← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

والذي يظهر لي – والله أعلم – أن أساس الخلاف بين أبي يوسف والجمهور مبني على اختلافهم في تكييف هذه الفلوس، فيبدو أن جمهور الفقهاء اعتبروا الفلوس أثمانًا اصطلاحية مستقلة غير مرتبطة بالدراهم والدنانير ارتباطًا دائمًا، فمن اقترض عددًا من الفلوس، فإنه يؤدي نفس العدد دون نظر إلى قيمتها بالنسبة للدرهم، وأما أبو يوسف ﵀ فاعتبر الفلوس أجزاء اصطلاحية كالفكة للدرهم، فالمقصود بالاقتراض عنده ليس عدد الفلوس،وإنما المقصود اقتراض أجزاء للدرهم يمثلها ذلك العدد من الفلوس، فلذلك أوجب رد تلك الأجزاء للدراهم في صورة الفلوس، وإن اختلف عددها من العدد المقترض. ونظير الرخص والغلاء الذي يأتي فيه قول أبي يوسف هذا، أن الربية الباكستانية إلى أوائل الخمسينات كانت مقسمة على أربع وستين بيسة، (والبيسة نوع من الفلس) ثم اختارت الدولة النظام الأعشاري، فأعلنت أن الربية تكون مقسمة على مائة بيسة. فكانت البيسة قبل هذا الإعلان ثمن ثمن الربية، وصارت بعد هذا الإعلان عشر عشرها، فطرأ عليها الرخص بهذا القدر. فمن اقترض أربعًا وستين بيسة قبل الإعلان هل يؤدي بعد الإعلان نفس الأربع والستين بيسة؟ أو يؤدي مائة؟ (١) الظاهر أنه يؤدي مائة، لأنه اقترض فكة ربية واحدة، فليرد فكة ربية واحدة، وهي الآن مائة بيسة. فالحاصل أن قول الإمام أبي يوسف ﵀ إنما يتأتي في فلوس مرتبطة بثمن آخر ارتباطًا دائمًا يجعلها كالأجزاء والفكة لذلك الثمن. أما النقود الورقية اليوم، فليست مرتبطة بثمن آخر، ولا معتبرة كالأجزاء والفكة له، وإنما هي أثمان اصطلاحية مستقلة. وبالتالي، إن الوقوف على قيمة الفلوس حسبما يراه الإمام أبو يوسف يمكن تحقيقها، لأنها مرتبطة بعيار مضبوط من الثمن، وهو الدرهم، بخلاف النقود الورقية، فإن الوقوف على قيمتها الحقيقية حسب الاصطلاح الاقتصادي المعاصر، لا يمكن تحقيقًا، وإنما تكون هذه القيمة مقدرة على أساس الخرص والمجازفة، كما أوضحنا فيما سبق، فلا يقاس هذا على ذاك.

стр. 6372

اعتبار العرف في مثلية النقود: قد يستدل بعض الاقتصاديين على جواز ربط الدين بقائمة الأسعار، بأن الواجب في القروض أداء المثل، ولكن يجب أن يرجع في تعيين معنى المثلية إلى العرف، فما اعتبره العرف مثلًا، ينبغي أن يعتبره الشرع أيضًا كذلك. وبما أن قيمة النقد والمقدرة على أساس قائمة الأسعار تعتبر مثلًا للمبلغ المقترض في العرف الاقتصادي اليوم، فينبغي أن تعتبرها الشريعة مثلًا في أداء القروض. ولكن هذا الاستدلال باطل أيضًا. أما أولًا: فلأن العرف إنما يصار إليه عند عدم النص، وقد بينا فيما سبق أن النصوص التي حرمت الربا قد عينت معنى المثلية بكل صراحة ووضوح، وأن المعتبر هو التماثل في القدر، فلا مجال بعد ذلك للعرف في تعيين معنى المثل. وأما ثانيًا: فإن كون القيمة الحقيقية (باصطلاح الإقتصاد) مثلًا لم يصره عرفًا معتبرًا إلى الآن، حتى عند الأقتصاديين. فمن المعلوم بالبداهة أن معظم بلاد العالم لم توافق بعد على فكرة ربط الديون بقائمة الأسعار، وإنما طبقت هذه الفكرة في دول معدودة (مثل البرازيل، وأستراليا، وإسرائيل ... وما إليها) فنسبتها ضئيلة جدًا بالنظر إلى سائر دول العالم. ثم إن القلة من الدول لم تأخذ بهذه الفكرة بجميع نواحيها، ولا في سائر المداولات المالية، وإنما أخذت بها في شعب مخصوصة من شعبها الإقتصادية، لأن تطبيقها كأصل عام شامل لا يعتبر ممكنًا، حتى عند الاقتصاديين، يقول بين هورم، وإيجل ليوى: " إن استخدام قائمة الأسعار في جميع المعاملات المالية على وجه الشمول أمر لا يمكن حصولة فعلًا (١) ومن الأمور الواضحة جدًا، أنه لا تعرف على وجه الأرض دولة ربطت الحسابات الجارية في البنوك بقائمة الأسعار مهما كانت نسبة التضخم مرتفعة. وإن البرازيل أبرز دولة استخدمت قائمة الأسعار في كثير من معاملاتها المالية. ولعلها أكثر دول العالم استخدامًا لهذه القائمة، ولكنها لم تستخدمها في الحسابات الجارية في البنوك، فمن أودع في هذه الحسابات مبلغًا لا يستلم إلا ذلك المبلغ بنفس العدد المودع، كانت قائمة الأسعار قد ازدادت للضعف أو أكثر. وإن هذا واضح الدلائل على أن اعتبار التماثل بالقيمة الحقيقية ليس عرفًا سائدًا، حتى في الدول التي تمسك بالقيمة الحقيقية كسلاح لمدافعة أضرار التضخم.

стр. 6373

وقد رأينا أكثر الاقتصاديين الذي يؤيدون فكرة الأخذ بالقيمة الحقيقية في أداء الديون، يصرخون بأنهم لا يريدون الأخذ بهذه الفكرة في القروض الاستهلاكية، يعني: إن اقترض رجل ألف ربية لدفع حاجاته الشخصية من الطعام والشراب والسكن، فإن هذا القرض لا ينبغي أن يربط بقائمة الأسعار عندهم أيضًا، وإنما يقصدون أن يطبقوا فكرة القيمة الحقيقية في القروض الإنتاجية فحسب. أليس هذا اعتراف من أنفسهم بأن القيمة الحقيقية ليست مثلًا في القروض الاستهلاكية؟ فإن لم تكن مثلًا في القروض الاستهلاكية، فكيف تكون مثلًا في القروض الإنتاجية؟ فإن المثلية حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف أقسام القروض؟ وكذلك نرى الاقتصاديين إنما يؤيدون فكرة القيمة الحقيقية في حالة التضخم، ولا يوجد أحد يأخذ بهذه الفكرة في حالة الانكماش. ومعنى ذلك أن القيمة الحقيقية المزعومة إنما تعتبر في حالة ارتفاع الأسعار، أما إذا انخفضت الأسعار بعد القرض، فلا يؤدي إلا المبلغ المقترض يوم العقد لأنه لا يرضي من أقرض ألف ربية أن يقبل بدلها ثمانمائة ربية نظرًا إلى انخفاض الأسعار، ولو طبقت فكرة القيمة الحقيقية في حالة انخفاض الأسعار، فإنه لا يوجد من يودع ماله في البنوك خشية النقصان العارض بسبب الانكماش. وهذا أيضًا دليل على أن فكرة القيمة الحقيقية ليست فكرة علمية قائمة على أسس متينة وإنما هي فكرة إنما ظهرت لمواجهة أضرار التضخم كعلاج وقتي دون نظر إلى لوازمها المنطقية وعواقبها الأخرى. وإن مثل هذه الفكرة لها مجال في النظام المالي الذي يقوم على أساس الربا، وأما في النظام الذي يريد الاحتزار عن الربا،فإن فكرة ربط الديون بالأسعار فكرة زائفة لا تقوم أمام الدلائل الشرعية والعقلية. وإن هذه المسألة قد عرضت أمام مجلس الفكر الإسلامي في باكستان، فاتفق أعضاء المجلس من العلماء والاقتصاديين جميعًا على أن ربط الديون بالأسعار لا مبرر له في الشرعية الإسلامية. وكذلك نوقش هذا الموضوع في ندوة مختصة لمداولته أقامها البنك الإسلامي للتنمية بجدة باشتراك المعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي بإسلام أباد وذلك في شعبان سنة ١٤٠٧ هـ، وقد حضر هذه الندوة جماعة من العلماء والاقتصاديين من بلاد مختلفة، والقرار الذي اتفق عليه مشاركو هذه الندوة كما يلي.

стр. 6374

توصيات: ١- إن النقود الورقية تقوم مقام النقدين (الدنانير والدراهم) في جريان الربا ووجوب الزكاة فيها وكونها رأس مال سلم ومضاربة وحصة في شركة، وإن قول أبي يوسف بوجوب رد قيمة الفلوس في حالة الغلاء والرخص بالنسبة للنقدين لا يجري في الأوراق النقدية لأن هذه الأوراق النقدية تقوم مقام النقدين المتفق على عدم اعتبار الرخص والغلاء فيهما. ٢- يؤكد العلماء الحاضرون في الندوة على أن المقصود بالمثل في أحاديث الربا والقروض، المثل في الجنس والقدر الشرعيين، أي الوزن والكيل والعدد، لا القيمة. وذلك تباعًا لما دلت عليه السنة من إلغاء اعتبار الجودة في تبادل الأصناف الربوية، وما انعقد عليه إجماع الأمة وجرى عليه عملها. ٣- لا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًا كان مصدرها بمستوى الأسعار، بأن يشترط العاقدان في العقد المنشئ للدين، كالبيع والقرض وغيرهما، ربط العملة التي وقع بها البيع أو القرض، بسلعة (أو مجموعة من السلع) أو العملة وقت حلول الأجل بالعملة التي وقع بها البيع والقرض. ٤- الأصل في النفقات أن تقدر عينًا، ويحكم القضاء بقيمة الأعيان عند التنازع تأسيسًا على مستوى الأسعار، ومن ثم فلا حاجة لربطها بمستوى الأسعار على النحو السابق شرحه. ثم كل ما ذكرناه في هذا البحث الموجز كان يتجه نحو الناحية الشرعية لهذه المسألة، أما الناحية الاقتصادية، فلم أتعرض لها في هذا البحث، لكونها خارجة عن اختصاصي، غير أنه يجدر بالذكر هنا أن فكرة ربط الديون بالأسعار قد واجهت – ولا تزال تواجه – نقدًا عنيفًا من قبل الاقتصاديين أنفسهم، وإن معظم الاقتصاديين اليوم لا يعتبرونها علاجًا للتضخم، وما يعتبرونها إلا كدواء مخدر يستر المرض ولا يزيله، والحق أنها لا تداوي علة التضخم، وإنما تقرها وتسايرها. ولهذا الدواء المخدر أضرار مستقبلية على الحياة الاقتصادية، ومن أجل هذه الأضرار فقد تركته بعض الدول رأسًا كفرنسا. وبما أن هذه الناحية خارجة عن نطاق موضوعنا، فإني أضرب عنها صفحًا، ومن شاء راجع الكتب الاقتصادية المؤلفة في هذا الموضوع خاصة.

стр. 6375

ربط الأجور بقائمة الأسعار: أما ربط الأجور بقائمة الأسعار فيختلف حكمه عن ربط الديون ما لم تصر الأجرة دينًا، فإن صارت دينًا فحكمها ربط الديون، وتفصيل ذلك أن ربط الأجور بقائمة الأسعار يمكن بثلاثة طرق: ١- أن يقع تعيين الأجور والمرتبات بالنقود عددًا، ويتعاهد العاقدان، أن هذه الأجور تتزايد كل سنة بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار. مثاله: أن الحكومة عينت موظفا على راتب ثلاثة آلاف ربية شهريًا، وتعاهدت أن هذا المرتب يزداد عند ابتداء السنة الآتية بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار، فإن هذا الموظف لا يزال يستلم ثلاثة آلاف ربية كل شهر، إلى أن تنتهي السنة، ولا ينظر إلى قائمة الأسعار أثناء السنة. فإذا جاءت السنة الجديدة وكانت نسبة الزيادة في قائمة الأسعار خمسًا في المائة، فإن مرتب الموظف سيزداد بهذه النسبة، فيصير راتبه ثلاثة آلاف ومائة وخمسين. إن هذا الطريق يعمل به في كثير من البلاد، ومنها باكستان. وإن مثل هذا الربط لا مانع منه شرعًا، لأن حاصله اتفاق الفريقين على تزايد الأجور والمرتبات كل سنة أو كل ستة أشهر بنسبة معينة وإن هذه النسبة، وإن لم تكن معلومة عند العقد، غير أن عيارها الذي تتعين النسبة على أساسه معلوم، فانتفت شبهة الجهالة في قدر الزيادة أو يقال: إن عقد الإجارة يتجدد كل سنة بأجرة متزايدة بنسبة الزيادة في الأسعار. وليس في ذلك أي مانع شرعي. ٢- والطريق الثاني لربط الأجور بالأسعار: أن يقع تعيين الأجر على أساس مبلغ معلوم من النقود، ولكن يشترط في العقد أن هذا المبلغ المعلوم ليس هو المرتب الواجب في الذمة، وإنما الواجب في الذمة ما يساوي هذا المبلغ عند انتهاء كل شهر حسب قائمة الأسعار.

стр. 6376

ومثاله: أن زيدًا استأجر عمرًا لشهر، وقرر أنه سيؤدي قيمة ألف ربية موجودة عند نهاية الشهر نظرًا إلى قائمة الأسعار، وقد ازدادت قائمة الأسعار خلال هذا الشهر بقدر اثنين في المائة مثلًا، فيؤديه في آخر الشهر ألفًا وعشرين ربية، لأنها تعادل قيمة ألف ربية في بداية الشهر، ولكن إذا تقرر في نهاية الشهر أن الراتب ألف وعشرون ربية مثلًا، فإنها تبقى ألفًا وعشرين إلى الأبد. فلو لم يستطيع المؤجر أداءها عند نهاية الشهر، حتى مضى على ذلك شهر آخر، أو سنة أخرى، فإن الواجب في الذمة ألف وعشرون لا غير، ولا يتغير قدرها بتغير قائمة الأسعار بعد ذلك، فلو ازدادت القائمة في هذه المدة بقدر العشرة في المائة مثلًا، فلا يستطيع الأجير أن يطالب المؤجر بزيادة العشرة في المائة على الألف والعشرين. لأن الراتب المتفق عليه عند بداية العقد هو ما يعادل الألف عند نهاية الشهر الأول، وكان الرجوع إلى قائمة الأسعار لمجرد تعيين ذلك، فإذا تعينت الأجرة على أساسها مرة، انتهت وظيفة قائمة الأسعار، وصارت الأجرة المعينة دينًا على المؤجر، فلا يزيد هذا الدين ولا ينقص، مهما وقعت التغيرات في القائمة. وحكمه الشرعي، فيما أرى، أنه يجوز أيضًا، بشرط أن تكون قائمة الأسعار وطريق حسابها معلومًا لدى الفريقين علمًا لا يفضي إلى النزاع. لأن الفريقين قد اتفقا منذ بداية العقد على أن الأجرة ليست ألف ربية، وإنما الواجب ما يعادلها من الروبيات عند انتهاء الشهر حسب قائمة الأسعار، وهي معلومة منضبطة بطريق حسابي معلوم لدى الفريقين، فلا تفضي جهالة قدر الأجرة إلى المنازعة، فصارت كما إذا استأجر رجل أجيرًا على ربيات تعادل عشرة جرامات من الذهب في اليوم الأخير من الشهر، فإذا تقرر في اليوم الأخير من الشهر أن ألفي ربية تعادل عشرة جرامات من الذهب اليوم ظهر أن الأجرة ألفا ربية، ولا تزيد بعد ذلك ولا تنقص، سواء انتقصت قيمة الذهب بعد ذلك أو ازدادت.

стр. 6377

٣- والطريق الثالث لربط الأجور بالأسعار أن يقع تعيين الأجرة بمبلغ معلوم من النقود، ويشترط العاقدان أن هذا المبلغ هو الواجب في الذمة، وعليه انعقدت الأجارة، ولكن يجب على المؤجر عند أداء الأجرة أن يزيد في هذا المبلغ بنسبة الزيادة في قائمة الأسعار يوم الأداء. ومثاله: رجل استأجر أجيرًا على ألف ربية، وتقرر بينهما أن الأجرة ألف ربية، ولكن يجب على المؤجر كلما أدى هذه الألف ربية أن يضيف إليها نسبة الزيادة في قائمة الأسعار يوم الأداء، فإن أدى آخر الشهر ونسبة الزيادة يومئذ اثنان في مائة، فإنه يضيف إلى الآلف عشرين، وإن أداها بعد سنة ونسبة الزيادة يومئذ عشرة في المائة، فإنه يضيف إلى الألف مائة، وهكذا. وحكمة الشرعي، فيما أرى، حكم ربط الديون بالأسعار وهو أنه لا يجوز شرعًا كما مر تفصيلًا ولله الحمد. والفرق بين هذه الصورة والصورة الثانية أن قائمة الأسعار إنما استخدمت في الصورة الثانية لتعيين الأجرة المتفق عليها، فإذا تعينت الأجرة على أساسها، انتهت وظيفة القائمة، وصارت الأجرة المعينة هي الواجبة في الذمة إلى الأبد. وأما في هذه الصورة الثالثة، فالأجرة المقررة هي الألف ربية، فصارت الألف ربية دينًا على المؤجر، وإن هذا الدين قد ارتبط بقائمة الأسعار، فحكمه حكم ربط الدين بالأسعار. ولا نستطيع هنا أن نقول: إن قائمة الأسعار، تؤدي دورها في تعيين الأجرة، لأن الأجرة يجب أن تكون معلومة عند العقد، أو في ثاني الحال، بحيث لا تقبل الزيادة والنقصان بعد ذلك. فإذا تعلقت الأجرة بشيء آخر إلى الأبد، بحيث تزيد بزيادته وتنقص بنقصانه، فإن ذلك أجرة مجهولة متراوحة لا تستقر على قدر معلوم، وإن هذه الجهالة تفسد عقد الإجارة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. القاضي محمد تقي العثماني

стр. 6378

المعاملات الإسلامية وتغيير العملة قيمة وعينًا إعداد الشيخ/ محمد الحاج الناصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) المقدمة اللهم لك الحمد كفاء ما أنت أهله على ما أجزلت من نعمة الإسلام والهداية إليه ورحمة القرآن والشغف به وكرامة السنة النبوية والتعلق بها، وأنت المسؤول أن تتم علينا نعمتك بالتوفيق ورحمتك بالهداية وكرامتك بالعون وأن تعصمنا من الزلل في الفهم والخطأ في الاستدلال والخطأ في القول، وأن تجنبنا زيغ الهوى وضلالة التقليد وتحريف التعصب وانحراف من يؤثر كلام الرجال على نصوص كتابك الكريم وأحاديث نبيك المصطفى الحبيب ومن إنعامك وبإلهامك نصلي عليه وعلى آله وصحابته والتابعين لشريعته المعتصمين بسنته أفضل الصلوات ونسلم أزكي التسليم. وبعد، فهذه نظرات في "تغيير قيمة العملة " وحكمه وما يترتب عليه من آثار في الأحكام الشرعية ما كان منها من العبادات وما كان من المعاملات نتجاوب بها مع رغبة "مجمع الفقه" المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي، إذ جعل هذا الأمر من عنايته للبحث والدراسة وابتغاء الاهتداء إلى ما يتجلى له حكمًا سليمًا في دورته الخامسة خدمة للعلم وتعزيزًا للانبعاث الإسلامي الذي تهز المجتمع الإسلامي عوامله هذا يتزايد مع الأيام اشتدادًا واتساعًا وتعمقًا، ونرجو من ورائه خيرًا كثيرًا لعزة الإسلام وسعادة المسلمين. ومن قبل ومن بعد ابتغاء وجه الله الكريم بالإسهام في اجتلاء الحقائق من شريعته واكتشاف السرائر من أوامره ونواهيه واستبانة المقاصد من تنزيله وحديث نبيه التماسًا لأسباب التوفيق بينها وبين مبتغيات الحياة المعاصرة ومقتضياتها مما يتراءى أنه يستعصي على الاحتفاظ بالصيغة الإسلامية مع مواصلة سيره الطبيعي في مسيره المفروض عليه بتطور حياة الناس وتوالي تغير أوضاعهم الحضارية حتى لقد يلتبس على بعض الأغرار كيف يمكن تصور انبعاث إسلامي كامل شامل مع مواكبة هذه الأطوار والأوضاع. وسنلتزم - بحول الله - منهجنا الذي لن نحيد عليه فيما شاء الله أن يبقى من عمرنا وأن يوفقنا إليه من عمل علمي من الاعتماد على نصوص القرآن والحديث وإيثار الحديث الضعيف على القياس إلا أن تشهد للقياس شواهد ترجح به أو يتدنى ما نسب إلى رسول الله ﷺ بطرق ضعيفة إسنادًا ومتنًا إلى مرتبة يستريب معها القلب من إسناده إلى صاحب الرسالة النيرة أو يختلف جوهريًا مع ما اقتضته طبيعة التطور البشري اقتضاء فرضته سنة الكون لا مجرد شهوة أو رغبة في تقليد الغير ومجانسته أو الاتساق معه.

стр. 6379

ولذلك سنسوق ما نعتمد عليه من الأحاديث والآثار التشريعية والتاريخية مسندة بنفس ألفاظ الإسناد الواردة في مصادرها التي سنذكرها مع تحديد أرقام الصفحات من النسخ المطبوعة التي صدرنا عنها. واحتياطًا لنا وللقارئ سنحرص على إيراد الطرق المتعددة - أو أغلبها - لكل حديث أو أثر نسوقه وإن تماثلت هي أو ألفاظها أو تقاربت بحيث يتراءى الاختلاف بينها كما لو أنه غير ذي بال، فالقاعدة التي تنطلق منها هي أن اللفظ الواحد أو الكلمة الواحدة أو الحرف وإن كان من غير حروف المعاني تختلف في شأنه طريقان من طرق الإسناد لا يخلو من أثر في المفاضلة بين الروايتين للحديث أو الأثر الواحد وأن الأسانيد الصحيحة تتقوى بتعدادها وإن تماثلت، وقل أن تتماثل، نظرًا لتفاوت أقدار الرجال، وإن كانوا جميعًا موثقين وأنما دونها من الأسانيد إذا تعددت طرقها وإن اختلفت في رجالها فحسب يتقوى بعضها ببعض تقوية ترجح اعتمادها ترجيحًا قد يبلغ درجة الطمأنينة واعتبارًا لهذه القاعدة فإن ما قد يجده القارئ من تكرار الرواية الواحدة - وأن تكن تاريخية - فحسب لم يأت سهوًا منا وإنما جاء عمدًا طلبًا للتأكد والاطمئنان أو للأسباب المؤهلة للترجيح مما يبرئ ذمتنا العلمية والدينية ويتيح له أن يشاركنا عن بينة فيما ذهبنا إليه أو ينقدنا عن بينة إذا اخطأنا الفهم أو التقدير أو الاستنباط وما برئ من الخطأ غير الأنبياء المعصومين. وقد نقدم النصوص بين يدي ما نعرضه من فهم أو رأي وقد نقحمها في ثنايا العرض إذا اقتضى ذلك منهج البيان والاستدلال. وقد نبين في صلب البحث معنى كلمة استعملت اصطلاحًا في تسمية شيء أو التعبير عنه كأسماء النقد والعملات، وقد نحيل إلى التعليق على الهامش بيانه إذا كان يستلزم تفصيلًا يخرج بالتعبير عن مساره ولكنه ضروري لتحديد أصل الكلمة وفقههًا. وقد نترجم لمن نرى ضرورة الترجمة له ممن يرد ذكرهم في صلب البحث من الرواة أو المجتهدين، لكن نحيل الترجمة على التعليق وستكون أرقام التعاليق متسلسلة من أولها إلى آخرها، وستتضمن إلى ما سبق تخريج بعض الأحاديث والآثار التي لا نرى حاجة ماسة إلى استيعاب طرقها أو أغلبها في صلب البحث، كما ستشتمل على ذكر بعض "المراجع" إذا رأينا من المفيد الإحالة عليها، وهي غير "المصادر" التي نعتمدها باعتبار ما ورد فيها "وثائق" نستمد منها ونستدل بها فهذه نذكرها ونحدد صفحاتها في صلب البحث. وقد يكون ما ننقله أكثر بكثير مما سنقوله، لأن ما سبقنا إليه أئمة الرواية والدراية لا يعد له عندنا ما قد يبدو لنا أو لغيرنا من فهم أو رأي، وهمنا الأول بيان التوافق بين مقتضيات الحاضر وظواهره وبين نصوص المأثور وأحكامه. ومن الله نأمل في التوفيق والهداية والعون والإرشاد وإليه نبرؤ من كل خطأ قد نقع فيه وما قصدنا إليه ونسأله الغفران له فهو العليم الخبير بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، الغفور الذي سبقت رحمته غضبه ووسعت رحمته كل شيء وقال لعباده: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية رقم (٥٤) من سورة الأنعام] .

стр. 6380

(٢) بين يدي البحث التشريع الإلهي - كما يدل الاستقراء لأطواره وأحكامه - ليس "ابتداعًا" لحياة يقسر عليها الإنسان قسرًا وإنما هو "تكييف " بالتنظيم والتمحيص طبقًا لمقتضيات العدل والمصلحة العامة والخاصة للحياة البشرية الطبيعية التي درج عليها الإنسان منذ كينونته الأولى في الأرض، إذ أن قسر الإنسان على حياة لم يعرفها ولا ألف نمطها يعني اضطراره إلى الحرج والعسر وجوهر مناط التشريع إنما هو التيسير ونفي الحرج، وهما قاعدة العدل وهدفه، وقد لا يتجلى هذا المعنى فيما هو من العبادات إلا بتدبر عميق في جوهرها لا في طقوسها وشعائرها، بيد أنه جلي واضح أبدع ما يكون الجلاء والوضوح فيما هو من المعاملات وما هو مؤتلف من المعاملات والعبادات كالزكاة والحج. وهذه الحقيقة من الجلاء والوضوح بحيث لا نشعر معها وفيها بحاجة إلى الاستدلال لها، فهي جوهر جميع ما يتألف منه التشريع من قواعد وأحكام ومنها ما يتصل بالنقد: تطوره وأحكامه وأحواله المختلفة. وقد تعددت أوجه الرأي والتصور لدى المؤرخين والفقهاء ورواة الآثار فيما يتعلق بالأسباب والأحكام المصاحبة والضابطة لأطوار النقد في الأمة الإسلامية منذ نشأتها، ومرد هذا التعدد إلى أن طائفة منهم لم تجتمع لها العناصر الضرورية لاجتلاء مراحل النقد وتطوره وكانت معارفهم مشوشة لهذه المراحل، والأطوار قبل الإسلام فجاء رواياتهم وتصوراتهم لنشأة النقد الإسلامي ومصاحبته والأحكام التي يجب استنباطها من ذلك مضطربة متضاربة تبعًا لهذا التشويش. وطائفة أخرى - وهم جمهرة الفقهاء والمتفقهة - قصرت همها على محاولة استجلاء الحكم لما يعرض لها من واقع أو يتخيل من افتراضات واحتمالات من النصوص الواردة في الروايات المشوشة المشار إليها آنفًا عن ظهور النقد في الأمة الإسلامية ومصاحباته وأطواره. على حين أن الأمة الإسلامية لم تكن بدعًا من الأمم ولا بمعزل عنها رغم أن "المسافة" كانت في معظم العصور الإسلامية تتحكم في تكييف العلاقات بين الأمم والشعوب. ذلك بأن "الوسطية" الجغرافية لمهد الأمة الإسلامية " شبه الجزيرة العربية " جعلت نشأة الأمة الإسلامية استمرارًا حضاريا متمادى العروق عريقها تعمق أصوله وتترامى إلى عصور موغلة في القدم وأقطار شديدة التباين ما بين شرقية وغربية، ونتيجة لذلك كان التشريع الإسلامي إنما هو تكييف وضبط بالتمحيص والتقويم والتوجيه لطور متقدم من الحضارة الإنسانية كافة. والنقض ظاهرة حضارية لا تقل تأثيرًا في تكييف مسيرة الإنسان الحضارية عن أروع ما نشهده اليوم من المخترعات التي تتراءى لنا كما لو كانت بدعًا من اهتداء العبقريات الخارقة للعادة إلى ما لم يكن ممكنا تصوره بأبعد خيال وأنزعه في الإغراق والإغراب. فلولاه ما استيسرت التجارة للإنسان وأمكن تبادل المنتجات الطبيعية والمصنوعة التي تتمايز بها الأمم والشعوب لما هيأت الطبيعة لكل واحدة منها، وقد أبدع الدكتور جواد علي وأجاد في التعبير عن هذا الواقع أو هذه الحقيقة إذ قال (في المفصل في تاريخ العرب ما قبل الإسلام: ٧/٤٨٨) : والعملة تطور خطير من التطورات التي أثرت في الحياة الاقتصادية للبشر، أحدث اختراعها انقلابًا كبيرًا في النظم الاقتصادية والاجتماعية ويعد إيجادها من المخترعات الكبرى التي لعبت دورًا خطيرًا في حياة الإنسان ولا تزال تلعبه.

стр. 6381

قلصت أعمال المقايضة المرهقة المتعبة وقضت على التعامل بالوزن في تقدير الأثمان، أعني التعامل بوزن الذهب والفضة في تقدير قيم الأشياء بأن يعطي إنسان إنسانًا قيراطًا من ذهب أو نصف مثقال أو مثقالًا مقابل سلعة تم التساوم على سعرها أو وزن مثقال من فضة أو أقل من ذلك أو أكثر في مقابل سلعة يريدها المشتري وهو نظام سبق نظام النقد الذي ولدت منه فكرة العملة وهو نظام متقدم بالنسبة إلى نظم المقايضة التي سبقته قلص من صعوباتها كثيرًا وأراح التاجر في التعامل حتى وردت فكرة سك العملة فقلصت منه ومن تعقيداته لسهولة التعامل بالعملة ولاكتسابها صفة رسمية وسعرًا ثابتًا مقررًا ووزنًا معينًا حددته الحكومات. (٣) نشأة النقد وتطوره من أقدم ما عرف الإنسان من ألوان النقد المسكوكات "الليدية" وقد لا تكون أقدمها، بيد أنها في تقديرنا من أبعدها أثرًا في رسم مسار نشأة النقد وتطوره في الشرق الأوسط، وعن هذه المسكوكات يقول ديورانت (قصة الحضارة: ٢/٣٠٦) : (وامتاز "كروسس" - أحد ملوك ليديا - عن غيره من الملوك بسك نقود ذهبية وفضية ذات شل بديع تضربها الدولة وتضمن قيمتها الاسمية، وليست هذه أول المسكوكات الرسمية التاريخية كما اعتقد المؤرخون زمنًا طويلًا، وليست هي - بلا جدال - بداية اختراع المسكوكات ولكنها مع هذا كانت مثالًا يحتذى، ساعد انتشار التجارة في بلاد البحر الأبيض المتوسط، لقد ظل الناس قرونًا طوالًا يستخدمون معادن مختلفة لتقدير قيم البضائع وتسهيل تبادلها، ولكنها - سواء كانت من النحاس أو البرونز أو الحديد أو الفضة أو الذهب - كانت في أغلب البلاد تقدر قيمتها في كل عمل تجاري حسب وزنها أو حسب غيره من الاعتبارات، لهذا كان استبدال عملة قومية معترف بها رسميًّا بهذه الوسائل المتبعة إصلاحًا عظيمَ القيمة في علم التجارة فقد يسرت هذه الوسيلة الجديدة انتقال السلع ممن يحسنون إنتاجها إلى من هم في أشد الحاجة إليها فزاد ذلك في ثروة العالم ومهد السبيل لقيام المدنيات التجارية كمدنية الأيونيين واليونان حيث استخدمت الثورة التي جاءت من طريق التجارة لتمويل الأعمال الأدبية والفنية) .

стр. 6382

وعن ليديا أخذت فارس سك النقود، يقول ديورانت (قصة الحضارة: ص٤١٤) : (وكانت الأجور والقروض وفوائد الأموال تؤدى في بادئ الأمر سلفًا وكثيرًا ما كانت تؤدى به الماشية والحبوب ثم جاءتهم النقود من "ليديا" وسك "دارا" "الدارق" (١) من الذهب والفضة وطبع عليه صورته) . وظهرت العملة في الصين ولكن لا يبدو قريبًا من الاحتمال أن تكون محاكاة لما فعله الليديون أو الفرس، فالحضارة الصينية لبثت مستقلة بنشأتها وتطورها زمنًا طويلًا، بل إن العالم القديم والحديث تأثر بها قبل أن تتأثر به، وعن ظهورها يقول ديورانت (قصة الحضارة: ٤/٢٤٩، ٢٥٠) : ومن الحكم الصينية المأثورة قولهم: "السارقون بالجملة ينشئون المصارف " وأقدم ما عرف من النقود ما كان يتخذ من الأصداف البحرية والمدى والحرير. ويرجع تاريخ أقدم عملة معدنية إلى القرن الخامس قبل الميلاد على الأقل، وجعلت الحكومة الذهب العملة الرسمية في عهد أسرة "شين" وكانت العملة الصغرى تصنع من خليط من النحاس والقصدير وما لبثت هذه أن طردت الذهب من التعامل ولما أخفقت التجربة التي قام بها"وودي" والتي أراد بها أن يضرب عملة مصنوعة من الفضة والقصدير لكثرة ما زين وقتئذ من النقود استعيض عنها بشرائح من الجلد بلغ طول الواحدة منها قدمًا وكانت هذه الشرائح مقدمةً لاستعمال النقود الورقية، ولما أن أضحى ما يستخرج من النحاس أقل من أن يفي بالأغراض التجارية لكثرة البضائع المتداولة أمر الأمبراطور "شين دوزونج" عام ٨٠٧ أن تودع العملة النحاسية كلها في خزائن الحكومة وأن يصدر بدلًا منها شهادات مدينة - هكذا، ولعلها محرفة صوابها: مداينة أو مديونية أو ما يشبه هذا - أطلق عليها الصينيون اسم النقود الطائرة لأنهم كما يبدو تحملوا متاعبهم المالية بنفس الطمأنينة التي تحمل بها الأمريكيون متاعبهم في عام ١٩٣٣م ولم تستمر هذه الطريقة إلا ريثما زالت الضائقة ولكن اختراع الطباعة بالقوالب أغرى الحكومة على أن تستخدم هذه الطريقة الجديدة في عمل النقود، فشرعت ولاية "سشوان" شبه المستقلة في عام ٩٣٥ للميلاد والحكومة الوطنية في "شنجان" عام ١٩٧٠م تصدران النقود الورقية وأسرفت الحكومة في عهد أسرة "سونج" في إصدار هذه النقود، فنشأ من ذلك تضخم شديد قضى على كثير من الثروات.

стр. 6383

ويقول "ماركوبولو" عن مخازن "كوبلايخان": إن دار السك الإمبراطورية تقوم في مدينة "كمبوك - بيكين"، وأنت إذا شاهدت الطريقة التي تصدر بها النقود، قلت: إن فن الكيمياء أتقن إتقانًا لا إتقان بعده وكنت صادقًا فيما تقول. ذلك أنه يصنع نقوده بالطريقة الآنية، ثم أخذ يستثير سخرية مواطنيه وتشككهم فيما يقول وعدم تصديقهم إياه فوصف الطريقة التي يؤخذ بها لحاء شجر التوت فتصنع منه قطع من الورق يقبلها الشعب ويعدها في مقام الذهب، ذلك هو منشأ السيل الجارف من النقود الورقية الذي أخذ من ذلك الحين يدفع عجلة الحياة الاقتصادية في العالم مسرعة تارة ويهدد هذه الحياة بالحرب تارة أخرى. لكن لا سبيل إلى الشك في أن اليونان تأثروا بالليديين ثم بالفرس أو بأحدهما حين أخذوا في سك العملة تيسيرًا لنشاطهم التجاري، وفي ذلك يقول ديورانت (قصة الحضارة: ٧/٥٥، ٥٦) - نقلًا عن يوناني لم يشأ أن يعرف اسمه: كان التجار في معظم المدن - أي اليونانية - قبل توحيد الدولة يضطرون أن ينقلوا على سفنهم بضائع وهم عائدون إلى مدنهم لأنهم لم يكن في وسعهم أن يحصلوا على نقود ذات نفع لهم أي في مكان آخر وكانت بعض المدن تسك نقودًا من خليط من الذهب والفضة وينافس بعضها بعضًا في إنقاص ما في هذا الخليط من الذهب، أما الحكومة الأثينية - منذ أيام "صولون" - فقد أخذت على نفسها تشجيع التجارة إلى أقصى حد لإيجاد عملة موثوق بها طبعت عليها "بومة" أثينا، وكان قولهم "يأخذ البومة إلى أثينا" هو المثل اليوناني المقابل لقول الإنجليز "يحمل الفحم إلى نيوكسل"، وإذا كانت "أثينا" قد أبت - خلال صروف الدهر - أن تخفض من قيمة "درخماتها" الفضية فقد كانت سائر بلاد البحر الأبيض المتوسط تقبل وهي راضية هذه "البومات" التي أخذت تحل شيئًا فشيئًا محل العملة المحلية في جزائر "إيجه" وكان الذهب في هذه المرحلة لا يزال سلعة تجارية تباع بالوزن ولم يكن وسيلة يستعان بها على الاتجار ولم تكن أثينا تسكه عملة إلا في حالات الضرورة النادرة وكانت النسبة المعتادة بينه وبين الفضة كنسبة ١٤ إلى ٢٧، وكانت أصغر النقود الأثينية تسك من النحاس وكانت ثماني قطع منها تكون أبولة - وهي عملة من الحديد أو البرونز سميت بهذا الاسم لمشابهتها للأظافر أو السفود - وكانت ست أبولات تكون الدراخمة - أي الحفنة - والدراخمتان تكونان الستائر Stater وكانت الدراخمة في النصف الأول من القربن الخامس يبتاع بها بشل Buchel من الحبوب.

стр. 6384

وطبيعي أن تتأثر روما بالأنظمة اليونانية حين أخذت في الازدهار لتحل محل أثينا تدريجيًّا في مختلف المجالات العالمية الإقليمية ومن أبرزها المجال التجاري وهذه المرحلة من التطور التجاري والمالي لروما يشرحها ديورانت (قصة الحضارة: ٩/١٦٤، ١٦٦) بقوله: وكان لابد لتيسير هذه الحركة التجارية الداخلية والخارجية من وضع نظام للنقود والمقاييس والميكاييل والموازن مضمون من الدولة. لقد ظلت الماشية حتى القرن الرابع للميلاد تتخذ وسيلة للتبادل لما لها من قيمة عند جميع الناس ولأنها كان يسهل نقلها من مكان إلى مكان، فلما اتسع نطاق التجارة استخدمت قطع من النحاس خشنة الصنع غير مهذبة تسمى "الأيس" "Aes" بواسطة للتعامل (حوالي ٣٣٠ق. م) . ثم قال: وكانت الوحدة المستعملة في تقويم الأشياء هي "الآس" "AS" (الواحد وكان وزنها رطلًا من النحاس ولما أن سكت الدولة عملة نحاسية عام ٣٣٥ ق. م. كانت تطبع عليها في الغالب صورة ثور أو شاة أو خنزير ومن ثم سميت "بيكونيا" (Pecunia) من بيكس (Pecus) أي ماشية) . ويقول بلني أنه لما شبت الحرب "اليونية" ولم تجد الجمهورية من الأموال ما يفي بحاجتها خفضت وزن "الآس" إلى أوقيتين من النحاس وبهذه الوسيلة اقتصدت في قيمته وأفلحت في تصفية الدين العمومي. وما إن وافى عام ٢٠٢ حتى كان وزن الآس قد نقص إلى وقية واحدة ثم خفض في عام ٨٧ إلى نصف أوية لتستعين الدولة بذلك على تموين الحرب الاجتماعية وفي عام ٢٦٩ سكت قطعتان من النقود الفضية أولهما "الديناريوس" "Denarius" وكان يساوي عشرة "آسات" أي قيمة "الدراخمة" الأثينية في صورتهما الهلينية المخفضة والأخرى "السترتيوس" ومقدارها آسان ونصف آس أو ربع ديناريوس. وفي عام ٢١٧ ظهرت أول عملة ذهبية رومانية "الأوري" Aurei وكانت قيمته عشرين أو أربعين أو ستين "سترتيوس". أما من حيث قيمة المعادن التي تحتويها كل قطعة من هذه النقود فقد كان في الآس ما قيمته ٢ % و"الستر" ٥ % و"الديناريوس" ٢٠ % من الريال الأمريكي. وفي متابعة لتطور الأوضاع التجارية والمادية لدى الرومان تبعًا لأوضاعهم السياسية يقول: (قصة الحضارة: ١٠/٢٣٥) :

стр. 6385

ترى كيف كان الإنتاج والتجارة يمولان؟ لقد كانا يمولان قبل كل شيء بنقد محترم موثوق به في العالم إلى حد كبير ثم إن النقود الرومانية جميعها قد انحطت قيمتها شيئًا فشيئًا من أيام الحرب اليونية الأولى لأن الخزانة وجدت أنه يسهل عليها أن تؤدي ما استعانته الحكومة من المال بسبب الحروب بسماحها بالتضخم الذي ينشأ بطبعه من ازدياد النقود ونقص السلع من ذلك أن الآس وكان في الأصل رطلًا من النحاس انخفض وزنه إلى أوقيتين في عام ٢٤١ وإلى أوقية واحدة في عام ٢٠٢ وإلى نصف أوقية عام ٣٧ ق. م. وإلى ربع أوقية في عام ٦٠م وفي المائة عام الأخيرة من عهد الجمهورية كان قواد الجنود، يسكون نقودهم وكانت هذه النقود في العادة من "الأوري" وهو نقد ذهبي كانت قيمته في الغالب مائة "ستريس" ومن هذه النقود الحربية جاءت نقود الأباطرة وقد جرى هؤلاء على سنة قيصر فطبعوا صورتهم على ما يسكونه من النقود رمزًا لضمان الحكومة إياها وسك "الستريس" وقتئذ من النحاس بدل الفضة وجعلت قيمته أربع آسات وأنقص "نيرون" ما كان يحتويه الدينار من الفضة إلى ٩٠ % مما كان يحتويه منها قبل ثم أنقصه "تراجان" إلى ٨٥ % و "أورليوس" إلى ٧٥ % و "كمودس" إلي٧٠ % و "سبتميوس سيفريس،Septimius Severus إلى ٥٠ % وأنقص "نيرون" قيمة الأوريوس من ٤٠/١ من الرطل من الذهب إلى ٤٥/١ وأنقصها "كركلا" إلى ٥٠/١. وصحب هذا التخفيض ارتفاع عام في أثمان السلع ولكن يلوح أن الدخل ارتفع بنسبة هذا التخفيض وظل يرتفع حتى زمن "أورليوس". ثم عرض ديورانت إلى تطور النقد - بعد انقسام الدولة الرومانية - في الدولة البيزنطية فقال: (قصة الحضارة: ١٢/٢٤١، ٢٤٢) :

стр. 6386

وكان من أكبر العوامل في هذا النشاط الاقتصادي الكبير النقد الإمبراطوري الذي كان عمله مقبولة في جميع أنحاء العالم لثباته وسلامته. وكان "قسطنطين" قد سك نقدًا جديدًا يحل محل الأوريوس" Aureus الذي سكه "قيصر" وكانت هذه القطعة النقدية الجديدة المعروفة باسم "صوليدوس" Solidus أو بيزنت Besant تزن ٤.٥٥ غرامات أو جزءًا من ستة أجزاء من الأوقية الإنجليزية من الذهب وتعادل قيمته ٥٨٣ من الدولارات في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٤٦ وإن تدهور "الصولديوس" في قيمته المعدنية والاقتصادية حتى صار هو "الصولدي" ليدل أوضح الدلالة على ارتفاع الأثمان خلال عصور التاريخ المختلفة وعلى انحطاط قيمة النقد ويوحي بأن الادخار فضيلة تتطلب ممارستها كثيرًا من الدقة والحصافة. ونعتقد أن ما نقلناه عن ديورانت من صور لمعالم تطور النقد ومراحله يوضح لنا أن ما نواجه اليوم ليس بدعًا من عصرنا ولا من طورنا الحضاري، وإنما هو تكرار لما عرفته البشرية منذ أخذت تتعامل بالنقد على اختلاف أنواعه وإن اختلفت أشكاله اختلافًا شكليًّا، واختلفت كذلك بعض ظواهره ومظاهره إذ أن استكناه جوهر العوامل المؤثرة في ارتفاع النقد وانخفاضه والمؤدية إلى تغييره أحيانًا يجلو بما لا مجال معه للشك أنها هي هي في تلك العصور، وفي هذا العصر بصرف النظر عن الأشكال التي تتخذها والظواهر والمظاهر التي تصاحبها وتلابسها بل وإن العواقب والمعقبات هي هي لا تكاد تختلف في جوهرها من عصر إلى عصر وإن تراءى بعض التغاير بينها في ظواهر ومظاهر وأشكال. وهذه الحقيقة تفضي بنا إلى ضرورة اعتبارها في اجتلاء الأحكام الشرعية واستنباطها، وإن غابت عن بعض الفقهاء والمجتهدين في العصور السالفة ممن تراءى لهم أن ما يشهدونه من أحداث وأطوار بدع من عصورهم أو ظروفهم الحضارية على أن هذا لا يعني إلغاء الظرفية في اجتلاء الأحكام الشرعية للأوضاع والأحوال الناتجة عن تغيير قيمة العملة في هذا العصر، فلا مجال لنكران تأثير الظرفية في تحديدها واستنباطها، لكن قبل أن نصير إلى هذه النقطة يجب أن نقف أولًا على نشأة النقد عند العرب وتطوره. ففي بيئتهم نزل الإسلام ولظروفهم أثرها العميق في صياغة نصوصه وفي المفاهيم والاجتهادات المنبثقة عنها، وذلك ما سنحاول تبيانه في الفصل الآتي:

стр. 6387

(٤) نشأة النقد وتطوره عند العرب الروايات الإسلامية القديمة لا تعرض للمؤثرات الخارجية في نشأة النقد وتطوره عند العرب ويكاد المرء يعتقد - إن اقتصر على الصدور عنها - إن العرب حين قرروا سك النقد أو التعامل به كانوا يصدرون على نفوسهم غير متأثرين بأي سواهم لولا أسماء المسكوكات التي ينسبها أصحاب هذه الروايات إلى الفرس أو إلى الروم أو إليهما معًا وبذلك يشيرون إلى أن سك النقد ليس اختراعًا عربيًّا دون أن يفيضوا في ذلك أو يبينوا الزمن الذي وقع فيه الاتصال بين العرب والنقد المسكوك وبدأوا يتعاملون به. على أنهم لا يتفقون في نسبة هذا أو ذاك من النقود التي يتعامل بها العرب إلى هذه أو تلك من الأمم الأعجمية التي تصدر عنها. وهم يشيرون إلى أنها كانت قبل الإسلام وإلى أوائل عهده ذات موازين مختلفة بيد أنهم يختلفون أيضًا في نسبة هذا النقد الخفيف أو الثقيل إلى هذه الأمة أو تلك من الأمم التي يذكرون أنها صادرة عنها ولا يعللون سبب خفة هذا أو ذاك من النقود وزنًا ولا سبب ما يشيرون إليه أحيانًا من الغش في بعضها بل إنهم يختلفون في تحديد نسبة الخفيف أو الثقيل وتحديد نسبة الخفة أو الثقل وتعيين مصدر هذا أو ذاك. ثم إنهم يجمعون على أن عبد الملك بن مروان هو الذي أشاع النقد المسكوك في أقطار الدولة الإسلامية ما بين سنتي ٧٤ و ٧٦هـ. ولكنهم في ما عدا ذلك يختلفون في تعيين أول من سك النقد في الإسلام، وأحيانًا تأتي أقوايلهم بما يوهم أن وزن الوحدة النقدية إنما استقر على يد عبد الملك وأن المسلمين المعاصرين له من الصحابة والتابعين أهل الحل والعقد أجمعوا على إقرار ذلك الوزن واعتباره شرعيًّا يعتمد عليه تنفيذ الأحكام الإسلامية في الزكاة والأنكحة والديات والمعاملات وما إلى ذلك في حين أن بعضًا منهم يعود فيذكر أن تقرير الوزن - وهذا هو الحق - إنما تم في عهد رسول الله ﷺ وبتشريع منه ومعنى ذلك أن عبد الملك حين أشاع النقد لم يكن إلا مطبقًا للتشريع الصادر عن رسول الله ﷺ على أن بعض الرواة يذكرون عمر بن الخطاب ﵁ باعتباره أول من فكر في سك النقد وسك وحدات منه ولكنه لم يشعه أو لم يعمل على إشاعته بحيث يحل محل النقد الموزون وتبعه في ذلك عبد الله بن الزبير ثم كانت إشاعة سكه والتعامل به على يد عبد الملك بنفس الوزن الذي التزم به من قبله تنفيذًا لما شرعه رسول الله ﷺ ، وهذا ما نطمئن إليه كل الأطمئنان.

стр. 6388

ولهم اختلافات في تفاصيل غير هذه تأتي في المرتبة الثانية من الاعتبار وأهمها سبب تسمية بعض النقود المسكوكة في عهد عبد الملك بـ " المكروهة ". فمن قائل أن فقهاء معاصرين له كرهوها لأنه نقش عليها آيات قرآنية أو بعض أسماء الله أو بعض الصور ورأوا في ذلك تعريضًا للقرآن أو لأسماء الله أن يقع في يد من لا يجوز له حمله كالمشرك والحائض والجنب أو ممارسة لما نهى رسول الله ﷺ "عنه" من التصوير. ومن قائل أن السبب هو أن قيصر الروم كره نقود عبد الملك لما نقش فيها من ذكر لرسول الله ﷺ وأنذره إن لم يكف عن ذلك أن ينقش في النقد الذي لم يصدره إليه ذكرًا سيئًا لرسول الله ﷺ . ومع أن هذا القول قد يكون وجيهًا إلا أن ما يريب فيه هو أن القيصر قد أدرك من غير شك حين شرع عبد الملك في إصدار النقد الإسلامي أن اعتماد المسلمين على النقد المصدر إليهم من بيزنطة قد انتهى عهده، والأقرب إلى الاحتمال في هذه الحال أن لا يلجأ إلى التهديد ليبقي على إمكان استمرار النقد المصدر من بيزنطة إلى جانب التعامل بالنقد المسكوك في الدولة الإسلامية فذلك أجدى له اقتصاديًّا ولم يعرف البيزنطيون بشدة التشنج والانفعال كما عرف الأكاسرة بل كانوا ألين جانبًا وأدنى إلى تفهم مستلزمات التعايش بينهم وبين الدولة الناشئة لاعتبارات اقتصادية ولأن المسيحية ليس من خلقها التشنج والانفعال. على أن من المؤرخين المحدثين من كان أوسع أفقًا وأعمق بحثًا من نقلة الروايات الإسلامية القديمة في استجلاء العوامل التي حملت العرب في الجاهلية ثم في الإسلام إلى التعامل بالنقد ثم إلى سكه ومصادر النقد الذي تعاملوا به في الجاهلية وفي صدر الإسلام وأسباب اختلاف أوزانه وما إلى ذلك من الآثار الاقتصادية والسياسية المكيفة لمسار التعامل العربي بالنقد واردًا أو منتجًا محليًّا. وليتضح للقارئ ما أجملناه في هذه الحوصلة من الأقاويل والآراء ونتائج الدراسة والبحث نضع بين يديه ما اصطفيناه من الروايات إذا ارتأينا بمجموعه أنه يصور ما لناقليه القدماء والمحدثين في هذا الشأن. وقد يكون من الأنسب أن نقدم على الروايات القديمة تحريرين جليلين لمؤرخين متميزين من المحدثين فيهما ما نعتبره التحديد والتصوير الصحيحين لنشأة النقد وتطوره عند العرب والمؤرخان هما ديورانت وجواد علي.

стр. 6389

قال ديورانت (قصة الحضارة: ١٢/٢٤٠،٢٤١) : وراجت التجارة الداخلية أو الخارجية في الإمبراطورية البيزنطية من عهد "قسطنطين" إلى أواخر جستنيان" وكان ما فيها من الطرق والجسور الرومانية يتعهد ويصلح بانتظام ودفع الحرص الشديد على الكسب وما يبعثه من إيداع وإنشاء إلى بناء أساطيل بحرية ربطت العاصمة بمئات الثغور في الشرق والغرب وظلت القسطنطينية من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر أعظم الأسواق التجارية ومراكز النقل البحري في العالم كله، وانحطت الإسكندرية التي كانت لها السيادة في هذه الناحية منذ القرن الثالث ق. م فأصبحت منزلتها في التجارة بعد أنطاكيا وكانت سوريا كلها تعج بالمتاجر والمصانع ويرجع هذا إلى موقعها بين بلاد الفرس والقسطنطينية ومصر وإلى ما اتصف به تجارها من حذق وحب للمغامرة بحيث لم يكن ينافسهم في انتشار تجارتهم ودهائهم إلا اليونان الذين لا يجارونهم في المثابرة والجلد كما يرجع إلى انتشارهم هم أنفسهم في جميع البلاد الإمبراطورية فكانوا بذلك عاملًا في إيجاد ذلك الطابع الأخلاقي والفني الذي طبعت به الحضارة البيزنطية. وإذا كان الطريق التجاري القديم بين سوريا وأواسط آسيا يخترق بلاد الفرس المعادية للدولة البيزنطية فقد أراد "جستنيان" أن ينشئ طريقًا جديدًا بإقامة صلات ودية بينه وبين الحميريين المقيمين في الطرف الجنوبي الغربي من جزيرة العرب وملوك الحبشة وكان هؤلاء وأولئك يسيطرون على أبواب البحر الأحمر الجنوبية وكانت السفن التجارية البيزنطية تخترق هذه المضايق والمحيط الهندي في طريقها إلى الهند ولكن الفرس الذين كانوا يسيطرون على ثغور الهند كانوا يفرضون على هذه التجارة رسومًا عالية كأنها تمر ببلاد إيران نفسها.

стр. 6390

وقال جواد علي (المفصل بتاريخ العرب ما قبل الإسلام: ٧/٤٨٧، ٤٨٨) : وقد استعمل أهل العربية الجنوبية النقود في معاملاتهم فاستعملوا نقودًا سكت من فضة وأخرى سكت من نحاس ومن معادن أخرى وقد عثر على نماذج من كل من هذه الأنواع كما تعاملوا بالنقود الأجنبية كذلك مثل النقود اليونانية والرومانية والمصرية والحبشية والفارسية وقد عثر على نماذج من هذه النقود في مواضع متعددة من العربية الجنوبية في اليمن وفي حضرموت وفي مواضع أخرى، وقد زاد تعامل أهل اليمن بالنقود الحبشية والساسانية في أثناء احتلال الحبش والساسانيين لليمن ولاشك يوجد في بعض المتاحف ودور الآثار وعند بعض هواة جمع النقود والأشياء القديمة قطع من نقود جاهلية ضربت في العربية الجنوبية بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعض آخر من نحاس ومنها الكبير ومنها نقود صغيرة دون على بعضها اسم الملك الذي ضربت في أيامه أو الحرف الأول من اسمه وعلى بعض آخر رموز وصور ألف العرب والجنوبيون ضربها على النقود مثل صورة أثينا (١) أو البوم وهي من الطيور التي ألف العرب الجنوبيون إظهار صورتها على النقد وعلى الحجارة المكتوبة وعلى جبهات البيوت. ثم قال: - ص٤٩٣/٥٠٢: بعد أن أفاض في تفصيل ما عرف من نقود العربية الجنوبية وأشكالها وأسمائها وما رسم عليها من رموز ومواقع سكها: وقد عثر في بصرى في مواضع من المنطقة التي عرفت بـ: " المقاطعة الغربية " الكورة العربية" على نقود معظمها من نقود الرومان واليونان كما عثر على نقود نبطية ويذهب بعض الباحثين في النميات أن الملك "الحارث الثالث" - ٨٧/ ٦٢ق. م - هو أول ملك نبطي أمر بضرب النقود أخذ السكة من اليونان أثناء استيلائه على دمشق وقد عثر على نقد من فئة "دينار" طبع عليه رمز يمثل اتفاق الحارث و "سكاروس" وصورة جمل وشجرة وعثر على نقود أمر الحارث هذا بضربها تشبه النقود التي ضربها ديمتروس الثاني" و"الثالث" (Demetriuss Eukaross III) بمدينة دمشق شبهًا كبيرًا ولهذا يرى الباحثون أنها تقليد ومحاكاة لها، ولم يصل إلينا نقد من نقوده يحمل كتابه مدونة بالنبطية.

стр. 6391

وجاد عبادة الثالث من ملوك النبط علينا بقطع من النقود يرى الملك على أحد وجهيها ومعه صورة امرأة يظن أنها صورة أمه وأنها تشير إلى مبدأ حكمه إذ كان قاصرًا فكانت أمه تدير الملك باسمه نيابةً عنه، وذلك بالنسبة إلى النقود التي ضربت في أوائل أيام الحكم وأما في النقود المتأخرة فإنها صورة زوجته التي كانت تساعده وتؤازره ونشاهد صورة نسر واقف قابض على جناحيه في الوجه الثاني من أحد النقود وعلى طرفي الصورة كتابة وصورة رجل في القطعتين المرقمتين "سبعة" و "ثمانية" يرى أنها رأس الملك وعلى طرفي الصورة كتابات نبطية وتاريخ الضرب. وتعد النقود التي ضربت في أيام الحارث الرابع من خير ما ضرب من النقود في أيام النبط ولم يعثر على نقد له ضرب في مدينة دمشق في المدة التي استولى فيها على تلك المدينة وقد ضرب بعضها باسم الملك وباسم زوجته "خَلد"، "خُلد" اسم زوجته الأولى وطبعت صورة زوجته هذه على النقد وضرب بعضها باسمه وباسم زوجته الأخرى "شقيلة" وطبعت صورتها على النقد كذلك وضرب بعض آخر باسم الملك وحده وهي مختلفة بعضها من الفضة، وبعض آخر من البرونز وعلى عدد منها تاريخ الضرب. وضرب اسم "شقيلة" الثانية ملكة النبط مع اسم الملك "ملك" "مالك" الثاني في نقد وصل إلينا وقد وصفت في النقود بأنها أخته أما القطع التي وصلت إلينا فبعضها مصنوع من الفضة وبعض آخر من البرونز وعلى نقوده شيء من التبديل والتغيير عن النقد الذي ضرب في أيام "الحارث الرابع". وتبورك في النقود مثل نقود "بصرى" بضرب صورة الآلهة أو نعوتها أو رموزها فقد ضرب نعت الإله "ذو شري" "ذو الشري" على نقد ضرب في "بصرى" كما أشير إلى هذا الإله في نقد ضرب بـ: "بصرى" بتصوير منظر من مناظر الاحتفالات السنوية التي كانت تقام في كل سنة إكرامًا له وتعرف بـ (Actia Dusaria) أما آلهة المدينة التي ضربت صورتها على ضرب النقود فتشبه صورتها صورة "عشتاروت" "عشتروت" المعروفة بفلسطين وفينقيا وسيظهر أنها "اللات" وتشبه في بعض النقود صورة " أثينا " وقد دعيت بـ: (Tyche) وأثينا" هي "اللات" عند أهل "حوران" وعثر في جزيرة "فيلكا" على نقود يونانية من بينها درهم ضرب في عهد الملك "انطونيوخس الثالث" من ملوك السلوقيين ويعود تاريخ هذا الدرهم إلى حوالي السنة ٢١٢ ق. م وتبين أن بعض الدراهم قد ضرب في "جرها" (Gerhha) "الجرعاء" كما عثر على نقود ضربت من النحاس تبين أن قطعة منها ضربت في عهد سلقيوس الأول ضربها باسم الملك الإسكندر الأكبر وأن قطعتين منها ضربتا في أيام أنطونيوخس الثالث" فهي تعاصر الدراهم المذكورة.

стр. 6392

أما أهل الحجاز فقد تعاملوا بالنقود الرومية والساسانية وتعاملوا بالدنانير وتعاملوا بالدراهم وتعاملوا بالدانق وتعاملوا بنقود أهل اليمن ولعلهم كانوا يتعاملون بنقود أهل الحبشة، كذلك فقد كان أهل مكة خاصةً تجارًا يتاجرون مع اليمن ويتاجرون مع العراق وبلاد الشام والحبشة وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود. ولم يرد في الأخبار ما يفيد قيام أهل العربية الغربية أو أي مكان آخر في جزيرة العرب بضرب النقود الجاهلية فيها لكن ذلك لا يمنع من احتمال عثور النقابيين في المستقبل على نقود محلية ضربت في مكة أو في الطائف أو في يثرب أو في مكان آخر ولو على نطاق ضيق محدود. وقد ذكر علماء اللغة أن لفظة الدرهم فارسية الأصل وقد عربت وقالوا في جمعها دراهم ودراهيم وهي نقد من الفضة وقد عرف بـ "دَرم" (Diram) في الفارسية وبـ "دراخمة" " دراخما" (Drachma) في اليونانية وظاهر أن العرب أخذوا بالتسمية الفارسية وقد استعملوا في التعامل دراهم الفرس ودراهم اليونان. ثم ساق ملخصًا للروايات التي نقلناها آنفًا من مختلف المصادر العربية الموثقة حول نشأة العملة الإسلامية وأوزانها والتعابير التي أطلقت على كل نوع منها. ثم قال - ص٥٠٣: وقد ذكر علماء اللغة نقدًا دعوه "النمي" وقالوا: إنه الدرهم الذي فيه رصاص أو نحاس وقال بعض آخر: إنه "الفلس" من الرصاص بالرومية وكانت بالحيرة على عهد النعمان بن المنذر. ثم قال: والدانق (١) من الأوزان ومن النقد وهو "داناق" أيضًا من أصل فارسي هو "دانك" في الفهلوية ومن Dang "دانك" في الأرمية وهو يعادل سدس الدينار أو سدس درهم وكان معروفًا عند أهل مكة في الجاهلية. ثم (٢) فلفظة لاتينية يونانية الأصل عربت من أصل (Follus) اللاتيني ويراد بها نقود مسكوكة من النحاس وقد استعملها العرب في تعاملهم واحتفظوا بالأصل الأجنبي وقد كان الفلس في أيام القيصر "أنستاس الأول" "أنستانيوس الأول" (٤٩١/٥١٨م) زهاء ثلاثين غرامًا ورسم بالحرف M وظهرت بعد ذلك فلوس لأوزان تقل عن هذه، ولما ضرب المسلمون النقد كانت الفلوس في جملة ما ضرب من النقد.

стр. 6393

وقال ابن سعد - الطبقات الكبرى: ٥/٢٢٩ - في ترجمته لعبد الملك بن مروان: أخبرنا محمد بن عمر حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أن عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين. أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك بن مروان اثنتين وعشرين قيراطًا (١) إلا حبة بالشامي وكانت العشرة وزن سبعة. أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن ابن كعب بن مالك، قال: أجمع لعبد الملك على تلك الأوزان. وقال أبو عبيد - الأموال: ص٧٠٠،٧٠٢ - الأثر: ١٦٢٢: سمعت شيخًا من أهل العلم بأمر الناس كان معنيًا بهذا الشأن - يعني بشأن النقد - يذكر قصة الدراهم وسبب ضربها في الإسلام، قال: إن الدراهم التي كانت نقد الناس على وجه الدهر لم تزل نوعين: هذه السود الوافية وهذه الطبرية (٢) العتق (٣) - أي الخيار أو القديمة - فجاء الإسلام وهي كذلك فلما كانت بنو أمية وأرادوا ضرب الدراهم نظروا في العواقب فقالوا - إن هذه تبقى مع الدهر وقد جاء فرض الزكاة أن في كل مائتين أو في كل خمس أواق خمسة دراهم والأوقية أربعون فأشفقوا إن جعلوها كلها على مثال السود ثم تناقشوا بعد لا يعرفون غيرها أن يجعلوا معنى الزكاة على أنها لا تجب حتى تبلغ تلك السود العظام مائتين عددًا فصاعدًا فيكون في هذا بخس للزكاة وأشفقوا إن جعلوها كلها على مثال الطبرية أن يجعلوا المعنى على أنها إذا بلغت مائتين عددًا حلت فيها الزكاة فيكون اشتطاطًا على رب المال فأرادوا منزلة بينهما يكون فيها كمال الزكاة من غير إضرار بالناس وأن يكون مع هذا موافقًا لما وقت رسول الله ﷺ في الزكاة.

стр. 6394

قال: وإنما كانوا قبل ذلك يزكونها شطرين من الكبار والصغار فلما أجمعوا على ضرب الدراهم نظروا إلى درهم واف إذا هو ثمانية دوانيق - جمع دانق بفتح النون "فارسية" - وإلى درهم من الصغار فكان أربعة دوانيق فحملوا زيادة الأكبر على نقص الأصغر فجعلوهما درهمين متساويين كل واحد ستة دوانيق ثم اعتبروها بالمثاقيل ولم يزل المثقال في آباد الدهر مؤقتًا محدودًا فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق ثم اعتبروها بالمثاقيل تكون ميزان سبعة مثاقيل سواء فاجتمعت فيهم وجوه ثلاثة أنه وزن سبعة وأنه عدل بين الصغار والكبار وأنه موافق لسنة رسول الله ﷺ في الصدقة ولا وكس فيه ولا شطط. فمضت سنة الدرهم على هذا واجتمعت عليه الأمة فلم تختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد أو نقص قيل درهم زائد وناقص فالناس في زكاتهم بحمد الله ونعمته على الأصل الذي هو السنة والهدي لم يزيغوا عنه ولا التباس فيه. وكذلك المبايعات والديات على أهل الورق وكل ما يحتاج إلى ذكرها فيه. هذا كما بلغنا أو كلام هذا معناه. وكانت الدراهم هذا وزن ستة بذلك جاء ذكرها في بعض الحديث. حدث عن شريك، عن سعد بن طريف، عن الإصبغ بن نباتة، عن علي، قال: زوجني رسول الله ﷺ فاطمة ﵍ على أربع مائة وثمانين درهمًا وزن ستة. (١) .

стр. 6395

وقال الطبري - التاريخ: ٦/٢٥٦ - في آخر سنة ستة وسبع: وفي هذه السنة أمر عبد الملك بن مروان بنقش الدراهم والدنانير. ذكر الواقدي أن سعد بن راشد حدثه عن سعد بن كيسان بذلك، قال: وحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه أن عبد الملك ضرب الدراهم والدنانير عامئذ وهو أول من أحدث ضربها. وحدثني خالد بن أبي ربيعة عن أبي هلال عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبة وكانت العشرة وزن سبعة. وحدثني عبد الرحمن بن جرير الضبي، عن هلال بن أسامة، قال: سألت سعيد بن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير؟ قال: في كل عشرين مثقالًا بالشامي نصف مثقال قلت: ما بال الشامي من المصري؟ قال: هو الذي تضرب عليه الدنانير وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب الدنانير كانت اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبة قال لسعيد: قد عرفته قد أرسلت بدنانير إلى دمشق فضربت على ذلك. وقال البلاذري - فتوح البلدان: ص٦٥١، ٦٥٧: حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثني الحسن بن صالح، قال: كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة كبارًا وصغارًا فكانوا يضربون منها مثقالًا، وهو وزن عشرين قيراطًا، ويضربون منها وزن اثنى عشر قيراطًا، ويضربون عشرة قراريط وهي أنصاف المثاقيل، فلما جاء الله بالإسلام واحتيج في أداء الزكاة إلى الأمر الواسط فأخذوا عشرين قيراطًا واثني عشر قيراطًا وعشرة قراريط فوجدوا ذلك اثنين وأربعين قيراطًا فضربوا على وزن الثلث من ذلك وهو أربعة عشر قيراطًا فوزن الدرهم العربي أربعة عشر قيراطًا من قراريط الدينار العزيز فصار كل وزن عشرة دراهم سبعة مثاقيل وذلك مائة وأربعون قيراطًا وزن سبعة. وقال غير الحسن بن صالح: كانت دراهم الأعاجم ما العشرة منها وزن عشرة مثاقيل وما العشرة منها وزن ستة مثاقيل وما العشرة منها وزن خمسة مثاقيل فجمع ذلك فوجد إحدى وعشرين مثقالًا فأخذ ثلثه وهو سبعة مثاقيل فضربوا دراهم وزن العشرة منها سبعة مثاقيل.

стр. 6396

القولان يرجعان إلى شيء واحد: وحدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله بن موهب، عن أبيه، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، قال: كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية وترد عليهم دراهم الفرس البغلية (١) فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر وكان المثقال عندهم معروف الوزن وزنه اثنان وعشرون قيراطًا إلا كسرًا وزن العشرة دراهم سبعة مثاقيل فكان الرطل اثني عشر أوقية وكل أوقية أربعين درهمًا فأقر رسول الله ﷺ ذلك وأقره أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فكان معاوية فأقر ذلك على حاله ثم ضرب مصعب بن الزبير في أيام عبد الله بن الزبير دراهم قليلة كسرت بعد فلما ولي عبد الملك بن مروان سأل وفحص عن أمر الدراهم والدنانير فكتب إلى الحجاج بن يوسف أن يضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطًا من قراريط الدنانير وضرب هو الدنانير الدمشقية قال عثمان: قال أبي: فقدمت علينا المدينة وبها نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم من التابعين فلم ينكروا ذلك. قال محمد بن سعد: وزن الدرهم من دراهمنا هذه أربعة عشر قيراطًا وهو وزن خمسة عشر قيراطًا من أحد وعشرين قيراطًا وثلاثة أسباع. حدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا إسحاق بن حازم، عن المطلب بن السائب، عن أبي وداعة السهمي أنه أراه وزن المثقال، قال: فوزنته فوجدته مثقال عبد الملك بن مروان، يقال: هذا كان عند أبي وداعة بن ضبيرة السهمي في الجاهلية. وحدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا الواقدي، عن سعيد بن مسلم بن بابك، عن عبد الرحمن بن سابط الجمحي (٢) ، قال: كانت لقريش أوزان في الجاهلية فدخل الإسلام فأقرت على ما كانت عليه. كانت قريش تزن الفضة بوزن تسميه درهمًا، وتزن الذهب بوزن تسمية دينارًا قيل عشرة من أوزان الدراهم سبعة أوزان الدنانير وكان لهم وزن الشعيرة (٣) وهو واحد الستين من وزن الدرهم وكانت لهم الأوقية وزن أربعين درهمًا والنش (٤) وزن عشرين درهمًا وكانت لهم النواة وهي وزن خمسة دراهم فكانوا يتبايعون بالتبر على هذه الأوزان فلما قدم النبي ﷺ مكة أقرهم على ذلك.

стр. 6397

حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، قال: رأيت الدنانير والدراهم قبل أن ينقشها عبد الملك ممسوحة وهو وزن الدنانير التي ضربها عبد الملك. وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن أبيه، قال: قلت لسعيد بن المسيب: من أول من ضرب الدنانير المنقوشة؟ قال: عبد الملك بن مروان وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم كسروية وحميرية قليلة، قال سعيد: فأنا بعثت بتبر إلى دمشق فضرب لي على المثقال في الجاهلية. وحدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أن أول من ضرب وزن سبعة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أيام ابن الزبير. وحدثني محمد بن سعد، قال: حدثني محمد بن عمر، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، أن عبد الملك أول من ضرب الذهب عام المجاعة سنة ٧٤هـ. قال أبو الحسن المدائني: ضرب الحجاج الدراهم آخر سنة ٧٥هـ، ثم أمر بضربها في جميع النواحي سنة ست وسبعين. وحدثني داود الناقد قال: سمعت مشايخنا يتحدثون أن العباد من أهل الحيرة كانوا يتزوجون على مائة وزن ثمانية يريدون ثمانين مثقالًا دراهم وعلى مائة وزن خمسة يريدون خمسين مثقالًا دراهم وعلى مائة وزن مائة مثقال، قال الناقد: ورأيت درهمًا عليه ضرب هذه الدراهم بالكوفة سنة ثلاث وسبعين فأجمع النقاد أنه معمول وقال: رأيت درهمًا شاذًّا لم ير مثله عليه عبيد الله بن زياد فأنكر أيضًا. حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني الواقدي،عن يحيى بن النعمان الغيفاري،عن أبيه قال: ضرب مصعب الدراهم بأمر عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة وعليها بركة،وعليها "الله" فلما كان الحجاج غيرها. وروي عن هشام بن الكلبي- لعل صوابه هشام بن السائب الكلبي - أنه قال: ضرب مصعب مع الدراهم دنانير أيضا. حدثني داود الناقد، قال: حدثني أبو الزبير الناقد، قال: ضرب عبد الملك شيئًا من الدنانير في سنة اثنين وسبعين ثم ضربها سنة خمس وسبعين، وأن الحجاج ضرب دراهم بغلية كتب عليها: بسم الله، الحجاج، ثم كتب عليها بعد سنة: الله أحد الله الصمد، فكره ذلك الفقهاء فسميت مكروهة، ويقال: إن الأعاجم كرهوا نقصانها فسميت مكروهة، قال: وسميت السميرية بأول من ضربها واسمه سمير.

стр. 6398

حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، قال: حدثني عوانة بن الحكم، أن الحجاج سأل عما كانت الفرس تعمل به في ضرب الدراهم فاتخذ دار ضرب وجمع فيها الطباعين فكان يضرب المال للسلطان ما يتجمع له من التبر وخلاصة الزيوف والستوقة (١) والبهرجة (٢) ثم أذن للتجار وغيرهم في أن تضرب لهم الأوراق واستغلها من فضول ما كان يؤخذ من فضول الأجرة للصناع والطباعين وختم أيدي الطباعين، فلما ولى عمر بن هبيرة العراق ليزيد بن عبد الملك خلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله وزود الدراهم فاشتد في العيار ثم ولي خالد بن عبد الله البجلي ثم القسري العراق لهشام بن عبد الملك فاشتد في النقود أكثر من شدة ابن هبيرة حتى أحكم أمرها أبلغ من إحكامه، ثم ولي يوسف بن عمر بعده فأفرط في التشديد على الطباعين وأصحاب العيار وقطع الأيدي وضرب الأبشار فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية غيرها فسميت الدراهم الأولى المكروهة. وقال قدامة بن جعفر (الخراج: ص٥٩، ٦١) : قال أبو الفرج - يعني الأصبهاني -: لما أخذ أمر الفرس يضمحل ودولتهم تضعف وسلطانهم يهن وتدابيرهم تفسد وسياستهم تضطرب فسدت نقودهم، فقام الإسلام ونقودهم من العين والورق غير خالصة فما زال الأمر على ذلك إلى أن اتخذ الحجاج دار الضرب وجمع فيها الطباعين فكان المال يضرب للسلطان مما يجمع له من التبر وخلاصة الزيوف والبهرجة ثم أذن للتجار في أن تضرب لهم الأوراق وأشغل الدار من فضول ما كان يؤخذ من الأجور وختم على أيدي الصناع والطباعين وذلك في سنة خمس وسبعين ثم نقش على الدراهم (الله أحد الله الصمد) فسميت المكروهة لأن الفقهاء كرهوها ثم لما ولي عمر بن هبيرة العراق ليزيد بن عبد الملك خلص الفضة أبلغ تخليص وجود الدراهم واشتد في العيار ثم لما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق لهشام بن عبد الملك اشتد في النقود أكثر من اشتداد ابن هبيرة حتى أحكم أمرها أبلغ من إحكامه على الطباعين وأصحاب العيار وقطع الأيدي وضرب الأبشار فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية ولم يكن يقبل المنصور من نقودهم في الخراج غيرها فسميت الدراهم الأولى المكروهة ثم جود العيار في أيام الرشيد وأيام المأمون وأيام الواثق حتى كان الأئمة المعمول عليها في دور الضرب مال جمع عياره من ثلاثة دنانير مضروبة في تلك الأول الثلاثة وهي على هذا إلى الآن.

стр. 6399

فأما الورق فإن الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان، درهم منها على وزن المثقال وهو عشرون قيراطًا ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطًا ودرهم وزنه عشرة قراريط فلما احتيج في الإسلام إلى الزكاة أخذ الوسط من مجموع ذلك وهو اثنان وأربعون قيراطًا فكانت أربعة عشر قيراطًا من قراريط الدينار وكانت الدراهم في أيام الفرس يسمى منها البعض مما وزن الدرهم فيه مساوٍ لوزن الدينار العشرة، ووزن عشرة، ومما الدرهم منه اثنا عشر قيراطًا العشرة ووزن ستة، ومما الدرهم منه عشرة قراريط العشرة وزن خمسة، فلما ضربت الدراهم الإسلامية على الوسط من هذه الثلاثة الأوزان قيل في عشرتها وزن سبعة لأنها كذلك. فلهذه العلة يفيد ذكر الأوزان في الصكاك بأن يقال: وزن سبعة جريًا على المذهب الأول الذي كان يحتاط فيه لوجود الأوزان الثلاثة في الدراهم في ذلك الوقت. وقال الماوردي - الأحكام السلطانية: (ص١٥٣ - ١٥٤) في معرض شرحه لما يتصل بالجزية وأحكامها: وأما الدرهم فيحتاج إلى معرفة وزنه ونقده، فأما وزنه فقد استقر الأمر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق ووزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، واختلف في سبب استقراره على هذا الوزن، فذكر قوم أن الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن مثقال عشرون قيراطًا، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطًا ودرهم وزنه عشرة قراريط فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة وهو اثنان وأربعون قيراطًا فكان أربعة عشر من قراريط المثقال فلما ضربت الدراهم الإسلامية على الوسط من هذه الأوزان الثلاثة قيل في عشرتها وزن سبعة مثاقيل لأنها كذلك، وذكر آخرون أن السبب في ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البغلي وهو ثمانية دوانق، ومنها الطبري وهو أربعة دوانق ومنها المغربي وهو ثلاثة دوانق ومنها اليمني وهو دانق، قال: انظروا الأغلب مما يتعامل به الناس من أعلاها وأدناها فكان الدرهم البغلي والدرهم الطبري فجمع بينهما فكانا اثني عشر دانقًا فأخذ نصفها فكان ستة دوانق فجعل الدرهم الإسلامي في ستة دوانق ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالًا ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهمًا فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهمًا وسبعان. فأما النقص فمن خالص الفضة وليس للمغشوشة مدخل في حكمه.

стр. 6400

وقد كان الفرس عند فساد أمرهم فسدت نقودهم فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورق والذهب غير خالصة إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفوًا لعدم تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص. واختلف في أول من ضربها في الإسلام فقال سعيد بن المسيب: إن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم ترد كسروية وسميرية قليلة، قال أبو الزناد: فأمر عبد الملك بن مروان الحجاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها سنة أربع وسبعين وقال المدائني: بل ضربها الحجاج آخر سنة خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وقيل إن الحجاج خلصها تخليصًا لم يستقصه وكتب عليها (الله أحد الله الصمد) وسميت مكروهة واختلف في تسميتها بذلك فقال قوم لأن الفقهاء كرهوها لما عليها من القرآن وقد يحملها الجنب والمحدث، وقال الآخرون: لأن الأعاجم كرهوا نقصانها فمسيت مكروهة ثم ولي بعد الحجاج عمر بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك فضربها أجود مما كانت ثم ولي بعده خالد بن عبد الله القسري فشدد في تجويدها وضرب بعدها يوسف بن عمر فأفرط في التشديد فيها والتجويد فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، وكان المنصور ﵁ هكذا يقول الماوردي غفر الله له - لا يأخذ في الخراج من نقودهم غيرها وحكى يحيى بن النعمان الغيفاري، عن أبيه، أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبع على ضرب الأكاسرة وعليها بركة في جانب و "الله" في الجانب الآخر ثم غيرها الحجاج بعد سنة وكتب عليها باسم الله في جانب والحجاج في جانب. وقال أبو يعلى الفراء الأحكام السلطانية: (ص١٧٤) : (وأما الدرهم فيحتاج فيه إلى معرفة وزنه ونقده. فأما وزنه فقد استقر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق وزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل. وقد نص على هذا في الزكاة في رواية الميموني، وقد سأله عمن عنده شيء وزنه درهم أسود وشيئ وزنه دانقين - لعل صوابه دانقان - وهي تخرج في مواضع: ذا مع نقصانه على الوزن سواء. فقال: يجمعهما ثم يخرجهما على وزن سبعة. وقال في رواية بكر بن محمد، عن أبيه - وقد سأله عن الدراهم السود ـ، فقال: إذا حلت الزكاة عن شيئين من دراهمنا هذه أوجبت فيها الزكاة، فأخذ بالاحتياط، فأما الدية فأخاف عليه، وأعجبه في الزكاة أن يؤدي من ميئين من هذه الدراهم، وإن كان على رجل دية أن يعطي السود الوفاية. وقال: هذا كلام لا يحتمله العامة. وظاهر هذا أنه إنما اعتبر وزن سبعة في الزكاة والخراج محمول عليها، واعتبر في الدية أولى من ذلك، وقال في رواية المروزي - وذكر دراهم اليمن صغارًا في الدرهم منها "دانقين" ونصف، فقال: ترد إلى المثاقيل كيف تزكي هذه؟ فقد نص على اعتبار كل عشرة منها سبعة مثاقيل. واختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن) . ثم ساق خلاصة لما ذكره البلاذوري والماوردي ونقلناه عنهما. وقال محمد حامد الفقي في تعليقه على كلام الفراء: قال العلامة تقي الدين أحمد المقريزي الشافعي في رسالته النقود الإسلامية القديمة. (طبع الآستانة) .

стр. 6401

اعلم أن النقود التي كانت بأيدي الناس على وجه الدهر على نوعين: السوداء الوافية، والطبرية العتق، وهما غالب ما كان البشري يتعاملون به، فالوافية - وهي البغلية - هي دراهم فارس الدرهم وزنه زنة المثقال الذهب والدراهم "الجواز" تنقص من العشرة ثلاثة، فكل سبعة "بغلية" عشرة بـ "الجواز"، وكان لهن أيضًا دراهم تسمى جوارقية، وكانت نقود العرب التي تدور بينها الذهب والفضة، لا غير، ترد إليها من الممالك دنانير الذهب قيصرية من قبل الروم، ودراهم فضة على نوعين: سوداء وافية، وطبرية عتق، وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية مثل وزنها في الإسلام مرتين، ويسمى المثقال من الفضة درهمًا، ومن الذهب دينارًا، ولم يكن شيء من ذلك يتعامل به أهل مكة في الجاهلية، وكانوا يتبايعون بأوزان اصطلحوا عليها فيما بينهم وهو الرطل الذي هو اثنتا عشرة أوقية (١) ، والأوقية هي أربعون درهمًا فيكون الرطل ثمانين وأربع مائة درهم. والنص: هو نصف الأوقية حولت صادة شيئًا فقيل "النش" (٢) ، وهو عشرون درهمًا، والنواة وهي خمسة دراهم، والدرهم الطبري ثمانية دوانق، والدرهم البغلي" أربعة دوانق وقيل: بالعكس، و"الدرهم الجوارقي" أربعة دوانق ونصف، والدانق ثمانية حبات وخمسًا حبة من حبات الشعير المتوسطة التي لم تقشر وقد تقطع من طرفيها ما امتد، وكان الدينار يسمى لوزنه دينارًا وإنما هو تبر، ويسمى الدرهم - لوزنه - درهمًا وإنما هو تبر، وكانت زنة كل عشرة دراهم ستة مثاقيل، والمثقال زنة اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبة. وهو أيضًا زنة اثنتين وسبعين حبة شعير مما تقدم ذكره، وقيل: إن المثقال - منذ وضع - لم يخفف في جاهلية ولا إسلام، ويقال: إن الذي اخترع الوزن في الدهر الأول بدأه بوضع المثقال أولا فجعله ستين حبة زنة الحبة مائة من حب الخردل البري المعتدل، ثم ضرب صنجة (٣) بزنة مائة من حب الخردل، وجعل بوزنها مع المائة حبة صنجة ثانية، ثم صنجة ثالثة حتى بلغ مجموع الصنج خمس صنجات، فكانت صنجة نصف سدس مثقال ثم أضعف وزنها حتى صارت ثلث مثقال، فركب منها نصف المثقال ثم مثقالا وعشرة، وفوق ذلك فعلى هذا تكون زنة المثقال الواحد ستة آلاف حبة. ولما بعث الله نبينا محمد ﷺ أقر أهل مكة على ذلك كله، وقال: الميزان ميزان أهل مكة (٤) ،وفي رواية ميزان المدينة (٥) .

стр. 6402

وفرض رسول الله ﷺ زكاة الأموال، فجعل في خمس أواق من الفضة الخالصة التي لم تغش خمسة دراهم، وهي النواة، وفرض في كل عشرين دينارًا نصف دينار كما هو المعروف من سنته في كتب الحديث (١) . قال: فلما استخلف أبو بكر الصديق ﵁ عمل في ذلك بسنة رسول الله ﷺ ولم يغير منه شيئًا حتى إذا استخلف أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ وفتح الله على يديه مصر والشام والعراق لم يعترض بشيء من النقود - لعل صوابه. يتعرض - بل أقرها على حالها، فلما كانت سنة ثماني عشرة من الهجرة،وهي السنة الثامنة من خلافته أتته الوفود منهم وفد البصرة وفيهم الأحنف بن قيس، فكلم عمر بن الخطاب في مصالح البصرة فبعث معقل بن يسار فاحتفر نهر معقل الذي قيل فيه - إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل - ووضع الجريب والدرهمين في الشهر - فضرب حينئذ عمر ﵁ الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها غير أنه زاد في بعضها "الحمد لله"، وفي بعضها "محمد رسول الله"، وفي بعضها "لا إله إلا الله وحده"، وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل، فلما بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ضرب في خلافته دراهم نقشها "الله أكبر" فلما اجتمع الأمر لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ وجمع لزياد بن أبيه الكوفة والبصرة قال: يا أمير المؤمنين إن العبد الصالح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صغر الدرهم وكبر القفيز، وصارت به يومئذ ضريبة أرزاق الجند ورزق عليه الدرية طلبًا للإحسان إلى الرعية، فلو جعلت أنت عيارًا دون ذلك العيار ازدادت الرعية به رفقًا، ومضت لك به السنة الصالحة فضرب معاوية ﵁ تلك الدراهم السود الناقصة من ستة دوانيق فتكون خمسة عشر قيراطًا تنقص حبة أو حبتين، وضرب منها زياد وجاء وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكتب عليها، فكانت تجرى مجرى الدراهم وضرب معاوية أيضًا دنانير عليها تمثال مقلد سيفًا فوقع منها دينار ردئ في يد شيخ من الجند، فجاء به معاوية، فقال: يا معاوية إنا وجدنا ضربك غير ضرب، فقال له معاوية: لأحرمنك حقك ولأكسونك القطيفة.

стр. 6403

فلما قام عبد الله بن الزبير ﵄ ضرب دراهم مدورة وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة وكافة ما ضرب منها قبل ذلك ممسوحًا غليظًا قصيرًا، فغيرها عبد الله ونقش على أحد وجهي الدرهم "محمد رسول الله"، وعلى الآخر "أمر الله بالوفاء والعدل" وضرب أخوه مصعب بن الزبير دراهم بالعراق وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل وأعطاها الناس في العطاء حتى قدم الحجاج بن يوسف للعراق من قبل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فقال: ما نبقى من سنة الفاسق أو المنافق شيئًا فغيرها، فلما استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان بعد قتل عبد الله ومصعب ابني الزبير فحص عن النقود والأوزان والمكاييل وضرب الدنانير والدراهم في سنة ستة وسبعين من الهجرة. فجعل وزن الدينار اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبة بالشام، وجعل وزن الدرهم خمسة عشر قيراطًا سوى، والقيراط أربع حبات، وكل دانق قيراطين ونصفًا، وكتب إلى الحجاج وهو بالعراق أن أضربها قبلك فضربها وقدمت مدينة رسول الله ﷺ وبها بقايا الصحابة ﵃ فلم ينكروا منها سوى نقشها، فإن فيه صورة، وكان سعيد بن المسيب ﵀ يبيع بها ويشتري ولا يعيب من أمرها شيئًا. وجعل عبد الملك الذهب الذي ضربه دنانير على المثقال الشامي وهي المكيالة الوازنة المسألة - هكذا في النسخة المطبوعة والظاهر المماثلة - دينارين. وكان سبب ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم كذلك، أن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان قال له: يا أمير المؤمنين إن العلماء من أهل الكتاب الأول يذكرون أنهم يجدون في كتبهم أن أطول الخلفاء عمرًا من قدس الله تعالى في درهمه فعزم على ذلك ووضع السكة الإسلامية. وقيل: إن عبد الملك كتب في صدر كتابه إلى ملك الروم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، وذكر النبي ﷺ في ذكر التاريخ، فأنكر ملك الروم ذلك وقال: إن لم تتركوا هذا وإلا ذكرنا نبيكم في دنانيرنا بما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك واستشار الناس فأشار عليه خالد بن يزيد بضرب السكة وترك دنانيرهم. وكان الذي ضرب الدراهم رجلا يهوديًا من تيماء (١)

стр. 6404

يقال له سمير، نسبت الدراهم إذ ذاك إليه، وقيل لها: الدراهم السميرية. وبعث عبد الملك بالسكة إلى الحجاج، فسيرها الحجاج إلى الآفاق لتضرب الدراهم بها، وتقدم إلى الأمصار كلها أن يكتب إليه منها في كل شهر بما يجتمع قبلهم من المال كي يحصيه عنده، وأن تضرب الدراهم في الآفاق على السكة الإسلامية وتحمل إليه أولا فأولا. وقدر في كل مائة درهم درهمًا عن ثمن الخطب وأجر الضرائب. ونقش على أحد وجهي الدرهم "قل هو الله أحد"، وعلى الآخر " لا إله إلا الله" وطوق الدرهم على وجهيه بطوق، وكتب في الطوق الواحد "ضرب هذا الدرهم بمدينة كذا"، وفي الطوق الآخر (محمد رسول الله ﷺ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) . وقيل: الذي نقش فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هو الحجاج. وكان الذي دعا عبد الملك إلى ذلك أنه نظر للأمة وقال: هذه الدراهم السود الوافية والطبرية العتق تبقى مع الدهر، وقد جاء في الزكاة أن في كل مائتين وفي كل خمس أواق خمسة دراهم، واتفق أن يجعلها كلها على مثال السود العظام مائتي عدد يكون قد نقص من الزكاة وإن عملها كلها على مثال الطبرية - ويحمل المعنى على أنها إذا بلغت مائتي عدد وجبت الزكاة فيها - فإن فيه حيفًا وشططًا على أرباب الأموال، فاتخذ منزلةً بين منزلتين يجمع فيها كمال للزكاة من غير بخس ولا إضرار بالناس، مع موافقة ما سنه رسول الله ﷺ وحده من ذلك، وكان الناس قبل عبد الملك يؤتون زكاة أموالهم شطرين من الكبار والصغار، فلما اجتمعوا مع عبد الملك على ما عزم عليه عهد إلى درهم وافٍ وزنه، فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى درهم من الصغار، فإذا هو أربعة دوانيق فجمعها وكمل زيادة الأكبر على نقص الأصغر وجعلهما درهمين متساويين زنة كل منهما ستة دوانيق سوى، واعتبر المثقال أيضًا، فإذا هو لم يبرج في آباد الدهر موفى محدودًا كل عشرة دراهم منها ستة دوانيق فإنها سبعة مثاقيل سوى، فأقر ذلك وأمضاه من غير أن يعرض لتغييره، فكان فيما صنع عبد الملك في الدراهم ثلاث فضائل، الأولى: أن كل سبعة مثاقيل زنة عشرة دراهم، والثانية: أنه عدل بين صغارها وكبارها حتى اعتدلت وصار الدرهم ستة دوانيق، والثالثة: أنه موافق لما سنه رسول الله ﷺ في فريضة الزكاة من غير وكس ولا شطط فخصت بذلك السنة واجتمعت عليها الأمة. وضبط هذا الدرهم الشرعي المجمع عليه أنه - كما مر - زنة العشرة منه سبعة مثاقيل، وزنة الدرهم الواحد خمسون حبة وخمسًا حبة من الشعير الذي تقدم ذكره، ومن هذا الدرهم تركب الرطل والقدح، والصاع وما فوقه، وإنما جعلت العشرة من الدراهم الفضة بوزن سبعة مثاقيل من الذهب، لأن الذهب أوزن من الفضة وأثقل، فأخذت حبة فضة وحبة ذهب ووزنتا فرجحت حبة الذهب على حبة الفضة ثلاثة أسباع فجعل من أجل ذلك كل عشرة دراهم زنة سبعة مثاقيل، فإن ثلاثة أسباع الدرهم إذا أضيفت عليه بلغت مثقالا، والمثقال إذا نقص منه ثلاثة أعشار بقى درهمًا، وكل عشرة مثاقيل تزن أربعة عشر درهمًا وسبعًا درهم، فلما ركب الرطل جعل الدرهم منه ستين حبة، لكن كل عشرة دراهم تعدل زنة سبعة مثاقيل فتكون زنة الحبة سبعين حبة من حب الخردل، ومن ذلك تركب الدرهم فركب الرطل ومن الرطل تركب المد ومن المد تركب الصاع وما فوقه، وفي ذلك طرق حسابية مبرهنة بأشكال هندسية ليس هذا موضعها، وكان مما ضرب الحجاج الدراهم البيض ونقش عليها "قل هو الله أحد"، فقال القراء: قاتل الله الحجاج، أي شيء صنع للناس الآن بأخذه الجنب والحائض فكره ناس من القراء مسها وهم على غير طهارة، وقيل لها: المكروهة فعرفت بذلك.

стр. 6405

ثم ذكر المقريزي مذهب مالك في أنه كان لا يرى بها بأسًا، وأن عمر بن عبد العزيز قبل له: هذه الدراهم البيض فيها كتاب الله يقبلها اليهودي والنصراني والجنب والحائض فإن رأيت أن تأمر بمحوها؟ فقال: أردت أن تحتج علينا الأمم إن غير توحيد ربنا واسم نبينا، ومات عبد الملك والأمر على ذلك، فلم يزل من بعده في خلافة الوليد، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز إلى أن استخلف يزيد بن عبد الملك فضرب الهبيرية بالعراق عمر بن هبيرة على عيار ستة دوانق، فلما قام هشام بن عبد الملك - وكان جموعًا للمال - أمر خالد بن عبد الله القسري لسنة ست ومائة من الهجرة أن يعيد العيار على وزن سبعة، وأن يبطل السكك من كل بلد إلا واسط، فضرب الدراهم بواسط فقط وكبر السكة فضربت الدراهم على السكك الخالدية حتى عزل خالد في سنة عشرين ومائة، وتولى من بعده يوسف بن عمر الثقفي فصغر السكة وأجراها على وزن ستة وضربها بواسط وحدها حتى قتل الوليد بن يزيد في سنة ست وعشرين ومائة، فلما استخلف مروان بن محمد الجعدي آخر خلائف بني أمية ضرب الدراهم بالجزيرة على السكة بحران إلى أن قتل وأتت دولة بني العباس. وقال الذهبي (سير أعلام النبلاء: ٤/٢٤٨، ترجمة ٨٩) في ترجمته لعبد الملك بن مروان: قال مالك: أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن. وقال القلقشندي في (مآثر الأناقة: ٣/٢٤٥) في معرض ذكر أوليات عبد الملك بن مروان: وهو أول من ضرب الدراهم في الإسلام، وكتب في أولها "قل هو الله أحد" سنة خمس وسبعين، وجعل كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، فاستمر هذا الوزن إلى الآن، وإنما كان قبل ذلك الدراهم المشخصة ثم ضربها الحجاج ونقش عليها "الله أحد الله الصمد" ونهى أن يطبع أحد غيره فطبع سهير اليهودي دراهمه السهيرية - لعله هو الذي سماه البلاذوري سمير - من فضة خالصة، وجعل فيها ذهبًا فأمر الحجاج بقتله، فقال: انظر فإن لم تكن أجود من دراهمك فاقتلني فوجدها أجود منها، فأمر بقتله لجرأته على ضربها: قال فإني أعرض عليك أمرًا فإن رأيته أصلح للمسلمين من قتلي فأعفني. قال: هاته، فوضع الوزن وزن ألف وخمس مائة، وثلاث مائة، إلى وزن ربع قيراط فجعلها حديدًا ونقشها وجاء بها إلى الحجاج فأعجبه وعفى عنه. وكان الناس قبل ذلك يأخذون الدرهم الوازن فيزنون به غيره وأكثر ذلك يؤخذ عددًا.

стр. 6406

(٥) النقد كما يتمثل في الحديث الشريف ألمعنا في الفصل السابق إلى أن النقد ليس جديدًا على العرب، وأنهم لم يتعاملوا به فحسب بل من فيهم من سك منه وحدات بعضها بنفس الاسمين المعروف بهما نقد العهد الإسلامي الأول وما بعده إلى قريب من هذا العصر. وذلك ما يقرر قاعدة هامة سنعود إلى بيانها بالتفصيل في فصل لاحق وهي أن الإسلام لم يأت ولا غيره من الشرائع التي سبقته - بالتغيير الجذري لطبيعة وأعراف الناس وإنما لتنظيمها وتكييفها بمعيار من إقرار العدل والقسط وتحقيق التطور في إطار من الالتزام بالعدل التزامًا يعصم جميع أطوار الإنسان معاشًا وحضارة من الانحراف، وآية ذلك ما نسوقه فيما يلي من أحاديث عن رسول الله ﷺ منها المتفق على صحته، ومنها ما حاول البعض الغمز فيه لكن يتقوى بشواهد تعضده ولا نريد أن نتقصى جميع الأحاديث الشريفة التي ورد فيها تحديد النقد فضة كان أو ذهبًا، إنما نسوق نماذج منها وقد نعمد إلى استقصاء طرق بعض ما غمزوا فيه لبيان أنها ليست معلولة كما يفهم من غمزهم إما بتعدد طرقها فيظاهر بعضها بعضًا أو بما لها من شواهد تعتضد بها. قال مالك في (الموطأ: ص ١٩٧،ح١) : ١ - عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : ((ليس فيما دون خمس ذود)) (١) صدقة وليس فيها دون خمس أواق (٢) ، صدقة (٣) . ٢ - عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم الكوفي، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق)) . (٤) صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة (٥)

стр. 6407

وأخرج الشافعي (الأم: ٢/٤٢،٤٣) : عن طريق مالك هذين الحديثين بلفظ مالك وسنده. وقال البخاري (الصحيح: ٢/١٢١) حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) . (١) حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثني ابن سعيد قال: أخبرني عمرو سمع أباه، عن أبي سعيد ﵁ سمعت النبي ﷺ بهذا. ثم قال: (ص١٣٣) : حدثنا مسدد، حدثنا يحيى حدثني مالك، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة ولا في أقل من خمسة من الإبل صدقة، ولا في أقل من خمسة أواق من الورق صدقة)) . (٢) وقال مسلم (الصحيح: ٢/٦٧٣، ح٩٧٩) : حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: سألت عمرو بن يحيى بن عمارة، فأخبرني عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة)) (٣) حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر أخبرنا الليث: وحدثني عمرو الناقد، حدثنا عبد الله بن إدريس كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد مثله.

стр. 6408

حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه يحيى بن عمارة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وأشار النبي ﷺ بكفه بخمس أصابعه ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة (١) حدثني أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، حدثنا بشر - يعني ابن مفضل ـ، حدثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة)) . (٢) ثم قال: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي ـ، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: ((ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة)) . (٣) وحدثني عبد بن حميد، حدثني يحيى بن آدم، حدثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية بهذا الإسناد مثل حديث ابن مهدي. وحدثني محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري ومعمر، عن إسماعيل بن أمية بهذا الإسناد مثل حديث ابن مهدي ويحيى بن آدم غير أنه قال: بدل التمر ثمر. ٩٨٠ - حدثنا هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن ابن الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ولا فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)) . (٤)

стр. 6409

وروى عبد الرزاق (المصنف: ٤/٨٩، ح٧٠٧٧) : عن الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا على إني عفوت عن صدقة الخيل والرقيق فأما الإبل والبقر والشاة فلا ولكن هاتوا ربع العشر من كل مائتي درهم خمسة دراهم ومن كل عشرين دينار نصف دينار وليس في مائتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول فإذا حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم فما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم)) (١) . ورواه عبد الرزاق موقوفًا أيضًا فقال (المرجع السابق: ص ٨٨، الأثر ٧٠٧٤) : عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على قال: في مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك قال: قلت: ما قوله: فما زاد فبحساب ذلك؟ قال: يقول بعضهم: إذا زادت على المائتين فكانت زيادته أربعين درهمًا ففيها درهم وقال آخرون: فما زاد فبحساب ذلك إذا كانت عشرة ففيها ربع درهم. وقال ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف: ٣/١١٧،١١٨) : حدثنا ابن نمير عن الأعمش، عن ابن إسحاق، عن عاصم، عن علي، عن النبي ﷺ قال: ((ليس في أقل من مائتي درهم شيء)) . (٢) حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني عمار، عن زريق، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ قال: ((ليس في أقل من مائتي درهم شيء)) . (٣) قلت: لم يأت ذكر للذهبي في هذا الحديث في الإسنادين معًا لكن ورد ذكره في رواية عن على موقوفًا عند ابن أبي شيبة قال (ص١١٩) :

стр. 6410

حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على قال: ليس في أقل من عشرين دينارًا شيء وفي عشرين دينارًا نصف دينار وفي أربعين دينارًا دينار فما زاد فبالحساب. قال الترمذي (الجامع الصحيح: ٣/١٦، ح ٦٢٠) : حدثنا محمد بن عبد الله الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على قال: قال رسول الله ﷺ : ((قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة عن كل أربعين درهمًا درهمًا وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) (١) . وتعقبه بقوله: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن علي. وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث - يعني الأعور - عن علي. قال: وسألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح، عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون روى عنهما جميعًا. وأخرجه أبو داود في (سننه: ٢/١٠١، ح ١٥٧٤) فقال: حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : ((وقد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهمًا درهمًا وليس في تسعين ومائتين شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) . (٢) . وتعقبه بقوله: وروى هذا الحديث الأعمش، عن أبي إسحاق كما قال أبو عوانة ورواه شيبان أبو معاوية وإبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، عن النبي ﷺ مثله. وروى حديث النفيلي شعبة وسفيان وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن على لم يرفعوه، أوقفوه على علي. ورواه ابن حزم في (المحلى: ٦/٦٠) فقال في معرض كلامه عن الأصل في تحديد نصاب الذهب والخلاف في ذلك: فوجدنا من حدود في ذلك عشرين دينارًا احتج بما رويناه عن طريق ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم وآخر عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن على، عن النبي ﷺ ، فذكر كلامًا وفيه: وليس عليك حتى يكون - يعني في الذهب - لك عشرون دينارًا، فإن كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك قال: لا أدري أعلي يقول بحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ . ثم ساق الحديث عن طريق عبد الرزاق وقد نقلناه آنفًا.
следующие страницы →