← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

قال الرافعي: ويشبه أن يجيء هذا الوجه فيما إذا قال: بعتك بألف مثقال ذهبا وفضة. قلت - القائل النووي -: لا جريان له هناك والفرق كثرة التفاوت بين الذهب والفضة فيعظم الغرر وإن قال: بعتك بألف درهم مسلمة أو منقية لم يصح لأنه ليس لها عادة مضبوطة، قاله السيمري وصاحب البيان. ثم قال (ص ٣٣١، ٣٣٢) : (فرع) لو باع بنقد قد انقطع من أيدي الناس فالعقد باطل لعلم القدرة على التسليم فإن كان لا يوجد في ذلك البلد ويوجد في غيره فإن كان الثمن حالا أو مؤجلا إلى أجل لا يمكن نقله فيه فالعقد باطل أيضًا وإن كان مؤجلا إلى مدة يمكن نقله فيها صح البيع ثم إن حل الأجل وقد أحضره فذلك وإلا فينبني على أن الاستبدال على الثمن هل يجوز إن قلنا لا فهو كانقطاع المسلم فيه وإن قلنا نعم استبدل ولا ينفسخ العقد على المذهب (أي الشافعي) وفيه وجه ضعيف أنه ينفسخ أما إذا كان وجد في البلد ولكنه عزيز فإن جوزنا الاستبدال صح العقد فإن وجد فذاك وإلا فيستبدل وإن لم نجوزه لم يصح، أما إذا كان النقد الذي جري به التعامل موجودا ثم انقطع فإن جوزنا الاستبدال استبدل وإلا فهو كانقطاع المسلم فيه. (فرع) لو باع بنقد معين أو مطلق وحملناه على نقد البلد فأبطل السلطان المعاملة بذلك النقد لم يكن للبائع إلا ذلك النقد. (فرع) قال صاحب البيان: قال السيمري: إذا باعه بنقد في بلد، ثم لقيه في بلد آخر، لا يتعامل الناس فيه بذلك النقد، فدفع إليه النقد المعقود عليه فامتنع فهل له الامتناع؟ فيه ثلاثة أوجه: الصحيح ليس له الامتناع بل يجبر على أخذه لأنه المعقود عليه كما لو باعه بحنطة لم يقبضها حتى رخصت. والثاني لا يجبر على أخذها وله الامتناع منه كما لو سلم إليه في موضع مخوف، والثالث: إن كان البلد الذي يدفعه فيه لا يتعامل الناس فيه بذلك النقد أيضًا لم يجبر عليه، وإن كانوا يتعاملون به بوكس لزمه أخذه وأجبره عليه.

стр. 6547

ثم قال (نفس المرجع: ١٠/ ١٤١، ١٤٢) : فرعان لهما تعلق بالاستبدال عن الثمن أحدهما قال القاضي حسين: إذا باع شيئا بدراهم برمكية، لا يجوز العقد لأنه عزيز الوجود، وقل ما يوجد في بلادنا هذه، ولو باعه بدراهم فتحية ينظر فيه فإن كان في بلد يعز وجوده هذا يبنى على أن الاستبدال عنه جائز أم لا إن قلنا جائز صح وإلا فلا يصح العقد، قال صاحب التهذيب إنه إذا باع بما يعز وجوده في البلد يبنى على الاستبدال عن الثمن هل يجوز؟ إن قلنا يجوز صح ثم إن وجد ذلك النقد وإلا لا يستبدل، وإن قلنا لم يصح كما لو أسلم فيما يعز وجوده وهذا الإطلاق الذي قاله صاحب التهذيب أولى من التفصيل الذي ذكره القاضي. الثاني: إذا باع بنقد البلد ثم انقطع من أيدي الناس، قال القاضي حسين: إذا قلنا يجوز الاستبدال، فلا يفسد العقد وإن قلنا لا يجوز الاستبدال، فقولان: أحدهما ينفسخ، والثاني يثبت له حق الفسخ، وهما كالقولين في المسلم فيه إذا انقطع. فأما إذا باع بنقد البلد ثم أن السلطان رفع ذلك لا غير سواء باعه بثمن معين أو بثمن مطلق، قال الرياني: وهكذا لو باع بفلوس ففسخها السلطان، وقال أبو حنيفة ﵁: ينفسخ العقد هذا كلام القاضي حسين وقاسه البغوي على ما لو أسلم في صبطة (١) ، فرخصت ليس له إلا صبطه، وحكى مع ذلك وجها أن البائع يخير بين أن يجيز العقد فيأخذ النقد الأول وبين أن يفسخ فيسترد ما أعطى كما لو تعيب المبيع قبل القبض، قال الرياني: وهكذا لو باع بفلوس فنسخها السلطان.

стр. 6548

قال الرياني: لو جاء بالنقد الثاني المحدث لا يلزمه قبوله فإن أراد قبوله كان على سبيل الاعتياض، وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يلزمه قبوله. قال الرياني: لو حصل له على غير مائة درهم من نقد معروف فلفيه ببلد آخر لا يتعامل فيه به فقال: خذه لزمه أخذه , كما لو حرمه السلطان في بلده وقيل: لا يلزمه أخذه، وقيل: لا يتعامل به البتة لا يلزمه أخذه، وإن كان يتعامل به لكن ليس برائج يلزمه أخذه , وأصل هذه المسألة رجل يثبت له على آخر عشرة دراهم يلزمه أخذه أو يبرئه. (فصل) في مذاهب العلماء في هذه المسألة فقد تقدم في ذكر الأصح من مذهبنا أن له الإبدال فيما إذا خرج المقبوض عن الموصوف في القيمة معيبا بعد التفرق، وبذلك قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، والأوزاعي والليث بن سعد والحسين بن حسين، حكاهم عنهم العبدري، وقال صاحب المحيط من الحنفية، في كتاب الصرف، في باب خيار الرد بالربا فيه، والاستحقاق ولو وجد أحد المتصارفين الدراهم المغشوشة زيوفا أو كاسدة، أو رائجة في بعض التجارات دون بعض وذلك عيب عندهم فله أن يردها ويستبدل غيرها أن العقد يقتضي سلامة البدل كما في بيع العين والكلام في صحة الاستبدال في مجلس الرد من باب السلم.

стр. 6549

وقال السرخسي (المبسوط: ١٤/٢،٣) : الصرف اسم لنوع بيع، وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض. والأموال أنواع ثلاثة: نوع منها في العقد ثمن على كل حال، وهو الدراهم والدنانير صحبها حرف الباء، أو لم يصحبها سواء كان ما يقابلها من جنسها أو من غير جنسها ونوع منها ما هو مبيع على كل حال وهو ما ليس من ذوات الأمثال من العروض كالثياب والدواب والمماليك، ونوع هو ثمن من وجه مبيع من وجه كالمكيل والموزون، فإنها إذا كانت معينة في العقد تكون مبيعة، وإن لم تكن معينة فإن صحبها حرف الباء وقابلها مبيع فهي ثمن وإن لم يصحبها حرف الباء وقابلها ثمن فهي مبيعة، وهذا لأن الثمن ما يثبت عينا في الذمة. قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [آيه ٢٠ من سورة يوسف] . قال الفراء في معناه: الثمن عند العرب ما يثبت دينا في الذمة والنقود لا تستحق بالعقد إلا دينا في الذمة، ولهذا قلنا إنها لا تعين بالتعيين وكان ثمنها على كل حال. والعروض لا تستحق بالعقد إلا عينا فكانت مبيعة، والسلم في بعضها رخصة شرعية لا تخرج عن أن تكون مبيعة والمكيل والموزون يستحق عينا بالعقد تارة ودينا أخرى فيكون ثمنا في حال مبيعا في حال. والثمن في العرف ما هو المعقود به وهو ما يصحبه حرف الباء، وكان دينا في الذمة وقابله مبيع عرفنا أنه ثمن وإذا كان عينا قابله ثمن كان مبيعا لأنه يجوز أن يكون مبيعا بحال بخلاف ما هو ثمن بكل حال. ومن حكم الثمن أن وجوده في ملك العاقد عند العقد ليس بشرط لصحة العقد، وإنما يشترط ذلك في البيع وكذلك فوات التسليم فيها هو ثمن لا يبطل العقد بخلاف المبيع والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز بخلاف المبيع. والأصل فيه حديث ابن عمر حيث سأل رسول الله ﷺ فقال: إني أبيع الإبل بالنقيع فربما أبيعه بالدنانير وآخذ مكانه الدراهم أو على عكس ذلك فقال ﷺ : ((لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما عمل)) (١) .

стр. 6550

وإذا ثبت جواز الاستبدال بالثمن قبل القبض ثبت أن فوات التسليم فيه لا يبطل العقد لأن في الاستبدال تفويت التسليم فيما استحق بالعقد وبهذا ثبت أن ملكه عند العقد ليس بشرط لأن اشتراط الملك عند العقد إما لتمليك العين والثمن دين فيه الذمة أو للقدرة على التسليم ولا أثر للعجز عن تسليم الثمن في العقد. والحكم الذي يختص به الصرف بين سائر البيوع وجوب قبض البدلين في الجنس وأنه لا يكون فيه شرط خيار أو أجل وذلك ثابت بالحديث الذي رويناه، قال النبي ﷺ : ((لا بأس إن افترقتما وليس بينكما عمل)) - راجع التعليق (١) .- أي مطالبة بالتسليم لوجود القبض قبل الافتراق. ثم قال (نفس المرجع: ١٨ /٤، ٥) : رجل قال لفلان: على مائة درهم عددا، ثم قال بعد ذلك: هي وزن خمسة أو ستة وكان الإقرار منه بالكوفة فعليه مائة درهم وزن سبعة ولا يصدق في النقصان إلا إن بين الوزن موصولا بكلامه لأن ذكر الدراهم عبارة عن ذكر الوزن فإنه لا طريق لمعرفة الوزن فيه إلا بذكر العدد من الدراهم، ومطلق ذكر الوزن ينصرف إلى المتعارف منه، فإذا كان إقراره بالكوفة، فالمتعارف فيها بالدراهم سبعة وكما ينصرف مطلق البيع والشراء بالدراهم إليه فكذلك مطلق الإقرار ينصرف إليه، فقوله وزن خمسة بيان معتبر لما اقتضاه مطلق إقراره فقد بينا بيانه والتعبير يصح موصولا بالكلام ولا يصح مفصولا، ومعنى قولنا وزن سبعة: أن كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، وكل درهم أربعة عشر قيراطا، وإذا كان الدرهم أربعة عشر قيراطا تبنى عليه أحكام الزكاة ونصاب السرقة وغيرها.

стр. 6551

ثم قال: وإن كان في بلد يتبايعون على دراهم معروفة الوزن بينهم ينقص من وزن سبعة صدق في ذلك لأن تعيين وزن سبعة لم يكن نص من لفظه إنما كان بالعرف الظاهر في معاملة الناس به ذلك يختلف باختلاف البلدان والأوقات فيعتبر في كل موضع عرف ذلك الموضع كما في سائر التصرفات سوى الإقرار. وإن ادعي وزن دون المتعارف كما في تلك البلدة لم يصدق إلا إذا ذكره موصولا بكلامه وإن كان في البلد نقود مختلفة فإن كان الغالب منها نقد بعينه ينصرف الإقرار إليه، وإن لم يكن البعض غالبا على البعض ينصرف إقراره إلى الأقل لأن الأقل متيقن به وعند التعارض لا يقضي إلا بقدر المتيقن وهذا لأن المُقِرَّ بَيَّنَ الأول لا محالة، وهذا بيان التفسير حين استوت النقود في الرواج وبيان التفسير صحيح مفصولا كان أو موصولا كبيان الزوج في كتابات الطلاق. ولو قال بالكوفة: على مائة درهم بيض عددا، ثم قال: هي تنقص دانقا لم يصدق لأن مطلق لفظه انصرف إلى الإقرار بوزن سبعة فدعواه النقصان بمنزله الاستثناء لبعض ما أقر به والاستثناء لا يصح إلا موصولا ولو قال: علي مائة درهم " أسبهيدية" عددا، ثم قال: عنيت هذه الصغار فعليه مائة درهم وزن سبعة من " الأسبهيدية " لأن قول أسبهيدية يرجع إلى بيان النوع كقوله سود يرجع إلى بيان الصفة فلا يتغير به الوزن. ثم قال: وقوله: فأما إن كانت من سلف أسلفه، فلا يأخذ منه إلا مثل ما أعطى معناه فليس له أن يأخذ منه إلا مثل ما أسلفه إلا أنه لا يجوز له أن يأخذ منه دنانير إذا أسلفه دراهم أو دراهم إذا أسلفه دنانير بل ذلك جائز إذا حل الأجل ولم يكن في السلف شرط ذلك والسلف في هذا بخلاف البيع لا يجوز لمن خرجت من يده دنانير على سبيل البيع أن يأخذ بها دراهم ولا لمن خرجت من يده دراهم على سبيل البيع " إن لم يأخذ بها دنانير "، - هذا خلط من الطابع أو المحقق بين التحريف صوابه: أن يأخذ بها دنانير - والفرق بينهما أن السلف معروف لا يتهمان فيه على القصد إلى العمل بالربا والبيع على سبيل المكايسة فإنهما على القصد إلى ما آل إليه أمرها من الربا.

стр. 6552

وقال ابن حزم (المحلي: ٨/ ٥٠٣، ٥٠٤) : وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وأصحابنا - يعني أهل الظاهر - إلى جواز أخذ الذهب من الورق، والورق من الذهب، واحتجوا في ذلك بما رويناه عن قاسم بن أصبغ، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: قلت يا رسول الله، أبيع الإبل بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه , فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها. وتعقبه بقوله - انتصار لرأيه من أن ذلك من الربا - هذا خبر لا حجة فيه لوجوه، أحدهما أن سماك بن حرب ضعيف يقبل التلقين شهد بذلك عليه شعبة وأنه كان يقول له حدثك فلان عن فلان؟ فيقول: نعم فيما سئل عنه، وثانيها أنه قد جاءه هذا الخبر بهذا السند ببيان ما ذكروا كما روينا من طريق أحمد بن شعيب، أخبرنا قتيبة، أخبرنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: ((إذا بايعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس)) قال ابن حزم: وهذا معنى صحيح، وهو كله خبر واحد - قلت: هذه دعوى وسنحررها بعد قليل -.

стр. 6553

قال ابن حزم: وثالثها أنه لو صح لهم كما يريدون لكانوا مخالفين له، لأن فيه اشتراط أخذها بسعر يومها وهم يجيزون أخذها بسعر يومها. ثم قال: وأيضًا فإن هذا الخبر إنما جاء في البيع فمن أين أجازوه في القرض؟ وقد فرق بعض القائلين به بين القرض والبيع في ذلك واحتجوا من فعل السلف في ذلك بما روينا عن طريق وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن سعيد مولي الحسن، وقال: أتيت ابن عمر أتقاضاه، فقال لي: إذا خرج خازننا أعطيناك فلما خرج بعثه معي إلى السوق، وقال: إذا قامت على ثمن فإن شاء أخذها بقيمتها أخذها. ومن طريق الحجاج بن المنهال، حدثنا أبو عوانة، حدثنا إسماعيل السدي، عن عبد الله البهي، عن يسار بن نمير، كان لي على رجل دراهم، فعرض على دنانير، فقلت: لا آخذها حتى اسأل عمر فسألته، فقال: ائت بها الصيارفة فاعرضها فإذا قامت على سعر فإن شئت فخذها وإن شئت خذ مثل دراهمك. وصحت إباحة ذلك عن الحسن البصري، والحكم، وحماد، وسعيد بن جبير باختلاف عنه، وطاوس، والزهري، وقتادة، والقاسم بن محمد، واختلف فيه عن إبراهيم وعطاء. ثم قال (نفس المرجع: ص ٥٠٤، ٥٠٦) : وعن طريق سعيد بن منصور، حدثنا خالد بن عبد الله - هو الطحان - عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن محمد بن زيد، عن ابن عمر فيمن باع طعاما بدراهم أيأخذ بالدراهم طعاما؟ قال: لا، حتى تقبض دراهمك. وتعقبه بقوله: لم يقل ابن عمر بأَخْذٍ لك في غير الطعام. ومن طريق ابن أبي شيبة، حدثنا على بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن زيد، عن ابن عمر فيمن أقرض دراهم أيأخذ بثمنها طعاما فكرهه. ومن طريق ابن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن حرملة، قال: بعت جزورا بدراهم إلى الحصاد، فلما حل قضوني حنطة وشعيرا وسلتا، فسألت سعيد بن المسيب، فقال، لا يصلح لا تأخذ إلا الدراهم. وتعقب هذه الروايات بقوله: فهؤلاء عمر وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، والنخعي، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن سيرين، وابن المسيب، وهذا مما تركوا فيه القرآن في تحريمه أكل المال بالباطل لخبر ساقط مضطرب، وهو أحد قولي الشافعي وقول ابن شبرمة.

стр. 6554

ثم قال (نفس المرجع: ص ٥١٢، ٥١٣) : ومن باع من آخر دراهم بدنانير فلما تم البيع بينهما بالتفرق أو التخيير، اشتري منه أو من غيره بتلك الدراهم دنانيره تلك أو غيرها أقل أو أكثر، فكل ذلك حلال ما لم يكن عن شرط لأن ذلك عقد صحيح وعمل منصوص على جوازه، وأما الشرط فحرام لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل. ومنع من هذا قوم، وقالوا: إنه باع منه دنانير بدنانير متفاضلة. ثم ساق في معرض الاحتجاج لرأيه من طريق الحجاج بن المنهال، حدثنا يزيد بن إبراهيم - هو التستري - حدثنا محمد بن سيرين، قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال: ألا إن الدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار، عينا بعين، سواء بسواء، مثلا بمثل، فقال له عبد الرحمن بن عوف: تزيف علينا أرزاقنا فنعطي الخبيث، ونأخذ الطيب، فقال عمر: لا ولكن ابتع بها عرضا فإذا قبضته وكان لك فبعه، واهضم ما شئت، وخذ أي نقد شئت. وتعقبه بقوله: فهذا عمر بحضرة الصحابة ﵃ لا مخالف له منهم يأمر ببيع الدراهم أو الدنانير بسلعة، ثم ببيعها بما شاء من ذلك إثر ابتياعه العرض ولم يقل من غير ما تبتاع منه العرض. وروينا من طريق سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، عن سليمان بن بشير، قال: أعطاني الأسود بن يزيد دراهم، فقال لي: اشتر لي بها دنانير ثم اشتر بالدنانير دراهم كذا وكذا، قال: فبعتها من رجل فقبضت الدنانير، وطلبت في السوق حتى عرفت السعر فرجعت إلى بيعتي فبعتها منه بالدراهم التي أردت فذكرت ذلك للأسود بن يزيد، فلم ير به بأسا.

стр. 6555

قال ابن حزم: وكرهه ابن سيرين، وروينا عن عمر بن الخطاب، أنه قال: إنما الربا على من أراد أن يربئ وينسئ، ورويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن عمر. ثم قال (ص ٥١٤) : لا يحل بيع دينار إلا درهما فإن وقع فهو باطل مفسوخ لأنه إخراج لقيمة الدرهم من الدينار، فصار استثناء مجهولا إن باع بدينار إلا قيمة درهم منه، فإن كانت قيمة الدرهم معلومة عندهما فهو باطل أيضًا لأنهما شرطا إخراج الدرهم بعينه من الدينار، وهذا محال لأنه ليس هو بعضا للدينار فيخرج منه فهو باطل لكل حال. وقولنا هو قول عطاء والنخعي ومحمد بن سيرين وأجازه أبو سلمة بن عبد الرحمن. من هذه النصوص على اختلاف الوقائع والأحوال التي اقتضت اجتهادات أصحابها يتضح أن الازدواجية النقدية من حيث اعتبار الذهب والفضة كل منهما نقد مستقل بذاته من جهة بحكم اختلال مادته ومرتبط بالآخر أو مشاكل له من جهة أخرى بحكم اعتبار وظيفتهما. وكذلك الازدواجية " التعاملية " - إن صح هذا التعبير - من حيث اعتبار كل من التعامل بالوزن والتعامل بالعدد بذلا للثمن والقيمة في الأشياء والمتلفات. نشأ عنه نوع من الالتباس لدى الفقهاء الأُوَل من عهد الصحابة إلى عصور الاجتهاد في تحديد معالم صورة النقد أو العملة تحديدا لو تيسر لهم لأغناهم عن كثير من الجهد الفكري والتحرج الديني في تحديد أحكام مجموعة ضخمة من المعاملات كان الحرج فيها مجرد عدم تصور دقيق جلي لحقيقة النقد وهل هو مزاح من اعتبار العينية المادية والمثلية الوظيفية أم أن لكل تصور دقيق جلي لحقيقة النقد وهل هو مزاج من اعتبار العينية المادية والمثلية الوظيفية أم أن لكل من الاعتبارين حظ من الاستقلال له آثاره وانعكاساته في تقرير الأحكام وتقدير التبعات.

стр. 6556

ومثل هذا الالتباس في تصور ماهية النقد ومتعلق الأحكام المتصلة به والمترتبة عنه سنواجهه في الفصل التالي إذ نستعرض طائفة أخرى من الاجتهادات لا تختلف في جوهرها عن مثيلاتها في هذا الفصل، وإن اختلفت في وقائعها ومتعلقها من حيث أنها في هذا الفصل التالي ترتبط أساسا بنقد ليس بالذهب، ولا بالفضة في مادته، وإنما هو من معدن آخر لكن يرتبط بالذهب والفضة من حيث أنهما أساس القيمة التي له والتي هيأته لأن يقوم بنفس الوظيفة الخاصة بهما قبل حدوثه وبعد حدوثه أيضًا. وهذا النقد هو الفلوس، وكانت تصنع يومئذ - في أغلبها - من النحاس وقد لجأ إلى سكها أولوا الأمر لشحة الذهب والفضة بالقياس إلى حاجة الناس إلى السيولة النقدية في الممارسة العادية لمعاملاتهم. لكن يضاف عنصر آخر من عناصر الإلباس لتصور ماهية النقد لدى أولئك المجتهدين، وهو انعدام القيمة العينية أو ضآلتها في مادة الفلوس بالقياس إلى القيمة العينية لمادة كل من الذهب والفضة، وهو انعدام العكس على تصرف أولى الأمر في تلك العصور بنمط من التذبذب زاد التباسا لتصور ماهية النقد فهم أحيانا يشرعون التعامل بالفلوس عددا وأخرى يشرعون التعامل بها وزنا كما كان الشأن في الذهب والفضة، وعدم تماثل القيمة العينية لمادة الفلوس مع مادة كل من الذهب والفضة، وعدم استقرار أولى الأمر في تلك العصور أو في بعضها على الأساس العددي أو الوزني في تشريع نقدية الفلوس انعكاسا في اعتبار المجتهدين لحقيقة وظيفة الفلوس ومدى تماثلها مع وظيفة الذهب والفضة في النقدية، وذلك لسبب بسيط هو أنهم لم يفصلوا بين كون الوظيفة نتيجة للقيمة فيكون الذهب والفضة أساسا لتقويم الفلوس ومهيمنين عليها وكون الذهب والفضة لهما قيمة ذاتية أهلتهما لأن يكونا الأساس لكل تقويم. ونتيجة لذلك لم يتأت لهم التمييز بين وظيفة النقد - أيا كان نوعه - باعتباره أداة للتعامل اليومي المستمر والوظيفة الثانية التي يمتاز بها ما هو أساس لتحديد تلك القيمة، ولتعيين الوظيفة الأولى والتي يمتاز بها الذهب والفضة باعتبارهما قيما لذاتهما وأساسا للتقويم. وهذه المجموعة من الألباس التي أوضحناها بإيجاز هي مرد التذبذب الماثل في الأحكام - وأحيانا حتى عند المجتهد الواحد - التي نستعرضها في الفصل التالي.

стр. 6557

(١١) أحكام تتصل بالفلوس عند أيمة المذهب وأشهر مجتهديها قال سحنون في (المدونة الكبرى المجلد ٣، ٨ /٣٤٤، ٣٤٥) : قلت: أرأيت إن استقرضت فلوسًا ففسدت الفلوس فما الذي أرد على صاحبي؟ قال: قال مالك: ترد عليه مثل تلك الفلوس التي استقرضت منه وإن كانت قد فسدت. قلت: فإن بعته سلعة بفلوس ففسدت الفلوس قبل أن أقبضها قال: قال مالك: لك مثل فلوسك التي بعت بها السلعة الجائزة بين الناس يومئذ وإن كان الفلوس قد فسدت فليس لك إلا ذلك قال: وقال مالك: في القرض والبيع بالفلوس إذا فسدت فليس له إلا الفلوس التي كانت لك اليوم إن كانت فاسدة. أرأيت لو أن رجلًا قال لرجل: أقرضني دينارًا دراهم أو نصف دراهم أو ثلث دينار دراهم فأعطاه الدراهم ما الذي يقضيه في قول ما لك؟ قال: يقضيه مثل دراهم التي أخذ منه رخصت أو غلت فليس عليه إلا مثل الذي أخذ. ابن وهب، عن ابن لهيعة أن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه أن سعيد بن المسيب أسلف عمرو بن عثمان دراهم فلم يقضه حتى ضربت دراهم أخرى غير ضربها فأبى ابن المسيب أن يقبلها حتى مات فقضاها ابنه من بعده. ابن لهيعة، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن سعيد بن المسيب أنه قال: إن أسلفت رجلًا دراهم ثم دخل فساد دراهم فليس لك عليه إلا مثل الذي أعطيت وإن كان قد أنفقها وجازت عنه.

стр. 6558

قال ابن وهب: وقال يحيى بن سعيد وربيعة مثله. قال الليث: كتب إلي يحيى بن سعيد يقول: سألت عن رجل أسلف أخ له نصف دينار فانطلقا جميعًا إلى الصراف بدينار فدفعه إلى الصراف وأخذ منه عشرة دراهم ودفع خمسة إلى الذي استسلفه نصف دينار فحال الصرف برخص أو غلاء قال: فليس للذي دفع خمسة دراهم زيادة عليها ولا نقصان منها ولو أن رجلًا استسلف نصف دينار فدفع إليه الدينار فانطلق به فكسره فيأخذ نصف دينار ودفع إليه النصف الباقي كان عليه يوم يقبضه أن يدفع إليه دينارًا فيكسره فيأخذه نصفه ويرد إليه نصفه، وقال مالك: يرد إليه مثل ما أخذ لأنه لا ينبغي أن يسلف أربعة ويأخذ خمسة وليس الذي أعطاه ذهبًا إنما أعطاه ورقًا ولكن لو أعطاه دينارًا فصرفه المستسلف فأخذ نصف ورد نصفه كان عليه نصف دينار إن غلا الصرف أو رخص. قلت: أرأيت إن بعت بيعًا بدانق أو دانقين أو ثلاثة دوانق أو أربعة دوانق أو بخمسة دوانيق أو بنصف درهم أو بسدس درهم أو بثلث درهم على أي شيء يقع هذا على الفضة أم الفلوس في قول مالك؟ قال: يقع على الفضة هذا البيع. قلت: فأي شيء يعطيه بالفضة في قول مالك؟ قال: ما تراضيا عليه. قلت: فإن تشاحَّا فأي شيء يعطيه بذلك؟ قال: الفلوس في قول مالك في الموضع الذي فيه الفلوس. قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة بدانق فلوس ورخصت الفلوس أو غلت كيف أقضيه أعلى ما كان من سعر الفلوس يوم يقع البيع؟ أم على سعر الفلوس يوم أقضيه في قوله مالك؟ قال: على سعر الفلوس يوم تقضي فيما قال مالك. قلت: فإن كان باع سلعته بدانق فلوسًا نقدًا أيصلح هذا في قول مالك أم لا؟ قال: إذا كان الدانق من الفلوس معروفًا كم هو في عدد الفلوس فلا بأس بذلك وإنما وقع البيع بينهما على الفلوس. قلت: فإن باع سلعة بدانق فلوس إلى أجل؟ قال: فلا بأس بذلك إذا كان الدانق قد سميتما من الفلوس أو كنتما عارفين بعدد الفلوس، وأن البيع إنما وقع بالفلوس إلى أجل وإن كانت مجهولة العدد أولا يعرفان ذلك فلا خير في ذلك لأنه غرر. قلت: فإن قال أبيعك هذا الثوب بنصف دينار على أن آخذ به منك دراهم عددًا يدًا بيد، قال مالك: إذا كان الصرف معروفًا يعرفانه جميعًا فلا بأس بذلك إذا شَرَطَا كم الدراهم من الدينار.

стр. 6559

قلت: فإن بعت سلعة بنصف دينار أو ثلث دينار، أو بربع دينار، أو بخمس دينار على أي شيء يقع البيع أعلى الذهب، أم على عدد الدراهم من صرف الدينار؟ قال: قال مالك: إنما يقع على الذهب، ولا يقع على الدراهم من صرف الدينار. قلت: فما يأخذ منه بتلك الذهب التي وقع البيع عليها في قول مالك؟ قال: ما تراضيا عليه قلت: فإن تشاحَّا، قال: قال مالك: إذ تشاحَّا أخذا منه ما سميا من الدينار دراهم إن كان نصفا فنصفًا، وإن كان ثلثًا فثلثًا، قلت: فهل ينظر في صرف الدينار بينهما يوم وقع البيع بينهما أو يوم يزيد أن يأخذ منه حقه، قال: يوم يريد أن يأخذ منه حقه، كذلك قال مالك، وليس يوم وقع البيع، لأن البيع إنما وقع الذهب ولم يزل الذهب على صاحبه حتى يوم يقضيه إياه. قال مالك: وإن باعه بالذهب بسدس أو نصف إلى أجل وشرط أن يأخذ بذلك النصف الدينار، إذا حل الأجل دراهم فلا خير في ذلك، وهما إذ تشاحَّا إذا حل الأجل أنه يأخذ منه الدراهم يوم يطلبه بحقه على صرف يوم يأخذه بحقه، قلت: فلما كره مالك الشرط بينهما وهو إذا طلبه بحقه، وتشاحَّا أخذ الدراهم، قال: لأنه إذا وقع الشرك على أن يأخذ من نصف الدينار دراهم فكأنه إنما وقع البيع على الدراهم، وهو لا يعرف ما هي لأنه البيع إنما يقع على ما يكون من صرف نصف دينار بالدراهم يوم يحل الأجل فهذا لا يعرف ما باع له سلعته.

стр. 6560

قال سحنون:قال أشهب: وإن كان إنما وجب له ذهب وشرط أن يأخذ فيه دراهم فذلك أحرم لأنه ذهب بورق إلى أجل وورق أيضًا لا يعرف عددها ولا وزنها وليس ما نزل به القضاء إذا حل الأجل بمنزلة ما يوجبان على أنفسهما، قال أشهب: ولو قال: أبيعك هذا الشيء بنصف دينار إلى شهر آخذ به منك ثمانية دراهم، كان بيعًا جائزًا، وكانت الثمانية لازمة لكما إلى الأجل ولم يكن هذا صرفاُ وكان ذكر النصف لغوًا وكان ثمن السلعة دراهم معدودة إلى أجل معلوم، قال مالك: ومن باع سلعة بنصف دينار إلى أجل أو بثلث دينار إلى أجل لم ينبغِ له أن يأخذ قبل محل الأجل في ذلك دراهم وليأخذ في ذلك عوضًا إن أحب قبل الأجل فإذا حل الأجل فليأخذ بما أحب. ثم قال (نفس المرجع: ص ٣٩٥، ٣٩٦) : قلت - يعني لعبد الرحمن بن القاسم -: أرأيت إن اشتريت فلوسًا بدراهم فافترقنا قبل أن يقبض كل واحد منا؟ قال: لا يصلح هذا في قول: مالك وهذا فاسد , قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والوزن نظرة.

стр. 6561

قلت: أرأيت إن اشتريت خاتم فضة أو خاتم ذهب، أو غير ذهب بفلوس، فافترقنا قبل أن نتقابض أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا يجوز هذا في قول مالك؛ لأن مالكًا قال: لا يجوز فلس بفلسين، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة، ولا بالدنانير نظرة. ابن وهب، عن يونس بن زيد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه قال: الفلوس بالفلوس، بينهما فضل فهو لا يصلح في عاجل بآجل ولا عاجل بعاجل، ولا يصلح بعض ذلك ببعض إلا هاء وهات. ابن وهب، قال الليث بن سعد،عن يحيى بن سعيد، وربيعة، أنهما كرها الفلوس بالفلوس، بينهما فضل أو نظرة، وقالا: إنها صارت سكة الدنانير والدراهم. ابن وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، وعبد الله بن أبي حبيب، وعبيد الله بني أبي جعفر، قال: وشيوخنا كلهم أنهم كانوا يكرهون صرف الفلوس بالدنانير والدراهم إلا يدًا بيد. قال ابن وهب: وقال يحي بن أيوب: قال يحيى بن سعيد: إذا صرفت درهمًا فلوسًا فلا تفارقه حتى تأخذها كلها. ثم قال (نفس المرجع، المجلد: ٤، ٩/١١٥) : قال ابن القاسم: قال مالك: لا يصلح الفلوس بالفلوس جزافًا، ولا وزنًا مثلا بمثل، ولا كيلًا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ولا إلى أجل، ولا بأس به عددًا فلسًا بفلس، ولا يصلح فلسان بفلس يدًا بيد , ولا إلى أجل والفلوس هاهنا في العدد بمنزلة الدراهم والدنانير في الورق، وقال مالك: أكره ذلك في الفلوس ولا أراه حرامًا كتحريم الدنانير والدراهم، قلت: أرأيت إن اشتريت فلسًا بفلسين، أيجوز هذا عند مالك؟ قال: لا يجوز فلسا بفلسين. قلت: فمراطلة الفلوس بالنحاس واحدًا باثنين يدًا بيد. قال: لا خير في ذلك , قال: لأن مالكًا، قال: الفلس بالفلسين لا خير فيه، لأن الفلوس لا تباع إلا عددًا فإذا باعها وزنًا كان من وجه المخاطرة، فلا يجوز بي الفلوس برطلين من النحاس قال: ولو اشترى رجل رطل فلوس بدرهم، لم يجز ذلك. قال: وقال مالك: كل شيء يجوز واحد باثنين من صنفه إذا كايله أو راطله أو عاده، فلا يجوز الجزاف بينهما لا منهما جميعًا ولا من أحدهما لأنه من المزابنة إلا أن يكون الذي يعطي أحدهما متفاوتًا يعلم أنه أكثر من الذي من ذلك الصنف بشيء كثير فلا بأس بذلك ولا يجوز أن يكون أحدهما كيلًا ولا وزنًا ولا عددًا، والآخر جزافًا وإن كان مما يصلح اثنان بواحد إلا أن يتفاوت ما بينهما تفاوتًا بعيدًا، فلا بأس بذلك وهو إذا تقاربا عند مالك ما بينهما كان من المزابنة وإن كان ترابًا.

стр. 6562

ثم قال (نفس المرجع، المجلد: ٥، ١٢ /٨٦، ٨٧) : قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك: لا تصلح المقارضة إلا بالدنانير والدراهم، قلت: فهل تصلح بالفلوس؟ قال: فما سمعت من مالك فيه شيئًا ولا أراه جائزًا لأنها تحول إلى الكساد والفساد فلا تنفق وليست الفلوس عند مالك بالسكة البينة حتى تكون عينًا بمنزلة الدنانير والدراهم، وقد أخبرني عبد الرحمن بن خالد، أن مالكًا كان يجيز شراءها بالدنانير والدراهم نظرة ثم رجع عنه منذ أدركناه، فقال: أكرهه ولا أراه حرامًا كتحريم الدراهم فمن هاهنا كرهت القراض بالفلوس. قال سحنون: وأخبرني عبد الله بن وهب، أن يونس بن يزيد، أخبره عن ربيعة بن عبد الرحمن، أنه قال: المقارضة التي عليها أصل المقارضة أن تقارض من قارضته مالا على أن رأس مالك الذي يدفع إليه عينًا ما دفعت إليه ووزن ذلك وضربه أن يبتغي فيه صاحبه ما ابتغي ويدير على ما أدار منه على ما يكون فيه من نفقة أو زكاة حتى إذا حضرت المحاسبة ونض القراض فما وجدت بيده أخذت منه رأس مالك وما كان فيه من ربح تقاسمتماه على ما تقارضتما عليه من أجزاء الربح شطرين كان أو غيره. وقال ابن رشد في (البيان والتحصيل: ٦/٤٧٣) : وسئل عن الرجل يشتري بدرهم كيل الشيء فيخرج درهمًا، فيدفعه إليه فيجده ينقص حبتين أو ثلاثًا، فيعطيه في نقصانه فلوسًا بقدر ما نقص. قال: لا خير في ذلك، قلت له: إنه يقول: أعطني ما فيه من وزنه وحاسبني بقدر ذلك، قال: لا بأس به عندي إنما هو عندي بمنزلة رجل اشترى بدرهمين حنطة ثم قال له بعد ذلك: أعطني بدرهم، وأقلني من درهم، فقلت له: بعد الوجوب؟ قال: نعم كأنه حمله على وجه المساومة وفيه تفسير من البيع. ثم قال (نفس المرجع: ٧/١٨، ١٩) : وسائل عن الفلوس مراطلة، وفي العدد اختلاف، فقال: هذا حرام لا يحل ولا يُجَوِّزُ أحد هذا من أهل العلم لأن جواز الفلوس بعيونها وإن كان بعضها أثقل من بعض، فأحدهما يخاطر صاحبه ولو جاز أن يباع الفلوس بالفلوس مراطلة لجاز أن تباع الفلوس مراطلة بالدراهم والدنانير، ولا يدري ما يدخل في عددها فهو غرر وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر)) . وسئل عن الرجل يشتري رطل الفلوس بدرهم أو رطل دراهم بدينار لما لا يجيزه مالك بَيِّنْ لي؟ قال ابن القاسم: أما الفلوس فلا خير فيه، وأما الورق فإن كان الرطل وزنًا معرفًا بمنزلة هذه الحديدة التي قد ضربت وجعلت للناس معيارًا في وزنهم، فلا بأس به وإن كانوا يعرفون ما يدخل فيه من دراهم، ولم تجر معرفته بين الناس حتى تكون مثل هذه الحديدة فلا خير فيه فقاله أصبغ أيضًا.

стр. 6563

قال ابن رشد: هذه مسألة بينة في المعنى، مثل ما في المدونة، أما الفلوس فإنما تجوز عددًا وهو الصرف، فالانتقال عن المعروف فيها من العدد إلى الوزن لا يجوز لأنه غرر، كما أن ما العرف فيه أن يباع وزنًا من جميع الأشياء، فلا يجوز أن يباع كيلًا وما العرف فيه أن يباع كيلًا، فلا يجوز أن يباع وزنًا وهذا منصوص عليه في المدونة وغيرها، فلا تجوز المراطلة فيها ولا يسعها بالوزن، وأما بيع الدراهم بالرطل، فكما قال: إن كان الرطل يعلم كم فيه من درهم فهو جائز وإلا لم يجز. ثم قال (ص ٢٣، من كتاب الأقضية) : وسئل ابن نافع، عن صرف الفلوس بالتأخير، يعجل الدينار والدرهم، ويقبض الفلوس إلى أجل، فقال: كان مالك يكره ذلك إذا صارت سكة تجري ثمنًا للأشياء ولست آخذ به ولا أراه وأنا أرى الفلوس عرضًا من العروض كالنحاس الذي لم يضرب فلوسًا، ولا أرى بأسًا بما تأخذ منه ولا عده صرفًا. قال ابن رشد: قول ابن نافع هذا مثل رواية عبد الرحيم، عن مالك، في كتاب القراض من المدونة، وإنما كره مالك ﵀ في المشهور عنه التأخير في صرف الفلوس، لأن العلة عندهم في الربا في العين من الذهب والورق، هو أنه ثمن للأشياء وقيم للمتلفات، فرأى على هذا القول هذه العلة علة متعدية إلى الفلوس لما كانت موجودة فيها، إذا صارت سكة تجري بين الناس يتبايعون بها، ويقوِّمون كثيرًا من المتلفات بها ورآها على رواية عبد الرحمن عنه علة واقعة - لعل صوابها: واقفة - لا تتعدى إلى ما سوى الذهب والورق ولكلا القولين وجه من النظر وبالله التوفيق. ثم قال (ص ٣٠٢) : وسئل مالك، عن الرجل يشتري النحاس المكسورة بالفلوس، فقال: لا خير فيه وأراه من وجه المزابنة، فقيل له: إن الرجل يشتري التور بدرهمين ونصف، لا يريد به وجه النحاس، إنما يريد به أن يتوضأ فيه، فقال: أرأيت لو كانت فلوسًا كلها؟ فقيل له: إنما يتوضأ فيه، وقال هو سواء لا خير فيه، وأراه من وجه المزابنة.

стр. 6564

قال ابن رشد: أما شراء النحاس المكسورة بالفلوس، فقوله أنه لا خير فيه، لأنه من وجه المزابنة، هو مثل منا في المدونة من قوله: ولا خير في الفلوس بالنحاس إلا أن يتباعد بينهما، لأن المزابنة إنما تدخله إذا لم يتبين الفضل بينهما، وهذا مما لا اختلاف فيه أعلمه. وأما شراء التور المصنوع من النحاس بالفلوس، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها أن الصنعة تخرجه إلى صنف آخر وترفع المزابنة عنه، فيجوز ذلك يدًا بيد أو إلى أجل، وهو قول مالك في روايتي ابن وهب عنه. والثاني أن ذلك يجوز نقدًا وإن لم تبين الفضل بينهما، ولا يجوز إلى أجل، وهو قوله في المدونة إلا أنه جعل ذلك فيها كالصوف بثوب الصوف والكتان بثوب الكتان، فقال: لا بأس بذلك نقدًا ولا بأس بالتور النحاس بالنحاس نقدًا، وإلى هذا رجع مالك في رواية ابن وهب عنه. والثالث أن ذلك لا يجوز نقدًا ولا إلى أجل يريد إلا أن يتبين الفضل بينهما في النقد، وعلى هذا حمل أبو إسحاق التويني ما في المدونة لابن القاسم وهو قول مالك في هذه الرواية، لأنه لم يجز فيها أن يشتري التور بدرهمين ونصف، فيعطي في جميعها فلوسًا ولا في النصف درهم منها، وإذا لم يجز ذلك في النقد، فالأحرى ألا يجيزه إلى أجل، وقد تأول بعض الناس من هذه الرواية، أن ذلك لا يجوز وإن تبين الفضل إذ منع فيها أن يعطي في النفس فلوسًا ولا شك في أن التور أكثر نحاسًا من الفلوس التي يعطي في نصف درهم وليس ذلك بصحيح، لأن التور مفضوض على قيمة الدرهمين والنصف درهم من الفلوس وإذا فض ذلك لم يدر أكان ما ينوب الفلوس من أكثر أو أقل فوجب ألا تجوز ولو أخذ في جميع الدرهمين والنصف فلوسا لا يشك أنها أكثر من التور أو أقل لكان ذلك جائزًا، والاختلاف في هذه المسألة موجود أيضًا في الصوف بثوب الصوف والكتان بثوب الكتان، وروى ذلك أشهب، عن مالك، أنه لا يجوز نقدًا ولا إلى أجل أيهما عجل، وروى ذلك أيضًا أصبغ، عن ابن القاسم، ثم رجع إلى أنه يجوز إذا كان الثوب هو المعجل، وأما مصنوع من النحاس أو منسوج بمنسوج من الصوف والكتان أو الكرسف، فلا اختلاف في جواز ذلك نقدًا، وإن لم يتبين الفضل بينهما، واعترض ذلك أبو إسحاق التونسي، فقال: لا فرق في القياس بين مصنوع بمصنوع أو مصنوع بغير مصنوع، لأن الصناعة إذا لم يكن لها تأثير في الجهة الواحدة، وجب أن لا يكون لها تأثير في الجهتين، فانظر في ذلك كله وتدبره.

стр. 6565

وقال الشافعي في (الأم: ٣/٣٣) : ولا بأس بالسلف في الفلوس إلى أجل، لأن ذلك مما ليس فيه الربا ومن أسلف رجلًا دراهم على أنها بدينار بنصف دينار، فليس عليه إلا مثل دراهمه، وليس له عليه دينار ولا نصف دينار. وقال النووي في (المجموع: ٩/٣٩٥) : (فرع) ذكرنا أن علة الربا في الذهب والفضة عندنا كونها جنس الأثمان غالبًا، قال أصحابنا: وقولنا غالبًا احتراز من الفلوس إذا راجت رواج النقود، كما قدمناه، ويدخل فيه الأواني والتبر وغير ذلك، وهذه العبارة هي الصحيحة عند الأصحاب وهي التي نقلها الماوردي وغيره من نص الشافعي، قال الماوردي: ومن أصحابنا من يقول العلة كونها قيم المتلفات، قال: ومن أصحابنا من جمعهما، قال: وكله قريب، وجزم المصنف في " التنبيه " بأنها قيم الأشياء، وأنكره القاضي أبو الطيب وغيره على من قاله من أصحابنا، قالوا لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا، وليس مما يقوم بها ولنا وجه ضعيف غريب أن تحريم الربا فيهما بعينهما لا لعلة، حكاة المتولي وغيره. (فرع) إذا راجت الفلوس رواج النقود، لم يحرم الربا فيها هذا هو الصحيح المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور وفيه وجه شاذ أنه يحرم. حكاه الخراسانيون. وأما ما سواها من الموزونات كالحديد والنحاس والرصاص والقطن والكتان والصوف والغزل وغيرها، فلا ربا فيها عندنا، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا ومؤجلًا، ولا خلاف في شيء من هذا عندنا إلا وجهًا حكاه المتولي والرافعي، عن أبي بكر الأولي من أصحابنا المتقدمين، أنه قال: لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلًا سواء كان مطعومًا أو نقدًا أو غيرهما، وهذا شاذ ضعيف.

стр. 6566

وقال السيوطي في (الحاوي: ١/٩٦، ٩٨، " رسالة قطع المجادلة عند تغيير المعاملة ") : نقلت من خط شيخنا قاضي القضاة، شيخ الإسلام علم الدين البلقيني ﵀، قال: وفي فرائض الأخ شيخ الإسلام جلال الدين وتحريره، قال: اتفق في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة عزة الفلوس بمصر، وعلى الناس ديون في مصر من الفلوس، وكان سعر الفضة قبل عزة الفلوس كل درهم بثمانية دراهم من الفلوس، ثم صار بتسعة، وكان الدينار الأفلوري بمائتين وستين درهمًا من الفلوس والهرجة بمائتين وثمانين، والناصري بمائتين وعشرة، وكان القنطار المصري بست مائة درهم، فعزت الفلوس، ونودي على الدرهم بسبعة دراهم، وعلى الدينار المصري بناقص خمسين، فوقع السؤال عمن لم يجد فلوسًا وقد طلب منه صاحب دينه الفلوس، فلم يجدها، فقال: أعطني عوضًا عنها ذهبًا أو فضة بسعر يوم المطالبة ما الذي يجب عليه؟ وظهر لي في ذلك أن هذه المسألة قريبة الشبه من مسألة إبل الدية، والمنقول في إبل الدية، أنها إذا فقدت فإنه يجب قيمتها بالغة ما بلغت على " الجديد "، قال الرافعي: فتقوم الإبل بغالب نقد البدل وتراعى صفتها في التغليظ فإن غلب نقدان في البلد تخير الجاني وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها، فإن كان له إبل معيبة وجبت قيمة الصحاح من ذلك الصنف، وإن لم يكن هناك إبل فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم.

стр. 6567

وحكى صاحب التهذيب وجهين في أنه هل تعتبر قيمة مواضع الوجود أو قيمة بلد الإعواز، لو كانت الإبل موجودة فيها؟ والأشبه الثاني: ووقع في لفظ الشافعي، أنه يعتبر قيمة يوم الوجوب والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب يوم وجوب التسليم، ألا تراهم أنهم قالوا: إن الدية المؤجلة على العاقلة، تقوم كل نجم منها عند محله، وقال الرياني: إن وجبت الدية والإبل مفقودة، فتعتبر قيمته يوم الوجوب، أما إذا وجبت وهي موجودة فلم يتفق الأداء حتى أعوزت تجب قيمة يوم الإعواز؛ لأن الحق حينئذ تحول إلى القيمة. قال: فهذه تناظر مسألتنا؛ لأنه واجب عليه متقوم معلوم الوزن، وهو قنظار من الفلوس مثلًا فلم يجده، فإن جرينا على ظاهر النص الذي قاله الرافعي، فلا يلزمه الحاكم إلا بقيمة يوم الإقرار، فينظر في سعر الذهب والفضة يوم الإقرار، ويحكم عليه القاضي بذلك وإن قلنا بما قاله الرياني فتجب قيمتها يوم الإعواز، فإن الأقارير كانت يوم العزة - انتهى ما أجاب به البلقيني -. واعلم أنه نحا في جوابه إلى اعتبار قيمة الفلوس، وذلك لأنها عدمت أو عزت فلم تحصل إلا بزيادة، والمثل إذا عدم أو عز ولم يحصل إلا بزيادة، لم يجب تحصيله كما صححه النووي في الغصب، بل يرجع إلى قيمته. وإنما نبهت على هذا، لئلا يظن أن الفلوس من المتقومات، وإنما هي من المثليات في الأصح، والذهب والفضة المضروبان مثليان بلا خلاف إلا أن في المغشوش منها وجهًا أنه متقوم.

стр. 6568

إذا تقرر هذا، فأقول: تترتب الفلوس في الذمة بأمور منها القرض، وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقًا إذا اقترض منه رطلًا فلوسًا، فالواجب رد رطل من ذلك الجنس سواء زادت قيمته أم نقصت، أما في صورة الزيادة فلأن القرض كالسلم، وسيأتي النقل فيه، وأما في صورة النقص فقد قال في "الروضة " من زوائده، ولو أقرضهم نقدًا، فأبطل السلطان المعاملة به فليس له إلا النقد الذي أقرضه نص عليه الشافعي ﵁ فإذا كان هذا مع إبطاله فمع نقص قيمته من باب أولى. ومن صورة الزيادة أن تكون المعاملة بالوزن ثم ينادى عليها بالعدد، ويكون العدد أقل وزنًا. وقولي: (فالواجب) إشارة إلى ما يحصل الإجبار عليه من الجانبين، هذا على دفعه، وهذا على قبوله, وبه يحكم الحاكم، أما لو تراضيا على زيادة أو نقص، فلا إشكال فإن رد أكثر من قدر القرض جائز إلى مندوب وأخذ أقل منه إبراء من الباقي. وقولي: (من ذلك الجنس) احتراز من غيره كأن يأخذ بدله عروضًا أو نقدًا ذهبًا أو فضة، وهذا مرجعه إلى التراضي أيضًا لأنه استبدال، وهو من أنواع البيع ولا يجبر فيه واحد منهما، فإن أراد أخذ بدله فلوسًا من الجدد المتعامل بها عددًا فهل هو من جنسه، لكون الكل نحاسًا أو لاختصاصه بوصف زائد وزيادة قيمة؟ محل نظر والظاهر الأول لكن لا إجبار فيها أيضًا لاختصاصها بما ذكر، فإن تراضيا على قدر فذاك وإلا فلا يجبر المدين على دفع رطل منها؛ لأنه أزيد قيمة، ولا يجبر الدائن على أخذ قدر حقه منها عددًا لأنه أنقص وزنًا.

стр. 6569

فإن عدمت الفلوس العتق، فلم توجد أصلًا رجع إلى قدر قيمتها من الذهب والفضة، ويعتبر ذلك يوم المطالبة، فيأخذ الآن لو قدر انعدامها في كل عشرة أرطال دينارًا، ولو اقترض منه فلوسًا عددًا كستة وثلاثين، ثم أبطل السلطان المعاملة بها عددًا، وجعلها وزنًا كل رطل بستة وثلاثين، كما وقع في بعض السنين، فإن كان الذي قبضه معلوم القدر بالوزن رجع بقدره وزنًا ولا تعتبر زيادة قيمته ولا نقصها، وإن لم يكن وزنه معلومًا فهو قرض فاسد؛ لأن شرط القرض أن يكون القرض معلوم القدر بالوزن أو الكيل، وقرض المجهول فاسد، والعدد لا يعبر به، والمقبوض بالقرض الفاسد يضمن بالمثل أو بالقيمة وهنا قد تعذر الرجوع إلى المثل للجهل بقدره، فيرجع إلى القيمة، وهل يعتبر قيمة ما أخذ يوم القبض أو يوم الصرف، الظاهر الأول، فقد أخذ ما قيمته يوم قبضه ستة وثلاثون، فيرد ما قيمته الآن كذلك وهو رطل أو مثله من الفضة والذهب. (فرع) فإن وقع مثل ذلك في الفضة فإن اقترض أنصافًا بالوزن، ثم نودي عليها بأنقص أو بأزيد أو بالعدد أو اقترض عددًا ثم نودي عليها بالوزن فلا يخفى قياسه على ما ذكرناه. (فصل) ومنها السلم والأصح جوازه في الدراهم والدنانير والفلوس بشرطه. ومعلوم أنه لا يتصور فيه قسم العدد لاشتراط الوزن فيه، فإذا حل الأجل لزمه القدر الذي أسلم فيه وزنًا سواء زادت قيمته عما كان وقت تسليمه السلم أم نقصت، ويجب تحصيله بالغًا ما بلغ فإن عدم فليس إلا الفسخ والرجوع برأس المال أو الصبر إلى الموجود ولا يجوز الاستبدال عنه فإن كان رأس المال فلوسًا وهي باقية بعينها أخذها وإن غلت رجع إلى مثلها وزنًا. (فصل) ومنها ثمن ما بيع به في الذمة، قال في " الروضة ": وأصلها لو باع بنقد معين أو مطلق وحملناه على نقد البلد، فأبطل السلطان ذلك النقد لم يكن للبائع إلا ذلك النقد. ثم قال: فأقول: هنا صور إحداها أن يبيع برطل فلوس فهذا ليس له إلا رطل زاد سعره أو نقص سواء كان عند البيع وزنًا، فجعل عددًا أم عكسه وكذا لو باع بأوقية فضة أو عشرة أنصاف، وهي خمسة دراهم أو دنانير ذهب، ثم تغير السعر فليس له إلا الوزن الذي سمى. الثانية: إن بيع بألف أو فضة أو ذهبًا ثم تغير السعر فظاهر عبارة " الروضة " المذكورة أن له ما يسمى ألفا عند البيع ولا عبرة بما ترى ويحتمل أن له ما يسمى ألفًا عند المطالبة وتكون عبارة الروضة محمولة على الجنس لا على القدر، وهذا الاحتمال وإن كان أوجه من حيث المعنى إلا أنه لا يأتي في صورة إبطال، إذا لا قيمة حينئذ إلا عند العقد عند المطالبة. ثم مضى في تطبيق رأيه هذا في مسائل أخرى من فقه المعاملات، كالأجرة والغصب والوقف والوصية والطلاق والنكاح.

стр. 6570

وقال الرافعي (على هامش المجموع؛ شرح المهذب: ١٢ /٥، ٦، في معرض كلامه على القراض وأركانه) : الركن الأول منه رأس المال وله شروط، أحدها أن يكون نقدًا وهو الدراهم والدنانير المضروبة. وفيه معنيان: أحدهما أن القراض معاملة تشتمل على أغرار؛ إذ العمل غير مضبوط والربح غير موثوق به، وإنما جوزت للحاجة فتختص بما شهر التجارة عليه وتروج بكل حال، وأشهرهما، وهو المذكور في الكتاب - يعني الوجيز الذي يشرحه-: أن النقدين ثمنًا لا يختلفان بالأزمنة ولا أمكنة إلا قليلًا ولا يقومان بغيرهما. والعروض تختلف قيمتها، فلو جعل شيء منها رأس مال لزم أحد أمرين: إما أخذ المال في جميع الربح، أو أخذ العامل بعض رأس المال ووضع القراض على أن يشتركا في الربح، وينفرد المالك برأس المال. ووجه لزوم أحد الأمرين أنهما إذا جعلا رأس المال ثوبًا فإما أن يشترطا رد ثوب بتلك الصفات أو رد قيمته إن شرطا الأول فربما كان قيمة الثوب في الحال درهمًا ويبيعه ويتصرف فيه حتى إذا بلغ المال عشرة ثم ترفع قيمة الثياب، فلا يوجد مثل ذلك الثوب إلا بعشرة فيحتاج العامل إلى صرف جميع ما معه إلى تحصيل رأس المال، فيذهب الربح في رأس المال وربما كانت قيمته عشرة فباعه ولم يربح شيئا ثم صار يؤخذ مثله بشيء يسير فيشتريه ويطلب قيمة الباقي فحينئذ يفوز العامل ببعض رأس المال وإن شرطا رد القيمة فإما أن يشترطا قيمة حال المفاصلة أو قيمة حال الدفع الأول غير جائز؛ لأنها مجهولة، ولأنه قد تكون قيمته في الحال درهمًا وعند المفاصلة عشرة فيلزم المحذور الأول، والثاني غير جائز لأنه قد تكون قيمته في الحال عشرة. وتعود عند المفاصلة إلى درهم فيلزم المحذور الثاني. وفي النفس حسيكة من هذا الكلام؛ لأن لزوم أحد الأمرين مبني على أن رأس المال قيمة يوم العقد أو يوم المفاصلة، وبتقدير جواز القراض على العرض يجوز أن يكون رأس المال ذلك العرض بصفاته من غير نظر إلى القيمة، كما أنه المستحق في السلم، وحينئذ إن ارتفعت القيمة فهو كخسران حصل في أموال القراض، وإن انخفضت فهو كزيادة قيمة فيها.

стр. 6571

وعن الشيخ أبي محمد، أنه كان يعول في اختصاص القراض بالنقدين على الإجماع، ولا يبعد أن يكون العدول إليه بهذا الإشكال ويترتب على اعتبار النقدية امتناع القراض على الحلي والتبر، وكل ما ليس بمضروب لأنها مختلفة القيمة كالعروض. وكذلك لا يجوز القراض على الفلوس، ولا على الدراهم والدنانير المغشوشة، لأنها نقد وعرض. وحكى الإمام وجهًا أنه يجوز القراض على المغشوش اعتبارًا برواجه، وادعى الوفاق على امتناع القراض في الفلوس. لكن صاحب التتمة ذكر فيها أيضًا الخلاف. وعن أبي حنيفة يجوز القراض عن المغشوش إذا لم يكن الغش أكثر. قال الرافعي في (المجموع - التكملة الثانية -: ١٤/٣٥٧، ٣٥٨ في معرض كلامه عن القراض) : ولا يصح إلا على الأثمان، وهي: الدراهم والدنانير. وأما ما سواها من العروض والنقار والسبائك والفلوس فلا يصح القراض عليها؛ لأن المقصود بالقراض رد رأس المال والاشتراك في الربح، ومتى عقد على غير الأثمان لم يحصل المقصود، ربما زادت قيمته فيحتاج أن يصرف العامل جميع ما اكتسبه في رد مثله إن كان له مثل، وفي قيمته إن لم يكن له مثل وفي هذا إضرار بالعمل وربما نقصت قيمته فيصرف جزءًا يسيرًا من الكسب في رد مثله أو رد قيمته ثم يشارك رب المال في الباقي، وفي إضرار برب المال لأن العامل يشاركه في أكثر رأس المال. وهذا لا يوجد في الأثمان؛ لأنها لا تقوم بغيرها ولا يجوز على المغشوش من الأثمان؛ لأنه تزيد قيمته وتنقص كالعروض.

стр. 6572

وقال الونشريسي (المعيار: ٦/٤٦١، ٤٦٢) : وسئل - يعني: أبو الحسن الصغير - عن رجل باع سلعة بالناقص المتقدم بالحلول، فتأخر الثمن إلى أن تحول الصرف، وكان ذلك على جهة فبأيهما يقضي له؟ وعن رجل آخر باع بالدرهم المفلسة، فتأخر الثمن إلى أن تبدل فبأيهما يقضي له؟ فأجاب: لا يجب للبائع قبل المشتري إلا ما انعقد البيع في وقته لئلا يظلم المشتري بإلزامه ما لم يدخل عليه من عقده، فإن وجد المشتري ذلك قضاه إياه، وإن لم يوجد إلى القيمة ذهبًا لعذره، ومن باع بالدراهم المفلسة الوازنة فليس له غيرها إلا أن يتطوع المشتري بدفع وازنة غير مفلسة بعد المفلسة فضلًا منه. وقال خليل والدردير في (أقرب المسالك: ٣/٦٩، ٧٠) : (وإن بطلت معاملة) من دنانير أو دراهم أو فلوس ترتبت لشخص على غيره من قرض أو بيع أو تغير التعامل بها بزيادة أو نقص (فالمثل) أي فالواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة (وإن عدمت) في بلد المعاملة - وإن وجدت في غيرها (فالقيمة يوم الحكم) أي تعتبر يوم الحكم بأن يدفع له قيمتها عرضًا أو يقوم العرض بعين متجددة.

стр. 6573

وتعقب الصاوي في حاشية قول الدردير (من قرض أو بيع) بقوله: ومثل ذلك ما كانت وديعة وتصرف فيها أو دفعها لمن يعمل فيها قراضًا. قوله - أي الشارح -: (أي فالواجب قضاء المثل) أي لو كان مائة بدرهم ثم صارت ألفا بدرهم أو بالعكس، وكذا لو كان (الريال) حين العقد بتسعين، ثم صار بمائة وسبعين وبالعكس وكذا إذا كان المحبوب بمائة وعشرين، ثم صار بمائة أو العكس وهكذا. قوله - أي الخليل -: (فالقيمة يوم الحكم) وهو متأخر عن يوم انعدامها، وعن يوم الاستحقاق، والظاهر أن طلبها بمنزلة التحاكم وحينئذ تعتبر القيمة يوم طلبها وظاهره ولو حصلت مماطلة من المدين حتى عدمت تلك الفلوس وبه قال بعضهم، وقال بعضهم: هذا مقيد بما إذا لم يكن من المدين مطل وإلا كان لربها " الأحظ " - معنى الكلمة غير واضح- من أخذ القيمة أو مما آل إليه من السكة الجديدة الزائدة على القديمة وهذا هو الأظهر لظلم المدين بمطله. وقال السرخسي (المبسوط ١١/١٥٢، ١٥٣) : في معرض ذكره لاختلافهم حول وجوب اختلاط المالين وعدم وجوبه لقيام شركة العقد وبيان مذهب الحنفية في (أن موجب شركة العقد الوكالة على أن معنى كل واحد منهما يكون وكيل صاحبه في الشراء بالمال الذي عينه ولهذا شرطنا تعيين المال عند العقد أو عند الشراء) ... إلخ.

стр. 6574

(وعلى هذا الأصل لو كان رأس مال أحدهما دراهم والآخر دنانير تنعقد الشركة بينهما صحيحة عندنا خلافًا لزفر - وهو ثالث أصحاب أبي حنيفة لكن يرى الخلط كالشافعي - والشافعي رحمهما الله - وكذلك إن كان رأس مال أحدهما بيضًا - أي دراهم بيضًا - والآخر سودًا؛ لأن الشركة في الملك لا تثبت هنا حين كانا لا يختلطان وعلى الرواية التي شرط زفر الخلط جواب هذا الفصل ظاهر في مذهبه، وأما على الرواية التي لا يشترط ذلك نقول في هذين الفصلين ربما يظهر الربح لأحدهما دون الآخر بتغير سعر أحد النقدين وذلك تقتضيه الشركة وعندنا موجب هذا العقد للوكالة وذلك صحيح مع اختلاف النقدين فإنهما لو صرحا للوكالة بأن يشتري أحدهما بهذه الدراهم على أن يكون المشتري بينهما ويشتري الآخر بهذه الدنانير، على أن يكون المشترى بينهما كان صحيحًا فكذلك تصح الشركة بهذه الصفة) . ثم قال (ص ١٥٤، في معرض كلامه عن شركة المقارضة واختلافهم بشأنها) : وقد روى الحسن (١) ،عن أبي حنيفة ﵀ أن هذه الشركة لا تجوز بمالين يختلطان؛ لأن المساواة شرط في هذا العقد والمساواة بين الدراهم والدنانير في المالية، إنما تكون بالتقويم وطريق ذلك الحزر والمساواة شرعًا لا تثبت بهذا الطريق كالمساواة التي تشترط في مبادلة الأموال الربوية بجنسها وإن كان رأس مال أحدهما بيضًا ورأس مال الآخر سودًا وبينهما تفاوت في الصرف لا يجوز هذا العقد في ظاهر الرواية لعدم المساواة، وذكر إسماعيل بن حماد (٢) ، عن أبي يوسف ﵏ أنه يجوز لأنه لا قيمة للجودة في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها وإنما تعتبر المساواة في الوزن. ثم قال (ص ١٥٩، ١٦٠) : (واعلم أن الشركة بالنقود من الدراهم والدنانير جائزة ولا تجوز الشركة بالتبر في ظاهر المذهب وقد ذكر –يعني محمد بن الحسن صاحب الأصل - في كتاب الصرف أن من اشترى بتبر بعينه شيئًا فهلك قبل القبض لا يبطل العقد فقد جعل التبر كالنقود حتى قال: لا يتعين بالتعيين.

стр. 6575

فالحاصل أن هذا يختلف باختلاف العرف في كل موضع فإن كانت المبايعات بين الناس في بلدة بالتبر فهو كالنقود لا يتعين بالتعيين، ويجوز الشركة به وإن لم يكن في ذلك عرف ظاهر فهو كالعروض لا تجوز الشركة به فإن كان التعيين مفيدًا فيه، فهو معتبر وإن لم يكن مفيدًا لا يعتبر كتعيين الصنجان والقيمات. وأما الشركة بالفلوس إن كانت نافقة لا تجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ وتجوز في قول محمد وذكر الكرخي في كتابه أن قول أبي يوسف كقول محمد والأصح ما قلناه، وهو بناء على مسألة كتاب البيوع إذا باع قلنا تعيينه بفسلين بأعيانهما يجوز عند أبي حنيف وأبي يوسف وتعيين الفلوس بالتعيين بمنزلة الجوز والبيض. وعند محمد لا يجوز ولا تعين الفلوس الرائجة بالتعيين كالنقود فكذلك في حكم الشركة محمد، يقول: هي بمنزلة النقود ما دامت رائجة وهما يقولان الرواج في الفلوس عارض في اصطلاح الناس وذلك يتبدل ساعة فساعة، فلو جوزنا الشركة بها أدى إلى جهالة رأس المال عند قسمة الربح إذا كسدت الفلوس وأخذ الناس غيرها؛ لأن رأس المال عند قسمة الربح يحصل باعتبار المالية لا باعتبار العدد ومالية الفلوس تختلف بالرواج والكساد. وروى الحسن، عن أبي حنيفة، أن المضاربة بالفلوس الرائجة تصح. وقال أبو يوسف: لا تصح الشركة بها ولا تصح المضاربة وفرق بينهما، فقال في المضاربة يحصل رأس المال أو لا يظهر الربح والفلوس ربما تكسد فلا تعرف ماليتها بعد الكساد إلا بالحزر والظن ولا وجه لاعتبار العدد لما فيه من الإضرار لصاحب المال وأما في الشركة إذا كسدت الفلوس يمكن تحصيل رأس المال كل واحد منهما باعتبار العدد؛ لأن حلهما فيه سواء فلا يختص أحدهما بالضرر دون الآخر.

стр. 6576

ثم قال (نفس المرجع: ١٢/١١٣، ١١٤) ، في معرض كلامه عن حديث الربا، وهل تنحصر دلالته على الأصناف الستة أم هي أصول يقاس عليها) : وفائدة تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن عامة المعاملات يومئذ كان بها على ما جاء في الحديث " كنا نتبايع في الأسواق بالأوساق (١) والمراد به ما يدخل تحت الوسق مما يكثر الحاجة إليه وهي الأشياء المذكورة. ثم اختلفوا بعد ذلك في المعنى الذي يتعدى الحكم به إلى سائر الأموال قال علماؤنا ﵏ جميعًا -: الجنسية والقدر. عرفت الجنسية بقوله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة)) ، والقدر بقوله ﷺ ((مثل بمثل)) ، ويعني بالقدر الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، وظن بعض أصحابنا - رحمهم الله تعالى - أن العلة مع الجنس الفضل على القدر وذلك محكي عن الكرخي، ولكنه ليس بقوي فإنه لا يجوز إسلام قفيز حنطة في قفيز شعير، ولا تثبت حرمة النساء إلا بوجود أحد الوصفين ولو كانت العلة هي الفضل لما حرمه النساء هنا لانعدام الفضل فعرفنا أن العلة نفس القدر.

стр. 6577

وقال مالك ﵁: العلة الاقتيات، والادخار مع الجنس (١) وقال ابن سرين: تفاوت المنفعة مع الجنس (٢) وقال الشافعي في القديم: العلة في الأشياء الأربعة الكيل والطعم وقال في الجديد: العلة هي التطعم، وفي الذهب العلة الثمنية وهي أنها جوهر الأثمان والجنسية عنده شرط لا تعمل العلة إلا عند وجودها ولهذا لا يجعل الجنسية أثرًا في تحريم النساء (٣) . فحاصل المسألة أن بيع كل مكيل أو موزون بجنسه لا يجوز عندنا إلا بعد وجود المخلص وهو المماثلة في القدر أن يكون عينًا بعين وعنده بيع كل مطعوم بجنسه وكل ثمن بجنسه حرام إلا عند وجود المخلص وهو المساواة في المعيار الشرعي أن يكون قبضًا بقبض في المجلس. والحاصل أن حرمة البيع في هذه الأموال أصل عنده والجواز يعارض المساواة في المعيار مع القبض في المجلس وعندنا إباحة البيع في هذه الأموال أصل كما في سائر هذه الأموال والفساد يعارض انعدام المماثلة بوجود الفضل الخالي من العوض متيقنًا به أو موهومًا احتياطًا والمقصود من التعليل عنده منع قياس المطعومات على المطعومات وغير الثمن على الثمن بناء على أصله أن التعليل صحيح لإثبات حكم الأصل والمنع من إلحاق غيره به وعندنا التعليل لتعدية حكم النص إلى غيره المنصوص فالحكم في المنصوص ثابت بالنص لا بالعلة؛ لأن الثابت بالنص مقطوع به والمنع بظاهر النص ثابت فالاشتغال بالتعليل يكون لغوًا عندنا.

стр. 6578

وبعد أن أفاض في الاحتجاج لمذهبه ومناقشة آراء المذاهب الأخرى في تعيين علة أو علل الربا إفاضة بديعة لا نعرفها عند غيره ﵀ قال: فالدليل على إثبات هذه القاعدة، أن الأموال، أنواع ثلاثة متفاوتة في نفسها كالثياب والدواب، فلا تجب المماثلة فيه للمبايعة وأمثال متقاربة كالسهام ولا تجب المماثلة فيها أيضًا لمبايعة وأمثال متساوية كالفلوس الرائجة وتجب المماثلة فيها حتى إذا باع فلسًا بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما لا يجوز (للرسنة) - الكلمة لم نستطع فهمها - فإن بيع فلس بفلس جائز بل لوجوب المماثلة فإن أحد الفلسين يبقى بغير شيء لما كانت أمثالًا متساوية بصفة الرواج، فيكون ذلك ربا وإذا كان كل واحد منهما بعينه فكأن المتعاقدين أعرضا عن الاصطلاح على كونها أمثالًا متساوية ولهذا يتعين بالتعيين فتصير أمثالًا متقاربة كالجوز والبيض. إذا عرفنا هذا فنقول: الشرع هنا نص على اشتراط المماثلة في هذه الأموال - يعنى أموال الربا– فعرفنا أنها أمثال متساوية، وإنما تكون أمثالًا متساوية بالجنس والقدر؛ لأن كل حادث في الدنيا موجود بصورته ومعناه فإذا بطلت المماثلة من هذين الوجهين والمماثلة صورة باعتبار القدر؛ لأن المعيار في هذا المقدار كالطول والعرض، والمماثلة معنى باعتبار الجنسية ولكن هذه المماثلة لا تكون قطعًا إلا بشرط قيمة الجودة منها الجواز أن يكون أحدهما أجود من الآخر وإذا سقطت قيمة الجودة منها صارت أمثالًا متساوية قطعًا ... إلخ.

стр. 6579

ثم قال (نفس المرجع: ١٤/٢٤) : وإذا اشترى الرجل فلوسًا بدراهم وعقد الثمن ولم تكن الفلوس عند البائع، فالبيع جائز؛ لأن الفلوس الرائجة ثمن كالنقود، وقد بينا أن حكم العقد في الثمن وجوبها ووجودها معًا ولا يشترط قيامها في ملك بائعها لصحة العقد كما لا يشترط ذك في الدراهم والدنانير. وإن استقرض الفلوس من رجل ودفع إليه قبل الافتراق أو بعده فهو جائز إذا كانا قد قبضا الدراهم في المجلس؛ لأنهما قد اقترقا عن عين بدين وذلك جائز في عين الصرف وإنما يجب التقابض في الصرف بمقتضى اسم العقد وبيع الفلوس بالدراهم ليس بصرف وكذلك لو افترقا بعد قبض الفلوس، قبل قبض الدراهم. وعلى ما ذكر ابن شجاع، عن زفر - رحمهما الله - لا يجوز هذا العقد أصلًا؛ لأن من أصل زفر، أن الفلوس الرائجة بمنزلة المكيل والموزون تتعين في العقد إذا عينت وإذا كان بغير عينها فإن لم يصحبها حرف الباء لا يجوز العقد؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان،وإن صحبه حرف الباء وبمقابلها عوض يجوز العقد لأنها ثمن، وإن كان بمقابلها النقد لا يجوز العقد؛ لأنها تكون مبيعة إذا قابلها ما لا يكون إلا ثمنًا عندنا. فالفلوس الرائجة بمنزلة الأثمان لاصطلاح الناس على كونها ثمنًا للأشياء فإنما يتعلق العقد بالقدر المسمى منها في الذمة ويكون ثمنًا عين أو لم يعين كما أن الدراهم والدنانير إن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد؛ لأنه دين بدين، والدين لا يكون عقدًا بعد الافتراق.

стр. 6580

وذكر في الإملاء، عن محمد لو اشترى مائة فلس بدرهم على أنهما بالخيار وتفرقا بعد القبض فالبيع باطل؛ لأن العقد لا يتم مع اشتراط الخيار فكأنها تفرقا قبل التقابض وإذا كان الخيار مشروطًا لأحدهما فافترقا بعد التقابض، فالبيع جائز لأن التسليم يتم ممن لم يشترط الخيار في البدل الذي من جانبه وقبض أحد البدلين هنا يكفي بخلاف الصرف. لكن هذا التفريع إنما يستقيم على قول من يقول: المشروط له الخيار يملك عرض صاحبه، أما عند أبي حنيفة فالمشروط له الخيار كما لا يملك عليه البدل الذي من جانبه لا يملك البدل الذي من جانب صاحبه فاشتراط الخيار لأحدهما يمنع تمام القبض فيهما جميعًا. وإن اشترى خاتم فضة أو خاتم ذهب فيه فص، أو ليس فيه فص بكذا فلوسًا وليست الفلوس عنده فهو جائز إن تقابضا قبل التفرق أو لم يتقابضا؛ لأن هذا بيع وليس بصرف فإنما افترقا عن عين بدين، لأن الخاتم يتعين بالتعيين، بخلاف ما سبق فإن الدراهم والدنانير لا تعين بالتعيين فلذلك شرط هناك قبض أحد البدلين في المجلس ولم يشرط هنا. وكذلك ما اشترى من العروض بالفلوس لو اشترى بها فاكهة أو لحمًا أو غير ذلك بعد أن يكون المبيع بعينه؛ لأن الفلوس ثمن كالدراهم ولو اشترى عينًا بدرهم جاز العقد وإن تفرقا قبل القبض فهذا مثله.

стр. 6581

وسواء قال: اشتريت مثل كذا فلسًا بدرهم أو درهما بكذا فلسًا؛ لأن الفلوس الرائجة ثمن كالنقد عندنا صحبها حرف الباء أو لو لم يصحبها، وقيام الملك في الثمن عند العقد ليس بشرط. وإن اشترى متاعًا بعشرة أفلس بعينها فله أن يعطي غيرها مما يجوز بين الناس وإن أعطاها بعينها فوجد فيها فلسًا لا ينفق استبدله كما يستبدل الزيف في الدراهم؛ لأنه ما دام ثمنًا قائمًا يثبت في الذمة فلا يتعين بالتعين. ثم قال (ص ٢٦) : وإذا اشترى مائة فلس بدرهم فنقد الدرهم وقبض من الفلوس خمسين، وكسدت الفلوس بطل البيع في الخمسين النافقة؛ لأنها لو كسدت قبل أن يقبض منها شيئًا بطل العقد في الكل، فكذلك إذا كسدت قبل أن يقبض بعضها اعتبارًا للبعض في الكل، وعلى قول زفر إذا كانت معينة حتى جاز العقد لا يبطل العقد بالكساد؛ لأن العقد يتناول عينها والعين باقية بعد الكساد وهو مقدور التسليم ولكنا نقول: العقد تناولها بصفة الثمنية لما بينا أنها ما دامت رائجة فهي تثبت في الذمة ثمنًا وبالكساد تنعدم منها صفة الثمنية ففي حصة ما لم يقبض انعدم أحد العوضين، وذلك مفسد للعقد قبل القبض، وكان صفة الثمنية في الفلوس كصفة المالية في الأعيان، ولو انعدمت المالية لهلاك المبيع قبل القبض أو بتخمر العصير فسد العقد، ثم يرد البائع النصف درهم الذي قبضه ففساد العقد فيه وللمشتري أن يشتري منه بذلك نصف درهم ما أحب؛ لأنه دين له في ذمته وجب بسبب القبض فكان مثل بدل القرض. ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت لم يفسد البيع؛ لأن صفة الثمنية قائمة في الفلوس وإنما تعتبر رغائب الناس فيها بذلك لا يفوت البدل ولا يتعيب وللمشتري ما بقي من الفلوس ولا خيار له في ذلك.

стр. 6582

ثم قال (ص ٢٨، ٣٠) : وإن اشترى بدرهم فلوسًا وقبضها ولم ينقد الدرهم حتى كسدت الفلوس فالبيع جائز والدرهم دين عليه؛ لأن العقد في الفلوس: قد انتهى بالقبض وصفة الدرهم لم تتغير بكساد الفلوس فبقي دينًا على حاله وإن نقد الدرهم ولم يقبض الفلوس حتى كسدت في القياس هو جائز أيضًا؛ لأن بالكساد لا تتغير عينها ولا يتعذر تسليمها إلا بالعقد وفي الاستحسان بطل العقد لفوات صفة الثمنية في الفلوس قبل القبض وعليه أن يرد الدرهم؛ لأنه مقبوض في يده بسبب فاسد. ولو اشترى فاكهة بالفلوس وقبض ما اشترى ثم كسدت الفلوس قبل أن ينقدها فالبيع ينتقض استحسانًا؛ لأنها تبدلت معنى حين خرجت عن أن تكون ثمنًا وماليتها كانت بصفة الثمنية ما دامت رائجة فبفوتها تفوت المالية فلهذا يبطل العقد ويرد ما قبضه إن كان قائمًا أو قيمته إن كان هالكًا. وبعض المتأخرين ﵏ يقول: معنى قوله البيع ينتقض أنه يخرج من أن يكون لازمًا ويتخير البائع في نقضه لما عليه من الضرر عند كساد الفلوس وقد حصل ذلك قبل قبضه فيتخير. أما أصل المالية فلا ينعدم بالكساد فيبقى العقد كذلك والأول أصح؛ لأن انعقاد هذا العقد لم يكن باعتبار مالية قائمة بعين الفلوس وإنما كان باعتبار مالية قائمة بصفة الثمنية فيها وقد انعدم ذلك، وعن أبي يوسف أن هنا البيع لا ينتقض بخلاف ما إذا اشترى بدرهم فلوسًا؛ لأن هنالك بعد الكساد لا يجوز ابتداء ذلك العقد؛ لأنها بالكساد تصير " مبيعة " - كذا في النسخة المطبوعة التي بين أيدينا ولعل صوابه: " معيبة " - وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز وهنا ابتداء البيع بعد الكساد يجوز؛ لأن ما يقابلها من الفاكهة مبيع بالفلوس الكاسدة بمقابلة البيع يجوز أن تجعل ثمنًا باعتبار أنه عددي متقارب كالجوز وغيره.

стр. 6583

وإن اشترى فاكهة بدانق فلس، والدانق عشرون فلسًا، فلم يرد الفلوس حتى غلت أو رخصت فعليه عشرون فلسًا لأن بالغلاء والرخص لا تنعدم صفة الثمنية وصار هو عند العقد بتسمية الدوانق مسميًا ما يوجد به من الفلوس وذلك عشرون ولو قد صرح بذلك القدر لم يتغير العدد بعد ذلك بغلاء السعر ورخصه وهذا مثله. وإن اشترى فلوسًا بدرهم فوجد فيها فلسًا لا ينفق وقد نقد الدرهم فإنه يستبدله؛ لأنه بمقتضى العقد استحق فلوسًا نافقة، وإن لم يستبدله حتى افترقا لم يبطل العقد فيه؛ لأن ما بإزائه من الدرهم مقبوض في الصرف لأنه لو اشترى دينارًا بعشرة دراهم، ثم وجد بعض الدراهم زيوفًا قبل الاقتراض كان له أن يستبدله وإن لم يستبدله حتى تفرق لم يبطل العقد فهذا قياسه وإن لم يكن نقد الدراهم استبدله أيضًا ما لم يتفرقا؛ لأن الدينية إلى آخر المجلس في البدلين عفو وإن كانا قد تفرقا، وهو فلس لا يجوز مع الفلوس رجع بحصته من الدراهم كما في الصرف وإن وجد بعض البدل ستوقًا بعد الافتراق ينتقض القبض فيه من الأصل وما بإزائه غير مقبوض فكان دينًا بدين بعد المجلس وإن كان يجوز معها في حال ولا يجوز في حال استبدله في المجلس قبل أن يتفرق؛ لأنه بمنزلة الزيوف في الدراهم، وقد بينا في الصرف والسلم أنه إذا وجد القليل زيوفًا فاستبدل به في مجلس الرد جاز العقد فجعل اجتماعهما في مجلس الرد كاجتماعهما في مجلس العقد فهذا قياسه وإن استحق منها شيء رجع بحصته من الدرهم بمعنى إذا كان نقد الدرهم بعد الافتراق؛ لأنه بالاستحقاق ينتقض القبض فيه من الأصل فتبين أن الافتراق في ذلك القدر كان عن دين بدين.

стр. 6584

وإن استقرض عشرة أفلس ثم كسدت تلك الفلوس لم يكن عليه إلا مثلها في قول أبي حنيفة قياسًا. وقال أبو يوسف ومحمد: قيمتها من الفضة استحسانًا؛ لأن الواجب عليه بالاستقراض مثل المقبوض والمقبوض فلوسًا هي ثمن وبعد الكساد يفوت صفة الثمنية بدليل البيع فيتحقق عجزه عن رد مثل ما التزم فيلزمه قيمته كما لو استقرض شيئًا من ذوات الأمثال فانقطع المثل من أيدي الناس بخلاف ما إذا غلت أو رخصت؛ لأن صفة الثمنية لا تنعدم بذلك ولكن تتغير رغائب الناس فيها وذلك غير معتبر كما في البيع، وأبو حنيفة يقول: الواجب في ذمته مثل ما قبض من الفلوس وهو قادر على تسليمه، فلا يلزمه رد شيء كما إذا غلت أو رخصت وهذا لأن جواز الاستقراض في الفلوس لم يكن باعتبار صفة الثمنية بل لكونها من ذوات الأمثال، ألا ترى أن الاستقراض جائز في كل مكيل أو موزون أو عددي متقارب كالجوز والبيض وبالكساد لم يخرج بأن يكون من ذوات الأمثال بخلاف البيع فقد بينا أن دخولها في العقد هناك باعتبار صفة الثمنية فقد فات ذلك بالكساد يوضحه أن بدل القرض في الحكم كأنه غير المقبوض، إذا لو لم يجعل كذلك كان مبادلة الشيء بجنسه نسيئة وبذلك لا يجوز فيصير من هذا الوجه كأنه غصب منه فلوسًا فكسدت وهنالك برئ برد عينها فهنا أيضًا يبرأ برد مثلها.

стр. 6585

ثم عند أبي يوسف إذا وجبت القيمة فإنما تعتبر قيمتها من الفضة من وقت القبض، وعند محمد إذا وجبت القيمة فإنما تعتبر قيمتها بآخر يوم كانت فيه رائجة فكسدت وهذا بناء على ما إذا أتلف شيئًا من ذوات الأمثال فانقطع المثل على أيدي الناس، فهناك عن أبي يوسف يعتبر قيمته عند الإتلاف، وعند محمد بآخر يوم كان موجودًا فيه فانقطع فقد بينا هذا في كتاب الغصب. وإن استقرض دانقًا فلوسًا ورخصت أو غلت، لم يكن عليه إلا مثل عدد الذي أخذ؛ لأن الضمان يلزمه بالقبض والمقبوض على وجه القرض مضمون بمثله، وكذلك لو قال: أقرضني عشرة دراهم بدينار، فأعطاه عشرة دراهم عليه مثلها ولا ينظر إلى غلاء الدراهم ولا إلى رخصها. وقال ابن عابدين في رسائله:٢/٥٩، (رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود) بعد أن ساق أقوالًا عدة للحنفية في حكم البيع إذا انقطع النقد المشترى به أو تغير. والحاصل أنها إما أن لا تروج، وإما أن تنقطع، وإما أن تزيد قيمتها أو تنقص، فإن كان كاسدة لا تروج يفسد البيع وإن انقطعت فعليه قيمتها قبل الانقطاع وإن زادت فالبيع على حالة ولا يتخير المشتري كما سيأتي وكما إن انتقصت لا يفسد البيع وليس للبائع غيرها، وما ذكرناه من التفرقة بين الكساد والانقطاع هو المفهوم مما قدمناه. وذكر العلامة شيخ الإسلام محمد بن عبد الله الغزي التمرتاشاي، في رسالة سماها " بذل المجهود في مسألة تغير النقود "، اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس، وكان كل منهما نافقًا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري للبائع ثم كسدت بطل البيع والانقطاع عن أيدي الناس بالكساد وحكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائما ومثله إن كان هالكًا وكان مثليًّا وإلا فقيمته وإن لم يكن مقبوضًا، فلا حكم لهذا البيع أصلًا، وهذا عند الإمام الأعظم - يعني أبا حنيفة - وقالا - يعين أبا يوسف ومحمد بن الحسن -: لا يبطل البيع لأن المتعذر إما هو التسليم بعد الكساد وذلك لايوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطبة- هكذا في النسخة المطبوعة ولعل صوابه: بالرطب - ثم انقطع، وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه، وجبت قيمته لكن أبي يوسف عند البيع وعند محمد يوم الكساد وهو آخر ما تعامل الناس بها وفي " ذخيرة الفتوى " على قول أبي يوسف وفي " المحيط " و" التتمة " و " الحقائق " بقول محمد يفتي رفقًا بالناس ولأبي حنيفة الثمنية بالاصطلاح فيبطل الزوال الموجب فيبقى البيع بلا ثمن والعقد إنما يتناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت بخلاف الرطب فإنه يعود غالبًا في العالم القابل بخلاف النحاس - يشير إلى الفلوس المسكوكة منه - فإنه بالكساد رجع إلى أصله وكان الغالب عدم العود.
следующие страницы →