تحسب من رأس المال وتلك التي لا يمكن أن تحسب منه، واستطرد كلام المالكية في هذا الموضوع حيث قالوا: إن البعض من الأعمال اليسيرة التي يقوم بها الشخص لا يمكن أن تحسب من رأس المال عندما يريد أن يبيع فلا يقول: اشتريته بكذا، ولكن يقول: قام علي بكذا وهذا متفق مع مذهب المالكية، وإذا نحن نظرنا إلى ما قاله المنتقي في الجزء الخامس حول المرابحة لوجدنا أنه حللها تحليلًا قيمًا لا يتفق وبعض ما نسب إلى المالكية فيما سمعته من عروض قيمة ألقيت هنا بأنهم حظروا بأن يبيع شخص مجهولًا لشخص آخر وأجازوا أن بيع شخص الشيء المعلوم لشخص آخر بثمن معلوم على أن لا يكون وقت الأداء معروفًا، والمدونة تعرض لاثنتين وثلاثين قضية تهم بيع المرابحة، اثنتين وثلاثين قضية التي تعرضت لها المدونة، منها ما يطرأ على البضاعة من الزيادة وما يمكن أن يضاف إليها، والتحسينات التي يقوم بها الشخص عندما يريد أن يبيع بيع مرابحة، والشيخ خليل في كتابه "المختصر" خصص فصلًا خاصًا للمرابحة حيث أجازها وحذر من المجهول في شأنها فقال: [وجاز مرابحة والأحب خلافه ولو على مقوم مطلقًا أو إن كان عند المشتري تأويلان، وحسب ربح ماله عين قائمة كصبغ وطرز وخياطة وغير ذلك] .
فعندما تعرض لهذه الأنواع شارحه الحطاب بين الحظر الكامل الذي يمكن أن يقع في بيع المجهول، أما ما يذكر اليوم من بيع المرابحة للآمر بالشراء أو الوعد للآمر بالشراء كما رأينا في الجزء السابق من المحاضرات فالصيغة المطروح بها اليوم هو بيع دين بدين، وبيع الدين بالدين معلوم، فالذي ينبغي في نظري أن نخرج منه من هذه البحوث، هو أن على المجمع الموقر عندما تتعارض أقوال الفقهاء أن يستخلص لنا القواعد التي يمكن أن يحتج بها أمام القضاء، وأرجح وأؤكد على أولئك الذين قالوا بتدوين قواعد إلزام الوعد لمن وعد به، وعلى بيع المرابحة، ولكن في النظريات الفقهية لا نضيف إليها شيئًا يحلل لنا الربا وندخل تحت المسميات، فنكون هدرنا الشريعة الإسلامية عن طريق مسميات لم تعرف من قبل ولم تستخلص من نظريات الشريعة بأسلوب واضح ومركز، وشكرًا لكم.
стр. 6057
القاضي محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.
فإن الموضوعات أرى أنها قد اشتبكت ولكنني أريد أن أمر مرًا سريعًا على النقاط المهمة التي طرحت أمامنا اليوم.
أولًا بالنسبة للوعد الملزم قد جرى الحديث عنه وقد ذكر كثير من الاخوة أنه يقترح إلزام الوعد لتحيل على الربا الجاري في المصارف ولكنني أريد أن ألفت أنظاركم إلى أن هذه المسألة ليست خاصة بالمصارف الإسلامية فحسب، وإنما هي مسألة مهمة بالنظر إلى التجارة العامة، ولو فرضنا –ولو قطعنا النظر عن المصرف- وفرضنا أن هنالك تاجرًا عاديًا يستورد البضاعات من الخارج، يأتيه أحد ويقول: استورد لي بضاعة كذا، أو أجهزة أو معدات من الخارج، فإني أشتريها منك، ومعلوم أن الأجهزة والمعدات واستيرادها من الخارج ربما يكلف الملايين، فلو استورد هذا التاجر هذه البضاعات أو الأجهزة أو المعدات من اجل هذا المشتري وكلفه الملايين من الروبيات مثلًا، فإذا بذلك المشتري يقول: أنا لا أقبل هذا الشراء، أنا لا أفي بوعدي بالشراء، مع أن هذه الأجهزة والمعدات كانت ملائمة لظروفه، وإنما صنعت من أجله، فلو قطعنا النظر عن المصارف فإن مسألة الوعد الملزم تعرض لنا في التجارات العامة الأخرى أيضًا فإذا نظرنا إلى هذه المسألة من هذا المنظار، فأريد أن ألفت أنظاركم إلى ما ذكره بعض الأخوة عن أن الوعد عند المالكية إنما يختص في التبرعات ولا يوجد في المعاوضات، والحمد لله عندنا ثلة جليلة من علماء المالكية وفقهائهم، ولست أدعي أني أعلم أكثر منهم بمذهب المالكية، ولكن عندي كتاب للإمام الحطاب ﵀ "تحليل الكلام في مسائل الالتزام" وقد ذكر في هذا الكتاب عدة فروع يبدو أنها تتعلق بالمعاملات والمعاوضات، ومع ذلك فإنه أفتى في ذلك بلزوم الوعد، ومن هذا صورة واحدة وهي في بيع المزايدة، في بيع من يزيد، جاء واحد وقال لآخر كف عني –يعني كف عني في المزايدة- ولك دينار جاز ذلك، ولزمه اشتري أو لم يشتر، ثم يقول ولو قال كف عني ولك نصفها على سبيل الشركة لجاز أيضًا، يعني لو كف عن المزايدة، فإن وعده بأن ما يشتريه من تلك المزايدة يجلس فيها شركة، شركة الملك معه، فهذه أحداث شركة الملك عقد معاوضة وعقد مالي، ووعده بذلك العقد المالي، ويقول ابن رشد ﵀ لجاز أيضًا، فلو لم يكن الوعد ملزمًا في المعاوضات لا أرى مبررًا لهذه الجزئية التي ذكرها الحطاب عن ابن رشد في هذا الكتاب.
стр. 6058
فالمطلوب من السادة فقهاء المالكية شرح هذه المسألة، ثم لو قطعنا النظر عن مذهب المالكية فإن عند الحنفية ﵏ نظرية مشروحة في كتبهم وهي أن المواعيد ربما تجعل لازمة لحاجات الناس، وقد ذكروا هذه القاعدة في ضمن البيع بالوفاء، حينما وعد الرجل بالوفاء فإن ذلك وعد محض ولكن ذكر كثير من فقهاء الحنفية أن هذا الوعد ملزم، وعلى أساس هذه الجزئية جاءت مادة في مجلة الأحكام العدلية تقول: إن المواعيد ربما تجعل لازمة لحاجة الناس.
ثم هناك ناحية أخرى لم يذكرها الباحثون، وهي أن الوعد سواء، إن كان واجبًا أو مندوبًا أو مستحبًا، فإنه لا يقل عن أن يكون مباحًا، ومن المعروف أنه لو ألزم ولي الأمر مباحًا على الشعب فإنه يكون واجبًا عليه، فلو ألزم ولي الأمر إيفاء الوعد في هذه المعاملات نظرًا إلى المصلحة الشرعية، لا أرى في القرآن ولا في السنة والدلائل الشرعية الأخرى ما يمنع ذلك، هذا بالنسبة لمسألة الوعد.
أما عقد عملية المرابحة كما تجريه الآن المصارف الإسلامية، فأتفق مع الذين ذكروا أن هذه المعاملة إنما تجوز بشروطها، والشرط الأول: أن تكون المعاملة في البضاعة حقيقة لا في النقود، والثانية: أن يقع عقد المرابحة بين المصرف وبين العميل بعد أن يمتلك البنك البضاعة وتأتي في حيازته وضمانه، سواء كان عن طريق القبض الحسي أو المعنوي، وسواء كان مباشرة من البنك أو من وكيله المنصوب لهذا الغرض، وأن يتحمل البنك تبعة الهلاك قبل تسليمها إلى العميل كما ذكره أخونا الأستاذ علي السالوس حفظه الله، والثالث: أن يكون كل من الأجل والثمن معلومًا لدى الجانبين وقت العقد، ولا يكون هناك تردد في الثمن ولا في الأجل، والرابع: أن يكون الثمن لا يزيد في حالة عدم أدائه في الوقت المحدد ولا ينقص في حالة أدائه قبل الموعد المحدد، وأما تعويض البنك في حالة تقصير العميل في أداء ثمنه في وقته المحدد كما يجري في كثير من البنوك الإسلامية، فلي في ذلك وقفة، لأن هذا التعويض في نظري لا يدخل تحت أصل شرعي، ولكن قد ذكر الحطاب ﵀ في نفس هذا الكتاب مسألة يمكن أن تصبح بديلًا لهذا التعويض، ويمكن أن يكون هذا البديل أكثر أثرًا على العملاء، وهي أن الحطاب ﵀ قد ذكر أنه لو قال المستقرض: إن لم أوفك هذا القرض في وقته المحدد فإني أدفع مبلغًا كذا إلى الفقراء أو أدفع مبلغ كذا إلى رجل آخر غير المقرض، فإن ذلك يجوز عند جميع المالكية ديانة وعند بعضهم قضاء أيضًا، وأقرأ عليكم نصًا من الحطاب ﵀: وأما إذا التزم المدعى عليه للمدعي أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدين أو غيره، وأما إذا التزم أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فعليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدين أو غيره، وأما إذا التزم أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فعليه كذا وكذا لفلان، أو صدقة للمساكين، فهذا هو محل الخلاف، والمشهور أنه لا يقضى به، وقال ابن دينار: يقضى به، فلو أخذنا بقول ابن دينار لأن مقصود البنك من فرض التعويض هو الضغط على العميل بأن يوفي الثمن في وقته المحدد ويمكن هذا الضغط بهذا الطريق.
стр. 6059
ومع هذا أريد أن أنبه إلى ناحية أخرى مهمة في هذا الصدد، وذلك أن عقد المرابحة بعد توفر الشروط التي ذكرتها وإن كانت تدخل في إطار الجواز الفقهي ولكنه في نظري ليس بديلًا مثاليًا للنظام الربوي، ولئن اكتفت المصارف الإسلامية بهذا العقد في سائر مداولاتها، أو في معظمها، فأخشى أن لا يبقى فرق عملي بين النظام الربوي وبين النظام الإسلامي، لأن ما يجري في البنوك الإسلامية اليوم هو أنه يحدد ربحه في عقود المرابحة بعين ذلك الأساس الذي تحدد به البنوك الربوية فائدتها، فكان البنك في النظام الربوي يأخذ خمس عشرة في المائة على القروض فلو أدر مشروع العميل ربح خمسين في المائة فإن نصيب البنك منه لا يجاوز خمسة عشرة في المائة، والخمسة والثلاثون الباقية كلها للعميل، والنتيجة هي هي في عقود المرابحة أيضًا، فإنه ليس نصيب البنك في هذه العقود إلا خمس عشرة في المائة، فتعديل عمليات البنوك من سعر الفائدة إلى عقد المرابحة وإجراء جميع عملياتها على هذا المنهج وإن كان يدخل في إطار الجواز الفقهي ولكنه لا يغير من وضع توزيع الثروة شيئًا، فالبديل الحقيقي للنظام الربوي هو الشركة والمضاربة فإنه هو الذي يضمن التوزيع العادل فيما بين البنك والعميل.
فالذي أراه أنه لو أصدر المجمع قرارًا لجواز عقد المرابحة فينبغي أن يصرح فيه بأن البنك لا ينبغي له أن يجري هذه العمليات إلا فيما لا يمكن فيه المضاربة والشركة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس:
ترقع الجلسة الآن لأداء صلاة الظهر ثم نعود إن شاء الله تعالى بعد الصلاة مباشرة لاستكمالها وشكرًا. .
стр. 6060
بعد الصلاة:
الدكتور عبد السلام داود العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم.
إذا سمح لي الأخوة الكرام أحب أن أقدم لحديثي ببعض الملاحظات: نحن في هذا المجمع الكريم عندما نتصدى لهذه القضية يجب أن نتصدى لها في إطار أصل المسألة المطروح وهو أننا نحاول أن نضع صيغًا جديدة في مجال المعاملات المصرفية ونبذل في هذا المجال جهدًا في التحرير والتخريج والقياس والاجتهاد، يعني نحن لسنا في صدد بحوث فقهية تعالج جزئيات هنا وهناك لننتهي إلى ماذا ذهب المذهب الفلاني؟ أو إلى ماذا قال الفقيه الفلاني؟ فنحن أمام محاولة اجتهادية جماعية لاستحداث صور جديدة تعالج مشكلات الناس وقضاياهم الملحة، نحن أمام غزو ربوي مركز أثارنا جميعًا بلا استثناء، مواجهة هذا التعامل الربوي الذي يجتاح واقعنا: كيف نواجهه؟ جاءت فكرة البنوك الإسلامية، بدأت البنوك الإسلامية بالعمل بصيغ متعددة، هذه الصيغ يجب أن نقومها في إطار ما استحدثت من أجله وما بحثت من أجله هل هي وسائل للتحايل على الربا؟ هل هي تحقق منهج الشرعية الإسلامية في استثمار الأموال وتحقيق الأرباح؟ هل هذه الصور الجديدة ببعض تفصيلاتها أم بكل تفصيلاتها؟ هل هناك ما يمنع شرعًا من استحداث عقود جديدة ذات مواصفات محددة، شريطة أن لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا؟ هذه الأمور في الواقع هي التي يجب أن تكون في الذهن ونحن نتصدى ونعالج هذا الموضوع.
الواقع عندما بحث موضوع بيع المرابحة للآمر بالشراء وضعت له شروط دقيقة كان القصد منها هو أن لا نتقلب هذه المعاملة في التطبيق إلى نوع من التمويل بدون مخاطر وبتحقيق زيادات على أصل التمويل وبحيث يكون دخول البنك الإسلامي المؤسسة المصرفية الإسلامية على هذا الخط فيه نوع من المخاطرة والتعرض لاحتمالات الربح والخسارة، ومن هنا جاء الشرط الأساسي في هذه القضية وهي أن السلعة يجب أن تدخل في ملك البنك وضمانه دخولًا فعليًا، يعرضه لاحتمالات الربح والخسارة وإنه في اللحظة التي تتولد صوره في التطبيق تنفي هذا الأصل وهذا الشرط الأساسي، فإن الأمر ينقلب عند ذلك إلى نوع من التحايل والوقوع في دائرة المحظور الشرعي، فكل ما يجب أن نحرص عليه هو أن نضع الضمانات في هذه الصيغة، ولتكن صيغة مستحدثة لا تقوم على التلفيق والتجميع من هنا وهناك، وإنما تقوم على صياغة متكاملة لمعاملة فيها تركيب لعدد من العقود والوعود المترابطة ضمن تصور شمولي يهدف إلى تحقيق عملية الدخول الاستثمارية للبنك وفق قاعدة الشريعة في أن ذلك إذا كان يهدف إلى تحقيق أرباح معينة لابد أن يكون فيه ضمان ومخاطرة كما هي واضحة في قواعد الشريعة.
стр. 6061
في ظني أن المشكلة التي أوقعت بعض التطبيقات المعاصرة لهذا العقد في محاذير التمويل بدون مخاطر ليس موضوع إلزام الوعد أو عدم إلزامه، إنما الذي أوقع هذا العقد في بعض التطبيقات هو حيطة بعض البنوك الإسلامية في أن تبعد نفسها عن الوقوع في أي ضمان متصور في هذا المجال، فذلك انقلبت العملية إلى عملية ربوية في هذه الصورة، لكن إذا التزم بالشروط الأصلية التي وضعت وبحيث أن البنك يملك السلعة التي أمر بشرائها ملكًا حقيقيًا فعليًا وبفترة معتد بها في مجال التملك ليس مرورًا عابرًا في الذمة عند ذلك يكون هذا هو فيصل التفرقة بين عملية التمويل الربوي البحث وهذه الصيغة.
موضوع الإلزام وعدم الإلزام في الواقع في التطبيق ليس مشكلة وأظن أي مصرفي واع لما يجري في المصارف الإسلامية، المصارف الإسلامية تشكو من أن الناس لا تلتزم بما وعدت أو أن البنك لا يقوم بهذا، الواقع الجهتان تندفعان لهذا الأمر لأنه هي عملية يربح منها البنك ويربح منها العميل، المشكلة ليست هذا المشكلة نريد أن نحمي هذه المعاملة من أن تكون وسيلة من وسائل التحايل للوقوع في الربا، فنهرب مما وقعنا فيه، وقد أوضحت في البحث الذي قدمته في هذه القضية وطالبت بإلحاح بجملة من الأمور التي تحمي هذا العقد أو هذه الصيغة من صيغ التعامل من أن تنقلب إلى أداة ربوية، هذا من الناحية الموضوعية، ومن العادة أن يؤجل الحديث في القضايا الموضوعية على القضايا الشكلية، لكن أنا أريد أن أذكر السادة أعضاء مجلس المجمع بقضية شكلية وهي نقطة نظام يجب أن ننتبه إليها في هذا المجال.
стр. 6062
نحن في الواقع عالجنا هذا الموضوع في مجلس المجمع معالجة مستفيضة عندما عرضت علينا استفسارات البنك الإسلامي للتنمية، عرضت علينا كما تذكرون في الدورة الأولى وأجلناها إلى الدورة الثانية ثم عرضت علينا في الدورة الثانية وبعد لجان شكلت وبحوث أعدت ودراسات جهزت انتهينا أيضًا إلى عدم البت في هذه الموضوعات، وأجلناها لمزيد من البحث والدراسة إلى الدورة الثالثة، وفي الدورة الثالثة أعيد الأمر بحثًا واستقصاءً ودراسة وانتهينا فيها إلى قرارات بالأغلبية، والواقع يبدو أننا سنعود على ما أنهيناه بالتحرير والتحليل وإن كان ذلك بالأغلبية، بما نتوجه إليه الآن إذا توجهنا إلى ما ألاحظه في كلام بعض السادة الأعضاء إلى نقض ما انتهينا إليه، لذلك أنا أرجو أن أذكر إخواننا بالقرار رقم واحد في دورة عمان ٨٦ في قضيتين مطروحتين علينا في هذه الدورة، قضية بيع المرابحة للآمر بالشراء، وقضية الإجارة المنتهية بالتمليك.
في قضية الإجارة المنتهية بالتمليك كان هناك وضوح كامل لكن أريد أن أذكر النصوص لأنها تعالج قضية الوعد أيضًا وبت فيها: قرر مجلس المجمع بخصوص عمليات الإيجار اعتماد المبادئ التالية فيها:
المبدأ الأول: إن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعًا.. هذا المبدأ الأول.
المبدأ الثاني: إن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك، لماذا؟ بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء، وهذا وعد، بعد حيازة الوكيل لها توكيل مقبول شرعًا، والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور، إذا تيسر ذلك.
المبدأ الثالث: إن عقد الإجارة يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات، وأن يبرم بعقد منفصل، عن عقد الوكالة والوعد. .
стр. 6063
المبدأ الرابع: إن الوعد بهبة المعدات – وهذا أيضًا وعد- عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل.
المبدأ الخامس: إن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكًا للمعدات ما لم يكن ذلك بتعد أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذ عليه.
هذا بخصوص الموضوع الذي سيناقض قريبًا والذي هو "الإجارة المنتهية بالتمليك" وهي معالجة كما تلاحظون، معالجة شمولية، غطيت كل تفصيلاتها وما يتعلق بها.
بخصوص موضوعنا المطروح اليوم عمليات البيع –سميت هكذا في الاصطلاح هنالك- ولا مشاحة في الاصطلاح، المهم المضامين، سميت هناك عمليات البيع بالأجل مع تقسيط الثمن، قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية:
المبدأ الأول: إن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية ببيع المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعًا –فالقضية منتهية-.
المبدأ الثاني: إن توكيل البنك أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية أن يبيعه البنك تلك الأشياء بعد وصولها وحصولها في يد الوكيل، هو توكيل مقبول شرعًا، والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.
يعني نحن ذهبنا إلى اكثر من ذلك، ذهبنا إلى جواز أن يوكل الآمر بالشراء نفسه في الشراء على أن يكون في فترة التوكيل قبل تحرير عقد البيع الثاني في ملك البناء وضمانه.
المبدأ الثالث: إن عقد البيع يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات والقبض لها وأن يبرم بعقد منفصل.
فتلاحظون أيها السادة كيف أن هذه القضية قد بت بها في دورة عمان ولذلك كنقطة نظام ومبدأ قد أقررناه نحن في جلساتنا المتعاقبة أنه لا يجوز أن نعود على قراراتنا بالنقض وأن ما استقر من قرارات لا يجوز أن نصوغ قرارات جديدة تتعارض معها كليًا أو جزئيًا.
стр. 6064
الشيء الآخر هنا في هذا المجال لا أريد في الواقع أن ندخل في نقاش ونعيد ما ذكرته في البحث لكن أحب أن أشير إلى بعض ملاحظات عاجلة في هذا المجال تعليقًا على ما ذكره بعض الإخوان.
الواقع كلام الإمام الشافعي والكلام الذي ورد في الموطأ وهنالك كلام أيضًا لمحمد بن الحسن الشيباني في هذا المجال، يدل جميعها على أن هذه الفكرة واضحة بأساسها وشروطها، يعني أنا أفهم نص الشافعي في جزئه الأخير، وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر فهو مفسوخ من قبل شيئين، إذا أكملنا العبارة في الواقع نلاحظ أن الشرط الذي اشترطناه في بيع المرابحة للآمر بالشراء: "إنه تبايعاه قبل تملكه" نحن فيما صغنا من شروط اشترطنا أن لا يكون التبايع إلا بعد الملك الحقيقي، ولذلك يزول هذا الإشكال، يعني وخشية الإمام الشافعي بما ذكر في نهاية عبارته، أن تكون عمليات التبايع تتم قبل أن يحدث تملك حقيقي للمأمور بالشراء، وعند ذلك تنقلب العملية إلى عملية إقراض ربوي، وهذا هو المحظور الذي احتطنا له بالشرط الذي شرطناه، وهذا يؤكد عبارة الموطأ، هنا عبارة الشافعي تقول: (اشتر هذه وأربحك فيها) يعني الذي سيشتري من؟ المأمور بالشراء وستدخل في ملكه ثم سيدخل في مرابحة مع الذي أمره بالشراء، بينما عبارة الموطأ: (ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل) فالعملية هنالك توكيل بالشراء فكذلك حقيقة الذي أمر بالشراء، وهنا إذن عملية تحايل على الربا لذلك ذكرت هنا تحت بيع العينة، الذي يتخذ وسيلة من وسائل التحايل على الربا، بينما عند الإمام الشافعي لم ترد في هذا المجال، ولدينا عبارة أخرى للإمام محمد بن الحسن الشيباني وكان قد ذكرها الدكتور عبد الستار في بحث له يرشد فيها الإمام محمد بن الحسن إلى حل في كتابه المخارج في قضية الخشية التي نحن خائفون منها، إنه العميل يرفض عملية الشراء بعد ما يقوم المأمور بالشراء، بشراء ما أمر به، فقد جاء في كتاب المخارج "رأيت رجلًا أمر رجلًا أن يشتري دارًا بألف درهم وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومئة درهم فأراد المأمور شراء الدار ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر –لاحظوا حتى نفس العبارة- فلا يأخذها، فتبقى الدار في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟ " إذن الصيغة مقررة ومسلمة، لكن فيه خشية من أنه يعدل الذي أمر عن أخذ ما أمر به فيرشده، قال يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام ويقبضها ويجيء الأمر إلى المأمور فيقول له: قد أخذت منك هذه الدار بألف درهم ومائة، فيقول المأمور: هي لك بذلك فيكون ذلك للآمر لازمًا، ويكون استيجابًا من المأمور للمشتري:
فإذن القضية: المطلوب من البنوك الإسلامية والمصارف الإسلامية أن تطبق هذه الصيغة كما اشترطت، الذي يحدث في التطبيق أيها الأخوة الكرام فيه خلل كبير وهذا ليس حجة على القاعدة، هو حجة على الذين يطبقون، هم قد أفرزوا في التطبيق كثيرًا من الصور ليس فيها ضمان، وأنا تحفظت على ما ورد في كلام الدكتور سامي من نفي موضوع الحيازة، وقال الحيازة ليست شرطًا، يكفي التملك، التملك هو ممكن تملك صوري ومرور عابر في الذمة وعند ذلك فيه محظور كبير من أن نكون قد وقعنا في الربا. .
стр. 6065
لابد من التملك الفعلي الحقيقي ليكون هناك تعرض لتبعات الضمان في الهلاك، وتعرض لتبعات الرد بالعيب وغير ذلك من معطيات الضمان، وهنالك أيضًا شرط آخر نبهت إليه في البحث الذي هو قضية إنه ليست كل سلعة تقبل التعامل وفق هذه القاعدة أو وفق هذه المعاملة، يعني من شروط تطبيق هذا البيع أن تكون السلعة مما تنسجم مع طبيعته، يعني إذا كان التطبيق له على سلع نقطع معها بأنه لا ضمان على البنك وأنه لا يتصور الضمان في أي حال من الأحوال عند ذلك واضح، أصل المسألة انتفى، وشرط القضية لم يعد واردًا، وبالتالي تدخل في دائرة الممنوع ودائرة الربا، مثل أن تكون بيوع المرابحة للآمر بالشراء متعلقة بالأراضي، حتى لو سجلت في ملك البنك في دائرة الأراضي فكيف ستهلك الأرض، وكيف سيكون الرد بالعيب؟ إذن كل ما في العملية أنها عملية إقراض ربوي لتمويل هذه الصفقة، ولذلك لا تجوز، أحب أن أؤكد على هذه النقطة أولًا نقطة النظام وأننا لا يصح أن نعود إلى ما اتخذنا فيه من قرارات واضحة بالنقض، والنقطة الأخرى أن الصيغة التي قدمت في مجال بيع المرابحة للآمر بالشراء، إذا التزم فيها وفق ما قررتها المجامع المعترف بها والقرارات التي أخذت فيها فإنها بحمد الله وفضله يمكن أن تؤدي دورًا كبيرًا في هذا المجال، وخاصة أن هذا التطبيق سيمنع بهذه الشروط، سيمنع البنوك الإسلامية من التركيز عليها لأنه مادام فيه احتمالات ضمان وخسارة ستتجه إلى المشاركة والمضاربة، لكن لما جعلت هذه الصورة في التطبيق (الواقع لا يطرح قضايا ضمان) استسهلتها البنوك الإسلامية وصارت ترى أن نسبة تقريبًا تسعون بالمئة من أموالها المتداولة توظف في هذا النوع ولا تلجأ إلى الأنواع الأخرى لأن هذا النوع مضمون العاقبة ونحن لا نريد في الاقتصاد الإسلامي أن تقع مثل هذه الصور لأن الأصل احتمالات الخسارة والربح هي الأساس في جواز هذا الربح، وشكرًا والسلام عليكم ورحمة الله. .
стр. 6066
الرئيس:
في الواقع أنه بخصوص عمليات البيع الآجل مع تقسيط الثمن، ليس هو صورة كاملة لبيع المرابحة للآمر بالشراء الذي طرح بحثه، وإذا كان أحد من الأخوة يرى أنه صورة كاملة فيكتفى بما أداه أولًا عن المناقشة، أما من وجهة نظري ومن وجهة نظر عدد من الإخوان فإنه صورتان مختلفتان تمام الاختلاف، ودراسة هذه لا تغني عن دراسة تلك، هي مستقلة على ما هي عليه، على ما أفتى فيها وتم فيها، أما بيع المرابحة للآمر بالشراء بصوره الثلاث، سواء التي كانت في مصرف فيصل الإسلامي في السودان أو التي في بيت التمويل أو غيره، فهي محل البحث في جلستنا هذه.
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وبعد.
لاشك يا إخواني أن الداعي إلى إيجاد أو دراسة هذه المواضيع هو في الواقع شعور عن مرارة الشكوى من انتشار البنوك الربوية وسيطرتها حتى على المجتمعات الإسلامية، ولهذا فزعت مجموعة كبيرة من أهل الخير إلى البحث عن بدائل من شأنها أن تزاحم، أو أن تحل محل هذه البنوك الربوية، وفي نفس الأمر تعطي الخدمات التي يحتاجها العصر الحديث، لاشك في هذا، ولاشك أن من أسباب قيام هذه المؤسسات الإسلامية المصرفية هو تيسير أمورها بحيث لا يترتب على ذلك التمييز أي إثم، ولكن كذلك لا يمكن أن يكون الوقوف أمام هذه المصارف الإسلامية، لا يمكن أن نقف أمامها بأقوال وإن كانت أقوالًا مشهورة وراجحة، لكن لاشك أن العلماء ﵏ بحثوا وقالوا إن هناك من الأمور الراجحة ما يمكن أن يأتي عليها من الزمن ومن تغير الأحوال ما يجعلها مرجوحة ويجعل المرجوحة راجحة، هذه في الواقع ناحية أحببت أن أتحدث عنها.
ناحية أخرى، هي في الواقع لها أثرها في قبول أي قول يأتي به أي واحد أو أي باحث، وهو أن يؤسس ما يقوله في منع أي شيء على سلبيات يبرزها قبل أن يحتج على هذه السلبيات بقول فلان وفلان المجرد من التعليل، فإذا وجدت العلة ووجدت الآثار المترتبة على هذه العلة وهي آثار سلبية من شأنها مثلًا أن تأتي بالغرر أو بالجهالة أو بالربا أو بأكل أموال الناس بالباطل إذا جاءت هذه الموانع مؤكدة لهذا الشيء فهي مقبولة، أما أن يأتي المنع على أساس أن فلانًا قال كذا، وفلانًا من العلماء قال كذا، مجردًا عن أن يكون هناك علة لهذا الشيء أو أن تكون مبنية على تقعيد له أثره وله في الواقع سلبيته في ذكر الأسباب المانعة، فهذا في الواقع قد لا يكون مقبولًا.
آتي على بعض النقاط: في الواقع أن هذه البنوك الإسلامية حين قامت فزعت منها البنوك التقليدية أو البنوك الربوية، في الواقع علمت أنها قد تضايقها أو قد تحل محلها، في الواقع على كل حال هيأت نفسها لمحاربة هذه البنوك الإسلامية محاربة بإيجاد شبه، واستئجار مجموعة ممن لا أخلاق لهم الواقع يأتون بالشبهات ويأتون بما يمكن أن يكون سببًا أو عراقيل من الأشياء الموجبة للحد من نشاط هذه الجمعيات.
стр. 6067
النقطة الثانية وهو أننا حينما ننظر إلى النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيما يتعلق بالوعد المطلق والإلزام به والتحذير من مخالفته نجد من ذلك قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] ونجد من ذلك قول رسول الله ﷺ : ((آية المنافق ثلاث)) ومنها: إذا وعد كذب وقد وجد من أهل العلم ومن سلف هذه الأمة من قال بالوعد الملزم قضاء وديانة، وطالما أن الإلزام بالوعد في الواقع لا يترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل، ولا يترتب عليه ربا، ولا يترتب عليه غرر، ولا يترتب عليه جهالة، وإنما الذي أعطى وعده إذا جاء طائعًا مختارًا وهو مؤهل للتصرفات الشرعية، فلماذا لا نقبل منه ذلك ونلزمه بهذا الشيء؟ ثم أن هذا تيسير لأعمال البنوك الإسلامية، حينما نقول هذا لا يجوز لكم وهذا لا يجوز لكم، وهذا ينبغي البعد عنه، وهذا ينبغي كذا، فمعنى ذلك أننا نقول أفسحوا المجال للبنوك الربوية واجعلوا الربا ينتشر بيننا كانتشار النار في الحطب، فهذا في الواقع لا يجوز لنا، أن نسلك هذا المسلك.
ناحية ثالثة، في الواقع قال مجموعة من الإخوان بأن الإلزام بالوعد هو بيع في الحقيقة، وأعتقد أن هذا ليس صحيحًا فإنما البيع يترتب عليه أحكام درك المبيع وما يتعلق بذلك، وأما الوعد فهو مجرد وعد، ففرق بين الوعد بالبيع وبين البيع نفسه ولاشك أن لهذا آثاره ولهذا آثاره ففي الواقع على كل حال أنا أرى أنه يتعين علينا أننا لا نبحث أو لا نقول بحل مسألة أو بمنعها إلا بعد أن نذكر العلة المانعة وأن نستدل على ذلك بنصوص من كتاب الله ومن سنة رسوله ومن أقوال السلف الصالح، أما أن نقول والله هذا لا يصلح لأن فلانًا قال كذا وفلانًا قال كذا من غير أن نجد تعليلًا لذلك، فأعتقد أن هذا لا يخدم المصارف الإسلامية التي تحاول جهد إمكانها في أن تحل محل البنوك الربوية أو أن تبعد عن الأمة وباء الربا وانتشاره وآثاره السيئة وشكرًا. .
стр. 6068
الشيخ خليل محيي الدين الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عطفًا على ما ذكره الأخ المتحدث أخيرًا، الحقيقة الكلام موصول، هنالك آية وحديث أو عدة أحاديث، الآية الأولى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] إذن آية تتوجه نحو الوفاء والحديث يتبعها بأمر عجيب وهو مقابل الإيمان إما نفاق وإما كفر، ولذلك جاء في الحديث ((آية المنافق ثلاث)) وعد منها ((وإذا وعد أخلف)) إذن نحن أمام إيمان أمام شريعة يلتزم أهلها بأقوالهم وأفعالهم يصل بنا الكلام إلى قول رسول الله ﷺ أيضًا في نفس النسق ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك)) ، والكل يعلم أن الخطبة هنا وعد بالزواج وليس زواجًا، بل يصل بنا إلى حديث آخر: ((لا يبع أحدكم على بيع أخيه)) ومعلوم هنا أن هذا البيع هو المساومة، إذن الآيات والأحاديث متوجهة نحو الوفاء بالوعد كما هو الوفاء بالعهد والعقد، الآية طالبتنا بالوفاء بالعقود علمًا بأن المطالب بالوفاء هنا طرفان إن صح التعبير، أولًا الآية الكريمة "والمستفيد أو المتضرر من هذا العقد سيطالب" المولى يطالبنا بالوفاء، ثم إن الفريق الآخر يطالب بهذا الوفاء باعتبار أن هذا عقد إذن عندنا هنا الوفاء مروءة، نعم، وهل الشريعة إلا تقعيد باصطلاح القانون للمروءة؟ وهذه هي شريعة الإسلام، إنها تسمو بالمروءة لتكون شريعة، وكم من مروءات العرب كانت في الجاهلية صارت شريعة إسلامية، وعليه ما تفضل به الجميع: نلاحظ أن الأحاديث مع الآية تتوجه إلى الوفاء بينما كلام الفقهاء طبعا يقترب من الوفاء حينا ويبتعد أحيانا، وما تفضل به الأخ نحن ملزمون نعم بالأحكام بالنصوص، والنصوص متوجهة إلى الوفاء خاصة إذا كان هذا الوفاء أو هذا الوعد أدخل الطرف الآخر بعقد أو بما مر عليه الأخوة الباحثون بالإلزام، ونحن فعلًا أمام نصوص فقهية، نحترمها ومنها نستقي ونستضيء بها بنور القرآن الكريم والسنة النبوية، ونحن أمام حالة بنوك إسلامية لا نقول نسهل لها الربا ولكن نحول بينها وبين الربا ونحول بيننا وبين المجتمع الربوي الذي غاصت به بنوك العالم الأخرى، وعلى أية حال الآيات والأحاديث متجهة نحو الوفاء، فلنتجه كما اتجه القرآن والسنة، إلى الوفاء بالعهد والوفاء بالوعد، والسلام عليكم ورحمة الله. .
стр. 6069
الشيخ عبد الله بن بيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في الحقيقة طلبت الكلام في الموضوع الأول الذي كنا فيه ويبدو أننا مازلنا نتتبع أذياله، فيه بعض المسائل المهمة يجب أن نتفق عليها أولًا، من هذه المسائل هل نحن متبعون أم مبتدعون؟ يقولون إن الناقد بصير ولكنه باتباع الأثر جدير، عندما نقول كل أقوال العلماء، والعلماء تحدثوا عن مسألة الوعد ما تركوها هملًا، العلماء الذين تلقوا السنة وتلقيناها منهم تحدثوا عن هذه المسألة، وفرقوا بين عقد ووعد، وجعلوا النتائج المترتبة، والآثار التي تترتب على العقود ليست هي نفس الآثار المترتبة على الوعود، هذه البديهة الأولى هل نحن متفقون عليها؟ نعم، قلت: إن العلماء الأوائل فرقوا بين الوعد والعقد وهذا أمر بديهي، تحدث عنه الجميع، هل نحن متفقون على اقتفاء الأوائل؟ وهل نحن متبعون أم مبتدعون؟ الجواب على هذا السؤال طبعًا يحدد الإجابة في هذه القضية، إذا كنا قد تتبعنا المذاهب ونقبناها وجدنا أنهم تحدثوا عن هذه المسألة وما أغفلوها، وفي نفس الوقت قالوا إن الآثار المترتبة على الوعد ليست هي نفس الآثار المترتبة على العقد، نعلم ضرورة أن ترتيب هذه الآثار من طرفنا ألا ننشد له سلفًا من الأمة، وبالتالي فهو أمر خطير أن يكون مجمعنا هذا مجمعًا يحدث آراء جديدة على غير هدى، ويقعد قواعد أو يضع جملة من القواعد قد تناولها العلماء قبلنا، ووقفوا منها موقفًا واضحًا صريحًا، ونحن نخالفهم بدعوى أننا نريد إنقاذ البنوك من الربا، وبالتالي لنوقعها في ربا آخر، هذا الأمر له خطوراته أردت أن أنبه إليه.
المسألة الثانية هي مسألة المواعدة التي أثارها الدكتور الضرير، وأنا في الحقيقة لم أفهم كيف ألزم طرفًا ولم يلزم الطرف الآخر، ليكون منطقيًا مع نفسه ومع النصوص التي أوردها، فإذا ألزم البنك فعليه أن يلزم الطرف الآخر الذي وعد، أو أن لا يلزم أحدًا منهما، وقد راجعت نص الشافعي فما وجدت فيه إلزامًا، البيع الأول هو بيع البنك أو بيع المأمور بالشراء هو الذي أمضاه الشافعي، أما البيع الثاني فهو بيع جديد ينشأ بين المأمور وبين الآمر، وهو بيع جديد كلاهما بالخيار، بمعنى أن أيًا منهما لم يلتزم شيئًا للآخر، فكيف تلزم بالوعد؟ هي المواعدة هي وعد من اثنين مفاعلة، والمفاعلة هي من اثنين، وقد تكون من واحد قليلًا، كما في قوله تعالى ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقد تكون من اثنين كما هو الغالب، فهي مواعدة من اثنين، التقاء وعد بوعد، فكيف تلزم طرفًا وتترك الطرف الآخر؟ أردت فقط أن يوضح لي الدكتور موقفه من هذه القضية، لا أزيد شيئًا كبيرًا –سيادة الرئيس- غير التنبيه على أن هذه المسألة لم نجد لها سلفًا، ولو وجدناه لاتبعناه، وشكرًا. .
стр. 6070
الدكتور إبراهيم بشير الغويل:
الدكتور عبد السلام أيضًا في بحثه القيم الذي كان يتسم بالموضوعية يقول بالنص: ركزت كثير من البنوك الإسلامية على أسلوب بيع المرابحة للآمر بالشراء ولم تهتم بأساليب الاستثمار الأخرى –يعني أهملتها- لأنها استطاعت أن تطبقها بطريقة تكاد تحميها من كل احتمالات التعرض للخسارة، أيضًا يقول: كادت هذه الصيغة في عدد من المصارف أن تنقلب إلى مجرد صيغة تمويل مال بمال يعود على البنك بالربح وبلا أي مخاطرة، الدكتور رفيق المصري أيضًا أورد نسبًا مئوية، كيف المصارف الإسلامية بدأت كلها تترك أي معاملات أخرى وتتجه إلى المرابحة للآمر بالشراء؟ فوصلت إلى ثمانين في المائة في بعض المصارف وإلى ثمانية وتسعين في المائة في بعض المصارف وقد تصبح مئة في المائة، إذن هذا السؤال، إذن هذه المعاملة أو هذا الأسلوب لابد أن ينظر، هذه الملاحظة أود أن أعود إليها أيضًا لأن كثيرين يذكرون بأن هناك آيات في القرآن تؤكد على الوفاء بالعقد وأن هناك أحاديث لم تمر على الأسبقين في أي قرار: نحن نريد أن نصدره علينا أن نذكر أنها موجودة، ولكنهم احتاطوا لما عرفوا أن هذا الأمر يجر إلى معاملات ربوية، وكل عمل رسول الله ﷺ في تتبعه للمعاملات هو مطاردة لاحتمالات تحويلها إلى الربا، أيضًا هذه المعاملة في حد ذاتها حينما نزلت إلى التطبيق دعت الجميع إلى ترك أي أمر، والبحث عن المعاملة العادية التي كنا نحاول أن نتجنبها وهي معاملة تتجنب المخاطرة، تبحث عن الربح السريع، تهمل عمليات الاستثمار الإنتاجي الحقيقي، وبالتالي أصبحت المرابحة في المصارف الإسلامية هي في الحقيقة عبارة عن كسب سريع دون مخاطرة ودون أي جهد.
المرابحة في المصارف المعمول بها الآن ليس فيها أي جهد، ولا تعرف حتى على ظروف الأسواق العالمية، ولا تطور الطلب فيها، ولا تحليل مناخ السوق العام ولا اتجاهات الأجل القصير ولا البعيد، ولا معلومات عن أي مصادر لأن هذا كان يستدعي من المصارف جهدًا لا يقل عن الجهد الذي لو دخلت في المضاربات أو المشاركات، فهي مالت وتركت ما أنشئت من أجله وهو إبراز أن ما يريده الإسلام في المعاملات هو المشاركة والدخول في المخاطرة وتشجيع الإمكانيات، وعادت من جديد إلى الأسلوب التقليدي للمصارف أو البنوك، وهو البحث عن الربح السريع مع ضمان وجود أي مخاطرة، وإهمال أي عمليات استثمارية أخرى، هل هذه الظروف التي تحيط بهذه المعاملة بالإضافة إلى ما انتبه إليه الأسبقون من خطورتها تجر إلى ذلك، لتنبهنا إلى أن هذه العملية فعلًا هي تجر الناس جرًا كما انتبه الأسبقون إلى المعاملات الربوية؟ الأسبقون يعون جيدًا أهمية الوفاء بالعقود، ويعون جيدًا توجيهات رسول الله ﷺ في أن يكون الإنسان غير مخل بوعوده، ولكنهم وجهوها في أمور ليس فيها مجال للالتباس في دخول العقود الربوية، ولذلك كان الشيخ صباحًا حينما تكلم كآخر متحدث في موضوع الوفاء بالوعد هو الذي أوضح موضع الداء الذي يتوجه إليه، والآن في المرابحة للآمر بالشراء الأمر واضح بناء على المعلومات التي أدلى بها الدكتور عبد السلام والأخوة أصحاب المصارف الإسلامية من أنها صارت تكاد تنفي أي معاملات أخرى، لماذا؟ لأنها ليس فيها مخاطرة، لأن فيها ربحًا سريعًا، لأن فيها إهمالًا لعمليات الاستثمار الإنتاجية وما تتطلبه من جهد، إذن لا جهد ولا مخاطرة، وما هو المانع وراء الربا غير أنه أخذ المال دون أي مخاطرة أو جهد؟ واستغلال للآخرين، وشكرًا.
стр. 6071
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] .
إن هذه القضايا المصرفية التي أحيلت علينا، والتي نظرت فيها مجامع وجلسات كثيرة، علينا أن نعود إلى منبعها، من أين نبعت هذه المشاكل؟ نبعت هذه المشاكل من قرار، قرار خطير حكيم قال به الملك فيصل رحمة الله عليه وألحقه بالشهداء الصالحين، لما منع النفط كان العالم الإسلامي كله فقيرًا لأن الدول التي نهضت –لما نمنا- عملت على تعويقنا، فكان كل ما في العالم الإسلامي من خيرات إنما هي تمتص ليزداد الغرب ثراء وليبقى العالم الإسلامي على فقره، فكان القرار الخطير بمنع تدفق النفط وارتفاع سوق النفط أو ثمن النفط، أن حصل فيض من السيولة المالية عند بعض الدول المنتجة للنفط في العالم الإسلامي، وهذه السيولة المالية كما يقول عمر ﵁ "أبت الدراهم ألا تخرج أعناقها" فلابد من أن هذه السيولة المالية ستنصرف، انصراف المال في أمرين: أولًا حركة، وبغية للربح من أجل المال، ثانيًا في الإنفاق على المتاع وعلى الحياة وهذا التوجه الأول أعني زيادة أو إنماء هذه الأموال ذهبت أولًا وبالذات فعند كثير من الذين تحصلوا عليها، إلى دول الغرب، فأودعت في بنوك أمريكا وفي سويسرا وفي غيرها من الدول المالية، وإذا بمشكلة جديدة حصلت في العالم الإسلامي هي أن هذه الأموال عادت إلى الغرب بعد أن دفعها لتزيده نهضة وتمكن للعالم الإسلامي في قيوده، فكيف تعود هذه الأموال إلى العالم الإسلامي حتى ينتفع بها؟ فكان كحل من الحلول إيجاد البنوك الإسلامية، فهذه البنوك الإسلامية هي تمثل الاحتفاظ بمقوم من المقومات الخمسة –أعني حفظ المال- لأن المهم أولًا وبالذات حفظ مال الأمة، ثم حفظ المال الفردي، فهذا المال الذي قد تفتح له وتجلب الغربيون بكل الطرق وعاد على اقتصادهم بالخير الوافر، كيف يمكن أن يعود إلى العالم الإسلامي ليحركه؟ فكانت هذه البنوك الإسلامية وكان لابد من أن تأخذ هذه البنوك الإسلامية منهجًا وطريقة: هذا المنهج نريده أن يبتعد رويدًا رويدًا وقليلًا قليلًا عن البنوك الربوية التي مضى عليها قرون وقرون حتى يستقل بذاته، وهنا يأتي الموقف الخطير لفقهاء المسلمين، فعلينا أولًا أن نعلم أن هذه المصارف على هذا النحو هي أمر جديد في الإسلام وعلى العالم الإسلامي، وما كان يريد العالم الإسلامي في تاريخه الطويل تجميع الأموال بهذه القوة وتصريفها في الاقتصاد والاستثمار، وإنما كانت الجهود فردية والشركات التي كانت عندما كانت بين أفراد أو اثنين أو ثلاثة ولا تعدو ذلك إلى أن تشمل كامل المواطنين في البلد. .
стр. 6072
فهذا النوع الجديد من الاقتصاد الذي يحفظ مال الأمة، وكيف نجعله إسلاميًا؟ هو الذي جعل هذا البحث يأتي إلى هذا المجمع الموقر، جاءتنا مشاكل أولًا من البنك الإسلامي للتنمية، وهو بنك يتعامل مع الدول، والنظرة إلى هذا البنك غير النظرة إلى بقية البنوك، ولذلك جاء في المقررات النص على البنك الإسلامي للتنمية باعتبار أنها فتوى في واقعة تشمل كل المعطيات التي تتعلق بتلك الواقعة التي منها البنك الإسلامي للتنمية باعتبار أنه يتعامل مع دول ولا يتعامل مع أفراد، وفرق لأنه لا يبغي الربح في ذاته وإنما يبغي تكوين استثمارات مالية والقيام بمشاريع اقتصادية كبرى في العالم الإسلامي هي في حاجة إليها، سواء أكانت هذه التجهيزات أساسية أو كانت تجهيزات إنمائية.
ثم بعد ذلك –والحمد لله- جاءت الاستفتاءات من البنوك الإسلامية التي لها طرق كثيرة في التصرف والتي ستولد طرقًا أخرى، وعلينا أن ننظر في كل الطرق التي تأتينا من التفكير الإسلامي أو تفكير رجال الأموال ورجال الأعمال لتنمية الأموال، فجاء من هذه القضايا قضية الوعد الملزم.
الوعد الملزم: إذا أخذنا الوعد الملزم حسبما جاء في نصوص الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة فنحن نجزم أنه في القضايا المالية ليس هناك وعد ملزم ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن الوعد باعتباره كقيمة خلقية أي من الناحية الثالثة من القواعد الشرعية وهي قاعدة تحسينات، هي قاعدة من القواعد، لكن هذه القاعدة عندما تصبح خادمًا للأصل أعني الأصل الأول وهو المحافظة على مال الأمة فإنها تلتحق بالحاجة لأن كل ما كان خادمًا للظروف يصبح ملتحقًا بالحاجة وبذلك يكون الوعد النظر في هذا على حسب القواعد التي أسسها العلماء والتي فصلها الإمام الشاطبي رحمة الله عليه يصبح الوعد الملزم محل نظر أو محل ترجيح خاصة وأننا نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم قد واجهتهم مشكلة وهي أن اليد الأمينة هي لا تتحمل الضمان، غير ضامنة، لكنهم في النهاية قالوا إن الصناع يعملون رغم أن يدهم يد أمينة وذلك حفاظًا على المصلحة العامة أي على التعامل بين الناس. .
стр. 6073
ولذا أرى أن وجود الوعد الملزم يمكن النظر فيه، لكن الأمر الذي بقيت أتساءل فيه مع كل الباحثين الذين بحثوا هو أنه في هذه القضايا لابد من البحث الميداني، أعني البحث الميداني، هو أنه البحث مع البنوك الإسلامية هل هي في حاجة للوعد هذا أم لا؟ وهل العقود التي عقدتها مع المتعاملين معها كانت في حاجة إلى هذا الوعد الملزم؟ وكم عدد العقود أو عدد المتعاقدين الذين حصلوا على العقد ثم لم يقع الوفاء به؟ فالحل أننا ننظر في وقائع ميدانية حقيقية وهذا ما أرجو أن يقع التآمل فيه وأن تقع الاستجابة إلى إجابته لأنه مثلًا في قضية الزيادة عند الأجل، يقول أهل بنوك المسلمون: إننا لسنا في حاجة إلى هذا فقد استطعنا أن نأخذ من الضمانات ما يكفينا ولا حاجة لنا في أن نحمل العميل غرامة زائدة، والفقهاء يريدون أن يذهبوا أكثر مما يريده أهل البنوك، فأهل البنوك لابد عندما يتحدث معهم رجال الأعمال أن نستوضح منهم الواقع كما هو، لأن في استيضاح الواقع ما يرشدنا، فإذا وقع التعامل المالي، وأصبحنا نقول للبنوك لا تعملوا وإذا كانوا يعملون فستذهب الأموال إلى أمريكا فهنا علينا أن ننظر في الواقع حسب ما هو، فهذه ناحية أردت أن تضاف إلى البحث حتى نطمئن عندما ننتهي ونعطي فتوى.
الأمر الثاني الذي أردت أن أتحدث فيه هو التفرقة بين البيع وبين العقد فيما تحدث فيه فضيلة الشيخ تقي الدين عثماني، فإذا قال له تنح وأنا أعطيك فهذا ليس وعدًا، هذا عقد كامل، لكن المعقود عليه ما هو؟ لأننا كما قلنا لو قال سأعدك بأنني في المستقبل –لا – هو من الآن وقع بينهما عقد على أن يتنحى من المزايدة ويأخذ مالًا لأنه حتى إذا لم تقع المزايدة ولم يشتر الشيء فعليه أن يدفع له، فزاد عقدًا وقع على معقود عليه قد تختلف فيه الأنظار ولكنه ليس مما نحن فيه، ليس بالوعد الملزم، كما أن الشرط الذي ذكره الحطاب في الغرامة هو شرط لاحق، وهو شرط مقدم والذي تريده البنوك هو شرط عند عدم الوفاء يقول له: إما أن تقضي وإما أن تزيد، سواء كانت الزيادة له أو لغيره مشكل آخر، فهذا بعض ما أردت أن أذكره وشكرًا لكم.
الرئيس:
شكرًا بقي حوالي ثمانية من الذين طلبوا الكلمة وأرى الوقت الآن الواحدة والربع تقريبًا فترفع الجلسة ونستأنفها إن شاء الله تعالى في أوائل الجلسة المسائية الساعة الرابعة وشكرًا. .
стр. 6074
الجلسة المسائية
الدكتور سامي حسن حمود:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أساس التسمية " بيع المرابحة للآمر بالشراء " هو من الاختيارات التي أقرها أستاذ الفقه الإسلامي المرحوم محمد فرج السنهوري ﵀، حين كنت أدرس في جامعة القاهرة، والتسمية اصطلاحية، لذلك أرى في الاعتراضات من بعض الباحثين أن يقال لها الواعد بدل الآمر، اعتقد أن استقرارنا على الآمر في اللغة العربية، الأمر له معاني متعددة فهو من الأقل إلى الأعلى، رجاء ودعاء، ومن المتساوين التماس، ومن الأعلى إلى الأدنى أمر، الدوافع الأساسية في هذه القضية، قيل من غير العارفين بظروف طرحها للعمل أنها حيلة للربا، وقيل إنها صورة من صور العينة، والواقع أنها بشعور المستظل بظل الفقه الإسلامي في مجالات لا يمكن أن تغطيها المضاربة أو المشاركة، واضرب لذلك مثلًا: إنسان بحاجة إلى سيارة لاستعماله الشخصي، فلا سبيل لشرائها واستعمالها عن طريق المضاربة أو المشاركة، أو الحكومة تحتاج إلى أنابيب تمديد توصيلات المياه وترغب في أن تجد طريقًا للتمويل فلا سبيل إلى المضاربة أو المشاركة، وإنما عن طريق بيع المرابحة تشتري لها الأنابيب وتباع عليها بالسعر والربح المتفق عليه، فهذا الاستظلال بظل الفقه الإسلامي الذي وجدناه في كتاب الأم للإمام الشافعي ﵀ وجزاه الله خيرًا بما قدم ولم يكن حتى أهل الشافعية يعلمون بذلك كما قال لي الدكتور عبد الغني عبد الخالق الذي درس كتاب الأم ثلاثين عامًا، وقال عندما سألته عن هذه المسألة، هذه أول مرة أطلع عليها في كتاب الأم، فالجدة في الصيغة عن الإمام الشافعي تختلف حتى مع احترامي للذين يقولون إنها واردة عند المالكية فيما ذكره هذا الصباح الأستاذ الفاضل الصديق الضرير حينما أشار إلى ما ورد في الموطأ قال: ابتع لي هذا البعير، هناك فرق في المعنى واللفظ، عندما أقول: ابتع لي هذا البعير بعشرة، وأشتريه منك بأثني عشرة فهو وكيل عني فالبعير ملك لي وله على دين قيمته عشرة، وشراء الدين عشرة بأثني عشرة ربا، وأنا معهم في ذلك وهم محقون ولكن عندما ننظر إلى الصيغة التي طرحها الإمام الشافعي ﵀، قال: أشتر هذه وأربحك فيها كذا، اشترها بملكك أنت، وإن هلكت فهي تهلك عليك، وهذه هي الصيغة التي يجب أن تكون واضحة في أذهاننا ونرد البنوك الإسلامية إليها –إن خرجت عنها- بأن يكون الشراء حقيقة، المأمور يقوم به حقيقة ويتملك ويضمن تبعة الهلاك ثم يبيع، إذا رددنا الأمور إلى نصابها فتاتي الصور أو التطبيقات التي يطعن بها البعض في أصل العقد من ناحية الخروج عن الأصل فإذا كان العنب يزرع في بلد من البلاد ويصنع البعض من عصير العنب خمرًا فلا يقال أقلعوا العنب، ولكن امنعوا صناعة الخمور من هذا العنب، ويبقى العنب عنبًا للزراعيين حلالًا طيبًا. .
стр. 6075
فالمرابحة يجب أن ترد إلى الأصل أن لا يسمح بالتخلص من تبعات الهلاك، وأن لا يكون الآمر أيضًا تخلص من العمل عن طريق التوكيل، توكيل المأمور بأن يقوم بكل مهام العملية، ويشتري لنفسه ويقبض لنفسه وكأنه أخذ المال ابتداءً ورده مع زيادة انتهاء فنصبح واقعين بعملنا في الربا من خلال الخروج عن الصيغة التي وصفها الإمام، وقال: اشتر هذه، يعني قم بعمل الشراء.
النقطة التي تتعلق بالوعد والإلزام فيه، المواعدة بحد ذاتها لا تعتبر بيعًا ولو كانت ملزمة وما ذكر الإمام الشافعي يوضح لك لو قرأناه معًا بدقة، قال: وإن تبايعا به على أن الزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ من قبل شيئين، أحدهما أنه تبايعاه، قبل أن يملكه البائع، فهنا لو قال بعتك ما سوف اشتريه لك ولكن عندما يقول أعدك أو نتواعد معًا على أن نتبايع بعد أن يأتي الشيء ويصبح واقعًا، والصورة التي نقلها الإمام تتحدث عن أمرين.
الأمر الأول: قال: اشتر هذه، فمعناه يشير إلى شيء حاضر، هذه المعينة اشتر هذه وأربحك فيها كذا، أو قال: اشتر لي هذا المتاع ووصفه له، الوصف وصف لغائب، وسواء وصفه أو قال متاعًا أي متاع شئت، يعني فوضه بذلك، فلا بد عند حضور المتاع: إما حسب الوصف وإما حسب الرغبة، الذي قال اشتر كما تشاء وأرى فكل هذا الأمر يدل على أن العملية يتم فيها الشراء أولًا ثم يأتي العرض على المشتري، فإما أن يشتري وإما أن لا يشتري.
стр. 6076
فالإلزام في الشراء ليس بيعًا، بدليل أنه لو كان بيعًا لانتقل الملك مباشرة بمجرد حضور البيع، ولكن ليس هناك انتقال وإنما فيه إلزام على البيع، والإلزام في اللغة الشرعية واللغة القانونية مقتضاه أمران: إما أن يكون هناك تنفيذ فيكون تنفيذًا لما تم عليه الاتفاق، أو لا يكون تنفيذ فيكون تعويضًا من الضرر الناتج عن عدم التنفيذ، فمفهوم الإلزام ومقصوده أن لا نخرج من عملية البيع بتحايل قد يضار فيه البنك ولسنا نحمي البنوك الإسلامية فقط، وقد يضار فيه العميل بدليل أنه لو استورد البنك هذه البضاعة ثم ارتفعت الأسعار وطمع البنك في ارتفاع السعر وحرم التاجر من بيعه البضاعة التي طلبها لأنه كان يتوقع ارتفاع الأسعار، وكان هذا التاجر مرتبطًا مع جهة ما ليورد لها هذه البضاعة فيحصل له ضرر كبير لو لم يلتزم البنك، فأما أن نقول بالإلزام للطرفين -وهذا هو المفهوم- أو الطرفان يكونان حرين في ذلك، وهنا إذا كانت الحرية، فتدخل الأطماع، كيف ترتفع الأسعار ونبيع السعر المرتفع بالسعر السابق المتفق عليه؟ فيحدث الضرر ويصبح بلبلة في الأسواق ويتجنب استقرار الاسعار والعقود والمعاملات بين الناس، وتصبح القضية، قضية هزل وليست قضية جد، فإذا كان هناك من يقول: فلتمتنع البنوك الإسلامية عن الالتزام ولا تشتري إلا البضائع التي ليس فيها التزام، فماذا يعني هذا؟ يعني أن البضائع العامة كالقمح والسكر والأرز الذي يمكن أن يباع عمومًا يصبح صالحًا للاستيراد، ماذا عن البضائع المخصصة؟ شركة طيران الكويت تستورد محركات نفاثة لا تصلح إلا لطائراتها البيونغ ٧٤٧ وجاء المحرك حسب الوصف ثم قال مدير الشركة لا نشتري هذا المحرك، أين يذهب البنك بهذا المحرك؟ هنا يحدث ضرر فإما أن يكون قول بالإلزام لأنه جاء حسب الوصف وهذا هو الذي سار به الأحناف في عقد الاستصناع عندما كان الرأي الأول رأي الإمام أنه هناك خيار في عقد الاستصناع ثم تبينوا مدى الضرر الذي ينتج عن هذا الخيار، فجاء رأي المتأخرين ورأي أبي يوسف وأخذت المجلة (مجلة الأحكام العدلية) بالرأي الأخير الذي ألزم قبول الشيء المستصنع فيه طالما أنه جاء حسب الوصف، ولو كان عند التعاقد معدومًا، وهذا هو الأمر الذي نرى فيه في عقود المرابحة للآمر بالشراء، أنه إذا كان هناك نكول وقلنا بأن اللزوم لا يعني الإجبار على التنفيذ فلابد أن عدالة الشريعة لا تسمح بوقوع الضرر لا للبنك الإسلامي ولا للعميل، وأن تكون هناك قاعدة واضحة بأن هذا الضرر إذا حصل فإن المتسبب فيه يكون ضامنًا لتعويض الجهة المتضررة عنه وبذلك يتكامل عدل الشريعة وجمالها.
стр. 6077
الذين يقولون أو يعلقون أن المرابحة بيع لمعدوم أقول: عندي ملاحظة لو كان معدومًا إذا كان البيع حاصلًا وقت التعاقد ولكنه وعد، يعني إن جاء هذا الشيء حسب ما اتفقنا عليه فأنا أشتريه، فعندما يأتي الشيء ويتم النظر فيه أو الفحص أو المعاينة فإن هذا هو المطلوب، والذي يحمل النصوص أكثر مما تحتمل فيقول: إن البنوك الإسلامية تفتح الاعتمادات بأسماء الناس، صحيح أن فتح الاعتماد باسم البائع أو الطالب للشراء، ولكن بوليصة الشحن حتى وفق قواعد الاعتمادات المستندية العالمية لا تكون إلا باسم البنك، والملكية تبقى باسم البنك وزادت عليها البنوك الإسلامية أن تبعة الهلاك لا تتعلق بالوثائق ولكن تتعلق بحقيقة البضاعة، وقد حدثت حادثة في البنك الإسلامي الأردني عندما كنت مديرًا له أن جاءت الصناديق حسب الوصف في بوليصة الشحن ولكن المحتوى كان مختلفًا عن وصف البضاعة الحقيقي، فتحمل البنك تبعة الهلاك لأن المسئولية ليست مسئولية وثائق وأوراق، ولكن حقائق وبضاعة حقيقية تكون حسب الوصف المتفق عليه.
ولو نظرنا إلى هذا الموضوع من هذه الصورة الشاملة والنظرة المتكاملة اعتقد أننا نعطي الموضوع حقه من جانبيه: حماية للبنك الإسلامي الذي نحرص عليه ولكن حرصنا الأشد أن لا يخرج عن حدود قواعد الشرع، وحماية للمتعامل مع هذا البنك أيضًا حتى لا يساء إليه باسم القول وبعدم اللزوم والإلزام لأن اللزوم شيء والإلزام في العقد شيء، وتنفيذ العقد وتعويض الضرر شيء آخر، وشكرًا لكم.
стр. 6078
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
عندما بدئ في بحث هذا الموضوع الذي انتهت البنوك الإسلامية فيه إلى رأيين: الرأي الأول يكون الوعد ملزمًا، والرأي الثاني يكون الوعد غير ملزم، وسارت على هذين الرأيين حسب ما تراه الهيئات الشرعية في كل بنك، انتهت البنوك الإسلامية أقول: إلى هذين الرأيين، وهذان الرأيان مأخوذان من الشريعة الإسلامية ومن قواعدها ومن أسسها، عندما بدئ البحث فيها، قلت سبحان الله لماذا العود على البدء؟ الخطأ حصل أم الرأي جديد جد؟ فأخذت أصغي إلى ما قيل من الصباح إلى اليوم ووجدت أن لا جديد: الفقهاء كل منهم يكرر ويعيد رأيه السابق، وأود أن أقول شيئًا من التصحيح والترجيح ووضع بلسم على ما سمعته من بعض الأخوة على مواطن الترجيح.
البنوك الإسلامية هي في الحقيقة أسست لأن تقوم حسب منهج الله وحسب الشريعة الإسلامية في فقه المعاملات، ولتنقذ الأمة الإسلامية من الربا ومن كل أموال الناس بالباطل، ومن الأمور الأخرى التي لا يجيزها الإسلام، وسارت على هذا المنهج طوال خمسة عشر عامًا، وهي في تفوق وفي نجاح وفي ازدياد، بدليل أن البنوك الإسلامية الآن منتشرة في العالم اجمع، وإن البنوك الأخرى التقليدية تحاول أن تنهج نهجًا وان تسير حسب مسيرتها، فأنا أطمئن الأخوة الذين يخشون أن تقع البنوك الإسلامية في الربا، أطمئنهم بأن كل بنك إسلامي لم يؤسس إلا لمحاربة الربا، وقد يقع في الخطأ ولكن الخطأ غير متعمد وإذا رؤي تصحيح للخطأ يصحح ما عليه العمل في أي بنك من البنوك الإسلامية.
стр. 6079
في بيت التمويل الكويتي قبل أن نبدأ العمل وضعنا قواعد وأسسًا عليها نسير طيلة ثمانية شهور، ونحن نقعد القواعد ونضع العقود حسب منهج الشريعة الإسلامية نحن لا نعد أحدًا بأن نشتري له بضاعة، وإذا وعدنا أحدًا بأن نشتري له بضاعة نحن نكون صفتنا هنا صفة الوكيل الذي يأخذ أجرًا على الخدمة إنما نعد إذا اشترينا وملكنا نعده بأن نجري عقد البيع معه، في الحقيقة لا أريد أن أطيل لأن ما قاله الشيخ ابن منيع جزاه الله خيرًا صباحًا كفاني –في الحقيقة- الكثير من القول، إنما أرجح الآن أن نقطع الأمر وأنا حسب رأيي أن أرجح بالوعد الملزم لأمرين، الأمر الأول: الوعد الملزم يتلاءم مع القيم الإسلامية الرفيعة، ويطابق النصوص في الكتاب والسنة، ولقد وردت على لسان الفقهاء صباح اليوم ولا داعي لتكرارها.
الأمر الثاني: لإزالة الحرج الذي يلقاه المسلم عندما يتواعد مع غير المسلم في المعاملات حيث أن المعاملات المعاصرة في زمننا هذا دائمًا وأغلبها تسبقها المواعدة، وكيف يجوز للمسلمين أن يظهروا للكفار بمظهر يتناقض مع ديانتهم التي تحث على الوفاء بالوعد؟ أما الأخوة الذين يريدون من البنوك الإسلامية بأن تكون بنوكًا تسوية تعمل بالآجال المتوسطة والبعيدة، هؤلاء الأخوة ليسوا اختصاصيين اقتصاديين عليهم هم أن يردوا في المسائل الفقهية، وأن يتركوا المسائل الاقتصادية لأهل الاقتصاد وشكر الله لكم. .
стр. 6080
الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كنت راغبًا عن الكلام في هذا الموضوع بعد أن طال وخصوصًا بعد أن قدمت بحثي فيه، والكلام فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، ولكن بدت لي بعض الملاحظات، معظمها ملاحظات منهجية:
أولًا: فضيلة الرئيس قد أشار إلى أن من يعرض بحثًا معينًا عليه أن يشير إلى البحوث الأخرى، وهذا لم يلتزم، مع أنه لازم وخاصة إذا كانت بعض البحوث تنهج نهجًا مخالفًا لعامة البحوث الأخرى، أو متجهة اتجاها آخر، لأن من الظلم لها في هذه الحالة أن تترك، هذه واحدة.
الملاحظة الثانية: أننا هنا في الواقع لسنا كما قال بعض الإخوة مبتدعين، نحن متبعون، ولكن ما معنى الاتباع والابتداع؟ هل الأتباع أتباع ما قاله السادة فقهاؤنا السابقون من مقلدي المذاهب المختلفة؟ أم الإتباع هو إتباع ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ؟ لاشك أن الأتباع الذي نلزم به دينا ويحاسبنا الله عليه هو اتباع الكتاب والسنة، وكل أحد بعد ذلك يؤخذ من كلامه ويرد عليه، فلا ينبغي أبدًا أن نلام إذا لم نأخذ بقول الفقيه الفلاني أو الفقيه الآخر، لأن هؤلاء اجتهدوا لزمانهم وعلينا أن نجتهد لزماننا، وكل زمن له أموره الخاصة وأحواله الخاصة، وهذا أيضًا ما أقوله في الملاحظة الثالثة وهي أننا من الناحية النظرية جميعًا نشيد بكلام الإمام ابن القيم وكلام القرافي وكلام ابن عابدين، وغيرهم ممن تحدثوا عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف إلى آخر ما نعلم، كلنا يشيد بهذا، وعند التطبيق لا نلتزم هذا، نحن نوقن أن الفقهاء الذين قالوا بعدم الوعد أو عدم الالزام بالوعد أو غير ذلك لو عايشوا ما عايشنا وشهدوا من الوقائع ما شهدنا وأن مثل هذا الأمر إذا لم يقل به يترتب عليه ضياع مصالح كثيرة، وأن المعاملات الآن لم تعد فيما كانت عليه من قبل، أصبحت ملايين وعشرات الملايين، لو أن هؤلاء الفقهاء عايشوا ما عايشنا لقالوا بمثل ما قلنا، فهذه ينبغي أن توضع في الحساب. .
стр. 6081
رابعًا: في مسائل المعاملات الخاصة، الحقيقة ينبغي أن نتبنى منهج التيسير لا التشديد، وهذا ما جرى عليه الأئمة ومقلدوهم، فكثيرا ما كانت لهم عبارات في مثل هذه الأحوال يقولون: هذا أرفق بالناس، لا يصلح الناس إلا ذلك، عملية الرفق أو يقال مثل هذا، أعني قيل به تصحيحًا لمعاملات المسلمين بقدر الإمكان، وهذا أمر معروف في كل المذاهب، ولهذا قال الحنفية المتأخرون منهم أنهم اجازوا أو اجبروا بالمواعدة لحاجة الناس، والاخوة يذكرون في مسالة بيع الوفاء، ولكن هناك ما هو اسبق من بيع الوفاء، وهو ما ذكرته في بحثي وما أشار إليه الأخ الدكتور سامي حمود "عملية الاستصناع" والاستصناع قالوا هو مواعدة أم مبايعة؟ ورجح الكثيرون أنه مواعدة، ولذلك مذهب الإمام، والمذهب المفتى به عندهم أنه بعد الاستصناع من حق المستصنع له، أو المستصنع طلب الصنعة أن يقول لا، لا يعجبني ويترك ما صنع له، ولكن مجلة الأحكام حينما قننت مذهب أبي حنيفة في المعاملات اختارت مذهب أبي يوسف في هذا، وعللت هذا أنه الآن أصبحت هناك مصانع عظيمة ومعامل كبيرة وسفن وبواخر، فلو أننا خبرنا من طلب الصنعة المستصنع بعد ذلك وقال: لا أريده لترتب على ذلك حرج كبير ومفاسد عظيمة، فمن اجل هذا اختارت المجلة مذهب أبي يوسف، فهذا ينبغي أن نراعيه، مسالة التيسير، وأنا يعجبني هنا كلمة أكررها دائمًا وهي كلمة الإمام سفيان بن سعيد الثوري، وهو إمام في الفقه وإمام في الورع وإمام في الحديث، أمير المؤمنين في الحديث يقول: إنما الفقه الرخصة من ثقة، فاما التشديد فيحسنه كل أحد، والرخصة في المعاملات بالذات لأن الأصل فيها الإباحة، والبيع بصفة خاصة لأن فيه نصًا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] و (الـ) هنا للجنس أو للاستغراق ولذلك ابن رشد في المقدمة يقول: هذا يشمل كل بيع إلا أم استثناه النص، فالأصل في البيوع خاصة الحل وفي المعاملات عامة الحل، هذه كلها ينبغي أن نراعيها حينما ننظر في موضوع مثل موضوع المرابحة، وهو موضوع تقوم عليه البنوك الإسلامية صحيح نبه أخونا الأستاذ الدكتور العبادي في الصباح إلى أن البنوك الإسلامية أصبحت معظم معاملاتها في المرابحة، وهذا للأسف أمر نأسف له وهو يرجع إلى أمور اقتصادية لا إلى أمور شرعية كما أشار الأخ أحمد بازيع رئيس بيت التمويل، ونحن نبهنا وقلنا: إنه ينبغي أن نخرج البنوك الإسلامية من قمقم المرابحة، هي سجنت نفسها في المرابحة ولكن هذا شيء والقول بتحريم المرابحة شيء آخر، فالمرابحة جائزة والقول بالمرابحة مع عدم الإلزام بالوعد في الحقيقة يترتب عليه ضرر كبير، ونحن أيضًا هنا أذكر ملاحظة، أنه حينما يختلف العلماء، فما المرجع؟ ما قاله الله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . [النساء: ٥٩]
стр. 6082
هل الوفاء بالوعد يصل إلى حد أنه مجرد مستحب؟ وإن إخلاف الوعد مكروه تنزيهًا أو خلاف الأولى؟ هذا يمكن إذا رجعنا إلى النصوص، إذا احتكمنا إلى الله ورسوله، القرآن والسنة مليئان بأن الوفاء بالوعد من الأمور الواجبة والتشديد في إخلاف الوعد والأحاديث محفوظة لكم، القرآن غير ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وغير ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] هنا يقول ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧] ما معنى هذا؟
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] يعني إبراهيم استجاز أن يستغفر لمشرك من أصحاب الجحيم من أجل الوعد السابق، إنه قال: سوف أستغفر لك ربي، يعني معناه أنه يرى أن الوعد لازم، طبعًا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخ، الإمام الغزالي ذكر الإخلاف بالوعد، جعله من المهلكات في روع المهلكات في الإحياء، وذكر في الآفات وذكر عليه أدلة عديدة من القرآن والسنة ومن أعمال الصحابة وهديهم، كما ذكر عن ابن عمر ﵁ ذكر انه قال عند موته قال لهم أجلسوني ثم قال: إنه قال: قد كلمني رجل من قريش خطب إلي ابنتي، وكان لي منه شبه وعد، أشهدكم أني زوجتها منه حتى لا ألقى الله بثلث النفاق، هذه كانت نظرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى المسألة، وعمر بن عبد العزيز وغيره من العلماء منهم ابن شبرمة الذي ذكره ابن حزم في المحلى ومنهم ابن الأشوع، الذي ذكره البخاري في صحيحه، وهو مذهب البخاري كما يبدو من ترجمته في الصحيح ومذهب شيخه إسحاق بن راهوية وهو ما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين حيث ذكر الوفاء بالشروط والعقود والعهود والوعود، كلها نظمها في سلك واحد، كما أن المسلمين عند شروطهم، فهم عند وعودهم أيضًا لأنهم لا يقولون ما لا يفعلون هذا أمر واضح فيما كتبه ابن القيم، فكيف نقول بعد هذا أن هذا أمر مكروه والحافظ ابن حجر قال: وجدت فيما ذكره أبي من إشكالات على الأذكار للنووي، وجدت بخط أبي أن أباه ﵁ استشكل قال: كيف يقولون بأن اخلاف الوعد مكروه مع قوله تعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ ... ﴾ [الصف: ٢] ومع ما جاء في الأحاديث ومع هذا الوعيد الشديد؟ فهذا استشكال يعني لا جواب له، فكل هذه الأدلة وما ذكره أيضًا ابن القيم وأضاف إليه في الوعود خاصة، أنك إذا قلت لابنك أعطيك شيئًا ولم تعطه كتب عليك كذبة، وغيره من الأحاديث.
ولذلك الذي يطمئن إليه قلب الإنسان المسلم بعد قراءة النصوص هذه كلها لا يمكن أن يراوده شك في أن الوفاء بالوعد واجب وفريضة من فرائض الدين وأن إخلافه من علامات النفاق. .
стр. 6083
بقيت مسالة في أنه هل الوعد في البر والصلة أو في امور المعاوضات –والبعض يعد في الصلة يعني يوجب إنفاذه- وفي المعاوضات؟ والله أنا أرى الأمر بالعكس، لأنه في الصلة الإنسان متبرع بها وله أن يرجع فيها حتى لو وهب له أن يرجع، إنما إذا ترتب على الأمر معاوضات وترتب عليها أمور في حياة الناس وعلاقاتهم، هذا أهم من أمر البر والصلة، ولهذا نقول بالوفاء بالوعد في المعاوضات وبالالتزام به، وقد قال به مثل عمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وابن الأشوع وهم كانوا كما يبدو من طريقة حياتهم وتفكيرهم في ذلك الوقت أنهم لم يكونوا يفرقون بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء، إنما يفرقون في ذلك بين ما له ظاهر وباطن فيجرون الأمور على ظواهرها، أما كل شيء فإنهم لم يلزمون بما ألزم الله به ورسوله، ولذلك كانوا يلزمون بالعبادات الدينية، الشعائر الدينية ويعاقبون عليها، فكيف في أمور المعاملات؟ وإذا قلنا بالالزام، كيف نقول بالالزام في الوعد بالنسبة للمصرف ولا نقول به بالنسبة للآخرين؟ ولذلك الأخوة مثل الدكتور رفيق المصري الذي كان منطقيًا مع نفسه قال: كلا الطرفين مخير، المصرف والعميل، أما أن تلزم المصرف بالوعد ولا نلزم العميل بهذا يترتب عليه ضرر كبير، أكتفي بهذا القدر أيها الأخوة وشكر الله لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6084
الرئيس:
أحب أن أسأل الشيخ يوسف: إذا نكل ولي المخطوبة عن الوعد بعقد الزواج للخاطب وكان هذا الزواج سواء دخل في ورطة من مال أو لم يدخل هل يلزم قضاء؟
الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي:
أولًا نحن متفقون أو يجب أن نتفق على ما ذكره الإمام الغزالي أنه إذا وجد عذر فإن الاخلاف جائز، عندما يوجد عذر معين.
الرئيس:
ليس له عذر، التي لها مبررات نتركها، وهو نكل بلا عذر، هل يلزم بعقد النكاح؟
الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي:
يجوز، نحن لا نقول يجب الإلزام في كل قضية من القضايا، نحن نقول إن ما يلزم ديانة يجوز الإلزام به قضاء، ليس هذا وجوبًا فهذا مرجعه إلى المصلحة في بعض الأمور التي فيها مصلحة للناس ودرء مفسدة عنهم يجوز أن نلزم به قضاء وليس أمرًا واجبًا ولا مطردًا.
الرئيس:
هل نلزم بهذا قضاءً؟
الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي:
في القضية الجزئية هذه –هذه قضية جزئية- حيث يكون الأمر أمرًا كليًا عامًا يترتب عليه مصلحة لجمهور الناس يجوز الالتزام به، أما في قضية خاصة، هذه لا معنى لأن أدخل القضاء فيها. .
стр. 6085
الرئيس:
هو كما تعلمون يا شيخ –والكلام للجميع- أن الفتوى إذا صدرت لن تكون في داخل مصرف إسلامي أو في داخل المصارف الإسلامية وإنما هي تفيد قاعدة للأمة أو فتوى لأمة من مصارف ومن متاجر ومن متعاملين وبين مسلمين متواعدين، بينهم وعد، وبينهم أي مواعدة كانت سواء كانوا في بطون المصارف أو في خارجها، فالفتوى إذا صدرت سيكون لها صفة العموم في الأمة، وترد آلاف المسائل على القضاء، فكم من الأوعاد –وما سمعنا أن قضية وعد- رفعت إلى المحاكم، حسب استقرائي ومساسي بالقضاء ما يزيد عن عشرين عامًا في المملكة مثلًا –وذلك على سبيل المثال- ما سمعت بقضية وعد رفعت إلى المحاكم لأن المسلمين شبه متعارفين على أن الأوعاد غير ملزمة وإن كان الإثم لا يلزم الحكم القضائي في كل حال.
فالحقيقة هي أن الذي أحب أن يكون أمامنا، هل إذا قلنا إن الوعد ملزم بالمعاوضات، هل هو مقيد في حالة معينة تشتغل بها المصارف الإسلامية ويجعل لها من الضوابط والقيود ما يجعله في قالب شرعي؟ أو نقول لا؟ نأخذ بمقتضى النصوص ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ((آية المنافق ثلاث..)) إلى غيره نحن معكم –ولسنا نحن معكم- لأننا نحن مع إجماع العلماء وإجماع المسلمين على الترغيب في الوعد، وأن أخلافه مذموم، لكن كونه مذمومًا شيء وكونه يقضى به شيء آخر، لما له من آلاف وأعداد كبيرة من الصور التي لا يمكن التخلص منها، ففي الواقع أردت التساؤل عنه فقط.
الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي:
اسمح لي، أنا لا أريد أن أقول إننا نجعل الأمر بغير ضوابط، لابد من وضع الضوابط – ولن يكون هذا في كل القضايا وفي كل المسائل- إنما هذه قضايا خاصة –الناس الآن أصبحوا يعملون في مجالها والبنوك الإسلامية تنتظر منا- نحن نقيد الفتوى بهذه القضية وما يتصل بها من ملابسات.
الرئيس:
هم لا ينتظرون منا لأنهم ماضون شغالون. .
стр. 6086
الشيخ محمد سالم بن عبد الودود:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أن لا أريد أن أطيل، لأن الحديث طال وفيه الكفاية، ولكن أريد تصحيح بعض المفاهيم بالنسبة إلى ما ينسب إلى بعض المذاهب، وأنا لا أريد أن ألزم الناس بالمذاهب ولكن أريد ألا نقول على المذاهب، وعلى علمائنا غير ما قالوا: لا نحمل كلامهم أكثر مما يتحمل.
بالنسبة للوعد، معروف في المذهب المالكي أقوال في وجوب الوفاء به ومنها القول بوجوب الوفاء إذا ورط الواعد الموعود، كما إذا قال الرجل لامرأته: إن أعطيتني ألفًا أفارقك، فباعت حليها وتكلفت الإتيان بالألف، فهنا يلزم به قضاء، وفي هذا يقول خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله تعالى: عاطفًا على الأمور التي تلزم في باب الخلع: والبينونة فيه إن أعطيتني ألفًا فارقتك أو أفارقك إن فهم الالتزام أو الوعد إن ورطها، ومعروف مورد الفرق بين الوعد والالتزام، قرائن الأحوال وسوق الكلام.
أولًا: أريد أن أفتتح تدخلي هذا بكلمة قالها الإمام مالك رحمه الله تعالى عندما قال له عبد الرحمن بن القاسم: إن أهل مصر أعلم الناس بأحكام العقود، البيوع وما شاكلها، فقال له الإمام: ممن تعلموها؟ قال: منك يا أبا عبد الله، قال: سبحان الله، ما أعلم هذا، كيف يتعلمونها مني؟
أقول إن المالكية على اختلافهم في لزوم الوفاء بالوعد الذي أشار إليه على ابن قاسم الزقاق في كتاب المنهج بقوله: هل يلزم الوفاء بالوعد؟ نعم صدر بالإيجاب أو لا؟ نعم لسبب أو إن لزم يركزون على أن الموعود إذا تورط بسبب الواعد لزم الواعد الوفاء، ويذكرون من ذلك قضية الرجل يقول لامرأته إن أعطيتني الفًا فارقتك أو أفارقك –بالمضارع- يكون الالتزام، لزمت البينونة سواء ورطها أو لم يورطها، ويوفون، الوعد وورطها لزم الوفاء لزمت البينونة بمجرد إتيانها بالألف، كما إذا باعت حليها وتكلفت له هرق القربة فإنها في هذه الحال يلزم الوفاء لها قضاء أكثر مما يلزم ديانة.
стр. 6087
قضية المرابحة للآمر بالشراء هذه لا تخرج عند المالكية، هناك من ينسب إلى المالكية غير ما يقولون ومن يفرق بين اشتر لي وابتع لي، وكلمة ابتع واشتر واحدة، لأن المصطلح عند الفقهاء أن الثلاثي من المادتين يستعمل للإخراج بعوض، والخماسي من المادتين يستعمل للإدخال بعوض، بعت وشريت للإخراج، وابتعت واشتريت للإدخال، فإذا قال له: ابتع لي هذه البكر، فلا فرق بينها وبين أن يقول له اشتر لي هذه البكر، والقضية عندهم ذات طرفين وواسطة، إذا قال له: جاء يسال عن سلعة فقال له المسؤول: أمهلني إلى غد وجاء بالسلعة وباعها بما يريد هذا لا غبار على جوازه، وعنه عبر خليل بن إسحاق بقوله: جاز لمطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بثمن، وفي نسخة بنماء، وفي نسخة بمال ولو بمؤجل بعضه، الطرف الثاني أن يصرح بقدر ما يربحه وهذا ممنوع عندهم وهو قوله بخلاف اشترها لي بعشرة نقدًا وآخذها باثني عشر لأجل، ولزمت الآمر إن قال لي وفي الفسخ إن لم يقل لي أو إمضائها ولزومه الاثني عشر، قولان، والوساطة هي أن يوميء بالتربيح من غير تصريح، ففي هذه الحالة يكره العقد ولا يفسخ، وفي هذا يقول: وكره خذ بمائة ما بثمانين أو اشترها ويوميء بتربيحه ولم يفسخ.
والمالكية يركزون على سد باب الحيل، كل ما فيه حيلة على الربا، فإذا كان الآمر بالشراء يحتال على دفع القليل في الكثير فهذا ممنوع عندهم، وإذا كان إنما أراد مساعدته على الحصول على سلعة لا يمكنه شراؤها في الوقت الحاضر فطلبها من بنك أو مورد ووعده أنه سيشتريه له ووعده الآخر أنه سيشتريها منه لا على معنى المعاملة في النقود والمتاجرة بها فهذا من الأمور التي لا تخرج عن أنظار المجتهدين، ومحط الخلاف هو يجوز الأخذ بالأرفق والأوسع فيها، في هذا العصر الذي تكالبت عليه فينا قوى الشر ولم نصبح قادرين على إيجاد ذلك الاستقلال الإسلامي الخالص، والذي صدق علينا فيه قول رسول الله ﷺ : - إن صح- ((يوشك أن ياتي على الناس زمان من لم يأكل فيه الربا ناله من غباره)) فنحن نريد أقل الشرين وأخف الضررين لا نريد أن نحرج الناس وفي هذا المعنى قال الإمام مالك رحمه الله تعالى عندما سئل عن جبن الروم، قال: هم قوم كفار ويجيئونه بأنفحة الخنزير، وما أحب أن أحرم على الناس معايشهم وشكرًا.
стр. 6088
الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
استدل كثير من الإخوة في أحاديثهم بالآيات القرآنية التي توجب الوفاء بالعقود والوفاء بالعهود وبالأحاديث النبوية التي تؤيد هذا أيضًا، والواقع أن هذا الاستدلال في قضيتنا هذه غير وارد، أعني في قضية بيع المرابحة للآمر بالشراء على الإلزام، وهذه هي النقطة التي سأركز عليها لأن هذه الآيات كلها والأحاديث ليست على عمومها وإنما هي من العام الذي أريد به الخاص، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: (٢٧٥) ] الله لم يحل كل بيع وإنما هناك أحاديث وآيات منعت بعض البيوع، فكلمة البيع هنا عام أريد به الخاص وكذلك ما جاء في كلمة التجارة ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فهذه الآية لا تصلح دليلًا على ما نحن بصدده وإنما هي دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم –الأصل في العقود بدلًا من الأشياء- الأصل في العقود والشروط الإباحة وهي قضية خلافية كما تعلمون لكن هذا هو الذي أرجحه وهو ما استقر عليه آراء المتأخرين من الفقهاء، الأصل في العقود والشروط الصحة والإباحة ما لم يقم دليل على المنع.
فهذه الآيات تصلح دليلًا على هذا، ونقبلها من القائلين بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء على الإلزام، نقبلها منهم لكن نرد عليهم بأن دليل المنع قائم، ودليل المنع هذا أجمع عليه الفقهاء المتقدمون، لم أجد فقيهًا واحدًا من المتقدمين أجاز هذه الصورة من البيع على الإلزام، فإن أبوا هذا وقالوا: لا نقبل أقوال المتقدمين ونحن لنا رأينا ونريد النص من القرآن والسنة، كما ثبتت هذه القاعدة من القرآن والسنة، نقول لهم: المتقدمون لم يقولوا هذا الكلام اعتباطًا وإنما بنوه على دليل قوي وسأعتمد على دليل واحد وهو حديث حكيم بن حزام ((لا تبع ما ليس عندك)) وقالوا: وهذا هو ما يقتضيه المنطق إن هذه المبايعة وقد سمعتم نصوصها الكثيرة في مذاهب المالكية وفي غيره، لا أريد أن أعيدها، قالوا: إن هذه المبايعة أو المواعدة إذ كانت على الإلزام من الطرفين فلا فرق بينها وبين بيع الإنسان ما ليس عنده، وسمعتم الأدلة التي اعتمد عليها الشافعي، كلهم متفقون على هذه العلة وهي أنها إذا جازت تؤول إلى أن هذا الشخص قد باع ما ليس عنده، فإذا قال شخص لآخر: أعدك بأن أبيع لك سلعة كذا وهي ليست عنده – الفرض أن السلعة غير موجودة عنده- أعدك بأن أبيع لك سلعة كذا بألف جنيه، وقال له الآخر: أعدك بأن أشتريها، وقلنا إن هذا ملزم وتحايلنا بأن هذين المتواعدين سينشئان عقدًا عندما يمتلك السلعة، ماذا فعلنا؟ هل كونهما سينشئان هذا العقد يغير من الواقع؟ وبخاصة عند من يقول إنه إذا نكل أحدهما يلزم ويأمر القضاء بالتنفيذ فإن لم ينفذ فعليه التعويض، أقول لهم: ما الفرق بين هذا ولم هذه اللفة؟ لم لا يقول له من أول الأمر بعتك سلعة كذا بمبلغ كذا، ويقول له الآخر: قبلت؟ ما الفرق في النتيجة بين هاتين الصورتين؟ هما واحد من غير شك، والذين يقولون –الأخ الشيخ أحمد قال- إن هذا في الغرب والناس يريدون ابتياعه، أقول أن هذه الصورة جائزة في القوانين جميعًا، القوانين العربية الموجودة الآن جائزة فيها ويسمونه بالوعد بالبيع ويشترطون فيه ما يشترط في البيع تمامًا ولا يطالبون بتجديد عقد، وهذا هو المنطق، لم؟ إذا كانا هما ملزمين بأن ينشئا هذا العقد على الصفة التي تواعدا عليها، فلم ينشئان العقد مرة أخرى؟ هذا عبث.
стр. 6089
ولذلك أنا قلت في بحثي وطالبت بأن يبحث المجمع حديث حكيم بن حزام ((لا تبع ما ليس عندك)) فإذا كانت الصورة التي تتعامل بها البنوك ينطبق عليها هذا الحديث فلا مفر لنا من القول بعدم اللزوم ولا نستطيع أن نقول باللزوم، أما إذا استطعنا أن نوجد مخرجًا وتفسيرًا وقد كتبت في بحثي وهذا تفسير قديم ذهبت إليه وقلت: إن بيع الاستيراد المتعارف بين التجار لا يدخل في بيع ما ليس عندك، وبهذا يكون جائزًا مع أن السلعة غير موجودة عند التاجر، وهذا هو المتعارف في الأسواق الآن، لكن عندما جئنا إلى موضوع البنوك وهيئات الرقابة لم أفت بهذا الرأي في هيئة الرقابة، وطبقت رأي الجمهور وهو ما يقول به جميع الذين تحدثوا عن الإلزام، هم مسلمون بأن هذه الجزئية تدخل في بيع ما ليس عندك، ومع ذلك يريدون أن يجعلوا الوعد ملزمًا، في هيئة الرقابة في السودان لم نجز هذا، ورفضنا الإلزام كما قلت لكم، وقلنا بعدم الإلزام بالنسبة للمشتري بالنسبة لطالب السلعة، وقد تساءل بعض الأخوان واعترض على كيف يكون الإلزام من جانب ولا يكون من الجانب الآخر؟ أقول إن هذا هو الذي يخرج هذه الصورة من بيع ما ليس عندك، لأن المسألة فيها خيار، وسينشأ عقد جديد حقيقي برضا الطرفين، لأن أحدهما مخير لا يلزم أن يكون الاثنان، مادام أحدهما مخيرًا فقد خرجت المسألة من أن تكون من بيع ما ليس عند الإنسان، وقلت إن هذه المسألة وبخاصة عند المالكية –أما الشافعية فقد نص عليها صراحة، بل هو جعل للآمر الخيار من غير شرط، ولو رجعتم إلى عبارتي- عند المالكية وإن كانت عبارتهم مطلقة أو عامة وليس فيها إعطاء خيار لأحد الطرفين، وإنما فيها المنع إذا التزم الطرفان، وقلت إن تخريج إعطاء الخيار لأحد الطرفين على مذهب المالكية مفهوم واضح، لأن المالكية يقولون مثلًا في بيعتين في بيعة: هذه لا تجوز، إذا قال له بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا وبخمسة عشر إلى أجل وافترقا على ذلك بأن ألزما أنفسهما هذا، وهذه هي الصورة التي لا تجوز في بيعتين في بيعة، لكنهم قالوا: إذا جعل البائع الخيار للمشتري جاز ذلك، كذلك في بيع العين الغائبة قالوا لا تجوز من غير صفة ولا رؤية متقدمة إذا كانت على الإلزام –إلزام الطرفين- أما إذا جعل للمشتري الخيار فهي جائزة لأن له أن ينشئ العقد وله أن لا ينشئ، فهذا هو الفرق بين الحالتين.
стр. 6090
هذا الموضوع فعلًا بحث في مناسبات متعددة والقول بأنه لا جديد فيه هو الجديد فيه، بزيادة الحجج وزيادة المؤيدين، هذا الموضوع عندما بحث في أول الأمر كان المؤيدون حوالي ثمانين في المائة، وابتدأ يتناقص المؤيدون للإلزام، وأرجو أن ينتهي هذا القول بالإلزام في مجمعنا هذا إلى لا شيء وأن يقع الإجماع على أنه جائز إذا لم يكن ملزمًا للطرفين إلى أن يتمكن المجمع من بحث ما يدل عليه حديث حكيم بن حازم ((لا تبع ما ليس عندك)) فعند ذلك نصل إلى تفسير لهذا الحديث وهو في رأيي قد يكون موجودًا فيريحنا من هذه التي أنا أعتبرها حيلة إذا قلنا بالإلزام، وشكرًا.
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد مر على مسامعكم وقرأتم ما يتعلق بالوفاء بالوعد، وأما أكثر المداولات التي جرت هنا على أن الوفاء بالوعد غير لازم في المعاوضات وهذا ما عليه أكثر الباحثين وعليه عامة الفقهاء.
وأما ما يتعلق ببيع المرابحة، فتعلمون أن لها صورًا ثلاثًا يمكن التعامل بها، اثنتان قد يبدو أن الأولى منهما لا إشكال في إباحتها، والثانية إباحتها محتملة جدًا، وأما الثالثة التي سواء قلنا أنها تنبني على وعد ملزم أو أنها تنبني على الإلزام السابق ببيع لاحق، فالإخوان المقرر ومن سيؤلفون لوضع القرار في هذا الموضع مشاركون وسمعوا ما جرى في هذا الموضوع من مداولات والاتجاه العام حول ذلك، فأرى تأليف لجنة من المقرر الأستاذ سامي والمشايخ الآتية أسماؤهم: الشيخ نزيه والشيخ العاني، والشيخ علي السالوس، والشيخ الصديق الضرير، والشيخ محمد الاشقر، هل ترون هذا مناسبًا؟
نرفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد..
стр. 6091
ويوصي المؤتمر:
أولًا: في ضوء ما لاحظه من أن أكثر المصارف الإسلامية اتجه في اغلب نشاطاته إلى التمويل عن طريق المرابحة للآمر بالشراء، حتى كاد بعضها أن يقتصر على هذا النوع من المعاملات، والمأمول أن يشمل نشاط المصارف الإسلامية بقية أساليب تنمية الاقتصاد عن طريق إنشاء المشاريع الصناعية أو التجارية بجهودها الخاصة أو عن طريق المشاركة والمضاربة مع أطراف أخرى.
ثانيًا: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق (المرابحة للآمر بالشراء) لدى المصارف الإسلامية لوضع أصول تعصم وقوع الخلل في التطبيق وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر بالشراء.
الرئيس:
نعم.. قرر.. "من أولًا"..
مناقش:
يوصى المؤتمر في ضوء هذا:
أولًا:..
الرئيس:
لا.. لا دعونا أولًا يا شيخ.. قرر أولًا أن بيع..
الأمين العام:
أنا قبل هذا –سيدي- عندنا الموضوعان (الوفاء بالوعد) و (المرابحة للآمر بالشراء) إذن يكون القرار رقم (٣) و (٤) ونأخذ كل واحد على استقلاله.
الرئيس:
لا.. لا. نحن يا فضيلة الشيخ في أثناء المناقشة لعلكم تذكرون، قلنا إن بحث (الوفاء بالوعد) هو مدخل لبحث (المرابحة) لم يبحث لذات الموضوع، فطالما أنه ليس لذات الموضوع فإذا رأيتم يبقى على ما هو عليه لكن قد –مثلًا- يرى الأخوان على أن ما صدر من القرار يقدم ما في (الوفاء بالوعد) على (المرابحة) في نفس الصياغة.
стр. 6092
الدكتور عبد الستار أبو غدة:
لكن هنا (بيع المرابحة) هو الذي يفهم به الوعد، لأن الوعد ليس المراد الوعد مطلقًا..
الرئيس:
المهم اقرأ أنت الفقرة الأولى ونستمر إن شاء الله.
الدكتور عبد الستار أبو غدة:
قرر:
أولًا: إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض فيما يجب القبض فيه، هو بيع جائز شرعًا، طالما كانت تقع على المأمور مسئولية الهلاك قبل التسليم.
مناقش:
نقول التلف.. بدل الهلاك التلف، هذه عبارة أفضل.
الرئيس:
هذا صحيح.. طالما كانت تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم.
أبو غدة:
وتبعة الرد بالعيب الخفي بعد التسليم. .
стр. 6093
الشيخ البسام:
الأحسن نقول: وتبعة الرد بالعيب الخفي، لا تكفي هذه، هناك أشياء ثانية يحصل فيها الرد، التدليس، الغبن، الشكل نقول: ونحوه إذا أردنا أن نقتصر على هذا.
الرئيس:
وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد.
مناقش:
ونحوه نعم ونحوه، فيها شيء كثير.
الدكتور/ طه العلواني:
لكن لو سمحتم تكون بدل (طالما) بشرط أن تقع على المأمور.
الدكتور/ عبد اللطيف الفرفور:
أرى أن نتابع فضيلة الشيخ البسام ونقول: وتبعة نحو الرد، فقط كلمة نحو، نزيد كلمة (نحو) .
الرئيس:
وتبعة الرد.. الرد ليس له نحو، النحو للعيب يا شيخ.
الفرفور:
وتبعة ما هو.
الرئيس:
لا، وتبعة الرد بالعيب ونحوه.
الفرفور:
ونحوه.
стр. 6094
الرئيس:
نعم في العيب الخفي، ونحوه بعد التسليم، يعني لعلها تناسب.
الشيخ المختار:
بعد الخفي ونحوه.
الدكتور/ طه العلواني:
لكن لو وضعنا بدل (ظلما) بشرط، يعني جعلناها شروط هذه الثلاثة.
الرئيس:
صحيح.. (وحصول القبض فيما يجب القبض فيه هو بيع جائز شرعًا بشرط أن تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم) ، مناسب؟
الدكتور/ طه العلواني:
نعم.. نعم.. نعم.
أبو غدة:
أولًا: إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور وحصول القبض فيما يجب القبض فيه، هو بيع جائز شرعًا، بشرط أن تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم.. ما..
الشيخ البسام:
"فيما يجب القبض فيه" لا شيء الآن لا يجب القبض فيه لكن القبض يختلف بحسب المبيع.. وإلا ما في شيء يباع حتى يقبض، لكن القبض يختلف.
الرئيس:
يا شيخ عبد الله، هذا صحيح لكن أنا يظهر لي لو قال: وحصول القبض، إما أن يقال المعتبر شرعًا أو كل شيء بحسبه أو.. نعم.
أي نعم، أو حصول القبض الشرعي، كفى حتى يعم. لأنه ما هناك يعني مثل ما تفضل الشيخ (بحصول القبض الشرعي) .
الشيخ المختار:
لا.. لا عندنا المنهي عنه: بيع الطعام قبل قبضه، أما بقية المذاهب واحد فلا نحكم المذهب هنا.
الدكتور/ عبد الستار أبو غدة:
العقار يباع قبل القبض.
стр. 6095
الشيخ المختار:
في مذهب مالك يباع الطعام قبل قبضه، فقط.
الرئيس:
المهم أن القبض –كما تعلمون- إما أن يكون بالتخلية، قد يكون بالتخلية والتخلية هي قبض، فإذا قلنا يجب القبض فيه، يكون لها يعني..
أبو غدة:
تنظيم.
الرئيس:
مفهوم، ما هو توضيح هذا.. هذا مفهوم مخالفة، لكن لماذا لا نقول: "وحصول القبض الشرعي"؟
الشيخ البسام:
نعم.. أحسن.
الرئيس:
يكفي وننتهي.
مناقش:
أنا ما أتكلم عن مذهب معين أبدًا.
الرئيس:
نحن –بدون مؤاخذة- المذهبية انتهت هنا في القرارات، المسألة دليل من الكتاب والسنة، ما في إشكال جزاكم الله خيرًا. .
следующие страницы →