قال أبو عمر وهذا مجتمع عليه عند العلماء أن الطعام بالطعام لا يجوز إلا يدًا بيد مدخرًا كان أو غير مدخر إلا إسماعيل ابن علية (١) فإنه شذ وأجاز التفاضل في النساء في النساء في الجنسين إذا اختلفا من المكيل أو من الموزون قياسًا على إجماعهم في إجازة بيع الذهب أو الفضة بالرصاص والنحاس والحديد والزعفران والمسك وسائر الموزونات، وأجاز على هذا القياس نصًّا في "كتبه" - كذا في النسخة المطبوعة ونحسب فيه خطأ أو كلمة ساقطة ولم نهتد إلى تقويمه - بيع البر بالشعير والشعير بالتمر والتمر بالأرز وسائر ما اختلف اسمه ونوعه بما يخالفه من الكيل والموزون متفاضلًا نقدًا ونسيئة سواء كان مأكولًا أو غير مأكول ولم يجعل الوزن والكيل علة ولا الأكل والاقتيات وقاس ما احتلفوا على ما اجتمعوا عليه مما ذكرنا.
وذكر عن ابن جريج، عن إسماعيل ابن علية وأيوب بن موسى - عن نافع، عن ابن عمر أنه باع صاعي تمر بالغابة بصاع حنطة بالمدينة.
стр. 6617
وإسماعيل ابن علية هذا له شذوذ كثير ومذاهب عند أهل السنة مهجورة وليس قوله عندهم مما يعد خلافًا ولا يعرج عليه لثبوت السنة بخلافه من حديث عبادة وغيره على ما قدمنا في هذا الباب ذكره من قوله ﷺ ((فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد وبيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدًا بيد وبيعوا التمر كيف شئتم يدًا بيد)) (١)
ثم أورد طريقًا لحديث عبادة هذا ثم قال: فهذه الأحاديث كلها ترد قول ابن علية في إجازته بيع الطعام بعضه ببعض نسيئة.
وكان مالك ﵀ يجعل البر والشعير والسلت صنفًا واحدًا فلا يجوز شيء من هذه الثلاثة بعضها ببعض عنده إلا مثلًا بمثل يدًا بيد كالجنس الواحد وحجته في ذلك حديث زيد بن عياش، عن سعد في البيضاء بالسلت أيها أكثر؟ فنهاه وحديثه عن سعد أنه فني علف حماره فأمر غلامه أن يأخذ من حنطة أهله فيبتاع بها شعيرًا ولا يأخذه إلا مثلًا بمثل ذكر ذلك كله في موطأه (٢)
وذكر عن معيقيب الدوسي (٣) عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث (٤) وسليمان بن يسار (٥) مثل ذلك. وخالفه جمهور فقهاء الأمصار فجعل البر صنفًا والشعير صنفًا وأجازوا فيهما التفاضل يدًا بيد للأحاديث المذكورة في هذا الباب عن عبادة، وممن قال بذلك أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور.
стр. 6618
وكان داود بن على لا يجعل للمسميات علة ولا يتعد المذكورات إلى غيرها، فقوله: إن الربا والتحريم غير جائز في شيء من المبيعات لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الآية ٢٧٥ من سورة البقرة] إلا في الستة أشياء المنصوصات وهي الذهب والورق والبر والشعير والتمر المذكورات في حديث عمر هذا والملح المذكور معها في حديث عبادة بن الصامت وهي زيادة يجب قبولها قال: فهذه الستة أشياء لا يجوز بيع الواحد منها بعضه ببعض متفاضلًا ولا نساء للثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك وهو حديث عمر وحديث عبادة ولإجماع الأمة أيضًا على ذلك إلا من شذ ممن لا يعد خلافه ولا يجوز النساء في الجنسين المختلفين منها لحديث عمر في الذهب ولحديث عبادة؛ لأن الأمة لا خلاف بينها في ذلك ويجوز فيهما الفاضل وما عدا هذه الأصناف الستة فجائز فيها الزيادة عنده والنسيئة وكيف شاء المتبايعان في الجنس وفي الجنسين.
فهذا اختلاف العلماء في أصل الربا الجاري في المأكول والمشروب والمكيل والموزون مختصرًا وبالله التوفيق.
قال الباجي في (المنقى: ٤/٢٥٨) :
وعلة الربا في الذهب والفضة أنهما أصول الآثمان وقيم المتلفات، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: علتهما الوزن.
والدليل على إبطال مذهبه في أن الحديد والكحل فيه الربا أن ما لا يثبت الربا في مصوغه لا يثبت في غير مصوغه كالتراب، والدليل على إبطال علتهم أنه لو كانت علة الربا في الورق والذهب الوزن لما جاز أن يسلم في موزون؛ لأن كل عينين جمعتهما علة واحدة في الربا لم تسلم إحداهما في الأخرى: كالذهب والفضة. ولما أجمعنا على أنه يجوز تسليم الذهب والفضة في الموزون علمنا أنه لم يجمعها علة الربا.
стр. 6619
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى: ١٩/٢٨٣، ٢٨٤) في معرض الرد على من يقول: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، وبيان أنها تفي بجمهورها أو بها جميعًا:
ومن هذا الباب لفظ الربا فإنه يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأحيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك. وهذا الذي يسمى تحقيق المناط.
ثم قال (نفس المرجع: ٢٠/١٦٧، ١٦٩) :
النزاع وإن كان مشهورًا في ذلك - يعني في تعليل الحكم الواحد بعلتين - فأكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم " يجوز " - كذا في النسخة المطبوعة ولعل صوابه: يجوزون - تعليل الحكم بعلتين، وكثير من الفقهاء والمتكلمين "يمنع ذلك، فالنزاع في ذلك يعود إلى نزاع تنوعي ونزاع في العبارة وليس بنزاع تناقضي، ونظير ذلك النزاع في تخصيص العلة، فإن هذا فيه خلاف مشهور بين الطوائف كلها من أصحابنا وغيرهم حتى يذكر ذلك " روايتان " - لعل صوابه: روايتين - عن أحمد.
وأصل ذلك أن مسمى العلة قد يعنى به العلة الموجبة، وهي التامة التي يمتنع تخلف الحكم عنها فهذه لا يتصور تخصيصها ومتى انتقضت فسدت ويدخل فيها ما يسمى جزء العلة وشرط الحكم وعدم المانع، فسائر ما يتوقف الحكم عليه يدخل فيها.
وقد يعني بالعلة ما كان مقتضيًا للحكم يعني أن فيه معنى يقتضي الحكم ويطلبه، وإن لم يكن موجبًا فيمتنع تخلف الحكم عنه، فهذه قد يقف حكمها على ثبوت شروط وانتفاء موانع، فإذا تخصصت فكان تخلف الحكم عنها لفقدان شرط أو وجود مانع لم يقبح فيها. وعلى هذا فينجبر النقص بالفرق، وإن كان التخلف عنها لا لفوات شرط ولا وجود مانع كان ذلك دليلًا على أنها ليست بعلة إذ هي بهذا التقدير علة تامة إذا قدر أنها جميعها بشروطها وعدم موانعها موجودة حكمًا. والعلة التامة يمتنع تخلف الحكم عنها فتخلفه يدل على أنها ليست علة تامة.
والمقصود من التنظير أن سؤال النقض الوارد على العلة مبني على تخصيص العلة، وهو ثبوت الوصف بدون الحكم وسؤال عدم التأثير عكسه، وهو ثبوت الحكم بدون الوصف، وهو ينافي عكس العلة كما أن الأول ينافي طردها والعكس مبني على تعليل الحكم بعلتين.
وجمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، وإن كانوا لا يشترطون الانعكاس في العلل الشرعية، ويجوزون تعليل الحكم الواحد بعلتين، فهم مع ذلك يقولون: العلة تفسد بعدم التأثير؛ لأن ثبوت الحكم بدون هذا الوصف يبين أن هذا الوصف ليس علة، فإذا لم يخلف هذا الوصف وصفًا آخر يكون علة له فهم يوردون هذا السؤال في المواضع الذي ليست العلة فيه إلا علة واحدة: إما لقيام الدليل على ذلك وإما لتسليم المستدل لذلك.
ثم قال (ص ١٧٠) :
ولا يتنازع العقلاء أن العلتين إذا اجتمعتا لم يجز أن يقال: إن الحكم الواحد ثبت بكل منهما حال الاجتماع على سبيل الاستقلال، فإن استقلال العلة بالحكم هو ثبوته بها دون غيرها، فإذا قيل: ثبت بهذه دون غيرها وثبت بهذه دون غيرها كان ذلك جمعًا بين الناقضين، وكان التقدير بهذه ولم يثبت بها وثبت بها، فكان ذلك جمعًا بين إثبات التعليل بكل منها وبين نفي التعليل عن كل منهما. وهذا معنى ما يقال: إن التعليل بكل منهما على سبيل الاستقلال ينفي ثبوته بواحدة منهما وما أفضى إثباته إلى نفيه كان باطلًا.
стр. 6620
ثم قال: (ص ١٧١، ١٧٢) :
ومن يقول بتعليل الحكم الواحد بعلتين لا ينازع في أنه إذا اجتمع علتان كان الحكم أقوى وأوكد مما إذا انفردت إحداهما. ولهذا إذا جاء تعليل الحكم الواحد بعلتين في كلام الشارع أو الأيمة كان ذلك مذكورًا لبيان توكيد ثبوت الحكم وقوته.
ثم قال: (ص ٣٤١) في معرض بيانه للحكمة من تحريم بعض المحرمات:
وحرم الربا؛ لأنه متضمن للظلم، فإنه أخذ فضل بلا مقابل له وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلًا محققًا من محتاج. وأما المقامر فقد يحصل له فضل وقد لا يحصل له، وقد يقمر هذا هذا وقد يكون بالعكس.
ثم قال: (ص٣٤٦، ٣٤٧) :
وهذا يتبين بذكر الربا، فإن تحريم الربا أشد من تحريم القمار؛ لأنه ظلم محقق، والله لما جعل خلقه نوعين: غنيًّا وفقيرًا، أوجب على الأغنياء الزكاة حقًّا للفقراء، ومنع الأغنياء عن الربا الذي يضر الفقراء. وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [الآية ٢٧٦ من سورة البقرة] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الآية ٣٩ من سورة الروم] . فالظالمون يمنعون الزكاة ويأكلون الربا.
ثم قال:
ومعلوم أن أهل المدينة حرموا الربا ومنعوا التحليل على استحلاله، وسدوا الذريعة المفضية إليه، فأين هذا ممن يسوغ الاحتيال على أخذه بل يدل الناس على ذلك.
ثم قال (ص ٣٤٩) :
وأما آخذ الربا فإنما مقصوده أن يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل، فيلزم الآخر أكثر مما أخذ بلا فائدة حصلت له لم يبع ولم يتجر، والمربي آكل مال بالباطل بظلمه، ولن ينفع الناس لا بتجارة ولا غيرها بل ينفق دراهمه بزيادة بلا منفعة حصلت له ولا للناس.
فإذا كان هذا مقصودهما فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم.
ثم قال (نفس مرجع: ٢٩/٤٧٠، ٤٧٤) :
стр. 6621
وقد اختلفوا في كثير من مسائل الربا قديمًا وحديثًا، واختلفوا في تحريم التفاضل في الأصناف الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح، هل هو التماثل أو هو الكيل والوزن، أو هو الثمنية والطعم، أو هو الثمنية والتماثل مع الطعم والقوت وما يصلحه، أو النهي غير معلل والحكم مقصور على مورد النص، على أقوال مشهورة.
والأول: مذهب أبي حنيفة وأحمد في أشهر الروايات عنه، والثاني قول الشافعي، وأحمد في رواية ثالثة اختارها أبو محمد، وقول مالك قريب من هذا، وهذا القول أرجح من غيره، والرابع: قول داود وأصحابه، وروي عن قتادة، ورجح ابن عقيل هذا القول في مفرداته، وضعف الأقوال المتقدمة وفيها قول شاذ، أن العلة المالية وهو مخالف للنصوص ولإجماع السلف والاتحاد في الجنس شرط على كل قول من ربا الفضل، والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم، والأظهر أَن العلة في ذلك، هو الثمنية لا الوزن كما قال جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص والحديد والحرير والقطن والكتان، ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا، والمنازع يقول: جواز استحسان وهو نقيض العلة، ويقول: أنه جوز هذا للحاجة مع أن القياس تحريمه فليزمه أن يجعل العلة الربا بما ذكره - هكذا في النسخة المطبوعة وهو غير واضح - وذلك خلاف قوله، وتخصيص العلة الذي قد سمي استحسانًا إن لم يبين " دليل شرعي " - هكذا في النسخة ولعل صوابه: بدليل شرعي - يوجب تعليق الحكم للعلة المذكورة واختصاص صورة التخصيص بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع والأحاديث وإلا كانت العلة فاسدة.
والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود بالأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطلب فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة مع أنها ثمن من طرفين فنهى الشارع أن يباع ثمن إلى أجل، فإذا صارت الفلوس أثمانًا صار فيها المعنى فلا تباع بثمن إلى أجل.
стр. 6622
كما ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) (١) وهو المؤخر بالمؤخر، ولم ينه عن بيع دين ثابت في الذمة يسقط فإن هذا القاضي يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين ولهذا كان هذا جائزًا في أظهر قولي العلماء مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما بخلاف ما إذا باع دينًا يجب في الذمة ويشغلها بدين يجب في الذمة، كالمسلم إذا أسلم في سلعة ولم يقبضه رأس المال، فإنه يثبت في ذمة المستسلف دين السلم، وفي ذمة المسلف رأس مال ولم ينتفع واحد منهما بشيء ففيه شغل ذمة كل واحد منهما بالعقود التي هي وسائل إلى القبض، وهو المقصود بالعقد، كما أن السلع هي المقصودة بالأثمان، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل، كما لا يباع كالئ بكالئ، لما في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنية ومقصود العقود بخلاف كون المال موزونًا ومكيلًا فإن هذا صفة لما به يقدر ويعلم قدره؛ ولأن في ذلك معنى يناسب تحري التفاضل فيه.
فإن قيل: المكيلات والموزونات متماثلة وعلة التحريم نفي التماثل قيل: العاقل لا يبيع شيئًا بمثله إلى أجل ولكن يقرض الشيء ليأخذ مثله بعد حين، والقرض هو تبرع من جنس العارية كما سماه النبي ﷺ ، منيحة ذهب (٢)
стр. 6623
فالمال إذا دفع إلى من يستوفي منفعته مدة ثم يعيده إلى صاحبه كان هذا تبرعًا من صاحبه بنفعه تلك المدة، وإن كان لكل نوع اسم خاص به فيقال في النخلة عارية، ويقال فيما يشرب لبنه منيحة، ثم قد يعيد إليه عين المال إن كان مقصودًا وإلا أعاد إليه مثله والدراهم لا تقصد عينها فإعادة المقترض نظيرها كما يعيد المضارب نظيرها وهو رأس المال، ولهذا سمي قرضًا ولهذا لم يستحق المقرض إلا نظير ماله وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته، كما يستحق مثله في الغصب والإتلاف ومثل هذا لا يبيعه عاقل، وإنما يباع الشيء بمثله فيما إذا اختلفت الصفة.
والشارع طلب إلغاء الصفة في الأثمان، فأراد أن تباع الدراهم بمثل وزنها ولا ينظر إلى اختلاف الصفات مع خفة وزن كل درهم كما يفعله من يطلب دراهم خفافًا، إما ليعطيها للظلمة، وإما ليقضي بها، وإما لغير ذلك فيبدل أقل منها عدداً وهو مثلها وزنًا فيريد المربي أن لا يعطيه ذلك إلا بزيادة في الوزن، فهذا إخراج الأثمان عن مقصودها وهذا مما حرمه النبي ﷺ بلا ريب بخلاف مواضع تنازع العلماء فيها ليس هذا موضوع تفصيلها والله أعلم.
وقال ابن القيم (أعلام الموقعين: ٢/١٣٥) :
الربا نوعان: جلي وخفي. الجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة للجلي، فتحريم الأول قصدًا وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاده في المال حتى تصير المائة آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يزيدها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظيم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أنه حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر.
وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه، فقال: هو أن يكون له دين فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدق فقال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [الآية ٢٧٦ من سورة البقرة] . وقال ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الآية ٣٩ من سورة الروم] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الآيتان ١٢٩ و ١٣٠ من سورة آل عمران] . ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وهؤلاء ضد المرابين فنهى سبحانه عن الربا، الذي هو ظلم الناس وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليه.
стр. 6624
ثم قال (ص ١٣٦) :
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح به حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكن الرماء، والرماء هو الربا)) (١) فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين - ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك –تدرجوا بالربح المعجل فيها من الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة وهذه ذريعة قريبة جدًّا، فمن حكمة التشريع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا أو نسيئة فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة.
فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس وتنازعوا فيما عداها فطائفة قصرت التحريم عليها وأقدم من يروي هذا عنه قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة وإذا لم تظهر علة امتنع القياس، وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول الشافعي، وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه.
وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة وطائفة، قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان الحديد والنحاس ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها.
وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان للمبيعات والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقوم الأموال فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره إذا يصير سلعة يرتفع وينخفض ثمنه، فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس.
فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير مثل أن يعطي صحاحًا ويأخذ مكسرة أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها لصارت متجرًا أو جر ذلك إلى ربا النسئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل " يقصد التوصل بها إلى السلع " - هكذا في النسخة المطبوعة وهو خطأ صوابه: بل تقصد للتوصل بها إلى السلع - فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات.
стр. 6625
وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها؛ لأنها أقوات العالم وما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا، فإن اختلفت صفاتها جوز لهم التفاضل مع اختلاف أجناسها.
ثم أفاض في تبيان هذا المعنى وتعليله، والتوضيح له، ثم قال:
وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا أو صنفين، مقصودهما واحد أو تقارب كالدراهم والدنانير والبر والشعير والتمر والزبيب، فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحليب والزيت.
ثم قال:
وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات وهذا معنى بعينه موجود في بيع التبر والعين، لأن التبر ليس فيه صفة يقصد لأجلها فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع أن لا يفاضل بينهما ولهذا قال: " تبرها وعينها سواء "، فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد، وأن تحرم هذا تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة.
ولابن رشد الحفيد تلخيص جيد لهذه الآراء المتواجهة مع إضافة سبق الإلماع إليها لكنه أوضحها بما يجلو مصادرها ومقاصدها، قال ﵀ في (بداية المجتهد: ٢/١٣٠، ١٣٣) :
إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين: إما قوم نفوا القياس في الشرع أعني استباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية، وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت ههنا بالمنطوق به فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك " المالية " وقال: علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال يريد منع العين.
وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفًا، وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى إذ لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف الأربعة؛ لأنه زعم أنه في معنى التمر.
стр. 6626
ثم قال: - بعد أن استعرض أقوال أهل السنة وختم بالمالكية - ولكن إذا تؤمل الأمر من طريق المعنى - والله أعلم - أن علتهم- يعني المالكية - أولى العلل، وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود من تحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي، ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات جعل الدرهم والدينار لتقويمها أعني تقديرها ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات أعني غير الموزونة والمكيلة العدل فيها إنما هو في وجود النسبة، أعني أن لا تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشيء الآخر إلى جنسه مثال ذلك أن العدل إذا باع إنسان فرسًا بثياب هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الأفراس هي نسبة قيمة ذلك الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس قيمته خمسون، فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها خمسون، فليكن مثلًا الذي يساوي هذا القدر عددها هو عشرة أثواب، فإذن اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض في العدد واجبة في المعاملة العدالة أعني أن يكون عديل فرس عشرة أثواب في المثل وأما الأشياء المكيلة والموزونة فلما كانت ليست تختلف كل الاختلاف وكانت منافعها متقاربة، ولكن حاجة ضرورية لمن كان عنده منها صنف أن يستبدله بذلك الصنف بعينه إلا على جهة السرف كان العدل في هذا إنما هو بوجود التساوي في الكيل أو الوزن، إذ كانت لا تتفاوت في المنافع وأيضًا فإن منع التفاضل في هذه الأشياء يوجب ألا يقع فيها تعامل لكون منافعها غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع فإذا منع التفاضل في هذه الأشياء أعني المكيلة والموزونة علتان: إحداهما وجود العدل فيها، والثاني منع المعاملة إذ كانت المعاملة بها من باب السرف.
وأما الدينار والدرهم فعلة المنع فيهما أظهر إذ كانت هذه ليس المقصود منها الربح وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التي لها منافع ضرورية.
ويروي مالك، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يعتبر علة الربا في هذه الأصناف الكيل والطعم (١) ، وهو معنى جيد لكون الطعم ضروري في أقوات الناس فإنه يشبه أن يكون حفظ العين وحفظ السرف فيما هو قوت أهم منه فيما ليس هو قوتًا.
وقد روي عن بعض التابعين أنه اعتبر في الربا الأجناس التي تجب فيها الزكاة، وعن بعضهم الانتفاع مطلقًا أعني المالية وهو مذهب ابن الماجشون.
قلت: وهذا الاختلاف في تعيين علة تحريم الربا في الأصناف الستة، نتج عنه أمران: أحدهما سبقت الإسارة إليه فيما نقلناه من كلام ابن رشد الحفيد وغيره، وهو: هل يقاس على هذه الأصناف ما يشبهها أو لا يقاس؟ وليس هذا مجال مناقشته.
أما الثاني، فهو ما ذهب إليه البعض من التمييز بين ربا النسيئة وربا الفضل في درجة التحريم وتقسيم الربا إلى الربا الجلي والربا الخفي، وأما في معنى ذلك من الأسماء مما اعتمده نفر من المعاصرين - وفيهم من وثق به الناس فقلدوه، أو احتجوا باجتهاداته وفتاويه - فقالوا في ربا الفضل وخاصة معاملات البنوك، أو بعضها كلامًا خلطوا ما شاء لهم عدم التقيد بالمناط في تمييز علل أحكام الشريعة وتحديدها وفي القياس على المنصوص عليه منها غير المنصوص.
وهذا ما نسوق في الفصل التالي النماذج التي رأيناها منه خليقة بالاعتبار والمناقشة
*
стр. 6627
(١٤)
من مقولات بعض المعاصرين
قال ابن القيم في (أعلام الموقعين: ٢/١٤٠، ١٤٣)
وأما ربا الفضل فأبيح لما تدعو إليه الحاجة كالعرايا فإن ما حرم سدًا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد.
وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيعه هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية فأنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان وهذا لا يجوز كالآت الملاهي، وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتة بل يبيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر والحيل باطلة في الشرع.
وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع فلو لم يجز بيعه بالدراهم لفسدت مصالح الناس.
والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع وغايتها أن تكون عامة ومطلقة، ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية ولا سيما في أن لفظ النصوص في الموضوعين قد ذكر تارة في لفظ الدراهم والدنانير كقوله: " الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير " (١) ، وفي الزكاة قوله: " في الرقة ربه العشر " (٢) ، والرقة هي الورق وهي الدراهم المضروبة، وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيًا عن الربا في النقدين وإيجابًا للزكاة فيهما ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداها بل فيه تفصيل، فيجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها وفي هذا توفية الأدلة حقها وليس فيه مخالفة بشيء لدليل منها.
وبعد أن أفاض في الاحتجاج لإباحة بيع الحلي بالنقدين وهو أمر لا يعرف جدلًا جديًّا فيه فهو تقرير لمقرر.
стр. 6628
قال: يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والعامل من جملة النظر المحرم وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد الذريعة على التشبه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلا به أو بالحيل والحيل باطلة في الشرع وغاية ما في ذلك جعل الزيادة مقابلة للصياغة المباحة المتقدمة بالأثمان في الغصوب وغيرها.
ثم راح ينكر على متنفقهة زمانه ومن على شاكلتهم أحكامًا في بيوعات أقحموها في ربا الفضل وما هي منه وكأن ذلك هو الذي حمله على مقولته هذه.
ونقل محمد رشيد رضا في (تفسير المنار: ٣/١٠٧، ١١٣) عن محمد عبده في تفسير الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [الآية ٢٧٥ من سورة البقرة] ما مثاله:
مسألة الربا مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة " المسبحة " المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مائة إلى سنة بمائة وعشرة مثلًا فيعطيه المائة نقدًا ويبيعه " مسبحة " بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه.
على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًّا، لكن الذين يؤكلونه غيرهم كثيرون جدًّا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات.
ومن هنا ترى أن الأحيان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها، ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن بيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا؛ لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بالجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله " أحل البيع وحرم الربا ".
وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي أنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن ذلك القول، إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآية ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.
стр. 6629
والمعنى الصحيح أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وأكله، لكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد فهذا وجه التباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس، وهنالك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل ولم يجعل لأحد منهم حقًّا على آخر بغير عمل؛ لأنه باطل لا مقابل له وبهذه السنة أحل البيع؛ لأن فيه عوضًا بقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها، والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك بأن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًّا؛ لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنما يشتريه ليتأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًّا (وأقول: والثمن في هذا مقابل للبيع مقابلة مرضية للبائع والمشتري باختيارهما) ، - يظهر أن هذه المقولة لرشيد رضا - وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل (أقول: وهي لا تعطى بالرضا والاختيار بل بالكره والاضطرار) .
وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما ليكون ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.
ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها (أي فلا بد لها من الوازع الذي يوقفها بإقناع أو بالإلزام) لذلك حرم الله الربا وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة. وأما واضعو القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل وإننا نرى البلاد التي أحلت في قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها يموت جوعًا فلا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع؛ لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.
стр. 6630
وقد ألف تولستوي الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) من أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.
قال الأستاذ - رحمه الله تعالى -: وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه من طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه اقترض منه؛ لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه قال: رأيت هذا من كثيرين في بلاد متعدد ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض على المطالبة بله المحاكمة ثم بعد خمسة وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده رضًا طلبه إلا بسند وشهود، فسألته: أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا وذلك؟ قال: نعم قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟ قال: لا أعرف سبب ذلك إنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.
ثم قال رشيد رضا: من تدبر ما قاله الإمامان - يعني محمد عبده والغزالي الذي استمد منه محمد عبده آراءه تلك كما ذكر رشيد رضا - علم أن تحريم الربا هو عين الحكمة والرحمة الموافق لمصلحة البشر المنطبق على قواعد الفلسفة وأن إباحته مفسدة من أكبر المفاسد للأخلاق وشؤون الاجتماع زادت في أطماع الناس وجعلتهم ماديين لا هم لهم إلا الاستكثار من المال وكادت تحصر ثروة البشر في أفراد منهم وتجعل بقية الناس عالة عليهم.
فإذا كان المفتونون من المسلمين بهذه المدينة ينكرون من دينهم تحريم الربا بغير فهم ولا عقل، فسيجيء يوم يقر فيه المفترون بأن ما جاء به الإسلام هو النظام الذي لا تتم سعادة البشر في دنياهم فضلًا عن آخرتهم إلا به يوم يفوز الاشتراكيون في المماليك الأوروبية ويهدمون أكثر دعائم هذه الأثرة المادية ويرغمون أنوف المحتكرين إلى الأموال ويلزمونهم برعاية حقوق المساكين والعمال.
قلت: هذا ما نقله محمد رشيد رضا عن محمد عبده أستاذه وإمامه وما تعقب به كلامه لكنه ما لبث أن أخذ ينقضه كما لو لم يكن هونًا عليه بما عقب وسبحان من بيده مقاليد القلوب والعقول.
стр. 6631
ثم قال (نفس المرجع: ٤/١٢٨، ١٣٠) :
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [الآية ١٣٠ من سورة آل عمران] ، وبعد أن نقل كلام محمد عبده وساق كلام ابن القيم في الربا الجلي والربا الخفي وفي ربا الفضل من " أعلام الموقعين " وقد سقناه منفصلًا.
وإنما تعرضت هنا لربا الفضل وهو ليس مما تناولته الآية الكريمة للتفرقة؛ ولأن مسألة الربا قد قامت لها البلاد المصرية وقعدت في هذه الأيام واقترح كثيرون إنشاء بنك إسلامي وألقيت فيها خطب كثيرة في نادي دار العلوم بالقاهرة خالف فيها بعض الخطباء بعضًا، فمال بعضهم إلى منع كل ما عده الفقهاء من الربا وأنحى بعضهم على الفقهاء ولم يعتد بقولهم، ومال آخرون إلى عدم منع ربا الفضل أو ما دون المضاعف فغلا بعضهم وتوسط بعض ولم يأت أحد بتحرير البحث وإقناع الناس بشيء يستقر عليه الرأي - قلت: عجبًا كأن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة رأي يستقر عليه الناس ومن هم هؤلاء الناس؟! - وفي الليلة التي ختم فيها هذا البحث ألقى كاتب هذا - يعني رشيد رضا نفسه - خطابًا وجيزًا في المسألة، قال رئيس النادي حنفي بك ناصف في خطبته الختامية: إنه فصل الخطاب ورغب إلينا هو (رئيس النادي) وغيره أن ندونه - وعجبًا مرة أخرى فمحمد رشيد رضا الذي حمل مع أستاذه لواء الإنكار للتقليد على المقلدين يستظهر أو يعتز أو يستأنس في موضوع خطير هو موضوع الربا بشهادة من؟ شهادة حنفي ناصف ومن حنفي؟ أما في الفقه والعلوم الشرعية فلا نعرف له ركزًا ولكنه رئيس نادي دار العلوم، ولعل هذا في نظر رشيد رضا مؤهلًا كافيًا للاستظهار والاعتزاز أو الاستئناس بشهادته: وهذا هو بالمعنى.
إن الله حرم ربا النسيئة الذي كانت عليه الجاهلية تحريمًا صريحًا ونهى عنه نهيًا مؤكدًا، وورد في الأحاديث الصحيحة تحريم ربا الفضل والنهي عنه، فالبحث في هذه المسألة من وجهين: الوجه الأول النظر فيها من الوجهة النظرية المعقولة فنقول:
إن كل ما جاء به الإسلام من الأحكام الثابتة المحكمة فهو خير وإصلاح للبشر وموافق لمصالحهم ما تمسكوا به ولكن من الناس من يظن اليوم أن إباحة الربا ركن من أركان المدينة لا تقوم بدونه، فالأمة التي لا تتعامل بالربا لا تلتقي مدنيتها ولا يحفظ كيانها وهذا باطل في نفسه إذ لو فرضنا أن تركت جميع الأمم أكل الربا فصار الواجدون فيها يقرضون العادمين قرضًا حسنًا ويتصدقون على البائسين والمعوزين ويكتفون بالكسب من مواردهم الطبيعية كالزراعة والتجارة والصناعة والشركات ومنها المضاربة، لما زادت مدنيهم إلا ارتقاء ببنائها على أساس الفضيلة والرحمة والتعاون الذي يحبب الغني إلى الفقير ولما وجد فيها الاشتراكيون الغالون والفوضويون المغتالون. وقد قامت للعرب مدينة إسلامية لم يكن الربا من أركانها فكانت خير مدين في زمنها كما شرعه الإسلام من منع الربا هو عبارة عن الجمع بين المدينة والفضيلة وهو أفضل هداية للبشر في حياتهم الدنيا.
стр. 6632
الوجه الثاني: النظر فيها من الجهة العملية بحسب حال المسلمين الآن في هذه البلاد فإننا نرى كثيرين يوافقوننا على أنه لو وجد للإسلام دول قوية وأمم عزيزة تقيم الشرع وتهتدي بهدى القرآن لأمكنها الاستغناء عن الربا ولكانت مدنيتها بذلك أفضل فلا اعترض على الإسلام في تحريم الربا؛ لأن شرعه لا يمكن أن يبيح الربا وهو دين غرضه تهذيب النفوس وإصلاح حال المجتمع لا توفير بعض الأفراد من أهل الأثرة.
ولكنهم يقولون: إننا نعيش في زمن ليس فيه أمم إسلامية ذات دول قوية تقيم الإسلام وتستغني عمن يخالفها في أحكامها وإنما زمام العالم في أيدي أمم مادية قد قبضت على أزمة الثروة في العالم حتى صارت سائر الأم والشعوب عيالًا عليها فمن جاراها منهم في طرق كسبها والربا من أركانه فهو الذي يمكن أن يحفظ وجوده معها، ومن لم يجارها في ذلك انتهى أمره بأن يكون مستعبدًا لها فعل يبيح الإسلام لشعب مسلم هذه حاله من الأوروبيين كالشعب المصري أن يتعامل بالربا ليحفظ ثروته وينميها فيكون أهلًا للاستقلال أم يحرم عليه ذلك - والحالة حالة ضرورة - ويوجب عليه أن يرضى باستنزاف الأجنبي لثروته وهي مادة حياته؟
هذا ما يقوله من مسلمي مصر الآن.
فالجواب عنه - بعد تقرير قاعدة أن الإسلام يوافق مصالح الآخذين به في كل زمان ومكان - من وجهين يوجه كل واحد منهما إلى فريق من المسلمين.
أما الأول فيوجه إلى فريق المقلدين وهم أكثر المسلمين في هذا العصر فيقال لهم: إن في مذاهبكم التي تقلدونها مخرجًا من هذه الضرورة التي تدعونها وذلك بالحيلة التي أجازها الإمام الشافعي الذي ينتمي إلى مذهبه أكثر أهل هذا القطر والإمام أبو حنيفة الذي يتحاكمون على مذهبه كافة، ومثلهم في ذلك مثل أهل المملكة العثمانية التي أنشأت فيها مصاريف (بنوك) للزراعة بأمر السلطان وهي تقرض بالربا المعتدل مع إجراء حيلة التي يسمونها المبايعة الشرعية.
стр. 6633
وأما الثاني فيوجه إلى أهل البصيرة في الدين الذي يتبعون الدليل ويتحرون مقاصد الشرع، فلا يبيحون لأنفسهم الخروج عنها بحيلة ولا تأويل فيقال لهم: إن الإسلام كله مبني على قاعدة اليسر ودفع الحرج والعسر، الثابتة بنص قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الآية ١٨٥ من سورة البقرة] ، وقوله ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الآية ٦ من سورة المائدة] ، وإن المحرمات قسمان: الأول: ما هو محرم لذاته لما فيه من الضرر وهو لا يباح إلا لضرورة ومنه ربا النسيئة المتفق على تحريمه وهو مما لا تظهر الضرورة إلى أكله ماله أضعافًا مضاعفة كما تظهر في أكل الميتة وشرب الخمر أحيانًا، والثاني ما هو محرم لغيره كربا الفضل المحرم لئلا يكون ذريعة وسببًا لربا النسيئة وهو يباح للضرورة بل وللمصلحة كما قال الإمام ابن القيم وأورد له الأمثلة من الشرع فقسم الربا إلى جلي وخفي (وقد أورد ذكرنا عبارته آنفًا)
فأما الأفراد من أهل البصيرة فيعرف كل من نفسه هل هو مضطر أو محتاج إلى أكل الربا وإيكاله غيره، فلا كلام لنا في الأفراد وإنما المشكل تحديد ضرورة الأمة أو حاجاتها فهو الذي فيه التنازع.
وعندي - الكلام لرشيد رضا - أنه ليس الفرد من الأفراد أن يستقل بذلك
وإنما يرد مثل هذا الأمر إلى أولي الأمر من الأمة إلى أصحاب الرأي والشأن فيها والعلم بمصالحها عملًا بقوله تعالى في مثله من الأمور العامة: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [الآية ٨٣ من سورة النساء] ، فالرأي عندي أن يجتمع أولو الأمر من مسلمي هذه البلاد وهم كبار العلماء المدرسين والقضاة ورجال الشورى والمهندسين والأطباء وكبار المزارعين والتجار ويتشاوروا بينهم في المسألة ثم يكون العمل بما يقررون أنه قد مست إليه الضرورة أو ألجأت إليه حاجة الأمة.
قلت: وعلى هذا النهج من التفكير وضع محمد رشيد رضا رسالته (الربا والمعاملات في الإسلام) التي كفانا التعقيب عنها عبد الرزاق أحمد السنهوري كما كفانا التعقيب عن غيرها من مقولات آخرين قلدوه أو ذهبوا مذهبه مما سننقله بنصه لنفاسته بعد قليل، لكن قبل ذلك نسوق كلام ابن القيم الذي اعتمد عليه محمد رشيد رضا ومن واكبه في دربه.
стр. 6634
وتقسيم ابن القيم - ومن سار على نهجه أو سار هو على نهجهم مثل ابن رشد الحفيد - الربا إلى خفي وجلي وما إلى ذلك من التقسيمات التي يزعمونها يغفر الله لهم هي الأساس الذي ارتكز عليه من يحاولون اليوم تقويض تحريم الربا في الإسلام بمختلف الذرائع والتعلات وقد انتبه إلى ذلك السنهوري كما لم ينتبه إليه غيره من المعاصرين فحاج ابن القيم وغيره كما حاج من ارتكز على قوله من المعاصرين بهذا الحجاج الرائع الذي نورده كاملًا على طوله إذ لا نجد له مثيلًا ولا بديلًا، ونرى أن كل إيجاز له إخلال بما تضمنه من محاجة دامغة ما كان أحوجنا إليها في مواجهة من يحاولون باسم الصحوة الإسلامية والعمل على إعادة العزة للأمة الإسلامية تقويض الأسس الأولى للتشريع الإسلامي في المعاملات.
قال ﵀ في (مصادر الحق في الفقه الإسلامي: ٣/٢١٨، ٢٤٩) بعد أن ناقش مختلف أقوال الفقهاء في تعليل حكم الربا وتفصيله، وساق كلام ابن القيم وابن رشد (وجله قد نقلناه آنفًا) في تقسيم الربا إلى جلي وخفي:
وابن القيم فيما رأينا قد ميز بين الربا الجلي والربا الخفي، فالربا الجلي هو كما يقول في (أعلام الموقعين: ٢/٩٩) ، (٢/١٣٥ من النسخة التي بين أيدينا) : (ربا النسيئة هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية على أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاده في المال حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفة) ، فواضح إذن أن الربا الجلي عند ابن القيم هو ربا النسيئة الذي تعودوا عليه في الجاهلية وهو الربا الذي يقول فيه الدائن للمدين إما أن تقضي وإما أن تربي. أما الربا الخفي فهو ما حرم؛ لأنه ذريعة إلى الجلي، ولما كان ربا الفضل هو الربا الذي تحرمه من باب سد الذرائع (ص ١٠٠) (ص ١٣٦ من نسختنا) فالربا الخفي إذن هو ربا الفضل وحده.
стр. 6635
فإذا كان الربا الجلي عند ابن القيم هو ربا الجاهلية، وهو النوع الأول، والربا الخفي هو ربا الفضل، وهو النوع الثالث، فأين يقع النوع الثاني من الربا وهو ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف، أهو ربا جلي يلحق بربا الجاهلية أم هو ربا خفي فيلحق بربا الفضل؟ الظاهر أن ابن القيم قد ألحقه دون أن يصرح بذلك - بربا الجاهلية - فجعله ربا جليًّا مثله، فهو عندما يتكلم عن ربا النسيئة باعتبار أنه هو الربا الجلي يقصد كلًّا من ربا الجاهلية وربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف.
ولا يسعنا إلا أن نقف عند ما ينطوي عليه التمييز الذي يقول به ابن القيم من التحكم فهو قد ألحق ربا النسيئة بربا الجاهلية وجعل للنوعين حكمًا واحدًا مع أن مصدر التحريم مختلف في ربا الجاهلية مصدر التحريم القرآن الكريم وفي ربا النسيئة مصدر التحريم الحديث الشريف.
قلت: لكن السنهوري غفل عن حقيقة لا مراء فيها وهي أن الحديث الشريف - وإن كان آحاديًّا إلا عند ما لا يعمل بالآحادي، وهو شاذ لا يلتفت إليه - إذا جاء في حكم ورد في القرآن الكريم مجملًا أو بحاجة إلى مزيد من التفصيل فهو بيان لما تضمنه من قوة الحكم نفس ما للنص القرآني وهنا كان مزلق الكثير ممن لا يفرقون بين ما هو من السنة المجردة غير متصل بحكم منصوص عليه في القرآن وما هو بيان أو تفصيل أو تخصيص أو تقييد، أو ما إلى ذلك ورد فيه نص للقرآن الكريم، فالأول يمكن اعتباره أدنى درجة في قوة الحكم. أما الثاني فلا سبيل إلى التمييز بين درجته ودرجة النص المبين أو المفصل به من حيث قوة الحكم.
أما الثاني فلا سبيل إلى التمييز بين درجة النص المبين أو المفصل به من حيث قوة الحكم وإن اعتبر اللفظ الحديثي من حيث العلم ظنيًّا لا يرقى إلى درجة النص القرآني من حيث القطعية بل وحتى إن كان اللفظ الحديثي متواترًا، والعلم به قطعي يقيني فإنه مع ذلك لا يسامت من حيث درجة العلم به النص القرآني وهذا التمايز يكاد يكون نظريًّا صرفًا وإن شئت فعقيديًّا صرفًا وليس له أثر يذكر في تقييم الأحكام وتصنيفها وهذا ملحظ دقيق قل أن ينتبه إليه الناظرون في شؤون التشريع الإسلامي مع أنه واجب الملاحظة والانتباه.
ثم قال السنهوري ﵀:
ثم هو في الوقت ذاته قد فصل ما بين ربا النسيئة وربا الفضل، فجعل الأول جليًّا، والثاني خفيًّا مع أن مصدر التحريم فيهما واحد وهو الحديث الشريف.
ولا شك أن هذا الحكم لا مبرر له فإما أن يجعل للأنواع الثلاثة حكمًا واحدًا، ويعتبر أن درجة التحريم المستمدة من الحديث الشريف معادلة لدرجة التحريم المستمدة من القرآن الكريم، كما فعل فقهاء المذاهب كما قدمنا، وإما أن يميز بين درجة التحريم المستمدة من القرآن الكريم فيجعل ربا الجاهلية وحده هو الربا الجلي وبين درجة التحريم المستمدة من الحديث الشريف، فيجعل كلا من ربا النسيئة وربا الفضل ربًا خفيًّا ولا يقصر الربا الخفي على ربا الفضل وحده.
قلت: ليت شعري ما الذي يميز بين ألوان الربا ويعطي لبعضها حكمًا يختلف عن بعض في حين أن ربا الفضل وردت فيه نصوص من الحديث النبوي لا سبيل إلى اعتبارها أدنى درجة في قوة الحكم من ربا النسيئة الذي اعتبره البعض غير معادل في درجة الحكم لربا الجاهلية.
стр. 6636
ذلك أن النصوص المستفيضة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ كان يؤكد بقوله مشيرًا بيده إلى أذنه وعينيه (أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول وفيه ((ولا تشفوا بعضها ببعض)) وفي بعضها من طرق صحيحة، ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) ، وفيه " ((ولا تشفوا بعضها ببعض)) وفي بعضها من طرق صحيحة، ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) ، وفي حديث أبي بكر ﵁ من طريق أبي سلمة ((الزائد والمستزيد في النار)) ، وقد سقنا هذين الحديثين بطريقهما المختلفة في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف "، ومن تتبعهما يتضح أن حديث أبي سعيد - على الأقل - أكثر من مجرد آحادي بل هو مستفيض وأحسبه حسب تحديد بعض الأصوليين للمتواتر يبلغ درجة الحديث المتواتر وهذا يعني أن منع الزيادة في التعامل بالجنس الواحد من الربويات وإن كان التعامل ناجزًا حرام بنص في مثل درجة منع النسيئة من حيث قوة الحكم، فماذا إذن ادعاء عدم التعامل في الحكم بينهما ادعاء جعل بعض " المتفقهة " من المحدثين يرتكز عليه في محاولة تقويض القواعد الأولى التشريع الإسلامي في المعاملات؟ !.
ثم قال السنهوري ﵀:
هذا الرأي الذي يقضي بفصل ربا الجاهلية الوارد في القرآن الكريم عن كل من ربا النسيئة وربا الفضل الواردين في الحديث الشريف هو الرأي الذي يقول به طائفة من الفقهاء المحدثين وعلى رأسهم الأستاذ السيد رشيد رضا.
ذهب السيد رشيد رضا في رسالته في الربا - وقد أشرنا إليها آنفًا - إلى أن الربا المحرم هو ربا الجاهلية وحده فهو الربا الوارد في القرآن الكريم، وهو الربا الذي أدى إلى خراب المدين إذ المدين بين أن يقضي وأن يربي، ويعجز عن القضاء عادة فليس أمامه إلا أن يربي ولا يزال الدين يتضاعف حتى يؤوده، ثم يؤدي إلى إفلاسه فهذا النوع من الربا هو الربا الخبيث ويكون معقولًا ما ورد في القرآن الكريم في شأنه من وعيد شديد وهو الربا الجلي الذي حرم تحريم مقاصد لا تحريم وسائل فلا يجوز التعامل به إلا للضرورة الملحة، وهي الضرورة التي تصل في الإلحاح إلى إباحة الميتة والدم.
стр. 6637
قلت: لكن هذه الضرورة لا يخلو إما أن تكون فردية أو جماعية، فإن كانت فردية حالة خاصة بفرد أو أفراد وهي لا تكون إلا مسغبة قاتلة أو تشردًا يعرض صاحبه أو أصحابه للفناء بالحر، أو القر أو عريًا، كذلك وإذن فليس للفرد أو الأفراد في هذه الحال وقت للمساومة ولا جهد له بحيث يتم الاتفاق على نوع من الربا بل إن ربا الجاهلية هذا بزعمهم إنما يكون بعد حلول الأجل الأول وعجز المدين عن الوفاء، ولسنا ندري كيف يستقيم هذا الوضع مع وضع الضرورة التي أبيح فيها أكل الميتة ولحم الخنزير على أن الشرع في هذه الحال أباح للمضطر أن يقاتل من منعه الوقوع عليها حتى وإن أدى الأمر إلى قتله فكيف بأن ينتزعها منه، وإن بحيلة الربا بادي الأمر ثم لا يؤدي له إلا بحقه بغير زيادة.
وإن كانت جماعية وهي في عصرنا تتمثل في حال الدولة تضطر إلى الاستدانة من دولة أخرى، أو من مؤسسات مالية متخصصة وإذن فما هي درجة هذا الاضطرار، وما الذي أدى إليه، وما هي المبالغ التي تدفعها؟ أسئلة لا يجوز إصدار حكم دون الإجابة عنها؛ لأن بدون الإجابة عنها لا يقوم دليل الاضطرار.
ولا نستطيع أن نتصور دولة - مهما تبلغ من الفقر - تكون من الاضطرار للحفاظ على وجودها في درجة لا تجد مناصًا من الالتجاء إلى الربا ذلك بأن قيام الدولة لا يتأتى إلا بشعب وأرض والعوامل التي تدفع الدولة إلى الفقر، إما أن تكون طبيعية كالقحط المتصل في الدولة الفلاحية، وإما أن تكون مصطنعة كسوء الإدارة المالية والتبذير في النفقات ومحاولة التشبه بالدول الغنية ذاتيًّا أو بواسطة الربا.
وهذه الحالة الثانية لا يعتبرها الشرع ضرورة تبيح المحظور بل يأمر الشرع فيها بعقوبة المسؤولين عنها والعودة بالتسيير المالي والإداري إلى النهج الذي يضمن اكتفاء الدولة بمواردها الذاتية أو بموارد أخرى غير ربوية كالمساعدات الأجنبية والقروض على أساس شرعي كالمضاربة والسلم وما إليهما.
стр. 6638
أما الحالة الأولى فلا نتصور وقوعها بيسر اعتبارًا للعرف الدولي الراهن فمشارع الإغاثة الدولية وطرقها ترفع حالة الاضطرار الذي يلجئ الدولة المنكوبة إلى محاولة دفع المسغبة عن شعبها بابتغاء القوت الضروري وما إليه بالوسائل الربوية.
فوضح من كلتا الحالتين أن دعوى الضرورة في إباحة الوسائل الربوية باطلة يدمغها الواقع الدولي، كما تدمغها الأحكام الشرعية الثابتة لمواجهة أحوال الاضطرار.
ثم قال السنهوري ﵀:
بقي إذن ربا النسيئة وربا الفضل الواردان في الحديث الشريف فما هو حكمهما؟ يذهب السيد رشيد رضا إلى أن النهي عنهما في الحديث إنما جاء سدًّا للذريعة للربا المحرم القطعي، وهو ربا الجاهلية وهي ذريعة مظنونة لا قطعية فهو يرى أن بيع الأصناف الستة بمثلها مع التناقض فضلًا أو نسيئة فضلًا عن تثمير الأموال بالشركات التجارية التي لا تلتزم شروط الفقهاء فيها كل هذا لا يدخل في الربا المحرم، وإنما يظهر - كما يقول - من سبب النهي عن هذه البيوع أنه سد لذريعة الربا المحرم القطعي وهذه الذريعة مظنونة لا قطعية ومن المنهيات في الأحاديث ما هو محرم وما هو مكروه، وما هو خلاف الأولى وما هو لمحض الإرشاد لا للتشريع الديني وإنما يكون التمييز بين هذه الأنواع بالأدلة الخاصة أو القواعد العامة أو التعارض بين النصوص وترجيح الأقوى، كالنهي عن أكل لحوم سباع الوحش والطير مع حصر نصوص القرآن لمحرمات الطعام في الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله له، وقد حققنا أن النهي فيه للكراهة وفاقًا لمذهب مالك جمعًا بينه وبين نصوص القرآن القطعية الرواية والدلالة بصيغتي الحصر وبينا فيه أن في التعبير في بعض الروايات بالتحريم قد يكون رواية بالمعنى بفهم الراوي أن المراد من النهي التحريم وكذلك يقال في النهي عن بيع النقدين وأصول الأغذية المذكورة في حديث عبادة إلا يدًا بيد أو مثلًا بمثل إذا اتحد الجنس والاكتفاء بالتقابض إذا اختلف ومما يدل على أن هذا المعنى غير مقصود بالذات ما صح في بيع العرايا وفي بيع الكثير من التمر الرديء بقليل من التمر الجيد بأنه يجعل العقد على بيع كل منهما بالثمن.
стр. 6639
قلت: وأين ترك رشيد رضا - وهو يتحمل أمام الله والمسلمين تبعات هذا الزعم العجيب - حديث أبي سعيد وحديث أبي بكر، وفي الأول " ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) ، وفي الثاني: ((الزائد والمستزيد في النار)) ، أيكون في النار من لم يقترف محرمًا؟! أليس هذان الحديثان حاسمين لكل ادعاء مانعين من كل وهم أو ظن.
وحديث " الجنيب " (١) ، الذي حاول أن يستدل به دون أن يذكره، أليس دليلًا عليه لا له؟ فرسول الله ﷺ أمَر عامله على خيبر أن يبيع التمر الرديء ويشتري به التمر الجيد وليس في لفظ الحديث ولا في قصته ما يدل على أن القضية قضية شكلية بأن يقدر هذا بالثمن والآخر بالثمن لمجرد عملية "تحليل" وحتى لو ثبت ذلك فإنه لا يتأتى إلا مع تاجر يتجر في أنواع مختلفة من التمر فالتاجر بدلًا من أن يعيد إلى العامل تمره ويستعيد من بائعه التمر الذي باعه، له أن يشتري التمر الذي بثمن السوق ويبيعه التمر الجيد بثمن السوق، وكل واحدة منهما صفقة منفصلة عن الأخرى، والقضية ليست قضية عقد قائم على حيلة كما توهم البعض ممن يحاولون العثور على أساس شرعي لتشريع " الحيلة " في نواحي شتى من العبادات والمعاملات الشرعية، ومنها الربا أنه قضية إبطال معاملة رآها رسول الله ﷺ ربوية وتشريع أساس يمكن لمن وقع في مثل ما وقع فيه عامله على خبير أن يبلغ به مأربه دون أن يتجاوز الضوابط الشرعية فيمكن لأي أحد أن يدخل متجرًا يتجر في أصناف متفاوتة من جنس واحد ومعه صنف منها، ويريد غيره منها أن يبيع المتجر في أصناف متفاوتة من جنس واحد ومعه صنف منها، ويريد غيره منها أن يبيع المتجر الصنف الذي يريده سواء بالنقد الذي يأخذه ثمنًا لصنفه أو بنقد آخر قد يكون معه، فالعمليتان منفصلتان متغايرتان ليس بينهما أي ارتباط إلا في زعم رشيد رضا ومن نحا نحوه.
стр. 6640
ثم قال السنهوري ﵀:
وواضح من هذه العبارات الأخيرة أن السيد رشيد رضا بعد أن اعتبر ربا الجاهلية هو الربا الجلي، وهو الربا المحرم لذاته تحريم المقاصد، ولا يجوز إلا للضرورة الملحة التي تبيح الميتة والدم ينزل بعد ذلك بالنوعين الآخرين من الربا ربا النسيئة وربا الفضل الواردين في الحديث الشريف - إلى منزلة دنيا من الحظر؛ إذ إن الظاهر من عباراته أنه يعتبر أن النهي عنهما الوارد في الحديث الشريف إنما هو الكراهة لا للتحريم، كالنهي عن أكل سباع الوحش والطير وهذا ما يقرب كثيرًا من مذهب ابن عباس الذي سنبينه فيما يلي.
قلت: وقد خالط رشيد رضا بين أمرين لا سبيل إلى دعوى المماثلة بينهما فيما يستدل لمذهبه فقضية لحوم سباع الوحش والطير أشبه ما تكون بقضية الحمر الأهلية، لكل منهما ظروفها وملابساتها، وليس هذا مجال بيانها ولذلك كان القول بأن النهي نهي كراهة فيهما أو في إحداهما قول وجيه له ما يسنده.
أما قضية العرايا التي تعلق بها هو ومن على شاكلته، فهي رخصة جاءت من الشارع صلوات الله وسلامه عليه، لحكمة رآها ليس هذا مجال تفصيلها ولو أنها جاءت منه نصًّا لما أمكن لأي مجتهد أن يجرؤ على تشريعها لما فيها من تماثل يكاد يكون كاملًا مع غيرها من صيغ ربا الفضل لولا ما يميزها من الحكمة التي من أجلها رخص فيها رسول الله ﷺ .
ثم قال السنهوري ﵀:-
وغني عن البيان أن القول بأن ربا النسيئة، وربا الفضل إنما نهي عنهما في الحديث الشريف،
نهي كراهة لا نهي تحريم، لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب الفقهية منذ القديم، وقد اعترض الأستاذ زكي الدين البدوي بحق على هذا الرأي في مقاله المشهور في (مجلة القانون والاقتصاد، السنة الخامسة: ص ١٨٧) ، وما بعدها، فقال: فخلاصة رأي السيد رشيد المتقدم حصر الربا المحرم في ربا الجاهلية الذي لا يدخل في مفهومه لا القرض بفائدة تشترط عند العقد، ولا بيع الأصناف الستة الواردة في السنة، ولا المعاملات الأخرى التي ألحقها فقهاء المذاهب الأربعة بالأصناف الستة في التحريم.
стр. 6641
وإنا نلاحظ على هذا الرأي أنه مع صحته فيما يتعلق بالقرض بفائدة وغيره من المعاملات التي عدى إليها الفقهاء حكم التحريم في بيع الأصناف الستة بجامع علل اختلفوا فيها اختلافًا كبيرًا مما يؤيد رأيه في أن تحديد الوسائل ودرجة إفضائها إلى المقاصد من أشق الأمور التي تختلف فيها الأفهام، فلا تطمئن النفس إلى أن يكون شيء كهذا مناطًا للقول بالتحريم الديني - أقول: مع التسليم بصحة رأيه في هذه الجزئية فإنه يتعذر التسليم به في جزئية أخرى وهي قوله بعدم دخول بيع الأصناف الستة في الربا المحرم؛ لأن بيع الأصناف وإن كان وسائل وذرائع إلى الربا، إلا أنها وسائل وذرائع منصوصة ودلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الأفهام، أما قوله: إن النهي عن بيع هذه الأصناف كان تورعًا لإفادة أن بيعها خلاف الأولى أو كان للكراهية فقط لا للتحريم، فدعوى تتعارض مع ظواهر نصوص الأحاديث والمأثور عن الصحابة فظاهر الأحاديث يفيد التحريم إذ أطلق على هذه البيوع لفظ الربا ومعلوم إثمه وما خص به من شديد الوعيد، وإذا سلمنا أن إطلاق لفظ الربا هنا من قبيل المجاز؛ لأن هذه البيوع ذرائع إلى الربا فلا أقل من أن تكون للشارع حكمة في إلحاقها بالربا، وهي أن يكون لها حكمه وهو الحرمة، وإن كانت حرمتها أخف من حرمة الربا الحقيقي بحيث يتجاوز عنها فيما تدعو إليه الحاجة كما هو رأي ابن القيم.
قلت: يغفر الله لزكي بدوي كان أولى به، وهو رجل القانون الضليع أن يجادل رشيد رضا في دعوى " الذرائعية "، في تحريم الربا في الأصناف الستة وأن يدمغه بأن المناط الجامع لتشريع التحريم هو أن التعامل بالمفاضلة فيها ظلم في حد ذاته آية ذلك أن كلمة الربا في القرآن الكريم لم يأت معها أو في سياقها ما يحدد دلالتها فكان الحديث النبوي الشريف هو الذي حدد مدلولها تمامًا كما حدد مدلول الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع العبادات والمعاملات التي لم يأت نص بيان جزئياتها أو مدلولات أسمائها والسنة النبوية مبينة بالإجماع ولو لم تكن مبينة لانبهم على المكلفين الكثير بل الأغلب من شرائع الله في العبادات والمعاملات، وإذن فالربا الذي بينه رسول الله ﷺ في الحديث وعين مجاله أو أمثلة لو في الأصناف الستة هو الربا الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [الآية ٢٧٩ من سورة البقرة] . بعد أن توعد آكل الربا بذلك الوعيد الشديد الذي لم يتوعد به فاعل أية فاحشة مهما عظم وزرها وليس في الشرع الإسلامي قرآنًا أو حديثًا، ما يدعو إلى التماس الفرق بين نوع وآخر من الأنواع الربوية التي كانت معروفة في العهد النبوي ولا مجال إلى الدعوى بأن بيع الأصناف الستة بالتفاضل في الجنس الواحد لم يكن معروفًا في العهد النبوي، فلو كان كذلك لما ورد في الحديث الشريف في صيغ مختلفة وحول وقائع مختلفة واستفاض لدى الصحابة حتى اشتد عمر في بعض صوره أو الصور القريبة منه تلك الشدة المستفيضة في حديث مالك بن أوس بن الحدثان.
стр. 6642
وهذا النوع من الربا من المرجح أنه أيضًا كان معروفًا لدى اليهود الذين أنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الآية: (١٦١) ] . وفي كلتا الآيتين آيتي البقرة، وهي من آخر ما نزل في الأحكام أو آخرها، وآية النساء، وهي مدنية أيضًا ذكر للظلم مقرونًا بالربا أو باعتبار الربا من مشمولاته، ذلك بأن الظلم في آية النساء ورد في صدرها، ثم جاءت المعطوفات عليه تبيانًا لأنواعه لا ذكرًا لأشياء أخرى خارجة عنه، واختتام الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ، تأكيد - والله أعلم - لمعنى الظلم في الصد عن سبيل الله وأخذ الربا المنهي عنه، فالظلم إذن هو المناط لتحريم الربا وجميع أنواع الربا محرمة لذاتها وليس منها ما هو محرم باعتباره وسيلة وما هو محرم باعتباره من المقاصد، وكما أن الإجحاف بالمدين العاجز بزيادة الفوائد الربوية عليه نفاد تأخير الأداء ظلم وتحريمه مقصود لذاته، فكذلك الإجحاف بمن تكون له الحاجة إلى نوع من جنس واحد إذا لم يتيسر له ويريد استبداله.
وقد لا يتجلى هذا التماثل في الإجحاف لو حصرناه في الأصناف الأربعة، إذ يدعى اعتبار التفاضل بين أنواع الصنف الواحد - وهي دعوى لها وجاهتها لولا أن الشارع دفع هذا الاعتبار بقضية " الجنيب "، فبين أن بيع النوع غير المرغوب فيه هو الحل الذي يرفع الظلم عن الطرفين. وبذلك ينتفي كل غبن لأن الاحتكام إلى سعر السوق لا يتيح الفرصة لأي من الطرفين استغلال حاجة الآخر.
لكن يتجلى الإجحاف بأجلى صوره في النقد فبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو أي نقد حل محلها بجنسه متفاضلًا لا يخلو إما أن يكون نسيئة أم لا، والنسيئة ليس هذا مجال بحثها، أما المناجزة فلا بد من حافز إلى هذا النوع من التعامل والحافز، إما أن يكون الاختلاف في الجودة وهذا لا يتأتي إلا في النقد الذهبي أو في الفضي إذا أريد لعينه، وإذن فإضافة التفاضل إلى التباين في الجودة غبن مجحف بالذي تضطره حاجة ما إلى ابتغاء الأقل جودة أو الأحق وزنًا بأفضل منه أو أثقل، وإما أن يكون اضطراب السعر هذا يعني أن أحد الطرفين أدق ملاحقة لأسعار النقد من الطرف الآخر، والصورة التي يمكن تصورها لهذا النوع من المعاملة المستغلة تتأتى في حالة اختلاف النقدين سكًّا أو وزنًا بأن تكون لأحد المتبايعين عملة معينة من الذهب أو الفضة وتكون لدى الآخر عملة من نفس الجنس لكن ليست من نفس النوع، أعني أنها مسكوكة في مكان آخر وهو يعلم أن هذه التي لديه تباع في السوق بالنقد الفضي مثلًا أو بالنقد الذهبي، إن تلك العملة بالذات متفاضلة مع العملة التي لديه من نفس الجنس مراعيًا في سريرته ازدياد سعر عملته على عملة صاحبه في السوق بالنقد المختلف وبذلك يجحف بصاحبه؛ لأن الشرع الإسلامي لا يقوم على مراعاة السعر في الجنس الواحد، وإنما على مراعاة المماثلة في حين يفسح المجال لاعتبار السعر إذا اختلف الجنسان كما في حديث ابن عمر الذي أوردناه بطرقه في فصل " أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف "، إذا كان يسعر يومه وذلك ما سنزيده إيضاحًا في موقعه من هذا البحث.
стр. 6643
وبهذا يتضح أن دعوى الذرائعية في ربا الفضل لا أساس لها، وأنه محرم لذاته وليس باعتباره وسيلة إلى الربا المحرم، وهو ربا الجاهلية بزعمهم بجامع وقوع الظلم به في كل منها وأن العلة الأساسية في تحريم الربا على اختلاف أنواعه هي منع الظلم لا سيما فيما هو أساسي معاش الناس أو لحياتهم الاقتصادية حسب التعبير الحديث وهذا ما غفل عنه الأستاذ زكي بدوي على ضلاعته دراية وفقهًا في التشريع.
ثم قال السنهوري ﵀:
ويبدو أنه يجب الذهاب إلى مدى أبعد مما ذهب إليه الأستاذ زكي الدين، والقول بأن ربا النسيئة وربا الفضل يقتصران على الأصناف الستة المذكورة في الحديث الشريف بل يتجاوزان إلى ما عداها مما أشار إليه المذاهب الفقهية من الأصناف الأخرى، وهذا هو الذي انعقد عليه الإجماع وأن كل ذلك محرم لا مكروه فحسب ولكنه محرم تحريم وسائل لا تحريم مقاصد فربا الفضل وسيلة إلى ربا النسيئة ما في ذلك شك وربا النسيئة وسيلة إلى رب الجاهلية؛ إذ يكفي أن ربا النسيئة عند حلول أجل الدين أن يزيد الدائن في الأجل مشترطًا أن يزداد في الفائدة ليصل من هذا الطريق إلى ربا الجاهلية فكل من ربا الفضل وربا النسيئة وسائل إلى ربا الجاهلية، وقد حرمها رسول الله ﷺ حتى لا يتذرع بهما إلى هذا الربا الممقوت فتحريمهما إذن هو من تحريم الوسائل لا من تحريم المقاصد.
قلت: كلا ليس كذلك بل تحريمها من ربا المقاصد تمامًا كتحريم ربا الجاهلية للمناط الذي أوضحناه آنفًا؛ ولأن ما التمس على كثير من الفقهاء والمتفقهة من تصور استبدال نوعين من الجنس الواحد متفاضلين ناجزًا قد أوضحه الحكم النبوي في قضية " الجنيب " بأنه يسير الاحتمال إذا تصورنا رغبة أحد الطرفين لديه نوع رديء أو أدنى منزلة من ذلك الجنس في نوع لدى الطرف الآخر واستغلال هذا الطرف تلك الرغبة من ذلك بأن يبيعه النوع الجيد أو المرغوب فيه بالنوع الرديء أو الأدنى منزلة المتيسرة له متفاضلًا تفاضلا لا تراعى فيه مماثلة الثمن لو أن كلًّا منهما وقع المبايعة فيه بالنقد على أساس سعر السوق وبذلك تنتفي شبهة استبعاد المبايعة في نوعين من جنس واحد بالتفاضل والمناط في تحريم ذلك المنع من استغلال حاجة المشتري بالفضل، ومن جشع البائع على أساس المفاضلة وإجحافه بالمشتري، وبما أن المناط هو منع الظلم فالتحريم إذن لهذا النوع مقصود لذاته وليس لمنع التوسل به إلى ربا النسيئة وتحريم ربا النسيئة مقصود لذاته وليس لمنع التوسل به إلى ربا الجاهلية.
стр. 6644
والذي ألبس عليهم الأمر هو آية آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [الآية: (١٣٠) ] . إذ إنهم حاولوا أن يجعلوا الآيتين: آية البقرة، وآية آل عمران، تفسر إحداهما الأخرى واعتبروا آية آل عمران مع أنها أسبق نزولًا مفسرة لآية البقرة، وهذا خطأ فاحش، فالآية التي يمكن أن تكون مفسرة هي الآخر نزولًا ولو أننا مضينا معهم في منطقهم هذا لاعتبرنا آية البقرة في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [الآية: (٢١٩) ] ، مفسرة لآية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [الآية:٩٠] . وما من أحد يقول بذلك إنما آية آل عمران مرحلة سابقة ممهدة للحكم الحازم والوعيد الشديد واللذين نصت عليهما آية البقرة وبدون ذلك لا يستقيم التأويل؛ إذ لا يمكن أن يكون البيان سابقًا للإجمال.
ثم قال - يغفر الله له -:
ثالثًا الاتجاه الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية الوارد في القرآن الكريم: " ولا ربا إلا في النسيئة " - لا يعني أن هذا آية وإنما هو حديث يبنى عليه قوله الآتي - يستدل أصحاب هذا الاتجاه- وعلى رأسهم ابن عباس - بحديث رواه ابن عباس نفسه، عن أسامة، أن النبي ﷺ قال ((لا ربا إلا في النسيئة)) . فهم لا يحرمون ربا الفضل، ولا يحرمون إلا ربا النسيئة.
وقد قيل: إن ابن عباس لم يكن بلغه حديث الربا الذي رواه " أبو سعيد الخدري " - كذا وليس خطأ مطبعيًّا على ما يظهر وإنما هو من المؤلف نفسه إذ ستراه مكررًا مرات فيما سيأتي، وواضح أن صوابه " أن أبا سعيد الخدري " - نفسه، ذهب إلى ابن عباس وجرى بينها جدال عنيف في مسألة ربا الفضل " سعيد " يحرمه للحديث الذي رواه، وابن عباس يحلله لحديث أسامة " لا ربا إلا في النسيئة "، وينتهي هذا الحوار بأن يقول " سعيد ": لا آواني وإياك ظل بيت ما دمت على هذا القول.
الظاهر هو ما قاله السبكي في " تكملة المجموع في شرح المذهب "، عن الشافعي أن رأي ابن عباس في عدم تحريم ربا الفضل هو رأي أهل مكة، ولعلهم كانوا يمارسون التجارة على نحو يضيق بربا الفضل وأن المكيين قد بلغهم دون شك، حديث ربا الفضل، ولكنهم كانوا يؤولونه على الكراهية لا على التحريم (تكملة المجموع: ١٠/٣٨)
стр. 6645
قلت: لم أعثر على هذا الذي نقله السنهوري عن السبكي بهذا اللفظ وفي الصفحة التي حددها ولا في قريب منها وقد أفاض السبكي ﵀ في قصة ابن عباس وأبي سعيد وما حولها من آثار وروايات عن بعض الصحابة والتابعين في حوالي عشرين صفحة من " المجموع: ج ١٠"، وعقد فصلًا خاصًّا فيما نقل عن رجوع من قال بذلك من الصدر الأول، يعني من قال: لا ربا إلا في النسيئة وذكر فيه اختلافهم في رجوعه وعدم رجوعه عن مقولته تلك وساق روايات مختلفة عن أبي سعيد وقصته معه فضلًا عن تلك التي ساقها في الفصل السابق ومن الروايات التي أضافها في هذا الفصل ما رواه عن حيان - بالحاء المهملة والحياء المثناة - بن عبيد الله - بالتصغير - العدوي، قال: ((سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا يعني يدًا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة فلقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس، ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم، وهو عند زوجته أم سلمة: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقالت: فقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه فتناول تمرة ثم أمسك، فقال: ((من أين لكم هذا؟)) )) فقالت أم سلمة: بعثت بصاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتى بدل صاعين هذا الصاع الواحد وها هو كل، فألقى التمرة بين يديه، وقال: ((ردوه لا حاجة لي فيه التمر بالتمر الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل، فمن زاد فهو ربا)) . ثم قال: (( ((كذا ما يكال أو يوزن أيضًا)) . قال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيد الجنة، فإنك ذكرتني أمرًا كنت نسيته أستغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه أشد النهي)) . رواه الحاكم في المستدرك حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة وفي الحكم عليه بالصحة نظر؛ فإن حيان بن عبيد الله المذكور، قال ابن عدي: عامة ما يرويه إفرادات ينفرد بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال: وهذا الحديث من حديث أبي مجلز، عن ابن عباس تفرد به حيان. قال البيهقي: وحيان تكلموا فيه.
واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره وتبين صحته من سقمه لأمر غير ما نحن فيه، وهو قوله: وكذلك ما يوكل ويوزن.
стр. 6646
وبعد أن أفاض في نفي ما ادعاه ابن حزم لإعلال هذا الحديث، وفي توثيق حيان بن عبيد الله، قال: وعن سليمان بن على الربعي، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، قال: "سمعت" - لعل صوابه: سمعته - يأمر بالصرف يعني ابن عباس، و"تحدثت" ذلك - لعل صوابه بذلك - عنه ثم بلغني أنك رجعت، قال: نعم، إنما كان ذلك رأيًا مني وهذا أبو سعيد حديث عن رسول الله صلى الله عليه أنه نهى عن الصرف. رويناه في سنن ابن ماجه ومسند ابن ماجه ومسند الإمام أحمد بإسناد رجاله على " شرطه " - لعل صوابه: على شرط بدون هاء - الصحيحين إلى سليمان بن علي، وسليمان بن على روى له مسلم، وقال ابن حزم: إنه مجهول لا يدري من هو، وهو غير مقبول منه لما تبين.
وعن أبي الجوزاء، قال: كنت أخدم ابن عباس ﵄ تسع سنين، إذ جاءه رجل فسأله عن درهم بدرهمين فصاح ابن عباس، فقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا قال ناس حوله: إنا كنا لنعمل بفتياك، فقال ابن عباس: قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النبي ﷺ نهى عنه فإني أنهاكم عنه. رواه البيهقي في السنن الكبير بإسناده وفيه أبو المبارك وهو مجهول.
وروينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم - بضم النون وإسكان العين – أن أبا سعيد الخدري أتي ابن عباس فشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلًا بمثل، فمن زاد فقد أربى)) . فقال ابن عباس: أتوب إلى مما كنت أفتي به ثم رجع. رواه الطبراني بإسناد صحيح وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي ثقة متفق عليه معروف بالرواية عن أبي سعيد وابن عمر وغيرهما من الصحابة.
وعن أبي الجوزاء، قال: سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين يدًا بيد، فقال: لا أدري ما كان يدًا بيد بأسًا - لعل صوابه: لا أرى فيما كان. الحديث -ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه. رواه الطبراني بإسناد حسن.
وعن أبي الشعثاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: اللهم إني أتوب إليك من الصرف إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبي ﷺ . وراه الطبراني ورجاله ثقات مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم.
стр. 6647
وعن عطية وهو الصوفي - بإسكان الواو وكسر الفاء - قال: قال أبو سعيد لابن عباس: تب إلى الله تعالى، ثم قال: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة؟ وقال: ((إني أخاف عليكم الربا)) قال فضيل بن مرزوق: فقلت لعطية: ما الربا؟ قال: الزيادة والفضل بينهما. رواه الطبراني بسند صحيح إلا عطية وعطية من رجال السنن، قال يحيى بن معين: صالح، وضعفه غيره فالإسناد بسببه ليس بالقوى.
وعن بكر بن عبد الله المزني، أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بالصرف ما كان منه يدًا بيد، إنما الربا في النسيئة فطارت كلمته في أهل الشرق والغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته، قال: أو فعلت؟ قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل تبره وعينه، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل تبره وعينه، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) ، حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر الله وأتوب إليه، إن رسول الله ﷺ قال: ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل تبره وعينه، فمن زاد واستزاد فقد أربى وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة)) . رواه الطبراني بسند فيه مجهول وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم وهكذا وقع في روايتنا، فمن زاد واستزاد بالواو لا بـ" أو". والله أعلم.
стр. 6648
وروى أبو جابر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب معاني الآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد، قال: قلت لابن عابس: أرأيت الذي ((يقول: الدينار بالدينار)) - خطأ ظاهر صوابه من (معاني الآثار: ٤/٩٤) -:- أرأيت الذي تقول: الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين - وذكر الحديث.
ثم قال: قال أبو سعيد ونزع عنها ابن عباس.
وروى الطحاوي أيضًا عن نصر بن مرزوق، بإسناد لا بأس به، عن أبي الصهباء، أن ابن عباس نزل عن الصرف.
ثم قال: رواه الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلًا من أهل العراق، قال لعبد الله بن عمر، إن ابن عباس، قال وهو علينا أمير: من أعطي بالدرهم مائة درهم فليأخذها وذكر حديثًا إلى أن قال: فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر، قال: فاستغفر الله، وقال: إنما هو رأي مني.
وبعد أن ساق آثارًا نقلًا عن ابن عبد البر في هذا الشأن، قال: فهذا ما بلغني مما يدل على رجوعه عن ذلك، وإذا تأملت الروايات المذكورة وجدتها أصلح إسنادًا قول أبي الصهباء الذي رواه مسلم، أنه سأل ابن عباس عنه فكرهه، لكن لفظ الكراهة ليس بصريح فجاز أن يكون كرهه لما وقع فيه من المناظرة الكبيرة شبهة تقتضي التوقف عنه أو التورع فإن ثبت عدم رجوع ابن عباس تعين حمل هذا اللفظ على ذلك فهو ظاهر في الرجوع، وقد روي عن طاوس، عن ابن عباس ما يدل على التوقف إلا أني قدمت من رواية الطحاوي عن أبي الصهباء ما ينفي هذا الاحتمال، ويبين أنه نزل عن الصرف صريحًا وإسناده جيد كما تقدم.
والحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك صريح، لكن سنده تقدم الكلام عليه ولا يقصر عن رتبة الحسن ويكفي في الاستدلال على ذلك أنه لم يعارضه ما هو أقوى منه.
ثم ساق شواهد أخرى على رجوع ابن عباس. ثم قال: روى ابن حزم عن الإمام أحمد، قال: حدثنا هاشم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن ابن عباس أنه قال: ما كان الربا قط في ها وهات وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه حتى مات وهذا إسناد متفق على صحته لكنها شهادة على نفي.
стр. 6649
ثم نقل عن ابن عبد البر، عن ابن عيينة، عن فرات القزاز، قال: دخلنا على سعيد بن جبير نعوده، فقال له عبد الملك بن ميسرة الزراد: كان ابن عباس نزل عن الصرف، فقال سعيد: عهدي به قبل أن يموت بستة وثلاثين يومًا وهو يقوله وما رجع عنه. ذكره هكذا بغير إسناد إلى ابن عيينة، قال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع في السنة كفاية عن قول كل واحد ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الجهالات إلى السنة.
ثم قال: اعلم أن دعوى الإجماع في ذلك منحصرة في ثلاثة أوجه: إما أن يدعى إجماع العصر الأول من غير سبق خلاف استنادًا إلى أن ندرة المخالف لا تدور، وإما أن يسلم بسبق
الخلاف المعتد به ويدعى رجوع المخالف وصيرورة المسألة إجماعية قبل إقراض ذلك العصر وإما أن يقال: انعقد إجماع متأخر بعد انقراض الماضين المختلفين.
أما الأول فقد اقتضى كلام بعضهم دعواه وزعموا أن الصحابة أنكرت عن ابن عباس في ذلك لمخالفته الجماعة، وقد اختلف علماء الأصول في انعقاد الإجماع مع ندرة الخلاف، فالجماهير من جميع الطوائف على أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد؛ لأن المجتمعين حينئذ ليسوا كل الأمة والعصمة في الإجماع إنما ثبتت لكل الأمة لا لبعضهم؛ ولأن أبا بكر ﵁ خالف الصحابة وحده في قتال ما نعي الزكاة وكان الحق معه ورجعوا إليه وخالف ابن مسعود وابن عباس في عدة من مسائل الفرائض جميع الصحابة امتد خلافهم إلى خلافهم إلى اليوم.
وهذا ظاهر على طريقة من يرى إسناد الإجماع إلى النصوص وهي طريقة الشافعي وكثير من أصحابه.
وأما على طريقة من يرى إسناد الإجماع إلى جهة قضاء العادة باستحالة إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد إلا لدلالة أو أمارة وهو الذي عول عليه إمام الحرمين وابن الحاجب، فيصعب على هذا المسلك تقرير أن مخالفة الواحد للجم الغفير والخلق العظيم تقدح في إجماعهم فإنهم بالنظر إليهم دونه تقضي العادة باستحالة إجماعهم على ما لا دليل عليهم ولا أمارة فأي فائدة لوفاقه أو خلافه؟ وكذلك إذا فرضنا أن مجموع علماء الأمة لا يبلغون مبلغ تقضي العادة باستحالة اجتماعهم على ذلك ينبغي على هذا المسلك أن لا يكون قول كلهم حجة ولهذا قال إمام الحرمين إن إجماع المنحطين عن رتبة التواتر ليس بحجة بناء على أن مأخذ الإجماع يستند على اضطراد العادة ومع ذلك وافق على أن مخالفة الواحدة والاثنين يقدح في الإجماع.
стр. 6650
والطريقة الصحيحة هي التي عول عليها الشافعي وأكثر الأصحاب وهي التمسك بدليل السمع فلذلك خلاف الواحد والاثنين قادح في الإجماع.
وقد اشتهر الخلاف في ذلك عن ابن جرير الطبري، فقال: إنه يكون إجماع يجب على ذلك المخالف الرجوع إليه ووافقه أبو بكر أحمد على الرازي من الحنفية وأبو الحسن الخياط من المعتزلة وابن جرير بن منداد من المالكية.
ثم قال: وأمام هذه المسألة فإن النصوص فيها صريحة غير قابلة للتأويل بوجه قريب ولا بعيد ولا للنسخ لما سيأتي إن شاء الله تعالى وهي مع ذلك المتواترة عن النبي ﷺ أعني ما يدل على النهي عن ربا الفضل ولا تستعبدون دعوى التواتر فيها فمن تتبع الروايات عن النبي ﷺ حصل له العلم بذلك أو كاد.
قال الطحاوي - بعد ما ذكر ما رواه من الأحاديث - فثبت بهذه الآيات المتواترة عن رسول الله ﷺ النهي عن بيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب متفاضلًا.
ثم قال: وإذا كان في المسألة نصوص قطعية المتن قطعية الدلالة لم يكن مظان للاجتهاد بل الحق فيها واحد قطعًا.
غاية الأمر أن المجتهد المخالف لم يطلع عليها والتواتر قد يحصل في حق شخص ولا يحصل في حق آخر، فإذا خالف مجتهد لعدم اطلاعه على مثل هذه النصوص يكون معذورًا في مخالفته إلى حيث يطلع على النص ولا يحل العمل بقوله ذلك ولا "يقلده" - خطأ ولعل صوابه: ولا يقلد بالمفعول - فيه وينقض الحكم به ولو لم تصل إلى حد التواتر مع صراحة دلالتها كان الحكم كذلك. والله أعلم.
ثم مضى في بحث شيق في هذا الشأن لا يتسع له المجال فليراجع لنفاسته.
قلت: لا أحسب حديث أبي سعيد وابن عباس ينزل عن درجة التواتر عند استقصاء طرقه، ولا أجد سبيلًا للتمسك من بعضهم بروايات تشكك في عدم رجوع ابن عباس عن فتواه، ذلك بأن الأمة أجمعت على توثيق وتصحيح أحاديث البخاري ومسلم وعند كليهما ما يثبت بلا مراء رجوع ابن عباس عن فتواه، وقد سبق أن سقنا رواية البخاري حديث أبي سعيد في فصل " أحاديث في الصرف " ونسوق الآن روايات مسلم معتمدين على روايتي الشيخين إذ فيها الغناء عن روايات غيرهما.
стр. 6651
قال مسلم في (صحيحه: ٣/١٢١٦، ح ١٥٩٤) :
حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد الجرير، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم قال: فلا بأس به. فأخبرت أبا سعيد فقلت: إني سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس به. قال: أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتكموه، قال: فو الله لقد جاء بعض فتيان رسول الله ﷺ بتمر فأنكره، فقال: كأن هذا ليس من تمر أرضنا، قال: كان في تمر أرضنا أو في تمرنا العام بعض الشيء فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة، فقال: أضعفت أربيت لا تقربن هذا، إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الأعلى، أخبرنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف، فلم يريا به بأسًا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت عن رسول الله ﷺ ؛ جاء صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون، وقال النبي ﷺ : ((أنى لك هذا؟)) قال: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هذا الصاع فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا - فقال رسول الله ﷺ : ((ويلك أربيت! إذا أردت هذا فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت)) .
قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه.
وبعد أن استعرض السنهوري حجج القائلين بحصر الربا المحرم في ربا الجاهلية أو ربا النسيئة، والداحضين لدعواهم هذه وقد أوردنا طائفة صالحة منها فيما نقلناه آنفًا عن السبكي من التكملة الثانية للمجموع، قال:
أما ما ينبغي أن يكون عليه موقف الفقه الإسلامي من الربا في العصر الحاضر فقد تباينت الآراء في ذلك، وتعارضت الاتجاهات وبحسبنا أن نسجل هنا اتجاهين عصريين متعارضين في الربا أحدهما يستبقيه واسعًا، كما هو في المذاهب الفقهية، والآخر يضيق فيه حتى يكاد يغلقه، ثم ننتقل بعد ذلك إلى ما نعتقد أن يكون هو الموقف المعقول للفقه الإسلامي من الربا في العصر، ونختم البحث لبيان الموقف الفعلى الذي وقفته من الربا التقنيات المدنية الغربية.
انعقد مؤتمر الفقه الإسلامي في باريس سنة ١٩٥١ م، وكان الربا من بين المسائل العامة التي تناولها بحث المؤتمر وقد ظهر أن هناك اتجاهين متعارضين في مسألة الربا في العصر الحاضر.
اتجاه يستبقيه كما هو في المذاهب الفقهية لا يميز بين ربا وربًا، فجميع أنواع الربا محرمة تحريمًا قطعيًّا، وقد مثل هذا الاتجاه الأستاذ محمد عبد الله دراز في المحاضرة التي ألقاها في المؤتمر ومثل الاتجاه الآخر - وهو الاتجاه الذي يذهب إلى أن الظروف الاقتصادية التي حرم فيها الربا قد تحولت عما كان عليه من قبل تحولًا جوهريًّا وأن حكم الربا في العصر الحاضر ينبغي أن يختلف عما كانت عليه في العصور السابقة - الأستاذ معروف الدواليبي في محاضرة أخرى ألقاها في المؤتمر.
стр. 6652
يروي الأستاذ دراز حديث الربا المعروف ويشير إلى أن المذاهب الفقهية اعتبرت الأصناف الستة الواردة في الحديث - أحسبه يقصد حديث أبي سعيد الخدري - أمثلة من قاعدة عامة تنطبق على سائر الموارد التي تقوم عليها الحياة والتي مردها في الرأي الراجح عند الفقهاء إلى نوعين: الأثمان والمطعومات.
ثم يقول: (ص ١٤، ١٥) من المحاضرة - والعهدة على السنهوري فالمحاضرة ليست بين أيدينا -:
ومهما يكن من أمر في شأن هذا اختلاف الفرعي فإن هذه القاعدة تقضي بتقسيم الأشياء التي يراد تبادلها إلى ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يكون البدلان من نوع واحد كالذهب بالذهب، فهاهنا يخضع التبادل لشرطين اثنين التساوي في الكم والفورية في التبادل أعني عدم تأجيل شيء من البدلين. الضرب الثاني: أن يكونا من نوعين مختلفين من جنس واحد كالذهب بالفضة وكالقمح بالشعير فهذا يشترط شرطًا واحدًا وهو الفورية فلا يضر احتلاف الكم.
الضرب الثالث: أن يكون من جنسين مختلفين كالفضة والطعام، فلا يشترط في هذا شيء من القيدين المذكورين بل يكون التقايض فيهما حرًّا هكذا كلما كان البدلان من طبيعتين مختلفتين تمام الاختلاف بحيث لا توجد شبهة القصد إلى القرض بفائدة فإن الشريعة لا تضع أمام حرية التبادل حدًّا من الحدود، وهو تحري الصدق والأمانة فإذا ما أخذت طبيعة البدلين تتقارب بدون أن تتحد نرى عند الشرع شيئًا من الحذر المعقول المبني على احتمال أن يكون المتعاملان يقصدان إلى معاملات ربوية مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليهما تأجيل أحد العوضين سدًّا للطريق، أما فكرة القرض المحرم تحت ستار البيع، أما إذا اتحدت طبيعة البدلين - مع التفاوت في الأوصاف والقيم طبعًا وإلا لما كان هناك معنى التبادل - فإنه من السهل أن نفهم الحكمة التي من أجلها منع تأجيل البدل وذلك أن من شأن هذا التأجيل أن يحمل في طيه فكرة محظورة وإن يكون القصد هو القرض باسم البيع.
стр. 6653
ويذهب الأستاذ دراز إلى أن هناك دعائم قوية يقوم عليها تحريم الربا في جميع صوره، فهناك الدعامة الأخلاقية التي إذا جوزت الربح من طريق المعاملة (أي البيع) فإنها لا تجوزه من طريق المجاملة (أي القرض) وهناك الدعامة الاجتماعية وهذه تقضي بأن مجرد تقرير ربح مضمون لرب المال بدون أن يكون في مقابل ذلك ضمان ربح للمقترض هذا الوضع فيه محاباة للمال وإيثار له على العمل وهذه الوسيلة تزيد في توسيع المسافة وتعميق الهوة بين طبقات الشعب بتحويل مجرى الثروة وتوجيهها إلى جهة واحدة معينة بدلًا من أن تشجع المساواة في الفرص بين الجميع وأن تقارب بين مستوى الأمة حتى يكون أميل إلى التجانس وأقرب إلى الوحدة، وأن اللمحة البارزة في التشريع القرآني وكذلك في كل تشريع اجتماعي جدير بهذا الاسم هي الحيلولة دون هذه المحاباة لرأس المال على حساب الجمهور الكادح والسعي لتحقيق نوع من التجانس والمساواة بين أفراد الأمة إنها لكلمات قصيرة ولكنها ذات مدى بعيد تلك التي يرسم فيها القرآن دستور هذه السياسة حيث يقول: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الآية ٧ من سورة الحشر] (ص ٢٠) .
وهنالك أخيرًا الدعامة الاقتصادية فإنه بمجرد عقد القرض أصبح العمل ورأس المال في يد شخص واحد ولم يبق للمقرض علاقة ما بذلك المال، بل صار المقترض هو الذي يتولى تدبيره تحت مسؤوليته التامة لربحه أو لخسره حتى إن المال إذا هلك أو تلف فإنه يهلك أو يتلف على ملكه، فإذا أصررنا على إشراك المقرض في الربح الناشئ وجب علينا في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة إذ كل حق بقابله واجب أو كما تقول الحكمة النبوية: (الخراج بالضمان) (١) أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك هو معاندة الطبيعة ... ومتى قبلنا اشتراك رب المال في الربح والخسر معًا، انتقلت المسألة من موضوع القرض إلى صورة معاملة أخرى وهي الشركة التضامنية الحقيقية بين رأس المال والعمل وهذه الشركة لم يغفلها القانون الإسلامي بل أساغها ونظمها تحت عنوان: المضاربة " أو " القراض " غير أنه لكي يقبل رب العمل - خطأ صوابه: رب المال - الخضوع لهذا النوع من التعامل يجب أن يكون لديه من الشجاعة الأدبية ما يواجه به المستقبل في كل احتمالاته وهذه فضيلة لا يملكها المرابون لأنهم يريدون ربحًا بغير مخاطرة وذلك ما يسمى تحريف قواعد الحياة ومحاولة تبديد نظمها هكذا إذا سرنا وفقًا للأصول والمبادئ الاقتصادية في أدق حدودها كانت لنا الخيرة بين نظامين اثنين لا ثالث لهما، فإما نظام يتضامن فيه رب المال والعامل في الربح والخسر، وإما نظام لا يشترك فيه معه في ربح ولا خسر ولا ثالث لهما إلا أن يكون تلفيقًا من الجور والمحاباة.
стр. 6654
ثم ينتقل الأستاذ دراز إلى المسألة العملية الهامة في محاضرته فيقول: وأما المسألة الثانية وهي حكم الربا في وقتنا هذا، فإنها ليست قضية مبدأ وإنما هي قضية تطبيق ... وهي فوق ذلك ليست فيما أرى من الشؤون التي يقضي فيها فرد أو بضعة أفراد بل ينبغي أن يتداعى لها طوائف من الخبراء في القانون والسياسة والاقتصاد من كل جانب وأن يدرسوها دراسة دقيقة مستفيضة من جميع نواحيها الحاضرة والمستقبلية وكل ما أريد أن أقول الآن يتلخص في جملتين أرجو أن يتخذا أساسًا للبحث في التفاصيل الأولى، هي أن الإسلام قد وضع إلى جانب كل قانون بل قانون قانونًا أعلى يقوم على الضرورة التي تبيح كل محظور ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الآية ١١٩ من سورة الأنعام] . الثانية هي أنه لأجل أن يكون تطبيق قانون الضرورة على مسألة ما تطبيقًا مشروعًا لا يكفي أن يكون المرء عالمًا بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون المرء عالمًا بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون له من الورع والتقوى ما يحجزه عن التوسع أو عن التسرع في تطبيق الرخصة على غير موضعها، بل يجب أن يبدأ باستنفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام، فإنه إن فعل ذلك عسى ألا يجد حاجة للترخص ولا للاستثناء، كما هو سنة الله في أهل العزائم من المؤمنين ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الآيتان ٢ و ٣ من سورة الطلاق] (ص ٢١، ٢٢) .
ويبدو أن الأستاذ دراز يقرر كمبدأ عام تحريم الربا في جميع صوره وأشكاله دون تدرج في مرتبة التحريم بأن يكون من صور الربا ما هو محرم تحريم المقاصد وما هو محرم تحريم الوسائل وإذا تكلم عن الضرورة التي تبيح الربا، فإنما هي الضرورة الملحة التي يكون من شأنها أن تبيح أكل الميتة والدم، وذلك في جميع صور الربا دون استثناء وليست الضرورة عنده هي مجرد الحاجة، بل إنه أوصى في آخر عبارته بالهوادة والتأني قبل القول بقيام الضرورة ويتطلب ممن يقول بذلك فوق العلم لقواعد الشريعة الإسلامية ورعًا وتقوى يحجزانه عن التوسع أو عن التسوغ في تطبيق الرخصة على غير موضعها كما يجب أن يبدأ باستنفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام فإنه إن فعل عسى ألا يجد حاجة للترخص والاستثناء.
على أننا نلاحظ أن الأستاذ دراز من جهة أخرى يسلم بأن هناك صورًا من الربا إنما حرمت سدًّا للذرائع، فتحريمها تحريم للوسائل لا للمقاصد فهو يقول (ص ١٥) : " ولذلك نجده (أي المشرع) مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليهما تأجيل أحد العوضين سدًّا للطريق أمام فكرة القرض المحرم تحت ستار البيع ".
стр. 6655
ثم يقول (ص ١٧) : " وواضح أن تسمية الربح المجتلب من طريق هذا التبادل الذي تنقصه الصراحة والأمانة باسم الربا إنما هي تسمية مجازية قصد منها إلى إبراز ما فيه من مخالفة قانون الأخلاق ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية وذلك بتشبيه بالربا الحقيقي الذي هو مثل من السحت وأكل المال بالباطل" إذن هنالك ربا حقيقي هو مقل في السحت وأكل المال بالباطل وهنالك ربًا مجازي سمي ربا لإبراز ما فيه من مخالفة لقانون الأخلاق ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية وذلك بتشبيه بالبربا الحقيقي أليس الربا الحقيقي والربا المجازي في لغة الأستاذ دراز هو الربا الجلي والربا الخفي في لغة ابن القيم، بل إننا نرى الأستاذ دراز يساير ابن القيم فيما ذهب إليه من جواز بيع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبا فهو يقول (ص ٦١) : " فإذا صح ما ذهبنا إليه في تفهم مقاصد الشريعة من هذا الحكم لم يبق حرج قط - كما أوضحه ابن القيم في " أعلام الموقعين " - في أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبًا أو المصوغات الفضية بأكثر من وزنها فضة ذلك لأن قيمة الصنعة قد قدرت هنا بمعيارها الواضح الذي لا يدع مجالا لتزييف تراضي المتابعين " فهل يميز الأستاذ دراز في الحكم بين الربا الحقيقة والربا المجازي كما ميز ابن القيم في الحكم بين الربا الجلي والربا الخفي وهل هو يقر ابن القيم على أن الربا الحقيقي لا يجوز إلا للضرورة الملحة وأما الربا المجازي فيجوز لمجرد الحاجة؟ وهل أباح الأستاذ دراز كما أباح ابن القيم أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبًا لقيام الحاجة دون أن تقوم الضرورة؟ لا نظن ذلك فإن الأستاذ دراز يعلل الأمر في المصوغات الذهبية بأن للصنعة قيمة يقابلها شيء من الثمن فهو لا يتكلم هنا لا عن الضرورة ولا عن الحاجة ثم إن تمييزه بين الربا الحقيقي والربا المجازي لا يريد من ورائه تمييزا في الحكم بل مجرد البيان والإيضاح وإلا فهو قد جمع بين صور الربا كلها في حكم واحد وهو التحريم القطعي ولم يجز الربا في أية صورة إلا للضرورة الملحة ثم هو يريد من الناس أن تترفق قبل القول بقيام هذه الضرورة.
ويستند الأستاذ دراز في تقرير رأيه إلى الاعتبار الاقتصادي ويشير إلى ضرورة أن يتقاسم رأس المال والعمل الربح والخسارة كما هو في المضاربة أو القرض ولكن في نظام اقتصادي يقوم على رأس المال أي في نظام رأس مالي كالنظم القائمة في كثير من البلاد، يصح أن يكون لرأس المال أجرة مكفولة كأجرة الأعيان والأمر يتعلق بالنظام الاقتصادي القائم، فإذا أريد إيثار العمل على رأس المال وتوحيد طبقات الشعب دون محاباة لرأس المال على حساب الجمهور الكادح - كما يقول الأستاذ دراز في الاعتبار الاجتماعي الذي أخذ به - فإن هذا يقتضي في نظرنا تحرير النظام الاقتصادي القائم من نظام رأس مالي إلى نظام اشتراكي وللنظام الاشتراكي مبررات لا تقل عن مبررات النظام الرأس مالي.