← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

بقي علينا أن نعرف ما مقدار الفحش في الزيادة أو النقص. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تحديد ما يوجب اعتبار الجائحة ما نصه: ... فلا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين ... والثانية أن الجائحة الثالث فما زاد كقول مالك لأنه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك لأن النبي ﷺ قال ((الثلث والثلث كثير)) . اهـ (١) . وخلاصة القول في هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قيمة عملة جرى الالتزام بها ثم أبطل السلطان التعامل بها قبل قبضها وأن جمهورهم ذهبوا إلى عدم اعتبار نقص العملة أو زيادتها وأن من التزم لآخر بنقد جرى فيه النقص أو الزيادة أنه لا يلزم غير مثله، وأن بعضهم ذهب إلى اعتبار النقص والزيادة كاعتبار منع السلطان التعامل بها في وجوب القيمة فيها، وبعضهم توسط فاعتبر النقص الفاحش والزيادة الفاحشة موجبة لأخذ القيمة ثم اختلفوا في تقدير الفحش في الزيادة والنقص فقال بعضهم إن ذلك يرجع إلى العرف والعادة وبعضهم قال إن ذلك مقدار بالثلث فما فوقه.

стр. 6337

وما جرى استعرضه في الحالات الثلاث وما في أحكامها من أقوال لأهل العلم تدور بين الاعتبار وعدمه يعطي تصورًا واضحًا إلى أن القول بربط الحقوق والالتزامات الآجلة بالأسعار موضع تحفظ بالغ في الشريعة الإسلامية. فحتى إذا ظهرت المبررات للأخذ به فإن هناك من يرفضه أخذًا بمبدأ الالتزام والاحتفاظ بقدره ونوعه وأمده طالما أن لموضوع الالتزام قيمة معتبرة وإن نقصت عن قيمتها الحقيقية وقت الالتزام. وبعد هذا يمكن أن ننتقل إلى نقاش مبررات القول بربط الحقوق الآجلة بالأسعار فنقول وبالله التوفيق وعليه الاعتماد: * أولى هذه المبررات: القول بأن الإسلام دين العدل والإنصاف، والتضخم الاقتصادي يأتي على هذه القاعدة حيث إن التضخم سبب في تكدس الثروات بأيدي قلة من الناس وتبقى الكثرة الكاثرة وهم يعانون قلة ذات اليد، وربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يحقق العدل ويقضي على التضخم. والإجابة على هذا هو التسليم بأن الإسلام دين العدل والإنصاف وأنه ضد التضخم وتجمع الثروات في أيدي قلة من الناس قال تعالى في تبرير الإنفاق على المحتاجين دون الأغنياء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) وهو يهدف من تشريعاته الصائبة إلى إشاعة المال بطرق مشروعة ومختلفة وتفتيت الثروات وإعادة توزيعها على أكبر عدد ممكن. فهو يحض على الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله غير محصورة في جهة معينة فكل طريق من طرق الخير يعتبر سبيلا لله. ويجب في الأموال حقوقًا معينة كالزكوات وحقوقًا غير معينة كالنفقات الواجبة، وفي الأثر عن رسول الله ﷺ أن في المال حقًّا سوى الزكاة.

стр. 6338

والإسلام حينما يحارب التضخم الاقتصادي فهو يحاربه بتحريمه جملة من المعاملات التجارية كبيوع الغرر والغبن والجهالة والاسترسال وبيع ما لا يملك أو لم يقبض وبيوع الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة وينهى عن تلقي الركبان وعن الاحتكار كما أنه ينهى عن التسعير ما لم توجد له أسباب تضبطه عن الظلم وينهى عن التصرف في سكة المسلمين بما يعود عليهم بالضرر فقد نهى ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، ومما يعود على المجتمعات والدول بالتضخم المتاجرة بالأثمان – العملات النقدية – اتجه كثير من علماء الإسلام ومحققيهم إلى التحذير من ذلك فقد قال الإمام الغزالي في كتابه الإحياء ما نصه: من نعم الله تعالى خلف الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما – إلى أن قال – فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكون حاكمين بين الأموال بالعدل ولحكمة أخرى ... هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء – إلى أن قال – فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما أيضًا حكم يطول ذكرها، فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود للحكم فقد كفر بنعمة الله تعالى فيهما فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم لسببه وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما إذا لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودًا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم. اهـ (١)

стр. 6339

ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه أعلام الموقعين ما نصه: فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن لنعتبر به المبيعات بل الجميع سلع – ثم ذكر أسباب فساد المعاملات ومنها اتخاذ الأثمان سلعًا فقال: " كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم – إلى أن قال – فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل تقتصد للتوصل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. اهـ (١) وجاءت المقتضيات الشرعية بتضييق دائرة التعامل بالأثمان متاجرة ومصارفة فحرمت الزيادة في الجنس الواحد وضرورة التقابض في مجلس العقد سواء اتفق الجنس أو اختلف. ولا يخفى أن في المتاجرة في النقود جملة سلبيات منها انصراف رجال الأعمال عن الإسهام في المشروعات التنموية وتجميد مدخراتهم النقدية في البنوك للمتاجرة بها فينتج عن ذلك ظهور بطالة سببها انكماش السوق الصناعية بانكماش الإنفاق عليها للمتاجرة بالنقد نفسه وصرفه عن وظيفته الأساسية: تقويم السلع وواسطة التبادل.

стр. 6340

وبهذا يتضح موقف الإسلام من التضخم وأسباب التضخم , وأنه يحارب التضخم بتشريعات في الأخذ بها حماية للمجتمع من التضخم وصيانة للأسواق التجارية عن التضخم وليس من تشريعاته تغيير الالتزامات الآجلة بنقص أو بزيادة وذلك بربطها بمؤشرات الأسعار إذ لا شك أن في هذا أثرًا عكسيًّا في اعتباره أحد عوامل الكساد الاقتصادي فإن من يلتزم بحق ففي حال الأخذ بربط الالتزام بمؤشرات الأسعار فإنه لا يدري عن ميزان التزامه ولا عن مردود حركته الاقتصادية فقد يخطط لمشروع تنموي يظهر له من مخططه توفر الثقة لديه في نجاح مشروعه إلا أن الأخذ بربط الالتزام بالأسعار قد يأتي على ما يراه ربحًا محققًا في مشروعه وهذا في حد ذاته عامل قوي في إحجامه عن القيام بذلك المشروع الذي يرى ربحه محققًا فيه إلا أنه غير مطمئن إلى تغير التزامه بما يأتي على ذلك الربح. وأما وجه اعتباره عاملا من عوامل التضخم فإن التضخم معناه ظهور سوق نقدي لا يتناسب حجمه العام مع المثمنات المتاحة من سلع وخدمات، وتغير الالتزامات الآجلة وربطها بسعر أجل سدادها وفي ظروف تقلبات اقتصادية لا تحكمها قواعد واضحة ولا تصورات جلية يعطي المزيد من مضاعفة الالتزامات وبالتالي تتيح المجال لهروب النقد إلى ما فيه ضمان نمائه وهذا يعني ظهور فئات تتكدس في أيديها الثروات وقد تكون البنوك أوضح مثال لهذه الفئات يستوي في ذلك ما تملكه أو تستودع إياه للحفظ – أو الاستثمار. وبهذا يتضح أن ربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يعتبر من عوامل التضخم المالي والانكماش الاقتصادي لا أنه عامل من عوامل محاربة التضخم.

стр. 6341

* المبرر الثاني: لا ضرر ولا ضرار، الضرر يزال، قاعدتان شرعيتان والتضخم يوجب الضرر والإضرار، وليس للدائن أو المدين سبب في هذا الضرر إلى آخر التوجيه. والإجابة عن هذا أن الضرر لا يزال بالضرر وأن الظلم لا يزال بظلم، فطالما أن المدين لم يكن له سبب في انخفاض قيمة ما التزم به والمسعر هو الله . والالتزام بالحق طالما أن الحق مثلي وفي الذمة وهو معلوم القدر والصفة وأجل الوفاء به، فإن الزيادة في قدره وطبقًا لتغير الأسعار ظلم محقق في حق من التزم به، وضرر بالغ عليه، لم يكن السبب في حصول موجبة. وإن كان موجب تغير الأسعار النقص فإن الدائن مظلوم ومتضرر من تخفيض حقه الملتزم له به قدرًا وصفة وأمدًا. ولا يخفى أن الآثار الشرعية المعتبرة والمترتبة على تغير الالتزامات بزيادة أو نقص لا تتجاوز أسبابها أطراف الالتزام فإن كانت الأسباب خارجة عن مقدورهم فلا اعتبار لها في زيادة الالتزام أو نقصه إلا بما ذكرناه من الحالات الاستثنائية. والقول بأن ربط الالتزام بتغير الأسعار يصون طرفي الالتزام من الضرر غير صحيح فالضرر على أحدهما محقق والظلم من أحدهما على الآخر واقع.

стр. 6342

* المبرر الثالث: الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (١) ، وإن من إيفاء الكيل والوزن بالقسط ربط الالتزامات بمؤشرات الأسعار. والإجابة على هذا أن الاستدلال بذلك ظاهر التعسف فيه، فليس في الآية دليل على ذلك ولو صح الاستدلال بها لكان الاستدلال بها على رفض هذا المبدأ أولى وأوضح لأن الحق إذا تعين مقداره كان من القيام بالقسط الوفاء به قدرًا ونوعًا وصفة وأجلا. قال تعالى في معرض مدح المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٢) وليس من الوفاء بالعهد والميثاق القول بتغير الالتزام طبقًا لغير الأسعار فإن الأسعار بيد الله وتغير الأسعار بالزيادة أو النقص من أسباب رزق الله الناس بعضهم ببعض، وفي الأثر عن النبي ﷺ ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) . وليس من التقسيط ولا من العدل أن يكون لي على إنسان مائة ألف ريال وعند حلول أجل سدادهما أطلب منه مائة وعشرين ألفًا لتغير القيمة الشرائية، بل إن هذه الزيادة قد لا نجد أحدًا من علماء الإسلام يعتبرها مشروعة وقد لا نجد أحدًا من علماء الإسلام لا يعتبر هذه الزيادة من الربا الصريح الجلي.

стр. 6343

* المبرر الرابع: الاستدلال على القول بمبدأ ربط الالتزام بتغير الأسعار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . وهذا الاستدلال أكثر تطرفًا وبعدًا من الاستدلال السابق على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ . فعقد جرى بين زيد وعمرو استلزم ذلك العقد حقًّا لأحدهما على الآخر هل يكون من الوفاء بهذا العقد أن يرتب على الملتزم بالحق للملتزم له به زيادة عليه أو العكس؟ لا شك أن الوفاء بالعقد يعني تأدية ما يقتضيه العقد دون زيادة أو نقص إلا فيما تراضيا عليه مما لا محذور في اعتباره شرعًا. * المبرر الخامس: إن الحنفية أجازوا أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا هو ربط تغيرات الأسعار بالالتزامات. وكم يكون ناقل هذا القول مؤكدًا لقوله لو أورد نصوصًا عن الحنفية تؤيد قوله عنهم، فإن المنقول عنهم يخالف ذلك فلقد وجد الاختلاف بينهم فيما إذا كانت الفلوس ثمنًا في الذمة ثم كسدت بانقطاع التعامل بها. قال الكاساني: " لو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ العقد عند أبي حنيفة ﵀ وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا وقيمته أو مثله إن كان هالكًا، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس كما إذا كان الثمن ربطًا فانقطع قبل القبض، ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنًا لأن ثمنيتها تثبت باصطلاح الناس فإذا ترك الناس التعامل بها عددًا فقد زال عنها صفة الثمن ولا بيع بلا ثمن فينفسخ العقد ضرورة. " اهـ (١)

стр. 6344

المبرر السادس: نفي وجود نص من الكتاب أو السنة يحرم هذا النظام، لا شك أن الدائن حينما يكون دينه مؤجلا بزمن ومعينًا بقدر فإن الزيادة على هذا المقدار بعد أن تعين تعتبر زيادة على الملتزم به بمعنى أن زيدًا من الناس له عند بكر مائة ألف ريال مدة عام وفي نهاية العام تغيرت القيمة الشرائية لمائة ألف إلى مائة وعشرين ألفًا وربط الالتزام بالأسعار يعني أن على بكر تسليم مئة وعشرين ألف ريال والله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١) ثم إن حقًّا مقداره في الذمة فإن الزيادة عليه تعتبر ظلمًا وعدوانًا على المدين، ولا شك أن النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في تحريم الظلم أكثر من أن تحصر والمطالبة بوجود نص من كتاب أو سنة على تحريم هذا النظام كالمطالبة بوجود نص على تحريم الظلم والعدوان.

стр. 6345

* المبرر السابع: القول بأن هذا النظام لا يتعارض مع قوله ﷺ : ((مثلا بمثل)) فإن القيمة الحقيقية للالتزام وقت السداد هي القيمة الحقيقية وقت الالتزام. والجواب على هذا أن العبرة بما تعين مقداره لا بما اختلفت قيمته فطالما أن ما تم الالتزام به موجود مثله فلا يجوز تغييره بنقص أو بزيادة إذا كان مالا ربويًّا وإن لم يكن مالا ربويًّا فلا يجوز إلا بتوافق الطرفين ورسول الله ﷺ هو المبلغ عن رب العالمين شرعه لعباده وله ﷺ من الفصاحة والقدرة على البيان ما لا يعجزه البيان للأمة فيما يرونه عدلا وإنصافًا ومع ذلك فقد قال ﷺ : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل يدًا بيد سواء بسواء)) فجملة مثلا بمثل المؤكدة بكلمتي سواء بسواء تعني إرادة النص وإرادة مدلوله ولو كان من العدل والإنصاف الأخذ بطريقة الالتزام بقيمته وقت السداد لبينه ﷺ ولكن أعطى نصًا صريحًا عاما شاملا في وجوب التماثل في الجنس ونصوصًا أخرى في تحريم مال المسلم وتحريم الظلم بين المسلمين. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والأمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بي فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء)) . رواه أحمد والبخاري. ووجه الاستدلال بهذا أن كلا من طرفي عقد الالتزام قد وقعا في الربا. وجه ذلك أن المستقر في الذمة مثلا مائة ريال فإذا دفع الطرف الملتزم للطرف الملتزم له مائة وعشرين ريالا فقد خالف المماثلة والمساواة في المعين قدرًا وجنسًا، فالملتزم زاد الملتزم له استزاد وبالتالي وقعا في الربا كما قال ﷺ ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء)) .

стр. 6346

* المبرر الثامن: إن إنكار هذا النظام منع للقرض الحسن. والإجابة على هذا: إن الزيادة على القرض، قرض جر نفعًا وفي الأثر مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه نهى عن قرض جر منفعة. وروي موقوفًا على ابن مسعود وأبي بكر بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس وفضالة بن عبيد ﵃. وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى، قال " قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قش فلا تأخذه فإنه ربا. ومن هذا يتضح أن الذي يقرض ألف ريال مثلا ثم يأخذ بطريق الالتزام ممن أقرض ألفًا ومائتين سدادًا للألف التي أقرضه إياها فهو أولى بالإنكار واعتبار الزيادة ربا. وإن القول بأن المقرض قرضًا حسنا يتضرر من نقص القيمة الشرائية لما أقرضه عما كانت عليه وقت الإقراض فالإجابة عن هذا أن الغرض من القروض الحسنة التقرب إلى الله تعالى بتيسير أمور عباده وفي الإقراض من الأجر عند الله ما يهون هذا النقص. فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضا مرتين إلا كان كصدقتهما مرة)) . رواه ابن ماجه. أما إذا قضى المقترض من أقرضه بما هو أكثر مما اقترضه من غير طلب من المقرض ولا تشوف فلا بأس بذلك. ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وكان عليه دين فقضاني وزادني. وفيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فقال: ((أعطوه)) )) فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنًا فوقه فقال أعطوه. فقال: أوفيتني أوفاك الله، فقال النبي ﷺ : ((إن خيركم أحسنكم قضاء ... )) . وبهذا يتضح أن إلزام الملتزم بزيادة على التزامه سواء كان قرضًا أو غيره من الربا، وأن الانتفاع من المقترض قبل سداد القرض من ذلك، وأن الوفاء بالقرض زيادة عنه من غير طلب من المقرض أو تلميح بذلك لا بأس به وأن القرض عمل إرفاقي تدعوا إليه مكارم الأخلاق واحتساب ما عند الله وبهذا يندفع القول بأن منع هذا النظام منع للقرض الحسن.

стр. 6347

* المبرر التاسع: إن هذا النظام يساعد على حصول القروض الأجنبية للبلدان الإسلامية المختلفة. والإجابة عن هذا أن روح هذا النظام هو المحافظة على القيمة الشرائية بحق الملتزم به وقت سداده، بمعنى أن صاحب الحق لا يستفيد إلا ضمان حقه عن النقص عند سداده فكيف يكون في هذا النظام إغراء للمؤسسات المالية الأجنبية بإقراض الدول الإسلامية المتخلفة؟ بل إننا نستطيع القول بأن الأخذ بهذا النظام سيضاعف الالتزام على هذه الدول المقترضة من المؤسسات المالية الأجنبية بفوائد حينما تراعى القيمة الشرائية وقت السداد فيكون على الملتزم للبنوك الأجنبية الفوائد الربوية وفرق القيمة عند ربط الالتزام بمؤشرات الأسعار. وبهذا يتضح أن هذا التبرير غير ظاهر وأن التبرير به لرد هذا النظام متجه. * المبرر العاشر: ربط تغيرات الأسعار يشبه الإضافة التي يضيفها البائع على ما يبيعه بالدين. والإجابة عن هذا تتضح بمزيد من التأمل، فإن الفرق بين الصورتين واضح فالزيادة التي يحصل عليها من يبيع بالدين يحصل عليها قبل الالتزام، فإذا تم الالتزام بمائة ألف ريال مثلا فإن الدائن لا يستطيع الحصول على هللة واحدة زيادة عن حجم الالتزام الذي التزم به وما حصل عليه من زيادة هي في الواقع مع رأس ماله فيما باعه قيمة ما جرى عليه الاتفاق بين طرفي الالتزام قيمة للبضاعة، أما الزيادة في الالتزام بعد تمامه واستقراره في الذمة فإنها أبشع من الزيادة الربوية (أتقضي أم تربي) يوضح ذلك أن المعاملة الربوية (أتقضي أم تربي) تكمن الزيادة فيها في حال الاتفاق على تأجيل الدفع بعد حلوله وأما في صورة ربط الالتزام بتغير الأسعار فإن الزيادة على الملتزم حتمية في حال الاستعداد لسداد مقدار الالتزام، وبهذا يتضح أن الصورتين مختلفتان وأن الجمع بينهما جمع بين متباينين.

стр. 6348

وبقية المبررات تكاد تكون مكررة للمبررات التي جرى التعليق عليها. وإذا كان لنا عمل في معالجة التضخم الاقتصادي ولنا قدرة في الإسهام في ذلك فينبغي تشخيص أسباب التضخم والتعرف على تلك الأسباب بما في ذلك زيادة الطلب على العرض والتساهل في التقيد بمؤشرات الاعتدال في إصدار النقود وإحجام رءوس الأموال عن الدخول في مشروعات تنموية وتقويم العملات النقدية وجعلها سلعًا تباع وتشترى وانكماش الإنفاق الحكومي على المرافق الحيوية في البلاد، ولو قلنا بربط الالتزامات الآجلة بمستوى الأسعار لكان الأخذ بذلك أحد أسباب التضخم في البلاد وقد مر فيما سبق ذكر توجهه. وحيث إنه يمكن أن يكون الملتزم بالحق سببًا في تضرر الملتزم له بالحق عند تغير أسعار الأثمان بالنقص وذلك بمطله وليه صاحب الحق وهو قادر على أداء الحق فإن هذه المسألة محل نظر واجتهاد وقد كتب فيها بحثًا هذا نصه: الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: لا شك أن مماطلة المدين دائنه في تسليمه ما وجب عليه أداؤه سواء كان ذلك ثمنًا من أي جنس من أجناس الأثمان أو كان عينًا من أي جنس من الأعيان أو السلع فإن ذلك ظلم وعدوان إن كان مستطيعًا السبيل في الأداء، أما إن كان ذو عسرة فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (سورة البقرة: الآية ٢٨٠) . يدل على ذلك قوله ﷺ في الحديث القدسي عن ربه: ((ألا وإني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرمًا ألا فلا تظالموا)) . ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (سورة الفرقان: الآية ١٩)

стр. 6349

ولا شك أن الظلم باعتباره عدوانًا وبغيًا محرم وأن انتهاك المحرم موجب للعقوبة الزاجرة والرادعة. كما لا شك أن المسلم حرام ماله ودمه وعرضه إلا بحقه ومطل المدين القادر دائنه عن أداء حقه نوع من الاستيلاء على ماله بدون حق أشبه الغصب إن لم يكن من صوره. ويبنى على ذلك في الغالب بأن تعطيل الدائن من ماله مستلزم فوات منافع لهذا المال في حال تقليبه وإدارته وحيث إن هذا التعطيل مستلزم ذلك الفوات في الغالب فإن القول بضمانه وتغريمه المدين قول يتفق مع الأصول العامة والقواعد الشرعية في الحفاظ على حقوق المسلم وطغيان ما ينقصه بسبب الظلم والعدوان. ولهذا جاء النص الكريم من رسول الله ﷺ في عقوبة المماطل إذا كان غنيًّا. ففي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال ((مطل الغني ظلم)) وفي السنن عن رسول الله ﷺ قال: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) . فمن حل عرضه التشهير به في المجامع التجارية وغيرها بسوء معاملته والتحذير من الدخول معه في تعامل أو تداول لتحذير الناس ظلمه وعدوانه وليكون نفور الناس عنه سببًا في إلحاق الضرر بتجارته فيكون ذلك عقوبة له لاستحلاله مال أخيه بدون حق على سبيل الظلم والعدوان. ومن حل عقوبته التقدم لولاة الأمر بشكايته على مسلكه الذميم في اللي والمماطلة لإلزامه بدفع الحق الذي عليه وتقرير ما يستحقه من عقوبة رادعة وزاجرة بالحبس والجلد والغرامة المالية أو بواحدة منها على ما يقتضيه النظر المصلحي. ومن عقوبته التقدم للقضاء بطلب التعويض عن النقص الذي سببته المماطلة في أدائه الحق وضمان منفعة يغلب على الظن حصولها للدائن في حال استلامه حقه في وقته.

стр. 6350

وقد بحث العلماء ﵏ حكم التعويض عن المنافع الفائتة وعن المنافع المتوقع فواتها فقالوا بضمان كل منفعة محقق ضياعها كمنافع الأعضاء في حال الجناية عليها كما قالوا بضمان ما غرمه محق يطالب بحقه الثابت ممن كان منه المماطلة في أدائه حتى أحرجه إلى الشكاية والتقاضي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات: ومن مطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد. اهـ، وقال في كتاب الإنصاف للمرداوي في باب الحجر " ولو مطل غريمه حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك يلزم المماطل وقال شيخ الإسلام بن تيمية لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر رجع به على الكاذب. اهـ. وفي هذا فتوى لسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ هذا نصها: موضوع الفتوى: هل نفقات المنتدبين للنظر في القضية على المفلوج مطلقًا؟ من محمد إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فعطفًا على المخابرة الجارية حول نفقات المنتدبين للنظر في قضية من القضايا هل تكون على المحكوم عليه تبذلها الجهة التي منها الانتداب وتكون سلفة حتى تقتص من المحكوم عليه؟ ولقد ذكرنا في كتاب سابق منا لسموكم أن في المسألة بحثًا من حيث الوجهة الشرعية، وذلك أن العلماء ﵏ نصوا على أن كل من غرم غرامة بسبب عدوان شخص آخر، أن ذلك الشخص هو الذي يحمل تلك الغرامة.

стр. 6351

قال شيخ الإسلام في كتاب " الاختيارات ": ومن مطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية فما غَرِمَه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد. وقال في الإنصاف في باب الحجر قوله: الثانية: لو مطل غريمه حتى أحوجه للشكاية فما غَرِمَه بسبب ذلك يلزم المماطل. وقال شيخ الإسلام: لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر رجع به على الكاذب. " وحيث كان الأمر ما ذكر فإن نفقات المنتدبين على من تبين أنه الظالم وهو العالم أن الحق في جانب خصمه ولكنه أقام الخصومة عليه مضارة لأخيه المسلم أو طمعًا في حقه. وحينئذ يتضح أن المفلوج في المخاصمة لا يلزم بذلك مطلقًا بل له حالتان، إحداهما: أن يتحقق علمه بظلمه وعدوانه فليزم بذلك المخاصمة مع علمه بأنه مبطل، الثانية: ألا يتضح علمه بظلمه في مخاصمته بل إنما خاصم ظانًّا أن الحق معه أو أنه يحتمل أن يكون محقًّا ويحتمل خلافه فهذه الاوجه شرعًا لإلزامه بتلك النفقات وبهذا يرتدع المخاصمون بالباطل عن خصوماتهم ويأمن أرباب الحقوق على حقوقهم غالبًا ويستريح القضاء من كثير من الخصومات. اهـ. الجزء الثالث عشر، ص ٥٥. ومن كان له حق على آخر مستحق الأداء، فماطل المدين وهو قادر على الوفاء حتى تغير السعر بأن انخفض سعر الثمن أو العين موضوع الحق الواجب الأداء، فمن منطلق العدل وقاعدة ضمان النقص أو المنفعة أو العين على من تسبب في فواتها، القول بتضمين المماطل ما نقص على صاحب الحق من نقص سعر أو فوات منفعة. وعليه فمن عقوبة المماطل ربط الحق بسعر يوم سداده، إذا كان فيه نقص على صاحب الحق فإذا مطل المدين دائنه بعد استحقاق الوفاء وترتب على هذا المطل نقص فإنه مضمون لصاحب الحق على مدينه المماطل وهذا مقتضى العدل والإنصاف فالمدين يضمن هذا النقص بسبب ليه ومطله وصاحب الحق يستحق الزيادة على حقه لأن مدينه المماطل أضر به بمقدار هذه الزيادة وهي في الحقيقة ليست زيادة وإنما هي ضمان نقص سببه المماطلة. لقد اختلف العلماء ﵏ في تقدير حق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده قال في منتهى إرادات: ولا يضمن نقص سعر. اهـ كما اختلفوا في العقوبة التي يستحقها المماطل فذهب جمهورهم إلى عدم الزيادة على الحق مطلقًا كما مر النقل من شرح المنتهى وإن العقوبة المقصودة في الحديث: ((لي الواجد يحل عقوبته)) ما يوقعها ولي الأمر أو نائبه على المماطل من عقوبة تعزيزية بحبس وجلد ـ أو بواحدة منهما. وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المماطلة بتحصيل حقه. ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد سبق ذكر النص عنه.

стр. 6352

وذهب بعض المحققين إلى القول بضمان نقص السعر، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ " قال الأصحاب وما نقص بسعر لم يضمن. أقول: وفي هذا نظر فإن الصحيح أن يضمن نقص السعر، وكيف يغصب شيئًا يساوي ألفًا وكان مالكه يستطيع بيعه بالألف ثم نقص السعر نقصًا فاحشًا فصار يساوي خمسمائة، إنه لا يضمن النقص فيرده كما هو؟ اهـ. وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر الله به، وهو في نفس الأمر عقوبة للظالم أقرها ﷺ بقوله: ((لي الواجد يحل عقوبته وعرضه)) ، ولا شك أن المماطل في حكم الغاصب بمماطلته أداء الحق الواجب عليه إلا أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل فلا يجوز دفع ظلم بظلم ولا ضرر بضرر أفحش منه – ولنضرب مثلًا يتضح فيه طريق التقدير: زيد من الناس قد التزم لعمرو بمائة ألف دولار أمريكي مثلا يحل أجلها في غرة محرم عام ١٤٠٧ هـ وكان سعر الدولار بالين الياباني وقت الالتزام مائتين وخمسين ينًا وفي أول يوم من شهر محرم عام ١٤٠٧ هـ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ينًا فطلب صاحب الحق حقه من مدينه زيد فماطله إلى وقت انخفض سعر الدولار إلى مائة وخمسين ينًا فما بين سعر الدولار وقت الالتزام بالحق وبين سعره وقت حلول السداد ونقص مقداره ثلاثون ينًا في الدولار هذا النقص لا يجوز أحتسابه على المدين لأنه لم يكن سببًا فيه على الدائن وإنما النقص الذي يجب أن يضمنه المدين للدائن هو الفرق بين سعره وقت حلول السداد وبين سعره بعد المماطلة وهو سبعون ينًا لكل دولار وبهذا المثال يتضح وجه التقدير المبني على العدل وعدم مجاوزة الحد في العقوبة والضمان. ومما يؤكد كما ذكرنا من أن المنفعة مضمونة على من تسبب في ضياعها مسألة العربون ومسألة الشرط الجزائي. وكلا المسألتين ضمان لمنفعة مظنونة الوجود غير محققة ومع هذا فقد اعتبر الضمان لتلك المنفعة المظنونة. وإكتمالا للبحث أذكر أن الشرط الجظائي قد صار باعتباره قرار هيئة كبار العلماء بعدد ٣٥ وتاريخ ٢١/٨/١٣٩٤ هـ أذكر نصه فيما يلي:

стр. 6353

(قرار رقم ٣٥ وتاريخ ٢١/٨/١٣٩٤ هـ) الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة فيما بين ٢٨/١٠ و ١٤/١١ /٩٣ هـ من الرغبة في دراسة موضوع الشرط الجزائي، فقد جرى إدراجه في جدول أعمال الهيئة في دورتها الخامسة المنعقدة فيما بين ٥ و ٢٢/٨/١٣٩٤ هـ في مدينة الطائف. ثم جرى دراسة الموضوع في هذه الدورة بعد الاطلاع على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. وبعد مداولة الرأي والمناقشة، واستعراض المسائل والإيراد عليه، وتأمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وما روي عنه ﷺ من قوله ((المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حر أما أو حرم حلالا)) ولقول عمر ﵁: " مقاطع الحقوق عند الشروط "، والاعتماد على القول الصحيح من أن الأصل في الشروط الصحة، وأنه لا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًّا وقياسًا، واستعرض ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى صحيحة وفاسدة، وتقسيم الصحيحة إلى ثلاثة أنواع:

стр. 6354

أحدهما: شرط يقتضيه العقد كاشتراط التقابض وحلول الثمن. الثاني: شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الكفيل به أو صفة في الثمن ككون الأمة بكرًا. الثالث: شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته ولا منافيًا لمقتضاه كاشتراط البائع سكنى الدار شهرًا. وتقسيم الفاسدة إلى ثلاثة أنواع: أحدهما: اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدًا آخر كبيع أو إجارة أو نحو ذلك. الثاني: اشتراط ما ينافي مقتضى العقد كأن يشترط في البيع ألا خسارة عليه أو ألا يبيع أو يهب ولا يعتق. الثالث: الشرط الذي يتعلق به العقد كقوله: بعتك إن جاء فلان، وبتطبيق الشرط الجزائي عليها وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له والاستئناس بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين: أن رجلًا قال لكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه، وقال أيوب عن ابن سيرين: أن رجلًا باع طعامه وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيعة. فلم يجئ فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه. وفضلا عن ذلك فهو في مقابلة الإخلال بالالتزام حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع، وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود تحقيقًا لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (سورة المائدة: الآية ١) لذلك كله فإن المجلس يقرر بالإجماع أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول. وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا يراد به التهديد المالي ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من ضرر ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (سورة النساء: الآية ٥٨) . وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة: الآية ٨) وبقوله ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) . وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء التوقيع

стр. 6355

وبتأمله يتضح أنه في مقابلة فوات منفعة غير محقق وقوعها، لكن نظرًا إلى المخالفة المترتبة على تفويت فرصة اكتساب المنفعة صارت أهم عائق لتفويتها اتجه القول بضمان هذه المنفعة. ومثل ذلك مسألة العربون فإن المشتري يبذل مبلغًا من المال مقدمًا عند تمام عقد الشراء على أن يكون له الخيار مدة معلومة فإن قرر الشراء صار العربون جزءًا من الثمن وإن قرر عدم الشراء صار العربون مستحقًا للبائع في مقابل عدم تكمنه من عرض بضاعته بعد ارتباطه مع المشتري بعقد البيع المعلق، ووجه استحقاق البائع للعربون في حال عدول المشتري عن الشراء أنه في مقابلة تفويت فرص بيع هذه السلعة بثمن أكبر من ثمن بيعها على المشتري بيعًا معلقًا يحتمل العدول عنه , وفيما يلي نص عن ابن قدامة من كتابه المغني فيما يتعلق بمسألة العربون واختلاف العلماء فيها. وانفرد الإمام أحمد ﵀ بالقول بصحة العربون واستحقاق البائع إياه في حال العدول عن الشراء. قال ﵀ ما نصه: " والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهمًا أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع يقال عربون وأربون وعربان وأربان، قال أحمد لا بأس به وفعله عمر ﵁."

стр. 6356

وعن ابن عمر ﵄ أنه أجازه، وقال ابن سيرين لا بأس به، وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئًا وقال أحمد: هذا في معناه واختار ابن الخطاب أنه لا يصح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع العربون)) . رواه ابن ماجه ولأنه شرط للبائع شيئًا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي ولأنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما لو قال ولي الخيار متى شئت رددت السلعة معها درهمًا وهذا هو القياس وإنما صار أحمد فيه إلى ما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا، قال الأثرم قلت لأحمد تذهب إليه قال أي شيء أقول هذا عمر ﵁ وضعف الحديث المروي، روى هذه القصة الأثرم بإسناده. وقد لخص الدكتور عبد الرزاق السنهوري ﵀ في كتابه مصادر الحق أدلة القولين ورد أدلة القائلين ببطلان بيع العربون، فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة ﵀ ما نصه: ويمكن أن نستخلص من النص المتقدم ما يأتي: أولا: إن الذين يقولون ببطلان بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي ﷺ الذي نهى عن بيع العربون، ولأن العربون اشترط للبائع بغير عوض، وهذا شرط فاسد، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة كما يقول ولي الخيار: متى شئت رددت السلعة ومعها درهم. ثانيًا: إن أحمد يجيز بيع العربون ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر وضعف الحديث المروي في النهي عن بيع العربون وإلى القياس على صورة متفق على صحتها هي أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئًا قال أحمد هذا في معناه. ثالثًا: ونرى أنه يستطاع الرد على بقية حجج من يقولون ببطلان بيع العربون، فالعربون لم يشترط للبائع بغير عوض إذ العوض هو الانتظار بالمبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري وتفويت فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول، إذ المشتري إنما يشترط خيار الرجوع في البيع بذكر مدة إن لم يرجع فيها مضت الصفقة وانقطع الخيار) .اهـ. ومما تقدم يظهر لنا جواز الحكم على المماطل وهو قادر على الوفاء بضمان ما ينقص على الدائن بسبب مماطلته وليه وإن ضمن عقد الالتزام بالحق شرطًا جزائيًّا لقاء المماطلة واللي بقدر فوات المنفعة، فهو شرط محترم واجب الوفاء لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ولقوله ﷺ : ((المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا)) ولما ورد في صحيح البخاري في باب (ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم) . وقال ابن عون، عن ابن سيرين: قال رجل لكريه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه. وقال أيوب، عن ابن سيرين: ((أن رجلاً باع طعامًا وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجئ، فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت، فقضى عليه)) اهـ. وفي الجزء الرابع من بدائع الفوائد لابن القيم ﵀ قوله: وقال في رواية الميمونى: ولا بأس بالعربون، وفي رواية الأثرم: وقد قيل له: نهى النبي ﷺ عن العربان، فقال: ليس بشيء، واحتج بما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دارًا بشجر، فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا، قال الأثرم: فقلت لأحمد: فقد يقال هذا، قال: أي شيء أقول هذا عمر ﵁. اهـ. ولا يقال بأن هذه الزيادة المترتبة على الدائن المماطل بدون حق سواء كانت عقوبة دل عليها حديث: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) أو كانت مقتضى شرط جزائي اشتمله عقد الالتزام لا يقال بأن هذه هي الزيادة الربوية الجاهلية – أتربي أم تقضي. فهي تختلف اختلافًا ببعدها عنها وأهم وجوه الاختلاف ما يلي:

стр. 6357

أولًا: أن الزيادة الربوية زيادة في غير مقابلة وهي اتفاق بين الدائن والمدين على تأجيل سداد الدين إلى أجل معين في مقابلة زيادة معينة لقاء الاتفاق على التأجيل. بينما الزيادة على الحق المستحق لقاء المماطلة بدون حق هي في مقابل تفويت منفعة على الدائن على سبيل الغصب والتعدي، وهي في نفس الأمر عقوبة مالية سببها الظلم والعدوان. ثانيًا: أن الزيادة الربوية اتفاق بين الدائن والمدين لقاء تأجيل السداد فهي زيادة في مقابلة الانتظار لزمن مستقبل وعلى سبيل التراضي فالمدين لا يسمى في هذه الحال مماطلًا ولا معتديًا ولا ظالمًا بسبب تأخيره سداد حق دائنه بينما الزيادة عل حق الدائن في مقابلة اللي والمطل بغير حق وضمان لمنفعة فائتة بسبب المماطلة. ويعتبر المماطل ظالمًا ومعتديًا ومفوتًا منفعة دائنة باحتباس حقه عنده بدون حق فهي زيادة لم تكن موضوع اتفاق على اعتبار التأخير في مقابلتها وإنما هي في مقابلة تفويت منفعة على سبيل الظلم والعدوان بالمماطلة وهي كذلك عقوبة اقتضاها اللي والمماطلة. ومما تقدم يتضح أن مسائل ضمان قيمة المنفعة على من تسبب في فواتها لها أحوال، منها: الحالة الأولى: من تسبب بجنايته على عضو إنسان ففاتت منفعة ذلك العضو فلا نعلم خلافًا بين أهل العلم في حال تعذر القصاص في ضمان دية هذه المنفعة. الحالة الثانية: من غصب عينًا فحبسها عن صاحبها حتى تغير سعرها بنقص فالذي عليه المحققون من أخل العلم ضمان هذا النقص على من تسبب في حصوله. وقد تقدم النص من بعضهم على هذه المسألة وهو الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀. الحالة الثالثة: من كان له حق على أخر فمطله أداء حقه بغير حق حتى أحوجه إلى شكايته وغرم بسبب ذلك غرمًا على وجه معتاد فالذي عليه المحققون من أهل العلم إلزام المماطل بضمان ما غرمه خصمه في سبيل المطالبة بحقه وقد نص على هذه المسألة أكثر من واحد من أهل العلم ومحققيهم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهما. الحالة الرابعة: ضمان المنفعة الفائتة بسبب الإخلال بما جرى عليه التعاقد إذا كان في العقد نص على ذلك وهذه مسألة الشرط الجوائي وقد صدر باعتبار الشرط الجزائي قرار من مجلس هيئة كبار العلماء جرى ذكر نصه في هذا البحث. الحالة الخامسة: ضمان قيمة منفعة مظنونة الوقوع للتسبب في ضياع فرصة الانتفاع وهذه مسألة العربون ولا يخفى أنها من مفردات الإمام أحمد وقد أخذ بها مجموعة من أهل التحقيق قديمًا وحديثًا. الحالة السادسة: تضمين المماطل ما يترتب على الدائن من نقص في مقدار دينه بسبب تغير السعر أو بسبب الحرمان من إدارة هذا الدين وتقليبه في الأسواق التجارية وذلك بالحكم له بذلك النقص على مماطلة عقوبة له على ظلمه وعدوانه ومماطلته والحجة في ذلك قوله ﷺ ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) وقوله ﷺ ((مطل الغني ظلم)) .

стр. 6358

وقد يكون من عموم الاستدلال ما في تغريم السارق غرم ما سرقه مرتين للمسروق له مما لا تتوفر فيه شروط القطع وذلك على سبيل العقوبة بالمال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الثامن والعشرين من مجموع الفتاوى: (روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبي ﷺ ((فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أو يؤويه إلى الجرين أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين , وفيمن سرق من الماشية قبل أن يؤدي إلى السراج أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين)) . وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أن يضعف غرمها وبذلك كله قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره. وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع. فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع، وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدًا أنه يضعف عليه الدية لأن دية الذمي نصف دية المسلم وأخذ بذلك أحمد بن حنبل) اهـ. وبهذا يتضح أن العقوبة بالمال أمر مشروع وأن تمليك المعتدى عليه بالسرقة ما زاد عن حقه المسروق معتبر ولا تعتبر هذه الزيادة من قبيل الربا وإنما هي عقوبة للجاني وتعويض عن منفعة تفوت بحرمان المجني عليه من الانتفاع بماله مدة بقائه في يد الجاني، وهكذا الأمر بالنسبة لمطل الغني ولي الواجد، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد الله بن سليمان بن منيع

стр. 6359

مسألة تغير قيمة العملة وربطها بقائمة الأسعار إعداد الدكتور محمد تقي العثماني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. عرض المسألة: إن مسألة تغير قيمة العملة، وربطها بقائمة الأسعار إنما نشأت نتيجة للنظام النقدي المعاصر. كانت العملة فيما سبق مرتبطة بعيار مخصوص من الأثمان، كالنقود الذهبية أو الفضية ترتفع قيمتها وتنخفض بالنسبة إلى ذلك العيار المخصوص. ولكن النقود الورقية اليوم ليست مرتبطة بثمن خلقي، وإنما هي تمثل قوة شراء مخصوصة باصطلاح من جهتها المصدرة. فلا تتفاوت قيمتها بالنسبة إلى عيار مخصوص من الأثمان، وإنما تتفاوت بغلاء الأشياء ورخصها. فكلما غلت البضائع في السوق انتقصت قوة شرائها، فكأنما انتقصت قيمتها، وكلما رخصت البضائع زادت قوة شرائها، فكأنما ارتفعت قيمتها. وبعبارة علم الاقتصاد المعاصر: إن قيمة النقود إنما تنبني اليوم على مقدار التضخم أو الانكماش الموجودين في البلاد، فكلما ازداد التضخم انتقصت قيمة النقود، وكلما ازداد الانكماش ارتفعت قيمتها. ودعوني، قبل أن أتقدم في الموضوع، أن أفسر التضخم والانكماش باختصار، ليسهل فهم الموضوع قبل الدخول فيه. إن التضخم (Inflation) في اصطلاح الاقتصاد المعاصر عبارة عن حالة اقتصادية في بلد مخصوص، يزداد فيها مقدار النقود السائلة على مقدار البضائع والخدمات التي يمكن شراؤها بالنقود. ومن النتائج اللازمة لهذه الحالة أن ترتفع أسعار البضائع والخدمات فيحدث الغلاء العام، لأن النقود السائلة في البلاد تمثل طلب المجتمع للبضائع والخدمات، والبضائع والخدمات الموجودة في البلاد تمثل عرضها للمجتمع، وحيثما ازداد الطلب على العرض، ازدادت الأسعار، كما هو معلوم من قواعد الاقتصاد الأساسية.

стр. 6360

أما الانكماش (Deflatiom) فهو عبارة عن حالة اقتصادية ينتقص فيها مقدار النقود السائلة عن مقدار البضائع والخدمات المتوفرة في بلد مخصوص. ونتيجة هذه الحالة أن ينخفض مستوى أسعار البضائع والخدمات، فيحدث رخص عام. لأن العرض قد ازداد على الطلب، فانخفضت الأسعار. وإن النقود في حالة الانكماش تستطيع أن تشتري كمية كبيرة من البضائع، فنستطيع في هذه الحالة مثلا، أن نشتري بمائة ربية البضائع الآتية: الحنطة ٢٠ كيلو الملح ٢٠ كيلو الثوب ١٠ متر ولكن لا تستطيع النقود في حالة التضخم أن تشتري إلا كمية أقل مما كانت تشتري في حالة الانكماش، فإنما يمكن لنا في حالة التضخم مثلًا، أن نشتري بمائة ربية: الحنطة ١٠ كيلو الملح ١٠ كيلو الثوب ٥ أمتار فالمائة ربية في الحالتين، هي المائة روبية، لكن كانت قوة شرائها في الحالة الأولى ضعف قوة شرائها في الحالة الثانية. وبما أن النقود الورقية اليوم لا تمثل إلا قوة شراء، وهي التي تعتبر قيمتها الحقيقية، فإن الاقتصاديين يعبرون عن هذا التفاوت بتفاوت قيمة النقود، وقد رأينا أن قوة شراء المائة ربية في المثال المذكور قد انتقصت في حالة التضخم بقدر الخمسين في المائة، لأنها إنما تستطيع أن تشتري بها في حال التضخم نصف ما كانت تشتري في حالة الانكماش، أو نقول: إن المائة روبية في حالة التضخم صارت مساوية للخمسين ربية في حالة الانكماش نظرًا إلى قوة شرائها. فالسؤال المطروح اليوم: هل تعتبر المائة ربية في حالة التضخم مثل المائة ربية في حالة الانكماش في أداء الحقوق والالتزمات؟ أو تعتبر أنها صارت خمسين؟ فمن استقرض من رجل مائة ربية في حالة الانكماش، هل يؤدي مائة ربية بالعدد في حالة التضخم؟ أو يؤدي مائتي ربية نظرًا إلى انخفاض قيمتها، وانتقاص قوة شرائها بقدر الخمسين في المائة؟ وقد يرى بعض الاقتصاديين أن أداء مائة ربية بالعدد في هذه الحالة ظلم على المقرض، لأن المستقرض إنما يرد عليه نصف القوة الشرائية التي دفعها إليه المقرض. وقد اقترح بعض الاقتصاديين لحل هذه المشكلة أن تستخدم قائمة الأسعار كمعيار لتقييم النقود، ويكون أداء الحقوق والالتزامات على أساس قيمة النقود المرتبطة بقائمة الأسعار. وإن قائمة الأسعار (Price index) قائمة تدرج فيها معظم البضائع والخدمات المتداولة في البلاد، ويذكر فيها سعرها الرائج في ابتداء السنة المالية مثلا، ثم يذكر سعرها الرائج عند انتهاء السنة، والفرق ما بين هذين السعرين يمثل نسبة تفاوت الأسعار بطريق حسابي مخصوص. وتعتبر هذه النسبة نسبة تغير قيمة النقود. فإذا كانت هذه النسبة زيادة عشرة في المائة مثلًا، فإن الحقوق الملتزم بها في ابتداء السنة تؤدي في نهايتها بزيادة عشرة في المائة، فمن استقرض مائة ربية في ابتداء العام يؤديها عند انتهاء العام مائة وعشر ربيات. وإن هذا الطريق يستخدم في بعض البلاد في أداء الأجور، وقضاء الديون، فنريد أن نبحث عن مدى جواز استخدام هذا الطريق من الناحية الشرعية، والله سبحانه هو الموفق.

стр. 6361

ربط القروض والديون بقائمة الأسعار ما ربط القروض وسائر الديون بقائمة الأسعار، فالمقصود منه أن لا يرد المستقرض إلى المقرض مبلغ قرضه فحسب، بل يضيف إليه قدرًا زائدًا بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار. فإن اقترض مثلًا ألف ربية، وازدادت قائمة الأسعار بنسبة العشرة في المائة عند الأداء، فإنه يرد إلى المقرض ألفًا ومائة ربية. ويحتج بعض الاقتصاديين على جواز هذا الربط بأن هذه الزيادة ليست زيادة حقيقية، وإنما هو رد لنفس المالية التي اقترضها المقترض، لأن مالية الألف ربية من حيث شرائها كانت أكثر عند الاقتراض، وانتقصت عند الأداء بنسبة ١٠ %، فلو رد المقترض ألف ربية كان ذلك ظلمًا على المقرض لأنه لم تعد إليه المالية الكاملة التي أقرضها. وإنما عادت إليه ناقصة , فلو ألزمنا المقترض أن يدفع إليه ألفًا ومائة، لم يكن ذلك إلا إكمال المالية المقترضة، لأن مالية الألف ومائة اليوم عين مالية الألف عند الاقتراض، فزيادة المائة جبر لنقصان قيمة النقد، وليس زيادة على المالية المقترضة، فينبغي أن لا تعتبر هذه الزيادة من الربا الحرام شرعًا. ولكن الحق أن هذا الدليل لا ينطبق على القواعد الشرعية بحال من الأحوال، لأن القروض يجب في الشريعة أن تقضى بأمثالها، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، حتى القائلين بجواز ربط القروض بالأسعار، فبقي الآن تعيين معنى المثلية. فالسؤال الأساسي هنا: هل يجب أن تتحقق هذه المثلية في القدر (أي الكيل، والوزن، والعدد) أو في القيمة والمالية؟ والذي يتحقق من النظر في دلائل القرآن والسنة ومشاهدة معاملات الناس، أن المثلية المطلوبة في القرض هي المثلية في القدر والكمية، دون المثلية في القيمة والمالية. ويدل على ذلك دلائل: ١- لو اقترض الرجل صاعًا من الجنطة، قيمتها يومئذ خمس روبيات مثلا، فلم يؤدها إلى المقرض إلا بعد ما صارت قيمتها ربيتين فحسب، فإنه لا يرد إلى المقرض إلا صاعًا واحدًا، رغم أن مالية الصاع الواحد قد انتقصت من خمس ربيات إلى ربيتين، وهذا بإجماع الفقهاء قديمًا وحديثا، ولا يقول في ذلك أحد: إن رد الصاع الواحد فقط بعد انتقاص ماليته ظلم على المقرض، فينبغي أن تضاف إلى الصاع زيادة بنسبة نقصان قيمته، وهذا من أوضح الدلائل على أن المثلية المعتبرة في القرض إنما هي المثلية في المقدار، لا في القيمة والمالية. وربما يقال جوابًا عن هذا: إن الحنطة بضاعة لها مالية في حد ذاتها، فلا تقاس عليها النقود الورقية التي ليست لها قيمة أو مالية ذاتية، ولكن هذا الجواب خلط للبحث، لأن السؤال هنا عن تعيين معنى المثلية المطلوبة في القرض، فما دامت المثلية المطلوبة هي المثلية في المقدار دون القيمة والمالية، فليس هناك فرق جوهري بين الحنطة والنقود في هذا المجال، لأن لكل منهما مقدارًا، وقيمة، فإن كانت المثلية المكلوبة في الحنطة هي المثلية في المقدار، فلتكن المثلية المطلوبة في النقود مثلية المقدار كذلك. ولو اعتبر تفاوت القيمة والمالية هدرًا في الخطة ـ فليكن ذلك هدرًا في النقود سواء بسواء.

стр. 6362

٢- من المسلّم لدى الجميع أن التماثل مطلوب في القروض للاحتراز عن الربا، وقد فسر النبي ﷺ هذا التماثل المطلوب في أحاديث ربا الفضل بكل صراحة ووضوح. أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله ﷺ ، وهو الخلط من التمر، فكنا نبيع صاعين بصاع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((لا صاعين تمرًا بصاع، ولا صاعين حنطة بصاع، ولا درهمًا بدرهمين)) . (جامع الأصول، لابن الأثير: ١/٥٤٦) ومعلوم أن ما يباع بصاعين كان أكثر قيمة ما يباع بصاع، ولكن رسول الله ﷺ لم يرض إلا بالتماثل في القدر والكيل، وجعل التفاوت في القيمة هدرًا. وكذلك أخرج الشيخان عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما ((: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاث)) ، قال: ((لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا)) . (جامع الأصول: ١/٥٥٠) . وهذه الرواية من أصرح الأدلة على التماثل المطلوب في الأموال الربوية هو التماثل في القدر، دون التماثل في القيمة، لأن الجنيب كان أغلى من الجمع بكثير، وأكثر قيمة، وأجود نوعًا، ولكن رسول الله ﷺ أهدر الجودة والرداءة في مبادلة بعضها ببعض، وأوجب التماثل في الكيل. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا)) وأخرجه مالك بلفظ ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما)) . (كما في جامع الأصول: ١/٥٥٢) . وأخرج مسلم وغيره من عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) .

стр. 6363

وأخرج أبو داود عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال ((الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدين بمدين، والشعير بالشعير مدين بمدين، والتمر بالتمر مدين بمدين، والملح بالملح مدين بمدين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى)) . (جامع الأصول: ١/٥٥٤) وأخرج مسلم عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن)) وفي رواية أخرى: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن)) . فهذه الأحاديث كلها ناطقة بأن التماثل المعتبر في الشريعة إنما هو التماثل في القدر، ولا عبرة بالتفاوت في القيمة، ما دامت الأموال ربوية. وهذا في المبايعة نقدًا، فما بالك في القروض التي يجري فيها أصل الربا، والتي يحترز فيها عن كل زيادة وشبهتها. ٣- وهناك حديث أخر يوضح معنى المثلية في الديون خاصة، وهو ما أخرجه أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله: رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) . (سنن أبي داود، كتاب البيوع، رقم ٣٣٥٤، ٣/ ٢٥٠) ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي ﷺ أباح لابن عمر ﵄ إذا وقع البيع على الدنانير أن تأخذ بدلها الدراهم بقيمة الدنانير يوم الأداء لا يوم ثبوتها في الذمة. يعني إذا وقع البيع على دينار مثلًا، وقيمته وقت البيع عشرة دراهم، ثم لما أراد المشتري الأداء لم يكن عنده إلا دراهم، وقيمة الدينار الواحد يوم الأداء أحد عشر درهمًا، فإنه يؤدي إليه أحد عشر درهمًا. ولذلك لما سأل بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عبد الله بن عمر عن كري لهما، له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير، أجاب ابن عمر: (أعطوه بسعر السوق) . فتبين أن القيمة إنما تعتبر يوم الأداء، لا يوم الثبوت في الذمة. ولئن كانت المثلية المعتبرة في الديون المثلية قي القيمة، لوجب قيمة الدنانير يوم الثبوت في الذمة. وهذا واضح جدًا. ٤- من المسلم لدى جميع الفقهاء في ضوء القرآن والسنة أن الواجب في عقد القرض اشتراط أداء المثل الحقيقي في القدر، دون المثل المقدر بالجزاف والتخمين. حتى لو أقرض الرجل صاعًا من الحنطة، واشترط أن يرد إليه المستقرض صاعًا منها بالجزاف لا على أساس الكيل / لم يجز هذا العقد، لأن المجازفة في الأموال الربوية لا تجوز. وهنا حرم رسول الله ﷺ بيع المزابنة وهو بيع التمر على رؤوس النخل بتمر مجذوذ. وليس وجه الحرمة في هذا البيع إلا أن التمر المجذوذ يمكن معرفة قدره بالكيل، وأما التمر القائم على رؤوس النخل فلا يمكن معرفة قدره إلا بالمجازفة والتخمين. فحرمه رسول الله ﷺ إطلاقًا، مهما كانت المجازفة دقيقة أو قريبة من الصواب. فالسبيل الوحيد في مبادلة الأموال الربوية بعضها ببعض، أن يقع التبادل على أساس التماثل الحقيقي، دون التماثل المقدر بالمجازفة. إذا ثبت هذا، فإن التماثل المقترح في ربط الديون بقائمة الأسعار، ليس تماثلًا فعليًّا، وإنما هو تماثل مقدار على أساس المجازفة والتخمين. لأن نسبة الزيادة والنقصان في الأسعار ليست إلا نسبة تقريبية إنما تقدر على أساس حساب مخصوص لا يرجع إلا إلى المجازفة والتخمين. ويجب لمعرفة هذه النقطة أن نعلم كيفية وضع قائمة الأسعار، وطريق استخدامها لتعين قيمة النقود.

стр. 6364

كيفية وضع قائمة الأسعار واستخدامها في تقويم النقود ومن أجل الوقوف على الحكم الشرعي في هذا المجال، يجب أن نعرف كيفية وضع هذه القائمة وطريق استخدامها في تعيين قيمة النقود. فإليكم خلاصة ما يقصده الاقتصاديون من ربط الديون بقائمة الأسعار: من المعلوم أن النقود، سواء كانت نقودًا معدنية أو ورقية، لا يقصد بها ذاتها، فإنها بذاتها لا تسد جوعًا، ولا تستر جسمًا، ولا تدفع شهوة، ولا ترد ضررًا. وإنما المقصود من هذه النقود أن يشتري بها المرء ما يحتاج إليه في حياته من بضائع وخدمات. فمن هذه الجهة كل نقد له قيمتان: الأولى قيمتها الأسمية (Price Value) ، وهي المكتوبة عليها، والثانية: قيمتها الحقيقية (Real Value) ، وهي الفائدة العملية الحقيقية التي يحصل عليها المرء بصرفها في حاجاته، وبعبارة أخرى: هي مجموعة من البضائع والخدمات التي يمكن للمرء أن يشتريها بتلك النقود. وإن هذه المجموعة من البضائع يسميها الاقتصاديون اليوم " سلة البضائع " (basket of goods) ، فالقيمة الحقيقية للنقود هي سلة البضائع الممكن اشتراؤها بها. فإذا كان زيد راتبه كل شهر عشرة آلاف ربية مثلًا، فإن عشرة آلاف ربية هي القيمة الاسمية لدخله الشهري. ثم إنه يصرف هذه العشرة آلاف ربية في اشتراء ما يأتي مثلًا: الحنطة ٤٠ كيلو الثوب ٢٠ مترًا اللحم ٢٠ كيلو الشاي ٥ كيلو استئجار بيت للسكن يحتوى على غرفتين. تعليم ابنين في مدرسة. استئجار خدمات الدكتور مرة في الشهر. وإن مجموعة هذه البضائع والخدمات تسمى " سلة البضائع " (Basket of goods) وإذا كان راتب زيد يصرف في اشتراء هذه السلة كل شهر، فإن هذه السلة المخصوصة (بمقاديرها المذكورة في المثال) هي القيمة الحقيقية لراتبه.

стр. 6365

وإن هذه القيمة لعشرة آلاف ربية عرضة للتغير بتغير أسعار البضائع والخدمات المندرجة في السلة. وإن أسعار كل واحدة من هذه البضائع تختلف من حين لآخر بنسب مختلفة، ولكن الاقتصاديين إنما يقدرون نسبة التغير في أسعار السلة على أساس معدل وسط (Average) ثم إن البضائع والخدمات المندرجة في السلة ليست على مستوى واحد من الأهمية، فبعضها أهم من بعض، فالحنطة مثلًا أهم من الثوب، والثوب أهم من الشاي، ولا شك أن تغير السعر في ما هو أهم أكثر تأثيرًا على حياة المرء من تغيره فيما هو أقل أهمية، فلو ارتفعت قيمة الحنطة فأنه يحدث مشاكل أكثر مما يحدثه ارتفاع قيمة الشاي فلأجل الوقوف على التغير في قيمة النقود الحقيقية، يأخذ الاقتصاديون أهمية كل بضاعة موضوع اعتبار عند استخراج المعدل الوسط لتغير الأسعار، فيعطون كل بضاعة من هذه البضائع رقمًا على أساس أهميته، وإن هذا الرقم يسمى " وزن البضاعة " (Weight of comnodity) ، وإن هذا الوزن ربما يحسب على أساس نسبة الراتب المصروفة في شراء تلك البضاعة كل شهر، فإذا كان زيد يصرف الخمسين في المائة من راتبه في شراء الطعام لأسرته، فإن الطعام يكون له وزن صفر فاصل خمسين (٠.٥٠) وإن كان يصرف العشرين في المائة من راتبه في الثياب، فالثياب لها وزن صفر فاصل عشرين وهكذا. فمعدل تغير قيمة السعر في كل بضاعة يضرب في وزنها، والحاصل هو المعدل الموزون (Weighted Average) لكل بضاعة. ويتضح هذا بالجدول الآتي الذي فرضنا فيه أن سلة البضائع مشتملة على ثلاثة أشياء فقط، وهي الطعام، والثياب، والسكن:

стр. 6366

عمود ١ عمود ٢ عمود ٣ عمود ٤ عمود ٥ عمود ٦ البضاعة وزن البضاعة قيمة البضاعة في سنة ١٩٨٠ قيمة البضاعة في سنة ١٩٨٧ م معدل تغير القيمة فيما بين ١٩٨٠ م و ١٩٨٧ م العمود الخامس مضروبًا في وزن البضاعة الطعام ٠.٥٠ -١٠=/٥٠ روبية لثلاثين كيلو = /١٠٠ربية لثلاثين كيلو ٢٠. ١.٠ الثياب ٠.٢٠ = / ١٠لكل متر = / ٣٠ لكل متر ٣.٠ ٠.٦ السكن ٠.٣٠ = / ٥٠٠ ربية لكل شهر = / ١٥٠٠ ربية لكل شهر ٣.٠ ٠ ٢.٥ فتقرر بهذا المثال أن سلة البضائع قد ارتفعت قيمتها فيما بين سنة ١٩٨٠ م - و ١٩٨٧ م بنسبة اثنين فاصل خمسة في المائة حسب المعدل الموزون الذي أخذ أهمية كل بضاعة بعين الاعتبار. وبما أن سلة البضائع هي القيمة الحقيقية للنقود، فإن قيمتها الحقيقية قد انتقصت بقدر ٢.٥ % ومعنى ذلك أن السلعة التي يشتريها الرجل في سنة ١٩٨٠ م بمائة ربية، صارت تشترى في سنة ١٩٨٧ م بمائتين وخمسين ربية. فلو فرضنا أن الرجل كان يأخذ خمسة آلاف ربية كراتب في سنة ١٩٨٠ م وازداد رتبة في سنة ١٩٨٧ م، حتى صار يأخذ عشرة آلاف ربية شهريًا، فإن قيمة رواتبه الشهرية تحسب كالآتي:

стр. 6367

القيمة الحقيقية نسبة الزيادة في قائمة الأسعار القيمة الاسمية للراتب السنة = /٥.٠٠٠ ربية ١.٠ =/ ٥.٠٠٠ ربية ١٩٨٠ م = / ٤.٠٠٠ ربية ٢.٥ = / ١٠.٠٠٠ ربية ١٩٨٧م ونرى بهذا المثال أن راتب الرجل وإن زادت قيمته الاسمية إلى عشرة آلاف ربية، ولكن قيمته الحقيقية صارت أربعة آلاف ربية نظرًا إلى مستوى أسعار سنة ١٩٨٠ م، لأن عشرة آلاف ربية في سنة ١٩٨٧ م صارت تساوي أربعة آلاف ربية في سنة ١٩٨٠م نظرًا إلى قيمتها الحقيقية.

стр. 6368

فلو ربطنا الديون بقائمة الأسعار، وقررنا أن الديون تقضى على أساس القيمة الحقيقية، دون القيمة الاسمية، فإن ذلك يقتضي أن من اقترض أربعة آلاف ربية في سنة ١٩٨٠ م فإنه يؤدي عشرة آلاف ربية في سنة ١٩٨٧ م، لأن القيمة الحقيقية لكل واحدة. فلو نظرنا في هذا الطريق الحسابي الذي تعين به القيمة الحقيقية للنقود، اتضح لنا أن هذا الطريق مبني على الخرص والمجازفة في جميع مراحله، ويتبين بتجزئة هذا الطريق أنه يشتمل على الخرص والتخمين في الأمور الآتية: ١- تعيين البضائع التي تدرج في القائمة: من المعروف أن كل رجل له حاجات تخصه، فالبضائع المحتاج إليها تختلف باختلاف الرجل، فسلة البضائع لكل أحد تختلف عن سلة الآخر، ولكن السلة المندرجة في قائمة الأسعار واحدة، وإنما تدرج فيها البضائع على أساس كثرة من يستعملها، فربما تدرج فيها بضائع لا يحتاج إليها بعض الناس أبدًا، فالقائمة غير حقيقية بالنسبة إلى أولئك البعض. فإدراج بعض البضائع في القائمة ليس إلا مجازفة وخرصًا. ٢- تعيين وزن البضائع: ثم المجازفة الثانية تأتي في تعيين وزن البضائع، وأهميتها بالنسبة للمستهلكين، ولا شك أن أهمية البضائع أمر إضافي يختلف باختلاف الأشخاص، فبينما البضاعة الواحدة مهمة جدًا لشخص واحد، فإنها لا أهمية لها إطلاقًا لشخص آخر. ولكن القائمة تفرض أن أهمية كل بضاعة واحدة بالنسبة إلى كل مستهلك، وذلك على أساس المعدل الوسط، وليس ذلك إلا خرصًا ومجازفة. ٣-تعيين قيمة البضائع: والمجازفة الثالثة في تعيين قيمة البضائع في سنوات مختلفة، لأن من المعلوم أن البضاعة الواحدة تختلف قيمتها باختلاف الأمكنة أيضًا، ولا يمكن في القائمة إلا إدراج قيمة موضع واحد، ولو وضعت القائمة لدولة واحدة فلا يمكن ذلك إلا عن طريق معدل وسط، وهو مجازفة أيضًا. فتقرر بهذا أن قائمة الأسعار مبنية على الخرص والمجازفة في جميع مراحلها. ولو كان الحساب من الدقة بمكان، فإن غاية ما يصل إليه في ذلك هو التقريب دون التحقيق. وبما أن اشتراط أداء القروض والديون بالخرص والمجازفة لا يجوز شرعًا، فلا يجوز ربط الديون بهذه القائمة بحال.

стр. 6369

مذاهب الأمام أبي يوسف في أداء قيمة الفلوس قد استدل بعض الاقتصاديين على ربط الديون بقائمة الأسعار بما روي من مذهب أبي يوسف رحمه الله تعالى في أداء قيمة الفلوس إذا تغيرت قيمتها عند أداء الديون يقول العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: (وفي المنتقى: إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت، قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها، ثم رجع أبو يوسف، وقال: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض) ثم نقل عن التمرتاشي قوله: (وفي البزازية معزيًا إلى المنتقي، غلت الفلوس أو رخصت، فعند الإمام الأول (أي أبي حنيفة) والثاني (أي أبي يوسف) أولًا: ليس عليه غيرها، وقال الثاني (أي أبو يوسف) ثانيًا: عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى) . ثم قال ابن عابدين: " هكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى، وقد نقله شيخنا في بحره وأقره. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء ". (رسائل ابن عابدين: ٢/٦٠) . فاستدل به بعض الاقتصاديين على أنه إذا وجب الدين في صورة الفلوس، فالواجب أداء قيمتها إذا طرأ عليها الغلاء والرخص، وهذا المذهب قريب جدًا من فكرة ربط الديون بقائمة الأسعار. ولكن هذا الاستدلال غير صحيح، والحقيقة أن مذهب أبي يوسف رحمه الله تعالى لا علاقة له بفكرة ربط الديون بقائمة الأسعار، لأن من المعلوم بالبداهة، أن التضخم والانكماش ووضع قائمة الأسعار، وتقويم النقود على أساس تلك القائمة، كل هذه الأمور أمور حادثة لم تكن متصورة في زمن الإمام أبي يوسف – رحمة الله تعالى – فحينما يقول أبو يوسف بأداء قيمة الفلوس، فإنه لا يمكن أن يريد به قيمتها المقدرة على أساس قائمة الأسعار، أو القيمة الحقيقية (Real Value) بالاصطلاح الاقتصادي المعاصر.

стр. 6370

والواقع أن الفلوس في الأزمنة المتقدمة كانت مرتبطة بنقود الذهب والفضة تقوم على أساسها (١) وتعتبر كالفكة للنقود الذهبية والفضية وكانت عشرة فلوس تعادل درهمًا واحدًا من الفضة، فكان الفلس الواحد يعتبر عشر الدرهم الفضي، ولكن قيمة الفلس هذه لم تكن مقدرة على أساس قيمتها الذاتية، وإنما كانت قيمة رمزية اصطلح عليها الناس، فكان من الممكن أن يتغير هذا الاصطلاح، بأن يصطلح الناس على أن الفلس الواحد الآن يعتبر نصف عشر الدرهم بعد ما كان يعتبر عشرة، فهذا هو المراد برخص الفلوس، كما يمكن أن يصطلح الناس على أن الفلس الواحد الآن يعتبر خمس الدرهم، وهذا هو المراد بغلائها. فإذا وقع غلاء الفلوس أو رخصها بهذه الصورة، فهل يؤدي المديون نفس عدد الفلوس الذي وجب في ذمته يوم العقد؟ أو يؤدي قيمة ذلك العدد يوم الأداء؟ قد وقع فيه خلاف العلماء. فقال أبو حنيفة: يؤدي نفس العدد الذي وجب في ذمته يوم العقد، ولا عبرة بالقيمة، وهو المشهور. من مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (راجع تنبيه الرقود: ٢/٦٠، والزرقاني على خليل: ٥/٦٠، والحاوي للفتاوي للسيوطي: ١/٩٧ – ٩٩، والشرح الكبير على المقنع: ٤ /٣٥٨) فلو اقترض أحد مائة فلس في وقت يعتبر فيه الفلس الواحد عشر درهم واحد فاقترض فلوسًا تساوي عشرة دراهم في القيمة، ثم تغير الاصطلاح، حتى صار الفلس الواحد يعتبر نصف عشر درهم واحد، فذهب جمهور الفقهاء إلى أن المقترض لا يؤدي إلا مائة فلس، وإن كانت هذه المائة لا تساوي اليوم إلا خمسة دراهم. لكن خالفهم أبو يوسف ﵀، فقال: إنما يجب أداء قيمة الفلوس المقترضة على أساس الدرهم، فمن اقترض مائة فلس في المثال المذكور، إنما يؤدي الآن مائتي فلس، لأن الفلوس فكة للدراهم، فمن اقترض مائة فلس، فكأنه اقترض فكة عشرة دراهم، وإن فكة عشرة دراهم يوم الأداء هي مائتا فلس، فالواجب عليه أداء مائتي فلس.

стр. 6371

والذي يظهر لي – والله أعلم – أن أساس الخلاف بين أبي يوسف والجمهور مبني على اختلافهم في تكييف هذه الفلوس، فيبدو أن جمهور الفقهاء اعتبروا الفلوس أثمانًا اصطلاحية مستقلة غير مرتبطة بالدراهم والدنانير ارتباطًا دائمًا، فمن اقترض عددًا من الفلوس، فإنه يؤدي نفس العدد دون نظر إلى قيمتها بالنسبة للدرهم، وأما أبو يوسف ﵀ فاعتبر الفلوس أجزاء اصطلاحية كالفكة للدرهم، فالمقصود بالاقتراض عنده ليس عدد الفلوس،وإنما المقصود اقتراض أجزاء للدرهم يمثلها ذلك العدد من الفلوس، فلذلك أوجب رد تلك الأجزاء للدراهم في صورة الفلوس، وإن اختلف عددها من العدد المقترض. ونظير الرخص والغلاء الذي يأتي فيه قول أبي يوسف هذا، أن الربية الباكستانية إلى أوائل الخمسينات كانت مقسمة على أربع وستين بيسة، (والبيسة نوع من الفلس) ثم اختارت الدولة النظام الأعشاري، فأعلنت أن الربية تكون مقسمة على مائة بيسة. فكانت البيسة قبل هذا الإعلان ثمن ثمن الربية، وصارت بعد هذا الإعلان عشر عشرها، فطرأ عليها الرخص بهذا القدر. فمن اقترض أربعًا وستين بيسة قبل الإعلان هل يؤدي بعد الإعلان نفس الأربع والستين بيسة؟ أو يؤدي مائة؟ (١) الظاهر أنه يؤدي مائة، لأنه اقترض فكة ربية واحدة، فليرد فكة ربية واحدة، وهي الآن مائة بيسة. فالحاصل أن قول الإمام أبي يوسف ﵀ إنما يتأتي في فلوس مرتبطة بثمن آخر ارتباطًا دائمًا يجعلها كالأجزاء والفكة لذلك الثمن. أما النقود الورقية اليوم، فليست مرتبطة بثمن آخر، ولا معتبرة كالأجزاء والفكة له، وإنما هي أثمان اصطلاحية مستقلة. وبالتالي، إن الوقوف على قيمة الفلوس حسبما يراه الإمام أبو يوسف يمكن تحقيقها، لأنها مرتبطة بعيار مضبوط من الثمن، وهو الدرهم، بخلاف النقود الورقية، فإن الوقوف على قيمتها الحقيقية حسب الاصطلاح الاقتصادي المعاصر، لا يمكن تحقيقًا، وإنما تكون هذه القيمة مقدرة على أساس الخرص والمجازفة، كما أوضحنا فيما سبق، فلا يقاس هذا على ذاك.

стр. 6372

اعتبار العرف في مثلية النقود: قد يستدل بعض الاقتصاديين على جواز ربط الدين بقائمة الأسعار، بأن الواجب في القروض أداء المثل، ولكن يجب أن يرجع في تعيين معنى المثلية إلى العرف، فما اعتبره العرف مثلًا، ينبغي أن يعتبره الشرع أيضًا كذلك. وبما أن قيمة النقد والمقدرة على أساس قائمة الأسعار تعتبر مثلًا للمبلغ المقترض في العرف الاقتصادي اليوم، فينبغي أن تعتبرها الشريعة مثلًا في أداء القروض. ولكن هذا الاستدلال باطل أيضًا. أما أولًا: فلأن العرف إنما يصار إليه عند عدم النص، وقد بينا فيما سبق أن النصوص التي حرمت الربا قد عينت معنى المثلية بكل صراحة ووضوح، وأن المعتبر هو التماثل في القدر، فلا مجال بعد ذلك للعرف في تعيين معنى المثل. وأما ثانيًا: فإن كون القيمة الحقيقية (باصطلاح الإقتصاد) مثلًا لم يصره عرفًا معتبرًا إلى الآن، حتى عند الأقتصاديين. فمن المعلوم بالبداهة أن معظم بلاد العالم لم توافق بعد على فكرة ربط الديون بقائمة الأسعار، وإنما طبقت هذه الفكرة في دول معدودة (مثل البرازيل، وأستراليا، وإسرائيل ... وما إليها) فنسبتها ضئيلة جدًا بالنظر إلى سائر دول العالم. ثم إن القلة من الدول لم تأخذ بهذه الفكرة بجميع نواحيها، ولا في سائر المداولات المالية، وإنما أخذت بها في شعب مخصوصة من شعبها الإقتصادية، لأن تطبيقها كأصل عام شامل لا يعتبر ممكنًا، حتى عند الاقتصاديين، يقول بين هورم، وإيجل ليوى: " إن استخدام قائمة الأسعار في جميع المعاملات المالية على وجه الشمول أمر لا يمكن حصولة فعلًا (١) ومن الأمور الواضحة جدًا، أنه لا تعرف على وجه الأرض دولة ربطت الحسابات الجارية في البنوك بقائمة الأسعار مهما كانت نسبة التضخم مرتفعة. وإن البرازيل أبرز دولة استخدمت قائمة الأسعار في كثير من معاملاتها المالية. ولعلها أكثر دول العالم استخدامًا لهذه القائمة، ولكنها لم تستخدمها في الحسابات الجارية في البنوك، فمن أودع في هذه الحسابات مبلغًا لا يستلم إلا ذلك المبلغ بنفس العدد المودع، كانت قائمة الأسعار قد ازدادت للضعف أو أكثر. وإن هذا واضح الدلائل على أن اعتبار التماثل بالقيمة الحقيقية ليس عرفًا سائدًا، حتى في الدول التي تمسك بالقيمة الحقيقية كسلاح لمدافعة أضرار التضخم.

стр. 6373

وقد رأينا أكثر الاقتصاديين الذي يؤيدون فكرة الأخذ بالقيمة الحقيقية في أداء الديون، يصرخون بأنهم لا يريدون الأخذ بهذه الفكرة في القروض الاستهلاكية، يعني: إن اقترض رجل ألف ربية لدفع حاجاته الشخصية من الطعام والشراب والسكن، فإن هذا القرض لا ينبغي أن يربط بقائمة الأسعار عندهم أيضًا، وإنما يقصدون أن يطبقوا فكرة القيمة الحقيقية في القروض الإنتاجية فحسب. أليس هذا اعتراف من أنفسهم بأن القيمة الحقيقية ليست مثلًا في القروض الاستهلاكية؟ فإن لم تكن مثلًا في القروض الاستهلاكية، فكيف تكون مثلًا في القروض الإنتاجية؟ فإن المثلية حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف أقسام القروض؟ وكذلك نرى الاقتصاديين إنما يؤيدون فكرة القيمة الحقيقية في حالة التضخم، ولا يوجد أحد يأخذ بهذه الفكرة في حالة الانكماش. ومعنى ذلك أن القيمة الحقيقية المزعومة إنما تعتبر في حالة ارتفاع الأسعار، أما إذا انخفضت الأسعار بعد القرض، فلا يؤدي إلا المبلغ المقترض يوم العقد لأنه لا يرضي من أقرض ألف ربية أن يقبل بدلها ثمانمائة ربية نظرًا إلى انخفاض الأسعار، ولو طبقت فكرة القيمة الحقيقية في حالة انخفاض الأسعار، فإنه لا يوجد من يودع ماله في البنوك خشية النقصان العارض بسبب الانكماش. وهذا أيضًا دليل على أن فكرة القيمة الحقيقية ليست فكرة علمية قائمة على أسس متينة وإنما هي فكرة إنما ظهرت لمواجهة أضرار التضخم كعلاج وقتي دون نظر إلى لوازمها المنطقية وعواقبها الأخرى. وإن مثل هذه الفكرة لها مجال في النظام المالي الذي يقوم على أساس الربا، وأما في النظام الذي يريد الاحتزار عن الربا،فإن فكرة ربط الديون بالأسعار فكرة زائفة لا تقوم أمام الدلائل الشرعية والعقلية. وإن هذه المسألة قد عرضت أمام مجلس الفكر الإسلامي في باكستان، فاتفق أعضاء المجلس من العلماء والاقتصاديين جميعًا على أن ربط الديون بالأسعار لا مبرر له في الشرعية الإسلامية. وكذلك نوقش هذا الموضوع في ندوة مختصة لمداولته أقامها البنك الإسلامي للتنمية بجدة باشتراك المعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي بإسلام أباد وذلك في شعبان سنة ١٤٠٧ هـ، وقد حضر هذه الندوة جماعة من العلماء والاقتصاديين من بلاد مختلفة، والقرار الذي اتفق عليه مشاركو هذه الندوة كما يلي.

стр. 6374

توصيات: ١- إن النقود الورقية تقوم مقام النقدين (الدنانير والدراهم) في جريان الربا ووجوب الزكاة فيها وكونها رأس مال سلم ومضاربة وحصة في شركة، وإن قول أبي يوسف بوجوب رد قيمة الفلوس في حالة الغلاء والرخص بالنسبة للنقدين لا يجري في الأوراق النقدية لأن هذه الأوراق النقدية تقوم مقام النقدين المتفق على عدم اعتبار الرخص والغلاء فيهما. ٢- يؤكد العلماء الحاضرون في الندوة على أن المقصود بالمثل في أحاديث الربا والقروض، المثل في الجنس والقدر الشرعيين، أي الوزن والكيل والعدد، لا القيمة. وذلك تباعًا لما دلت عليه السنة من إلغاء اعتبار الجودة في تبادل الأصناف الربوية، وما انعقد عليه إجماع الأمة وجرى عليه عملها. ٣- لا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًا كان مصدرها بمستوى الأسعار، بأن يشترط العاقدان في العقد المنشئ للدين، كالبيع والقرض وغيرهما، ربط العملة التي وقع بها البيع أو القرض، بسلعة (أو مجموعة من السلع) أو العملة وقت حلول الأجل بالعملة التي وقع بها البيع والقرض. ٤- الأصل في النفقات أن تقدر عينًا، ويحكم القضاء بقيمة الأعيان عند التنازع تأسيسًا على مستوى الأسعار، ومن ثم فلا حاجة لربطها بمستوى الأسعار على النحو السابق شرحه. ثم كل ما ذكرناه في هذا البحث الموجز كان يتجه نحو الناحية الشرعية لهذه المسألة، أما الناحية الاقتصادية، فلم أتعرض لها في هذا البحث، لكونها خارجة عن اختصاصي، غير أنه يجدر بالذكر هنا أن فكرة ربط الديون بالأسعار قد واجهت – ولا تزال تواجه – نقدًا عنيفًا من قبل الاقتصاديين أنفسهم، وإن معظم الاقتصاديين اليوم لا يعتبرونها علاجًا للتضخم، وما يعتبرونها إلا كدواء مخدر يستر المرض ولا يزيله، والحق أنها لا تداوي علة التضخم، وإنما تقرها وتسايرها. ولهذا الدواء المخدر أضرار مستقبلية على الحياة الاقتصادية، ومن أجل هذه الأضرار فقد تركته بعض الدول رأسًا كفرنسا. وبما أن هذه الناحية خارجة عن نطاق موضوعنا، فإني أضرب عنها صفحًا، ومن شاء راجع الكتب الاقتصادية المؤلفة في هذا الموضوع خاصة.

стр. 6375

ربط الأجور بقائمة الأسعار: أما ربط الأجور بقائمة الأسعار فيختلف حكمه عن ربط الديون ما لم تصر الأجرة دينًا، فإن صارت دينًا فحكمها ربط الديون، وتفصيل ذلك أن ربط الأجور بقائمة الأسعار يمكن بثلاثة طرق: ١- أن يقع تعيين الأجور والمرتبات بالنقود عددًا، ويتعاهد العاقدان، أن هذه الأجور تتزايد كل سنة بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار. مثاله: أن الحكومة عينت موظفا على راتب ثلاثة آلاف ربية شهريًا، وتعاهدت أن هذا المرتب يزداد عند ابتداء السنة الآتية بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار، فإن هذا الموظف لا يزال يستلم ثلاثة آلاف ربية كل شهر، إلى أن تنتهي السنة، ولا ينظر إلى قائمة الأسعار أثناء السنة. فإذا جاءت السنة الجديدة وكانت نسبة الزيادة في قائمة الأسعار خمسًا في المائة، فإن مرتب الموظف سيزداد بهذه النسبة، فيصير راتبه ثلاثة آلاف ومائة وخمسين. إن هذا الطريق يعمل به في كثير من البلاد، ومنها باكستان. وإن مثل هذا الربط لا مانع منه شرعًا، لأن حاصله اتفاق الفريقين على تزايد الأجور والمرتبات كل سنة أو كل ستة أشهر بنسبة معينة وإن هذه النسبة، وإن لم تكن معلومة عند العقد، غير أن عيارها الذي تتعين النسبة على أساسه معلوم، فانتفت شبهة الجهالة في قدر الزيادة أو يقال: إن عقد الإجارة يتجدد كل سنة بأجرة متزايدة بنسبة الزيادة في الأسعار. وليس في ذلك أي مانع شرعي. ٢- والطريق الثاني لربط الأجور بالأسعار: أن يقع تعيين الأجر على أساس مبلغ معلوم من النقود، ولكن يشترط في العقد أن هذا المبلغ المعلوم ليس هو المرتب الواجب في الذمة، وإنما الواجب في الذمة ما يساوي هذا المبلغ عند انتهاء كل شهر حسب قائمة الأسعار.
следующие страницы →