أولا: أنه ليس تبرعا محضا وإنما تبرع مع معاوضة؛ لأنه هناك شرط في ذلك أن يعوض في حالة الضرر، والخسارة بالمبالغ المتفق عليها أيضا، ثم من الناحية الفنية البحتة في اعتقادي أن التأمين بالشكل التعاوني يستلزم إعادة تأمين، وإعادة التأمين تستلزم إعادة تأمين أيضا، إذا التزمنا بقضية دفع المبالغ حسب الاتفاق. أما إذا كانت قضية تبرع وتخفيف المضار وتوزيعها حسب حالات الصندوق فهذا لا غبار عليه. فإذن لا بد أن نناقش هذا الموضوع من هذه الجوانب المختلفة؛ لأنه قد لا تختلف الصورة كلية بين التعاوني كما قال الدكتور الزرقاء أن التعاوني قد يكون شبيها تماما بالتجاري، إلا أن قضية استخدام رؤوس الأموال في الربا، وهذه قضية جانبية، أنا أعتقد نركز قضايانا في قضية التأمين والعقد هذا على شيء احتمالي مقدر وفيه التزام وفيه ضمان من جانب المؤمن للمستأمن.
الشيخ إبراهيم الغويل:
الحقيقة عندي ثلاث نقاط. أولا نقطة بصفة عامة علي، وليعذرني إخوتي، على روح المناقشات، ثم تلخيص فيما يبدو لي في هذا الموضوع الذي نراه. ثم ملحوظة ثالثة نحو نظرة مستقبلية في هذه المواضيع.
النقطة الأولى فيما يتعلق بجو المناقشات – يبدو أننا بهذا الشكل سنظل باستمرار نناقش كل موضوع ثم نختلف حوله ثم نحيله إلى لجنة وتنتهي بهذه المقررات، هذه المناقشات فيما يبدو لي – وأذكر نفسي قبل أن أذكر إخوتي – تحتاج أن تسودها روح الشورى، والشورى هي بحث عن الحقيقة في مختلف الآراء كما يشور الإنسان العسل من مختلف خلايا النحل، الإنسان في الشورى يبحث عن الحق في قول أخيه، فإذا سمع قولا يغير به رايه، إنما أن جئنا كل منا برأيه وأراد أن يدلي به بغض النظر عما قيل قبله أو ما سيقال بعده لا شك أننا سننتهي في كل مسألة إلى خلاف وإحالة إلى لجنة وتختلف هذه اللجنة أن لم تسدها نفس الروح وهكذا. هذه الملحوظة الأولى، وأعتذر لإخوتي لا أخفيكم القول أنني حزنت خلال كل هذه المناقشات، يقال رأي ونشعر أننا نحن نقترب نحو خطوات عملية لمعالجة مشكلة تهم المسلمين وهي ضرورة، فإن لم تكن ضرورة فهي من الحاجيات الأساسية عند المسلمين، ثم نختلف من حيث لا ندري وننتهي إلى لا شيء.
стр. 667
فيما يبدو لي في موضوع التأمين، بدت هناك في كلمة الدكتور الجناحي الحقيقة نقطتان أساسيتان، حتى أنا سميت أن إحداهما ستكون النقطة المستقبلية التي أقترحها عليكم، معالجة لما هو قائم مع إبقاء الطريق نحو معالجة مستقبلية. الرجل بدأ يقول أن موضوع الزكاة من الممكن أن ننظر له نظرة مستقبلية ونظرة تنظر إلى روح معنى الزكاة، سيؤكد بالإضافة إلى جوانب أخرى سيؤكد معنى تحقيق ضمان اجتماعي شامل للمجتمع المسلم. ومن الممكن أن يغنينا عن كافة البدائل. إذن هذا سأرجئه بالنسبة للنظرة المستقبلية، في واقع الحال الأمر الآن أوضح أمرا واضحا، ويبدو أننا خلال المناقشات ننتهي إليه أن أردنا أن نبحث عن الحقيقة في أقوالنا.
أولا: نحن جميعا فيما يبدو لي مجمعون على إنهاء شركات التأمين الخاصة التي تستهدف الربح، فقط، وتتاجر بأمور الناس بغض النظر عن إمكانية تخريجها أو ما إلى ذلك. هناك أمامنا نوعان آخران أو ثلاثة أنواع أخرى من التأمينات السائدة، قال البعض وهو أمر سلكته ومن الممكن أن تسلكه الحكومات أيضا، ويجب أن نكون نحن عمليين وندفع بأمور الناس نحو التدرج السليم أن تكون هناك تأمينات كهيئات حكومية، وأنا لا أعتقد أن هناك حكومة مسلمة اليوم تمتنع عن هذا أن عرفت أنه من الممكن أن تقوم بهذه الخدمة للمسلمين في ذلك البلد، في نفس الوقت يسير مع هذا المعنى إمكانية هيئات التأمين التبادلي مدعومة بهيئات التأمين التعاوني، هناك خطوات متدرجة، هذا كله ليس الحل الأمثل، نحن نقول أن هناك أولا خطوات يجب أن تتخذ، أولا يجب أن تنهى المتاجرة والمرابحة والاستغلال في مجال الأمور المتعلقة بدفع الأخطار عن المسلمين.
ثانيا: أن نقول نحن نحض على تشجيع التأمين التعاوني والتبادلي بين مختلف الجماعات الإسلامية، ومن ذلك أن تقوم الحكومات الإسلامية بهذه المسئولية أيضا.
ثالثا: هذه خطوات نحو تأكيد معنى التأمين الحقيقي الذي يقوم على أساس إسلامي ويجد أساسه في الزكاة وفي بند الغارمين.
يبدو لي أننا يجب أن نفكر بأمور كمواجهة لضرورات وحاجات المسلمين وندفع بها نحو مزيد من التطبيق الإسلامي الذي يقدم جديدا للإنسانية. إنما أن بقينا نبحث عن نقاط الخلاف، فسنجد نقاط خلاف في كل قول وسنختلف جميعا وسنحيل إلى لجان وتختلف اللجان وتنتهي إلى لا شيء. واقع المسلمين اليوم أن هناك ضرورات، واقع المسلمين هناك حاجات ليست أمورا تكميلية. المسلمون اليوم إما أن نقدم لهم حلا وندفع به نحو المستقبل ومزيد من التطبيق الإسلامي وإما سيستغنون عن أي كلام يسمعونه في هذا الموضوع.
стр. 668
فيه ملاحظة أخرى وهي كما قلت نحو المستقبل دائما، أود أن يكون روح الإسلام وجهة الإسلام أنه نظام العالم الجديد للإنسانية كلها هو الذي يسود. ونظام عالمي جديد يقوم على أساس الإسلام يذكر أول ما يذكر أن ربي قبل أن يحرم الربا تحريما كاملا على مراحل نزول الآيات ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ الأصل ألا آكله، فالأصل أن المنع يبدأ المسلم أن يقدم القدوة من نفسه فكيف ننقلب كأننا بني إسرائيل، نقول: تعامل مع أخيك لا تتعامل بربا ولكن مع الآخرين استغلهم كما تريد.
سيدي أنا أود نفكر بروح البحث عن الحقيقة، البحث على أن هذا الإسلام يقدم نظاما عالميا جديدا وإنا نحن حين نعالج واقع اليوم نعالجه لكي ندفعه نحو هذه الوجهة.
إذن نمنع هذا الشركات المستغلة الآتية إلينا من الخارج التي تدفع بأموالنا إلى الخارج، ولكن أيضا ندفع نحو التأمين التعاوني والتبادلي ونؤكد على الحكومات بأن تقوم بهذه المسئولية في طريق تأكيد الضمان الاجتماعي الشامل الذي تقدمه الزكاة. ولقد استمعنا إلى الأخ المحاضر وهو يقول: إنه بصدد دراسة وتقديم إحصائيات تبين كيف أن بند الزكاة من الممكن أن يغطي أغلب الالتزاماتت الاجتماعية والضمانات الاجتماعية. فإذا كنا نستمع فنتتبع أحسن ما قيل ذلك سيؤدي بنا إلى حلول. أن كنا نستمع لكي نختلف فأعتقد أننا سننتهي بكل مشكلة إلى خلافات لا حد لها وإحالتها إلى لجنة ولا ندري أين ننتهي وشكرا، وآسف.
الرئيس:
هناك كلمات لثلاثة من المشايخ، فإذا سمحوا لنا وتنازلوا عنها لأن هذا الموضوع استهلك فيه من الوقت الشيء الكثير.
стр. 669
الشيخ حسن عبد الله الأمين:
لقد أعطيتني الفرصة سيادة الرئيس.
الرئيس:
تفضل.
الشيخ حسن عبد الله الأمين:
أريد أن أتحدث في ثلاث نقاط، حديث سريعا. النقطتان الأوليان أثارهما الأخ مقدم الموضوع الأستاذ عبد اللطيف الجناحي. والنقطة الثالثة أثارها الأخ عبد الله إبراهيم ممثل ماليزيا فيما أعتقد في وقت سابق قبل فترة الاستراحة، وتحدث حولها شيئا ما الدكتور الزبير. أما ما أثاره الاخ عبد اللطيف فالنقطة الأولى فيه هي أن التأمين التعاوني يبدأ ضعيفا لقلة عدد المشتركين فيه، وقلة المال الذي يؤمن المخاطر التي قد تحدث لبعضهم. وأقترح لذلك أن تاخذ شركات التأمين التعاوني قروضا من البنوك الإسلامية كاحتياطي مدفوع تؤمن به هذه المخاطر العاجلة. وفي الحقيقة، منذ ثمان سنوات في السودان شركة تأمين إسلامية تعاونية على المبادئ التي ذكرها الأخر عبد اللطيف الجناحي. وفرت لهذا المحظور أو لهذا الخطر المتوقع شيئا بطريقة أخرى في أنه قانون الشركات في السودان وقد تكون كثير من الدول النامية لديها هذا الاتجاه في قوانين الشركات أنه لا يسمح بقيام أية شركة كانت إلا بمجلس إدارة ومبالغ معينة مقدرة سلفا كرأس مال لهذه الشركة من ضمنها شركة التأمين الإسلامية. فلم تستثن من هذا. فكان من الضرورة أن يكون هناك مجلس إدارة ومؤسسون ورأس مال لهذه الشركة، فاتخذت هذه حيلة ومخرجا، بل كان والحمد لله دعما لشركة التأمين الإسلامية. فأسست شركة تأمين الإسلامية برأس مال محدد وبأسماء أشخاص معينين ثم فصلت حقيبة المشتركين في التأمين التعاوني عن الشركة الأم ورأس مالها وأصبح التأمين التعاوني يدور في هذا الصندوق وأصحاب الحقائب المشتركين فيه إلى أن توسع إلى حد كبير والحمد لله واستغنى عن التأمين الذي كان موفورا له من خلال الصندوق ملك المؤسسين، فشخصية الشركة لدى المؤسسين منفصلة عن شخصية صندوق التأمين التعاوني، وأصحاب الحقائب المشتركين فيه منفصلون كاملا، وبذلك توفر هذا التأمين والحمد لله الذي أشار إليه الأخ عبد اللطيف الجناحي.
الثانية، أن الأخ عبد اللطيف أشار إلى أنه من يصيبه خطر من المؤمنين تأمينا تعاونيا جرت العادة لدى بعض شركات التأمين التعاوني أن يحرم من الأرباح وأن لا يعود عليه شيء من الفائض في نهاية السنة الحسابية لشركة التأمين. وهذا لم يجر في شركة التأمين الإسلامي في السودان فيما أعلم التي أسسها بنك فيصل الإسلامي. وهم يدخلون صاحب المخاطر مع من لم يصبه خطر في عائد الأرباح. هذا فيما يبدو لي اتجاه سليم؛ لأننا نحن تعاقدنا على التعاون جميعا ونتحمل الخطر جميعا فإذا فصلنا صاحب الخطر وحملناه الخطر وحده كأننا نقضنا مبدأنا من أساسه. ولا أدري ما هي الشركات التي تقوم بهذه الطريقة الأخرى التي أشار إليها الأستاذ.
стр. 670
النقطة الثالثة التي أثارها الأستاذ عبد الله إبراهيم، هو طرح سؤالا: كيف يكون المؤمن تأمينا تعاونيا صاحب ملك فيما يتبرع به. وهي أساسا تقوم على أساس التبرع؟ كيف يعود إليه الفائض ويكون ملكا له؟ والحقيقة أنا أشكر الأخ على إثارة هذا الموضوع؛ لأنه منذ أن أنشئت شركة التأمين الإسلامية في السودان منذ ثمان سنين كان من حين لآخر يخطر ببالي هذا السؤال، وبكل أسف تجنبت التعمق فيه والتفكير الطويل والإجابة عليه دهرا طويلا، وأنا أشكره على إثارته الآن. ويبدو لي أن الطريق التي يجري به تحصيل أقساط شركات التأمين التعاونية، هي من الناحية الفنية نفس الطريقة التي تقدر بها أقساط التأمين على السيارة أو على الطائرة أو على السفينة بنفس الأسس الفنية التي تقدر بها حصص التأمين وأقساطه في شركات التأمين العادية، فيجري هذا في شركات التأمين التعاوني وتؤخذ هذه الحصص وتوضع في صندوق التأمين التعاوني، ثم بعد ذلك يقابل المخاطر التي تحدث من هذه الحصص يكون هو المتعاقد عليه تبرعا ويسقط وما يتبقى بعد ذلك يظل في ملكية صاحبه كما هو ويعود إليه في نهاية الوقت. يبدو لي أن الفكرة تسير على هذا الأساس وأنا أطرحها هكذا، كرأي فطير ليس مختمرا وأعتبره مؤشرا في التفكير لدى الإخوة الزملاء. وشكرا.
стр. 671
الشيخ أحمد البزيع ياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الأخ عبد اللطيف أولا أنا مستبشر جدا بالمجمع الفقهي الذي قامت به الدول الإسلامية وهذه بشارة خير إن شاء الله تعالى استنادا إلى قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ تعهد الله بحفظ ذكره، وأنتم من أهل العلم، والعلماء ورثة الأنبياء وبإذن الله نصل إلى نتيجة مرضية بإذنه تعالى ومجمع الفقه هذا مجمع فقهي وليس مجمعا سياسيا.
الأخ أنابني أن أجاوب فضيلة الشيخ محمد عن سؤال يقول: هل يستطيع الفرد العادي الذي لم يشترك في رأس مال الشركة هل يجب أن يكون عضوا حتى يمكن أن يؤمن؟ طبعا لا، يستطيع أي فرد عادي أن يؤمن عند هذه الشركة. ثم أحب أن أبين عندما ثبت لدينا ثبوتا يقينيا بحرمة شركات التأمين الربوية بدأنا وعملنا البديل يعني نحن لم ننتظر المجمع الفقهي أن يبحث ويعطينا القرار بدأنا في البديل ولله الحمد الآن عندنا عدة شركات تأمين وبدأنا بشركة تأمين الآن إعادة تأمين بخمسين مليون دولا مدفوع منها الآن تحت الطلب ٢٥ مليون دولار، فالآن التوصية التي أود أن نبينها أن نوصي البلاد الإسلامية في تشجيع هذه الشركات وتكون هي البديل، في الحقيقة وصيتنا أن نشجع الشركات البديلة القائمة الآن ونشجعها بالانتشار وأن تسهل الحكومات الإسلامية مهمتها حتى تقوم برسالتها وتكون البديل. ثم بالنسبة للزكاة في الحقيقة الزكاة لها علاقة وثيقة جدا في التعويض ومن بنودها الغارمين وأنا صار بيني وبين رئيس أكبر بنك عالمي أمريكي عن بنود الزكاة وأبواب الزكاة تشمل الغارمين فقال: لو كنا نعلم هذا أنتم مقصرون في الإعلام عن دينكم. لو أننا نعلم فيه تعويضا. ثم توصية الأخ عبد اللطيف في الحقيقة أثني عليها لأن على المصارف الإسلامية حتى لما تقوم البلاد الإسلامية بإنشاء هيئات تعاونية، نوصي وصية بأن تكون هذه المصارف الإسلامية بما أنها قامت ونجحت من الجماهير الإسلامية المسلمة المؤمنة وبتأييد شعبي إسلامي منقطع النظير، في الحقيقة يا إخوان عندما بدأنا بيت التمويل الكويتي وجدت الناس على الباب كالإبل العطشى الظمآنة التي تريد أن تشرب لأن المسلم عندما تتاح له الفرصة في ممارسة عقيدته يأتي إليها راغبا، فالذي يحول في الحقيقة بين المسلمين وبين تطبيق عقيدتهم الإسلامية ذلك رجل ظالم لنفسه مبين. فنرجو أن نوصي أن على المصارف الإسلامية بما أنها حصلت على هذا التأييد، أن تقوم بتأسيس الجمعيات التعاونية أو التبادلية حتى تحل محل الشركات الربوية، هي في الحقيقة ليست شركات تأمين بل هي شركات ربوية حقيقة مثل ما وضح الأخ عبد اللطيف. وشكرا لكم.
стр. 672
الرئيس:
شكرا، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها المشايخ إنه من خلال البحوث العميقة في مسألة التأمين وإعادة التأمين سواء كان التأمين التعاوني أو التأمين التجاري ومن خلال هذه المداولات ومن خلال السماع لوجهات النظر في البديل الإسلامي فإننا نستطيع أن نكيف اتجاه أنظار، أن لم نقل الكل يكاد أن يكون الكل. وهو أن التأمين التعاوني لا شبهة فيه شرعا على الصفة المقررة لدينا، والتي سبق تقريرها من عدة مجامع ومحافل علمية.
ثانيا: أن التأمين التجاري قال الشيخ الضرير كلمة، أن هذا موضوع تخطاه الزمن، وقال الشيخ عبد السلام أن هذا موضوع أفتى به جموع من العلماء والذي تحرر أن هذا الموضوع الذي هو التأمين التجاري مر بعدد من المجامع العلمية ودور الدراسات الاقتصادية والدراسات الإسلامية وأن الذي اتجهت إليه أنظار أهل العلم ربما في بعضها يتجهون بالإجماع كما في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وقد استحضروا الشيخ مصطفى الزرقاء وهذا يدل على وجود خير في نفوسهم ليستنيروا بما لديه فانتهوا بالإجماع على تحريم التأمين التجاري بصوره الحاضرة بجميع دروبه وأشكالة الحاضرة، ثم أنه درس في مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة وكان فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء أحد أعضائه، فانتهى المجمع بالإجماع كما أجمع على التأمين التعاوني إباحة فإنه انتهى بالإجماع عدا الشيخ مصطفى الزرقاء إلى تحريم التأمين التجاري. ثم إنه كما تعلمون من قبل درس في دمشق ودرس في القاهرة ودرس في عدد من البلدان الإسلامية وكانت لرؤية الكثرة الكاثرة هي على القول بالمنع، وهذا القول الذي يقول بالجواز أو يحدد وجوها منه فإنه بقي طريدا ليس له من ينصره نصرا جماعيا. وذلك أن عقد التأمين التجاري هو عقد معاوضة مشتملة على الغرر والمخاطرة وعلى أسلوب الابتزاز والاستغلال والامتصاص لأن فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، إضافة إلى عنصر ربا الفضل أو النسأ فيه وإلى أنه عقد رهان والرهان لا يكون إلا على ما تحققت فيه مصلحة شرعية على ما هو منصوص عليه شرعا إلى غير ذلك من الوجوه التي تحف بهذا العقد. ثم إنني أريد أن أوضح مسألة مهمة في القرار الذي سيكون صدوره بإذن الله تعالى وهو أننا – الجواب على قدر السؤال – ما حكم إنشاء التأمين التجاري؟ أما قضية الضرورة، قضية الحاجة فهذه الأمور ليست محل سؤال وهذه يفتي بها الفقيه من ابتلي بها لأن الضرورة والحاجة تقدر بقدرها ولكل حالة ظروفها وملابساتها، لكن العبرة بالأصل وهو إنشاء عقود التأمين أو شركات ومؤسسات التأمين التجاري، تحرر كالآتي:
أولا: القول بإباحة التأمين التعاوني وأنه لا غبار عليه شرعا على ما هو موصوف هنا.
ثانيا: اتجاه الأكثرية في مجمعكم هذا إلى القول بحرمة التأمين التجاري.
ثالثا: مناشدة الدول بتكثيف إيجاد شركات التأمين التعاوني بصفتها المعتبرة شرعا، ثم تجسيد ذلكم البديل، شركات التأمين التعاوني على ما هو مقرر لدى المجامع السابقة في هذا.
وبهذا نكون انتهينا من بحثنا في هذا الموضوع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 673
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم ٢
بشأن
التأمين وإعادة التأمين
أما بعد:
فإن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ/٢٢ – ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥م.
بعد أن تابع العروض المقدمة من العلماء والمشاركين في الدورة حول موضوع "التأمين وإعادة التأمين".
وبعد أن ناقش الدراسات المقدمة.
وبعد تعمق البحث في سائر صوره وأنواعه، والمبادئ التي يقوم عليها والغايات التي يهدف إليها.
وبعد النظر فيما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن.
قرر:
١ – أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد. ولذا فهو حرام شرعا.
٢ – أن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون. وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني.
٣ – دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني، وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة.
والله أعلم.
стр. 674
حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد
الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. وبعد فهذا بحث عن:
حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد:
أقدمه لمجمع الفقه الإسلامي استجابة لطلبه:
الفائدة التي تتعامل بها البنوك من ربا القرض الثابت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع، وإليكم البيان:
١ – أنواع الربا:
الربا نوعان: الأول ربا الديون، ويشمل ربا الجاهلية وربا القرض، والثاني ربا البيوع. ويشمل ربا النسيئة وربا الفضل.
٢ – ربا الجاهلية:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (١)
هذه الآية هي أول ما نزل في تحريم الربا، والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزول الآية، وهو كما يقول ابن جرير الطبري: " أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك.. "
روى هذا التفسير لربا الجاهلية عن عطاء ومجاهد وقتادة. (٢)
ويقول القرطبي: " أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما تربي. (٣) .
فربا الجاهلية على هذا التفسير كان في اقتضاء الدين بعد حلول الأجل. والدين قد يكون أصله بيعا إلى أجل، وقد يكون قرضا بزيادة أو بغير زيادة، فإذا حل الأجل طالب البائع أو المقرض المدين فإن لم يكن عنده ما يفي به اتفقا على أن يمد الدائن الأجل ويزيد المدين المال، وهكذا عند حلول كل أجل.
стр. 675
٣ – ربا القرض:
ربا القرض هو القرض الذي تكون فيه منفعة للمقرض مشروطة في العقد، وصوره كثيرة: منها أن يقرضه مالا على أن يرد له أكثر منه. (١)
وهذه هي الصورة المألوفة التي يتعامل بها الأفراد والبنوك وهي القرض بفائدة.
٤ – هل يدخل ربا الفضل في ربا الجاهلية؟
ما نقلته عن الطبري في تصوير ربا الجاهلية لا يدخل فيه ربا القرض الذي تكون فيه الزيادة مشروطة في العقد الأول؛ لأنه كله في اقتضاء الدين بعد حلول الأجل. وعلل الشيخ محمد رشيد رضا هذا بقوله: "وكأنهم كانوا يكتفون في العقد الأول بالقليل، فإذا حل الأجل، ولم يقض المدين، وهو في قبضتهم اضطروه إلى قبول التضعيف في مقابلة الإنساء ". ثم قال " وما قالوه – الطبري وغيره – هو المروي عن عامة أهل الأثر، ومنه عبارة الإمام أحمد الشهيرة، وهي أنه لما سئل عن الربا الذي لا يشك فيه قال: هو أن يكون دين فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقض زاده في المال، وزاده هذا في الأجل". (٢) .
٥ – بعض ربا القرض يدخل في ربا الجاهلية قطعا:
التصوير الذي ذكره الطبري لربا الجاهلية وارتضاه الشيخ محمد رشيد رضا تدخل فيه صورة من صور ربا القرض قطعا، وهي إذا أقرضه مبلغا ثم طالبه به عند حلول الأجل فأمهله نظير زيادة يدفعها إليه المقترض، فإن هذه الصورة هي ربا الجاهلية بعينه، ويقابلها في التعامل المصرف المعاصر ما يعرف بالربح المركب، أو الفوائد على الفوائد، أو الفوائد التأخيرية، وقد أشار إلى هذه المعاملة الشيخ محمد رشيد رضا (٣) ، والدكتور السنهوري. (٤)
٦ – بعض الروايات تجعل ربا القرض في صورته البسيطة من ربا الجاهلية تصور بعض الروايات ربا الجاهلية تصويرا ينطبق تمام الانطباق على القرض بزيادة مشروطة في القرض أو القرض بفائدة وهو ربا القرض: يقول أبو بكر الجصاص: " والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ". ويقول أيضا: " ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة ... " (٥)
ويقول في موضع آخر: " معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل ". (٦)
стр. 676
ويقول الإمام فخر الدين الرازي: " اعلم أن الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل، أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به ". (١)
ويقول الألوسي: " روى غير واحد أنه كان الرجل يربي إلى أجل، فإذا حل قال للمدين: زدني في المال وأزيدك في الأجل فيفعل، وهكذا عند كل أجل فيستغرق بالشيء الضعيف ماله بالكلية فنهوا عن ذلك ". (٢)
فهذه الروايات صريحة في أن ربا الجاهلية كان يأخذ شكل القرض بزيادة كما يأخذ شكل الزيادة في الدين عند حلول الأجل إذا لم يكن عند المدين ما يفي به، ثم تتكرر الزيادة بتكرر التأخير في الأجل، وعلى هذا فحكم الزيادة في القرض عند العقد الأول – ربا القرض – وحكم الزيادة بعد حلول الأجل – ربا الجاهلية – واحد أو إن شئت فقل: إن ربا القرض من ربا الجاهلية، والنوعان يطلق عليهما ربا الديون، ويطلق عليهما بعض العلماء ربا النسيئة، كما رأينا في عبارة الفخر الرازي.
٧– حكم ربا الديون:
حكم ربا الديون ويشمل كما قلنا ربا الجاهلية وربا القرض، هو الحرمة، وهذا الحكم ثابت بالقرآن والسنة والإجماع.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ . (٣)
وعبارة ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس المراد منها تقييد الربا المنهي عنه بالأضعاف المضاعفة، وإنما المراد منها بيان الواقع. (٤)
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . (٥)
قال ابن جرير الطبري: " أن الذين كانوا يأكلون الربا من أهل الجاهلية كان إذا حل مال أحدهم على غريمه يقول الغريم لغريم الحق: زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لأجل، فإذا قيل لهما ذلك قالا: سواء علينا زدنا أول البيع، أو عند محل المال، فكذبهم الله في قيلهم فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . يعني وأحل الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع، وحرم الربا، يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل وتأخيره دينه عليه ". (٦) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . (٧)
قال ابن جرير الطبري: " ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أسلموا ولهم على قوم أموال من ربا كانوا قد قبضوا بعضه منهم ... وبقي بعض فعفا الله جل ثناؤه عما كانوا قد قبضوا قبل نزول الآية، وحرم عليهم اقتضاء ما بقي " (٨)
ثم جاء قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
(٩)
стр. 677
مبينا بيانا شافيا أن أخذ أي زيادة على رأس المال ظلم منهي عنه.
وأما السنة فقوله ﷺ في حجة الوداع: ((وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)) . (١)
واضح أن هذه السنة مؤكدة لما في القرآن من تحريم أخذ أي زيادة على رأس المال.
ومن السنة ما روي عن علي ﵁: ((أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة، وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : كل قرض جر منفعة فهو ربا)) (٢)
وهذا الحديث وإن كان في سنده مقال إلا أن معناه يؤيده القرآن، ولهذا فقد اتفقت المذاهب الأربعة على العمل به.
وأما الإجماع فقد نقل عدد من العلماء الإجماع على تحريم ربا الديون بنوعيه ربا الجاهلية وربا القرض.
قال ابن رشد: " واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك، فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان متفق عليه وهو ربا الجاهيلة الذي نهى عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون فكانوا يقولون: أنظرني أزدك، وهذا هو الذي عناه ﵊ بقوله في حجة الوداع: " ألا وأن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب ". (٣)
وقال النووي: " أجمع المسلمون على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر ". (٤)
ويقول ابن قدامة: " وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بلا خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا ". (٥)
ويقول القرطبي: "أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا. ولو كان قبضة من علف كما قال ابن سعود، أو حبة واحدة ". (٦)
стр. 678
٨ – النوع الثاني: ربا البيوع
عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كانت يدا بيد)) . رواه أحمد ومسلم. (١)
بين الرسول ﷺ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الأصناف التي يجري فيها ربا البيوع وحكمه، وقد أجمع الفقهاء على جريان ربا البيوع في هذه الأصناف الستة الواردة في الحديث، واختلفوا في جريان الربا في غيرها، ولكنهم اختلفوا في تحديد الأصناف التي تلحق بها بسبب اختلافهم في علة جريان الربا في الأصناف الستة. (٢)
وربا البيوع يشمل كما قلنا ربا النسيئة وربا الفضل، فإذا بيع الصنف بصنفه حرم فيه النساء والتفاضل، أي التأخير والزيادة، وإذا بيع الصنف بصنف آخر حرم النساء وجاز التفاضل، وقد أجمع العلماء على هذا الحكم عملا بحديث عبادة، إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل. (٣)
٩ – ربا البيوع لا يجري إلا في الأموال الربوية وربا الديون يجري فيها وفي غيرها:
يتبين مما ذكرناه أن ربا البيوع في الأموال الربوية وحدها، وهي الأصناف الستة وما يلحق بها عند جمهور الفقهاء، أما ربا الديون فيجري في الأموال الربوية وفي غيرها باتفاق الفقهاء، وهذا فارق هام بين نوعي الربا ترتب على عدم مراعاته خطأ جسيم وقع فيه بعض الباحثين، فأجازوا الفائدة التي تتعامل بها البنوك بكل صورها ومقاديرها على أساس أن النقود الورقية التي نتعامل بها في الوقت الحاضر ليست من الأموال الربوية.
стр. 679
ونورد فيما يلي النصوص التي تثبت أن ربا الديون – ومنه الفوائد التي تتعامل بها البنوك –يجري في الأموال الربوية وفي الأموال غير الربوية.
روي عن زيد أنه كان يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن (١) يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل يقول له: تقضيني أو تزيدني أن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك أن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حقة، ثم جذعة، ثم رباعيا، ثم هكذا إلى فوق، وفي العين (٢) يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه، قال: فهذا قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ . (٣)
فهذا نص صريح في أن ربا الجاهلية كان في الذهب والفضة وفي الحيوان أيضا.
أما ربا القرض فيجري في كل ما يجوز فيه القرض، سواء أكان من الأموال الربوية أم من غيرها.
وإليكم هذه النصوص من كتب الشافعية:
يقول الشيرازي: " يجوز قرض كل مال يملك بالبيع ويضبط بالوصف؛ لأنه عقد تمليك يثبت العوض فيه في الذمة فجاز فيما يملك ويضبط بالوصف كالسلم، فأما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر وغيرها ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا يضبط بالوصف لا مثل له، والثاني يجوز؛ لأن ما لا مثل له يضمنه المستقرض بقيمته. والجواهر كغيرها في القيمة". (٤)
ويقول الشيرازي أيضا: "ولا يجوز قرض جر منفعة مثل أن يقرضه ألفا على أن يرد عليه أكثر منه ". (٥)
стр. 680
وهذا صريح في أن ربا القرض يجري في الأموال الربوية وفي غيرها.
ويقول الرملي المتوفى ١٠٠٤ هـ في شرحه لعبارة النووي "ويرد المثلي في المثلي": " لأنه أقرب إلى حقه، ولو في نقد بطلت المعاملة به، فيشمل ذلك ما عمت به البلوى في زماننا في الديار المصرية من إقراض الفلوس الجدد ثم إبطالها وإخراج غيرها وإن لم تكن نقدا " (١)
ويقول أيضا: ولا يجوز قرض نقد أو غيره أن اقترن بشرط رد زيادة على القدر المقرض. (٢)
وعلى هذا فربا القرض لا يجوز في مذهب الشافعية كما لا يجوز عند غيرهم سواء أكان المال ربويا أم غير ربوي.
هذا وفي قوله تعال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ما يفيد أن ربا الديون الذي وردت فيه الآية يكون في كل مال، والنقود الورقية مال من غير شك.
يتضح مما تقدم أن الفائدة التي تدفعها البنوك عند الاقتراض من الغير والفائدة التي تأخذها عند قرض الغير ربا محرم بإجماع المسلمين سواء اعتبرنا النقود الورقية من الأموال الربوية – وهو الحق – أو لم نعتبرها؛ لأن هذه الفائدة من ربا الديون وليست من ربا البيوع، ولا يشترط في ربا الديون أن يكون المال من الأصناف الستة الربوية أو ما يلحق بها.
وتشمل الحرمة كل أنواع التعامل بفائدة، فتشمل القرض بفائدة قليلة أو كثيرة، بسيطة أو مركبة، كما تشمل القرض للاستهلاك والقرض للانتاج (التمويل) وتشمل أيضا فتح الاعتماد بفائدة وتشمل أيضا خصم الأوراق التجارية؛ لأن هذه العملية في حقيقتها قرض بفائدة، فالبنك عندما يتسلم الورقة التجارية التي تكون مستحقة الدفع بعد شهر ويدفع لصاحبها أقل من قيمتها، كأنه يقرض صاحبها مبلغا ليأخذ أكثر منه بعد شهر.
والله أعلم.
стр. 681
حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد
فضيلة الشيخ محمد علي عبد الله
المراد هنا من كلمة الفوائد لغة الزيادة التي تحصل للإنسان من مال أو علم، وهي عبارة عن ربح المال في زمن محدد وبسعر محدد. ونحن نعلم أن الربا يعتبر من البيوعات الفاسدة المنهي عنها نهيا مغلظا ويعبر عن الربا بالزيادة. وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي علت وارتفعت. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي أكثر عددا.
وقد عرف الفقهاء الربا اصطلاحا بأنه زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير أن يقابل هذه الزيادة عوض.
وينقسم الربا المشار إليه إلى قسمين: ١ – ربا النسيئة. ٢ – ربا الفضل.
ويعتبر ربا النسيئة أكثر رواجا في عصرنا الحاضر وهو الذي تتعامل به المصارف في وقتنا هذا.
ويقصد بربا النسيئة زيادة أحد البدلين المتجانسين مقابل تأخير الدفع. وهو على عموم الفقهاء كبيرة من الكبائر، حرمه الله تعالى بقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
والربا المقصود به هنا هو الربا المعروف لدى العرب في الجاهلية؛ إذ كان العربي في ذلك العصر إذا داين شخصا لأجل وحل موعده فإنه يقول لمدينه: أعط الدين أو أرب، أي إما أن تعطي الدين أو تؤخره بالزيادة، ومثاله أيضا ما كان متعارفا عندهم من أن يدفع أحدهم للآخر مالا لمدة ويأخذ كل شهر قدرا معينا، فإذا حل موعد الدين ولم يستطع المدين أن يدفع رأس المال أجل له مدة أخرى بالفائدة التي يأخذها منه وهو الربا الغالب في عصرنا، تتعامل به أغلبية المصارف العصرية من إعطاء ما يؤجل بفائدة سنوية أو شهرية على حسب المائة. وهذا النوع من الربا حرمه الله ونهى عنه كافة الأمم؛ لما فيه من إرهاق المضطرين، والقضاء على عوامل الرفق والرحمة بين الناس كما ينزع التعاون والتناصر بين الناس. فيصبح الإنسان ماديا يستغل أخاه ويرده إلى أرذل العمر. رغم أن الله تعالى قد أوصى الأغنياء بالفقراء وجعل لهم حقا معلوما في أموالهم. وشرع القرض لإغاثة الملهوفين وإعانة المضطرين.
стр. 682
وقد ورد النهي عن الربا في آية آل عمران في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فالله تعالى في هاته الآية الكريمة يلفت نظر المرابين لما قد يؤول إليه أمر الربا من حصر الأموال في فئة المرابين مع تحطيم المدين وذلك بإضعاف ماله من جراء تراكم فوائد الربا، وعندما يصبح عاجزا عن تسديد ديونه يقع الحوز على بقية أمواله وبذلك يقع القضاء على ما بقي في المدين من حياة.
ومن الملاحظ أن بعض الفقهاء أردف بأن القرض بفائدة يعد ربا وبالتالي اقتراض المال مع التسديد بفائدة لا يعد بيعا. في حين أن الربا عقد بيع لا بد له من صيغة أو ما يقوم مقامها.
وقد أردف عليهم جمهور الفقهاء بحجتهم على اعتبار أن القرض بالفائدة ينجر عنه أكل أموال الناس بالباطل وبالتالي فإن مضار الربا متوفرة فيه وعلى هذا الأساس تكون حرمته كحرمة الربا.
والنوع الثاني من الربا هو ربا الفضل وهو بيع أحد الجنسين بمثله بدون تأخير في القبض وهذا النوع من الربا حرام أيضا.
ومن الملاحظ أن مثل هذا الربا ليس له تأثير في المعاملة لقلة وقوعه.
وخلاصة القول أن تعامل المصرفي المعاصر بالفوائد يدخل ضمن البيوع الفاسدة التي تقوم على الربا وهذا حرام، والله ﷻ جعل المرابين خارجين عليه، ومحاربين له ولرسوله، ومن يقدم على ذلك فإنه يعرض نفسه للتهلكة.
стр. 683
حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد
الدكتور علي أحمد السالوس
محتوى البحث
- تقديم.
- وظيفة البنك.
- ودائع البنوك عقد قرض شرعا وقانونا.
- القرض الاستهلاكي والقرض الإنتاجي.
- القرض الإنتاجي الربوي وشركة المضاربة.
- الفرق بين القرض والمضاربة.
- الثابت والمتطور في القرض والمضاربة.
- النص والاجتهاد في المضاربة.
- ابن تيمية يبين أن المضاربة ثابتة بالسنة.
- هل البنك فقير حتى نقرضه؟
- هل الربا يحل بالعادة.. والرضا والاستفادة؟!
- المنفعة للمقرض.
- الأدلة من كتب السنة.
- دفتر التوفير.
- الإقراض العادي والإقراض بفتح الاعتماد.
- خصم الأوراق التجارية قرض ربوي.
- الخاتمة.
стр. 684
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
تقديم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونسأله العون والرشاد، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل. والصلاة والسلام على الرسول المصطفى خير البشر، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فمن المعلوم أن المعاملات في الإسلام تجمع بين الثبات والتطور، فالربا والغش والاحتكار من الأشياء التي حرمها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، وهي حرام إلى يوم القيامة، في كل زمان وفي كل مكان، مهما اختلفت الصور والأشكال. فليس لأحد أن يحل صورة مستحدثة أو شكلا جديدا ما دام في جوهره يدخل تحت ما حرمه الله .
والبيع حلال إلى يوم يبعثون، ولكن نقود اليوم ليست كنقود عصر التشريع، ومن سلع اليوم ما لم يعرفه العالم من قبل، واستحدثت أشكال يتعامل بها الناس في بيوعهم. وما دام البيع يخلو من المحظور فليس لأحد أن يقف به عند شكل تعامل به المسلمون في عصر معين.
لهذا كان من الضروري لمن يدرس فقه المعاملات المعاصرة أن يميز بين الثابت والمتطور، وأن ينظر إلى التكييف الشرعي للصور المستحدثة حتى يمكن بيان الحكم الشرعي، وأضرب هنا هذا المثال:
من أحدث ما توصلت إليه بعض البنوك الربوية أنها جعلت راتبا شهريا لمن يودع لديها مبلغا معينا، وحددت الراتب تبعا لمقدار ما يودع. ويعلن عن هذا النوع من التعامل في الصحف دعوة وترغيبا للناس.
وإذا تركنا هذه المؤسسة الحديثة بمشروعها المستحدث ونظرنا إلى المعاملات في العصر الجاهلي وجدنا من صور الربا صورة اشتهرت بين الناس، وهي: أن يدفع أحدهم ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا، ورأس المال باق بحاله.
وإذا نظرنا إلى ما قبل العصر الجاهلي وجدنا هذه الصورة في الدولتين الإغريقية والرومانية فقد جرى العرف في كلتا الدولتين بأن الفائدة السنوية يؤديها المدين على أقساط شهرية!
(انظر دراسات إسلامية لأستاذنا الجليل المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز – ص ١٥٠)
стр. 685
فودائع البنوك ذات الراتب الشهري صورة (طبق الأصل) لتعامل ربوي اشتهر بين أهل الجاهلية، وعند الإغريق والرومان.
فمن قال بتحريم فوائد هذه الودائع فقد أصاب، حيث رد الصورة إلى أصلها الجاهلي. ومن ذهب إلى التحصيل فربما لم ينظر نظرة عميقة فاحصة.
وإني إذ أتشرف بتقديم هذا البحث لمؤتمركم الموقر أرجو ألا أكون قد جاوزت الحد إذا جرى القلم بذكر بعض الفتاوى الشرعية، فإن البحث إنما قدم ليقول السادة العلماء الأجلاء كلمتهم ويصدروا فتواهم، غير أني أشير إلى فتاوى سبقت لعدد من المؤتمرات، ولمؤتمركم هذا أن يصدر ما يؤكدها ويدعمها أو يعارضها.
نسأل الله التوفيق والسداد، وأن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يجعل هذا المؤتمر مباركا طيبا، معليا لكلمته، داحضا للباطل، مبطلا للشبه التي يثيرها المثيرون.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾
ولله الحمد في الأولى والآخرة، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى.
وظيفة البنك
كلمة " البنك " من الألفاظ التي أقرها مجمع اللغة العربية، وجاء التعريف في معجمه الوسيط بقوله:
(البنك) : مؤسسة تقوم بعمليات الائتمان بالاقتراض والإقراض.
وهذا التعريف يبين وظيفة البنك، وهو يتفق مع تعريف رجال الاقتصاد.
стр. 686
عرف أحد أساتذة الاقتصاد البنك بقوله:
"يمكن تعريف البنك بأنه المنشأة التي تقبل الودائع من الأفراد والهيئات تحت الطلب أو لأجل، ثم تستخدم هذه الودائع في منح القروض والسلف ".
وتحدث أستاذ آخر عن أعمال البنوك فقال:
" يمكن تلخيص أعمال البنوك التجارية في عبارة واحدة هي:
التعامل في الائتمان أو الاتجار في الديون: إذ ينحصر النشاط الجوهري للبنوك في الاستعداد لمبادلة تعهداتها بالدفع لدى الطلب بديون الآخرين، سواء أكانوا أفرادا أم مشروعات أم حكومات. ويقبل الأفراد هذه التعهدات المصرفية. وهي التي تعرف باسم الودائع الجارية – في الوفاء بما تزودهم به البنوك من اعتمادات وسلف نظرا لما يتمتع به التعهد المصرفي بالدفع لدى الطلب من قبول عام في تسوية الديون.
وهكذا تتوصل البنوك التجارية إلى مزاولة نشاطها الذي تبرز به وجودها وتستمد من القيام به أرباحها، بالاضطلاع تارة بمركز الدائن، وتارة بمركز المدين " اهـ.
(التعريف الأول للدكتور إسماعيل محمد هاشم. انظر كتابه مذكرات في النقود والبنوك ص ٤٣.
والأستاذ الآخر هو الدكتور محمد زكي شافعي – راجع كتابه: مقدمة في النقود والبنوك ص ١٩٧) .
البنك إذن تاجر ديون، والفوائد التي يدفعها ترجع إلى مقدار الدين. والزمن الذي يمكثه هذا الدين، ومعظم كسب البنوك من هذه الفوائد، حيث تأخذ قروضا بسعر أقل مما تقرض.
стр. 687
ودائع البنوك عقد قرض شرعا وقانونا
ذهب أكثر من تكلم عن ودائع البنوك إلى أنها تعتبر قرضا، ويشيع بين آخرين أنها وديعة، حيث يقال: نحن لا نقرض البنك وإنما نودع لديه. وذهب بعض من أراد أن يستحل فوائد البنوك إلى القول بأن هذه الفوائد تعتبر أجرا لاستعمال النقود أي أن الودائع تدخل تحت عقد الإجارة.
ولعل من المفيد هنا أن نذكر ما يبين الفرق بين العقود الثلاثة كما جاء في الفقه الإسلامي: عقد القرض ينقل الملكية للمقترض، وله أن يستهلك العين، ويتعهد برد المثل لا العين. والمقترض ضامن للقرض إذا تلف أو هلك أو ضاع، يستوي في هذا تفريطه وعدم تفريطه. أما الوديعة فهي أمانة تحفظ عند المستودع. وإذا هلكت فإنما تهلك على صاحبها لأن الملكية لا تنقل إلى المستودع، وليس له الانتفاع بها، ولذلك فهو غير ضامن لها إلا إذا كان الهلاك أو الضياع بسبب منه.
والعقد الثالث وهو الإجارة: فمن المعلوم أنه لا ينقل الملكية للمستأجر وإنما يعطيه حق الانتفاع مع بقاء العين لصاحبها ويدفع أجرا مقابل هذا الانتفاع , ولذلك يطلق على الإجارة " بيع المنافع " فتجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقاء العين بحكم الأصل، ولا تجوز إجارة ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالطعام، فلا ينتفع به إلا باستهلاكه، والإجارة عقد على المنافع، فلا تجوز لاستيفاء عين واستهلاكها، ومثل الطعام النقود، فلا يمكن الانتفاع بها إلا بإنفاقها في الشراء أو غيره، أي باستهلاك العين، والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، أن تلفت بغير تفريط لم يضمنها.
وفي ضوء ما سبق يمكن القول بأن ودائع البنوك سميت بغير حقيقتها فهي ليست وديعة؛ لأن البنك لا يأخذها كأمانة يحتفظ بعينها لترد إلى أصحابها، وإنما يستهلكها في أعماله ويلتزم برد المثل.
وهذا واضح في الودائع التي يدفع البنك عليها فوائد، فما كان ليدفع هذه الفوائد مقابل الاحتفاظ بالأمانات وردها إلى أصحابها.
أما الحسابات الجارية فمن عرف أعمال البنوك أدرك أنها تستهلك نسبة كبيرة من أرصدة هذه الحسابات.
стр. 688
كما أن البنك في جميع الحالات ضامن لرد المثل، فلو كانت وديعة لما كان ضامنا، ولما جاز له استهلاكها.
ومن الواضح الجلي أن ودائع البنوك لا تدخل في باب الإجارة، ويكفي أن ننظر إلى طبيعة النقود، وإلى عملية الإيداع من حيث الملكية والضمان والاستهلاك.
ولم يبق إلا القرض وهو ينطبق تماما على عقد الإيداع.
وإذا نظرنا إلى القانون نجد أن تشريعات معظم الدول العربية تعتبر هذه الودائع قرضا، قال العلامة الأستاذ الدكتور عبد الرازق السنهوري في كتابه (الوسيط في شرح القانون المدني) : " ويتميز القرض عن الوديعة في أن القرض ينقل ملكية الشيء المقترض إلى المقترض على أن يرد مثله في نهاية القرض إلى المقرض، أما الوديعة فلا تنقل ملكية الشيء المودع إلى المودع عنده بل يبقى ملك المودع ويسترده بالذات. هذا إلا أن المقترض ينتفع بمبلغ القرض بعد أن أصبح مالكا له، أما المودع عنده فلا ينتفع بالشيء المودع بل يلتزم بحفظه حتى يرده إلى صاحبه.
ومع ذلك فقد يودع شخص عند آخر مبلغا من النقود أو شيئا آخر مما يهلك بالاستعمال ويأذن له في استعماله، وهذا ما يسمى بالوديعة الناقصة.
وقد حسم التقنين المدني الجديد الخلاف في طبعية الوديعة الناقصة، فكيفها بأنها قرض. وتقول المادة ٧٢٦ مدني في هذا المعنى: إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله اعتبر العقد قرضا.
أما في فرنسا فالفقه مختلف في تكييف الودائع الناقصة. والرأي الغالب هو الرجوع إلى نية المتعاقدين. فإذا قصد صاحب النقود أن يتخلص من عناء حفظها بإيداعها عند الآخر فالعقد وديعة. أما أن قصد الطرفان منفعة من تسلم النقود عن طريق استعمالها لمصلحته فالعقد قرض. ويكون العقد قرضا بوجه خاص إذا كان من تسلم النقود مصرفا " (٥/٤٢٨- ٤٢٩) وقال بعد ذلك في حديث عن صور مختلفة لعقد القرض: " وقد يتخذ القرض صورا مختلفة أخرى غير الصور المألوفة.. من ذلك إيداع نقود في مصرف، فالعميل الذي أودع النقود هو المقرض، والمصرف هو المقترض، وقد قدمنا أن هذه وديعة ناقصة وتعتبر قرضا " (٥/٤٣٥) .
стр. 689
ويقول الدكتور علي جمال الدين عوض في كتابه (عمليات البنوك من الوجهة القانونية) :
إذا نظرنا إلى الحالة الغالبة للوديعة المصرفية وجدناها قرضا؛ لأن الوديعة تكون بقصد الحفظ والمودع لديه يقوم بخدمة للمودع، في حين أنه في القرض يستخدم المقترض مال غيره في مصالحه الخاصة، والتمييز دقيق بين كل من القرض والوديعة في العمل، فإذا وعد البنك برد النقود لدى الطلب فقد يمكن القول أن هناك وديعة؛ لأن الرد بمجرد الطلب يمنع البنك من استخدام النقود.
ولذلك فهو يقوم بخدمة لعملائه ولا يعتبر مقترضا، لكن هذا لم يعد صحيحا اليوم إلا من الناحية النظرية، فإن البنوك إذ تقبل الودائع ترد لدى الطلب أو بعد مدة قصيرة من الطلب، فإن ذلك لا يمنعها من استخدام النقود في مصالحها، اعتمادا منها على أن المودعين لن يتقدموا جميعا لطلب الاسترداد دفعة واحدة في وقت واحد، وأن سحب بعض الودائع يؤدي إلى إيداع مبالغ جديدة، وأن الودائع الجديدة تستخدم في مواجهة طلبات الاسترداد، وأنه على أي حال إذا زاد القدر المطلوب على الموجود فعلا لدى البنك فإنه يستطيع بطرق متعددة الحصول على ما يلزمه لمواجهة الطلبات الجديدة، فضلا عن أن الوديعة بالمعنى الفني الدقيق التي تهدف إلى خدمة المودع تفرض في الواقع أن البنك المودع لديه لا يعطي فائدة عنه، بل فوق ذلك يتقاضى أجرا عن هذه الخدمة؛ لأن مجانية الإيداع التي يطلبها الفرد يصعب أن يقبلها البنك، كما أن القانون المدني لا يفترض في الوديعة أجرا إلا لصالح المودع لديه، في حين أن البنك لا يتلقى أي أجر عن عمله، بل إنه يعطي فائدة للعميل مقابل إبقاء النقود لديه.
ولذلك يمكن القول بالنظر على الواقع أن الوديعة النقدية المصرفية في صورتها الغالبة تعد قرضا، وهو ما يتفق مع القانون المصري حيث تنص المادة ٧٢٦ منه على ما يأتي: إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك باستعماله، وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله اعتبر العقد قرضا. ويأخذ كثير من تشريعات البلاد العربية بهذه القرينة، أي ينص على أن البنك يمتلك النقود المودعة لديه، ويلتزم بمجرد رد مثلها من نفس النوع.
(راجع ما كتبه عن طبيعة الوديعة النقدية المصرفية ص٢٠-٢٨ والجزء الذي نقلناه منه بتصرف من صفحات ٢٢، ٢٦، ٢٧) .
стр. 690
بعد هذا كله نقول: أن ودائع البنوك تعتبر قرضا في نظر الشرع والقانون، والاتفاق هنا بين الشرع والقانون من حيث الحكم على الودائع بأنها قرض، وبعد هذا الاتفاق يأتي الاختلاف الكبير بين شرع الله تعالى في تحريم ربا الديون بصفة عامة وبين القانون الوضعي في إباحته هذا الربا بعد أن أسماه فوائد.
ومن هنا ندرك سبب الفتوى التي أصدرها بالإجماع علماء المسلمين المشتركون في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بعد أن نظروا في الأبحاث المقدمة إليهم عن أعمال البنوك، ونص هذه الفتوى هي:
" الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام.
والإقراض بالربا محرم، لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا حرام كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، ووكل امرئ متروك لدينه في تقرير ضرورته.
وإن أعمال البنوك في الحسابات الجارية، وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك في الداخل، كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.
وإن الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بالفائدة، وسار أنواع الإقراض نظير فائدة، كلها من المعاملات الربوية، وهي محرمة ".
وبعد هذا المؤتمرعقدت عدة مؤتمرات، وبحث المجتمعون هذا الموضوع، وكلهم أجمعوا على أن فوائد البنوك من الربا المحرم.
ثم كانت الخطوة الأخرى نحو دعم البديل الإسلامي وتحسينه، ونرى هذا مثلا في مقترحات وتوصيات المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي.
ونرجو أن يكون مؤتمرنا هذا دعما وتقوية للمؤتمرات السابقة.
стр. 691
القرض الاستهلاكي والقرض الإنتاجي
في الفتوى السابقة لمجمع البحوث إشارة لعدم التفرقة بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي من حيث تحريم فوائد كلا النوعين من القروض.
وإذا كان تحريم القروض الاستهلاكية أمرا لا خلاف حوله، فإن تحريم فوائد القروض الإنتاجية يجب أن تستقر عليه الفتوى، فهي القروض الربوية التي شاعت وانتشرت في العصر الجاهلي، ثم جاء الإسلام فحرم ربا الديون جميعها.
وإذا نظرنا إلى البيئة العربية التي نزل فيها التحريم لم نكد نجد قرضا استهلاكيا، ذلك أن الربا قل أن يحتاج إلى هذا النوع من القروض:
فالعرب في الصحراء كان غذاؤهم فيها بسيطا، فقليل من الشعير يكفيهم، وإذا أضيف التمر واللبن فذلك غذاء رافه، وكان لباسهم بسيطا كغذائهم، وهو ليس أكثر من ثوب طويل يضمه في وسطه منطقة، وقد تلفه عباءة، وغطاء للرأس يمسكه عقال ". " ولم تكن خصلة عندهم تفوق خصلة الكرم وقد بعثتها فيهم حياة الصحراء القاسية، وما فيها من إجداب وإمحال، فكان الغني بينهم يعطف على الفقير، كثيرا ما كان يذبح إبله في سنين القحط، يطعمها عشيرته، كما يذبحها قرير العين لضيفانه الذين ينزلون به أو تدفعهم الصحراء إليه. ومن سنتهم أنهم كانوا يوقدون النار ليلا على الكثبان والجبال؛ ليهتدي إليهم التائهون والضالون في الفيافي، فإذا وفدوا عليهم أمنوهم حتى لو كانوا من عدوهم ".
(انظر كتاب: العصر الجاهلي للدكتور شوقي ضيف ص٦٨، ص٧٨)
أما مكة في الجاهلية فكانت مدينة تجارية عظيمة، وأهلها اعتادوا القيام برحلتين تجاريتين: إحداهما إلى اليمن شتاء، والأخرى إلى الشام صيفا، وقد امتن الله عليهم بهذا في سورة قريش كما هو معلوم.
" وعقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي، كما عقد نوفل والمطلب حلفا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن. وكذلك ازدادت مكة منعةو جاه كما ازدادت يسارا، وبلغ أهلها من المهارة في التجارة أن أصبحوا لا يدانيهم فيها مدان من أهل عصرهم. كانت القوافل تجيء إليها من كل صوب، وتصدر عنها في رحلتي الشتاء والصيف، وكانت الأسواق تنصب فيما حولها لتصريف هذه التجارة فيها، ولذلك مهر أهلها في النسيئة والربا، وفي كل ما يتصل بالتجارة من أسباب المعاملات " (حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل ص٩٧) .
من هنا نرى أن مثل هذا المجتمع العربي تندر فيه القروض الاستهلاكية، وتكثر القروض الإنتاجية للتجارة.
стр. 692
القرض الإنتاجي الربوي وشركة المضاربة
إلى جانب القرض الإنتاجي الربوي الذي شاع واستشرى في الجاهلية، وجد أيضا تعامل آخر للاستثمار وهو شركة المضاربة، أو ما يسمى بالقراض، وذكر أن الرسول ﷺ وهو في شبابه وقبل زواجه من السيدة خديجة ﵂ تعامل بهذه الشركة عندما تاجر في مالها.
وعندما جاء الإسلام وحرم الربا، دخل القرض الإنتاجي الربوي في دائرة الحرام، وبقيت المضاربة حلالا، فتعامل بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع غيرها من طرق الاستثمار المشروعة، وأقرهم الرسول ﷺ .
والعباس بن عبد المطلب ﵁ الذي تعامل بالربا، وكان رباه أول ربا وضعه الرسول ﷺ ، تعامل أيضا بالمضاربة، وكان يشترط على المضارب شروطا، إذا خالفها فهو ضامن، ويذكر أن الرسول ﷺ رفع إليه شرط العباس فاجازه.
(انظر المطالب العالية ١/٤١٩، والخبر سكت عليه البوصيري، ولكن في سنده مقال) .
ومن المعلوم أن المضارب ليس بضامن إلا إذا خالف شروط العقد، أو فعل ما ليس من حقه أن يفعله، أو قصر أو فرط.
ومن الذين تحدثوا عن الودائع، وعن بعض صورها مثل شهادات الاستثمار، وجدنا من يشير إلى شركة المضاربة، ومن يعتبر هذه المعاملات عقودا مستحدثة لها بالمضاربة شبه، ولكنها تختلف عنها بما لا يخالف كتابا ولا سنة، لهذا أحب أن نميز بين القرض الإنتاجي الربوي وشركة المضاربة، وأن ننظر إلى الثبات والتطور في هذين العقدين، قبل النظر في القول المذكور آنفا.
стр. 693
الفرق بين القرض والمضاربة
القرض يحدد له فائدة ربوية تبعا للمبلغ المقترض، والزمن الذي يستغرقه القرض، كأن يكون ١٠ % من رأس المال سنويا، بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة.
أما المضاربة، فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمضارب بنسبة متفق عليها، والخسارة من رأس المال وحده، ولا يأخذ في حالة عدم وجود ربح.
والعلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشركة، فصاحب القرض له مبلغ معين محدد ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط، حيث يملك المال ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية، فإن كسب كثيرا فلنفسه، وإن خسر تحمل وحده الخسارة.
أما المضاربة فهي شركة، فيها الغنم والغرم للاثنين معا، فالمضارب لا يملك المال الذي بيده وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال، والكسب مهما قل أو كثر يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها، وعند الخسارة يتحمل صاحب رأس المال الخسارة المالية، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله، ولا ضمان على المضارب كما ذكرنا.
стр. 694
الثابت والمتطور في القرض والمضاربة
الإسلام لا يبيح إلا القرض الحسن، سواء أكان القرض استهلاكيا أم إنتاجيا، وكل مال يدفع في مقابل الزمن الذي يستغرقه القرض فهو من ربا النسيئة.
وإذا اتخذ القرض أشكالا مختلفة، وصورا متعددة، واستحدثت منه ما استحدث، فإنا ننظر في جوهره ومضمونه، ونلحقه بأصله، فإما أن يكون قرضا حسنا، وإما أن يكون قرضا ربويا.
وفي بداية البحث أشرت إلى الرواتب الشهرية التي تدفعها البنوك الربوية لمن يودع لديها مبلغا من النقود، ورأينا أن هذا الشكل في مضمونه يعود إلى ربا الجاهلية، بل إلى ما قبل الجاهلية.
ونضرب هنا مثلا آخر من أعمال البنوك وهو ما يعرف بالاعتماد المستندي، فالبنك يأخذ عمولة كأجر على أعماله التي يقوم بها لصالح عميله الذي يستفيد من فتح هذا الاعتماد، فالأجر هنا حلال؛ لانه في مقابل منفعة مشروعة، غير أن البنك عند فحص المستندات ودفع الثمن لمصدر السلع، قد لا تكفي الأموال التي أخذها من العميل ثمنا لهذه السلع، وعند ذلك يقوم البنك بدفع المبلغ الزائد، وهنا إذا كان البنك من البنوك الإسلامية، فإنه ينص صراحة على أن هذا المبلغ قرض حسن، أما إذا كان البنك ربويا فإنه يعتبر هذا المبلغ دينا على العميل بفائدة محددة، أي أن هذا يعتبر قرضا ربويا.
والبنوك الربوية كما تقرض قروضا تأخذ الشكل العادي المعروف، فإنها تعطي قروضا في أشكال مستحدثة مثل ما يسمى بفتح الاعتماد (غير المستندي) ، وخصم الأوراق التجارية، والسحب على المكشوف ... إلخ.
فكل هذه المعاملات في جوهرها قروض ربوية، والمضاربة في الأصل كانت صورة بدائية لا تكاد تزيد عن شركة بين اثنين: صاحب رأس المال والمضارب. وكانت تستخدم في التجارة في أشياء محدودة. ورأس المال كان من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية.
стр. 695
غير أنها في جوهرها شركة، وليست علاقة دائن بمدين، ولهما شرطان مجمع علهما وهما ما أشرت إليهما في الربح والضمان. فإذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه مبلغا محددا من المال بطلت المضاربة. ومتى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهما من الخسارة، فالشرط باطل بغير خلاف.
والبنوك الإسلامية عندما أرادت أن تقدم تطبيقا عمليا للاستثمار الحلال المشروع، ابتعدت عن القرض الإنتاجي الربوي، وقامت على أساس شركة المضاربة الإسلامية، غير أن الشكل تطور دون مساس بالجوهر.
فمجموع المودعين يمثل صاحب المال، والبنك يعتبر المضارب، ورأس المال لم يعد من الذهب والفضة، فقد تطورت النقود وأصبحت ورقية، ومجالات الاستثمار تعددت وتنوعت.. كل هذا التطور لا يمس الجوهر الثابت، فلا تزال شركة فيها الغنم والغرم، تحتفظ بالشرطين اللذين أجمعت عليهما الأمة طوال أربعة عشر قرنا.
النص والاجتهاد في المضاربة
قال أحد السادة العلماء:
" لم يؤثر عنه ﷺ في حديث أنه تكلم في موضوع المضاربة حتى قال الأئمة ورجال الحديث كالشوكاني في (نيل الأوطار) : ليس في المضاربة شيء مرفوع إلى النبي ﷺ سوى حديث ضعيف يقول أن فيها بركة، كما أثر عن الإمام ابن حزم أن كل أبواب الفقه لها أصل من الكتاب والسنة ما عدا القراض (المضاربة) فما وجدنا له أصلا البتة في الكتاب والسنة " أه.
وأرى من اللازم هنا تكملة ما نقله الشوكاني عن ابن حزم حيث قال بعد الكلام السابق مباشرة:
" ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي يقطع به أنه كان في عصر النبي ﷺ فعلم به وأقره ولولا ذلك لما جاز ".
стр. 696
بعد هذا أقول: إذا لم تصل إلينا سنة قولية أفليس التقرير من السنة؟
ثم هذا الإجماع الصحيح المجرد لم يخرج عليه أحد من الصحابة أو التابعين ﵃، وأخذ به كل الأئمة المجتهدين، وأجمعت عليه الأمة مدة أربعة عشر قرنا، هذا الإجماع أليس حجة ملزمة ومصدرا من مصادر التشريع الإسلامي؟
ألنا اليوم أن نهدم مثل هذا الإجماع؟
ولننظر هنا إلى ما قاله إمام دار الهجرة في الموطأ (كتاب القراض – باب ما يجوز من الشرط في القراض، وباب ما لا يجوز) :
قال ﵁ في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا، واشترط عليه فيه شيئا من الربح خالصا دون صاحبه: أن ذلك لا يصلح، وإن كان درهما واحدا.. إلا أن يشترط نصف الربح له ونصفه لصاحبه، أو ثلثه أو ربعه، أو أقل من ذلك أو أكثر. فإذا سمى شيئا من ذلك، قليلا أو كثيرا، فإن كل شيء سمي من ذلك حلال، وهو قراض المسلمين.
قال: " ولكن أن اشترط أن له من الربح درهما واحدا فما فوقه، خالصا دون صاحبه، وما بقي من الربح فهو بينهما نصفين، فإن ذلك لا يصلح، وليس على ذلك قراض المسلمين ".
وتعبير الإمام مالك هنا " وهو قراض المسلمين مع كلمة حلال "، ثم تعبيره الآخر: " وليس على ذلك قراض المسلمين " يدل على أن القراض الحلال لا يكون فيه مبلغ محدد من المال ولو كان درهما واحدا.
والصورة التي اعتبرها الإمام مالك مخالفة لما عليه المسلمون، لا تخرج عن الشركة، لكن درهما واحدا يمكن أن يبطلها ويخرجها عن دائرة الحلال. فكيف إذن بما لا يمكن أن يكون شركة فيها الغنم والغرم، وليس إلا قرضا استثماريا ربويا!
ويرد هنا سؤال وهو أن ما ورد عن الصحابة الكرام، وأجمعوا عليه دون مخالف واحد، ألا يدخل في حكم المرفوع إلى الرسول ﷺ ؟
стр. 697
أفيمكن أن يكون هذا الاجتهاد محضا أم أنهم أخذوه وفهموه من الرسول ﷺ ؟
أليسوا هم أدرى وأعلم بما أحل ﷺ وبما حرم؟
والمضاربة ليست هي الشركة الوحيدة في الإسلام، فلننظر إلى الشركات المماثلة. قال ابن تيمية ﵀:
" والمزارعة مشاركة، هذا يشارك بنفع بدنة، وهذا بنفع ماله، وما قسم الله من ربح كان بينهما كشريكي العنان ".
ثم قال: " والمساقاة والمزارعة والمضاربة هما يشتركان في جنس المقصود، وهو الربح، مستويان في المغنم والمغرم، أن أخذ هذا أخذ هذا , وإن حرم هذا حرم هذا. ولهذا وجب أن يكون المشروط لأحدهما جزءا مشاعا من الربح من جنس المشروط للآخر، وأنه لا يجوز أن يكون مقدرا معلوما، فعلم أنها من باب المشاركة، كما في شركة العنان , فإنهما يشتركان في الربح.
ولو شرط مال مقدر من الربح، أو غيره: لم يجز. وهذا هو الذي نهى رسول الله ﷺ من المخابرة، كما جاء ذلك مفسرا في صحيح مسلم وغيره، عن رافع بن خديج، أنهم كانوا يكرون الأرض، ويشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها كما تنبت الماذيانات والجداول، فربما سلم هذا ولم يسلم هذا.
ولهذا قال الليث بن سعد: أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة أمر إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. وهذا من فقه الليث الذي قال فيه الشافعي: كان الليث أفقه من مالك فإنه بين أن الذي نهى عنه النبي ﷺ موافق لقياس الأصول؛ لما فيه من أن يشترط لأحد الشريكين شيء معين من الربح. والشركة حقها العدل بين الشريكين فيما لهما من المغنم وعليهما من المغرم، فإذا خرجت كان ظلما محرما ".
(مجمعوع الفتاوى ٣٠/٢٢٥ – ٢٢٦) .
قال ابن تيمية في موضع آخر:
" في المزارعة ... يشتركان في المغنم وفي الحرمان كما في المضاربة، فإذا حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، وكان ذهاب نفع مال هذا في مقابلة ذهاب نفع بدن هذا. ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء، لا في المضاربة، ولا في المساقاة، ولا في المزارعة؛ لأن ذلك مخالف للعدل، إذ قد يحصل لأحدهما شيء والآخر لم يحصل شيء، وهذا هو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ في الأحاديث التي روي فيها أنه نهى عن المخابرة، أو عن كراء الأرض، أو عن المزارعة، كحديث رافع بن خديج وغيره: فإن ذلك قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يعملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك، ولهذا قال الليث بن سعد: أن الذي نهى عنه رسول الله ﷺ من ذلك أمر إذا نظر فيه ذو علم بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز ".
(مجموع الفتاوى ٢٥/١٦ – ٦٢) .
стр. 698
قال ابن القيم ﵀: " المزارعة من جنس الشركة، يستويان في الغنم والغرم، فهي كالمضاربة ". وقال: " أصحاب الأرض كثيرا ما يعجزون عن زرعها ولا يقدرون عليه، والعمال والأكر يحتاجون إلى الزرع، ولا أرض لهم، ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلا بالزراع، فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها، ونظره لهم: أن جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها، ويشتركان في الزرع: هذا بعمله، وهذا بمنفعة أرضه، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا في غاية العدل والحكمة، والرحمة والمصلحة.. كما في المضاربة والمساقاة ".
(عون المعبود شرح سنن أبي داود ٩/٢٥٩، ٢٦٠ – شرح الحافظ ابن القيم الجوزية بالحاشية) .
المساقاة والمزارعة إذن شركتان كالمضاربة، فماذا جاء فيهما من النص؟
في نيل الأوطار تحت كتاب المساقاة والمزارعة جاءت عدة روايات، منها: ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع". وعنه أيضا أن النبي ﷺ لما ظهر على خيبر سألته اليهود أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم: ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)) .
وما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخل، قال: ((لا)) . فقالوا: تكفونا العمل ونشرككم في الثمرة، فقالوا: سمعنا وأطعنا.
وما ذكره البخاري تعليقا ووصله عبد الرازق عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع.
وهذه الروايات وغيرها تؤيد ما ذكره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم من قبل، ولكن إذا شرط أحد الشريكين شيئا لنفسه، فما حكم العقد؟
стр. 699
بعد الموضوع السابق من نيل الأوطار نجد "باب فساد العقد إذا شرط أحدهما لنفسه التبن أو بقعة بعينها ونحو" (٥ – ٣٠٩) .
وتحت هذا الباب نقرأ ما يلي:
عن رافع بن خديج قال: "كنا أكثر الأمصار حقلا، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما الورق فلم ينهنا". أخرجاه.
وفي لفظ: "كنا أكثر أهل الأرض مزدرعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها تنمي لسيد الأرض، قال: فربما يصاب ذلك فتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم الأرض، فنهينا، فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ". رواه البخاري.
وفي لفظ قال: "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ وآله بما على الماذيانات وأقبال الجداول , وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كري إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به". رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وفي رواية عن رافع قال: "حدثني عماي أنهما كانا يكريان الأرض على عهد رسول الله ﷺ وآله بما ينبت على الأربعاء وبشيء يستثنيه صاحب الأرض، قال: فنهى النبي ﷺ وآله وسلم عن ذلك". رواه أحمد والبخاري والنسائي.
وفي رواية عن رافع "أن الناس كانو يكرون المزارع في زمان النبي ﷺ وآله وسلم بالماذينانات وما يسقي الربيع وشيء من التبن، فكره رسول الله ﷺ كرى المزارع بهذا ونهى عنها". رواه أحمد.
(الماذيانات: هي ما ينبت على حافة النهر ومسايل المياه، وهي في الأصل مسايل فسمى النابت عليها باسمها. الجدول والربيع: أي النهر الصغير، والجمع جداول وأربعاء) .
من الروايات السابقة نرى فساد العقد إذا جعل لأحد الشريكين شيء معين، والحكمة هنا واضحة، وإن كان النص يتصل بالمزارعة والمساقاة، فكلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم واضح كل الوضوح، فلعل هذا النص كان أصلا أخذ به في المضاربة. وقد أشار إلى هذه الروايات المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الرحمن تاج في بحث قدمه للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية، ثم قال:
"ومن هذا كله يتبين: أن اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة لا يجوز، وأن النبي ﷺ قد نهى عنه؛ لما يترتب عليه من الظلم، وعدم العدل بين الشريكين: صاحب الأرض، والعامل فيها، لجواز ألا تخرج الأرض غير ما اشترطه الأول لنفسه، فيضيع عمل العامل وجهده، على حين ينتفع الشريك الآخر وحده. فأما كراء الأرض بالذهب، أو الفضة، أو بشيء غيرهما ومضمون في الذمة، فلا شيء فيه ".
стр. 700
هذا هو ما ثبت عن الرسول ﷺ ورواه أئمة الحديث: البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي، بألفاظ متحدة أو متقاربة، ولا يسع الفقهاء من مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا أن يتبعوه ويقولوا به في المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر الشركات، فإن اشترط جزء معين من ربح ذلك وثمراته لأحد المتعاقدين، قد يؤدي إلى المعنى الذي من أجله ورد النهي، فإنه يخل بالمقصود من العقد، وهو الاشتراك في النتائج والثمرات.
وإذا كان اشتراط جزء معين من الخارج، لصاحب الأرض في المزارعة، قد حظرته الشريعة ونهى عنه الرسول ﷺ ؛ لما فيه من الظلم والغبن بأحد الشريكين المتعاقدين على الاشتراك في الربح والخسارة، فلماذا يرد في وجه الأئمة الفقهاء قولهم بلزوم خلو العقد من ذلك الاشتراط الجائر الظالم؟ وهو لم يقولوه إلا تطبيقا للسنة الصحيحة وعملا بما تدل عليه نصوصها الصريحة! وكيف يسوغ من مطلع على نصوص الشريعة ومواردها، أن يقول اشتراط ربح محدود لرب المال في المضاربة: أنه جائز، غير مخالف لكتاب ولا سنة، وإن كان فيه مخالفة لأقوال الفقهاء؟ أو لا يكفي النص على حظر ذلك الاشتراط ومنعه في المزارعة، فيعلم أنه محظور وممنوع في المضاربة والمساقاة وغيرهما ممن فروع الشركات؟ وهل من حسن الظن بالشريعة العادلة أن يقال: " أنها تمنع من الظلم والجور في شركة المزارعة، وتبيح ذلك كله في شركة القراض " اهـ.
وقال الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه " الحلال والحرام " (ص٢٦٢) :
"هذا الشرط المفسد للمزارعة بالنص الصريح، هو في رأيي أصل لإجماع الفقهاء على الاشتراط في المضاربة ألا يحدد نصيب لأحدهما يضمنه على كل حال، ربحت الصفقة أم خسرت. وتعليلهم فساد المضاربة هنا كتعليلهم فساد المزارعة هناك، فهم يقولون: إنه إذا شرط أحدهما دراهم معلومة احتمل ألا يربح غيرها فيحصل على جميع الربح، واحتمل ألا يربحها. وهذا تعليل موافق لروح الإسلام الذي يبني كل معاملاته على العدالة المحكمة الواضحة ".
من هذا نرى تعدد الأدلة التي تبين بطلان عقد المضاربة إذا جعل لأي من الشريكين نصيب معلوم، فإلى جانب هذه الأحاديث الشريفة توجد السنة التقريرية والإجماع. غير أن المضاربة مع هذا الشرط الباطل لا تخرج عن كونها شركة، أما ودائع البنوك فليست من الشركة الصحيحة أو الباطلة، فعلاقة المودع والبنك لا تحرج عن كونها علاقة دائن ومدين.
стр. 701
شيخ الإسلام ابن تيمية يبين أن المضاربة ثابتة بالسنة
قرأت لابن تيمية بيانا لحجية الإجماع، ومما جاء فيه (الفتاوى جـ ١٩ ص ١٩٢) :
الآية المشهورة التي يحتج بها على الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [١١٥: النساء] .
وبعد أن ذكر الآراء المختلفة حول دلالة الآية الكريمة قال ﵀:
"ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا، فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم. فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا، والآية توجب ذم ذلك. وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول. قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك أن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول، وهذا هو الصواب.
فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة. وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص.
وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة وليس كذلك، بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لاسيما قريش، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله ﷺ قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله ﷺ وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك. والسنة: قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة.
والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك في الموطأ، ويعتمد عليه الفقهاء، لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لابنيه، واتجرا فيه وربحا، وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصهما بذلك دون سائر الجيش، فقال له أحدهما: لو خسر المال كان علينا فكيف يكون لك الربح وعلينا الضمان؟ فقال له بعض الصحابة: اجعله مضاربة فجعله مضاربة. وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم، والعهد بالرسول قريب لم يحدث بعده. فعلم أنها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والجزارة.
стр. 702
وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، ولكن كان النص عند غيرهم. وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول، مع قولهم بصحة القياس.
ونحن لا نشرط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار، لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة، وكثير من العلماء لم يعلم النص، وقد وافق الجماعة، كما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع ".
(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٩/١٩٤ – ١٩٦)
هل البنك فقير حتى نقرضه؟
يعجب كثير من الناس عندما يسمعون أن ودائع البنوك تعتبر قرضا، فالقرض إنما يكون للفقير المحتاج، والمودع قد يكون هو الفقير الذي ادخر أموالا قليلة بشق الأنفس للانتفاع بها في وقت آخر، أو لأي سبب من الأسباب، فكيف يقرض البنك صاحب الملايين؟!
ويعترض بعض أهل العلم على جعل هذه الودائع من باب القرض؛ لأن القرض عقد إرفاق، والمتعاملون مع البنوك هنا إنما يريدون الإيداع والاستثمار، وليس الرفق بالبنوك والإحسان إليها!
وعامة الناس معذورون، وخاصتهم قد يعذرون وقد لا يعذرون.
وقبل أن أحاول إزالة هذه الشبهة أضع أمام القارئ المسلم ما يأتي:
بعد أن قتل الزبير بن العوام – ﵁ – ترك من بعده مالا كثيرا وفيرا، ووجدوا عليه دينا كبيرا! وقد أشار إلى هذه التركة وهذا الدين الإمام البخاري في صحيحه، وكثير غيره كما ذكر الحافظ في الفتح.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧/٢٥٠) :
"وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله، فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائتي ألف، فوفوها عنه، وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به، ثم قسمت التركة بعد ذلك، فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم.. فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف ".
معنى هذا أن تركة الزبير ﵀ ورضي عنه كانت كالآتي:
مجموع الديون مليونان و٢٠٠ ألف.
نصيب الزوجات الأربع ٤ ملايين و ٨٠٠ ألف، ومن المعلوم أن نصيب الزوجة أو الزوجات (ثمن التركة) فتكون التركة المقسمة على الورثة ٦٨ مليونا و ٤٠٠ ألف، وهذا يعادل الثلثين، حيث أوصى بالثلث ومقداره ١٩ مليونا و ٢٠٠ ألف، وبهذا تكون التركة بعد الديون ٥٧ مليونا و٦٠٠ ألف درهم وهنا يرد السؤال:
من يملك هذه الثروة الضخمة كيف يستدين هذا الدين؟
стр. 703
ولنقرأ معا ما جاء في صحيح البخاري:
" إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ".
(راجع صحيح البخاري – كتاب فرض الخمس – باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، مع النبي ﷺ وولاة الأمر) مما رواه الإمام البخاري ترى أن الذين جاءوا بهذه الأموال أرادوا حفظها عند الزبير، أي أن تكون وديعة، فطلب منهم أن تكون سلفا لا وديعة وذكرنا الفرق بين الوديعة والقرض: فالوديعة لا يضمنها المودع لديه والقرض يضمنها المقترض، ولذلك قال الزبير: فإني أخشى عليه الضيعة، أي أنه طلب أن يكون ضامنا للمال باعتباره قرضا، ويقابل هذا الضمان أن يكون من حقه الاستفادة من هذا المال المقترض، فيحفظه بماله في التجارة وغيرها، أما الوديعة فتبقى كما هي لا يستفاد منها.
ونترك تركة الزبير ودينه مؤقتا ونأتي إلى حكم من الأحكام الفقهية وهو " إقراض الولي مال اليتيم":
مما جاء تحت هذا العنوان في معجم الفقه الحنبلي (٢/١٠٧٦) : لا يجوز للولي إقراض مال اليتيم إذا لم يكن فيه حظ له، فمتى أمكن الولي التجارة به، أو تحصيل عقار له فيه الحظ لم يقرضه، وإن لم يكن ذلك وكان في إقراضه حظ لليتيم جاز، ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مثلا مال يريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه لرجل ليقضيه بدله في البلد الآخر، بقصد حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق أو نحوهما أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو يكون حديثه خيرا من قديمه كالحنطة.
فإن لم يكن فيه حظ وإنما قصد إرفاق المقترض وقضاء حاجته فهذا غير جائز، وإن أراد الولي السفر، لم يكن له المسافرة بمال اليتيم، وإقراضه حينئذ لثقة أمين أولى من إيداعه؛ لان الوديعة لا تضمن.. ولا يجوز قرضه إلا لمليء – أي غني – أمين. (وانظر المغني ٤/٢٩٥) .
من هذا يتضح أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد الإيداع، غير أن الوديعة لا تضمن ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني.
لعل من هذين المثلين يتضح المراد، فلم يكن الزبير فقيرا يستقرض، بل كان من أصحاب الملايين، له ممتلكات في المدينة والعراق ومصر وغيرها، وأراد المودعون حفظ أموالهم لا الرفق بالزبير، وتحول العقد من وديعة إلى قرض، فكل عقد له ما يميزه عن غيره، وإقراض مال اليتيم لحفظه أيضا، فهو لمصلحة اليتيم لا لمصلحة المليء الغني.
وما دام العقد عقد قرض فلا يحل أخذ زيادة على رأس المال وإلا كان من ربا النسيئة.
فمن أراد الإيداع لحفظ المال مع الضمان فالإيداع هنا قرض مضمون، كإقراض المودعين للزبير، وإقراض مال اليتيم للغني المليء.
ومن أراد الإيداع للاستثمار عن طريق الفائدة المحددة كودائع البنوك الربوية وشهادات الاستثمار، فالإيداع هنا عود للقرض الإنتاجي الربوي الذي كان شائعا في العصر الجاهلي.
ومن ساعد المحتاج، وفرج كربته، وأقرضه قرضا حسنا، جزاه الله أحسن الجزاء، وفرج عنه كربة من كرب يوم القيامة، وهذا هو عقد الإرفاق.
إذن ليس القرض في جميع حالاته عقد إرفاق، وإنما هو في الأصل عقد إرفاق وقد يخرج عن هذا الأصل.
стр. 704
هل الربا يحل بالعادة.. والرضا والاستفادة؟
تحدث أحد السادة الأساتذة عن فوائد البنوك فقال:
"لقد تعودت الناس منذ أجيال عديدة على النظام القائم.
إن وضع المسلمين في البنوك استفادة ما دام لا يجهد المقترض (البنك) ولا يستغله. وليس من الحكمة التنازل عن ربح أموالنا المشتغلة في التجارة.
نظام التوفير ليس ربا.. مادام المتعامل قد ذهب طائعا مختارا وسلم أمواله للبنك.. كذلك نظام الوديعة ليس ربا مادام البنك هو الذي حدد الفائدة وليس المودع.. أي أنك لم ترغم البنك على سعر فائدة معين، بل هو الذي حدد هذه الفائدة على حسب ما أجرى من دراسات وخطط اقتصادية.
الفائدة هنا أرباح في الواقع " اهـ.
وبالنظر في كلام الأستاذ الدكتور نلحظ ما يلي:
أولا: من المعلوم أن البنوك نشأت يهودية ربوية، وعندما دخلت بلاد الإسلام حملت معها طابعها اليهودي الربوي، فقد كان المسلمون في حالة من الضعف والخضوع لم تجعلهم يترددون في قبول ما هو قادم إليهم من بلاد الاستعمار وعلى الأخص أنه يتصل بالنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي فتن به الكثيرون، فإذا تعود الناس التعامل بالربا، فهل العادة تحكم النص وتخرج المسلمين من الأذان بحرب من الله ورسوله، وتجعل الربا المحرم بالكتاب والسنة حلالا طيبا؟!
ما أكثر الحرام الذي انتشر في عصرنا! أفيصبح حلالا مادام الناس قد تعودوه؟!
ثانيا: يعترف الأستاذ بأن ودائع البنوك عقد قرض، فالبنك مقترض، ومعنى هذا أن الزيادة المشروطة في العقد مرتبطة بالقرض والزمن، وهذا من ربا الديون المحرم بالكتاب والسنة، ولكن الأستاذ يرى أن هذا ليس من الربا المحرم لأسباب ذكرها وهي:
١ – الاستفادة وعدم إجهاد المقترض وعدم استغلاله.
٢ – المقرض أقرض طائعا مختارا.
٣ – المقترض هو الذي حدد الفائدة – أي الزيادة الربوية – وليس المقرض.
ولا أدري كيف أن الاستفادة تحل الحرام؟ وهل يخلو الحرام من فائدة ما؟ أن الخمر والميسر بنص القرآن الكريم فيهما منافع ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ . أفلأحد أن يحلهما إذا كان فيهما استفادة؟ أن شركات الطيران التي تصر على بيع الخمر، والدول التي تبيح الخمر والمجون، تستند إلى الاستفادة، أفترى أيها الأستاذ أن هذا حلال؟
стр. 705
إن الله عندما حرم الربا في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله ﷺ ، لم يستثن منه ما كان غير مجهد للمقترض وغير مستغل له، وإنما بين رسوله ﷺ تحريم ربا الجاهلية كله، ومنع أي أحد من أن يأخذ درهما واحدا زيادة عن رأس المال، وحذر من بشاعة جريمة درهم واحد من الربا حتى جعله أشد من الزنا الذي تشمئز منه النفوس الطاهرة.
ولو جاز ما يقوله الأستاذ لأحل لعمه العباس أخذ القليل الذي لا يجهد ولا يستغل، ولأحل هذا أيضا للقبائل التي احتكمت إليه في خلاف حول بقايا الربا، ولنظمت حياة الناس على أساس التعامل بهذا النوع من الربا، ولكن الكتاب والسنة نطقا بغير ما نطق به الأستاذ.
وقوله بأن المقرض أقرض طائعا مختارا، فلا أدري ما الفرق بين هذا وبين التعامل الجاهلي؟ أفكانوا في الجاهلية يجبرون المقرض حتى يقرض رغم أنفه؟! نحن نعرف أثر التراضي في العقود التي لا تصح بغيره، ولكن التراضي لا يحول الحرام إلى حلال، بل أن أكثر جرائم العصر ومنكراته تفعل بالتراضي.
والقول بأن الربا يكون حلالا إذا كان المقترض هو الذي حدد الفائدة يستدعي أن يبين لنا الأستاذ أن كل من قال لغيره: أقرضني بزيادة ربوية كذا فهو حلال! وأن تجار الجاهلية الذين حددوا الفائدة ليتوسعوا في تجارتهم أجبرهم الرسول ﷺ على إعطاء الزيادة الربوية التي حددوها بأنفسهم! وأن من احتكم إلى الرسول ﷺ كان يسأله: من الذي حدد الفائدة؟ فإن كان المقرض حرمها، وإن كان المقترض أحلها!
أخبرنا يا أستاذ: أحدث شيء من هذا؟ أم ربا الجاهلية كله موضوع؟
ونقف عند ختام حديثه بأن البنك حدد الفائدة على حسب ما أجرى من دراسات وخطط اقتصادية، وأن الفائدة هنا أرباح في الواقع.
وأقول: نحن نعرف وظيفة البنك، تاجر الديوان المرابي، فالفائدة التي يعطيها هي جزء من الربا الذي أخذه من المقرضين، فأين الدراسات والخطط الاقتصادية والأرباح نتيجة التجارة؟ أن ربا الجاهلية كان جله ناتج أرباح تجارية، وهو ما أشرت إليه عند الحديث عن القروض الإنتاجية، ومع هذا نزل التحريم، أما ربا البنوك فهو أسوأ من ربا الجاهلية، وسيأتي بيان هذا عند الحديث عن خلق النقود.
ملحظ أخير يتعلق بقوله: ليس من الحكمة التنازل عن ربح أموالنا المستغلة في التجارة، وأقول: إذا كان هذا الربح نتيجة الاتجار في الديون، فهل من الحكمة أن نأكله؟
لقد أجمعت الأمة على أن الزيادة المشروطة في مقابل القرض والزمن هي من الربا المحرم قطعا، فهذا ربا الديون المحرم بالكتاب والسنة، وهو واضح جلي غني عن البيان غير أني أحب أن أقف هنا أمام شيء آخر غير الزيادة المشروطة وهو مجرد المنفعة للمقرض:
ما حكمها؟
وما أدلة الحكم؟