وسواء قال: اشتريت مثل كذا فلسًا بدرهم أو درهما بكذا فلسًا؛ لأن الفلوس الرائجة ثمن كالنقد عندنا صحبها حرف الباء أو لو لم يصحبها، وقيام الملك في الثمن عند العقد ليس بشرط.
وإن اشترى متاعًا بعشرة أفلس بعينها فله أن يعطي غيرها مما يجوز بين الناس وإن أعطاها بعينها فوجد فيها فلسًا لا ينفق استبدله كما يستبدل الزيف في الدراهم؛ لأنه ما دام ثمنًا قائمًا يثبت في الذمة فلا يتعين بالتعين.
ثم قال (ص ٢٦) :
وإذا اشترى مائة فلس بدرهم فنقد الدرهم وقبض من الفلوس خمسين، وكسدت الفلوس بطل البيع في الخمسين النافقة؛ لأنها لو كسدت قبل أن يقبض منها شيئًا بطل العقد في الكل، فكذلك إذا كسدت قبل أن يقبض بعضها اعتبارًا للبعض في الكل، وعلى قول زفر إذا كانت معينة حتى جاز العقد لا يبطل العقد بالكساد؛ لأن العقد يتناول عينها والعين باقية بعد الكساد وهو مقدور التسليم ولكنا نقول: العقد تناولها بصفة الثمنية لما بينا أنها ما دامت رائجة فهي تثبت في الذمة ثمنًا وبالكساد تنعدم منها صفة الثمنية ففي حصة ما لم يقبض انعدم أحد العوضين، وذلك مفسد للعقد قبل القبض، وكان صفة الثمنية في الفلوس كصفة المالية في الأعيان، ولو انعدمت المالية لهلاك المبيع قبل القبض أو بتخمر العصير فسد العقد، ثم يرد البائع النصف درهم الذي قبضه ففساد العقد فيه وللمشتري أن يشتري منه بذلك نصف درهم ما أحب؛ لأنه دين له في ذمته وجب بسبب القبض فكان مثل بدل القرض.
ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت لم يفسد البيع؛ لأن صفة الثمنية قائمة في الفلوس وإنما تعتبر رغائب الناس فيها بذلك لا يفوت البدل ولا يتعيب وللمشتري ما بقي من الفلوس ولا خيار له في ذلك.
стр. 6582
ثم قال (ص ٢٨، ٣٠) :
وإن اشترى بدرهم فلوسًا وقبضها ولم ينقد الدرهم حتى كسدت الفلوس فالبيع جائز والدرهم دين عليه؛ لأن العقد في الفلوس: قد انتهى بالقبض وصفة الدرهم لم تتغير بكساد الفلوس فبقي دينًا على حاله وإن نقد الدرهم ولم يقبض الفلوس حتى كسدت في القياس هو جائز أيضًا؛ لأن بالكساد لا تتغير عينها ولا يتعذر تسليمها إلا بالعقد وفي الاستحسان بطل العقد لفوات صفة الثمنية في الفلوس قبل القبض وعليه أن يرد الدرهم؛ لأنه مقبوض في يده بسبب فاسد.
ولو اشترى فاكهة بالفلوس وقبض ما اشترى ثم كسدت الفلوس قبل أن ينقدها فالبيع ينتقض استحسانًا؛ لأنها تبدلت معنى حين خرجت عن أن تكون ثمنًا وماليتها كانت بصفة الثمنية ما دامت رائجة فبفوتها تفوت المالية فلهذا يبطل العقد ويرد ما قبضه إن كان قائمًا أو قيمته إن كان هالكًا. وبعض المتأخرين ﵏ يقول: معنى قوله البيع ينتقض أنه يخرج من أن يكون لازمًا ويتخير البائع في نقضه لما عليه من الضرر عند كساد الفلوس وقد حصل ذلك قبل قبضه فيتخير. أما أصل المالية فلا ينعدم بالكساد فيبقى العقد كذلك والأول أصح؛ لأن انعقاد هذا العقد لم يكن باعتبار مالية قائمة بعين الفلوس وإنما كان باعتبار مالية قائمة بصفة الثمنية فيها وقد انعدم ذلك، وعن أبي يوسف أن هنا البيع لا ينتقض بخلاف ما إذا اشترى بدرهم فلوسًا؛ لأن هنالك بعد الكساد لا يجوز ابتداء ذلك العقد؛ لأنها بالكساد تصير " مبيعة " - كذا في النسخة المطبوعة التي بين أيدينا ولعل صوابه: " معيبة " - وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز وهنا ابتداء البيع بعد الكساد يجوز؛ لأن ما يقابلها من الفاكهة مبيع بالفلوس الكاسدة بمقابلة البيع يجوز أن تجعل ثمنًا باعتبار أنه عددي متقارب كالجوز وغيره.
стр. 6583
وإن اشترى فاكهة بدانق فلس، والدانق عشرون فلسًا، فلم يرد الفلوس حتى غلت أو رخصت فعليه عشرون فلسًا لأن بالغلاء والرخص لا تنعدم صفة الثمنية وصار هو عند العقد بتسمية الدوانق مسميًا ما يوجد به من الفلوس وذلك عشرون ولو قد صرح بذلك القدر لم يتغير العدد بعد ذلك بغلاء السعر ورخصه وهذا مثله.
وإن اشترى فلوسًا بدرهم فوجد فيها فلسًا لا ينفق وقد نقد الدرهم فإنه يستبدله؛ لأنه بمقتضى العقد استحق فلوسًا نافقة، وإن لم يستبدله حتى افترقا لم يبطل العقد فيه؛ لأن ما بإزائه من الدرهم مقبوض في الصرف لأنه لو اشترى دينارًا بعشرة دراهم، ثم وجد بعض الدراهم زيوفًا قبل الاقتراض كان له أن يستبدله وإن لم يستبدله حتى تفرق لم يبطل العقد فهذا قياسه وإن لم يكن نقد الدراهم استبدله أيضًا ما لم يتفرقا؛ لأن الدينية إلى آخر المجلس في البدلين عفو وإن كانا قد تفرقا، وهو فلس لا يجوز مع الفلوس رجع بحصته من الدراهم كما في الصرف وإن وجد بعض البدل ستوقًا بعد الافتراق ينتقض القبض فيه من الأصل وما بإزائه غير مقبوض فكان دينًا بدين بعد المجلس وإن كان يجوز معها في حال ولا يجوز في حال استبدله في المجلس قبل أن يتفرق؛ لأنه بمنزلة الزيوف في الدراهم، وقد بينا في الصرف والسلم أنه إذا وجد القليل زيوفًا فاستبدل به في مجلس الرد جاز العقد فجعل اجتماعهما في مجلس الرد كاجتماعهما في مجلس العقد فهذا قياسه وإن استحق منها شيء رجع بحصته من الدرهم بمعنى إذا كان نقد الدرهم بعد الافتراق؛ لأنه بالاستحقاق ينتقض القبض فيه من الأصل فتبين أن الافتراق في ذلك القدر كان عن دين بدين.
стр. 6584
وإن استقرض عشرة أفلس ثم كسدت تلك الفلوس لم يكن عليه إلا مثلها في قول أبي حنيفة قياسًا. وقال أبو يوسف ومحمد: قيمتها من الفضة استحسانًا؛ لأن الواجب عليه بالاستقراض مثل المقبوض والمقبوض فلوسًا هي ثمن وبعد الكساد يفوت صفة الثمنية بدليل البيع فيتحقق عجزه عن رد مثل ما التزم فيلزمه قيمته كما لو استقرض شيئًا من ذوات الأمثال فانقطع المثل من أيدي الناس بخلاف ما إذا غلت أو رخصت؛ لأن صفة الثمنية لا تنعدم بذلك ولكن تتغير رغائب الناس فيها وذلك غير معتبر كما في البيع، وأبو حنيفة يقول: الواجب في ذمته مثل ما قبض من الفلوس وهو قادر على تسليمه، فلا يلزمه رد شيء كما إذا غلت أو رخصت وهذا لأن جواز الاستقراض في الفلوس لم يكن باعتبار صفة الثمنية بل لكونها من ذوات الأمثال، ألا ترى أن الاستقراض جائز في كل مكيل أو موزون أو عددي متقارب كالجوز والبيض وبالكساد لم يخرج بأن يكون من ذوات الأمثال بخلاف البيع فقد بينا أن دخولها في العقد هناك باعتبار صفة الثمنية فقد فات ذلك بالكساد يوضحه أن بدل القرض في الحكم كأنه غير المقبوض، إذا لو لم يجعل كذلك كان مبادلة الشيء بجنسه نسيئة وبذلك لا يجوز فيصير من هذا الوجه كأنه غصب منه فلوسًا فكسدت وهنالك برئ برد عينها فهنا أيضًا يبرأ برد مثلها.
стр. 6585
ثم عند أبي يوسف إذا وجبت القيمة فإنما تعتبر قيمتها من الفضة من وقت القبض، وعند محمد إذا وجبت القيمة فإنما تعتبر قيمتها بآخر يوم كانت فيه رائجة فكسدت وهذا بناء على ما إذا أتلف شيئًا من ذوات الأمثال فانقطع المثل على أيدي الناس، فهناك عن أبي يوسف يعتبر قيمته عند الإتلاف، وعند محمد بآخر يوم كان موجودًا فيه فانقطع فقد بينا هذا في كتاب الغصب.
وإن استقرض دانقًا فلوسًا ورخصت أو غلت، لم يكن عليه إلا مثل عدد الذي أخذ؛ لأن الضمان يلزمه بالقبض والمقبوض على وجه القرض مضمون بمثله، وكذلك لو قال: أقرضني عشرة دراهم بدينار، فأعطاه عشرة دراهم عليه مثلها ولا ينظر إلى غلاء الدراهم ولا إلى رخصها.
وقال ابن عابدين في رسائله:٢/٥٩، (رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود) بعد أن ساق أقوالًا عدة للحنفية في حكم البيع إذا انقطع النقد المشترى به أو تغير.
والحاصل أنها إما أن لا تروج، وإما أن تنقطع، وإما أن تزيد قيمتها أو تنقص، فإن كان كاسدة لا تروج يفسد البيع وإن انقطعت فعليه قيمتها قبل الانقطاع وإن زادت فالبيع على حالة ولا يتخير المشتري كما سيأتي وكما إن انتقصت لا يفسد البيع وليس للبائع غيرها، وما ذكرناه من التفرقة بين الكساد والانقطاع هو المفهوم مما قدمناه. وذكر العلامة شيخ الإسلام محمد بن عبد الله الغزي التمرتاشاي، في رسالة سماها " بذل المجهود في مسألة تغير النقود "، اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس، وكان كل منهما نافقًا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري للبائع ثم كسدت بطل البيع والانقطاع عن أيدي الناس بالكساد وحكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائما ومثله إن كان هالكًا وكان مثليًّا وإلا فقيمته وإن لم يكن مقبوضًا، فلا حكم لهذا البيع أصلًا، وهذا عند الإمام الأعظم - يعني أبا حنيفة - وقالا - يعين أبا يوسف ومحمد بن الحسن -: لا يبطل البيع لأن المتعذر إما هو التسليم بعد الكساد وذلك لايوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطبة- هكذا في النسخة المطبوعة ولعل صوابه: بالرطب - ثم انقطع، وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه، وجبت قيمته لكن أبي يوسف عند البيع وعند محمد يوم الكساد وهو آخر ما تعامل الناس بها وفي " ذخيرة الفتوى " على قول أبي يوسف وفي " المحيط " و" التتمة " و " الحقائق " بقول محمد يفتي رفقًا بالناس ولأبي حنيفة الثمنية بالاصطلاح فيبطل الزوال الموجب فيبقى البيع بلا ثمن والعقد إنما يتناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت بخلاف الرطب فإنه يعود غالبًا في العالم القابل بخلاف النحاس - يشير إلى الفلوس المسكوكة منه - فإنه بالكساد رجع إلى أصله وكان الغالب عدم العود.
стр. 6586
ثم قال (ص ٦٠) :
وفي (الذخيرة البرهانية) ... بعد كلام طويل: هذا إذا كسدت الدراهم أو الفلوس قبل القبض، فأما إذا غلت فإن ازدادت قيمتها فالبيع على حاله ولا يخير المشتري , وإذا انقضت قيمتها ورخصت فالبيع على حاله ويطالبه بالدراهم بذلك العيار الذي كان وقت البيع. وفي (المنتفى) : إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها.. ثم رجع أبو يوسف وقال: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض والذي ذكرناه من الجواب في الكساد فهو الجواب في الانقطاع. انتهى. وقوله: يوم وقع البيع، أي في صورة البيع. وقوله: يوم وقع القبض، أي في صورة القبض كما نبه عليه في (النهر) .
ثم قال: وقال العلامة الغزي عقب ما قدمناه عنه، هذا إذا كسدت أو انقطعت أما إذا غلت قيمتها أو " انقطعت " - الظاهر أن في هذا خطأ صوابه: " انتقضت " - فالبيع على حاله ولا يتخير المشتري ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع. كذا في (فتح القدير) .
وبعد أن ساق نقولًا أخرى حول اختلاف فتوى أبي حنيفة وصاحبيه في هذا الشأن قال: (ص ٦١، ٦٢) :
ثم اعلم أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها كما يظهر بالتأمل، ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس، وفي بعضها ذكر العدالي معها، فإن العدالي كما في البحر عن البناية بفتح العين المهمة وتخفيف الدال وكسر اللام، الدراهم المنسوبة إلى العدل وكأنه اسم ملك ينسب إليه درهم فيه غش، وكذا رأيت التقييد بالغالبة الغش في غالبة البيان.
стр. 6587
ثم قال: ويدل عليه تعليلهم قول أبي حنيفة بعد حكايتهم الخلاف بأن الثمنية بطلت بالكساد؛ لأن الدراهم التي غلب غشها إنما جعلت ثمنًا بالاصطلاح، فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح فلم تبق ثمنًا فبقي البيع بلا ثمن فبطل. ويدل عليه أيضًا تعبيرهم بالغلاء والرخص تقوم بغيرها، وكذا اختلافهم في الواجب رد المثل أو الثمنية، فإنه حيث كانت لا غش فيها لم يظهر للاختلاف معنى بل كان الواجب رد مثل بلا نزاع أصلًا.
ثم نقل عن " الهداية " قول صاحبها: وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة خلافًا لهما- يعني أبا يوسف ٣ ومحمد ٣ -، وهو نظير الاختلاف الذي بيناه، ولو استقرض فلوسًا فكسدت عليه مثلها. قال في (غاية البيان) : قيد بالكساد احتزازًا عن الرخص والغلاء لأن الإمام الأسبيجابي في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت، فعليه مثل ما قبض من العدد. وقال أبو الحسن: لم تختلف الرواية عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها.قال أبو يوسف: على قيمتها من الذهب يوم وقع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أصنافها - يعني النجارية والطبرية واليزيدية - وقال محمد: قيمتها في آخر نفاقها. قال القدري: وإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكرنا، فالدراهم النجارية فلوس على صفة مخصوصة، والنجارية واليزيدية هي التي غلب الغش عليها فتجري مجرى الفلوس فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس. انتهى ما في (غاية البيان) ملخصًا.
стр. 6588
وبعد إن ساق نقولًا حول الدراهم الخالصة والمغلوبة الغش قال: والذي يغلب على الظن ويميل إليه القلب أن الدراهم المغلوبة الغش أو الخالصة إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعًا ولا يجب إلا ما وقع عليه العقد من النوع المذكور فيه، فإنها أثمان عرضا وخلقة، والغش المغلوب كالعدم، ولا يجري في ذلك خلاف أبي يوسف على أنه ذكر بعض الفضلاء أن خلاف أبي يوسف في مسألة ما إذا غلت أو رخصت إنما هو في الفلوس فقط، وأما الدراهم التي غلب غشها فلا خلاف له فيها.
وبهذا يحصل التوفيق بين حكاية الخلاف تارة والإجماع تارة أخرى.
ثم قال: (ص ٦٥) :
بقي شيء ينبغي التنبيه عليه: وهو أنهم اعتبروا العرف هنا حين أطلقت الدراهم وبعضها أروج فصرفوه إلى المتعارف ولم يفسدوا البيع، وهو تخصيص بالعرف القولي، وهو من أفراد ترك الحقيقة. قال المحقق ابن الهمام في (تحرير الأصول) : العرف العملي مخصص عند الحنفية خلافًا للشافعية كحرمت الطعام وعادتهم أكل البر انصرف إليه وهو - أي قول الحنفية - أوجه. أما التخصيص بالعرف القولي فاتفاق كالدابة على الحمار والدرهم على النقد الغالب. انتهى. قال شارحه ابن أمير حاج: العرف القولي هو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذلك المعنى. انتهى. وقد شاع في عرف أهل زماننا أنهم يتبايعون بالقروش وهي عبارة عن قطع معلومة من الفضة ومنها كبار كل واحد باثنين ومنها أنصاف وأرباع، والقرض الواحد عبارة عن أربعين مصرية، ولكن الآن غلبت - الظاهر أنه خطأ صوابه: غلت - تلك القطع وزادت قيمتها فصار القرش الواحد بخمسين مصرية، والكبير بمائة مصرية، وبقي عرفهم على إطلاق القرش الواحد ويريدون به أربعين مصرية كما كان في الأصل، ولكن لا يريدون عين المصاري بل يطلقون القروش وقت العقد ويدفعون بمقدار ما سموه في العقد تارة من المصاري وتارة من غيرها ذهبا أو فضة فصار القرش عندهم بيانا لمقدار الثمن من النقود الرائجة المختلفة المالية لا لبيان نوعه ولا لبيان جنسه، فيشتري أحدهم بمائة قرش ثوبا مثلا فيدفع مصاري كل قرش بأربعين، أو يدفع من القروش الصحاح أو من الريال، أو من الذهب على اختلاف أنواعه بقيمته المعلومة من المصاري. هذا شاع في عرفهم فلا يفهم أحد منهم أنه إذا اشترى بالقروش فالواجب عليه دفع عينها، فقد صار ذلك عندهم عرفًا قوليًّا فيخصص كما نقلناه من التحرير.
стр. 6589
وقال ابن قدامة (المغني: ٤/١٣) :
وإذا باع شيئًا من مال الربا بغير جنسه وعلة ربا الفضل فيهما واحدة لم يجز التفرق قبل القبض، فإن فعلا بطل العقد وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يشترط التقابض فيهما كغير أموال الربا وكبيع ذلك بأحد النقدين.
ولنا قول النبي ﷺ : ((الذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد)) . رواه مسلم. وقال ﵇: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كما شئتم يدًا بيد)) .
وروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنه التمس صرفًا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ يقلبها في يديه، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة وعمر يسمع ذلك، فقال: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء)) قال: متفق عليه (١) ،والمراد به القرض بدليل أن المراد به ذلك في الذهب والفضة، ولهذا فسره عمر به؛ ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما واحدة فحرم التفرق فيهما قبل القبض كالذهب والفضة.
стр. 6590
ثم قال (ص ٢١، ٢٢) :
والمرجع في ذلك - أي في معرض المكيل والموزون - إلى العرف بالحجاز في عهد النبي ﷺ وبهذا قال الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة، أن الاعتبار في كل بلد بعادته.
ولنا ما روى عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة)) . والنبي ﷺ إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام؛ لأن ما كان مكيلًا بالحجاز في زمن النبي ﷺ انصرف التحريم في تفاضل الكيل إليه، ولا يجوز أن يتغير بعد ذلك وهكذا الموزون وما لا عرف له بالحجاز يحتمل وجهين، أحدهما: يرد على أقرب الأشياء شبهًا به بالحجاز كما أن الحوادث ترد إلى أشبه المنصوص عليه بها وهو القياس. والثاني: يصير عرفه في موضعه، فإن لم يكن له في الشرع حد كان المرجع فيه إلى العرف كالقبض والإحراز والتفرق، وهذا قول أبي حنيفة. وعلى هذا إن اختلفت البلاد فالاعتبار بالغالب فإن لمن يكن غالب بطل هذا الوجه وتعين الأول، ومذهب الشافعي على هذين الوجهين، فالبر والشعير مكيلان منصوص عليهما، بقول النبي ﷺ : ((البر بالبر، وكيلًا بكيل، والشعير بالشعير، كيلًا بالكيل)) ، وكذلك سائر الحبوب والأبازيز والأشنان والجص والنورة وما أشبهها، والتمر مكيل هو من المنصوص عليه وكذلك سائر النخل من الرطب والبسر وغيرهما، وسائر ما تجب فيه الزكاة من الثمار مثل الزبيب والفستق والبندق والعناب والمشمش والبطم - أي الحبة الحمراء - والزيتون واللوز والملح مكيل، وهو من المنصوص عليه بقوله ﵇: ((الملح بالملح مدي بمدي، والذهب والفضة موزونان)) ،ثبت ذك بقوله ﵇: ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن)) ، وكذلك ما أشبههما من جواهر الأرض كالحديد والنحاس والصفر - وهو نوع من النحاس والصفر - والرصاص والزئبق والزجاج، ومنه الإبريسم والقطن والكتان والصوف وغير ذلك، وما أشبهه، ومنه الخبز واللحم والشحم والجبن والزبد والشمع، وما أشبهه، وكذلك الزعفران والمعصفر والورس، وما أشبه ذلك.
стр. 6591
ثم قال (ص ٢٣) :
وأما غير المكيل والموزون فما لم يكن أصل في الحجاز في كيل ولا وزن , ولا يشبه ما جرى فيه العرف بذلك، كالثياب والحيوان والمعدودات من الجوز والبيض والرمان والقثاء والخيار، وسائر الخضروات والبقول والسفرجل والتفاح والكمثرى ونحوها فهذه المعدودات أن اعتبرنا التماثل فيها، فإنه يعتبر التماثل في الوزن " أخسر " - لعل صوابه: أحسر بمهملة - ذكره القاضي في الفواكه الرطبة، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر قالوا: يعتبر ما أمكن كيله بالكيل؛ لأن الأصل الأعيان الأربعة، وهي مكيلة ومن شأن الفرع أن يرد إلى أصله بحكمه، والأصل حكمه تحرير التفاضل بالكيل فكذلك يكون حكم فروعها.
ولنا أن الوزن "أخسر" فوجب اعتباره في غير المكيل والموزون كالذي اعتبر كيله وإنما اعتبر الكيل في المنصوص عليه، فإنه يقدر به في العادة وهذا بخلافه.
ثم قال (ص ٥٧، ٥٩) :
وفي إنفاق المغشوش من النقود روايتان، أظهرهما الجواز نقل صالح عنه - أي عن أحمد - في دراهم، يقال لها المسيبية عامتها نحاس إلا شيئا فيها فضة، فقال: إذا كان شيئًا اصطلحوا عليه مثل الفلوس، واصطلحوا عليها فأرجو أن لا يكون بها بأس، والثانية التحريم، قال حنبل: في دراهم يخلط فيها مس ونحاس يشترى بها ويباع، فلا يجوز أن يبتاع بها أحد كلما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام.
وقال أصحاب الشافعي: إن كان الغش مما لا قيمة له، جاز الشراء بها وإن كان مما له قيمة ففي جواز إنفاقها وجهان.
واحتج من منع إنفاق المغشوشة بقول النبي ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) (١) وأن عمر ﵁ نهى عن بيع نفاية بيت المال؛ ولأن المقصود فيه مجهول أشبه تراب الصاغة.
والأولى أن يحمل كلام أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر غشه واصطلح عليه، فإن المعاملة به جائزة؛ إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما، فلا يمنع من بيعهما كما لو كان متميزين؛ ولأن هذا االمستفيض في " الأعصار " - لعل صوابه في الأمصار بميم بدل العين - جار بينهم من غير نكير وفي تحريمه مشقة وضرر، وليس شراؤه بها غشًّا للمسلمين ولا غررًا لهم، والمقصود منها ظاهر مرئي معلوم بخلاف تراب الصاغة.
стр. 6592
ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به، فإن ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين، وقد أشار أحمد إلى هذا في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف ما يصنع بها؟ قال: يسبكها، قيل له: فيبيعها بدنانير؟ قال: لا قيل: يبيعها بفلوس؟ قال: لا قيل: فبسلعة؟ قال: لا، إني أخاف أن يغر به مسلمًا، قيل لأبي عبد الله: إني أخاف أن يغر بها مسلمًا، وقال: ما ينبغي له لأنه يغر به مسلمًا، ولا أقول: إنه حرام على تأويل وذلك إنما كرهته لأنه يغر بها مسلمًا فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين فإن مشتريها خلطها بدراهم جيدة واشترى بها ممن لا يعرف حالها ولو كانت مما اصطلح على إنفاقه لم يكن نفاية.
فإن قيل: فقد روي عن عمر، أنه قال: من زافت عليه دراهمه، فليخرج بها إلى البقيع فليشتر بها سحق الثياب (١) ، وهذا دليل على جواز إنفاق المغشوشة التي لم يصطلح عليها قلنا: قد قال أحمد معنى زافت عليه دراهمه - أي نفيت - ليس أنها زيوف فيتعين حمله على هذا جمعًا بين الروايتين ويحتمل أنه أراد ما ظهر غشه وبان زيفه بحيث لا يخفى على أحد، لا يحصل بها تغير.
وإن تعذر تأويلها تعارضت الروايتان عنه ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى.
стр. 6593
ولا فرق بين ما كان غشه ذا بقاء وثبات كالرصاص والنحاس؛ وما لا ثبات فيه كالزرنيخية والأندرانية، وهو زرنيخ ونورة يطلى عليه فضة فإذا أدخل النار استهلك الغش وذهب.
ثم قال (ص ٥٩) :
الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم على إن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا إن الصرف فاسد، والأصيل فيه قول النبي ﷺ : ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء)) ، وقوله ﵇ ((: بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد)) . ((ونهى النبي ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا، ونهى أن يباع غائب منها بناجز)) كلها أحاديث صحاح.
ثم قال (٢١٧) :
فإن اختلفت في صفة الثمن، رجع إلى نقد البلد نص عليه - أي أحمد - في رواية الأثرم لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به.
وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها نص عليه في رواية جماعة فيحتمل أنه أراد إذا كان هو الأغلب والمعاملة به أكثر - لأن الظاهر وقوع المعاملة به، فهو كما لو كان في البلد نقد واحد، ويحتمل أنه ردهما إليه مع " التسوي " - لعل الأصح التساوي - لأن فيه توسطًا بينهما وتسوية بين حقيهما وفي العدول إلى غيره سبيل على أحدهما فكان التوسط أولى وعلى مدعي ذلك اليمين أن ما قاله خصمه محتمل فتجب اليمين لنفي ذلك الاحتمال كوجوبها على المنكر، وإذا لم يكن في البلد إلا النقدان متساويان، فينبغي أن يتحالفا؛ لأنهما اختلفا في الثمن على وجه، لم يترجح قول أحدهما فيتحالفان كما لو اختلفا في قدره.
стр. 6594
ثم قال (ص ٣٥١) :
وإذا اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن، لم يجز؛ لأن القرض فيها يوجب رد المثل فإذا لم يعرف المثل لم يكن القضاء، وكذلك لو اقترض مكيلًا أو موزونًا جزافًا لم يجز كذلك ولو قدره بمكيال بعينه أو صنجة بعينها غير معروفين عند العامة لم يجز؛ لأنه لا يأمن تلف ذلك فيتعذر رد المثل.
ثم قال (ص ٣٥٤) :
وكل قرض شرط فيه أن يزيده، فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أم هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا، وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة قال عبد الرزاق (المصنف: ٨/١٤٥، ح ١٤٦٥٨) : أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: استقرض رجل خمسمائة دينار على أن يفقره ظهر فرسه، فقال ابن مسعود: ما أصبت من ظهر فرسه فهو ربا.
وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى: ٥/٥٣١) ، وتعقبه بقوله: ابن سيرين عن عبد الله منقطع.
وقال أيضًا (نفس المرجع: ص ٣٤٩، ٣٥٠) : أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا تمام بن غالب، حدثنا عباد بن موسى الأزرق، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، حدثني كلثوم بن الأقر، عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب، يا أبا المنذر إني أريد الجهاد فآتي العراق فأقرض، قال: إنك بأرض الربا فيها كثير فاش فإذا أقرضت رجلًا فأهدى إليك هدية فخذ قرضك واردد إليه هديته.
стр. 6595
ثم قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن الوليد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجل عشرون درهمًا فجعل يهدي إليه وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهمًا، قال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كان لنا جار سماك عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك، فقال: قاصه بما أهدى إليك؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحًا أو نقدًا - جاء في النسخة المطبوعة: أو بقدًا وهو خطأ - ليعطيه خيرًا منه وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر، وكان يحمله مؤونة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤونة جاز، وحكاه ابن المنذر، عن علي وابن عباس والحسن بن على وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب السختياني والثوري وأحمد وإسحاق وكرهه الحسن البصري وميمون بن أبي شبيب وعبدة بن أبي لبابة ومالك والأوزاعي والشافعي لأنه قد يكون في ذلك زيادة وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز ومعناها: اشتراط القضاء في بلد آخر وروى عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعًا. وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه. فسئل عن ذلك ابن عباس؟ فلم ير به بأسًا. وروى عن علي ﵁: أنه سئل عن مثل هذا؟ فلم ير به بأسًا. وممن لم ير به بأسًا: ابن سيرن والنخعي، رواه كله سعيد.
стр. 6596
وقال علاء الدين المرداوي (الإنصاف: ٥/١٢٧، ١٢٨. في معرض كلامه على رد المقترض ما اقترضه بالمثل أو بالقيمة) :
تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن له رده سواء رخص السعر أو غلا، وهو صحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
وقيل: يلزمه القيمة إن رخص السعر.
قوله: (ما لم يتعيب أو يكون فلوسًا أو مكسرة وحرمها السلطان) ، فالصحيح من المذهب أن له القيمة أيضًا سواء اتفق الناس على تركها أو لا، وعليه أكثر الأصحاب وجزم به كثير منهم وقدمه في "المغني"، و "الشرح "، و "الفروع"، و " الرعايتين "، و "الحاويين".
وقال القاضي: إن اتفق الناس على تركها فله القيمة، وإن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزمه أخذها.
قوله: (فيكون له القيمة وقت القرض) ، هذا المذهب نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في "الإرشاد "، و " الهداية"، و "المذهب"، و " الخلاصة"، و " الكافي "، و" المحرر "، و "الوجيز "، و " شرح ابن رزين "، و " المنور "، و " تذكرة ابن عبدوس"، وغيرهم. وقدمه في " التلخيص "، و " الفروع "، و " الرعايتين " و " الحاويين "، و "المغني "، و " الشرح "، و " الفائق " وغيرهم. واختاره القاضي وغيره، وقيل له القيمة وقت تحريمها، قاله أبو بكر في " التنبيه "، وقال في " المستوعب "، وهو الصحيح عندي، قال في " الفروع " وغيره: والخلاف فيما إذا كانت ثمنًا، وقيل له القيمة وقت الخصومة.
فائدتان: إحداهما، قوله: (فيكون له القيمة) ، اعلم أنه إذا كان مما يجري فيه ربا الفضل، فإنه يعطي مما لا يجري فيه الربا، فلو أقرضه دراهم مكسرة فحرمها السلطان أعطى قيمتها ذهبًا، وعكسه بعكسه صرح به في " الإرشاد " و "المبهج"، وهو واضح، قال في " الفروع ": فله القيمة من غير جنسه.
والثانية ذكر ناظم المفردات هنا مسائل تشبه مسألة القرض، فأحببت أن أذكرها هنا لعظم نفعها وحاجة الناس إليها:
стр. 6597
والنقد في المبيع حيث عين وبعد ذا كساده تبين
نحو الفلوس ثم لا يعامل بها فمنه عندنا لا يقبل
بل قيمة الفلوس يوم العقد والقرض أيضًا هكذا في الرد
ومثله من رمى عود الثمن برده المبيع خذ بالأحسن
قد ذكر الأصحاب ذا في ذي الصور والنص في القرض عيانًا قد ظهر
والنص في القيمة في بطلانها لا في ازدياد القدر أو نقصانها
بل إن غلت فالمثل فيها أدرى كدانق صار عشرة
والشيخ في زيادة أو نقص مثلًا كالقرض في الغلا والرخص
وشيخ الإسلام فتى تيمية قال: قياس القرض من جلية
الطرد في الديون كالصداق وعوض في الخلع والأعتاق
والغصب والصلح عن القصاص ونحو ذا طرا بلا اختصاص
قال: وفيه جاء نص المطلق حرره الأثرم إذ يحقق
وقولهم إن الكساد نقصًا فذا كف نقص النوع عابت رخصا
قال: ونقص النوع ليس يعقل فيما سوى القيمة ذا لا يجهل
وخرج القيمة في المثلي بنقص نوع ليس بالخفي
واختاره وقال عدل ماضي خوف انتظار العسر بالتقاضي
لحاجة الناس إلى ذي المسألة نظمتها مبسوطة مطولة
стр. 6598
لعل هذه النماذج المختلفة من الاجتهادات والأحكام في عصور وبيئات، وللمجتهدين من مذاهب واتجاهات مختلفة، توضح ما ألمعنا إليه في الفصل السابق من التباس معالم ماهية النقد وعدم التمايز بين الماهية النقدية وعينية النقد، أو المادة التي تصنع منها النقود على اختلافها في مدارك الفقهاء التباسًا ترتبت عنه تلقائيًّا وطبيعيًّا اضطراب عجيب في فتواهم وأحكامهم المتصلة، بألوان من المعاملات، لا سيما ما كان منها تعاملًا بغير الذهب والفضة من النقود التي كانت حديثة نسبيًّا لدى العرب خاصة ولدى المسلمين المتأثرين عامة بالتصورات العربية عامة.
ويتضح هذا الالتباس بأجلى مظاهره في تأثرهم وهم يصدرون أحكامهم تلك تأثرًا واضحًا بصيغة لفظية كان ينبغي أن لا يكون لها أي تأثير هي صيغة " اشترى" و " باع". ذلك بأن هذه الصيغة عرفها العرب واستعملها القرآن الكريم نفسه، وكذلك السنة النبوية في معناها اللغوي الأصيل، وهي التبادل أي مبادلة الشيء بالشيء، لذلك جاءت النصوص المتصلة بـ "الصرف"، في الحديث النبوي الشريف، وفي آثار الصحابة معبرًا فيها بـ " الشراء " و " البيع "، ولسنا بحاجة إلى أن نسوق أمثلة منها بحسبنا أن نحيل على الفصل " أحاديث في الصرف" (١) ، والفصل التالي له " أحكام اضطراب العملة في آثار الصحابة قولًا وعملًا "، بيد أننا نضيف هنا إلى ما في الفصلين المذكورين آنفًا أثرًا نحسبه يعكس طبيعة الالتباس الذي نحن بصدده، والذي حمل الكثير من الفقهاء والمتفقهة على الخلط بين ماهية النقد وعينية النقود، وعلى الاضطراب في إصدار الأحكام المتعلقة بالفلوس ذلكم هو أثر عبد الله بن الصامت الذي أخرجه كل من أحمد وابن سعد، ولفظه من أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، قال: ففضل معها سبع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال: لو ادخرته لحاجة تنوبك أو لضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلى أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله (٢)
стр. 6599
والظاهر أن الفلوس في العهد الأول، لم تكن تستعمل إلا في العملة الصغيرة التي لا تبلغ نصاب الزكاة، ولا أن تكون ذات أهمية في تقويم المال، ونتيجة لذلك استقر الوهم لدى كثير من الفقهاء والمتفقهة بأنها وسيلة للتبادل، لا تبلغ أن كون لها حكم " النقد " في الصرف، ولا في غيره من المعاملات على حين أن يسيرًا من التدبر في الأوضاع المالية للعهد الأول والثاني والثالث من عهود الدولة الإسلامية حري بأن ينتهي إلى حقيقة حاسمة في هذا المجال هي أن القوة الاقتصادية ووفرة الموارد المالية للدولة، كانا عاملين أساسين في تحقيق وفرة الذهب والفضة بين أيدي الناس على اختلاف طبقاتهم، وفرة تغنيهم عن اعتبار الفلوس إلا أداة صغيرة لا تبلغ أن تكون لها قيمة مالية فعالة.
بيد أن انعدام التدبر جعل بعض الفقهاء والمتفقهة يسقطون الزكاة عن الفلوس حتى وإن بلغت قيمتها نصاب الزكاة في النقدين الذهب والفضة، ويضطربون في اعتبار الصرف بها وفيها خاضعًا وغير خاضع لأحكام المثلية والتنجز وما إليها من الأحكام الحاجزة له عن المعاملات الربوية.
وقد ارتأينا أن نقف هذه الوقفة القصيرة في نهاية هذا الفصل؛ لأنها في تقديرنا تمهيد ضروري لما سيأتي عند بحثنا لأحكام تغيير العملة.
ولعل مما يزيد إيضاحًا لطبيعة تصورهم للنقد واضطرابهم في الأحكام التي يصدرونها نتيجة لهذا التصور ما سنسوقه في الفصل التالي من نماذج لأحكامهم في تزييف العملة، ففي هذه الأحكام صور أخرى لعدم التمييز بين الماهية النقدية وعينية النقود أو مادتها.
стр. 6600
(١٢)
سك النقد ملك للمجتمع الإسلامي
وحق السلطان في عقوبة التزييف
قال البلاذري (فتوح البلدان: ص ٦٥٧، ٦٥٩) :
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، أن عبد الملك بن مروان أول من ضرب الذهب والورق بعد عام المجاعة، قال: قلت لأبي: أرأيت أن ابن مسعود كان يأمر بكسر الزيوف، قال: تلك الزيوف أنضربها الأعاجم فغشوا فيها.
ثم قال: حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن قدامة بن موسى أن عمر وعثمان، كانا إذا وجدا الزيوف في بيت المال جعلاها فضة.
حدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، أن عمر بن عبد العزيز أوتي برجل يضرب على غير سكة السلطان فعاقبه وسجنه، وأخذ حديده فطرحه بالنار.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، أن عبد الملك بن مروان، أخذ رجلًا يضرب على غير سكة المسلمين، فأراد قطع يده، ثم ترك ذلك فعاقبه، قال المطلب: فرأيت من بالمدينة من شيوخنا، حسنوا ذلك من فعله وحملوه، قال الواقدي: وأصحابنا يرون فيمن نقش على خاتم الخلافة في الأدب والشهرة، ولا يرون عليه قطعًا وذلك رأي أبي حنيفة، والثوري، وقال مالك وابن أبي ذئب وأصحابهما: نكره قطع الدراهم إذا كانت على الوفاء وننهى عنه لأنه من الفساد، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بقطعها إذا لم يضر ذلك للإسلام وأهله.
стр. 6601
حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين، أن مروان بن الحكم أخذ رجلًا يقطع الدراهم، فقطع يده فبلغ ذلك زيد بن ثابت، فقال: لقد عاقبه، قال إسماعيل: يعني دراهم فارس.
قال محمد بن سعد: وقال الواقدي: عاقب أبان بن عثمان، وهو على المدينة من يقطع الدراهم ضربه ثلاثين، وطاف به، وهذا عندنا فيمن قطعها ودس فيها المفرغة والزيوف.
وحدثني محمد عن الواقدي، عن صالح بن جعفر، عن ابن كعب في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [آية ٨٧ من سورة هود] . قال: قطع الدراهم.
حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: ذكر لابن المسيب رجل يقطع الدراهم، فقال سعيد: هذا من الفساد في الأرض.
حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: كان الناس وهم أهل كفر قد عرفوا موضع هذا الدرهم من الناس فجردوه، وأخلصوه، فلما صار إليكم غششتموه وأفسدتموه، ولقد كان عمر بن الخطاب، قال: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل، فقيل له: إذن لا بعير فأمسك.
وقال الماوردي (الأحكام السلطانية: ص ١٥٥، ١٥٦) :
وإذا خلص العين والورق من غش، كان هو المعتبر في النقود المستحقة والمطبوع منها بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعه المأمون من تبديله وتلبيسه هو المستحق دون نقار الفضة وسبائك الذهب؛ لأنه لا يوثق بهما إلا بالسك والتصفية والمطبوع موثوق به، ولذلك كان هو الثابت في الذمم فيما يطلق من أثمان المبيعات وقيم المتلفات، ولو كانت المطبوعة مختلفة القيمة مع اتفاقها في الجودة، فطلب عامل الخارج بأغلاها قيمة نظر فإن كانت من ضرب سلطان الوقت أجيب إليه لأن في العدول عن ضربه مباينة له في الطاعة، وإن كان من ضرب غيره نظر فإن كان هو المأخوذ في خراج من تقدمه أجيب إليه استصحابًا لما تقدم، وإن لم يكن مأخوذًا فيما تقدم كانت المطالبة به غبنًا وحيفًا.
وأما مكسور الدراهم والدنانير، فلا يلزم أخذه للالتباس وجواز اختلاطه، ولذلك نقصت قيمتها عن المضروب الصحيح، واختلف الفقهاء في كراهية كسرها فذهب مالك وأكثر فقهاء المدينة إلى أنه مكروه؛ لأنه من جملة الفساد في الأرض وينكر على فاعله.
стр. 6602
وروي عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجارية بينهم (١) .
والسكة هي الحديدة التي يطبع عليها الدراهم ولذلك سميت الدراهم المضروبة سكة، وقد كان ينكر ذلك ولاة بني أمية حتى أسرفوا فيه، فحكي أن مروان بن الحكم أخذ رجلًا طبع درهمًا من دراهم الفرس فقطع يده، وهذا عدوان محض، وليس له في التأويل مساغ.
وحكى الواقدي أن أبان بن عثمان كان على المدينة، فعاقب من قطع الدراهم وضربه ثلاثين سوطًا وطاف به، قال الواقدي: وهذا عندنا فيمن قطعها ودس فيها المفرغة والزيوف.
فإن كان الأمر على ما قاله الواقدي، فما فعله أبان بن عثمان ليس بعدوان؛ لأنه ما خرج به عن حد التعزير، والتعزير على التدليس مستحق، وأما فعل مروان فظلم وعدوان، وذهب أبو حنيفة وفقهاء العراق إلى أن كسرها غير مكروه، وقد حكى صالح بن حفص - وفي نسخة صالح بن جعفر (٢) - عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [آية ٨٧ من سورة هود] . قال: كسر الدراهم.
стр. 6603
ومذهب الشافعي ﵀ قال: إن كسرها لحاجة لم يكره له، وإن كسرها لغير حاجة كره له؛ لأن إدخال النقص على المال من غير حاجة سفه، وقال أحمد بن حنبل: إذا كان عليه اسم الله كره كسرها وإن لم يكن عليها اسمه لم يكره.
وأما الخبر المروي عن كسر السكة فكان محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة يحمله على النهي عن كسرها، لتعاد تبرًا فتكون على حالها مرصدة للنفقة، وحمله آخرون على النهي عن أخذ أطرافها قرضًا بالمقاريض؛ لأنهم كانوا في صدر الإسلام يتعاملون بها عددًا، فصار أخذ أطرافها بخسًا وتطفيفًا.
وقال الفراء (الأحكام السلطانية: ص ١٧٩، ١٨٤) :
وأما النقد فمن خالص الفضة، وليس لمغشوشه مدخل في حكمه، وقد كان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورق غير خالصة، إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفوًا لعدم تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوشة من الخالص.
وقد قال أحمد، في رواية حنبل: ولو أن رجلًا له على رجل ألف درهم أعطاه من هذه الدراهم، كان قد قضاه؛ لأنها ليست على ما يعرف الناس من صحة السكة بينهم ونقاء الفضة، ثم هل رأيت لو اختلفا؟ فقال: هذا لم يقضني وقال هذا: قد قضيتك فرجع إلى اليمين، أكان يحلف أنه قد أوفاه؛ لأنها ليست بوافية إلا بالفضة التي يتعامل بها المسلمون بينهم، فينظر فإن كان غشها يخفى لم يجز إنفاقها رواية واحدة وإن كان عينًا ظاهرًا فعلى روايتين: إحداهما المنع أيضًا، قال في رواية محمد بن إبراهيم - وقد سأله عن المزيفة فقال - لا يحل وقيل له: إنه يراها ويدري أي شيء هي. قال: الغش حرام، وإن بين وكذلك قال في رواية أبي الحارث ويوسف بن موسى، وقد سأله عن إنفاق المزيفة فقال: لا، وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد: لا تنفق المكحلة حتى يستلمها،
ولا المزيفة والزيوف حتى يسبكها.
стр. 6604
والرواية الثانية الجواز، قال في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث - في الرجل يبيع الدراهم فيها رديئة بدينار؟ قال - ما ينبغي له لأنه يغر بها المسلمين، فقال له الأثرم: ولا تقول: إنها حرام وإنما أكرهها لأنه يغر بها مسلمًا.
وقال أيضًا في رواية صالح في دراهم بحاري يقال لها " المسيبية" عامتها نحاس إلا شيئًا يسيرًا منها فضة، فقال: وإن كان شيئًا قد اصطلحوا عليه فيما بينهم مثل الفلوس التي قد اصطلح الناس عليها أرجو أن لا يكون به بأس.
فوجه المنع ما رواه أحمد بن حنبل، أن ابن مسعود باع نفاية بيت المال، فنهاه عمر فسبكها (١) ، ووجه الإباحة ما رواه أبو بكر بإسناده عن عمر، قال: ومن زافت عليه دراهم فليدخل السوق فليشتر سحق ثوب (٢) .
وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث في رواية حنبل فقال: يقول عمر: من زافت عليه دراهم - يعني نفيت - ولم يكن عمر يأمر بإنفاق الرديئة، وهذا لم يكن في عهد عمر وإنما حدث بعده.
стр. 6605
قلت: يغفر الله للإمام أحمد، فقد كانت في عهد عمر دراهم زيوف، مما صار إليهم من غنائم الفرس ودنانير زيوف مما صار إليهم من غنائم الروم، ولم يكن قد شاع التعامل بالسكة الإسلامية التي شرع عمر في ضربها، لكان طبيعيًّا أن تجيء في أنصبة الغنائم أو فيما يتداوله الغانمون أو في أرزاق بيت المال دراهم ودنانير زيوف، ولست أدري كيف غفل أحمد عن هذا إن صحت عنه الرواية المذكورة آنفًا.
ثم ساق الفراء ما نقلناه من قبل عن الماوردي من آثار فيما يتصل بالدراهم المكسورة، وكسرها والعقوبة على كسرها وتزييفها.
ثم قال: وروى ابن منصور أنه قال لأحمد: أن ابن الزبير قدم مكة فوجد بها رجلًا يقرض الدراهم فقطع يده، وكانت الدراهم تؤخذ برؤوسها بغير وزن فعده سارقًا، قال - يعني أحمد -: هذا إفراط في التعزير.
قلت: هذا تعليل صحيح - ورحم الله - أحمد فلسنا نراه إفراطًا في التعزيز كما رآه هو، وإنما هو العقاب الواجب على جناية التزييف، إما بقطع الدرهم إذا كان يتداول عدًّا، وإما بغشه إذا كان يتداول عينًا، ورحم الله الحسن فقد كان أبصر بشؤون المال وأقرب إلى تصور الحقيقة النقدية ووظيفتها فيما نلقناه عنه آنفًا عن طريق يونس بن عبيد من قوله: (غششتموه وأفسدتموه) ... إلخ. ذلك بأن التزييف القطع أو بالغش يتضمن معنى السرقة، وإن لم تتمثل فيه مواصفاتها وقد يبلغ التعزير القتل وما هو أشد من القتل كما فعل أبو بكر ﵁ بمن سيقا إليه متلبسين بجريمة " الشذوذ الجنسي "، فالتعزيز عقوبة يرجع إلى الإمام تقديرها ويعتمد الإمام في تقديرها ليس على طبيعة الجريمة وحلها، ولكن أيضًا على مدى تأثيرها في حياة المجتمع الإسلامي أو في المصالح العامة للمسلمين وأي فساد بشؤون المسلمين وذممهم أشنع من تزييف النقد وتزويره وأبعد أثرًا.
стр. 6606
وقال ابن رشد (البيان والتحصيل: ٩/٣٩٦، من سماعه محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم) :
سألت محمد بن القاسم عن الوالي يلي بعد وال آخر كان قبله، فيزيد في المكاييل، فقال: فإن كان في ذلك للمسلمين نظر بموافقة حق لا يكره الناس على البيع به، فلا أرى به بأسًا.
قال ابن رشد معقبًا: هذا " بين " - لعل صوابه: يبنى - على ما قاله، أنه إذا كان في ذلك نظر للمسلمين بموافقة حق كان له أن يفعله.
وأما قوله: لا يكره الناس على البيع به، ففيه نظر لأن له أن يحمل الناس على التبايع به إذا رأى ذلك نظرًا للمسلمين، فمعنى قوله: لا يكره الناس على البيع به، أي لا يحجره جملة حتى لا يجوز لأحد بيعًا به.
وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى: ٢٩/٤٦٩، ٤٧٠) :
ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوسًا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم من غير ظلم لهم، ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلًا بأن يشتري نحاسًا، فيضربه فيتجر فيه ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها، بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامة، ويعطي أجرة الصناع من بيت المال، فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل، فإنه إذا حرم المعاملة بها حتى صارت عرضًا وضرب له فلوسًا أخرى أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها فيظلمهم فيها، وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها.
وأيضًا فإذا اختلفت مقادير الفلوس، صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارًا فيصرفونها وينقلونها إلى بلد آخر ويخرجون صغارها، فتفسد أموال الناس.
وفي السنن ((عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس)) (١) ، فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس، ولم يشتر ولي الأمر النحاس والفلوس الكاسدة لضربها فلوسًا، ويتجر بذلك حصل بها المقصود من الثمنية.
стр. 6607
وقال الونشريسي (المعيار المعرب: ٦ /٤٠٧، ٢٠٨) :
ولا يغفل - أي السلطان - النظر إن ظهر في سوقهم - يعني المسلمين - دراهم مبهرجة أو مخلوطة بالنحاس بأن يشتد فيها ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر به أناله من شدة العقوبة وأمر أن يطاف به الأسواق لينكله، ويشرد به من خلفه لعلهم يتقون عظيم ما نزل به من العقوبة ويحبسه بعد على قدر ما يرى ويأمر أوثق من يجد بتعاهد ذلك من السوق حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم، ويحرزوا نقودهم فإن هذا أفضل ما يحوط رعيته فيه ويعمهم نفعه في دينهم ودنياهم، ويرتجي لهم الزلفى عند ربهم والقربة إليه إن شاء الله.
على أن أجلى مظهر لتصورهم للشؤون الاقتصادية عامة والنقدية خاصة، وعدم وضوح معالمها عندهم وضوحًا شاملًا دقيقًا، يمكن الاقتصار على اعتماده في هذا العصر إذ وضحت المعالم الاقتصادية عامة والنقدية خاصة، بحيث لا يمكن الاشتباه فيها أو التباسها بغيرها أو الالتباس بينها اختلافهم في تعليل تعيين الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة، والأصناف الخمسة المذكورة في حديث عمرو، هي نفس الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد وغيره على اختلاف طرق هذه الأحاديث، وما شاكلها مما سبق أن سقنا طائفة صالحة منه في فصل " أحاديث في الصرف ".
وقد رأينا أن نفيض فصلًا خاصًّا من هذا البحث نسوق فيه نصوصًا مختلفة من حيث صياغتها لآرائهم ومفاهمهم واحتاجها لها دفاعها عنها وتفريعها أحكامًا منها.
وقصدنا في انتقائها، أن تمثل طوائفهم المتمايزة من مفسرين ومعنيين بالحديث، وفقهاء من مذاهب السنة المختلفة ومن عصور وبيئات مختلفة، وارتأينا أن نثبت هذه النصوص كاملة دون أن نقتصر على ما يتصل منها بالذهب والورق؛ لأن نظراتهم في تعليل الربا والتفريع عنه كانت أميل إلى التكامل وأعلق به مما يلمع إلى أن نمطًا من التصور الاقتصادي بالمعنى الحديث كان لهم في طور المخاض أو التكوين، ولو اقتصرنا في انتقائنا على مقولاتهم في الذهب والورق لجاءت تصوراتهم - وهي المبهمة في وضعها - ناقصة مبتورة يصعب استكناه مصادرها ومواردها ومضاعفاتها عند محاولة الاستئناس باجتهاداتهم فيما نحن بصدده من بحث لا يمكن فصله موضوعيًّا عن مجموع التصور الدقيق للاقتصاد العام.
стр. 6608
(١٣)
علة تحريم الربا وحكمته
عند المفسرين:
قال الرازي ﵀ في (تفسير مفاتيح الغيب: ج ٧، المجلد الرابع: ص ٦٣، ٦)
وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد - أي الحاضر - غير مقصورة على هذه الأشياء الستة - أي التي وردت في حديث أبي سعيد وغيره- بل هي ثابتة في غيرها، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص، فبهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب.
فالقول الأول وهو مذهب الشافعي ﵁ أن العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس، وفي الذهب والفضة النقدية.
والقول الثاني قول أبي حنيفة ﵁ أنه كل ما كان مقدرًا ففيه الربا فالعلة في الدراهم والدنانير الوزن وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس.
والقول الثالث قول مالك ﵁ أن العلة هو القوت أو ما يصلح به القوت وهو الملح.
القول الرابع وهو قول عبد المالك بن الماجشون (١) : إن كل ما ينتفع به ففيه الربا، فهذا ضبط مذهب الناس في حكم الربا.
стр. 6609
ثم قال: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهًا، أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الناس من غير عوض؛ لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدًا أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض ومال الإنسان متعلق حاجته، وله حرمة عظيمة. قال ﷺ : ((حرمة مال الإنسان كحرمة دمه)) (١) ، فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عضو حرامًا.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون البقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضًا عن الدرهم الزائد؛ وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن للمالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحًا، فلما تركه في يد المدينون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع لرب المال ذلك الدرهم الزائد عوضًا عن انتفاعه بماله.
قلنا: إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدراهم الزائد أم متيقن، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع الضرر.
وثانيها قال بعضهم: الله تعالى إنما حرم الربا من أجل أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدًا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارات والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق. ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تستقيم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.
وثالثها قيل: إن السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض؛ لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بالدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
стр. 6610
ورابعها هو أن الغالب أن المقرض يكون غنيًّا والمستقرض يكون فقيرًا، فالقول بتجويز عقد الربا تمكن للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالًا زائدًا، وذلك غير جائز برحمة الرحيم.
وخامسًا: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق فوجب القطع بحرمة عقد الربا وإن كنا لا نعلم الوجه فيه.
قال القرطبي ﵀ في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن: ٣/٣٥٢، ٣٥٣ (في شرحه لآية الربا من سورة البقرة واستنباطه الأحكام منها:
اعلم - رحمك الله - أن مسائل هذا الباب - يعني باب الربا - كثيرة وفروعه منتشرة، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في علة الربا، فقال أبو حنيفة: علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده جنس واحد، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلًا أو نسيئًا لا يجوز فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلًا؛ لأنه يدخله الكيل، وأجاز الخبز قرصًا بقرصين لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصل فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه.
وقال الشافعي: العلة كونه مطعومًا جنسًا (هذا قوله في الجديد) فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز متفاضلا ولا نسيئًا، وسواء أكان الخبز خميرا أو فطيرا ولا يجوز عنده بيضة لبيضتين، ولا رمانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين لا يدًا بيد ولا نسيئة؛ لأن ذلك كله طعام مأكول، وقال في القديم كونه موزونًا.
واختلف عبارات أصحابنا المالكية في ذلك، وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتًا مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا، كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليه، وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحمص وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون. واختلف في التين ويلحق بها العسل والسكر، فهذا كله يدخله الربا من جهة النساء وجائز فيه التفاضل لقوله ﵇: (إذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) ، ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغيرهم من الخضروات.
قال مالك: " لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلًا؛ لأنه مما يدخر ويجوز عنده مثلًا بمثل، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جائز بيضة ببيضتين وأكثر؛ لأنه مما يدخر وهو قول الأوزاعي.
стр. 6611
وقال محمد الطاهر بن عاشور (في التحريم والتنوير: ٣/٨٤، ٨٥) : بعد أن ساق أقوال طائفة من المفسرين في الحكمة في تحريم الربا والتفرقة بينه وبين البيع، ومنها ما سبق نقله هنا:
والوجه عندي في التفرقة بين البيع والربا أن مرجعهما إلى التعليل بالمظنة مراعاة للفرق بين مالي المقترض والمشتري، فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض للإنفاق على نفسه وأهله؛ لأنهم كانوا يعدون التداين همًّا وكربًا وقد استعاذ منه النبي ﷺ ، وحال التاجر حال المتفضل، وكذلك اختلاف حال المسلف والبائع فحال باذل ماله للمحتاجين ينتفع بما يدفعونه من الربا فيزيدهم ضيقًا؛ لأن المتسلف مظنة الحاجة ألا تراه ليس بيده مال، ومال بائع السلعة تجارة حال من تجشم مشقة لجلب ما يحتاجه المتفضلون وإعداده لهم عند إعداد حاجتهم إليه مع بذلهم له ما بيدهم من المال، فالتجارة مبادلة بين غنيين ألا ترى أن كلاهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذ ما يحتاج إليه فالمتسلف مظنة الفقر والمشتري مظنة الغناء، فلذلك حرم الربا؛ لأنه استغلال لحاجة الفقير، وأحل البيع؛ لأنه إعانة لطالب الحاجات فتبين أن الإقراض من نوع المواساة والمعروف، أنها التعين على المواسي وجوبًا أو ندبًا وأيًّا ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجرًا على عمل معروف، فأما الذي يستقرض مالًا يتجر به أو ليوسع تجارة فليس مظنة الحاجة فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال، فإذا أقرضه فقد تطوع بمعروف وكفى بهذا تفرقة بين الحالين.
ثم قال (ص ٨٦، ٨٧) :
ثم اختلف علماء الإسلام - في أن لفظ - الربا في الآية باق على معناه الباقي في اللغة أو هو منقول إلى معنى جديد في اصطلاح الشرع فذهب ابن عباس وابن عمر ومعاوية إلى أنه باق على معناه المعروف وهو ربا الجاهلية أعني الزيادة لأجل التأخير وتمسك ابن عباس بحديث أسامة: ((إنما الربا في النسيئة)) (١)
قلت: رحم الله أستاذنا شيخ الإسلام والمسلمين في القرن العشرين بلا منازع فما أحسبه إلا واهمًا في ذكر ابن عمر مع ابن عباس ومعاوية كما لو كان ذاهبًا مذهبهما في ربا النسيئة أو مذهب معاوية في ربا الفضل كما بينته قصته مع كل من أبي الدرداء وعبادة، في حين أن ما سبق أن سقناه من أحاديث رواها ابن عمر عن أبيه وعن أبي سعيد الخدري ﵃ وعن النبي ﷺ مباشرة ومن فتاوى تنوقلت عنه يبين أنه لم يكن على مذهبهما ولا كان قريبًا منه ولسنا ندري من أين تطرق الوهم إلى شيخ الإسلام والمسلمين ولكنه بشر يصيب ويخطئ أجزل الله له الأجر على ما أصاب فيه وهو كثير وعلى ما أخطأ فيه أيضًا وقد اجتهد ولم يأل جهدًا.
стр. 6612
ثم قال: وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى أن الربا منقول في عرف الشرع إلى معنى جديد كما دلت عليه أحاديث كثيرة وإلى هذا نحا عمر بن الخطاب وعائشة وأبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت بل رأى عمر أن لفظ الربا نقل إلى معنى جديد ولم يبين جميع المراد منه فكأنه عنده مما يشبه المجمل فقد حكى عنه ابن رشد في المقدمات أنه كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي النبي ﷺ ولم يفسرها وإنكم لتزعمون أننا نعلم أبواب الربا ولأن أكون أعلمها أحب إلى من أن يكون لي مثل مصر وكورها (١)
قال ابن رشد: ولم يرد عمر بذلك أن رسول الله ﷺ لم يفسر آية الربا، وإنما أراد - والله أعلم - أنه لم يعم وجوه الربا بالنص عليها، وقال ابن العربي: بين رسول الله ﷺ معنى الربا في ستة وخمسين حديثًا والوجه عندي أنه ليس مراد عمر أن لفظ الربا مجمل؛ لأنه قابله بالبيان وبالتفسير بل أراد أن تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يعمه النبي ﷺ بالتنصيص لأن المتقدمين لا يتوخون في عباراتهم ما يساوي المعاني الاصطلاحية فهؤلاء الحنفية سموا المخصصات بيان تغيير وذكر ابن العربي في العواصم أن أهل الحديث يتوسعون في معنى البيان وفي تفسير الفخر عند الشافعي أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الآية ٢٧٥ من سورة البقرة] ، ومن المجملات التي لا يجوز التمسك بها أي بعموميها: عموم البيع وعموم الربا؛ لأنه إن كان للمراد جنس البيع وجنس الزيادة لزم أي بيع وأي زيادة، وإن كان المراد أي بيع وأي زيادة فما من بيع إلا وفيه زيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع وآخرها حرم الجميع فوجب الرجوع إلى بيان الرسول ﵇، والذي حمل الجمهور على اعتبار لفظ الربا مستعملًا في معنى جديد أحاديث وردت عن النبي ﷺ من قول أو فعل دلت على تفسير الربا بما هو أعم من ربا الجاهلية المعروف عندهم قبل الإسلام.
ثم قال (نفس المرجع: ٤/٨٦، ٨٧) :
وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجًا عارضًا مؤقتًا بالقرض فهو مرتبة دون الصدقة وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصدقة والسلف فإن انتدب لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها وكذلك المعروف كله، وذلك أن العادة الماضية في الأمم وخاصة العرب أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته، فلذلك كان حق الأمة مواساته، والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القادرين عليها فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتصارفين. الفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته النواحي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية لا باختلاف أحوال التعاقدين فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف ولو كان المستسلف غير محتاج بل كان سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية.
стр. 6613
ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال وإلجاءهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا فيكون تحريم الربا ولو كان قليلًا مع تجويز الربح في التجارة والشركات ولو كان كثيرًا تحقيقًا لهذه المقاصد.
وقد قضى المسلمون قرونًا طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالربا ولم تكن ثروتهم أيامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم أزمان كانت سيادة العالم بيدهم أو أزمان كانوا مستقلين بإدارة شؤونهم، فلما صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية وارتبط المسلمون بغيرهم في التجارة والمعاملات وانتظمت سوق الثروة العالمية على قواعد القوانين التي لا تتحاشى المراباة في المعاملات ولا تعرف أساليب مواساة المسلمين دهش المسلمون وهم اليوم يتساءلون، وتحريم الربا في الآية صريح وليس لما حرمه الله مبيح ولا مناص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تبنى على أصول الشريعة في المصارف والبيوع وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمال وحوالات الديون ومقاصتها وبيعها وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كل فرقة كما أمر الله تعالى.
ثم قال (نفس المرجع: ٦/٢٨) في تفسير قوله تعالى في سورة النساء تنديدًا بمخالفة اليهود لما أمروا به: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [الآية ١٦٢] .
وأخذهم الربا الذي نهوا عنه هو أن يأخذوه من قومهم خاصة ويسوغ لهم أخذه من غير الإسرائيليين كما في الإصحاح (٢٣) من سفر التثنية: (لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا) .
والربا محرم عليهم بنص التوراة بنص التوراة في سفر الخروج في الإصحاح (٢٢) : (إن أقرضت فضة لشعبي الفقير عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا) .
стр. 6614
وعند المعنيين بالحديث والفقهاء:
قال النووي في (المجموع: ١٠/٢٠، ٢١) :
(قاعدة) الأصل عندنا وعند المالكية في بيع الربويات بجنسها أو ما يشاركها في علة الربا التحريم إلا ما قام الدليل على إباحته وهذا الأصل مستفاد من قوله ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواء بسواء)) ، لفظ مسلم ﵀ في حديث أبي سعيد (١) وفي حديث عبادة: ((سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى)) لفظ مسلم أيضًا. ومن قوله ﷺ حديث الذي رواه عمر ﵁: ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء)) . الحديث متفق على صحته: لفظ البخاري (الذهب بالورق) ، ولفظ مسلم (الورق بالذهب) (٢) . ومن قوله ﷺ : ((فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) لفظ مسلم في حديث عبادة.
وجه الاستدلال أنه ﷺ في الحديث الأول صدره بالنهي ثم استثنى منه، وفي حديث عمر ﵁ صدر بالحكم على ذلك في الربا ثم استثنى. وفي الحديث الآخر وهو بقية حديث عبادة علقه على شرط والمشروط عام عند الشرط والأصل عدمه وهذه قاعدة شريفة نافعة في باب الربا كمسألة بيع الحفنة بالحفنتين والجهل بالمماثلة وغير ذلك كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى.
وفي مطاف الاشتباه وتعارض المأخذ إذا تساوت يجب الحكم بالتحريم عملًا بالأصل وقد صرح الشافعي - رحمه الله تعالى - في "الأم: بأن الأصل ذلك ويخالفنا في ذلك الحنفية؛ لأن الأصل عندهم في ذلك الجواز لاندراجه في جملة البيع ويجعلون عقود الربا وسائر ما نهى عنه مخرجًا من ذلك الأصل ويئول تحقيق بحثهم إلى أن عقد الربا اشتمل على وصف مفسد فهو كسائر البيوع التي اقترن بها ما يفسدها وممن صرح بهذين الأصلين عند المذهبين من أصحابنا الخلافيين الشريفي الراغي وأبو المظفر السمعاني ومحمد بن يحيى وغيرهم قالوا: واللفظي المراعي الأصل عندنا في الأموال الربوية التحريم والجواز ثبت على خلافه رخصة مقيدة بشروط، وعندهم الأصل الجواز والتحريم ثبت على خلافه عند المفاضلة. ونقل ابن العربي المالكي عن أبي المطهر خطيب أصفهان قال لنا المنذري: الأصل في الأموال الربوية حظر البيع حتى يتجمع تحقيق التماثل وعند أبي حنيفة ﵀ الأصل إباحة البيع حتى يمنعه حقيقة التفاضل وما قلناه أصح وممن صرح بهذا الأصل من المالكية الطرطوشي رأيته في كلامه وقد رأيت ما هو منسوب إلى الحنفية في كتبهم وتحقيقه عندهم ما قدمته.
стр. 6615
وقال ابن عبد البر (التمهيد: ٦/٢٩٢، ٢٩٥) عند تعقيبه على رواية مالك في الموطأ لحديث مالك بن أوس بن الحديثان مع طلحة بن عبيد الله وعمر. (انظر فصل " أحاديث في الصرف ") :
واختلف الفقهاء في اعتبار المذكورات في هذا الحديث - يعني الأصناف الخمسة - وفي المعنى المقصود إليه بذكرها، فقال العراقيون: الذهب والورق المذكوران في هذا الحديث موزونان وهما أصل لكل موزون وكل موزون من جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل ولا النساء بوجه من الوجوه قياسًا لما اجتمعت الأمة عليه من أن الذهب والورق لا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منهما ولا النساء بعضه ببعض فإذا كان الموزون جنسين مختلفين فجائز التفاضل بينهما، ولا يجوز النساء بوجه من الوجوه قياسًا على الذهب بالورق المجتمع على إجازة التفاضل فيهما وتحريم النساء؛ لأنها جنسان مختلفان، قالوا: والعملة في البر والشعير والتمر الكيل فكل مكيل من جنس واحد فغير فيه التفاضل ولا النساء قياسًا على ما أجمعت الأمة عليه في أن البر بالبر بعضه ببعض والشعير والتمر لا يجوز في واحد منها بعضه ببعض التفاضل ولا النساء بحال، فإذا اختلف الجنسان جاز فيهما التفاضل ولم يجز النساء على حال وسواء كان المكيل أو الموزون مأكولًا أو غير مأكول كما لا يجوز ذلك في الذهب والورق.
وقال الشافعي: أما الذهب والورق فلا يقاس عليهما غيرهما؛ لأن العلة التي فيهما ليست موجودة في شيء من الموزونات غيرهما فكيف ترد قياسًا عليهما، وذلك أن العلة في الذهب والورق أنهما أثمان للمبيعات وقيم للمتلفات وليس كذلك شيء من الموزونات؛ لأنه جائز أن تسلم ما شئت من الذهب والورق فيما عداها من سائر الموزونات ولا يسلم بعضها في بعض فبطل قياسها عليهما وردها إليهما.
قال: وأما البر والتمر والشعير فالعلة عندي فيهما الأكل لا الكيل فكل مأكول أخضر كان أو يابسًا مما يدخر كان أو مما لا يدخر فغير جائز بيع الجنس منه بعضه ببعض متفاضلًا ولا نساء وحرام فيه التفاضل ولا النساء قياسًا على البر بعضه ببعض وعلى التمر بعضه ببعض لا يجوز ذلك في واحد منهما بالإجماع والسنة الثابتة.
قال: وأما إذا اختلف الجنسان من المأكول فجائز حينئذ فيهما التفاضل وحرم فيهما النساء وحجته في ذلك نهي رسول الله عليه وسلم عن الطعام بالطعام إلا يدًا بيد.
وما أصحابنا من عصر إسماعيل بن إسحاق إلى هلم جرّا ومن قبلهم من أصحاب مالك وأصحاب أصحابه، فالذي حصل عندي من تعليلهم لهذه المذكورات بعد اختلافهم في شيء من العبارات عن ذلك أن الذهب والورق القول فيهما عندهم كالقول عند الشافعي لا يرد إليهما شيء من الموزونات لأنهما قيم المتلفات وأثمان المبيعات ولا شيء غيرهما كذلك فارتفع القياس عنهما لارتفاع العلة إذ القياس لا يكون - عند جماعة القياسيين - إلا على العلل لا على الأسماء وعللوا البر والتمر والشعير بأنها مأكولات مدخرات أقوات، فكل ما كان قوتًا مدهرًا حرم التفاضل والنساء في الجنس الواحد منه وحرم النساء في الجنسين المختلفين دون التفاضل وما لم يكن مدخرًا قوتًا من المأكولات لم يحرم فيه التفاضل وحرم فيه النساء سواء كان جنسًا أو جنسين.
стр. 6616
قال أبو عمر وهذا مجتمع عليه عند العلماء أن الطعام بالطعام لا يجوز إلا يدًا بيد مدخرًا كان أو غير مدخر إلا إسماعيل ابن علية (١) فإنه شذ وأجاز التفاضل في النساء في النساء في الجنسين إذا اختلفا من المكيل أو من الموزون قياسًا على إجماعهم في إجازة بيع الذهب أو الفضة بالرصاص والنحاس والحديد والزعفران والمسك وسائر الموزونات، وأجاز على هذا القياس نصًّا في "كتبه" - كذا في النسخة المطبوعة ونحسب فيه خطأ أو كلمة ساقطة ولم نهتد إلى تقويمه - بيع البر بالشعير والشعير بالتمر والتمر بالأرز وسائر ما اختلف اسمه ونوعه بما يخالفه من الكيل والموزون متفاضلًا نقدًا ونسيئة سواء كان مأكولًا أو غير مأكول ولم يجعل الوزن والكيل علة ولا الأكل والاقتيات وقاس ما احتلفوا على ما اجتمعوا عليه مما ذكرنا.
وذكر عن ابن جريج، عن إسماعيل ابن علية وأيوب بن موسى - عن نافع، عن ابن عمر أنه باع صاعي تمر بالغابة بصاع حنطة بالمدينة.
стр. 6617
وإسماعيل ابن علية هذا له شذوذ كثير ومذاهب عند أهل السنة مهجورة وليس قوله عندهم مما يعد خلافًا ولا يعرج عليه لثبوت السنة بخلافه من حديث عبادة وغيره على ما قدمنا في هذا الباب ذكره من قوله ﷺ ((فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد وبيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدًا بيد وبيعوا التمر كيف شئتم يدًا بيد)) (١)
ثم أورد طريقًا لحديث عبادة هذا ثم قال: فهذه الأحاديث كلها ترد قول ابن علية في إجازته بيع الطعام بعضه ببعض نسيئة.
وكان مالك ﵀ يجعل البر والشعير والسلت صنفًا واحدًا فلا يجوز شيء من هذه الثلاثة بعضها ببعض عنده إلا مثلًا بمثل يدًا بيد كالجنس الواحد وحجته في ذلك حديث زيد بن عياش، عن سعد في البيضاء بالسلت أيها أكثر؟ فنهاه وحديثه عن سعد أنه فني علف حماره فأمر غلامه أن يأخذ من حنطة أهله فيبتاع بها شعيرًا ولا يأخذه إلا مثلًا بمثل ذكر ذلك كله في موطأه (٢)
وذكر عن معيقيب الدوسي (٣) عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث (٤) وسليمان بن يسار (٥) مثل ذلك. وخالفه جمهور فقهاء الأمصار فجعل البر صنفًا والشعير صنفًا وأجازوا فيهما التفاضل يدًا بيد للأحاديث المذكورة في هذا الباب عن عبادة، وممن قال بذلك أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور.
стр. 6618
وكان داود بن على لا يجعل للمسميات علة ولا يتعد المذكورات إلى غيرها، فقوله: إن الربا والتحريم غير جائز في شيء من المبيعات لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الآية ٢٧٥ من سورة البقرة] إلا في الستة أشياء المنصوصات وهي الذهب والورق والبر والشعير والتمر المذكورات في حديث عمر هذا والملح المذكور معها في حديث عبادة بن الصامت وهي زيادة يجب قبولها قال: فهذه الستة أشياء لا يجوز بيع الواحد منها بعضه ببعض متفاضلًا ولا نساء للثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك وهو حديث عمر وحديث عبادة ولإجماع الأمة أيضًا على ذلك إلا من شذ ممن لا يعد خلافه ولا يجوز النساء في الجنسين المختلفين منها لحديث عمر في الذهب ولحديث عبادة؛ لأن الأمة لا خلاف بينها في ذلك ويجوز فيهما الفاضل وما عدا هذه الأصناف الستة فجائز فيها الزيادة عنده والنسيئة وكيف شاء المتبايعان في الجنس وفي الجنسين.
فهذا اختلاف العلماء في أصل الربا الجاري في المأكول والمشروب والمكيل والموزون مختصرًا وبالله التوفيق.
قال الباجي في (المنقى: ٤/٢٥٨) :
وعلة الربا في الذهب والفضة أنهما أصول الآثمان وقيم المتلفات، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: علتهما الوزن.
والدليل على إبطال مذهبه في أن الحديد والكحل فيه الربا أن ما لا يثبت الربا في مصوغه لا يثبت في غير مصوغه كالتراب، والدليل على إبطال علتهم أنه لو كانت علة الربا في الورق والذهب الوزن لما جاز أن يسلم في موزون؛ لأن كل عينين جمعتهما علة واحدة في الربا لم تسلم إحداهما في الأخرى: كالذهب والفضة. ولما أجمعنا على أنه يجوز تسليم الذهب والفضة في الموزون علمنا أنه لم يجمعها علة الربا.
стр. 6619
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى: ١٩/٢٨٣، ٢٨٤) في معرض الرد على من يقول: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، وبيان أنها تفي بجمهورها أو بها جميعًا:
ومن هذا الباب لفظ الربا فإنه يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأحيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك. وهذا الذي يسمى تحقيق المناط.
ثم قال (نفس المرجع: ٢٠/١٦٧، ١٦٩) :
النزاع وإن كان مشهورًا في ذلك - يعني في تعليل الحكم الواحد بعلتين - فأكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم " يجوز " - كذا في النسخة المطبوعة ولعل صوابه: يجوزون - تعليل الحكم بعلتين، وكثير من الفقهاء والمتكلمين "يمنع ذلك، فالنزاع في ذلك يعود إلى نزاع تنوعي ونزاع في العبارة وليس بنزاع تناقضي، ونظير ذلك النزاع في تخصيص العلة، فإن هذا فيه خلاف مشهور بين الطوائف كلها من أصحابنا وغيرهم حتى يذكر ذلك " روايتان " - لعل صوابه: روايتين - عن أحمد.
وأصل ذلك أن مسمى العلة قد يعنى به العلة الموجبة، وهي التامة التي يمتنع تخلف الحكم عنها فهذه لا يتصور تخصيصها ومتى انتقضت فسدت ويدخل فيها ما يسمى جزء العلة وشرط الحكم وعدم المانع، فسائر ما يتوقف الحكم عليه يدخل فيها.
وقد يعني بالعلة ما كان مقتضيًا للحكم يعني أن فيه معنى يقتضي الحكم ويطلبه، وإن لم يكن موجبًا فيمتنع تخلف الحكم عنه، فهذه قد يقف حكمها على ثبوت شروط وانتفاء موانع، فإذا تخصصت فكان تخلف الحكم عنها لفقدان شرط أو وجود مانع لم يقبح فيها. وعلى هذا فينجبر النقص بالفرق، وإن كان التخلف عنها لا لفوات شرط ولا وجود مانع كان ذلك دليلًا على أنها ليست بعلة إذ هي بهذا التقدير علة تامة إذا قدر أنها جميعها بشروطها وعدم موانعها موجودة حكمًا. والعلة التامة يمتنع تخلف الحكم عنها فتخلفه يدل على أنها ليست علة تامة.
والمقصود من التنظير أن سؤال النقض الوارد على العلة مبني على تخصيص العلة، وهو ثبوت الوصف بدون الحكم وسؤال عدم التأثير عكسه، وهو ثبوت الحكم بدون الوصف، وهو ينافي عكس العلة كما أن الأول ينافي طردها والعكس مبني على تعليل الحكم بعلتين.
وجمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، وإن كانوا لا يشترطون الانعكاس في العلل الشرعية، ويجوزون تعليل الحكم الواحد بعلتين، فهم مع ذلك يقولون: العلة تفسد بعدم التأثير؛ لأن ثبوت الحكم بدون هذا الوصف يبين أن هذا الوصف ليس علة، فإذا لم يخلف هذا الوصف وصفًا آخر يكون علة له فهم يوردون هذا السؤال في المواضع الذي ليست العلة فيه إلا علة واحدة: إما لقيام الدليل على ذلك وإما لتسليم المستدل لذلك.
ثم قال (ص ١٧٠) :
ولا يتنازع العقلاء أن العلتين إذا اجتمعتا لم يجز أن يقال: إن الحكم الواحد ثبت بكل منهما حال الاجتماع على سبيل الاستقلال، فإن استقلال العلة بالحكم هو ثبوته بها دون غيرها، فإذا قيل: ثبت بهذه دون غيرها وثبت بهذه دون غيرها كان ذلك جمعًا بين الناقضين، وكان التقدير بهذه ولم يثبت بها وثبت بها، فكان ذلك جمعًا بين إثبات التعليل بكل منها وبين نفي التعليل عن كل منهما. وهذا معنى ما يقال: إن التعليل بكل منهما على سبيل الاستقلال ينفي ثبوته بواحدة منهما وما أفضى إثباته إلى نفيه كان باطلًا.
стр. 6620
ثم قال: (ص ١٧١، ١٧٢) :
ومن يقول بتعليل الحكم الواحد بعلتين لا ينازع في أنه إذا اجتمع علتان كان الحكم أقوى وأوكد مما إذا انفردت إحداهما. ولهذا إذا جاء تعليل الحكم الواحد بعلتين في كلام الشارع أو الأيمة كان ذلك مذكورًا لبيان توكيد ثبوت الحكم وقوته.
ثم قال: (ص ٣٤١) في معرض بيانه للحكمة من تحريم بعض المحرمات:
وحرم الربا؛ لأنه متضمن للظلم، فإنه أخذ فضل بلا مقابل له وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلًا محققًا من محتاج. وأما المقامر فقد يحصل له فضل وقد لا يحصل له، وقد يقمر هذا هذا وقد يكون بالعكس.
ثم قال: (ص٣٤٦، ٣٤٧) :
وهذا يتبين بذكر الربا، فإن تحريم الربا أشد من تحريم القمار؛ لأنه ظلم محقق، والله لما جعل خلقه نوعين: غنيًّا وفقيرًا، أوجب على الأغنياء الزكاة حقًّا للفقراء، ومنع الأغنياء عن الربا الذي يضر الفقراء. وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [الآية ٢٧٦ من سورة البقرة] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الآية ٣٩ من سورة الروم] . فالظالمون يمنعون الزكاة ويأكلون الربا.
ثم قال:
ومعلوم أن أهل المدينة حرموا الربا ومنعوا التحليل على استحلاله، وسدوا الذريعة المفضية إليه، فأين هذا ممن يسوغ الاحتيال على أخذه بل يدل الناس على ذلك.
ثم قال (ص ٣٤٩) :
وأما آخذ الربا فإنما مقصوده أن يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل، فيلزم الآخر أكثر مما أخذ بلا فائدة حصلت له لم يبع ولم يتجر، والمربي آكل مال بالباطل بظلمه، ولن ينفع الناس لا بتجارة ولا غيرها بل ينفق دراهمه بزيادة بلا منفعة حصلت له ولا للناس.
فإذا كان هذا مقصودهما فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم.
ثم قال (نفس مرجع: ٢٩/٤٧٠، ٤٧٤) :