واقعات مسألة تغير العملة:
إن وقائع الأحداث التي تتكرر وتتجدد أو تستجد تحتاج إلى أحكام فقهية تضفي عليها الوصف الشرعي، لقد تكفل الشرع الحنيف بإعطاء كل واقعة في المجتمع الإسلامي حكما شرعيا من التحريم، أو الكراهة، أو الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وهذه الأحكام أما مستندها الأدلة المتفق عليها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أو الأدلة المختلف فيها، من الاستحسان أو المصالح المرسلة أو قول الصحابي أو عمل أهل المدينة وما إلى ذلك من الأدلة المختلف فيها، أو بالرجوع إلى القواعد الفقهية والأصولية المعتبرة من قواعد الضرورات وقاعدة التيسير وما إلى ذلك.
وفي ظل هذا الرصيد الوافر من الأدلة الحاكمة لم يواجه فقهاؤنا مسألة عابرة، أو معضلة شائكة إلا وكان لها وصف شرعي ضابط من الحظر أو الإباحة.
وإن مسألة تغير العملة كانت إحدى واقعات المسائل التي طرأت على واقع الفقه الإسلامي في عصور متفرقة، وكانت هذه الواقعات تصغر أحيانا، وتكبر في أحيان أخرى، ويلحظ أن هذا مرتبط بمدى تطبيق الأحكام الشرعية في واقع المجتمع المسلم، ومدى التزامه بقواعد الأحكام، خصوصا في مسائل البيوع الجائز منها والمنهي عنه، فكلما كان التطبيق شاملا تاما ندر أن تقع هذه الواقعات، وإن وقعت فحالات فردية، لا تشكل ظاهرة اقتصادية تترك آثارا عامة على المجتمع المسلم، وكلما كان التطبيق الشامل متخلخلا، ومتفاوتا بين فترة وأخرى، فإن ضغوطات التصورات وواقع المجتمعات غير الإسلامية التي قد يكون له تفوق اقتصادي، يبدأ ثقله بالضغط لإيجاد واقع يتجاوب وصفة واقع هذه المجتمعات.
ولذا فقد ظهرت هذه المشكلة باعتبارها قضية اقتصادية اجتماعية في العصور المتأخرة للدولة الإسلامية. وأما من قبل فلم تعد كونها فردية جزئية، وإن توسعت فمحلية قطرية ويكون حلها حينئذ تبعا لها فرديا أو محليا.
стр. 6127
وبطريق التتبع يمكن أن نسجل هنا بعض الوقائع التي حدثت في التاريخ الإسلامي، بقصد أن نقف على طريق نظر الفقهاء لهذه القضية، وصفة الحكم الذي انقدح في أذهانهم فعبروا عنه.
أما في عصر النبي ﷺ فما نكاد نرى لموضوع تغير العملة حدثا يطابق صورته المعروفة اليوم، وإنما نجد بعض الوقائع التي هي من باب الصرف الجائز وهو اقتضاء أحد النقدين من الآخر، فيكون صرفا بعين في الذمة في قول أكثر أهل العلم، فقد روى أبو داود، والأثرم في سننهما عن ابن عمر ﵄،، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطى هذه من هذه، فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة ﵂، فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ فقال: رسول الله ﷺ ((:لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء ")) .
стр. 6128
قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر إلا أصحاب الرأي: أنه يقضيه مكانها ذهبا على التراضي، قال: لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس، كما لو كان العوض عرضا، وروي عن ابن عمر ﵄ (أن بكر بن عبد الله المزني ومسروقا العجلي سألاه عن كرى – أي أجير – لهما له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير؟ فقال ابن عمر ﵄: أعطوه بسعر السوق) (١) .
ووجه اتصال هذا بموضوع تغير العملة هو: أن ابن عمر ﵄ كان يأخذ بدل الدنانير دراهم أو بدل الدراهم دنانير، وقد يكون حالا أو مؤجلا، وفي الأجل قد يتغير سعر الصرف أي قيمة ما دفع أولا يوم البيع عن يوم الأداء، فبين النبي ﷺ أن يأخذ بسعر يوم الأداء وبشرط التقابض في المجلس، وقول النبي ﷺ : ((وبينكما شيء)) أي غير مقبوض والواو للحال. قال الخطابي: "واشترط أن لا يتفرقا وبينهما شيء، لأن اقتضاء الدراهم عن الدنانير صرف، وعقد الصرف لا يصح إلا بالتقابض" (٢) .
ولا يخفي أن نسبة التغير بين الدراهم والدنانير يومها كان طفيفا لا يصل حد الغبن لتعاملهم بالذهب والفضة عينا، وقيمتهما تكاد تكون ثابتة على مر العصور التي كان الذهب والفضة فيها عملة الناس المتداولة.
стр. 6129
وأما في العهود اللاحقة لعهد النبوة، فقد تكرر السؤال عنها خصوصا في عهود الأئمة الأربعة، والمدارس الفقهية في الحجاز والعراق ومصر والشام، مما يدل على ظهور هذه المسألة بين الفينة والأخرى، ويظهر أن هذه المسألة قد ازداد وقوعها عندما شاع استخدام الفلوس والتعامل بالدراهم والدنانير المغشوشة. وفي كل هذه العهود لا تكاد هذه المسألة تعدو كونها مسألة واقعات فردية، وبتغير في السعر طفيف إلا أن الفترات التي شكلت فيها هذه المسألة قضية أو مشكلة ظاهرة في المجتمع الإسلامي فهي في فترات متأخرة، وفي ذات الوقت في ظروف اضطراب سياسي كالحروب المسببة لإشكالات اقتصادية حادة قد تتفاوت فيها الأسعار وقد تقل القوة الشرائية وقد تضعف لارتباط الأسعار بالعرض والطلب. ولعل أول تغير للعملة كان سنة أربع وسبعين في عهد عبد الملك بن مروان حين أمر بضرب النقود في العراق، وقد كانت الدنانير ترد رومية والدراهم كسروية، فغيرها إلى عملة إسلامية (١) .
стр. 6130
وقد ظهرت مشكلة تغير العملة باعتبارها مشكلة اقتصادية عامة في فترات عديدة من التاريخ الإسلامية ففي القرن الخامس الهجري يذكر الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي ٩١٤ هـ: أنه قد نزل ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كان ضربها القيسي وبلغت ستة دنانير بمثقال ونقلت إلى سكة أخرى كان صرفها ثلاثة دنانير للمثقال، فالتزم ابن عبد البر يوسف بن عبد الله القرطبي ٣٦٨ (هـ –٤٦٣ هـ) السكة الأخيرة. ثم قال: وأفتى أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤٠٣ هـ – ٤٧٤ هـ) أنه لا يلزم إلا السكة الجارية حين العقد (١) .
وقال الونشريسي أيضا: (سئل ابن الحاج (وهو محمد بن أحمد التجيبي ٤٥٨ هـ – ٥٢٩ هـ) عمن عليه دراهم، فقطعت السكة، فأجاب: أخبرني بعض أصحابنا: أن ابن جابر (٢) (وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن جابر) فقيه إشبيلية قال: نزلت هذه المسألة بقرطبة أيام نظري في الأحكام، ومحمد بن عتاب (وهو أبو عبد الله القرطبي) حي ومن معه من الفقهاء، فانقطعت سكة ابن جهور (محمد بن جهور ٣٩١هـ – ٤٦٢ هـ) بدخول ابن عباد (محمد بن عباد بن محمد اللخمي ٤٣١هـ – ٤٨٨هـ) سكة أخرى) (٣) .
стр. 6131
وفي القرن السابع الهجري، قال الذهبي في تاريخه: في سنة اثنين وثلاثين وستمائة أمر الخليفة المستنصر بضرب الدراهم الفضة يتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير أحضر الولاة والتجار والصيارفة، وفرشت الانطاع، وأفرغ عليها الدراهم، وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمعاملتكم بهذه الدراهم عوضا عن قراضة الذهب، رفقا بكم وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوية، فأعلنوا بالدعاء، ثم أديرت بالعراق، وسعرت كل عشرة بدينار، فقال الموفق أبو المعالي بن أبي الحديد الشاعر في ذلك:
لا عدمنا جميل رأيك فينا
أنت باعدتنا عن التطفيف
ورسمت اللجين حتى ألفناه
وما كان قبل بالمألوف
ليس للجمع كان منعك للصر
ف ولكن للعدل والتعريف
(١) .
ويبدو أنها كانت بلوى عامة في عهد الإمام ابن تيمية ٦٦١ هـ – ٧٢٨ هـ، وهو عهد كثير القلاقل والاضطرابات، وإجابته وتفصيله في الموضوع يوحي بعموم القضية. كما سيتبينه بعض النصوص لاحقا.
стр. 6132
وفي القرن الثامن الهجري يقول ابن كثير في تاريخه: في سنة ست وخمسين وسبعمائة: رسم السلطان الملك الناصر حسن بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه، وجعل كل أربعة وعرشين فلسا بدرهم، وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم.
ويتحدث ابن حجر عن أحداث سنة ست وسبعين وسبعمائة عن الغلاء وتغير أسعار السلع وما تبع ذلك فيقول: لما وقع الفَنَاء في هذه السنة بلغ ثمن الفروج خمسة وأربعين والفرخة خمسين، والرمانة عشرة، والبطيخة سبعين، وينقل السيوطي عن ابن حجر أيضا: بأنه قد بيع الأردب من القمح بمائة وخمسة وعشرين درهما نقرة، وقيمتها إذ ذاك ست مثاقيل ذهب وربع، قال السيوطي: وهذا على أن كل عشرين درهما مثقال، وقال ابن حجر أيضا: في هذه السنة، غلا البيض بدمشق، فبيعت الحبة الواحدة بثلث درهم من حساب ستين بدينار، وهذا أيضا على أن كل عشرين درهما مثقال. ثم ارتفع الفناء وتراجع السعر إلى أن بيع أردب القمح سعر سبعين، وفي آخر هذه السنة إلى عشرين (١) .
стр. 6133
وفي القرن التاسع الهجري في عهد الإمام جلال الدين البلقيني (وهو ابن رسلان البلقيني ٧٩١هـ – ٨٦٨ هـ) يقول السيوطي في رسالته التي خصصها لموضوع تغير العملة والتي سماها " قطع المجادلة عند تغيير المعاملة ": وتكلم في ذلك قاضي القضاة جلال الدين البلقيني: (نقلت من خط شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام علم الدين البلقيني ﵀ قال في فوائد الأخ شيخ الإسلام جلال الدين وتحريره ما قال: اتفق في سنة إحدى وعشرين وثمنمائة عزة الفلوس بمصر وعلى الناس ديون في مصر من الفلوس وكان سعر الفضة قبل عزة الفلوس كل درهم بثمانية دراهم من الفلوس ثم صار بتسعة، وكان الدينار الإفلوري بمائتين وستين درهما من الفلوس، والهرجة بمائتين وثمانين، والناصري بمائتين وعشرة وكان القنطار المصري ستمائة درهم فعزت الفلوس ونودي على الدرهم بسبعة دراهم، وعلى الدينار بناقص خمسين فوقع السؤال: عمن لم يجد فلوسا، وقد طلب منه صاحب دينه الفلوس فلم يجدها، فقال: أعطني عوضا عنها ذهبا أو فضة بسعر يوم المطالبة ما الذي يجب عليه؟) (١) .
стр. 6134
وفي ظل الدولة العثمانية وخصوصا في أواخر عهدها تغيرت قيمة العملة أكثر من مرة، وقد كان النقد المتداول في جميع البلدان العربية في آسيا تقريبيا، يخضع قبل الحرب العالمية الأولى إلى الحكم العثماني، وبالتالي كان النقد المتداول فيها هو النقد العثماني بالدرجة الأولى. فكانت في أواخر القرن التاسع عشر الليرة العثمانية الذهبية وحدة البلاد النقدية، وذلك بعد أن خرجت الإمبراطورية العثمانية عام ١٨٨٨م عن قاعدة المعدنين واتبعت قاعدة الذهب. وكانت النقود التركية الفضية والنحاسية تستخدم في المدفوعات الصغيرة، أما المدفوعات الكبيرة فكانت تتم بالليرات الذهبية العثمانية، والليرات الذهبية الإنكليزية والفرنسية أما في أطراف الإمبراطورية فكان التداول في أنواع أخرى من النقود.
стр. 6135
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى أعلنت تركيا التداول الإجباري بالنقد الورقي الذي كان قد بدأ إصداره عام ١٨٦٢م. ولم يلق النقد الورقي التركي في يوم من الأيام قبولا من الأهالي خصوصا في الأرياف والمناطق النائية، فبقى التعامل به محدودا جدا رغم أنه كان قابلا بادئ الأمر للتحويل إلى ذهب، وقد خفت ثقة الناس في النقد الورقي أكثر خلال الحرب، وذلك نظرا للسقوط المستمر الذي تعرضت له قيمته بسبب طبعه بكميات كبيرة لتمويل نفقات الحرب (١) . وقد اضطرت الدولة إزاء المشكلات الاقتصادية والسياسية لهذا التغيير، ويبدو أن اضطراب العملة كان متكررا في عهد الخلافة العثمانية منذ قرابة القرن العاشر الهجري، وهذا الاضطراب الاقتصادي في تغير العملة، أو نقص قيمتها أدى بلا شك إلى إشكالات في البيوع الآجلة خاصة والبياعات التي تمت قبل الأوامر السلطانية، وهذا الذي تشير إليه إفتاءات الفقهاء وخاصة الحنفية منها باعتباره مذهب دولة الخلافة، ولعل أول عمل يذكر في هذه الفترة رسالة الخطيب التمرتاشي، محمد بن عبد الله بن أحمد ٩٣٩ هـ – ١٠٠٤ هـ حيث ألف رسالة سماها " بذل المجهود في مسألة تغير النقود " (٢) وقد اعتمد على هذه الرسالة من أتى بعد الإمام التمرتاشي، بل إن ابن عابدين بنى رسالته على رسالة التمرتاشي فلخصها وزاد عليها (٣) .
стр. 6136
وفي القرن الثالث عشر الهجري ألف الشيخ عبد القادر الحسيني رسالة بعنوان "رسالة في تراجع سعر النقود بالأمر السلطاني" (١) في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، فعرض هذه القضية عرضا تفصيليا على المذهب الحنفي، بدا الحسيني رسالته بما يشير إلى المشكلة حيث قال: "وبعد فلما صدر الأمر السلطاني إلى مدينة دمشق الشام ومحروسة حلب بتراجع سعر أنواع النقود الرائجة من الفضة والذهب، وكثرت وقائع الناس في البيوع والمعاملات، واضطربت مسائلهم في سائر العقود والصناعات، واختلفت الفتوى لاختلاف هذه الوقائع ..." (٢) ، إلخ.
стр. 6137
وبعد قرابة أربعة عشر عاما في ١٢٣٠هـ (١) ألف محمد أمين عابدين ١٢٥٢ هـ رسالته " تنبيه الرقود على مسائل النقود " وقد ألف ابن عابدين هذه الرسالة على مذهب الحنفية السائد في الدولة العثمانية وقد لخص فيها رسالة التمرتاشي – كما سبق التنويه – ويبدو أنه لم يطلع على رسالة الحسيني، وعن نقل له رأي الحسيني ولم يرتضه، قال في تنبيه الرقود في معرض كلامه في رخص الفلوس: "وقد بلغني أن بعض المفتين في زماننا أفتى بأن تعطي بالسعر الدارج وقت الدفع، ولم ينظر إلى ما كان وقت العقد أصلا، ولا يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشتري" (٢) .
ولعله يريد من ذلك قول الحسيني في رسالته في ذات الموضوع فالظاهر من النقول – نصا ودلالة – أنه يفتي بدفع النقود على السعر الرائج بعد الأمر، بحساب القرش بأربعين مصرية (٣) .
стр. 6138
وقد أشار ابن عابدين إلى خصوص المشكلة في عصره فقال: " وقد شاع في عرف أهل زماننا أنهم يتبايعون بالقروش، وهي عبارة عن قطع معلومة من الفضة، ومنها كبار كل واحد باثنين، ومنها أنصاف وأرباع، والقرش عبارة عن أربعين مصرية، ولكن الآن غلب تلك القطع وزادت قيمتها، فصار القرش الواحد بخمسين مصرية، والكير بمائة مصرية (١) كما أشار إلى ذلك في حاشيته حين قال: إذا رخص بعض أنواع العملة أو كلها واختلفت في الرخص كما وقع مرارا في زماننا". وقال: "اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص" (٢) .
وأشار عبد الحميد الشرواني " كان حيا ١٢٨٩ م سنة إتمام حاشيته" (٣) في حاشيته على تحفة المحتاج بشرح المنهاج تعليقا على قول المصنف" ولو نقدا أبطله السلطان: قال: " فشمل ذلك ما عمت به البلوى في زماننا في الديار المصرية من إقرار الفلوس الجدد ثم إبطالها وإخراج غيرها، وإن لم تكن نقدا" (٤) .
стр. 6139
ولعل ما ذكرناه هاهنا هو من أهم واقعات تغير العملة أو تبلدها وهو يمنح القضية وضوحا، من حيث صورتها وحجمها، لم يكن مقارنتها بوقائع الأحوال في أيامنا المعاصرة، ومن حيث الجملة فإن المبدأ نفسه وصورة التغير ذاتها، فالتغير في العملة الرئيسية المتداولة أما بتبدل العملة أو بتغيير قيمتها بالنقص، وربما اختلف حجم التعامل ونسبة التغير فحسب بين ما كان وما عليه الحال اليوم، ونظرا لهذا التقارب في الوقائع فإن ما أفتى به فقهاؤنا السابقون سيكون له دور أصيل في تحديد طريق النظر في هذه القضية، وتوضيح مواضع الإشكالات فيها وبه يتيسر استنباط الحكم بعون الله وتوفيقه.
стр. 6140
* **
المبحث الثاني
دور الدولة في استقرار العملة
مما لا شك فيه أن الإشراف التام على النقد من حيث نوعه وصفاته وإصداره وكمياته قضية هامة جدا، ولذلك فقد تكلم الفقهاء عن دور الدولة ومسئوليتها في هذا الجانب، وما ينبغي عليها أن تتخذه من إجراءات وأساليب، وفي خصوص ضرب العملة وغشها تكلم الفقهاء فيها سواء بالنسبة للأفراد أو الدولة ممثلة بالحاكم. أما بالنسبة للأفراد فإنهم قد يتدخلون فيما هو من اختصاص الحاكم، فيفتات عليه بضرب النقود، وقد كان هذا موجودا، وإن كان بشكل محدود وفي بعض فترات التاريخ الإسلامي، وهو يحمل شبهة التزوير والغش، وإن كان خالص الذهب، سواء كان في نفس العملة أو عملة أخرى لها تداول في سوق الناس.
وقد بين فقهاؤنا الحكم في مثل هذا بالنسبة للأفراد بأسلوب وقائي وعلاجي.
فقال: يكره لغير الإمام ضرب الدراهم الدنانير، وإن كانت خالصة، لأنه من شأن الإمام، ولأنه لا يؤمن فيه الغش والإفساد، ولأنه يخفي فيغتر به الناس.
وذكر الفقهاء الكراهة هنا محمول على عدم صدور قرار من الحاكم بالتزام العملة المضروبة من الدولة وحدها، ومن جانب آخر: لم تتوافر نية الغش والتزوير ممن يرب هذه العملة المساوية في قيمتها لعملة الدولة، فمن باب سد الذريعة قضوا بذلك، فإن صدر منع أو تحققت نية غش فيأخذ هذا الفعل حكم الفعل المحرم.
стр. 6141
وكذلك تكلم الفقهاء في ضوابط ضرب النقود بالنسبة للحاكم فهو قائم على مصلحة المسلمين، فلا يكون سببا في فساد أحوالهم واضطرابها، وإن غش العملة أو تغييرها أو إنقاضها كل ذلك مما يحظر على الحاكم فعله إلا في أضيق نطاق بحيث لا يؤثر على أحوال المسلمين، فلا يحملهم التزامات أكبر مما عليهم، ولا يشغل ذممهم بما ليس من قصدهم أو بسبب منهم. وأن يكون القصد من ورائه دفع مفسدة أعظم.
ولهذا قال الإمام الشافعي: "يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة للحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ((من غشنا فليس منا)) (١) ولأن فيه إفسادا وإضرارا بذوي الحقوق، وغلاء الأسعار، وانقطاع الأجلاب، وغير ذلك من المفاسد." (٢) .
وقال السيوطي: "من ملك دراهم مغشوشة كره له إمساكها بل يسبكها ويصفيها، قال القاضي أبو الطيب: إلا إذا كانت دراهم البلد مغشوشة فلا يكره إمساكها، قال في شرح المذهب: وقد نص الشافعي على كراهة إمساك المغشوشة، واتفق عليه الأصحاب لأنه يغر به ورثته إذا مات، وغيرهم في الحياة، كذا علله " (٣) .
وقال أيضا: "يكره للإمام إبطال المعاملة الجارية بين الناس لما أخرجه أبو داود عن ابن مسعود " قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجارية بينهم إلا من بأس)) . (٤) .
وقال الأصحاب: " يكره لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير وإن كانت خالصة، لأنه من شأن الإمام، ولأنه لا يؤمن فيه الغش والإفساد " (٥) .
стр. 6142
وجاء في كشاف القناع في ضرب النقد المغشوش. نقل صالح عن الإمام في دراهم يقال لها: المسبية عامتها نحاس إلا شيئا فيها فضة فقال: إذا كان شيئا اصطلحوا عليه كالفلوس واصطلحوا عليها فأرجو أن لا يكون فيها بأس، لا تغرير فيه، ولا يمنع منه لأنه مستفيض في سائر الأعصار، جارٍ بينهم من غير نكير، لكن يكره ضرب النقد المغشوش، لأنه قد يتعامل به من لا يعرفه، فإن اجتمعت عنده دراهم زيوف أي نحاس فإنه يسكبها ولا يبيعها ولا يخرجها في معاملة ولا صدقة، فإن قابضها ربما خلطها بدراهم جيدة وأخرجها على من لا يعرف حالها، فيكون ذلك تغريرا للمسلمين وإدخالا للغرر عليهم، قال أحمد: إني أخاف أن يغر به مسلما. وقال: ما ينبغي أن يغر بها المسلمين. ولا أقول: إنه حرام. قال في الشرح: فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين وكان عبد الله "ابن مسعود "﵁ يكسر الزيوف وهو على بيت المال (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ينبغي للسلطان أن يضرب لها فلوسا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم، من غير ظلم لهم، ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلا، بأن يشتري نحاسا فيضربه فيتجر فيه، ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم، ويضرب لهم غيرها، بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه، للمصلحة العامة، ويعطي أجرة الصانع من بيت المال فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل، فإنه إذا حرم المعاملة بها صارت عرضا، وضرب لهم فلوسا أخرى أفسد ما عندهم من الأموال ينقص أسعارها، فيظلمهم فيها، ظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها.
стр. 6143
ثم بنى ابن تيمية المسألة على نهي النبي ﷺ وسدا لذريعة الظلم والإفساد.
فقال: وأيضا فإذا اختلفت مقادير الفلوس: صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارا فيصرفونها، وينقلونها إلى بلد آخر، ويخرجون صغارها فتفسد أموال الناس، وفي السنن عن النبي ﷺ ((أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس)) . فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس، ولم يشتر ولي الأمر النحاس والفلوس الكاسدة ليضربها فلوسا ويتجر بذلك: حصل بها المقصود من الثمنيه (١) .
وقد قرر جمهور الفقهاء العقوبة التعزيزية لمن يغير سكة المسلمين بأن يضرب على غير سكتهم، فيفتات على الحاكم بفعله، أو بغش العملة، ومن خالف في ذلك من الفقهاء نظر إلى عدم تحقق الضرر على المسلمين، فإن تحقق ضرر فلا خلاف من وجوب العقوبة، قال البلاذري: "حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز أتى برجل يضرب على غير سكة السلطان فعاقبه وسجنه".
وقال: "حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن عبد الملك بن مروان أخذ رجلا يضرب على غير سكة المسلمين، فأراد قطع يده ثم ترك ذلك وعاقبه. قال المطلب: فرأيت من بالمدينة من شيوخنا حسنوا ذلك من فعله وحمدوه، قال الواقدي: وأصحابنا يرون فيمن نقش على خاتم الخلافة المبالغة في الأدب والشهرة وأن لا يروا عليه قطعا، وذلك رأي أبي حنيفة والثوري، وقال مالك وابن أبي ذئب، وأصحابهما: نكره قطع الدرهم إذا كانت على الوفاء، وننهى عنه لأنه من الفساد وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بقطعها إذا لم يضر ذلك بالإسلام وأهله".
وقال حدثني عمرو الناقد: قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي عون عن ابن سيرين: أن مروان بن الحكم أخذ رجلا يقطع الدراهم فقطع يده. فبلغ ذلك زيد بن ثابت، فقال لقد عاقبه، قال إسماعيل يعني دراهم فارس.
стр. 6144
قال محمد بن سعد، وقال الواقدي: عاقب أبان بن عثمان وهو على المدينة من يقطع الدراهم ضربه ثلاثين، وطاف به، وهذا عندنا فيمن قطعها ودس فيها المفرغة والزيوف.
وحدثني محمد عن الواقدي عن صالح بن جعفر عن ابن كعب في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (١) . قال: قطع الدراهم.
وقال ابن جرير الطبري في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من كسر الدراهم وقطعها وبخس الناس في الكيل والوزن. وأخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد ﵁ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ . قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم قالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها وإن شئنا طرحناها
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي ﵁ قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم وهو قوله تعالى ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾
وأخرج ابن جرير أيضا وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم ﵁ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ قال: قرض الدراهم وهو من الفساد في الأرض.
وأخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حُمَيْد عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: قطع الدراهم والدنانير والمثاقيل التي قد جازت بين الناس وعرفوها من الفساد في الأرض.
وأخرجه أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال أن ابن أبي الزبير عاقب في قرض الدراهم (٢) .
وقال البلاذري: حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا يحيى بن سعد، قال: ذكر لابن المسيب رجل يقطع الدراهم، فقال سعيد: هذا من الفساد في الأرض (٣) .
стр. 6145
وقال صاحب المعيار: "ولا يغفل – أي الحاكم – النظر إن ظهر في سوقهم دراهم مبهرجة ومخالطة بالنحاس، بأن يشد فيها ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر أناله من شدة العقوبة، وأمر أن يطاف به الأسواق لينكله ويشرد به من خلفه، لعلهم يتقون عظيم ما نزل من العقوبة ويحبسه بعد، على قدر ما يرى، ويأمر أوثق من يجد بتعاهد ذلك من السوق، حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم، ويحرزوا نقودهم فإن هذا أفضل ما يحوط رعيته فيه، ويعمهم نفعه في دينهم ودنياهم ويترجي لهم الزلفى عند ربهم والقربة إليه إن شاء الله " (١) . وواضح من كلام الفقهاء: أن نظرهم في قضية تغير العملة أو غشها من حيث هو فعل يرتب عليه حكم شرعي، أن هذا الفعل يدخل في دائرة الحظر من حيث أصله، سواء بالنسبة للأفراد وهو حينئذ أشد حظرا، لأنه يدخل في دائرة الضرر العام، وقد يكون من الإفساد في الأرض فتلزم عقوبة المتسبب به سدا للذريعة.
وكذا إن كان تغيير العملة بالغش فيها من الدولة، فالأصل فيه الحظر، وخلافه استثناء فيتقيد بتحقيق مصلحة عامة، أو بقصد احتمال مفسدة أقل في سبيل دفع مفسدة أكبر، فلا تكفي حينئذ الحاجة المحتمل إهدارها، فإن كانت حاجة ملحة يترتب على تركها فوات مصالح عامة راجحة، جاز مع مراعاة ثابت الحقوق والالتزامات بالقدر الذي لا يحمل الناس فوق ما يطيقون، وإن رجح أو تيقن ضرر ومفسدة عامة في ترك التغيير، وجب حينئذ سدا للذريعة وحفظا للحقوق، وإن ترتب على ذلك تفويت بعض المصالح تبعا لقاعدة دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وأما في عصرنا الحديث فإن القواعد الفقهية التي ذكرناها والتي بنى عليها الفقهاء نظرهم في طبيعة موضوع تغيير العملة وآثارها بالغش أو غيره، تتحقق بذاتها وإنتاجها، وما ذكره الفقهاء من حكم وعقوبة يأتي هنا بتمامه، ويزاد على ذلك أنه ينبغي على الدولة أن تسترشد حين الإقدام على مثل هذا الفعل بما توصل إليه علم الاقتصاد الحديث من وسائل وتدابير وقائية للحيلولة دون احتياج الدولة إلى تغيير علمتها، والعمل على ثبات قيمة نقدها بالنسبة لغيرها من العملات الأخرى، وبالنسبة إلى أسعار السلع تجنبا للتضخم والكساد، كما يسع الدولة الأخذ بالأساليب الاقتصادية الحديثة في علاج هذه القضية إذا اضطرت إليها، وعلاج آثارها المبنية عليها. وكل ذلك مع مراعاة أصول وضوابط الاقتصاد الإسلامي في أبواب الفقه المختلفة وخاصة في أبواب البيع والصرف والربا.
стр. 6146
المبحث الثالث
تغير قيمة العملة بالغش فيها
يعتبر غش النقد بمعنى خلطه بغيره نوع تغيير لقيمة العملة سواء أكان غشا للدنانير أم الدراهم، وقد يكون من فعل الأفراد أو الدولة وتختلف نسبة الغش فيه بالنسبة للذهب أو الفضة. ولقد كان ضرب النقد مع غشه من الأفراد، أو الدولة ثم التعامل به قضية واقعة ومُقَرَّة في فترات كثيرة من التاريخ كما يفهم مما سبق.
ويبدو أن غش الدراهم والدنانير، وغيرها كالفلوس، كان متقدما في العهد. فيروي البلاذري عن عمرو الناقد: قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن، قال: كان الناس وهم أهل كفر قد عرفوا موضوع هذا الدرهم من الناس فجودوه وأخلصوه، فلما صار إليكم غششتموه وأفسدتموه، ولقد كان عمر بن الخطاب ﵁ قال: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل فقيل: إذا لا بعير فأمسك (١) .
ولقد شاعت أنواع كثيرة من النقد المغشوش، وما تكاد ناحية أو بلدة إلا ويشيع فيها نوع منها، فكان منها ما يسمى بالمبهرجة وهي: ما كان مقدار الفضة منها أقل وغشها أكثر، ولذا كان بعض التجار يردها، وبعضهم وهو المتساهل يقبلها، ومنها ما يطلق عليه الفقهاء: زيوفا وهي: المغشوشة غشا يتجوز في قبوله التجار، وكان بيت المال يردها. ومنها ما يسمى: الستوقة وهي: المغشوشة غشا زائدا (٢) ، ومنها العدالي منسوبة إلى العدل (٣) والغطارفة منسوبة إلى غطريف بن عطاء الكندي (٤) ، والدراهم البخارية وهي فلوس على صفة مخصوصة (٥) ، والطبرية واليزيدية وهما مما غلب غشه (٦) والمسببة وهي: دراهم يغلب فيها النحاس الفضة (٧) . والهروي وهو ذهب مغشوش (٨) وغيرها. وقد بنى الفقهاء أحكامهم في النقد المغشوش من حيث ضربه وتداوله على رواجه أو عدم رواجه، وعلى اعتبار الناس له واصطلاحهم عليه أو عدم اعتباره وعلى علم من يتعامل معه أو عدم علمه، وهذه كلها تأخذ عند إبداء الحكم صورة ضوابط للنقد المغشوش، وسينكشف رأي الفقهاء في النقد المغشوش عند معرفة أحكامهم الجزئية الفرعية في مسائله، وسنوضح أهم قضيتين تكلم الفقهاء في حكمهما وهما زكاة النقد المغشوش، والتعامل به في القرض والاستقراض وغيرهما.
стр. 6147
زكاة النقد المغشوش:
ذهب الشافعية والحنابلة: إلى أن الذهب والفضة إذا كانا مخلوطين بنحو نحاس أو رصاص أو نيكل، فلا زكاة فيهما حتى يبلغ ما فيها من الذهب والفضة والخالصين نصابا كاملا، سواء كان الذهب أو الفضة أكثر مما خلط به أو أقل.
وذهب الحنفية إلى أنه إذا سبك أحد النقدين بغيره، فما غلبت فضته أو ذهبه فكالخالص منهما، وكذا ما استوى فيه النقد وغيره احتياطا، ومراعاة لحال الفقراء، وإن سبك الذهب والفضة، فإن كان الذهب غالبا، فالكل في حكم الذهب الخالص، وكذا إذا استويا، لأنه أعز وأغلى قيمة، وإن كانت الفضة غالبة، وبلغت نصابا، ففيه زكاتها، وإن بلغ الذهب نصابا ففيه زكاته، وما غلب غشه ولم يكن ثمنا رائجا، تعتبر قيمته لا وزنه، فإن بلغت نصابا من أقل نقد، تفرض فيه الزكاة إن نوى فيه التجارة وإلا فلا.
وذهب المالكية: إلى وجوب الزكاة في المغشوش وناقص الوزن إن راج كل رواج الكامل في المعاملات، فإن لم ترج أصلا، أو راجت دون رواج الكاملة، حسب الخالص في المغشوش، فإن بلغ نصابا زكى، وإلا فلا، واعتبر كمال الناقص بزيادة ما يكمله، ونقل عن مالك أنه يغتفر نقص الحبة والحبتين، وعن أبي حنيفة أنه يغتفر ما دون النصف، ولا يخفي أن ما غلب غشه اعتبر من عروض التجارة فيحتاج إلى نية التجارة، وهذا ما لم يستخلص منه ما يبلغ نصابا من الفضة (١) .
стр. 6148
التعامل بالنقد المغشوش:
ذهب الفقهاء إلى جواز التعامل بالنقد المغشوش – في الجملة – على تفصيل وقيود. فذهب الحنفية: إلى جواز بيع الغالب الغش من الدراهم والدنانير، اعتبارا للغالب، فيصح بيع الغالب الغش بالخالص من الدراهم والدنانير إن كان الخالص أكثر من المغشوش، ويصح بيعه أيضا بجنسه متفاضلا بشرط التقابض في المجلس، وإن كان الخالص مثل غالب الغش أو أقل منه أو لا يدري فلا يصح البيع، وإذا راج غالب الغش لم يتعين بالتعيين وإن لم يرج يتعين به، وإن كان يقبله البعض دون البعض فهو كالزيوف لا يتعلق العقد بعينه بل بجنسه زيفا إن كان البائع يعلم حاله لتحقق الرضا منه، وبجنسه من الجياد وإن لم يعلم رضاه، واعتبر الحنفية المتساوي كغالب الخالص في المبايعة والاستقراض، وعليه فلا يجوز عندهم البيع بها ولا إقراضها إلا بالوزن فهي بمنزلة الدراهيم الرديئة، ولا ينقض العقد بهلاكها قبل التسليم ويعطيه مثلها، لأن الخالص موجود بها حقيقة ولم يصر مغلوبا، فيجب اعتبارها بالوزن شرعا إلا أن يشار إليها كما في الخالصة (١) .
وذهب المالكية إلى جواز بيع مغشوش كذهب وفضة بمغشوش مثله تساوي الغش أم لا مراطلة أو مبادلة أو غيرهما، ويجوز عندهم أيضا بيع المغشوش بالخالص على المذهب، والأظهر خلافه أي بيع المغشوش بالخالص، وأما بيعه بمثله فهذا لا خلاف في جوازه، والخلاف عندهم في المغشوش الذي لا يجري بين الناس كغيره، وإلا جاز قطعا، وشرط جواز بيع المغشوش، ولو بعرض أن يباع لمن يكسره أو لا يغش به، بل يتصرف به بوجه جائز كتحليله أو غيرهما، أما بيعه لمن لا يؤمن أن يغش به، مثله ابن رشد بالصيارفة، فيكره، وفسخ ممن يعلم أنه يغش به، فيجب رده على بائعه إلا أن يفوت بذهاب عينه أو بتعذر المشتري (٢) .
стр. 6149
وقال الشافعية: ينظر في المعاملة بالدراهم المغشوشة: فإن كان الغش فيها مستهلكا بحيث لو صفيت لم يكن له صورة، كالدراهم المطلية بزرنيخ ونحوه، صحت المعاملة عليها بالاتفاق؛ لأن وجود هذا الغش كالعدم، وإن لم يكن مستهلكا كالمغشوش بنحاس ورصاص ونحوها: فإن كانت الفضة فيها معلومة لا تختلف صحت المعاملة على عينها الحاضرة وفي الذمة أيضا، وهذا متفق عليه صرح به الماوردي وغيره من العراقيين، وإمام الحرمين وغيره من الخراسانيين، وإن كانت الفضة التي فيها مجهولة ففي صحة المعاملة بها معينة وفي الذمة أربعة أوجه: أصحها: الجواز فيها؛ لأن المقصود رواجها: ولا يضرب اختلاطها بالنحاس، كما يجوز بيع المعجونات بالاتفاق، وإن كانت أفرادها مجهولة المقدار، والثاني: لا يصح لأن المقصود الفضة، وهي مجهولة، كما نص الشافعي والأصحاب أنه لا يجوز بيع تراب المعدن؛ لأن مقصوده الفضة وهي مجهولة، وكما لا يجوز بيع اللبن المخلوط بالماء باتفاق الأصحاب والثالث: تصح المعاملة بأعيانها، ولا يصح التزامها في الذمة، كما لا يصح بيع الجواهر والحنطة المختلطة بالشعير معيبة ولا يصح السلم فيها ولا قرضها، والرابع: إن كان الغش فيها غالبا لم يجز وإلا فيجوز، والحكم في الدنانير المغشوشة كهو في الدراهم المغشوشة كما سبق ولا يجوز بيع بعضها ببعض ولا بالدنانير الخالصة، وكذا لا يجوز بيع دراهم مغشوشة بمغشوشة ولا بخالصة – وستأتي المسألة واضحة في باب الربا إن شاء الله تعالى – قال صاحب الحاوي: "ولو أتلف الدراهم المغشوشة إنسان لزمه قيمتها ذهبا؛ لأنه لا مثل لها، هذا كلامه، وهو تفريع على طريقته، وإلا فالأصح ثبوتها في الذمة وحينئذ تكون مضبوطة فيجب مثلها" (١) .
стр. 6150
وجاء في المجموع أيضا عن الدراهم المغشوشة: أنها إن كان الغش معلوم القدر صحت المعاملة بها قطعا، فإن كان مجهولا فأربعة أوجه أصحها: تصح المعاملة بها معينة وفي الذمة. والثاني: لا تصح والثالث: تصح معينة ولا تثبت في الذمة بالبيع، ولا بغيره والرابع: إن كان الغش غالبا لم تصح، وإلا فتصح وذكر هناك توجيه الأوجه وتفريعها وفوائدها، قال: أصحابنا: فإن قلنا بالصحيح وهو الصحة مطلقا: انصرف إليها العقد عند الإطلاق، ولو باع بمغشوش ثم بان أن فضته ضئيلة جدا، فله الرد على المذهب وبه قطع الجمهور، حكى الصيمري عن شيخه أبي العباس البصري: أنه كان يقول: فيه وجهان: أحدهما، هذا، والثاني: لا خيار: لأن غشها معلوم في الأصل، وحكى هذا الوجه أيضا صاحب البيان والرافعي وغيرهما (١) .
وذهب الحنابلة: إلى "جواز المعاملة بنقد مغشوش من جنسه أي لم يعرف الغش، لعدم الغرر، وكذا يجوز المعاملة بنقد مغشوش بغير جنسه" (٢) .
" وقال أحمد فيمن اقترض من رجل دراهم، وابتاع منه شيئا، فخرجت زيوفا: البيع جائز، ولا يرجع عليه بشيء" (٣) .
وقال ابن تيمية: بيع النقرة المغشوشة جائز على الصحيح، كبيع الشاة اللبون باللبون، إذا تماثلا في الصفة، أو النحاس وأما بيع النقرة بالسوداء، إذا لم يقصد به فضة بفضة متفاضلا، فإن النحاس الذي في السوداء مقصود، وهي قرينة بين النقرة والفلوس، فهذه تخرج على النزاع المشهور في مسألة " مد عجوة " إذ قد باع فضة ونحاسا بفضلة ونحاس مقصودين، والأشبه الجواز في ذلك، وفي سائر هذا الباب، إذا لم يشتمل على الربا المحرم (٤) .
стр. 6151
المبحث الرابع
تغير قيمة النقد من الدراهم والدنانير والمذاهب فيه
تمهيد:
يمتاز النقد من الذهب والفضة عن الأوراق النقدية بالاستقرار النسبي لقيمته منذ القدم؛ ولذلك لأن قيمتها راجعة إلى ذات معدنهما النفيس، وقد مضى الناس منذ القدم باعتبارهما أداة التبادل والتعامل، وسببا مقبولا لشغل الذمم وترتب الحقوق والالتزامات.
وكان الذهب ولا يزال يحتمل مكان الصدارة في الاستقرار والمحافظة عل سعره وقوته الشرائية بالنسبة للعملات الأخرى، وما قد يطرأ عليه من تغير فهو تغير محتمل يسير حتى في أشد ظروف الكساد، وتأتي الفضة في الدرجة الثانية في استقرار قيمتها النسبية، لكنها تتفاوت كثيرا بالنسبة إلى قيمة الذهب، فكان الدينار في صدر الإسلام يعادل صرفه عشرة دراهم، ولكن هذه النسبة كانت تتغير كثيرا بين فترة وأخرى، أما الأوراق المالية الاعتبارية الاصطلاحية المعروفة اليوم فإنها عرضة للتغير المستمر، كما هو الحال منذ أمد إقرار الدول التعامل بالأوراق النقدية.
وما مشكلة تغير العملة وما يترتب عليه من آثار إلا صورة واقعية لطبيعة هذه الأوراق القابلة للتغير وفقا لمتغيرات عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية.
وقد تطرق الفقهاء لموضوع تغير العملة في عدة مواضع، وفي مسائل عملية هامة، مما يقع كثيرا في التعامل بين الناس سواء أكان نقدا، دراهم أو دنانير، خالصة أو مغشوشة، أم كان فلوسا.
وأهم مسائله التي تطرقوا إليها: في القرض، والسلم، وبيع ما في الذمة، والأجرة والصداق، وبدل الغصب، والمقبوض بالبيع الفاسد، وفي الإتلاف بلا غصب، وفي إعارة الدراهم والدنانير للتزيين – على رأي من يجيزه – وما إلى ذلك.
وسنتناول فيما يلي مذاهب الفقهاء في تغير النقد إذا كان دراهم أو دنانير.
стр. 6152
مذاهب الفقهاء:
إذا ترتب على التعامل بالنقد الذهب والفضة دين سببه القرض أو البيع، ثم تغيرت قيمته وقت الأداء، لأي سبب كان، فهل يدفع ما اتفق عليه عددا، أو يدفع قيمته؟
اتفق الفقهاء: على أن الدين إن كان من الدراهم أو الدنانير، لا يلزم عند حلول أجل الدين غير ما اتفق عليه، فيؤدي بمثله قدرا وصفه سواء غلت قيمته أو رخصت، ويكاد يكون في حكم القاعدة عندهم "أن الديون تؤدي بأمثالها".
مذهب الحنفية:
قال ابن عابدين: "إذا كان عقد البيع أو القرض وقع على نوع معين منها كالريال الفرنجي مثلا، فلا شبهة في أن الواجب دفع مثل ما وقع عليه البيع أو القرض" (١) .
وقال أيضا: "إن الدراهم الخالصة أو المغلوبة الغش إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعا ولا يجب إلا رد المثل الذي وقع عليه العقد، وبين نوعه كالذهب الفلاني أو الريال الفلاني" (٢) .
وقال ذات العبارة في تنبيه الرقود ثم زاد تعليلا قوله: لأنها أثمان عرفا وخلقة، والغش المغلوب كالعدم، ثم بين أن خلاف أبي يوسف ليس جاريا في الذهب والفضة فقال:
"ولا يجري في ذلك خلاف أبي يوسف. كما سيأتي بيانه – على أنه ذكر بعض الفضلاء أن خلاف أبي يوسف في مسألة ما إذا غلت أو رخصت إنما هو في الفلوس فقط، أما الدراهم التي غلب غشها فلا خلاف له فيها" (٣) .
ونقل عن شيخه سعيد الحلبي بعد أن تكلم شيخه عن الثمن الذي غلب غشه قال: "وإذا علم الحكم في الثمن الذي غلب غشه إذا نقصت قيمته قبل القبض، كان الحكم معلوما بالأولى في الثمن الذي غلب جيده على غشه إذا نقضت قيمته، لا يتخير البائع بالإجماع، فلا يكون له سواه، وكذا لو غلت قيمته، لا يتخير المشتري بالإجماع، قال: وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جار حتى في الذهب والفضة، كالشريفي والبنقدي والمحمدي والكلب والريال، فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع فإن ذلك الفهم خطأ صريح ناشئ عن عدم التفرقة بين الفلوس والنقود ".
ثم قال ابن عابدين: وهذا كالريال الفرنجي والذهب العتيق في زماننا، فإذا تبايعا بنوع منهما ثم غلا، أو رخص، بأن باع ثوبا بعشرين ريالا مثلا، أو استقرض ذلك يجب رده بعينه غلا أو رخص. وقال أيضا: تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص، واختلف الإفتاء فيه، والذي استقر عليه الحال الآن: دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينا، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال إفرنجي أو مائة ذهب عتيق (٤) .
стр. 6153
وذهب المالكية:
إلى أنه إن بطلت الدنانير أو الدراهم، فالمشهور قضاء المثل على من ترتب في ذمته، وكذا إذا تغيرت من باب أولى.
سئل الإمام مالك:
عمن له على رجل عشرة دراهم مكتوب عليه من صرف عشرين بدينار، أو خمسة دراهم من صرف عشرة دراهم بدينار، فقال: أرى أن يعطيه نصف دينار ما بلغ كان أقل من ذلك أو أكثر إذا كانت تلك العشرة دراهم أو الخمسة المكتوبة عليه من بيع باعه إياه، فأما إن كانت من سلف أسلفه فلا يأخذ منه إلا مثل ما أعطاه.
فقيل له:
أرأيت إن باعه ثوبا بثلاثة دراهم: ولا يسمى له صرف كذا وكذا، والصرف يومئذ تسعة دراهم بدينار؟.
قال: إذا لم يقل من صرف كذا وكذا، أخد بالدراهم الكبار ثلاثة دراهم، وإن قال بثلاثة دراهم من صرف كذا وكذا بدينار فذلك جزء من الدينار، ارتفع الصرف أو انخفض.
قال محمد بن رشد: هذا كما ذكر، وهو مما لا اختلاف فيه أنه باع كذا وكذا درهما ولم يقل من صرف كذا، فله عدد الدراهم التي سمى، ارتفع الصرف أو اتضع، وإذا قال: بكذا وكذا درهما، وصرف كذا وكذا، فلا تكون له إلا الدراهم التي سمى (١) .
وعلق الرهوني على قول خليل: "وإن بطلت فلوس فالمثل" قال: ومثلها في ذلك النقد، وهذا هو مذهب المدونة وقد عول عليه غير واحد، ولم يحكوا فيه خلافا، بل صرح ابن رشد، بأنه المنصوص لأصحابنا وغيرهم من أهل العلم، وذكر جماعة الخلاف ورجحوا ما للمصنف (٢) .
стр. 6154
وسئل ابن رشد عن الدنانير والدراهم إذا قطعت السكة فيها وأبدلت بسكة غيرها ما الواجب في الديون والمعاملات والمتقدمة وأشباه ذلك؟ قال:
المنصوص لأصحابنا وغيرهم من أهل العلم ﵏: أنه لا يجب عليه إلا ما وقعت به المعاملة.
فقال له السائل: فإن بعض الفقهاء يقول: إنه لا يجب عليه إلا السكة المتأخرة، لأن السلطان قد قطع تلك السكة وأبطلها فصارت كلا شيء، فقال وفقه الله: لا يلتفت إلى هذا القول. فليس بقول لأحد من أهل العلم.
وقد استدل ابن رشد لقوله: بأنه مقتضى الكتاب والسنة فالقول بخلافه مناقضة لهما في النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، فاعتبر غير المثل من أكل أموال الناس بالباطل سواء بالزيادة أو النقص ولو لم يكن للعاقدين دخل في ذلك؛ لأنه من فعل السلطان.
ثم ساق مفارقات في هذه القضية لو قيل بخلاف ما ذكر فقال:
ويلزم هذا القائل أن يقول إن بيع عرض بعرض أنه لا يجوز لمتبايعيه أن يتفاسخا العقد فيه بعد ثوبته، وأن يقول: إن من كانت عليه فلوس فقطعها السلطان وأجرى الذهب والفضة فقط أن عليه أحد النوعين وتبطل عنه الفلوس.
وأن يقول: إن السلطان إذا أبدل المكاييل بأصغر أو أكبر، أو الموازين بأنقص أو أوفى، وقد وقعت المعاملة بينهما بالمكيال الأول، أو بالميزان الأول، إنه ليس للمبتاع إلا بالكيل الأخير وإن كان أصغر، وإن على البائع الدفع بالثاني أيضا وإن كان أكبر. وهذا مما لا خفاء في بطلانه وبالله التوفيق (١) .
وقد نص غير واحد من علماء المالكية على أن هذا هو المشهور.
وقد يقال لمفارقات ابن رشد، إنها ليست في محل النزاع إذ هو في الأثمان وما هنا ليس كذلك. وسيأتي الكلام على مقابل المشهور في كساد الفلوس.
стр. 6155
وذهب الشافعية:
إلى وجوب رد المثل في القرض وفي إبطال العملة ليس له غير ما تم العقد به، نقص أو زاد أو عز، فإن فقد وليس له مثل فقيمته.
قال الشيرازي: ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل؛ لأن مقتضى القرض رد المثلي، وقال فيما لا مثل له: وجهان:
أحدهما: يجب عليه القيمة: لأن ما ضمن بالمثل إذا كان له مثل ضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل كالمتلفات.
والثاني: يجب عليه مثله في الخلقة والصورة، لحديث أبي رافع أن النبي ﷺ أمره أن يقضي البكر بالبكر (١) .
وقال الرملي: ولو باع بنقد دراهم أو دنانير وعين شيئا اتبع وإن عز، فإن كان معدوما أصلا ولو مؤجلا أو معدوما في البلد حالًّا أو مؤجلا إلى أجل لا يمكن فيه نقله إلى البلد بشرطه لم يصح، أو إلى أجل يمكن فيه النقل عادة صح، ومنه ما فقد بمحل العقد. وإن كان ينقل إليه لكن لغير البيع فلا، وإن أطلق وفي البلد: أي بلد البيع، البيع سواء أكان كل منهما من أهلها ويعلم نقدها أو لا على مقتضى إطلاقهم نقد غالب من ذلك وغير غالب تعين الغالب.
وإن كان مغشوشا أو ناقص الوزن، إذ الظاهر إرادتهما له فإن تفاوتت قيمة أنواعه ورواجها وجب التعيين، وذكره النقد جرى على الغالب أو المراد به مطلق العوض، لأنه لو غلب بمحل البيع عرض كفلوس وحنطة تعين، ولو مع جهل وزنه وعلم من ذلك أن الفلوس لا تدخل في النقد إلا مجازا.
وإن أوهمت عبارة الشارح كابن المقري أنها منه، ويدفع الإيهام أن يجعل قوله: أو فلوس عطفا على نقد.
قال الأذرعي: ومحل الحمل على الفلوس إذا سماه، أما إذا سمى الدراهم فلا وإن راجت؛ لأن الإطلاق ينصرف من غير تعيين، ويسلم المشتري ما شاء منها (٢) .
стр. 6156
وقال الرملي أيضا: "ولو قلت أو عز وجودها في أيدي الناس فإنه لا يجب غيرها، ثم بين العلة بأنها: إمكان تحصيلها مع العزة، بخلاف ما إذا انقطعت أو انعدمت أو فقدت (١) .
وقال السيوطي: إن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقا فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس زادت قيمته أم نقصت، أما في صورة الزيادة فلأن القرض كالسلم.
وأما في صورة النقص، فقد قال في الروضة من زوائده: ولو أقرضه نقدا فأبطل السلطان المعاملة به فليس له إلا النقد الذي أقرضه، نص عليه الشافعي ﵁، فإذا كان مع إبطاله فمع نقص قيمته من باب الأولى، ومن صورة الزيادة أن تكون المعاملة بالوزن، ثم ينادي عليها بالعدد ويكون العدد أقل وزنا، أما لو تراضيا على زيادة أو نقص فلا إشكال (٢) .
وفي إبطال النقد قال النووي: "ولون أقرضه نقدا فأبطل السلطان المعاملة به فليس له إلا النقد الذي أقرضه" (٣) .
وقال الرملي: "لو أبطل السلطان ما باع به أو أقرضه لم يكن له غيره بحال: نقص سعره أم زاد أم عز وجوده، فإن فُقِد وله مثل وجب: وإلا فقيمته" (٤) .
وإذا تقررت القيمة عند الشافعية فوقتها يوم المطالبة (٥) .
стр. 6157
وذهب الحنابلة:
إلى وجوب رد المثل في القرض، والقيمة عند الإعواز.
جاء في المغنى: "إذا كان الدراهم يتعامل بها عددا، فاستقرض عددا رد عددا، وإن استقرض وزنا رد وزنا، وهذا قول الحسن وابن سيرين والأوزاعي ".
وقال في المغنى: "إن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص السعر أم غلا أو كان بحاله".
وقال أيضا: "يجب رد المثل في المكيل والموزون لا نعلم فيه خلافا" (١) .
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية: "المكيلات والموزونات يجب رد مثلها، فإن أعوز لزم رد قيمته يوم الإعواز" (٢) .
وإذا كان المقرض ببلد المطالبة تحرم المعاملة به في سيرة السلطان، فالواجب على أصلنا: القيمة، إلا فرق بين الكساد لاختلاف الزمان أو المكان، إذ الضابط أن الدين الذي في الذمة كان ثمنا فصار غير ثمن، ويجب على المقرض رد مثل في قرض مكيل وموزون يصح السلم فيه لا صناعة فيه مباحة، قال في المبدع: إجماعا، لأنه يضمن في الغصب والإتلاف بمثله، فكذا هنا، مع أن المثل أقرب شبها بالقرض من القيمة سواء زادت قيمته أي المثل عن وقت القرض أو نقصت قيمته عن ذلك، فإن أعوز المثل، قال في الحاشية: عوز الشيء عوزا من باب: عز، فلم يوجد، وأعوزني المطلوب – مثل أعجزني لفظا ومعنى – لزم المقترض قيمته أي المثل يوم إعوازه لأنها حينئذ ثبتت في الذمة ويجب على المقترض رد قيمة ما سوى ذلك أي المكيل والموزون، لأنه لا مثل له، فضمن قيمته كالغصب (٣) .
стр. 6158
المبحث الخامس
تغير قيمة الفلوس
"ومثلها الدراهم والدنانير غالبة الغش في الجملة"
تمهيد:
لقد تعددت آراء الفقهاء واختلفت فيما بينهم، وفي المذاهب الواحد حول الوصف الشرعي لتغير الفلوس، ومرجع خلافهم إلى تحديد طبيعة الفلوس، هل هي أثمان أو عروض؟ وهل يدخلها الربا في الصرف والبيع والقرض وغيرها أم لا؟ على التفصيل الذي سبق بيانه – وتبعا لهذا الاختلاف اختلف حكم الفقهاء في صور وحالات تغير الفلوس.
ويمكن حصر حالات التغير في الآتي:
الحالة الأولى: الكساد.
الحالة الثانية: الانقطاع
الحالة الثالثة: الرخص والغلاء.
الحالة الأولى – الكساد ومذاهب الفقهاء فيه:
فسر ابن عابدين الكساد: بأن تترك المعاملة بالنقد في جميع البلاد (١) .
إلا أن الفقهاء لم يلتزموا لفظ الكساد للدلالة على هذا المعنى دائما، وقد يستخدمون لفظ إبطال الفلوس، أو قطع التعامل، أو ترك المعاملة.
стр. 6159
* مذاهب الفقهاء:
المذهب الأول:
ذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كسدت الفلوس (١) بأن بطل تداولها في كل البلاد، وسقط التعامل بها، وكذا إذا انقطعت فالبيع فاسد؛ لأن الثمن بالاصطلاح، وكسادها أو انقطاعها يسقط ثمنيتها، فيجب حينئذ رد المبيع إن كان قائما، ومثله إن كان هالكا وكان مثليا وإلا فقيمته.
وذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى عدم بطلان البيع لاحتمال أن يروج ثانية، وتجب القيمة عندهما، لكن وقتها عند أبي سوف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد، وهو آخر ما تعامل الناس بها – كما ستأتي الإشارة لذلك -
فإن كان الثمن عن قرض أو مهر مؤجل فيجب عند أبي حنيفة رد مثله، ولو كان كاسدا.
جاء في البدائع: ولو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض، انفسخ عند أبي حنيفة ﵀، وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائما، وقيمته ومثله إن كان هالكا، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس.
وحجة أبي حنيفة: أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنا، لأن ثمنيتها ثبتت باصطلاح الناس، فإذا ترك الناس التعامل بها عددا فقد زال عنها صفة الثمنية، ولا بيع بلا ثمن فينفسخ ضرورة، ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عددا، ولا يلتفت إلى القيمة ههنا، لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية، وذلك مثل الدراهم قد ترخص وقد تغلو وهي على حالها أثمان.
стр. 6160
وحجة أبي يوسف ومحمد: أولا: أن الفلوس في الذمة وما في الذمة لا يحتمل الهلاك، فلا يكون الكساد هلاكا بل يكون عيبا فيما يوجب الخيار، إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس، كما إذا كان الثمن رطبا فانقطع قبل القبض.
وثانيا: أن الواجب يقبض القرض رد مثل المقبوض وبالكساد عجز عن رد المثل لخروجها عن رد الثمنية وصيرورتها سلعة، فيجب عليه قيمتها كما لو استقرض شيئا من ذوات الأمثال وقبضه ثم انقطع عن أيدي الناس.
ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما في وقت اعتبار القيمة، فاعتبر أبو يوسف وقت العقد؛ لأنه وقت وجوب الثمن، واعتبر محمد وقت الكساد، وهو آخر يوم ترك الناس التعامل بها؛ لأنه وقت العجز عن التسليم، ولو استقرض فلوسا نافقة وقبضها فكسدت فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس عددا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وفي قول محمد عليه قيمتها (١) .
وجاء في حاشية ابن عابدين والفتاوى الهندية: إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس ولم يسلمها للبائع ثم كسدت بطل البيع، والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد ويجب على المشتري رد المبيع لو قائما، ومثله أو قيمته لو هالكا، وإن لم يكن مقبوضا فلا حكم لهذا البيع أصلا، وهذا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يبطل البيع؛ لأن المتعذر التسليم بعد الكساد وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج، لكن عند أبي يوسف تجب قيمته يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد، وهو آخر ما تعامل الناس بها وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف وفي المحيط والتتمة والحقائق: ويقول محمد يفتي رفقا بالناس (٢) .
أما في الاستقراض فمذهب أبي حنيفة أنه إذا استقرض فلوسا فكسدت برد مثلها عددا اتفقت الروايات عنه بذلك، وأما إذا استقرض دراهم غالبة الغش، فقال أبو يوسف: في قياس قول أبي حنيفة عليه مثلها، ولست أروي عنه ذلك، ولكن لروايته في الفلوس إذا أقرضها ثم كسدت، وقال أبو يوسف على قيمتها من الذهب يوم القرض في الفلوس والدراهم، وقال محمد: عليه قيمتها في آخر وقت نفاقها.
стр. 6161
ووجه قول أبي حنيفة هنا: أن استقراض المثلى إعارة كما أن إعارته قرض، ويجب في استقراض المثلى رد عينه معنى، والثمنية فضل فيه إذ القرض لا يختص به، وبالنظر إلى كونه عارية يجب رد عينه حقيقة، ولكمن لما كان قرضا، والانتفاع به إنما يكون بإتلاف عينه فإن رد عينه حقيقة، فيجب رد عينه معنى، وهو المثل، ويجعل بمعنى العين حقيقة؛ لأنه لو لم يجعل كذلك لزم مبادلة الشيء بجنسه نسيئة وهو لا يجوز.
وأما عند أبي يوسف ومحمد تجب القيمة.
ووجه قولهما: أنه لما بطل وصف الثمنية تعذر ردها كما قبض، فيجب رد قيمتها كما إذا استقرض مثليا فانقطع. واختلفا في وقت القيمة – كالسابق – عند أبي يوسف يوم القبض وعند محمد يوم الكساد (١) .
وجاء في الدرر (٢) : إذا استقرض أحد نقودا غالبة الثمن أو زيوفا عندما كانت واستهلكها ثم كسدت، ففي صورة تأديتها ثلاثة أقوال:
стр. 6162
القول الأول: قول الإمام الأعظم وهو لزوم مثلها كاسدا، وعدم لزوم قيمتها، ولا يعتبر الغلاء والرخص إذا كان في بلد واحد.
القول الثاني: قول الإمام أبي يوسف وهو لزوم قيمتها يوم القبض، وهذا القول أقرب للصواب في زماننا، وقد أفتى بعض مشايخنا بقول أبي يوسف.
القول الثالث: قول محمد وهو لزوم قيمتها في آخر يوم من رواجها والفتوى عليه.
وهذا كله في الكساد إذا كان عاما في كل البلاد، أما إذا كان في بعض البلاد دون بعض، فالمنصوص عليه عند الحنفية أنه لا يبطل البيع ويخير البائع، خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف فإنه يبطل.
قال ابن عابدين: والكساد أن تترك المعاملة في جميع البلاد، فلو في بعضها لا يبطل، لكنه تتعيب إذا لم ترج في بلدهم، فيتخير البائع إن شاء أخذه، وإن شاء أخذ قيمته (١) .
وقال ابن عابدين أيضا: وفي عيون المسائل عدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع البلدان؛ لأنه حينئذ يصير هالكا ويبقى المبيع بلا ثمن، فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة فقط، فلا يفسد البيع؛ لأنه لا يهلك، ولكنه تعيب وكان للبائع الخيار إن شاء قال: اعطني مثل الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير (٢) .
وقال البابرتي في العناية تعليقا على ما نقل في عيون المسائل: قالوا: وما ذكر في العيون يستقيم على قول محمد، وأما على قولهما – أبي حنيفة وأبي يوسف – فلا يستقيم – أي يبطل البيع – وينبغي أن يكتفى بالكساد في تلك البلدة بناء على اختلافهم في بيع الفلس بالفلسين (٣) .
стр. 6163
المذهب الثاني:
ذهب المالكية في المشهور والشافعية والليث بن سعد (١) : إلى أنه إذا كسد النقد لم يكن على المدين غير السكة التي قبضها يوم العقد، وحكى عن الشافعي وجه أن البائع بتخير بين إجازة البيع بالنقد القديم أو فسخه.
جاء في شرح الزرقاني على خليل: وإن بطلت فلوس ترتبت لشخص على آخر أي قطع التعامل بها بالكلية، فالمثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل بها (٢) .
وفي حاشية الرهوني – كما سبقت الإشارة -: وإن بطلت فلوس فالمثل، هذا هو مذهب المدونة وعليه عول غير واحد، ولم يحكوا فيه خلافا، وصرح ابن رشد بأنه المنصوص – كما سبق – وذكر جماعة الخلاف، ورجحوا ما للمصنف (٣) .
وجاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: إن بطلت فلوس أو دنانير أو دراهم ترتبت لشخص على غيره فقطع التعامل بها، ومن باب أولى إذا تغيرت بزيادة أو نقص، فيجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل بها أو تغيرها (٤) .
ولم يذكر خليل ولا الدردير والدسوقي في هذا خلافا، ولعلهما وافقا المصنف في إهمال خلاف المشهور واعتباره منصوصا عليه.
وجاء في منح الجليل: ومن ابتاع بنقد أو اقترضه، ثم بطل التعامل به، لم يكن عليه غيره (٥) .
وجاء في المعيار أن أبا الوليد الباجي كان يفتي أنه لا يلزمه إلا السكة الجارية حين العقد (٦) .
стр. 6164
وجاء عند الشافعية في المجموع: ولو باع بنقد معين أو مطلق، وحملناه على نقد البلد، فأبطل السكان المعاملة بذلك النقد لم يكن للبائع إلا ذلك النقد، هذا هو المذهب (١) .
وحكى البغدادي والرافعي وجها: أن البائع بخير: إن شاء أجاز البيع بذلك النقد وإن شاء فسخه (٢) .
وفي تحفة المحتاج: ويرد وجوبا المثل في المثلي، ولو نقدا أبطله السكان، لأنه أقرب إلى حقه.
قال الشرواتي: فشمل ذلك ما عمت به البلوى في زمننا في الديار المصرية من إقراض الفلوس الجدد ثم إبطالها وإخراج غيرها وإن لم تكن نقدا (٣) .
المذهب الثالث:
ذهب الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى أن الفلوس إذا كسدت ترد القيمة.
واختلفوا في وقت تقدير القيمة، فذهب جمهور القائلين بهذا الرأي إلى أن الوقت يوم القبض، واشترط بعض المالكية أن يكون يوم القبض من النقد الرائج.
وقال محمد بن الحسن وبعض الحنابلة أنه وقت الكساد وترك المعاملة في آخر نَفاق الفلوس وفي قول عند الحنابلة وقت الخصومة.
стр. 6165
جاء في المغنى مع الشرح الكبير: إن كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها، لأنه كالعيب فلا يلزمه قبولها، ويكون له قيمتها وقت القرض سواء كانت باقية أو استهلكها، نص عليها أحمد في الدراهم المكسرة. فقال: يقومها كم تساوي يوم أخذها، ثم يعطيه، وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا، وذكر أبو بكر في التنبيه أنه يكون له قيمتها وقت فسدت وتركت المعاملة بها؛ لأنه كان يلزمه رد مثلها ما دامت نافقة، فإذا فسدت انتقل إلى قيمتها حينئذ كما لو عدم المثل. قال القاضي: هذا إذا اتفق الناس على تركها فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزمه أخذها (١) .